الحديث الثالث
عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن بَاعَ نَخْلًا قَد أُبِّرَت، فَثَمَرَتُها لِلبَائع إلَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ" (١).
ولمسلم: "وَمَنِ ابتَاعَ عَبدًا، فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ، إلَّا أَنْ يَشترِطَ المُبتَاعُ" (٢).
أمَّا قوله ﷺ : "مَن بَاعَ نَخلًا قَد أُبِّرَت"؛ فمعنى أبرت؛ شُقِّقت، والتأبير: التلقيح، وهو تشقيق الكِمام عنه، ويقال له: الإبار، سواءٌ تشقق بحط ذكر شيء من ذكر طلع النخل فيها، أم بنفسها، لكن يسمى وضع الذكر فيها: تلقيحًا.
قال أهل اللغة: أبَرْت النخلَ -بتخفيف الباء الموحدة المفتوحة- آبُرُه -بمد الهمزة وضم الباء- أَبْرًا، كَأكَلْتُهُ آكُلُهُ أَكْلًا، وأَبَّرته -بالتشديد- أُؤَبِّره تأبيرًا، كعلَّمته أُعلِّمه تعليمًا (٣).
واعلم أنه لا يلقح جميع النخل، بل يؤبر البعض، ويتشقق الباقي بانبثاث ريح الفحول إليه الذي يحصل به تشقيق الطلع.
إذا باع الشجر بعد التأبير، فالثمر للبائع في صورة الإطلاق، وقيل: تبقى الثمرة له مطلقًا، سواء أبرت أم لا، أما إذا شرط البائع أو المشتري، فالشرط متبع.
وقوله ﷺ : "وَمَنِ ابتَاعَ عَبْدًا، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ الَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ": هكذا روى البخاري ومسلم هذه الزيادة التي أضافها المصنف إلى مسلم خاصة، لكن روايتها لها من رواية سالم عن أبيه ابن عمر، ولم تقع هذه الزيادة في حديث
стр. 1122
نافع عن ابن عمر، ولا يضر ذلك؛ لأن سالمًا ثقة، وهو أجل من نافع، فزيادته مقبولة، وقد أشار النسائي والدارقطني إلى ترجيح رواية نافع، وهي إشارة مردودة، فحينئذ المصنف معذور؛ من حيث إنه روى الحديث عن عبد الله بن عمر ﵄، والزيادة عنه -أيضًا-، والذي خرجاه في "صحيحيهما" روايتهما له عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ ، فجعلاها من مسند عمر، لا من مسند ابنه، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: جواز الإبار للنخل وغيره، وقد أجمع العلماء على ذلك، أما في النخل، فللحديث، وأما ما في باقي الثمار، فإنه في معناه.
ومنها: اعتبار التأبير في المبيع حقيقة، وهذا معتبر إذا كان في بستان واحد، واتحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فأجرى تأبير البعض مجرى تأبير الجميع، وجعل ذلك كالنخلة الواحدة، فلو اختلف النوع، ففيه وجهان لأصحاب الشافعي، الأصح: أن الثمر يبقى للبائع؛ كما لو اتحد النوع؛ دفعًا لضرر اختلاف [الأيدي] وسواء المشاركة.
ومنها: أنه إذا باع ما لم يؤبر مفردًا بالعقد بعد تأبير غيره من البستان: أنه يكون للمشتري؛ لأنه ليس في المبيع شيء مؤبر، فيقتضي مفهوم الحديث أنه ليس للبائع، وهو أصح الوجهين للشافعية، وكأنه قال: إذا لم يعتبر عدم التأبير إذا بيع مع المؤبر، فيجعل بيعًا، وفي هذه الصورة ليس فيها شيء مؤبر يجعل غيره بيعًا له، وأدخل في هذه الصورة في الحديث ما إذا كان التأبير وعدمه في بستانين مختلفين، والأصح هاهنا: أن كل واحد منهما يفرد بحكمه. أما صحة بيعه مفردًا، ويكون للمشتري، فلظاهر الحديث، وأما إذا كانا في بستانين يفرد كل واحد منهما بحكمه؛ فلأن لاختلاف البقاع تأثيرًا في التأبير، ولأن في البستان الواحد يلزم ضرر اختلاف الأيدي وسواء المشاركة.
ومنها: أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد جائز.
