← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْع بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخير النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (١). وفي لفظ: "وَهُوَ بِالخِيَارِ ثَلاَثًا" (٢). أَمَّا تَلَقِّي الرُّكبَان: فهو أن يتلقَّى طائفةً يحملون متاعًا، فيشتريه منهم قبل أن يقدموا البلد ويعرفوا الأسعار، وهو من البيوع المنهي عنها للتحريم. وأَمَّا قولهُ ﷺ : "وَلَا يَبْع بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ"؛ فهو مفسرٌ عند الشافعية بأن تقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهو حرام. وكذا الشراء على شراء أخيه، وهو أن يقول للبائع: افسخ البيع، وأنا اشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو ذلك. وإنما كان تفسير البيع على بيع أخيه في مدة الخيار دون ما بعده حيث يتصور فسخ البيع يكون الخيار لهما أو لأحدهما، فيكون عقد البيع جائزًا، فيكون الفعل حرامًا. والعقد صحيح عند من يرى: أن النهي الخارج عن ذات الشيء لا يقتضي فساده، أما إذا كان بعد انقضاء مدة الخيار، فالعقد لازم، والفعل حرام، ولا يصح البيع إجماعًا. وخصص بعض الفقهاء هذا بما إذا لم يكن في البيع غبن فاحش، أما إذا كان المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، فله أن يعلمه ليفسخ ويبيع منه بأرخص، وفي معناه

стр. 1087

ما إذا كان البائع مغبونًا، فيدعوه إلى الفسخ، فيشتريه منه بأكثر. ومن الفقهاء من فسَّر البيع على البيع بالسوم على السوم، وهو: أن يتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، أو يكون المبيع في العرض عند المشتري بعد تقرير الثمن وقبل العقد، فيقول آخر للبائع: أنا اشتريته. وكل هذا حرام بعد استقرار الثمن، فلو لم يستقر الثمن، وكانت السلعة تباع فيمن يزيد، فليس بحرام، وبعد الرضا بين المتساومين صريحًا، فلو وجد ما يدل على الرضا من غير تصريح، فوجهان، وليس السكوت من دلائل الرضا عند الأكثرين من الشافعية. وقولهُ ﷺ : "لَا تَنَاجَشُوا"؛ النَّجْشُ: بفتح النون وسكون الجيم وبالشين المعجمة، وتناجشوا: تفاعلوا النجش، وهو عند الفقهاء: أن يزيد في ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره ويغره؛ ليزيد ويشتريها، وأصل النجش: الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجُشه -بضم الجيم- نجشًا: إذا استثرته، وسمي الناجش في السلعة ناجشًا؛ لأنه يثير الرغبة فيها، ويرفع ثمنها. وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الختل؛ وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش؛ لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئًا فهو ناجش. وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء، وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول (١). وقوله ﷺ : "وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"؛ الحاضر: المقيم بالبلد، والبادي: المقيم بالبادية، وفي معناه القروي: وهو المقيم بالقرى المضافة إلى البلاد.

стр. 1088

وصورة بيع الحاضر للبادي المنهي عنه: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي؛ لأبيعه على التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرارٌ بأهلِ البلدِ، وحرامٌ إن علم بالنهي. وتصرف الفقهاء من الشافعية في ذلك، وقيدوا عدم التحريم بشروط: منها: ألا يكون المتاع المجلوب إلى البلد محتاجًا إليه في البلد، ولا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب. ومنها: عدم علم البلدي بالنهي. ومنها: ألَّا يكون المتاع مما تعم به الحاجة إليه في البلد، دون ما لا يحتاج إليه إلا نادرًا. ومنها: ألَّا يدعو البدوي البلدي إلى تأخير بيعه عند حاجة أهل البلد، فلو دعا البلدي البدوي، أو كان المجلوب مما بأهل البلد حاجة إليه في ذلك الوقت، أو كان عالمًا بتحريمه، أو كانت الحاجة إليه غالبة، أو كان المجلوب يؤثر في دفع ضرورة أهل البلد إليه لقلته، كان حرامًا، وإلا فلا يحرم. واعلم: أن المعنى في تحريم بيع الحاضر للبادي وسببه: الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، ومنع من تلقِّيه، نظرًا إلى المصلحة العامة للناس، واغتفار عدم مفسدة مصلحة واحد على الجماعة، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع ببيعه جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، قدَّمَ الشرع مصلحتهم على مصلحته، ولما كان المتلقي ينتفع هو خاصة دون الناس، حرم عليه التلقي، ومنع منه؛ نظرًا لمصلحة الناس عليه، فكل من البادي والمتلقي متفق في الحكمة والمصلحة، والله أعلم. واعلم: أن أكثر الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتباع اللفظ، وينبغي أن ينظر في المعنى إلى ظهوره وخفائه، فإن ظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وإن خفي ولم يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى.

стр. 1089

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي ﵀ (١): فأما ما ذكر من اشتراط أن يلتمس البلدي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه؛ فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرًا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه، فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله ﷺ : "دعوا الناسَ يرزقُ اللهُ بعضَهم من بعضٍ" (٢). وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك -أيضًا- هو متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي والإشكال فيه، ومنها ما يوجد باستنباط المعنى، فيخرج على قاعدة أصولية، وهي: أن النص إذا استنبط منه معنى يوعد عليه بالتخصيص، هل يصح أو لا؟ يظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط، هذا آخر كلامه، والله أعلم. قوله ﷺ : "وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ"؛ الذي عليه أهل التحقيق من الرواية وأهل اللغة والغريب في ضبط "تُصَرُّوا" أنه بضم التاء وفتح الصاد ونصب لفظة الغنم، مأخوذ من التصرية، وهي الجمع، يقال: صَرَّى يُصَرِّي تصرية، وصرَّاها يُصَرِّيها تصريةً، فهي مُصَرَّاة؛ كغشَّاها يغشِّيها تغشية فهي مُغَشَّاة، وزكاها يزكيها تزكية فهي مُزَكَّاة، وروي في غير الصحيح: "تَصُرُّوا" -بفتح التاء وضم الصاد- من الصرة، ورواه بعضهم "تُصَرُّ" بضم التاء من غير واو الجمع بعد الراء، وبرفع الغنم، على ما لم يُسمَّ؛ فاعله من الصَّرِّ -أيضًا-، وهذا لا يصح رفعه مع اتصال الفاعل، وإنما يصح مع اتصال الفعل، ولا يعلم رواية حذف فيها هذا الضمير.

стр. 1090

والصواب المشهور في ضبطه هو الأول؛ ومعناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعُها، فيظن المشتري أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة، ومنه قول العرب: صريت الماء [في] الحوض، وصرَّيته -بالتشديد والتخفيف-؛ أي: جمعته، وصرَّى الماءَ في ظهره؛ أي: حبسه فلم يتزوج. وقال الشافعي ﵀: التصرية: ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها؛ ليزيد المشتري في ثمنها بسبب ذلك؛ لظنَّه أنه عادة لها. وقال أبو عبيد: هو من صَرَّى اللبنَ في ضَرعِها: إذا حبسه، وأصل التصرية: حبسُ الماء، قال أبو عبيد: ولو كانت من الربط، لكانت مصرورة، أو مُصَرَّرة. قال الخطابي: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح، قال: والعرب تصرُّ ضروعَ المحلوبات، واستدل لصحة قول الشافعي بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلبَ والصرَّ، وبقول مالك بن نويرة: فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةٌ أَخلافُهَا لم تجرَّدِ قال: واحتمل أن أصل المصراة: مصرَّرة، أبدلت إحدى الراءين ألفًا؛ كقوله تعالى: ﴿خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي. دسَّسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، والله أعلم. وإنما كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف، وإن كانت في الصورة حرفين؛ لكون الحرف المشدد عندهم بحرفين في اللفظ (١). وهذا الحديث الذي ذكره المصنف في تصرية الغنم خاصة، وفي "الصحيح" ذكر الإبل والغنم، ولا شك أنَّ كلًّا من الإبل والغنم محل للتصرية، فثبت بهما الخيار، وهل يتعدى ثبوته إلى باقي النعم خاصة، وهي البقر، أو إلى كل حيوان مأكول اللحم؟

