← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

من تقديم الرمي ثم الذبح ثم الحلق ثم الطواف للإفاضة؛ لأنه ﷺ قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم" (١). ومنها: وجوب السؤال عما وقعت المخالفة فيه؛ ليعلم جوازه أو أفضليته. ومنها: وجوب البيان على المسؤول إذا علم الحكم في المسؤول عنه. ومنها: أن السنَّةَ ترتيب الأفعال الأربعة على ما ذكرنا، وأنَّه لو خالف وقدَّم بعضها على بعض، جاز، ولا فدية عليه، وبهذا قال جماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي، وله قول ضعيف: أنه إذا قدَّم الحلق على الرمي والطواف، لزمه الدم، بناء على قوله الضعيف: إن الحلق ليس بنسك. وبهذا القول -هنا- قال أبو حنيفة، ومالك. وعن سعيد بن جبير، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، ورواية شاذة عن ابن عباس: أَنَّ مَنْ قدَّم بعضها على بعضى لزمه دم، وهم محجوجون بهذه الأحاديث، فإن تأوَّلوها على أن المراد نفي الإثم، وادعوا أن تأخير البيان لوجوب الدم يجوز، قلنا: ظاهر قوله ﷺ : "لا حرج" يخالف هذا التأويل؛ حيث معناه: أنه لا شيء عليك مطلقًا. وقد صرح في بعض الأحاديث في "صحيح مسلم" بتقديم الحلق على الرمي، وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي، لا شيء عليه، واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في ذلك؛ في وجوب الفدية وعدمها، وإنما يختلفان في الإثم عند من يمنع التقديم، والله أعلم. نعم، ليس في الحديث المذكور -من السؤال والجواب- ما يدل على أن تقديمهم وتأخيرهم بعضَ الأفعال الأربعة على بعض كان عمدًا، ولا غيره، بل هو مطلق بالنسبة إلى حال السؤال والجواب، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا يكون حجة في حال العمد. ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة، والحكم علق به، فلا يمكن اطِّراحه وإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، والله أعلم.

стр. 1052

ومنها: أنه لا فرق في عدم وجوب شيء عليه -في تقديم بعض الأفعال على بعض- بين الجاهل والعالم، والناسي والعامد؛ حيث أطلق ﷺ الجواب من غير استفسار عن السؤال، ونقل عن الإمام أحمد: أن ذلك في الناسي والجاهل، أما العالم العامد: ففيه روايتان، والوجوب: الفدية على العامد دون الجاهل والناسي قوي؛ من جهة أن الدليل دلَّ على وجوب اتباع الرسول ﷺ في قوله: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم" (١). وهذه الأحاديث المرخصة في جواز التقديم مقيدة في السؤال بعدم الشعور من السائل، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل الوجوب لاتِّباع الرسول ﷺ في اتِّباع الحَجِّ. ومن قال بوجوب الدم في العمد والنسيان عند تقديم الحلق الرمي، حمل قوله ﷺ : "لَا حَرَجَ" على نفي الإثم دون نفي وجوب الدم، وتقدم الكلام على ذلك، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَرآهُ يَرْمي الجَمْرَةَ الكُبْرَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ (٢). تقدَّم الكلام على ابنِ مسعود. وأما عبد الرحمن بن يزيد؛ فكنيته أبو بكر بن يزيد بن قيس، تابعيٌّ، كوفيٌّ، ثقة، روى له البخاري ومسلم، وهو أخو الأسود بن يزيد، سمع عثمان بن عفان من العشرة، وعائشة من أزواج النبي ﷺ ، وسلمانَ الفارسيَّ من موالي

стр. 1053

النبي ﷺ ، وأخاه الأسودَ، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. وروى عنه جمع كثير من التابعين الصغار وغيرهم. وأما النَّخَعِيُّ -بفتح النون والخاء المعجمة، وبالعين المهملة، ثم ياء النسب-، فنسبة إلى النَّخع: قبيلة من العرب، نزلت الكوفة، واسم النخع: جسر -بفتح الجيم- بن عمرو بن عُلَة -بضم العين وفتح اللام المخففة ثم هاء التأنيث- بن خالد بن مالك بن أدد، سمي بالنخع؛ لأنه ذهب عن قومه. ومن هذه القبيلة خلق كثير من الفضلاء العلماء، العبَّاد، الزهَّاد، الشجعان، التابعين وغيرهم (١). وَأَمَّا الجَمْرَةُ الكُبْرَى؛ فهي جمرة العقبة. وَأَمَّا قَولُ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ: "هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ"؛ فإنَّما خصَّ سورة البقرة بالذكر؛ لأن معظم أحكام المناسك فيها، فكأنه قال: هذا مقام من أنزلت عليه أحكام المناسك، وأُخذ عنه الشرع، وبيَّن الأحكام، فاعتمدوه!. وأراد بذلك التنبيه على أن أفعال الحج توقيفية، ليس للاجتهاد فيها مدخل، فلا يفعل أحد شيئًا من المناسك برأيه، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو مجمع عليه، وهو الذي عليه جمهور العلماء أنه واجب يجبر تركه بدم، فلو تركه، فحجُّه صحيح، وعليه دم، وهو قول الشافعي وغيره، وقال بعض أصحاب مالك: وهو ركن لا يصحُّ الحَجُّ إلَّا به. وحكي عن ابن جرير الطبري، عن بعض الناس: أن رمي الجمار إنَّما يشرع

стр. 1054

حفظًا للتكبير، فلو تركه وكبر، أجزأه حجه. وروي نحوه عن عائشة ﵂، والصحيح ما ذكرناه أولًا. والرمي يوم النحر أحد أسباب التحلل، وهي ثلاثة: رمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى، والثالث: الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح، والله أعلم. ومنها: كون رمي جمرة العقبة بسبع حصيات، وهو مجمع عليه. ومنها: استحباب هذه الكيفية في الوقوف بجمرة العقبة لرميها، فيجعل مكَّةَ عن يساره، ومنًى عن يمينه، ويستقبل العقبة والجمرة، ويرميها بالحصيات السبع، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء. وقال بعض أصحاب الشافعي: يُستحبُّ أن يقف مستقبل الجمرة مستدبرًا مكة، وقال بعضهم: يستحبُّ أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه. وأجمع العلماء على أنه إذا رماها على أي حال من حيث رماها، جاز، سواء فوقها أو تحتها، وجعلها عن يمينه أو يساره، أو وقف في وسطها ورماها، والله أعلم. ومنها: جواز قول: سورة البقرة، وآل عمران، ونحو ذلك، وبلا كراهة، ونقل عن بعضهم: أنه لا يقال ذلك، بل يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة يردُّ عليه، والله أعلم. ومنها: التنبيه على التأسي به ﷺ في جميع الحالات في المناسك وغيرها، ونقل ذلك وتبليغه. ومنها: التعلم بالرؤية للفعل من غير قول، والأخذ به من غير قول، وتبليغه، والله أعلم. * * *

стр. 1055

الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَم المُحَلِّقِينَ" قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِيَن، قالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "وَالمُقَصِّرِينَ" (١). هذا الدعاء للمحلِّقين مكررًا، دون المقَصِّرين، قد وردت روايات في "صحيح مسلم" عن أمِّ الحُصَيْنِ ﵂: أنه كان في حجة الوداع (٢)، وروي في غيره: أنه كان يوم الحديبية من رواية ابن عباس ﵄ قال: قالت: حلق رجل يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ" ثلاثًا، قيل: يا رسول الله! ما بالُ المُحَلِّقينَ ظاهرتَ لَهُمْ بالرحم؟ قال: "لأنهم لم يَشُكُّوا" (٣). قال ابن عبد البر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ (٤)، قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: ولا يبعد أن النبي ﷺ قاله في الموضعين (٥). وتكرير النبي ﷺ الدعاء للمحلِّقين؛ لأنهم بادروا إلى امتثال الأمر، وأتمُّوا فعل ما أمروا به من الحلق. وقد صرح بهذا المعنى في بعض روايات الحديث المروية عن ابن عباس ﵁ حيث قال: "لأنهم لم يشكوا". واعلم: أن معنى فضيلة الحلق على التقصير؛ أنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في التذلل لله تعالى؛ لأن المقصِّر مبقٍ على نفسه الشعر الذي هو