стр. 1123
ومنها: جواز بيع النخل المؤبر بعد التأبير وقبله، وهل تدخل الثمرة فيها عند إطلاق بيع النخل من غير تعرض للثمرة بنفي ولا إثبات؟ قال مالك، والشافعي، والليث، والأكثرون: إن باع النخلة بعد التأبير، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المشتري؛ بأن يقول: اشتريت النخلة بثمرتها هذه، وإن باعها قبل التأبير، فثمرتها للمشتري، فإن شرطها البائع لنفسه، جاز عند الشافعي والأكثرين، وقال مالك: لا يجوز شرطها للبائع، وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده عند الإطلاق، وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده، فأما الشافعي، ومالك، والأكثرون: فأخذوا في المؤبرة بمنطوق الحديث، وفي غيرها بمفهومه، وهو دليل الخطاب، وهو حجة عندهم، وأما أبو حنيفة: فأخذ بمنطوقه في المؤبرة، وهو لا يقول بدليل الخطاب، فألحق غير المؤبرة بالمؤبرة، واعترضوا عليه بأن الظاهر يخالف المستتر في حكم التبعية، كما أن الجنين يتبع الأم في البيع، ولا يتبعها الولد المنفصل، وأما ابن أبي ليلى: فقوله باطل، منابذ لصريح السنَّة، ولعله لم يبلغه الحديث، والله أعلم.
ومنها: جواز بيع العبد ومن في معناه.
ومنها: أن العبد إذا ملَّكه السيدُ مالًا، ملكه، وهو قول مالك، والشافعي في القديم، لكنه إذا باعه بعد ذلك، كان ماله للبائع، إلا أن يشترطه المشتري؛ لظاهر الحديث، وقال الشافعي في الجديد، وأبو حنيفة: لا يملك العبد شيئًا أصلًا، وتأوَّلا الحديث على أن يكون في يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد للاختصاص والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جل الدابة وسرج الفرس، قالا: فإذا باع السيد العبد، فذلك المال للبائع؛ لأنه ملكه، إلا أن يشترطه المبتاع، فيصح؛ لأنه يكون باع شيئين: العبد والمال الذي في يده، وبثمن واحد، وذلك جائز في الأول. قالا: ويشترط الاحتراز من الربا، وقال الشافعي: فإن كان المال دراهم لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، وكذا إن كان دنانير، لم يجز بيعهما بحنطةٍ، وقال مالك ﵀: يجوز أن
стр. 1124
يشترطه المشتري، فإن كان دراهم، والثمن دراهم، وكذلك في جميع الصور؛ لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة للمال من الثمن.
ومنها: أنه إذا باع عبدًا، أو جارية وعليها ثياب، لا تدخل في البيع مطلقًا، بل تكون للبائع إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأنه مال في الجملة، وفي ذلك أوجه لأصحاب الشافعي:
أصحها: ما ذكرناه؛ لهذا الحديث؛ فإنه ظاهر في ذلك، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب.
والثاني: يدخل.
والثالث: يدخل ساتر العورة دون غيره، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَستَوفيهُ" (١). وفي لفظ: "حَتَّى يقْبِضَهُ" (٢)، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵁ مِثْلُه (٣).
أجمع العلماء على بطلان بيع الطعام قبل قبضه؛ بأن يشتري رجل طعامًا، ولم يقبضه، ولا استوفاه، فيبيعه لآخر، نقل الإجماع على ذلك أكثر العلماء، ونقل المازني، ثم القاضي عياض -رحمهما الله تعالى- عن عثمان الليثي: جوازَ مبيع كل مبيع قبل قبضه، ونقل عن أبي حنيفة جواز ذلك في كل شيء إلا العقار،
стр. 1125
وقال مالك: لا يجوز في الطعام، ويجوز في كل ما سواه، وقال الشافعي ﵀: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا، سواء كان طعامًا، أو عقارًا، أو منقولًا، أو نقدًا، وغير ذلك، فحينئذ مذهب أبي حنيفة والبتي مخالف للإجماع المستند إلى الأحاديث الصحيحة، ويعتذر عن أبي حنيفة والبتي بأن الأحاديث لم تبلغهما، والله أعلم.
وكان ولاة الأمر من السلف -رحمهم الله تعالى- يضربون من بيع الطعام قبل قبضه.
وقد روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر ﵄: أنهم كانوا يضربون على عهد رسول الله ﷺ إذا اشتروا طعامًا جِزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يحولوه (١)، وفي رواية عنه: رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جِزافًا، يُضربون أن يبيعوه في مكانهم ذلك حتى يؤووه إلى رحالهم (٢).