стр. 1091

فيه وجهان لأصحاب الشافعي: أحدهما: لا يتعدى؛ جمودًا على ما ذكر في الحديث. والثاني: يتعدى إلى باقي النعم، وإلى كل مأكول اللحم؛ نظرًا إلى المعنى؛ فإن مأكول اللحم يقصد لبنه، فيفوت بالتصرية المقصود الذي ظنه المشتري بالخديعة، فثبت له الخيار. ومن أصحاب الشافعي ﵀ من عداه إلى ما لا يؤكل لحمه؛ كالأتان، وقال: فيه وجهان: أحدهما: لا يتعدى. والثاني: يتعدى. من قال: يتعدى، نظر إلى أنه مقصود لزينة الجحش، فمن اعتبر هذا المعنى، صحح هذا الوجه، ومن قال: لا يتعدى، نظر إلى [أن] لبن الأتان غير مقصود لشرب الآدمي، لكن الأمر المقصود لا يتعين لشرب ولا غيره، بل هو المعنى عام في كل مقصود غير ممنوع شرعًا. وكذلك ذكروا الخلاف في لبن الآدميات لو حفلها، وإذا ثبت الخيار في الأتان، فالظاهر أنه لا يرد لأجل لبنها شيئًا، وهذا يبين أن الأتان لا يقاس على المنصوص عليه في الحديث، وهو الإبل والغنم؛ إذ شرط القياس اتحاد الحكم، فينبغي أن يكون إثبات الخيار فيها من القياس على قاعدة أخرى، وفي رد شيء لأجل لبن الآدمية خلاف. وقوله ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَهَا، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا" هذا الحديث مطلق في الحلبات، لكنها مقيدة في الرواية التي ذكرها في الكتاب بالخيار إلى ثلاثة أيام، سواء حلبها مرةً أو مراتٍ، واتفق أصحاب مالك على أنه: إذا حلبها مرة ثانية: أن له الرد إن أراده، واختلفوا في حلبها الثالثة، هل يكون رضي بمنع الرد، أم لا يمنع الرد؟ ورجحوه؛ لإطلاق الحديث، ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلات حلبات؛ لجواز

стр. 1092

أن يكون نقص الحلبة الثانية لاختلاف المرعى، أو لأمرٍ غير التصرية، فلا يتحقق إلا بعد الحلبة الثالثة، وإذا كانت لفظة "حلبها" مطلقة، فلا دلالة لها على الثانية والثالثة، وإنما يوجد ذلك من حديث آخر. ولك أن تقول: ثبوت الخيار في ذلك ثلاثة أيام، يدل على إثبات الخيار بعد ثلاث حلبات؛ لأن الغالب أن الحيوان يُحلب في كل يوم مرة، فجعل أمد الخيار ثلاثة أيام لأجل تبين التصرية بالحلب ثلاثًا في ثلاثة أيام. وقد تمسك العلماء بقوله: "وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا" على ثبوت الخيار بعيب التصرية، لكن اختلف أصحاب الشافعي، هل هو على الفور؛ قياسًا على خيار الرد بالعيب، ويتأول الحديث على تبين الحلبات في الأيام الثلاثة، أم تمتد إلى ثلاثة أيام؛ لظاهر الحديث، أو نصه في ثبوت الخيار ثلاثة أيام في التصرية؟ ولا شك أن الظاهر أو النص مقدم على القياس، خصوصًا إذا خولف القياس في أصل الحكم لأجل النص، فليتبع ذلك في جميع موارده. فإن قيل: الخيار ثابت بعد الحلب؛ للحديث في قوله: "بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا"، والخيار ثابت قبله بوجود التصرية قبل الحلب إذا علمت. والجواب: ثبوت الخيار والرد بالتصرية، أو الإمساك باختيار المشتري عدم الرد، وبعدمها لا يتحقق ثبوتُ ذلك إلا بعد الحلب؛ لتوقف الرد والإمساك عليه، والصاع عوض اللبن الذي من ضرورة، العوض عنه الحلب. وقوله ﷺ : "رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ"؛ صريح في جواز الرد، ورد صاعًا من تمر معها، ومنع بعض المالكية ذلك؛ لقوله ﷺ : "الخراجُ بالضمان" (١)؛ لأن الغلة لمن استوفاها بعقد أو شبهة يكون له بضمانه، فاللبن المحلوب إذا فات

стр. 1093

عليه، فليكن للمشتري، ولا يرد له بدلًا، لكن الصواب الرد؛ للحديث؛ إذ هو خاص لمعنى أن اللبن بعض المبيع، وليس من الغلة الحاصلة في يد المشتري، بل كان موجودًا عند البائع، وفي حال العقد، ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعًا، فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر اللبن؛ لاختلاطه بما حدث في ملك المشتري، فوجب رد عوضه، ثم لو سلم أنَّ اللبن غلة، لكان الخراج بالضمان عامًّا، والخاص يقضي على العام؛ على ما تقرر في أصول الفقه وغيره، والله أعلم. ورد الصاع من التمر مع الشاة يقتضي تصريحه ذلك، لكن يلزم منه عدم رد اللبن، سواء كان باقيًا أو تالفًا، لكن قال أصحاب الشافعي: لو كان اللبن باقيًا، وأراد أن يرده على البائع، هل يلزمه قبوله؟ وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه أقرب إلى مستحقه. والثاني: لا؛ لأن طراوته ذهبت، فلا يلزمه قبولها، لكن اتباع لفظ الحديث أولى في تعيين الرد فيما نص عليه. وزاد المالكية على ما قاله الشافعية، فقالوا: لو رضي البائع باللبن، هل يجوز له ذلك؟ فيه قولان، ووجهوا المنع؛ بأنه بيع للطعام قبل قبضه؛ من حيث إنه وجب له الصَّاع بمقتضى الحديث، فكأنه باعه اللبن قبل قبضه، وهو لا يجوز، ووجهوا الجواز بأنه بدل ليس بيعًا، بناء على عادتهم في اتباع المعاني دون اعتبار الألفاظ، ثم جنس التمر في المردود، و [هو] معتبر دون غيره من الأقوات، وهو الصواب؛ للنص عليه، كيف وقد ثبت أنه ﷺ قال: "وَصَاعًا مِنَ تَمْرِ لا سمراء"، وهي الحنطة، ومن العلماء من عداه إلى سائر الأقوات، ومنهم من عداه إلى غالب قوت البلد، والحديث رادٌّ عليهما، خصوصًا إن كانت السمراء غالب قوت أهل المدينة، دالٌّ على فساد قولهما، ثم تعيين الصاع مقدرًا في رده مطلقًا، سواء قل اللبن أو كثر، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان: أحدهما: هذا؛ لظاهر الخبر.

стр. 1094

والثاني: بتعذر تقدر اللبن؛ اتباعًا لقياس الغرامات، وهو ضعيف. واعلم أن السنة إذا ثبتت، لم يعترض عليها بالمعقول، والفرق بين أهل السنة والبدعة: أن أهل السنة إذا سمعوها، علموا أنها حق، وإن قصرت عقولهم عن فهمها، ينسبون القصور عن فهمها إلى عقولهم، ويسعون في الوصول إلى فهمها بكل طريق إلى أن يصلوا إليه، بخلاف أهل البدعة؛ فإنهم: إذا سمعوا سنَّة تخالف عقولهم، بادروا إلى ردِّها، والطعن فيها من غير تدبر ولا سعي في فهم شيء مما يخالف عقولهم، والإجماع منعقد على أنه متى وجد نص في حكم من كتاب أو سنَّة، وجب المصير إليه، ولا تحل معارضته بالقياس، ولا الرجوع إليه إلا عند عدم النص، والله أعلم. إذا علمت هذا، فاعلم أن الحكمة فيما يقدره الشارع على خلاف ما يظهر لك مخالفته للأصول العقلية رفعُ النزاع والخصام بين الناس، والمنعُ من كل ما سبيله ذلك، فلما كانت المصراة يقع بيعها في المواضع التي لا يوجد فيها من يعرف القيمة، ولا من يعتمد قوله فيها، واللبن قد يتلف، وقد يتنازع في قلته وكثرته وفي عينه، فجعل الشارع لهم ضابطًا لا نزاع معه، وهو صاع التمر، ونظير ذلك الدية؛ فإنها مئة بعير، ولا تختلف باختلاف حال القتيل في شرفه وعدمه في الدين والدنيا، ومثله الغُرة في الجناية على الجنين، سواء كان ذكرًا أو أنثى، تام الخلق أو ناقصه، جميلًا أو قبيحًا، ومنه مسألة الجبران في الزكاة بين السنين، جعله الشارع بشاتين، أو عشرين درهمًا؛ قطعًا للنزاع، سواء كان التفاوت بينهما قليلًا أو كثيرًا، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم تلقي الركبان بشرطين قالهما الفقهاء: أحدهما: أن يكون المتلقي قاصدًا له. والثاني: أن يكون عالمًا بالتحريم، فلو خرج لشغل، فوجد الركبان مقبلين، فاشترى، ففي تأثيمه للشافعية وجهان: أظهرهما عندهم: التأثيم؛ لعموم النهي،

стр. 1095

ولو لم يعلم التحريم، لا يكون آثمًا، لكن ينبغي أن يكون في ذلك تفصيل: فإن كان يمكنه تعلم ذلك؛ بأن كان في بلدٍ فيه العلماء، ولم يتعلم حكم ذلك، كان آثمًا، وإلا فلا، ثم لو تلقى وباع، هل يكون البيع صحيحًا، والفعل حرامًا، أم يكون البيع فاسدًا من أصله؟ ينبني ذلك على أن النهي يدل على الفساد أم لا. فمذهب الشافعي في بيع الركبان أنه صحيح، وإن كان الإثم فيه، وعند غيره من العلماء أن النهي للفساد، ومستند الشافعي أن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل هذا الفعل بشيء من أركانه وشرائطه، وإنما النهي لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع. واعلم أن النهي الذي يقتضي التحريم في الشرع على ثلاثة أضرب: أحدها: يقتضي تحريمَ عين المنهي عنه بنهيه ﷺ عن الميتة، فذلك يقتضي: تحريم العين، وفساد العقد عليها. الثاني: يقتضي تحريم وصف في المنهي داخل في ذات المنهي عنه؛ كنهيه ﷺ عن الزنا، فذلك يقتضي: تحريم العقد، وفساده، ولا يقتضي تحريم المعقود عليه، بل يرجع كل واحد من المتعاقدين إلى أصل ماله. الثالث: يقتضي تحريم وصف في المنهي عنه خارج عن ذات المنهي عنه، إما لأجل البائع، أو المشتري، ونحوهما، وإما لأجل وصف في الآلة المستعملة؛ كالذهب والفضة إذا كانت آنية، والحرير إذا كان ملبوسًا لمن لا يجوز له لبسه، فتوضأ من الآنية، أو صلَّى في الحرير، وكبيع الركبان وما شاكله من العقود. فهل يقتضي ذلك الصحة في الفعل والعقد، والتحريم بمعنى الإثم أو بمعنى فساد الفعل والعقد؟ اختلف العلماء في ذلك: فمنهم: من حمل مطلق النهي على الفساد والتحريم.