стр. 1056

زينة، والحاج مأمورٌ بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر. وفي هذا الحديث أحكام: منها: الدعاء بالمغفرة لمن فعل ما شرع له. ومناسبةُ الدعاء بالمغفرة للمحلِّقين والمقصِّرين؛ حيث إن كل واحد من الحلق والتقصير والمغفرة إزالة في الصورة والمعنى، فالحلق والتقصير إزالة للشعث في الصورة، وهما سببان لغفر الذنب بإزالته أو ستره. ومنها: تكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الفعلين الجائزين. ومنها: التنبيه بالدعاء وتكريره على ترجيح الراجح. ومنها: سؤال الدعاء لمن فعل الجائز المرجوح. ومنها: أن جميع وصف الذكورة لا يدخل فيه الإناث؛ حيث إنهن لا يشرع لهن الحلق، بل المشروع لهن التقصير، قال أصحاب الشافعي ﵀: ويكره لهنَّ الحلق، فلو حلقن، حصل النسك. ومنها: جواز الاقتصار على أحد الأمرين؛ من الحلق أو التقصير. ومنها: تفضيل الحلق على التقصير في حقِّ الرجال، وقد نقل إجماع العلماء على ذلك. وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري: أنه قال: يلزمه الحلق أول حجِّه، ولا يجزئه التقصير، فإن صحَّ عنه، رُدَّ بالنصوص، وإجماعِ مَنْ قبله. ومذهب الشافعي في المشهور عنه: أن الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة، ركن من أركانهما، لا يحصل كل واحد منهما إلا به، وبهذا قال العلماء كافة، وللشافعي قول ضعيف: أنه استباحة محظور؛ كالطيب واللباس، وليس بنسك، وهو شاذ، وسواء -في الاستحباب الحلق وترجيحه على التقصير- كان المحرم لبد رأسه أم لا، ولا يلزمه حلقه. وقال جمهور العلماء: يلزمه حلقه إذا لبَّد رأسه، واتفق العلماء على أن الأفضل -في الحلق أو التقصير- أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، وبعد ذبح الهدي، وقبل طواف

стр. 1057

الإفاضة، وسواء كان قارنًا أو مفردًا، وقال ابن الجهم المالكي: لا يحلق القارن حتى يطوف ويسعى؛ لأنه يرى أن حجه وعمرته قد تداخلا، والعمرة باقية في حقه، وهي لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف. وقد أشار إلى هذا قوله ﷺ في القارن: "حتى يحلَّ منهما جميعًا" (١)؛ فإنه يقتضي أن الإحلال منهما يكون في وقت واحد، فإذا حلق قبل الطواف، فالعمرة قائمة؛ بهذا الحديث، فيقع الحلق فيها قبل الطواف، وردَّ عليه شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-، وقال: هذا باطل بالنصوص وإجماع من قبله، وقد ثبت الأحاديث؛ بأن النبي ﷺ حلق قبل طواف الإفاضة، وكان رسول الله ﷺ قارنًا في آخر مرة (٢)، قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وهذا إنما ثبت بأمر استدلالي لا نصِّي؛ أعني: كونه ﷺ كان قارنًا في آخر أمره. وابن الجهم على مذهب مالك والشافعي، حيث قالا: إن النبي ﷺ كان مفردًا أولًا. وأما الإجماع، فبعيد الثبوت إن أراد الإجماع النقلي القولي، وإن أراد السكوتي، ففيه نظر، وقد ينازع فيه -أيضًا-، والله أعلم (٣). * * * الحديث الثامن عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مَا يُريدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّها حَائِضٌ، قَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا" (٤).

стр. 1058

وفي لفظٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قيل: نَعَمْ، قال: "فَانْفِرِي" (١). تقدم الكلام على عائشة وصفية. ﵄. وأَمَّا قولهُا: "فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ"؛ فمعناه إلى مكة لطواف الإفاضة. وقوله ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى"؛ هذان اللفظان بفتح أولهما، وآخرهما ألف تأنيث مقصورة، وتكتب بالياء من غير تنوين، وهو رواية المحدثين جميعهم، ونقله جماعات من أئمة اللغة وغيرهم، وهو صحيح فصيح، وقال بعضهم: عقرًا حلقًا -بالتنوين-؛ لأنه موضع دعاء أشعر به، فأجرى مجراه بألفاظ المصادر، فإنها منونة، كقولهم: سقيًا ورعيًا وجدعًا، ومن رواه مقصورًا؛ أي: إن ألف التأنيث فيهما نعت، لا دعاء. ومعنى عقرى: عقرها الله، وقيل: عقر قومَها، وقيل: جعلها عاقرًا لا تلد. ومعنى حلقى: حلق شعرها، أو أَصَابها وجع في حَلْقها، وبمعنى: يحلق قومها شؤمها. وهذا اللفظان لا يراد بهما أصل موضوعهما، بل كثر استعمالهما، فجريا على ألسنتهم من غير إرادة معناهما؛ كقولهم: تربت يداه، وقاتله الله ما أشجعه! وما أشعره! وأفلح وأبيه! إلى غير ذلك، والله أعلم (٢). وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن طواف الإفاضة لا بد منه. ومنها: فعله في يوم النحر، وهو السنَّة. ومنها: إباحة الجماع للأهل بعد الإتيان بأسباب التحلل في الحجِّ.

стр. 1059

ومنها: الإخبار بالأعذار المانعة من الإجابة إلى ما تجب المبادرة إلى فعله ممن توجه الوجوب إليه ومن غيره. ومنها: أن الحائض لا تدخل المسجد. ومنها: سقوط طواف الوداع عن الحائض. ومنها: عدم سقوط طواف الإفاضة عنها؛ حيث قال ﷺ : "أحابستنا هي؟ "، فقيل: إنها أفاضت، إلى آخره. ومنها: عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من الحائض؛ حيث قال النبي ﷺ لما أخبر بأنها طافت للإفاضة، قال: "فَانفِرِي" من غير ذكر دم ولا غيره. وهذا قول كافة العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب دم، وهو شاذ مردود، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِم بِالبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ (١). هذا حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ عند العلماء من الفقهاء والمحدثين وأصحاب الأصول. وفي هذا الحديث دليل: على أن طواف الوداع واجب؛ لظاهر الأمر. وفيه دليل: على سقوطه عن الحائض، ولم يتعرض في الحديث إلى وجوب الدم بتركه ولا عدمه. وأما وجوبه بالنسبة [إلى] غير الحائض، فقال به الشافعي، [و] منعه مالك؛ لعدم وجوب طواف الوداع عنده. وأما عدم وجوبه بالنسبة إلى الحائض، فقال به الشافعي، ومالك، وأحمد، والعلماء كافة، وحكى ابن

стр. 1060

المنذر عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ وجوبه؛ حيث إنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع. وهذا الحديث مع حديث صفية حجَّة على ردِّ ذلك، وهو مقتضى التخفيف عنها، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: استَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَياِليَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (١). أما العبَّاسُ عَمُّ رسولِ الله ﷺ ، فتقدم ذكره، وكانت السِّقاية له في الجاهلية، فأقره ﷺ ، وهي له ولعقبه إلى يوم القيامة. والسقاية: إعداد الماء للشاربين بمكة، يذهب أهلها القائمون بها ليلًا ليستقوا الماء من زمزم، ويجعلوه في الحياض مسبلًا للشاربين وغيرهم. وفي الحديث أحكام: منها: استئذان الكبار والعلماء فيما يطرأ من المصالح والأحكام. ومنها: أن المبيت ليالي منى نسك من مناسك الحج وواجباته؛ حيث أذن ﷺ في ترك المبيت بمنى للعباس من أجل سقايته، فاقتضى ذلك الإذن لأجل هذه العلة المخصوصة، وأن الإذن لم يتعد إلى غيرها. واختلف العلماء في مبيت ليالي منى، هل هو واجب أم سنَّة؟ وللشافعي قولان: أحدهما: واجب، وبه قال مالك، وأحمد. والثاني: سنَّة، وبه قال ابن عباس، والحسن، وأبو حنيفة.