ومقتضى ذلك جميعه: أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه، إما بكيله، وإما بنقله من موضعه، سواء كان شراؤه جِزافًا، أو اشترى قدرًا معلومًا، فإن كان جزافًا، اشترط في جواز بيعه نقله من مكانه، وذلك قبضه واستيفاؤه، وإن كان قدرًا معلومًا من الصبرة، اشترط كيله، وذلك قبضه واستيفاؤه.
ثم إن الحديث يقتضي المنع من البيع قبل القبض، إذا كان مملوكًا بجهة البيع، وأن يكون المنع من التصرف فيه هو البيع قبل القبض، فلو كان مملوكًا بغير البيع، كالصدقة والهبة، وهي بيع الصك قبل قبضه؛ بأن يكون دين لإنسان مكتوب في ورقة، فيهبه، أو يتصدق به على شخص، أو يأمر ولي الأمر لمستحق برزق من طعام أو غيره معين، فكتب له في صك؛ وهو الورقة المكتوبة به، فيبيعه صاحبه لإنسان قبل قبضه، وقد اختلف العلماء في ذلك، وللشافعية فيه وجهان:
стр. 1126
أصحهما عندهم: جواز بيع ذلك.
والثاني: منعه، مستدلًا له بما رواه مسلم في "صحيحه": أن أبا هريرة ﵁ قال لمروان: أحللت بيع الصكاك، وقد منع رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى؟! فخطب مروان في الناس، فنهى عن بيعها (١)، ومن قال بالأصح منهم، تأول قصة أبي هريرة على أن المشتري هو الذي اشتراه ممن خرج له الصك، وباعه هذا المشتري لثالث قبل أن يقبضه، فكان البيع المنهي عنه البيع الثاني لا الأول؛ لأن الذي خرج له الصك برزق، أو كان له دين في صك، ونحوهما مالك ملكًا مستقرًا، أو وليس هو بمشترٍ، فلا يمنع بيعه قبل القبض؛ كما لا يمنع بيع ما ورثه قبل قبضه.
قال القاضي عياض ﵀: وكانوا يتبايعون ذلك، ثم يبيعه المشتري، فنُهوا عن ذلك، قال: وكذا جاء الحديث مفسَّرًا في "الموطأ": أن صكوكًا خرجت للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك قبل أن يستوفوها (٢).
وفي "الموطأ" ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمرُ بن الخطاب ﵁، فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه (٣)، والله أعلم (٤).
وقد تكلم الشافعية في جواز التصرف قبل القبض في عقود:
منها: العتق قبل القبض، وفيه وجهان:
أصحهما: يعود إن أدى المشتري الثمن، فلم يكن للبائع حق حبسه، فلو كان الثمن مؤجلًا، فهل للبائع حق الحبس؟ فيه وجهان؛ كعتق الراهن؛ فإن للمرتهن حق الحبس، والصحيح: أنه لا فرق.
стр. 1127
وكذلك اختلفوا في الهبة والرهن قبل القبض، والأصح عند الشافعي -رحمه الله تعالى-: المنع، ولا يجوز عندهم التولية والشركة قبل القبض، وأجازهما مالك، ومنع الإقالة.
ولا شك أن الشركة والتولية بيع، فيدخلان تحت الحديث، واستثنى مالك ذلك على خلاف القياس، وقد ذكر أصحابه في ذلك حديثًا يقتضي الرخصة فيه، واختلف الشافعية في تزويج الجارية المبيعة قبل قبضها على وجهين: والأصح عندهم: جوازه، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أنه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ: "إن اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؛ فَإنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فقال: "لَا، هُوَ حَرَام"، ثُم قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ! إنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأكَلُوا ثَمَنَهُ" (١).
تقدم الكلام على جابر وأبيه أوائل هذا الشرح.
وأمَّا قولهُ: (عامَ الفتحِ): فالمراد بالفتح: فتح مكة -زادها الله شرفًا-، وكان في أواخر رمضان، سنة ثمان من الهجرة، وإنما يذكر الصحابة ﵃ قوله ﷺ مقيدًا بعام الفتح؛ لأنه كان في آخر أمره ومدة نبوته ﷺ ؛ تنبيهًا على ما كانوا يعتمدونه في الأحكام من الأخذ [بالآخر فالآخر] منها، فما كان آخرًا، كان ناسخًا لما قبله مما كان مخالفًا للأحدث، وذلك باب كبير من العلم، والله أعلم.