стр. 1096

ومنهم: من حمله على التحريم فقط، وقال: يصح الفعل والعقد، ويكون آثمًا بفعله وعقده. ومنهم: من فضَّل، فقال: إن كان الوصف لأجل ذات المنهي عنه؛ كالذهب والفضة والحرير، اقتضى التحريم، وفساد الفعل؛ لأن التحريم فيها للسرف والخيلاء، وما فيها من تغير الحكمة في الذهب والفضة عما وضعت له، وهو كونهما نقدًا قيمًا للأشياء، ومن تغير الحكمة في الحرير بجعله للإناث دون ذكورهم؛ حيث إن لبسه للرجال يورث الإتراف والخنوثة والكسل، وذلك جميعه مناف لصفة الرجال، وإن كان الوصف لأمرٍ خارج عن المنهي عنه؛ كبيع الركبان، والبيع وقت النداء، اقتضى التحريم وصحة العقد، والله أعلم. واعلم: أنه إذا قلنا بصحة بيع الركبان وعدم الإثم؛ حيث لعلها لا عذر للركبان؛ بأن كانوا عالمين بالسعر، فلا خيار لهم، وإن لم يكونوا عالمين، واشترى منهم بأرخص من السعر في البلد، سواء أخبرهم به كاذبًا أم لم يخبرهم، فلهم الخيار، وإن اشترى منهم مثل سعر البلد أو أكثر، ففي ثبوت الخيار لهم وجهان في مذهب الشافعي: منهم من نظر إلى انتفاء العذر لهم والضرر، وهو معنى عدم النهي، فلم يثبت الخيار، ومنهم من نظر إلى عموم حديث ورد في ثبوت الخيار، فجرى على ظاهره، ولم يلتفت إلى المعنى، وحيث أثبتا الخيار، فهل يكون على الفور، أم يمتد إلى ثلاثة أيام؟ وجهان للشافعية، أظهرهما: الأول. ومنها: تحريم البيع على بيع أخيه، وتقدم شرطه ومعناه وما يتعلق بذلك. ومنها: تحريم النجش، وتقدم اشتقاقه ومعناه. وأما إثبات الخيار للمشتري الذي غر بالنجش؛ فإن لم يكن عن مواطأة من البائع، فلا خيار عند أصحاب الشافعي، وإن كان عن مواطأة منه، فالفعل حرام من البائع والناجش؛ لما فيه من الخديعة، ويثبت للمشتري الخيار، ومن الفقهاء من قال: إن البيع باطل مطلقًا، وقال الشافعي: صحيح.

стр. 1097

ومنها: تحريم بيع الحاضر للبادي، وتقدم الكلام على تفسيره وما يتعلق به مبسوطًا. ومنها: تحريم التصرية، وتقدم جميع ما يتعلق بها. واعلم أن أبا حنيفة لم يقل بحديث المصراة، ورُوي عن مالك قول -أيضًا- بعدم القول به، ورأيت جماعة اعتذروا عن أبي حنيفة ﵁ بأنه لم يبلغه حديث المصراة، ومقتضى مباحث الحنفية وكلامهم بلوغ الحديث إياه، حتى إن بعضهم طعن في حديث المصراة، وقال: أبو هريرة الذي روى هذا الحديث غير مقبول. روى السمعاني في "مذيله على تاريخ بغداد" عن أبي المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز الأزجي من لفظه، عن الفقيه الإمام أبي القاسم يوسف بن علي الزنجاني ﵀ قال: سمعت شيخنا الإمام أبا إسحاق الشيرازي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ﵀ يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة، وطالب بالدليل، فاحتجَّ المستدل بحديث أبي هريرة ﵁ الوارد فيها، فقال الشاب -وكان حنفيًّا-: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما استتمَّ كلامه حتى سقطت عليه حيَّة عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب من يدها وهي تتبعه، فقيل له: تُبْ، فقال: تبت! فغابت الحية، فلم يرَ لها أثرًا، وهذا إسناد جليل صحيح، رواته كلهم أئمة جلة مبرزون حفاظ علماء متقنون (١). ولا شك أن كلام الحنفية عن إمامهم متناقض في العمل بخبر الواحد، والقياس عند تعارضهما، فرجح بعضهم العمل بالقياس الجلي على خبر الواحد، إذا كان الخبر مخالفًا لقياس الأصول المعلومة، فإن ما كان كذلك، لم يلزم

стр. 1098

العمل به عندهم، ورجح بعضهم العمل بالحديث المرسل، مع أن العلماء اختلفوا في قبوله على القياس، وذلك مناقضة ظاهرة، فلينظر فيها نظر عارف منصف خال من الهوى والتعصب للمذاهب، ووجه ترجيحهم القياس على خبر الواحد في هذه المسألة من وجوه: أحدها: أن المعلوم من الأصول أن ضمان المتلفات بالمثل، وضمان المتقومات بالقيمة من النقدين، وها هنا إن كان اللبن متلفًا، كان ينبغي على ما ذكروه ضمانة بمثله لبنًا، وإن كان متقومًا، ضمن بمثله من النقدين، وقد وقع هنا مضمونًا بالتمر، فهو خارج عن الأصلين جميعًا. الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي ضمان المضمون بقدر التلف، والمضمون هنا مختلف مقدر الضمان بمقدار واحد، وهو الصاع مطلقًا، فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات باختلاف قدرها وصفتها. الثالث: إن كان موجودًا عند العقد، فقد ذهب جزء من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد؛ كما لو أذهب بعض أعضاء المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان حادثًا بعد الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطًا، فما كان منه موجودًا عند العقد، منع الرد، وما كان حادثًا، لم يجز ضمانه. الرابع: إثبات الخيار ثلاثًا من غير شرط مخالف للأصول؛ فإن الخيار الثابت بأصل الشرع من غير شرط لا يتقدر بالثلاث؛ لخيار العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به. الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمعُ بين الثمن والمثمن للبائع في بعض الصور، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعًا من تمر، فإنها ترجع إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها. السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، وهو ما إذا اشترى شاة بصاع، فإذا استرد معها صاعًا من تمر، فقد استرجع الصاع الذي هو الثمن،

стр. 1099

فيكون قد باع شاة وصاعًا بصاع، وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم، فإنكم تمنعون مثل ذلك. السابع: إذا كان اللبن باقيًا، لم يكلف رده عندكم، فإذا أمسكه، فالحكم كما لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع بقائها، والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها؛ كالغصوب وسائر الضمونات. الثامن: قال بعضهم: إذا ثبت الرد من غير عيب ولا شرط، فإن نقصان اللبن لو كان عيبًا، لثبت به الرد من غير تصرية، ولا يثبت في الشرع إلا بعيب أو شرط. وجه آخر من ترجيحهم القياس على خبر الواحد: وهو أن ما كان من أخبار الآحاد مخالفًا لقياس الأصول المعلومة، لم يجب العمل به؛ لأن الأصول المعلومة مقطوع بها من الشرع، وخبر الواحد مظنون، والمظنون لا يعارض المعلوم، أجاب القائلون بظاهر الحديث بالطعن في الوجهين جميعًا؛ أعني: أنه مخالف للأصول به، وأنه إذا خالف الأصول، لم يجب العمل به: أما الوجه الأول: وهو أنه مخالف للأصول، فقد فرق بعضهم بين مخالفة الأصول ومخالفة قياس الأصول، وخص الرد بخبر الواحد بالمخالفة في الأصول، لا بمخالفة قياس الأصول، وهذا الخبر إنما يخالف قياس الأصول، وسلك آخرون تخريج هذه الاعتراضات، والجواب عنها: أما الاعتراض الأول: فلا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين على ما ذكرتموه؛ فإن الحر يضمن بالإبل، وليست بمثل له ولا قيمة، والجنين يضمن بالغرة، وليست بمثل له ولا قيمة، و -أيضًا- فقد يضمن المثل بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، وهاهنا تعذرت. أما الأول: فمن أتلف شاة لبونًا، كان عليه قيمتها مع اللبن، ولا يجعل بإزاء لبنها لبنا آخر؛ لتعذر المماثلة، وتعذرها؛ لأن ما يرده من اللبن عوضًا عن التالف لا تتحقق مماثلته له في المقدار؛ لجواز أن يكون حال رده وعند العقد أكثرَ من اللبن الموجود أو أقل.