стр. 1061

ووجوب الدم وبتركه وسببه مرتب على القولين؛ إن قلنا: إن المبيت واجب، كان الدم واجبًا، وإن قلنا: سنَّة، فسنَّة. وفي قدر المبيت قولان للشافعي: أصحهما: معظم الليل، والثاني: ساعة. ومنها: ترك المبيت لأجل السقاية، ومدلول الحديث تخصيص الترك للمبيت بالسقاية، ويجوز لكل واحد ممن يتولى السقاية ترك المبيت لأجلها، وبه قال الشافعي، وكذا لو أحدثت سقاية أخرى، كان للقائم بشأنها ترك المبيت، وهو الأقرب؛ لاتباع المعنى في إعداد الماء للشاربين، ومنهم من منع ترك المبيت لسقاية أخرى، لكن الصحيح ما ذكرناه أولًا. ومنها: اختصاص السقاية بالعبَّاس، واتَّفق العلماء على أن الحكم في ترك المبيت لا يختصُّ به، واختلفوا في اختصاصها بآل العباس بعده، أم ببني هاشم من آل العباس وغيرهم؟ على وجهين: والصحيح: اختصاص ولاية السقاية بآل العباس بعده، وأن الرخصة في ترك المبيت لا تختص بهم، والله أعلم. ومنها: أنه ينبغي للكبير أو العالم إذا استؤذن في مصلحة، أن يبادر إلى الإذن فيها من غير توقف، والله أعلم. * * * الحديث الحادي عشر وَعَنْهُ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بَجَمْعٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (١). أما "جَمْع"؛ فهو بفتح الجيم وسكون الميم، وهو اسم للمزدلفة، سُمِّيت جَمْعًا؛ لاجتماع الناس بها، وأيام جمع: أيام منى، ويوم الجمع: يوم القيامة. وقوله: "وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ واحِدَةٍ" إلى آخره، معناه: لم يُصلِّ

стр. 1062

بينهما نافلة، ولا بعدهما. ومنه قوله في الحديث: "كنتُ أسبِّحُ، وأقضي سُبْحَتي" (١)، و"اجعلوا صلاتَكم معهُ سبحةً" (٢)؛ أي: نافلة، وسُميت الصلاة سبحة وتسبيحًا؛ لما فيها من تعظيم الله تعالى، وتنزيهه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣]؛ أي: المصلين. وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز جمع التأخير بمزدلفة، وهو جمع؛ لأنه ﷺ كان وقت المغرب بعرفة، فما جمع بينهما بمزدلفة إلا وقد أخَّر المغرب، وهذا الجمع مجمع عليه، لكن اختلفوا في سببه، هل هو النسك أو السفر؟ وفائدة الخلاف: أن من ليس مسافرًا سفرًا يجمع فيه، هل يجمع بين هاتين الصلاتين، أم لا؟ فذهب أبو حنيفة إلى أن الجمع هنا بعذر النسك، وظاهر مذهب الشافعي أنه بعذر السفر، ولبعض أصحابه وجه كمذهب أبي حنيفة، ولم ينقل صريحًا أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في طول سفره ذلك، بل نقل من قول ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا جدَّ به السير، جمع بين المغرب والعشاء (٣)، وهو ظاهر في جمع التقديم، محتمل في غيره من الجمع الصوري لا الشرعي المعروف، وإن كان خلاف الظاهر، فإن كان في نفس الأمر، لم يجمع، فيقوى أن الجمع هنا بسبب النسك، أو لأنه حكم متجدد، لأمر متجدد، فاقتضى إضافة الحكم إليه، وإن كان محمولًا على ما روى ابن عمر ظاهرًا في السفر، فقد اجتمع في هذا الجمع سببان؛ النسك، والسفر.

стр. 1063

فيرجَّح النظر بترجيح الإضافة إلى أحدهما، مع أن الاستدلال بحديث ابن عمر للجمع بمزدلفة بعيد؛ حيث إنه علق الجمع فيه على الجدِّ في السير، وهو هنا لم يكن في ابتداء السير مجدًا، بل كان نازلًا عند دخول وقت صلاة المغرب بعرفة، وإنشاء الحركة للسير كان بعد ذلك. وقد كان يمكن أن تُقام المغرب بعرفة، ولا يحصل جد السير بالنسبة إليها، فالحديث إنما تناول الجد والسير [و] وجودهما عند دخول وقتها، وهذا أمر محتمل. وقد اختلف العلماء في جواز الجمع بغير مزدلفة، كما لو جمع في الطريق أو بعرفة جمع تقديم، والأحاديث الصحيحة تدل صريحًا على جوازه بعرفة، والخلاف فيه هل هو بسبب النسك، أو السفر؟ ومن منعه، فالأحاديث الصحيحة حجة عليه، ومن جوزه في السفر مطلقًا، جوزه هنا. ومن علَّله بالنسك قال: لا يجمع إلا بالمكان الذي جمع فيه رسول الله ﷺ ؛ إقامة لوظيفة النسك على الوجه الذي فعله رسول الله ﷺ . ومنها: شرعية الإقامة لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين. ولم يتعرض للأذان لهما في هذا الحديث. وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه ﷺ صلَّاهما بإقامة واحدة" (١). وفي صفة حجة النبي ﷺ في "صحيح مسلم": أنه ﷺ صلاهما بأذان واحد وإقامتين (٢)، وهذا مقدم على رواية الكتاب، ورواية صلاتهما بإقامة واحدة؛ لأنها رواية معها زيادة علم، فهي مقدمة على غيرها إذا كانت من ثقة مقبولة، ولأن جابرًا ﵁ اعتنى بنقل حجة النبي ﷺ ، وضبطها أكثر من غيره، فكان أولى بالاعتماد والقبول، وتحمل رواية صلاتهما بإقامة واحدة على كل واحدة منهما؛ أنه صلَّاها بإقامة؛ جمعًا بين الروايات، ونفيًا للاختلاف. ومذهب الشافعي الصحيح أنه يؤذن للأولى منهما، ويقيم لكل واحدة إقامة، فيصليهما بأذان وإقامتين، ودلالة حديث الكتاب على عدم الأذان دلالة سكوت.

стр. 1064

ومنها: عدم التنفُّل بين الصلاتين المجموعتين، ويعبر عن ذلك بوجوب الموالاة بينهما. وفي ذلك تفضيل مذهب الشافعي؛ فإن جمع في وقت الأولى، لم يجز إلا بثلاثة شروط: تقديم الأولى، فإن قدم الثانية، بطل. وعدم الفصل بينهما، فإن فصل فصلًا طويلًا لم يتعلق بمصلحة الصلاة؛ كالتيمم والإقامة والأذان، على وجه ضعيف للشافعية، وقول في مذهب مالك، بطل الجمع، ولم تصح الثانية إلا في وقتها. ونية الجمع قبل فراغ من الأولى أو عند الإحرام بها. وإن جمع في وقت الثانية، استحبَّ عدم الفصل، ولم يشترط، فقوله: "لم يسبِّح بينهما ولا على إثرِ وَاحِدةٍ منهما" ليس فيه دليل على عدم الفصل، بل على عدم صلاة النفل بينهما فقط، ولا يلزم منه عدم الفصل؛ بدليل الرواية في "صحيح مسلم" أنه قال: "أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أناخَ كلُّ إنسانٍ بعيرَهُ في منزلهِ، ثم أقيمت العشاء، فصلَّاها، ولم يصلِّ بينهما شيئًا" (١). ومنها: عدم صلاة النفل في السفر، لكنها دلالة بعدم الفعل، وهي بمجردها لا تدل على عدم الاستحباب، بل تدل على تأخير فعل النفل في ذلك الوقت. ومذهب الشافعي ﵀ استحبابُ السنن الراتبة، لكنه يفعل التي قبل الصلاة قبلها، ولا يفعل بينهما شيئًا، بل يفعل الذي بعدها، وقبل الثانية بعدهما؛ بدليل صلاة النفل في السفر في حديث ابن عمر ﵄، وهو صحيح، والله أعلم. * * *

стр. 1065

باب المُحْرِم يأكل من صيد الحلال الحديث الأول عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وقَالَ: "خُذُوا بسَاحِلِ البَحْرِ [حَتَّى نَلْتَقِيَ"، فَأَخَذُوا بِسَاحِلِ البَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، أَحْرَمُوا كُلُّهُم إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ] (١)، فَبَيْنَما هُمْ يَسِيرُونَ، إذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فنَزَلْنا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأُكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" (٢). وفي رواية: فَقَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ مِنْ شَيءٍ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فنَاوَلْتُهُ العَضُدَ، فَأَكَلَهَا (٣). أما أبو قتادة؛ فتقدم الكلام عليه وعلى اسمه ونسبه. وأما الأَتَان؛ فهي الأُنثى من الحُمُر.

стр. 1066

فإن قيل: كيف ترك أبو قتادة الإحرام مع كونه خرج للحج ومرَّ بالميقات، ولا يجوز لمن أراد الحجَّ أو العمرة أن يجاوز الميقات غير محرم؟ فالجواب عن ذلك بوجوه: أحدها: أن المواقيت لم تكن وقتت بعد. الثاني: أن رسول الله ﷺ بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل؛ كما أشار إليه في هذا الحديث، وكان الالتقاء المأمور به بعد مضي مكان الميقات. الثالث: أنه لم يكن مريدًا الحج والعمرة، وهو ضعيف. الرابع: أنه لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة، وإنما بعثه أهلها فيما بعد إلى النبي ﷺ ليعلموه أن بعض العرب يقصدون الإغارة عليها، فأرسله النبي ﷺ في طائفة إلى ساحل البحر، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن الإمام وأصحابه إذا خرجوا في طاعة من حج أو غيره، وعرض لهم أمر يقتضي تفريقهم، فرقهم طلبًا للمصلحة؛ فإنَّ السنَّة عدم تفرق الرفقة في السفر. [ومنها: جواز اصطياد الحلال الصيد. ومنها: أن عقر الصيد ذكاته. ومنها: عدم الإقدام على الشيء حتى يعرف حكمه أو شرط حِلِّهِ] (١). ومنها: جواز الاجتهاد من النبي ﷺ حيث أكلوا بعضه باجتهاد. ومنها: الرجوع إلى النصوص عند تعارض الأدلة بالاشتباه أو الاحتمال. ومنها: إذا كان للمحرم سبب في اصطياد الصيد بإشارة، أو إعانة: إنه يمتنع من أكله، وإن لم يكن شيء من ذلك، حل له أكله.