стр. 1128
وقوله: "جَملوه" يقال: أجملَ الشحمَ وجملَه، رباعي وثلاثي: إذا أَذَابَهُ.
وقوله ﷺ : "لَا، هُوَ حَرَامٌ" معناه: لا تبيعوا الشحوم؛ فإن بيعها حرام، فالضمير في "هو" يعود إلى البيع، لا إلى الانتفاع بها، فكأنه ﷺ أعاد تحريم البيع بعدما بيَّن القائل له ﷺ : أنَّ فيه منفعة، إهدارًا لتلك المصالح والمنافع التي ذكرت.
وقوله ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ" إلى آخره؛ هو تنبيه على تحريم هذه الأشياء، وأن العلة تحريمها فقط؛ حيث وجه ﷺ اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم أكل الشحوم.
حتى استدل المالكية بذلك على تحريم الذرائع؛ حيث إن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى كل الأصل بطريق المعنى، استحقوا اللوم به.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: تحريم بيع الخمر، وهو مجمع عليه، وذلك دليل تحريم شربها، وقد لعن رسول الله ﷺ عشرة بسببها، وقال: "مَنْ شَرِبَها، لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا، (١) ومُدْمِنُ شربها كعابد وَثَن (٢)، ومن شربها في الدنيا، لم يشربها في
стр. 1129
الآخرة (١)، ومن شربها في الدنيا، ولم يتبْ منها، سقاه الله من طينة الخبال، وهو صَديدُ أهل النار وعصارتهم" (٢).
ولا فرق في ذلك في التحريم والإثم والحد بين القليل والكثير منها، وكذلك اللعن، ولا فرق بين أن تكون ممزوجة بماء، أو صرفًا، ولا يجوز قياس الممزوج منها بالماء على الحرير إذا خلط بكتان أو قطن، ونُسِج ولُبِس إذا كان مثلَه وأقل؛ لأن قليل الخمر وكثيرها منصوص على تحريمه من جهة الشارع؛ بخلاف الحرير؛ فإن الرخصة ثبتت من جهته ﷺ أنه أرخص في أصبعين وثلاث وأربع من الحرير في "صحيح مسلم" (٣).
وأرخص فيه [للحكة] (٤)، وكان [سجف جبته] ﷺ حريرًا، ولم يثبت شيء من ذلك في الخمر.
وليس تحريم الخمر في معنى تحريم الحرير؛ فإن المعنى في تحريم الخمر الإسكار، والمعنى في تحريم الحرير التنعم والتزين الخاص بالإناث دون الذكور، فاغتفر القليل منه؛ حيث لا يجر إلى مفسدةٍ عظيمةٍ؛ بخلاف الخمر؛ فإن المفسدة فيه عظيمة؛ حيث إنه يغطي العقل الذي به مَدْرَك كل خير من الإيمان والتوحيد، ويترتب على تعاطيه من المفاسد التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، وغيرها مما هو مشاهد ما لا يحصى، والله أعلم.
стр. 1130
ومنها: تحريم بيع الميتة، وأُخذ من تحريم بيعها نجاستُها، وكذلك أُخذ من بيع الخمر والخنزير نجاستُهما، وعدَّوا العلة فيهما بالنجاسة إلى تحريم بيع كل نجس؛ فإن الانتفاع بها لم يعدم، أما في الميتة والخنزير، فإنه ينتفع بهما في إطعام الجوارح، وأكل المضطرين إذا أشرفوا على الهلاك، وشرب الغاصِّ بلقمةٍ خمرًا يُسيغها بها إذا لم يجد غيرها، وكل ذلك جائز، ومع هذا يحرم بيعها، فدل على أن العلة في تحريم بيعهما النجاسة.
وقد نقل ابن المنذر في كتابه "الإجماع" (١) إجماعَ العلماء على نجاسة الخنزير، وعن بعض المالكية فيه وفي الكلاب خلاف.
وقال الرافعي ﵀ في "الشرح الكبير"، وعن مالك ﵀: إن الكلب والخنزير طاهران، ويغسل من ولوغهما تعبدًا، وأخذ العلماء من تحريم بيع الميتة تحريم بيع جثة الكافر إذا [قتلناه]، وطلب الكفار شراءه أو دفع عوض عنه.