стр. 1100

وأما الاعتراض الثاني: فقيل في جوابه: إن بعض الأصول لا تتقدر بما ذكرتموه؛ كالموضحة، فإن أَرْشَها مقدر مع اختلافِها بالكبر والصغر، والجنين مقدر، فأرشه لا يختص بالذكورة والأنوثة، واختلافِ الصفات، والحرُّ ديته مقدرة، وإن اختلفت بالصغر والكبر وسائر الصفات، والحكمة فيه إن ما يقع التشاجر فيه والتنازع بقصد قطع النزاع فيه بتقدير شيء معين، وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة، وتقدم معنى ذلك. وأما الاعتراض الثالث: فجوابه أن يقال: متى يمتنع الرد بالنقص إذا كان لاستعلام العيب، وإذا لم يكن، والأول ممنوع، والثاني مسلم، وهذا النقص لاستعلام العيب، فلا يمتنع الرد. وأما الاعتراض الرابع: فإنما يكون الشيء مخالفًا لغيره إذا كان مماثلًا له، وخولف في حكمه، وهذه الصورة هاهنا مندفعة عن غيرها؛ بأن الغالب أن هذه المدة هي التي تبين بها أن اللبن المجتمع بأصل الخلقة جبلة، واللبن المجتمع بالتدليس، فهي مدة يتوقف علم الغيب عليها غالبا، بخلاف خيار الرؤية والعيب؛ فإنه يحصل المقصود من غير هذه المدة فيهما، وخيار المجلس ليس للاستعلام. وأما الاعتراض الخامس: فقيل فيه: إن الخبر وارد على العادة، والعادة ألا تباع شاة بصاع، وفيه ضعف، وقيل: إن صاع التمر بدل عن اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم الجمع بين العوض والمعوض. وأما الاعتراض السادس: فقيل في الجواب عنه: إن الربا إنما يعتبر في العقود، لا في هذا الفسوخ؛ بدليل أنهما لو تبايعا ذهبًا بفضةٍ، لم يجز أن يفترقا قبل القبض، ولو تقابلا في هذا العقد، جاز أن يفترقا قبل القبض. وأما الاعتراض السابع: فقيل في جوابه: إن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر رده؛ لاختلاطه باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، والآخر للمشتري، وتعذُّر الرَّدِّ لا يمنع من الضمان مع بقاء العين، كما لو غصب عبدًا

стр. 1101

فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد. وأما الاعتراض الثامن: فقيل فيه: إن الخيار يثبت بالتدليس، كما لو باع رحا دائرة بماء قد جمعه لها، ولم يعلم به المشتري. الوجه الثاني: في تقديم قياس الأصول لا تقديم الأصول على خبر الواحد، وهو أن خبر الواحد بنفسه يجب اعتباره؛ لأن الذي أوجب اعتبار الأصول نص صاحب الشرع عليها، وهو موجود في خبر الواحد، فيجب اعتباره. أما تقديم القياس على الأصول باعتبار القطع، وكون خبر الواحد مظنونًا يتناول الأصل لمحل خبر الواحد غير المقطوع به؛ لجواز استثناء محل الخبر عن ذلك الأصل. قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد الإمام -رحمه الله تعالى-: وعندي أن التمسك بهذا الكلام أقوى من التمسك بالاعتذارات عن الأول، ومن الناس من سلك طريقةً أخرى في الاعتذار عن الحديث، وهي ادِّعاء النسخ، وأنَّه يجوز أن يكون ذلك حيث كانت العقوبة بالمال جائزة، وهو ضعيف؛ فإنه إثبات نسخ بالاحتمال والتقدير، وهو غير سائغ، ومنهم من قال: يحمل الحديث على ما إذا اشترى شاة بشرط أنها تحلب خمسة أرطال مثلًا، وشرطا الخيار، فالشرط فاسد، فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار، صحَّ العقد، وإن لم يتفقا، بطل. وأما فلأنه كان قيمة اللبن في ذلك الوقت: وأجيب عنه: بأن الحديث يقتضي تعليق الحكم بالتصرية، وأما ما ذكر يقتضي تعليقه بفساد الشرط، سواء وجدت التصرية أم لا (١). ومنها: ثبوت الخيار للمشتري بالتصرية. ومنها: أن ثبوت الرد بها لا يكون إلا بعد حلبها إن اختاره المشتري. ومنها: أن البدل عن لبن المصراة مقدر من الشرع بصاع تمر، سواء كان اللبن

стр. 1102

قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت المصراة ناقة أو شاة أو بقرة، وهو قول الشافعي، وبه قال مالك، والليث، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وأبو ثور، وفقهاء المحدثين، وهو الصحيح الموافق للسنَّة، وقد تقدم الكلام على ذلك، ومن خالف فيه. ومنها: أن الخيار في الردِّ بالتصرية يمتد إلى ثلاثة أيام، وتقدم الكلام على ذلك وتأويله، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ وَكَانَ جميعًا يَبْتاعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِية؛ كَانَ الرَّجُل يَبْتَاعُ الجَزُورَ الَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ التِي في بَطْنِهَا" (١). قيل: إنه كان يبيع الشارف، وهي الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. أما حَبَل الحَبَلة؛ فهو بفتح الحاء والباء في الحَبَل والحَبَلة، ونقل القاضي عياض ﵀ أن بعضهم روى قوله: "حَبْل" بإسكان الباء، قال: وهو غلط، والصواب الفتح، قال أهل اللغة: الحَبَلة هنا: جمع حابل؛ كظالم وظلمة، وفاجر وفجرة، وكاتب وكتبة، قال الأخفش: يقال: حَبلَتِ المرأة فهي حابل، والجمع نسوة حَبَلَة، وقال ابن الأنباري: الهاء في الحَبلة للمبالغة، ووافقه بعضهم، واتفق أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن: الحمل، يقال: حَمَلت المرأة ولدًا، وحبلت بولدٍ، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت، قال أبو عبيدة: لا يقال لشيء من الحيوان حبل إلا ما جاء في هذا الحديث (٢).

стр. 1103

واختلف العلماء في المراد بالنهي عن بيع حَبَل الحبلة: فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن يلد الناقة وتلد ولدها، وهذا التفسير نقله مسلم في "صحيحه" في هذا الحديث عن ابن عمر ﵄، وبه قال مالك، والشافعي، ومن تابعهم، وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة الحابل في الحال، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبي عبيد القاسم بن سلام، وآخرين من أهل اللغة، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، هذا أقرب إلى اللغة، لكن تفسير الراوي مقدم عند الشافعي ومحققي الأصوليين إذا لم يخالف الظاهر؛ لأن الراوي هو ابن عمر، وقد فسَّره بالتفسير الأول، وهو أعرف، والبيع باطل على تفسير المصنف وغيره من التفاسير، أما تفسير المصنف، وهو تفسير ابن عمر، فلأنه بيع إلى أجل مجهول. وأما الثاني: فهو بيعُ نتاجِ النتاجِ، وهو معدوم ومجهول، وغير مملوك للبائع؛ وغير مقدور على تسليمه، وهذا البيع كانت الجاهلية تتبايعه، فأبطله الشارع؛ للمفسدة المتعلقة به، وللعلل التي ذكرناها، وكان السر فيه أنه يفضي إلى أكل المال بالباطل، والتشاجر، أو التنازع المنافي للمصلحة الكلية، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بيعِ الثَّمَرةِ حَتى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى البَائعِ وَالمُشْتَرِيَ (١).

стр. 1104

أمَّا قولُه ﷺ : "حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا"؛ فمعنى يَبْدُوَ: يظهر -بفتح الواو غير مهموز، وليس بعد الواو ألف-، ووجدت الألف في كثير من كتب المحدثين وغيرهم، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا الموضع للناصب، وهو "حتى"، ويقع مثله في قوله ﷺ : "حَتى يَزْهُوَ" (١)، واختلفوا في إثبات الألف فيها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدو ويزهو. والمختار حذفها أيضًا (٢)، وقد ثبت تفسير بدو الصلاح بأن تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ. وقولُه: "نَهَى البَائعِ وَالمُشْتَرِيَ"؛ تأكيد لبيان المنع، وهو أنه ليس المراعى في المنهي حق الآدمي، وهو المشتري مثلًا؛ بحيث إذا سقط حقه، جاز ما نهى عنه؛ لأن الحق له، وقد أسقطه، بل حقّ الشرع في المنهي عنه، سواء أسقطه صاحبه أم لا؛ بحيث لا يرتكب النهي، ألا ترى أن المنع في بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها إنما هو في المعنى لأجل مصلحة المشتري؛ حيث إن الثمار قبل الصلاح معرضة للعاهات، فإذا حصل عليها شيء منها، أجحف بالمشتري في الثمن الذي بذله، ولهذا ورد في بعض الأحاديث الصحيحة: "بِمَ يأكلُ أَحَدُكُم مَالَ أَخِيهِ؟! "، وسيأتي في الحديث بعده عن أنس ﵁، فلذلك وقع المنع منه للبائع والمشتري؛ لأجل منع الشرع، وكأنه لقطع النزاع والتخاصم، والله أعلم. أما النهي في الحديث، فأكثر الأمة على أنه للتحريم، ولو باع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها بشرط القطع، صحَّ بالإجماع، قال الفقهاء من الشافعية: ولو شرط القطع، ثم لم يقطع، فالبيع صحيح، ويلزمه للبائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه، جاز، وإن باعها بشرط التبقية، فالبيع باطل بالإجماع؛ لأنه ربما تلفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، فإذا شرط القطع، فقد انتفى هذا الضرر.