стр. 1067

ومنها: جواز هدية الحلال للمحرم من لحم الصيد. ومنها: تحريم لحم الصيد على المحرم إذا صاده هو، أو كان له في اصطياده تعلق؛ من دلالة عليه أو إعانة، واتفق العلماء على تحريم الاصطياد عليه. وقال الشافعي وآخرون: يحرم عليه تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما؛ وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما ما اصطاده الحلال من غير إعانة المحرم: فجمهور العلماء على حل أكله للمحرم بالهدية، وهو قول الشافعي، ومالك، وأحمد، وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه لحم ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلًا، بل هو حرام عليه مطلقًا، وهو محكيٌّ عن علي، وابن عمر، وابن عباس ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. قالوا: والمراد بالصيد: المَصيد؛ ولرد النبي ﷺ لحم الصيد في حديث الصعب بن جثامة الآتي عليه، وعلله بأنه محرم، دون شيء آخر؛ من قصد له ﷺ به، ولا غيره، وحديث أبي قتادة هذا يرد على هذا المذهب؛ حيث قال لهم النبي ﷺ : "فكلوه"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "هو حلال، فكلوه"، وفي "سنن" أبي داوود والترمذي والنسائي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: "صَيْدُ البرِّ لكُمْ حَلاَلٌ ما لَمْ تصيدُوُه أو يُصادَ لكم" (١). والرواية فيه: يصاد -بالألف-، والقاعدة حذفها، لكن إثباتها جائز في لغة، ومنه قول الشاعر (٢): ألم يأتيك والأنباءُ تَنْمي والجمع بين الأحاديث وتأليفها أولى من اختلافها، وإبطال بعضها، وهي

стр. 1068

ظاهرة في الدلالة لمذهب الشافعي ﵀ ومتابعيه، والرد على أهل المذهبين الآخرين، ويكون حديث أبي قتادة هذا محمولًا على عدم قصدهم باصطياده، وحديث الصعب على قصدهم به، والآية الكريمة محمولة على تحريم الاصطياد عليه، وعلى أكل لحم ما صيد له؛ للأحاديث المبينة للمراد منها، ولا يحرم لحم ما صيد لأحد إلا بشرط كون كل واحد من الصائد والمصيد له محرمًا، فبيِّن في حديث الصعب الشرط الذي يحرم به، والله أعلم. ومنها: تبسُّط الإنسان في صاحبه بطلب ما يؤكل، وأكله. ومنها: تطييب قلوب الأتباع بأكل ما شكُّوا في أكله، أو كان عندهم وقْفة فيه، إذا كان عندهم علم من جوازه وحله، وموافقتهم في الأكل. وقد تقدم مثل هذا في قوله ﷺ : "لو استقبلتُ من أمري ما استَدْبَرتُ لما سقتُ الهديَ" إشارة إلى موافقتهم في الحلق، وتطييب قلوبهم. * * * الحديث الثاني عَنِ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيثيِّ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ، أو بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَىَ ما فِي وَجْهِهِ، قَالَ: "إِنَّنا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (١). وفي لفظ لمسلم: رِجْلَ حِمَارٍ، وفي لفظ: شِقَّ حمار، وفي لفظ: عَجُزَ حمار (٢). وجه هذا الحديث أنه ظنَّ أنه صِيدَ لأجله، والمُحرِمُ لا يأكل ما صيد لأجله. أما الصَّعْب؛ فهو -بفتح الصاد وسكون العين المهملتين، وبالباء

стр. 1069

الموحدة-، وأما أبوهُ جثامة، فهو -بفتح الجيم، وتشديد الثاء المثلثة، ثُم ألف، ثم ميم مخففة مفتوحة، ثم هاء التأنيث- ابنُ قيس بن عبد الله بن يعمر -وهو الشداخ، وإنما قيل له ذلك؛ لأنه شدخ الدماء بين بني أسد بن خزيمة، وبين خزاعة؛ يعني: أهدرها- بنِ عوفِ بنِ كعب بن عامرِ بن ليثٍ، الحجازيُّ، أخو محلم بن جثامة. هاجر إلى النبي ﷺ ، عداده في أهل الطائف، روي له عن رسول الله ﷺ ستة عشر حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد، وتفرق هذا الحديث ثلاثة أحاديث. روى عنه: عبدُ الله بن عباس ﵄، وشريح بن عبيد الحضرمي، وكان ينزل وَدَّانَ من أرض الحجاز، روى له: أصحاب السنن والمساند، مات في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وقال ابن حبان: مات في خلافة عمر في آخرها، والمشهور الأول. وأما اللَّيْثِيُّ -بفتح اللام المشددة، والياء المثناة تحت، ثم الثاء المثلثة، ثم ياء النسب-، فنسبة إلى الليث، جد من أجداد المنتسب، والمراد به: ليث بن يكر، والله أعلم (١). وأَمَّا الأَبْوَاء؛ فهي -بفتح الهمزة، وسكون الباء الموحدة؛ والمد-، وهي قرية جامعة من عمل الفُرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، سُمِّيت بذلك لتبوُّء السيول بها، وقيل غيره، وبها توفيت آمنة أم النبي ﷺ ، ودفنت، والله أعلم (٢). أما وَدَّان -بفتح الواو والدال المهملة المشددة، ثم ألف، ثم نون-، فهي

стр. 1070

قرية جامعة من عمل الفرع، بينها وبين هرشى نحو من ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريبة من الجحفة، وهي والأبواء بين مكة والمدينة، والله أعلم (١). وقد تقدم الكلام عليه، وعلى حديث أبي قتادة، والجمع بينهما قبله. وقوله: "أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ "؛ الأصل أنَّ أهدى يتعدَّى بإلى، كما في هذا الحديث، وقد ثبت تعديه باللام في بعض الروايات، فيكون اللام بمعنى إلى، ويحتمل أن يكون بمعنى أَجْل، وهو ضعيف. وقوله: "حِمَارًا وَحْشِيًّا"؛ ظاهره أنه أهداه بجملته، وحمل على بعضه، وعلى ذلك دل تبويب البخاري، وقيل: إنه تأويل مالك، وعلى مقتضى هذا يستدل بالحديث على منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك بالهبة، ويقاس عليها ما في معناها من البيع وغيره، ورد هذا بالروايات المذكورة في الكتاب عن مسلم ﵀ من قوله: عَجُز حمار، وشِقّ، أو رِجْل حمار؛ فإنها مصرحة بالبعض دون الجملة، وبكونه مذبوحًا، فيحمل قوله: حمارًا وحشيًّا على المجاز من باب تسمية البعض بالكل، أو على حذف المضاف، ولا تبقى فيه دلالة على منع تملك بعض الصيد بالهبة، بل فيه دلالة على منعه من وجه آخر على هذا التقدير؛ لأنه إذا منع من تملك بعض الصيد بالهبة، فلأن يحرم الكل بطريق الأولى، ويكون من باب التنبيه بالأقل على الأكثر. والبحث في هذا راجع إلى معرفة حقيقة الهدية والهبة، فالهدية ما حملت إلى المهدى لقصد التودُّد وثواب الآخرة، بخلاف الهبة، فإن حقيقتها العطية مطلقًا، سواء حملت إلى الموهوب له، أم لا، وهي لا تقتضي التودُّد عرفًا، بل تقتضي طلب المكافأة والثواب الدنيوي عليها. فالاستيلاء على الصيد لغير المحرم بشرطه بطريق الهدية جائز، وبطريق الهبة غير جائز؛ لكونه صيدًا يقتضي عوضًا دنيويًّا عُرفًا وتمنعًا، والإحرام ينافي ذلك

стр. 1071

جميعه، ألا ترى أنه يحرم عقد النكاح على المحرم والمحرمة والولي، ولا ينعقد؛ لكونها حالة تنافي الإحرام؟ والله أعلم. وقوله: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ"؛ فهمزة "إنَّا" الأولى مكسورة؛ لكونها ابتدائية، وهمزة "أنَّا" الثانية مفتوحة؛ لأنها تعليلية بحذف لام التعليل منها، والأصل: إلا لأنا، والدال في قوله: "نردَّهُ عليك" مفتوحة عند الأكثرين، وهو المشهور عند المحدثين، وهو مخالف لمذهب المحققين من النحاة؛ كسيبويه وغيره، فإن عندهم أنها مضمومة، وذلك في كل مضاعف مجزوم اتصل به هاء ضمير المذكر، وهو معلل عندهم بأن الهاء حرف خفي، فكأن الواو تالية للدال؛ لعدم الاعتداد بالهاء، وما قبل الواو يضم، وعبروا عن ضمها بالإتباع لما بعدها، وكذا الخلاف في ضمير المؤنث إذا اتصل بالمضاعف المشدَّد، فإنه يصح باتفاق، وحكي في الأول لغتان أخريان: إحداهما: الفتح كما يقوله المحدثون، والثانية: الكسر، وأنشدوا فيه: قال أبو ليلى بحبلٍ مُدِّهْ ... حتى إذا مَدَدْتَه فشده إن أبا ليلى نسيجُ وَحْدِهْ (١) وحُرُمٌ: جمع حرام، وتعليله بذلك ﷺ يقتضي منعَ أكل المحرمِ الصيدَ مطلقًا؛ حيث علل به مجردًا، والذين أباحوا أكله لا يكون مجرد الإحرام علة عندهم، بل العلة عندهم كونه صِيدَ لأجله؛ جمعًا بينه وبين حديث أبي قتادة كما تقدم. قوله: "فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وجهه" يريد: من التغير بسبب الكراهة، وقد صرح بذلك في بعض الروايات: "فلمَّا رَأَى مَا فِي وجهه من الكراهةِ". وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردَّها.

стр. 1072

ومنها: منع وضع اليد على الصيد للمحرم بالبيع والهبة بشرطه السابق. ومنها: الاعتذار إلى المهدي إذا لم يقبل هديته، ويطيب قلبه بتبيين العذر. ومنها: جواز الاصطياد لغير المحرم. ومنها: حلُّ أكل حمار الوحش لغير المحرم، وحله للمحرِم إذا صاده الحلال، ولم يكن للمحرم في صيده إعانة ولا تسبُّب. ومنها: مراعاة جانب الشرع، وتقديمُه على جانب الخلق وحظوظ النفوس. ومنها: تبيين الأحكام الشرعية وإيضاحها. ومنها: أن جميع أجزاء الصيد حرام على المحرم: رجله، وشقه، وجانبه، وعجزه، وغيرها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. * * *

стр. 1073

كتاب البيوع قال ابن قتيبة: بعت الشيء: اشتريته، وبعته، وشَرَيتُ الشيء: اشتريتُه وبعته. قال الأزهري: العرب تقول: بعت، بمعنى بعتُ ما كنت ملكته، وبعت بمعنى اشتريت، قال: وكذلك شَرَيت بالمعنيين، قال: وكل واحد بيع وبائع؛ لأن الثمن والمثمَّن كلٌّ منهما مَبيع، وكذا قال غيرهما من أهل اللغة، قالوا: ويقال: بعته أبيعه، فهو مبيع ومبيوع، قال الجوهري: كمخيط ومخيوط، قال الخليل: المحذوف من مبيع واو مفعول؛ لأنها زيادة، فهي أولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة، قال المازني: كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس. والابتياع: الاشتراء، وتبايعنا وبايعته، واستبعته: سألته أن يبيعني، وأبعته: عرضته للبيع، وبِيع الشيء -بكسر الباء وضمها إشمامًا-، وبُوعَ لغةٌ فيه، وكذلك القول في: كيل وقيل، وحكى الزجاج عن أبي عبيدة: أباع؛ بمعنى: باع، وهو غريب وشاذ (١). * * *

стр. 1074

الحديث الأول عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أو يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (١). أما معنى قوله: "أَوْ يُخَيِّرُ أحدُهما الآخَرَ"؛ أي: يقول له: اختر إمضاء البيع، فإذا اختار، أوجب البيع؛ أي: لزم وانبرم، فإن خير آحدهما الآخر، فسكت، لم ينقطع خيار الساكت، وفي انقضاء خيار القائل وجهان لأصحاب الشافعي: أصحهما: الانقطاع؛ لظاهر لفظ الحديث. وفي الحديث دليل لثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين بعد انعقاد البيع حتى يتفرقا من ذلك المجلس بأبدانهما، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. وبه قال البخاري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن حبيب من المالكية، ونفاه مالك، وأبو حنيفة، وبه قال ربيعة، وحكي عن النخعي، وهي رواية عن الثوري، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وليس لهم عنها جواب صحيح، والله أعلم. والذين نفوه اختلفوا في وجه العذر عن الحديث على أقوال: أحدها: أنه حديث خالفه راويه، ولم يقل به، فاقتضى ضعف الحديث عنده. قلنا: لأن مخالفته له إما أن تكون عن علم بصحته من غير معارض، وهو يقتضي القَدْحَ في الراوى، أو عن غير علم بصحة الحديث مع المعارض، وذلك يقتضي رجحان نفي الحكم، أو مع العلم بالصحة ووجود المعارض، فحينئذ تقع

стр. 1075

الترجيحات والرجوع إلى أصول الأدلة، ولا يلزم من ذلك القَدْح في الراوي ولا تقليده، إلا أنه لا يترك العمل بالحديث الصحيح لمجرد التوهم والاحتمال، مع أن المحدثين وغيرهم قالوا: إن مخالفة الراوي لروايته أو متابعتها بالعمل بها لا يدلان على صحة الحديث عنده، ولا ضعفه، ولا يلزم من بطلان مأخذ معنى بطلان الحكم في نفس الأمر، وهذا كله إذا ثبت أن حديث ثبوت خيار المجلس لم يرو إلا من جهة مالك ﵀، أما إذا ثبت أنه روي من جهة أخرى، فإنه لا يحتاج إلى اعتذار، ولا سماعه، بل يجب المصير إليه، خصوصًا عند عدالة النقلة وثبوتها، والله أعلم. الثاني من العذر عن الحديث: أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وهو غير مقبول. قلنا: لأن البياعات تتكرر من غير إحصاء، فالبلوى بمعرفة حكمه تعم، وبكون حكمه معلومًا عندَ الكافة، فانفراد الواحد به على خلاف العادة، فيردُّ. والجواب: كما أن ثبوت الخيار في البيع تعم به البلوى، فكذلك البيع تعم به البلوى. والحديث دلَّ على إثبات خيار الفسخ، وليس الفسخ مما تعمُّ به البلوى في البياعات؛ فإن الظاهر الرغبة من كل واحد من المتعاقدين بإقدامه على البيع فيما صار إليه، فالحاجة إلى الفسخ غير عامة. والمعتمد في الرواية على رواية الراوي، وجزمه بها، وقد وجد، وعدم نقل غيره لا يصح معارضًا لجواز عدم سماعه للحكم؛ فإن رسول الله ﷺ كان يبلغ الأحكام للآحاد والجماعة، فلا يلزم تبليغ الحكم لجميع المكلفين؛ لتعذر سماعهم، فجاز عروض العذر لغير هذا الراوي، وإنما يكون الخفاء على أهل النقل في الأحكام الجزئية، وهذا منها. أما الأمور الكلية: فالعادة تقتضي عدم إخفائها؛ لتوفر الدواعي على الاطلاع عليها.

стр. 1076

الثالث من العذر: أنه حديث مخالف للقياس الجلي، والأصول القياسية المقطوع بها إذا وجدت تمنع العمل به. قلنا: لأن مخالفة الأصول القياسية إنما تكون بما ثبت الحكم في أصله قطعًا، ويكون الفرع في معنى النصوص، والمخالفة لا تكون إلا فيما علم عراؤه عن مصلحة تصلح أن تكون مقصودة بشرع الحكم، وهاهنا كذلك؛ فإن منع الغير عن إبطال حق الغير ثابت بعد التفرق قطعًا، وما قبل التفرق في معناه، ولم يتفرقا إلا فيما يقطع بتعريه عن المصلحة، والقاطع مقدم على المظنون لا محالة، وخبر الواحد مظنون. والجواب: عدم افتراق الفرع من الأصل إلا فيما يعتبر من المصالح، فإن البيع يقع بغتة من غير ترو، وقد يحصل الندم بعد الشروع فيه، فإثبات خيار المجلس لكل واحد من المتعاقدين مناسب؛ دفعًا لضرر الندم؛ فيما لعله يتكرر وقوعه، ولم يكن إثباته مطلقًا فيما بعد التفرق وقبله؛ فإنه رفع بحكمه العقد، فجعل التفرق حزيمًا لاتباع هذه المصلحة، وهو معنًى معتبر لا يستوي فيه ما قبل التفرق وبعده، ولا ينظر إلى القياس المخالف للأصول، ويرد؛ فإن الأصول تثبت بالنصوص، وهي ثابتة في الفروع المعينة، وغاية ما فيه أن يكون الفرع آخر الجزئيات من الكليات لمصلحة خصها، أو تعبدًا، فيجب اتباعه. الرابع من العذر عن الحديث: بمعارضة إجماع أهل المدينة على مخالفته قولًا وعملًا، فيقدم عليه العمل. قال مالك ﵀ عقب روايته: وليس لهذا عندنا فقه معلوم، ولا أمر معمول به فيه، وقد اختص أهل المدينة بالسكنى في محل مهبط الوحي، ووفاة الرسول ﷺ بين أظهرهم، ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ، فمخالفتهم لبعض الأخبار يقتضي علمهم بما يوجب ترك العمل به من ناسخ، أو تأويل راجح، ولا تهمة تلحقهم، فتعين اتباعهم، وكان ذلك أرجح من خبر الواحد المخالف لعلمهم.