стр. 1105

واختلف العلماء في بيعها مطلقًا من غير شرط قطع ولا إبقاء: فمذهب مالك، والشافعي، وجمهور العلماء: المنعُ منه؛ استدلالًا بعموم هذا الحديث وإطلاقه؛ فإنه إذا خرج عن العموم بيعها بشرط القطع، دخل باقي الصور التي من جملتها الإطلاق، ولأن العادة إذا بيعت الثمرة بعد بدو الصلاح الإبقاء، فصارت العادة كالمشروط، فجاز بيعها حينئذ مطلقًا، وبشرط القطع، وبشرط التبقية. وما بعد الغاية يخالف ما قبلها إذا لم يكن من جنسها، والغالب السلامة في بيعها بعد بدو صلاحها؛ بخلاف ما قبله، ثم إذا بيعت بعد بدو صلاحها بشرط التبقية، أو مطلقًا، لزم البيع بتبقيتها إلى أوان الجداد، وحيث هو العادة من غير منازعة ولا خصام، وبه قال مالك، والشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال أبو حنيفة -رحمهم الله تعالى-: يجب بشرط القطع، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بيع الثِّمَارِ حَتى تُزْهِيَ، قِيل: وَمَا تُزْهِي؟ قال: "تَحْمَرُّ"، قَالَ:: "أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيه؟! " (١). أَمَّا قولُه: "حَتَّى تُزْهِيَ" فقد أنكر بعض أهل اللغة ذلك، وقال: لا يقال أزهت الثمرة تُزهي، وهذه الرواية تردُّ عليه، وورد في "صحيح مسلم": "حَتَّى تَزْهُوَ" من: زهت تزهو، وأنكرها بعضهم، وقال: لا يقال: زهت تزهو، وإذا يقال زهت تزهي، والصواب جوازه؛ لما ثبت في "صحيح مسلم"، فيكون حينئذ فيها لغتان: زَهَتْ وَأَزْهْت، قال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، وقال الأصمعي: لا يقال في

стр. 1106

النخل: أزهى، إنما يقال: زهى، وقال الخليل: أزهى النخل: بدا صلاحه، وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخطابي: يروى: حتى يزهو، والصواب في العربية: حتى تزهي، والإزهاء في الثمر أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل صلاحها من الآفة، وقال الجوهري: الزَّهو بفتح الزاي، وأهل الحجاز يقولون بضمِّها، وهو البُسْر الملون، يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زهوًا، وأزهى لغةٌ، فالزيادة من الثقة مقبولة في الرواية والنقل، ومن نقل شيئًا لم يعرفه غيره، قبلناه إذا كان ثقة (١). ولا شك أن الإزهاء يغير لون الثمرة إلى حال الطيب، والعلة في منع بيع الثمار قبل الازهاء يعرضها للجوائح، وقد أشار إلى ذلك في هذا الحديث بقوله ﷺ : "أَرَأَيتَ إذا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَستَحِلُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيه؟! ". وفي هذا الحديث دليل: على منع بيع الثمرة قبل الإزهاء، وقد تقدم الكلام عليه مفصلًا في الحديث قبله. وفيه دليل: على أنه يكتفى بمسمى الإزهاء وابتدائه من غير اشتراط مكاملة؛ لأنه جعل مسمى الإزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى. وفيه دليل: على أن زهو بعض الثمرة كاف في جواز البيع من حيث ينطلق عليها أنها أزهت بإزهاء بعضها مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة غالبًا، ولولا وجود المعنى، كان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به؛ لكونه مجازًا. وفيه دليل: على أن مال الغير لا يَحِلُّ ولا يُستحل إلا بالوجوه الشرعية لا بالحلية، ولا ببعض شروط الحل دون بعض.

стр. 1107

وفيه دليل: على وضع الجوائح بقوله ﷺ : "أَرَأَيْتَ اِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ" إلى آخره، وهو ثابت في حديث آخر. وفيه دليل: على السؤال على معنى اللفظ الغريب، والجواب عنه بتفسيره وعلته وحكمته، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانَ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لابنِ عَبَّاسِ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يكُونُ لَهُ سِمْسَارًا" (١). السِّمْسَار: الدلَّال، وأصله القَيِّمُ بالأمر الحافظُ له، ثم استُعمل في متولِّي البيوع والشراء لغيره، ويقال لجماعة السِّمْسَار: السَّمَاسِرة، وسمَّاهم النبي ﷺ التجَّار، والسَّمْسَرة: البيع والشراء، وتقدَّم الكلام على تحريم تَلَقِّي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، وما يتعلق به في هذا الباب. وفي هذا الحديث دليل: على تحريم تعاطي أسباب الشيء المنهي عنه؛ لأن الدلال لمَّا كان سببًا لتعاطي هذا البيع المحرم، حرم عليه الكلام فيه، والدخول فيه، وكما يحرم عليه السمسرة فيه، كذلك يحرم عليه أن يكون وكيلًا في بيعه تبعًا لسمسرة الحاضر له. وفيه: السؤال عما يجهله الإنسان. وفيه دليل: على الجواب عنه بمقتضى ما يعلمه المجيب، والله أعلم. * * *

стр. 1108

الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المُزَابَنةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ إنْ كَانَ نخلًا بِتَمْرٍ كَيلًا، وإنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (١). أما المُزَابَنة، فقد فسرها في الحديث، وهذا البيع على ما ذكر أصله، من الزَّبْنِ، وهو الدَّفْعُ، وحقيقته: بيعُ معلومٍ بمجهولٍ من جنسه، وكان كل واحد من المتبايعين يَزْبِن صاحبه عن حقِّه بما يزداد منه، فوقع النهي؛ لما يقع فيه من الغبن والجهالة، وذكر في الحديث أمثلة للمزابنة من بيع الرطب بالتمر، ومن بيع العنب بالزبيب، ومن بيع الزرع بمكيال طعام. وفي الحديث دليل: على تحريم ذلك، وقد اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، على ما سيأتي في الباب بعده، واتفقوا على أنه رِبًا، وأجمعوا على تحريم بيع العنب بالزبيب، وأجمعوا -أيضًا- على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية، وهي المحاقلة، مأخوذ من الحقل: وهو الحرث، وموضع الزرع، وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر، أو مقطوعًا، وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعًا، جاز بيعه بمثله من اليابس، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: نَهَى النبِيُّ ﷺ عَنِ المُخَابرَةِ والمُحَاقَلَةِ، وعن المُزَابَنةِ، وَعَنْ بيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، وَأَلَّا يُبَاعَ إلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرهَمِ إلَّا العَرَايَا" (٢).

стр. 1109

المُحَاقَلَةُ: بيعُ الحنطة في سنبلها بحنطة. تقدَّم الكلام على بيع المحاقلة والمزابنة والثمرة قبل بُدوِّ صلاحها. وأما المُخَابرَةُ، فهي والمزارعة متقاربتان في المعنى، وهما المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع؛ كالثلث والربع، وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض، وفي المخابرة يكون البذر من العامل، هكذا قاله جمهور الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي ﵀، وقال بعض الشافعية وجماعة من أهل اللغة وغيرهم: هما بمعنًى، والمخابرة مشتقة من الخبير، وهو الأكار؛ أي: الفلاح، وهذا قول الجمهور، وقيل: مشتقة من الخبار: وهي الأرض اللينة، وقيل: من الخُبرة، وهي النصيب، وهي بضم الخاء، قال الجوهري: قال أبو عبيد: هي النصيب من سمك أو لحم، يقال: تخبروا خبرة: إذا اشتروا شاة فذبحوها واقتسموا لحمها، وقال ابن الأعرابي: مأخوذ من خيبر؛ لأن أول هذه كان فيها، والله أعلم (١). أما حكم المخابرة: وهي كراء الأرض بجزءٍ مما يخرج منها؛ كالثلث والربع، فقد اختلف العلماء فيه، وفي كراء الأرض مطلقًا، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وبالطعام والثياب، وسائر الأشياء، سواء كان بجنس ما يزرع فيها، أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء مما يخرج منها؛ كالثلث والربع، ولا يجوز أن يشترط له زرع قطعة معينة، وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط، وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما، إلا الطعام، وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وجماعة من المالكية، وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شريح، وابن خزيمة، والخطابي، وغيرهم من محققي الشافعية، وهو الراجح المختار عند جماعة من المتأخرين، وقال

стр. 1110

طاوس، والحسن البصري: لا يجوز بكل حال، سواء كراها بطعام أو ذهب أو فضة، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق النهي عن كراء الأرض، إلا أن يمنحها أخاه، واعتمد الشافعي ومن وافقه صريحَ رواية رافع بن خديج، وثابت بن الضحاك، وسيأتي في جواز الإجارة بالذهب والفضة ونحوهما، وتأولوا حديث النهي تأويلين: أحدهما: حمله على الإجارة بها على الماذيانات والجداول، أو على الإجارة بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع ونحو ذلك كما فسره الرواة في الأحاديث. والثاني: حمله على كراهة التنزيه والإرشاد إلى عمارتها؛ كالنهي عن بيع الهر، فإنه محمول على التنزيه؛ حيث إن العادة أن الناس يتواهبونه، والله أعلم، وهذان لا بد منهما؛ جمعًا بين الأحاديث؛ فإنه أولى من إلغاء بعضها، وليس ثم دليل على نسخ بعضها، فتعين المصير إلى التأويل، لكن التأويل الثاني نقل معناه عن ابن عباس ﵄، وأشار إليه البخاري وغيره، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على منع المخابرة والمحاقلة والمزابنة. وعلى منع بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحِها. وعلى منع بيعها بجنسها يابسًا، إلا في الرطب والعنب. وعلى جواز بيعها بعد بُدوِّ صلاحِها بالذهب والفضة مطلقًا، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَعَنْ مَهْرِ البَغيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ (١). تقدم الكلام على أبي مسعود واسمه ونسبته ونسبه وما يتعلق به.

стр. 1111

أمَّا نهيه ﷺ عن ثمن الكلب: فمقتضاه تحريم بيعه، والعموم في كل كلب، سواء المعلَّم وغيره، وسواء ما يجوز اقتناؤه وغيره، وهو صريح في أنه لا يحل ثمنه، ويلزم من ذلك أنه لا قيمة على متلفه، وقد ورد في بعض الأحاديث النهي عن ثمن الكلب: "إلَّا كَلْبَ صيدٍ" (١)، وفي رواية: "إلا كَلْبًا ضاريًا" (٢)، وأن عثمان ﵁: غرم إنسانًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا (٣)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن التغريم فيما أتلفه، وكلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث، والعلَّة في منع ثمنه عند الشافعي نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعلَّم وغيره، ومن يرى طهارته اختلف قوله في المعلَّم منه، وعلة المنع غير عامَّة عنده. وأمَّا نهيُهُ ﷺ مَهرِ البَغِيِّ: فهو ما تعاطاه على الزنا، وسُمِّي مهرًا على سبيل المجاز، إما مجاز التشبيه صورة، وإما المجاز اللغوي إن كان وضعه فيها ذلك، وإلا كان للتشبيه إن لم يكن في الموضع ما يقابل به النكاح، والإجماع قائم في تحريم ذلك؛ لما فيه من مقابلة الزنا بالعوض. وأَمَّا "حُلْوَانُ الكاهِنِ"؛ فهو ما يُعطاه على كهانته، وهو حرام؛ لما فيه من أخذ العوض على أمرٍ باطلٍ، وفي معنى ذلك ما يمنع منه الشرع من الرجم بالغيب. والحلوان: مصدر حلوته حُلْوانًا: إذا أعطيتُه، قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو؛ من حيث إنه يأخذه سهلًا بلا كلفة، ولا في مقابلة مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته؛ كما يقال: عسلته: إذا أطعمته العسل، قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان -أيضًا- على غير هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته

стр. 1112

لنفسه، وذلك عيبٌ عند النساء، قالت امرأة تمدحُ زوجها: لا يأخذ الحلوان عن بناتنا. ونقل البغوي، والقاضي عياض إجماعَ المسلمين على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكلُ مالٍ بالباطل، وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح، وما ثبت في "صحيح مسلم" من النهي عن كسب الإماء، فالمراد به كسبهن بالزنا وشبهه، لا بالغزل والخياطة ونحوهما، قال الخطابي: قال ابن الأعرابي: ويقال لحلوان الكاهن: الشنع والصهميم (١). قال الخطابي: وحلوان العرَّاف أيضًا حرام، قال: والفرق بين الكاهن والعراف: أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، والعراف: هو الذي يدَّعِي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالَّة، ونحوهما من الأمور، هذا آخر كلامه في كتاب البيوع من "معالم السنن". ثم ذكره في آخر الكتاب أبسط من هذا، فقال: الكاهن: هو الذي يدَّعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كَهَنة يدَّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من كان يزعم أنه له رئيًا من الجن، وتابعه يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدَّعي أنه يستدرك الأمور بفهمه الذي أعطيه، وكان منهم من يسمى عرافًا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسبابٍ يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يُسرق، فيعرف المظنونَ به السرقةُ، ويتهم المرأة بالزنية؛ فيعرف مَنْ صاحبُها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمي المنجم: كاهنًا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على

стр. 1113

النهي عن هؤلاء كلهم، وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم، ومنهم من كان يدعو الطبيب: كاهنًا، وربما سموه: عرَّافًا، فهذا غير داخل بالنهي، هذا آخر كلام الخطابي -رحمه الله تعالى- (١). قلت: وكما أن الطب والطبيب لا يسمى كهانة ولا عرافًا، ولا يدخل في النهي، فكذلك أولياء الله تعالى الذين جَعل لهم نورًا وفراسة بطريق شرعية ظاهرة وباطنة، يخبرون بها أهلها غير مريدين بها الشهرة والكثرة والظهور والرفعة، قاصدين التحدث بنعم الله تعالى، أو حجة أو حاجة شرعية، لا يسمى هذا كهانة، ولا يسمى صاحبه عرَّافًا، ولا يدخل في النهي. وليحذر كل الحذر من إلباس الكاهن والعراف بالولي، والشيطان بالملَك، والصادق بالكاذب، ويعرف صاحب الحق من الباطل في ذلك بقرائن متابعة الكتاب والسنة في ظاهره وباطنه، وظهور محبته على قلوب خلق الله تعالى من أهل العلم والمعرفة، دون أهل الضلالة والفسق والحسدة، ومن استبرأ لدينه وعرضه في جميع ما ذكرنا، عرف ذلك، والله يعلم المفسد من المصلح، والمحق من المبطل، والموضح من الملبس، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، ولا يعلم الغيب أحد إلا الله، ومن علمه من خلقه، فبإعلام الله . قال الإمام أبو الحسن الماوردي من الشافعية، في كتابه "الأحكام السلطانية" (٢): ويمنع المحتسبُ مَنْ يكسب بالكهانة واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذ والمعطي، والله أعلم.

стр. 1114

وفي الحديث دليل: على تحريم ثمن الكلب، وهو قول جمهور العلماء، وبه قال أبو هريرة، والحسن البصري، وربيعة، والأوزاعي، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وغيرهم، وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلاب التي فيها منفعة، وتجب القيمة على متلفها، وحكى ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي: جواز بيع كلب الصيد دون غيره، وعن مالك روايات: أحدها: لا يجوز بيعه، لكن تجب القيمة على متلفه. والثاني: يصح بيعه، وتجب القيمة. والثالث: لا يصح، ولا تجب القيمة على متلفه. دليل الجمهور: هذا الحديث وغيره، وتقدم ما يتعلق به غير ذلك. وفيه دليل: على تحريم مهر البغي، وتقدم ذكر الإجماع عليه. وفيه دليل: على تحريم حلوان الكاهن، وما في معناه على ما أوضحناه، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عَنْ رَافع بنِ خَدِيجٍ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهرُ البَغيِّ خَبِيثٌ، وكَسبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ" (١). أَمَّا رَافعُ بنُ خَدِيِجٍ؛ فكنيته أبو عبد الله، ويقال: أبو رافع بنُ خَديِج -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وسكون الياء المثناة تحت ثم الجيم-، ويشتبه بحُدَيج، -بضم الحاء المهملة وبفتح الدال المهملة- في الأسماء وأسماء

стр. 1115

الآباء، واسمُ جدِّ رافع بن خديج هذا: رافعُ بنُ عديِّ بنِ تزيدَ -بالتاء المثناة فوق وكسر الزاي- بنِ جُشَمَ بنِ حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأنصاريُّ، الحارثيُّ، شَهِد أحدًا والخندق، رُوي له عن رسول الله ﷺ ثمانية وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه: عبدُ الله بن عمر، والسائبُ بن يزيد من الصحابة، وغيرهم من التابعين، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ست وثمانين سنة، وروى له أصحاب السنن والمساند (١). وَأمَّا الخَبِيثُ؛ فهو الرديُّ من كل شيء، والمراد به في هذا الحديث: الحرام. وتقدم الكلام على ثمن الكلب، ومهر البغي في الحديث قبله، فهذا الحديث يقتضي تعميم تحريم ثمن الكلب في كل كلب، وإطلاقه فيه، وقد يقتضي تخصيصه في بعض ما أطلق عليه أنه خبيث بدليل أو قرينة؛ ككسب الحجَّام؛ فإنه عند جمهور العلماء محمول على كراهة التنزيه في حقِّ الحرِّ والعبد، وقالوا: لا يحرم كسب الحجَّام، ولا يحرم أكله مطلقًا، وبذلك قال أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وقال في رواية عنه -وبها قال فقهاء المحدثين-: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ احتجاجًا بحديث ابن عباس ﵄ في "الصحيحين": أن النبي ﷺ احتجم، وأعطى الحجَّام أجره (٢)، قال ابن عباس ﵁: ولو كان حرامًا، لم يعطه (٣)، فإذا ثبت أن لقظة الخبيث ظاهرة