стр. 1077

والجواب عن ذلك: أنه ليس في لفظ مالك ﵀ ما يقتضي التصريح بأن المسألة في ترك العمل به إجماع من أهل المدينة، والإجماع متردد بين إجماع سابق أو لاحق، والسابق باطل بقول ابن عمر ﵄، وهو رأس المفتين في وقته بالمدينة بثبوت خيار المجلس، واللاحق مردود؛ فإن ابن أبي ذؤيب ﵀ من أقران مالك ومعاصريه، وقد أغلظ على مالك لمَّا بلغه مخالفة هذا الحديث، فامتنع إجماع أهل المدينة على ترك العمل بخبر الواحد، مع أن إجماعهم ليس مانعًا من العمل بخبر الواحد؛ لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه، فلا يكون إجماعهم حجة فيما طريقه النظر والاجتهاد، وكيف يمكن أن يقال: بأن من كان في المدينة من الصحابة -رضوان الله عليهم- يقبل خلافه ما دام مقيمًا بها، فإذا خرج عنها، لم يقبل خلافه؟! فإن هذا محال؛ فإن قبول خلافه باعتبار صفات قائمة به حيث حل، فيفرض المسألة فيما اختلف فيه أهل المدينة مع بعض من خرج عنها من الصحابة بعد استقرار الوحي وموت الرسول ﷺ ، فكل ما قيل من ترجيح أقوال علماء المدينة، وما اجتمع لهم من الأوصاف، قد كان حاصلًا لهذا الصحابي، ولم يزل عنه بخروجه، وقد خرج من المدينة أفضلُ أهل زمانه في ذلك الوقت بالإجماع من أهل السنة، وهو علي بن أبي طالب ﵁، وقال أقوالًا بالعراق، وكيف يمكن أن تهدر إذا خالفها أهل المدينة، وهو كان رأسهم؟! وكذلك ابن مسعود، ومحله من العلم معروف، وغيرهما، قد خرجوا وقالوا أقوالًا، على أن بعض الناس يقول: إن المسائل المختلف فيها خارجَ المدينة مختلفٌ فيها بالمدينة، وادعى العموم في ذلك. الخامس من العذر عن الحديث: أنه ورد في بعض طرقه: "ولا يحلُّ له أَنْ يُفارقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقيلَهُ"، وذلك يدل على عدم ثبوت خيار المجلس؛ لأنه لولا أن العقد لازم، لما احتاج إلى الاستقالة، ولا طلب الفرار منها.

стр. 1078

والجواب: أن المراد من الاستقالة: فسخ البيع بحكم الخيار، وغاية ما في الباب: استعمال المجاز في لفظ الاستقالة، وجاز المصير إليه إذا دل الدليل عليه؛ من حيث إنه علقه على التفرق، فإذا حملناه على خيار الفسخ، صح تعليقه على التفرق؛ لأن الخيار يتفرع بالتفريق، وإذا حملناه على الاستقالة، وهي لا تتوقف على التفرق، فلا اختصاص لها بالمحل، ومن حيث إنَّا إذا حملناه على خيار الفسخ، فالتفرق مبطل له قهرًا، فيناسب المنع من التفرق المبطل للخيار على صاحبه، أما إذا حملناه على الإقالة الحقيقية، فمعلوم أنه لا يحرم على الرجل أن يفارق صاحبه خوف الإقالة. السادس من العذر عن الحديث: تأويله يحمل المتبايعين على المتساومين؛ لمصير حالهما إلى البيع، وحمل الخيار على خيار القبول. والجواب: أن تسمية المتبايعين بالمتساومين لمصير حالهما إلى البيع مجاز، واعترض عليه بأن تسميتهما متبايعين بعد الفراغ من البيع مجاز أيضًا، فَلِمَ قلتم: إن الحمل على هذا المجاز أولى؟. وأجيب عنه: بأنه إذا صدر البيع، فقد وجدت الحقيقة، فصار هذا المجاز أقرب إليها من مجاز لم يوجد حقيقته أصلًا عند إطلاقه، وهو المتساومان. السابع من العذر عن الحديث: حمل التفرق بالأقوال، وقد عهد ذلك شرعًا في النكاح في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]. وأجيب عنه: بأنه خلاف الظاهر؛ فإن السابق إلى الفهم التفرق عن المكان، و -أيضًا- فقد ورد في رواية قد ذكرها المصنف وغيره: "ما لم يتفرقا عن مكانهما"، وذلك صريح في المقصود، وربما اعترض على الأول: بأن حقيقة التفرق لا تختص بالمكان، بل هي عائدة الى ما كان الاجتماع فيه، وإذا كان

стр. 1079

الاجتماع في الأقوال، كان التفرق فيها، وإن كان في غيرها، كان التفرق عنه بأن حمله على غير المكان بقرينة، فتكون مجازًا. الثامن من العذر عن الحديث: ما ذكره بعضهم من استحالة العمل بظاهره؛ لأنه أثبت الخيار لكل واحدٍ من المتبايعين على صاحبه، فلا يخلو إما أن يتفقا على الاختيار، أو يختلفا، فإن اتفقا: لم يثبت لواحدٍ منهما على صاحبه خيار، وإن اختلفا؛ بأن اختار أحدهما الفسخ، والآخر الإمضاء: فقد استحال أن يثبت لكل واحد منهما على صاحبه الخيار؛ إذ الجمعُ بين الفسخ والإمضاء مستحيل، فيلزم تأويل الحديث، ولا يحتاج إليه، ويكفينا صدكم عن الاستدلال بالظاهر. والجواب عنه: بأن النبي ﷺ لم يثبت مطلق الخيار، بل أثبت الخيار، وسكت عما فيه الخيار، فنحن نحمله على خيار الفسخ، فيثبت لكل واحد منهما خيار الفسخ على صاحبه، وإن أبى صاحبه ذلك. التاسع من العذر عن الحديث: بأنه منسوخ، وذلك بطريقين: إما بأن إجماع أهل المدينة على خلافه، وهو يقتضي النسخ، وإما بحديث اختلاف المتبايعين؛ حيث إنه يقتضي الحاجة إلى اليمين، وذلك يقتضي لزوم العقد؛ فإنه لو ثبت الخيار، لكان كافيًا في رفع العقد عند الاختلاف، وكلٌّ ضعيفٌ جدًّا. وتقدم الكلامُ على ضعفِ القولِ بأَنَّ إجماعَ أهلِ المدينة حجة، واحتمالُ حُجَّيته لا ينسخ غيره، كيف والإجماع المجمع على القول بحجيته لا يَنسخ ولا يُنسخ، وإنما يدل على وجود ناسخ؟! وأما مجرد المخالفة، فلا يلزم منه الفسخ؛ لجواز دليل آخر متقدم راجح في الظاهر عند تعارض الأدلة عندهم. وأما حديث اختلاف المتبايعين، فالاستدلال به ضعيف جدًّا؛ لأنَّه مطلق بالنسبة إلى زمن التفرق وزمن المحل، فيحمل على ما بعد التفرق، ولا حاجة إلى النسخ، والنسخ لا يصار إليه إلا عند الضرورة.