стр. 1116

في الحرام، كان خروجها في كسب الحجَّام عن الظاهر بدليل، لا يلزم منه خروجها في غيره بغير دليل، وحمل العلماء الأحاديث الواردة فيه على منع التنزيه، والارتفاع عن دنيء الاكتساب، والحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا، لم يفرق فيه بين الحر والعبد؛ فإنه لا يجوز للرجل أن يطعم عبده ما لا يحل، والله أعلم. وأَمَّا الكلب، فلو قيل بثبوت حديث يدل على جواز بيع كلب الصيد دون غيره، لكان دليلًا على طهارته، وليس يدلُّ النهيُ عن بيعه على نجاسته؛ لأن علَّة المنعِ من البيع متعددة لا تنحصر في النجاسة، بخلاف غيره من الكلاب، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على تحريم ثمن الكلب، وعلى تحريم مهر البغي. وفيه دليل: على الامتناع من كل كسب الحخام على ما بيِّن وفصل، لكن إذا وصف بالخبيث، وحمل على كراهة التنزيه في العبد، أو مطلقا، يكون من باب عطف المكروه على المحرم، وهو سائغ في القرآن والسنة، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 1117

باب العرايا وغير ذلك العَرَايا: جَمْعُ عَرِيَّة؛ سُمِّيت بذلك؛ لأنها عريت من حكم باقي البستان، قال الأزهري: هي فعيلة بمعنى فاعلة، وقال الهروي: هي فعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا أتاه وتردَّد إليه؛ لأن صاحبها يتردَّد إليها، وقيل: سُميت عرية؛ لتخلي صاحبها الأول عنها من بين سائر نخله. والعريَّة -بتشديد الياء- كمطية ومطايا، وضحية وضحايا، مشتقة من التعرِّي، وهو التجرُّد، والله أعلم (١). * * * الحديث الأول عَنْ زَيْدِ بن ثَابتٍ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخصَ لِصَاحِب العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا (٢). ولمسلمٍ: بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأكُلُونَهَا رُطَبًا (٣). تقدم الكلام على زيد بن ثابت في كتاب: الصلاة. وأما العرية، فاختلف العلماء في تفسيرها، فقال الشافعي ﵀: هي

стр. 1118

بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خَرْصًا، فيما دون خمسة أوسق، وبهذا قال أحمد وآخرون، وقال مالك ﵀: هي أن يعري الرجل؛ أي: يهب ثمرة نخلة أو نخلات، ثم يتضرر بمداخلة الموهوب له، فيشتريها منه بخرصها تمرًا، فلا يجوز ذلك لغير رب البستان. ويشهد لتأويل مالك شهرةُ تفسيرها بما قاله بين أهل المدينة وتداوله بينهم بذلك، وقد نقله مالك عنهم، وإن قوله في الحديث: "رَخَّصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ" يشعر باختصاصه بصفة يتميز بها عن غيره، وهي الهبة الواقعة، وقد أنشدوا في تفسير العرايا بالهبة: لَيْسَتْ بسنهاءَ وَلاَ رُجَبِيَّة ... وَلَكنْ عَرَايا في السِّنِينَ الجَوَائحِ (١) وتأولها أبو حنيفة على غير هذا، وظواهر الأحاديث ترده. وقد تقدم في البيوع المنهي عنها تحريمُ بيع المزابنة، وتفسيرُها، وأن العرايا مستثناة من بيع المزابنة رخصة لحكمةِ حاجة الناس إلى ذلك، ولما كان التمر والزبيب مضبوطين بالكيل، والرطب والعنب بالخرص، فربين إلى الضبط وعدم الخطأ في مقداره غالبًا، ورخص فيه لضرورة الناس إليه، وصورته: أن يخرص الخارص ما على النخلة أو النخلات من الرُّطب إذا يبس، فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس يجني منه ثلاثة أوسق من التمر مثلًا، ويبيعه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع الرطب بالتخلية. وفي هذا الحديث دليل: على وقوع الرخصة في المزابنة في الرطب والعنب بالتمر والزبيب، وأنه لا يتعدى إلى غيرهما من الثمار، وللشافعي -رحمه الله تعالى- قول: إن الرخصة تتعدى إلى غيرهما، حيث إن العلة فيهما الحاجة، وهي موجودة في غيرهما، لكن الأصل عدم الجواز شرعًا، ووقت

стр. 1119

الرخصة في نوع خاص، فيبقى فيما عداه على الأصل، وهو عدم الجواز، والله أعلم. وفيه دليل: على أن الرخصة عامة لجميع الناس؛ الأغنياء والفقراء؛ حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو الصحيح عند الشافعية، ولهم وجه أو قول: أنها تختص بالفقراء؛ لحديث ورد عن زيد بن ثابت ﵁: أن رجالًا من الأنصار محتاجين شَكوا إلى رسولِ الله ﷺ الفاقة، ولا نقدَ في أيديهم يتبايعون به رُطبًا يأكلونه مع النَّاسِ، وعندهم فضول قُوتهم من التمر، فرخَّص لهم أن يبتاعوا العَرَايا بِخَرْصها من التمر (١). وفيه دليل: على جواز بيع الرطب على النخيل بالرطب على النخيل خرصًا فيها، أو بالرطب على وجه الأرض كيلًا؛ حيث قال في الرواية الأولى: "رَخَّصَ لصاحبِ العرِيَّة أن يبيعها بِخَرصها"؛ فإنه مطلق فيما ذكرنا، لكن رواية مسلم بعدها مقيدة بجواز خرصها تمرًا يأكلونه رطبًا، فدل على أنه لا يجوز بيع العَرِيَّة بالرطب على الشجر ولا على الأرض، وفي المسألة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي: أحدها: لا يجوز بيع الرطب على الشجر بالرطب على الشجر ولا على الأرض، وهو الأصح؛ لأن الرخصة وردت للحاجة إلى تحصيل الرطب، وهذه الحاجة مفقودة في حق صاحب الرطب. والثاني: يجوز؛ نظرًا إلى عموم الحاجة إلى أنواع الرطب كأصله. والثالث: إن اختلف النوعان، جاز، وإلا فلا، ولو باع الرطب على وجه الأرض بالرطب على وجه الأرض، لم يجز، وجها واحدًا؛ لأن أحد المعاني في الرخصة كل الرطب على التدريج طريًّا، وذلك لا يحصل بما على وجه الأرض. وفيه دليل: على نظر الإمام للمحاويج وغيرهم، والفكر في مصالحهم، وما يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع، والله أعلم.

стр. 1120

الحديث الثاني عَن أَبِي هُرَيرةَ ﵁، عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ في بيعِ العَرَايَا في خَمْسَةِ أَوسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمسَةِ أَوْسُقٍ (١). في حديث أبي هريرة هذا بيان مقدار ما تجوز فيه الرخصة في العرية من بيع المزابنة، ولا شك في جوازه فيما دون خمسة أوسق بلا خلاف عند الشافعية، من غير اختلاف عندهم في نص الشافعي عليه، ولم يختلفوا في عدم الجواز فيما زاد على خمسة أوسق، وفي جوازه في الخمسة أوسق قولان للشافعي، أصحهما: لا يجوز؛ لأن الأصل في ذلك التحريم، وجاءت العرايا رخصة، وشك الراوي في الخمسة الأوسق أو دونها، فوجب الأخذ باليقين، وهو دونها، وبقي ما زاد على التحريم والاعتبار فيما يجوز من قدر الرخصة في العرية إذا كان العقد عليه في صفقةٍ واحدة، فالزائد عليه في الصفقة لم يجز، والناقص عنه جائز، فلو كانت أكثر من خمسة أوسق في صفقات متعددة، فلا منع منه بلا خلاف، فلو باع في صفقة واحدة من رجلين القدر الجائز لكل واحد منهما، جاز، ولو باع رجلان من واحد، فكذلك الحكم في أصح الوجهين؛ لأن الصفقة تعددها بتعدد البائع أظهر من تعددها بتعدد المشتري. وفيه وجه آخر: أنه لا تجوز الزيادة على خمسة أوسق في هذه الصورة؛ نظرًا إلى الربويات، فلا ينبغي أن يدخل في ملكه فوق القدر المجوز دفعة واحدة، والظاهر من الحديث أنه محمول على صفقة واحدة من غير تعدد بائع ومشتر؛ جريًا على العادة والغالب. * * *

стр. 1121

الحديث الثالث عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن بَاعَ نَخْلًا قَد أُبِّرَت، فَثَمَرَتُها لِلبَائع إلَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ" (١). ولمسلم: "وَمَنِ ابتَاعَ عَبدًا، فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ، إلَّا أَنْ يَشترِطَ المُبتَاعُ" (٢). أمَّا قوله ﷺ : "مَن بَاعَ نَخلًا قَد أُبِّرَت"؛ فمعنى أبرت؛ شُقِّقت، والتأبير: التلقيح، وهو تشقيق الكِمام عنه، ويقال له: الإبار، سواءٌ تشقق بحط ذكر شيء من ذكر طلع النخل فيها، أم بنفسها، لكن يسمى وضع الذكر فيها: تلقيحًا. قال أهل اللغة: أبَرْت النخلَ -بتخفيف الباء الموحدة المفتوحة- آبُرُه -بمد الهمزة وضم الباء- أَبْرًا، كَأكَلْتُهُ آكُلُهُ أَكْلًا، وأَبَّرته -بالتشديد- أُؤَبِّره تأبيرًا، كعلَّمته أُعلِّمه تعليمًا (٣). واعلم أنه لا يلقح جميع النخل، بل يؤبر البعض، ويتشقق الباقي بانبثاث ريح الفحول إليه الذي يحصل به تشقيق الطلع. إذا باع الشجر بعد التأبير، فالثمر للبائع في صورة الإطلاق، وقيل: تبقى الثمرة له مطلقًا، سواء أبرت أم لا، أما إذا شرط البائع أو المشتري، فالشرط متبع. وقوله ﷺ : "وَمَنِ ابتَاعَ عَبْدًا، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ الَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ": هكذا روى البخاري ومسلم هذه الزيادة التي أضافها المصنف إلى مسلم خاصة، لكن روايتها لها من رواية سالم عن أبيه ابن عمر، ولم تقع هذه الزيادة في حديث

стр. 1122

نافع عن ابن عمر، ولا يضر ذلك؛ لأن سالمًا ثقة، وهو أجل من نافع، فزيادته مقبولة، وقد أشار النسائي والدارقطني إلى ترجيح رواية نافع، وهي إشارة مردودة، فحينئذ المصنف معذور؛ من حيث إنه روى الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄، والزيادة عنه -أيضًا-، والذي خرجاه في "صحيحيهما" روايتهما له عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ، فجعلاها من مسند عمر، لا من مسند ابنه، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: جواز الإبار للنخل وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك، أما في النخل، فللحديث، وأما ما في باقي الثمار، فإنه في معناه. ومنها: اعتبار التأبير في المبيع حقيقة، وهذا معتبر إذا كان في بستان واحد، واتحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فأجرى تأبير البعض مجرى تأبير الجميع، وجعل ذلك كالنخلة الواحدة، فلو اختلف النوع، ففيه وجهان لأصحاب الشافعي، الأصح: أن الثمر يبقى للبائع؛ كما لو اتحد النوع؛ دفعًا لضرر اختلاف [الأيدي] وسواء المشاركة. ومنها: أنه إذا باع ما لم يؤبر مفردًا بالعقد بعد تأبير غيره من البستان: أنه يكون للمشتري؛ لأنه ليس في المبيع شيء مؤبر، فيقتضي مفهوم الحديث أنه ليس للبائع، وهو أصح الوجهين للشافعية، وكأنه قال: إذا لم يعتبر عدم التأبير إذا بيع مع المؤبر، فيجعل بيعًا، وفي هذه الصورة ليس فيها شيء مؤبر يجعل غيره بيعًا له، وأدخل في هذه الصورة في الحديث ما إذا كان التأبير وعدمه في بستانين مختلفين، والأصح هاهنا: أن كل واحد منهما يفرد بحكمه. أما صحة بيعه مفردًا، ويكون للمشتري، فلظاهر الحديث، وأما إذا كانا في بستانين يفرد كل واحد منهما بحكمه؛ فلأن لاختلاف البقاع تأثيرًا في التأبير، ولأن في البستان الواحد يلزم ضرر اختلاف الأيدي وسواء المشاركة. ومنها: أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد جائز.

стр. 1123

ومنها: جواز بيع النخل المؤبر بعد التأبير وقبله، وهل تدخل الثمرة فيها عند إطلاق بيع النخل من غير تعرض للثمرة بنفي ولا إثبات؟ قال مالك، والشافعي، والليث، والأكثرون: إن باع النخلة بعد التأبير، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المشتري؛ بأن يقول: اشتريت النخلة بثمرتها هذه، وإن باعها قبل التأبير، فثمرتها للمشتري، فإن شرطها البائع لنفسه، جاز عند الشافعي والأكثرين، وقال مالك: لا يجوز شرطها للبائع، وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده عند الإطلاق، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده، فأما الشافعي، ومالك، والأكثرون: فأخذوا في المؤبرة بمنطوق الحديث، وفي غيرها بمفهومه، وهو دليل الخطاب، وهو حجة عندهم، وأما أبو حنيفة: فأخذ بمنطوقه في المؤبرة، وهو لا يقول بدليل الخطاب، فألحق غير المؤبرة بالمؤبرة، واعترضوا عليه بأن الظاهر يخالف المستتر في حكم التبعية، كما أن الجنين يتبع الأم في البيع، ولا يتبعها الولد المنفصل، وأما ابن أبي ليلى: فقوله باطل، منابذ لصريح السنَّة، ولعله لم يبلغه الحديث، والله أعلم. ومنها: جواز بيع العبد ومن في معناه. ومنها: أن العبد إذا ملَّكه السيدُ مالًا، ملكه، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، لكنه إذا باعه بعد ذلك، كان ماله للبائع، إلا أن يشترطه المشتري؛ لظاهر الحديث، وقال الشافعي في الجديد، وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئًا أصلًا، وتأوَّلا الحديث على أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد للاختصاص والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جل الدابة وسرج الفرس، قالا: فإذا باع السيد العبد، فذلك المال للبائع؛ لأنه ملكه، إلا أن يشترطه المبتاع، فيصح؛ لأنه يكون باع شيئين: العبد والمال الذي في يده، وبثمن واحد، وذلك جائز في الأول. قالا: ويشترط الاحتراز من الربا، وقال الشافعي: فإن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، وكذا إن كان دنانير، لم يجز بيعهما بحنطةٍ، وقال مالك ﵀: يجوز أن

стр. 1124

يشترطه المشتري، فإن كان دراهم، والثمن دراهم، وكذلك في جميع الصور؛ لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة للمال من الثمن. ومنها: أنه إذا باع عبدًا، أو جارية وعليها ثياب، لا تدخل في البيع مطلقًا، بل تكون للبائع إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأنه مال في الجملة، وفي ذلك أوجه لأصحاب الشافعي: أصحها: ما ذكرناه؛ لهذا الحديث؛ فإنه ظاهر في ذلك، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب. والثاني: يدخل. والثالث: يدخل ساتر العورة دون غيره، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَستَوفيهُ" (١). وفي لفظ: "حَتَّى يقْبِضَهُ" (٢)، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِثْلُه (٣). أجمع العلماء على بطلان بيع الطعام قبل قبضه؛ بأن يشتري رجل طعامًا، ولم يقبضه، ولا استوفاه، فيبيعه لآخر، نقل الإجماع على ذلك أكثر العلماء، ونقل المازني، ثم القاضي عياض -رحمهما الله تعالى- عن عثمان الليثي: جوازَ مبيع كل مبيع قبل قبضه، ونقل عن أبي حنيفة جواز ذلك في كل شيء إلا العقار،

стр. 1125

وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز في كل ما سواه، وقال الشافعي ﵀: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا، سواء كان طعامًا، أو عقارًا، أو منقولًا، أو نقدًا، وغير ذلك، فحينئذ مذهب أبي حنيفة والبتي مخالف للإجماع المستند إلى الأحاديث الصحيحة، ويعتذر عن أبي حنيفة والبتي بأن الأحاديث لم تبلغهما، والله أعلم. وكان ولاة الأمر من السلف -رحمهم الله تعالى- يضربون من بيع الطعام قبل قبضه. وقد روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄: أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جِزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه (١)، وفي رواية عنه: رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جِزافًا، يُضربون أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم (٢). ومقتضى ذلك جميعه: أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه، إما بكيله، وإما بنقله من موضعه، سواء كان شراؤه جِزافًا، أو اشترى قدرًا معلومًا، فإن كان جزافًا، اشترط في جواز بيعه نقله من مكانه، وذلك قبضه واستيفاؤه، وإن كان قدرًا معلومًا من الصبرة، اشترط كيله، وذلك قبضه واستيفاؤه. ثم إن الحديث يقتضي المنع من البيع قبل القبض، إذا كان مملوكًا بجهة البيع، وأن يكون المنع من التصرف فيه هو البيع قبل القبض، فلو كان مملوكًا بغير البيع، كالصدقة والهبة، وهي بيع الصك قبل قبضه؛ بأن يكون دين لإنسان مكتوب في ورقة، فيهبه، أو يتصدق به على شخص، أو يأمر ولي الأمر لمستحق برزق من طعام أو غيره معين، فكتب له في صك؛ وهو الورقة المكتوبة به، فيبيعه صاحبه لإنسان قبل قبضه، وقد اختلف العلماء في ذلك، وللشافعية فيه وجهان:
следующие страницы →