стр. 1080

العاشر من العذر عن الحديث: حمل الخيار على خيار الشراء، وخيار إلحاق الزيادة بالثمن أو المثمن، وإذا تردد، لم يتعين حمله على ما ذكرتموه. والجواب: بأن حمله على خيار الفسخ معهود استعماله في زمن الرسول ﷺ ؛ كما في حديث حيان بن منقذ؛ فإن المراد به خيار الفسخ، فيحمل الخيار في هذا الحديث عليه؛ لأنه لما كان معهودًا في زمن الرسول ﷺ ، كان أظهر في الإرادة، وتمتنع إرادة كل واحد من الخيارين المذكورين؛ فإن خيار الشراء أعم في ثبوته ممن صدر منه العقد منهما، وبعد صدور العقد منهما لا يكون لهما خيار الشراء، فضلًا من أن يكون لهما ذلك إلى أوان التفرق، وخيار إلحاق الزيادة بالثمن أو المثمن، فلا يمكن الحمل عليه؛ لأنه إن لم يكن لهما، فإنه يكون لهما إلى أوان التفرق، وإن كان، فيبقى بعد التفرق عن المحل، فكيفما كان لا يكون هذا الخيار لهما ثابتًا معينًا إلى غاية التفرق، وهو خيار الفسخ به؟! ثم الدليل على أن المراد من الخيار هذا ومن المتبايعين ما ذكر: أن مالكًا -رحمه الله تعالى- نسب إلى مخالفة الحديث، وذلك لا يصح إلا إذا حمل الخيار والمتبايعان والافتراق على ما ذكر، وضعف ذلك بأن نسبة مالك ليست من كل الأمة ولا أكثرهم. أما الأول: فمسلم. وأما الثاني: فممنوع، فإن القائلين بثبوت خيار المجلس أكثر علماء الأمة أهل الفتوى، والله أعلم. وفيه دليل: على أن خيار المجلس ينقطع بالتخاير منهما، أو من أحدهما. وفيه دليل: على أنهما إذا تبايعا بشرط الخيار، ووقع التبايع عليه: أن البيع لازم من غير خيار مجلس، هذا ظاهر لفظ هذا الحديث؛ حيث عقب التخيير بالتبايع، وجعله أمرًا موجبًا للبيع، ولا معنى لوجوبه إلا عدم ثبوت خيار المجلس، فكان البيع لا بد فيه من ثبوت خيار، إما بأصل الشرع وبالاشتراط من

стр. 1081

المتبايعين، أو أحدهما، لكن الفقهاء فسروا انقطاع خيار المجلس بالتخاير، إما لإمضاء البيع، أو فسخه، ولم يذكروا أنه إذا شرط أنه يكون مسقطًا لخيار المجلس، بل قالوا: خيار المجلس ثابت بأصل الشرع، لا يسقطه شيء، حتى قالوا: لو تبايعا، وشرطا عدم الخيار مطلقًا، أن فيه ثلاثة أوجه للشافعي: أحدها: عدم صحة البيع، وهو الأصح عندهم. والثاني: صحة البيع، وثبوت الشرط؛ حيث إن ثبوته من جهة الشرع. والثالث: صحة البيع، وينتفي الشرط؛ حيث إن ثبوت الخيار إنما هو لحق المتبايعين، فإذا أسقطاه، سقط، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أو قال: حَتَّى يَتَفرَّقا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإنْ كَتَمَا وَكَذَبَا، مُحِقَتْ برَكَةُ بَيْعِهِمَا" (١). أما حَكِيم: فهو -بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف-، ويشتبه بحُكيم -بضم الحاء المهملة وفتح الكاف-. وأَمَّا حِزَام: فهو -بكسر الحاء المهملة، وبالزاي المفتوحة-، ويشتبه بحَرام -بفتح الحاء المهملة وبالراء-، والله أعلم. وهو حَكِيمُ بنُ حِزَامِ بنِ خويلدِ بنِ أسدِ بنِ عبدِ العزى بنِ قصيِّ بنِ كلابِ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، كنيته: أبو خالد، أسلم عام الفتح، وشهد بدرًا مشركًا، وكان إذا اجتهد في يمينه يقول: والذي نجاني أن أكون قتيلًا يوم بدرٍ (٢)! وروي عنهُ أنه قال: ولدت قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث عشرة سنة، وأنا أعقل

стр. 1082

حين أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله حين وقع نذره، وذلك قبل مولد رسول الله ﷺ بخمس سنين (١). وولد حكيم في جوف الكعبة، ولا يُعرف من وُلد فيها غيره، ورُوي أن علي بن أبي طالب ﵁ ولد فيها، وهو ضعيف لا يصح، وممَّن نصَّ على ضعفه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" (٢). وعاش مئة وعشرين سنةً: ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، والمراد بالإسلام: من حين ظهر النبي ﷺ ظهورًا فاشيًا، واشتهرت دعوته إلى الإسلام دعاءً ظاهرًا، وبالجاهلية ما قبل ذلك، ولم يرد من حين أسلم حكيم؛ لأنه مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، فلو أراد من حين أسلم، لكان عاش في الإسلام ستًّا وأربعين سنةً، لا ستين، ولو أراد من حين مبعثه ﷺ ، لكان سبعًا وستين سنة، ولو أراد من الهجرة، لكان أربعًا وخمسين سنة، فتعين ما ذكرناه، والله أعلم. روي له عن رسول ﷺ أربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وروى عنه سعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين، وروى عنه أصحاب السنن والمساند (٣). وتقدم في الحديث قبله الكلام على ثبوت خيار المجلس وما يتعلق به. وقوله ﷺ : "فَإنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا"؛ أي: بيَّن كلُّ واحد منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه، من عيب ونحوه في السلعة والثمن، وصدق في ذلك، وفي الإخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، فالصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى

стр. 1083

الجنة، ومعنى "بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا"؛ أي: حصل النماء والزيادة. وقوله ﷺ : "وَإنْ كَتَمَا وَكَذَبا، مُحِقَتْ برَكَةُ بَيْعِهِمَا"؛ أي: ذهبت بركته، وهي الزيادة والنماء، وقد روي مرفوعًا: "التاجرُ الصَّدوقُ معَ النَّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداء والصَّالحين" (١)، وقد تكلم العلماء على حقيقة الصدق وأقله ودرجاته، فحقيقته: السعي عن مطالعة النفس بحيث لا يحصل لها إعجاب بالعمل، وأقله ما قاله القشيري -رحمه الله تعالى-: استواء السر والعلانية (٢)، وقال سهل التستري ﵀. لا يشم رائحة الصدق، عبدٌ داهن نفسه أو غيره (٣)، ودرجاته غير منحصرة. وبعد ذلك كلِّه: فالصادق مسؤول عن صدقه، قال الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨]. وفي الحديث دليل: على ثبوت خيار المجلس. وفيه دليل: على وجوب الصدق في البيوع؛ بذكر مقدار أصل الثمن في الإخبار، وما في الثمن أو السلعة من عيب وغيره. وفيه دليل: على تحريم الكذب في ذلك. وفيه: الحث على تعاطي الصدق، وعلى منع تعاطي الكذب. وفيه: أنَّ الصدق سبب البركة، والكذب سبب لمحقها. وفيه دليل: على ذكر الصدق، وإن ضرَّ ظاهرًا، وعلى ترك الكذب، وإن زاد ظاهرًا؛ فإنه يضرُّ باطنًا وظاهرًا، والله أعلم. * * *

стр. 1084

باب ما نُهي عنه من البيوع الحديث الأول عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: إِن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالبَيْع إِلَى رَجُلٍ -قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ-، وَنَهَى عَنِ المُلاَمَسَةِ، وَالمُلاَمَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ" (١). تقدَّم الكلام على أبي سعيد الخدري ونسبته. أَمَّا المُنَابَذَةُ: فقد فسَّرها في الحديث: بعدم تقليبه ورؤيته، وفيه تأويلات ثلاثة أخر: أحدها: أن يُجعل نفس النبذ بيعًا، وهو تأويل الشافعي ﵀. والثاني: أن تقول: بعتك، فإذا نبذته إليك، انقطع الخيار، ولزم البيع. والثالث: المراد به نبذ الحصاة، فيجعل ما وقعت عليه مبيعًا، أو غاية للمساحة ما وقعت عليه من الأرض المبيعة، أو تعليق مدة الخيار المشروط على نبذها، والله أعلم. والمُلاَمَسَةُ: قد فسَّرها في الحديث بلمس الثوب لا ينظر إليه، وفيه أوجه أخر:

стр. 1085

أحدها: جعل نفس اللمس بيعًا، بأن تقول: إذا لمستَ ثوبي، فهو بيع منك بكذا وكذا، وهو باطل للتعلق في الصيغة، وعدوله عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعًا، وقد قيل: إن هذا من صور المعاطاة. والثاني: أن يبيعه على أنه إذا لمس الثوب، فقد وجب البيع، وانقطع الخيار، وهو فاسد أيضًا بالشرط الفاسد. والثالث: هو تفسير الشافعي ﵀: بأن يأتي بثوب مطوي، أو في ظلمة، فيلمسه الراغب، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا فاسد إن أبطلنا بيع الغائب، وكذا إن صححناه؛ لإقامة اللمس مقام النظر، وقيل: يتخرج على شرط الخيار، وهذان البيعان فاسدان على جميع التأويلات. واللفظ الذي ذكره المصنف في الكتاب يقتضي أن يكون الفساد من جهة عدم النظر والتقليب، فإن كان هذا التفسير من جهة النبي ﷺ ، فهو مرفوع حجةً يتعين المصير إليه دون غيره، وكذا إن كان من الصحابي يقتضي أن يكون راجحًا على غيره من تفسير التابعي وغيره، وحينئذٍ يستدل به من يمنع بيع الأعيان الغائبة عملًا بالعلَّة، ومن يشترط الصفة في بيع الأعيان الغائبة، لا يكون الحديث دليلًا عليه؛ لأنه لم يذكر فيه وصفًا، ثم في كل موضع مما ذكرناه يحتاج إلى الفرق بين المعاطاة وبين هاتين الصورتين، فإذا علل بعدم الرؤية المشروطة، فالفرق ظاهر، وإذا فسرنا بأمر لا يعود إلى ذلك، احتيج إلى الفرق بينه وبين مسألة المعاطاة، عند من يجيزها، والله أعلم. * * *

стр. 1086

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخير النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). وفي لفظ: "وَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاَثًا" (٢). أَمَّا تَلَقِّي الرُّكبَان: فهو أن يتلقَّى طائفةً يحملون متاعًا، فيشتريه منهم قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا الأسعار، وهو من البيوع المنهي عنها للتحريم. وأَمَّا قولهُ ﷺ : "وَلَا يَبْع بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"؛ فهو مفسرٌ عند الشافعية بأن تقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهو حرام. وكذا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع: افسخ البيع، وأنا اشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو ذلك. وإنما كان تفسير البيع على بيع أخيه في مدة الخيار دون ما بعده حيث يتصور فسخ البيع يكون الخيار لهما أو لأحدهما، فيكون عقد البيع جائزًا، فيكون الفعل حرامًا. والعقد صحيح عند من يرى: أن النهي الخارج عن ذات الشيء لا يقتضي فساده، أما إذا كان بعد انقضاء مدة الخيار، فالعقد لازم، والفعل حرام، ولا يصح البيع إجماعًا. وخصص بعض الفقهاء هذا بما إذا لم يكن في البيع غبن فاحش، أما إذا كان المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، فله أن يعلمه ليفسخ ويبيع منه بأرخص، وفي معناه

стр. 1087

ما إذا كان البائع مغبونًا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر. ومن الفقهاء من فسَّر البيع على البيع بالسوم على السوم، وهو: أن يتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، أو يكون المبيع في العرض عند المشتري بعد تقرير الثمن وقبل العقد، فيقول آخر للبائع: أنا اشتريته. وكل هذا حرام بعد استقرار الثمن، فلو لم يستقر الثمن، وكانت السلعة تباع فيمن يزيد، فليس بحرام، وبعد الرضا بين المتساومين صريحًا، فلو وجد ما يدل على الرضا من غير تصريح، فوجهان، وليس السكوت من دلائل الرضا عند الأكثرين من الشافعية. وقولهُ ﷺ : "لَا تَنَاجَشُوا"؛ النَّجْشُ: بفتح النون وسكون الجيم وبالشين المعجمة، وتناجشوا: تفاعلوا النجش، وهو عند الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره؛ ليزيد ويشتريها، وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجُشه -بضم الجيم- نجشًا: إذا استثرته، وسمي الناجش في السلعة ناجشًا؛ لأنه يثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الختل؛ وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئًا فهو ناجش. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول (١). وقوله ﷺ : "وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؛ الحاضر: المقيم بالبلد، والبادي: المقيم بالبادية، وفي معناه القروي: وهو المقيم بالقرى المضافة إلى البلاد.

стр. 1088

وصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي؛ لأبيعه على التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرارٌ بأهلِ البلدِ، وحرامٌ إن علم بالنهي. وتصرف الفقهاء من الشافعية في ذلك، وقيدوا عدم التحريم بشروط: منها: ألا يكون المتاع المجلوب إلى البلد محتاجًا إليه في البلد، ولا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب. ومنها: عدم علم البلدي بالنهي. ومنها: ألَّا يكون المتاع مما تعم به الحاجة إليه في البلد، دون ما لا يحتاج إليه إلا نادرًا. ومنها: ألَّا يدعو البدوي البلدي إلى تأخير بيعه عند حاجة أهل البلد، فلو دعا البلدي البدوي، أو كان المجلوب مما بأهل البلد حاجة إليه في ذلك الوقت، أو كان عالمًا بتحريمه، أو كانت الحاجة إليه غالبة، أو كان المجلوب يؤثر في دفع ضرورة أهل البلد إليه لقلته، كان حرامًا، وإلا فلا يحرم. واعلم: أن المعنى في تحريم بيع الحاضر للبادي وسببه: الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، ومنع من تلقِّيه، نظرًا إلى المصلحة العامة للناس، واغتفار عدم مفسدة مصلحة واحد على الجماعة، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع ببيعه جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، قدَّمَ الشرع مصلحتهم على مصلحته، ولما كان المتلقي ينتفع هو خاصة دون الناس، حرم عليه التلقي، ومنع منه؛ نظرًا لمصلحة الناس عليه، فكل من البادي والمتلقي متفق في الحكمة والمصلحة، والله أعلم. واعلم: أن أكثر الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتباع اللفظ، وينبغي أن ينظر في المعنى إلى ظهوره وخفائه، فإن ظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وإن خفي ولم يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى.

стр. 1089

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي ﵀ (١): فأما ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه؛ فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرًا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه، فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﷺ : "دعوا الناسَ يرزقُ اللهُ بعضَهم من بعضٍ" (٢). وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك -أيضًا- هو متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي والإشكال فيه، ومنها ما يوجد باستنباط المعنى، فيخرج على قاعدة أصولية، وهي: أن النص إذا استنبط منه معنى يوعد عليه بالتخصيص، هل يصح أو لا؟ يظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط، هذا آخر كلامه، والله أعلم. قوله ﷺ : "وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ"؛ الذي عليه أهل التحقيق من الرواية وأهل اللغة والغريب في ضبط "تُصَرُّوا" أنه بضم التاء وفتح الصاد ونصب لفظة الغنم، مأخوذ من التصرية، وهي الجمع، يقال: صَرَّى يُصَرِّي تصرية، وصرَّاها يُصَرِّيها تصريةً، فهي مُصَرَّاة؛ كغشَّاها يغشِّيها تغشية فهي مُغَشَّاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مُزَكَّاة، وروي في غير الصحيح: "تَصُرُّوا" -بفتح التاء وضم الصاد- من الصرة، ورواه بعضهم "تُصَرُّ" بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء، وبرفع الغنم، على ما لم يُسمَّ؛ فاعله من الصَّرِّ -أيضًا-، وهذا لا يصح رفعه مع اتصال الفاعل، وإنما يصح مع اتصال الفعل، ولا يعلم رواية حذف فيها هذا الضمير.

стр. 1090

والصواب المشهور في ضبطه هو الأول؛ ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعُها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة، ومنه قول العرب: صريت الماء [في] الحوض، وصرَّيته -بالتشديد والتخفيف-؛ أي: جمعته، وصرَّى الماءَ في ظهره؛ أي: حبسه فلم يتزوج. وقال الشافعي ﵀: التصرية: ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها؛ ليزيد المشتري في ثمنها بسبب ذلك؛ لظنَّه أنه عادة لها. وقال أبو عبيد: هو من صَرَّى اللبنَ في ضَرعِها: إذا حبسه، وأصل التصرية: حبسُ الماء، قال أبو عبيد: ولو كانت من الربط، لكانت مصرورة، أو مُصَرَّرة. قال الخطابي: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح، قال: والعرب تصرُّ ضروعَ المحلوبات، واستدل لصحة قول الشافعي بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلبَ والصرَّ، وبقول مالك بن نويرة: فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةٌ أَخلافُهَا لم تجرَّدِ قال: واحتمل أن أصل المصراة: مصرَّرة، أبدلت إحدى الراءين ألفًا؛ كقوله تعالى: ﴿خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي. دسَّسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، والله أعلم. وإنما كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف، وإن كانت في الصورة حرفين؛ لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ (١). وهذا الحديث الذي ذكره المصنف في تصرية الغنم خاصة، وفي "الصحيح" ذكر الإبل والغنم، ولا شك أنَّ كلًّا من الإبل والغنم محل للتصرية، فثبت بهما الخيار، وهل يتعدى ثبوته إلى باقي النعم خاصة، وهي البقر، أو إلى كل حيوان مأكول اللحم؟
следующие страницы →