وقد روى الترمذي حديثًا في منع بيع جثة الكافر (٢)، وجاء في الحديث: أن نوفلَ بنَ عبد الله المخزوميَّ قتله المسلمون يومَ الخندق، فبذل الكفار في [جسده] عشرةَ آلاف درهم للنبي ﷺ : فلم يأخذْها، ودفعه إليهم (٣).
ومنها: تحريم بيع الخنزير، وتقدم الكلام عليه قريبًا.
ومنها: تحريم بيع الأصنام، والعلَّة في ذلك كونها ليس فيها منفعة مباحة، وذلك يمنع صحة البيع، وقد يكون منع بيعها مبالغة في التنفير عنها.
قال أصحاب الشافعي ﵀: فلو كانت الأصنام بحيث إذا كسرت
стр. 1131
ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها وجهان، وكذلك بيع آلات اللهو إذا كان ينتفع بها إذا كسرت وفصلت، فيه وجهان: الراجح: المنع؛ لظاهر النهي وإطلاقه في بيعها، ومنهم من جوزه اعتمادًا على الانتفاع بأجزائها، وتأول الحديث على ما لا ينتفع بمفصله، أو على كراهة [التنزيه] في الأصنام خاصة.
ومنها: أن ما لا يحلُّ كله والانتفاع به، لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه؛ كما في الشحوم المذكورة في الحديث.
واعترض بعض اليهود والملاحدة بأن الابن إذا ورث من أبيه جارية كان وطئها الأب، فإنها تحرم على الابن، ويحل له بيعها بالإجماع، ويأكل ثمنها، وهذا تمويه منهم على من لا علم عنده؛ لأن جارية الأب لا تحرم على الابن منها غير الاستمتاع على هذا الولد دون غيره من الناس، ويحل لهذا الابن الانتفاع بها في جميع الأشياء سوى الاستمتاع، ويحل لغيره الاستمتاع وغيره، بخلاف الشحوم؛ فإنها محرمة، [و] المقصود منها وهو الأكل منها على جميع اليهود، وكذلك شحوم الميتة محرمة الأكل على كل أحد، فكان ما عدا الأكل تابعًا؛ بخلاف موطوءة الأب.
ومذهب الشافعي ﵀ الصحيح عند أصحابه: أنه يجوز الانتفاع بشحوم الميتة في طلي السفن، والاستصباح بها، وغير ذلك ما لم يؤكل، ولا يستعمل في بدن آدمي، وبذلك قال عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن جرير الطبري، وقال الجمهور: لا يجوز الانتفاع به في شيء أصلًا؛ لعموم النهي في الانتفاع بالميتة إلا ما خص بدليل، وهو الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ.
وأما الزيت والسمن وغيرهما من الأدهان التي أصابها نجاسة، فهل يجوز استعمالها [بالاستصباح] وغيره في غير الأكل، وغير البدن، أو بجعل الزيت النجس صابونًا، أو يطعم العسل المتنجس للنحل، أو يطعم الميتة لكلابه، أو يطعم الطعام النجس لدوابه، وكل ذلك فيه وجهان لأصحاب الشافعي، [الصحيح عندهم: جواز جميع ذلك، ونقل فيه خلاف السلف -أيضًا-، ونقله
стр. 1132
القاضي عياض عن مالك، وكثير من أصحابه، والشافعي] (١)، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، والليث بن سعد، قال: وروي نحوه عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، قال: وأجاز أبو حنيفة، وأصحابه، والليث، وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه.
وقال عبد الملك، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح: لا يجوز الانتفاع بشيء من ذلك كله في شيء من الأشياء، وقد استدل بهذا الحديث في قوله ﷺ لما سئل عن طلاء السفن ودهن الجلود والاستصباح بها: "لا، هو حرام" على منع ذلك كله، وقد بينا أن الضمير في "هو" عائد على البيع، لا على الانتفاع، والله أعلم.
ومنها: جواز الدعاء على من فعل المحرم أو استباحه، أو تحيل على فعله؛ فإنه ﷺ دعا على اليهود بالمقاتلة، لمَّا حُرمت عليهم الشحوم، فجمَلوها فباعوها فأكلوا ثمنها، وليس من تحيل على الخلاص من [المحرم] والخروج منه داخلًا في جواز الدعاء عليه وذمِّه؛ حيث تحيل على الخلاص منه، وقد ثبتَتْ الحِيلُ وفِعْلها في الكتاب العزيز والسنَّة النبوية -على قائلها أفضل الصلاة والتسليم-، ومنها: أمر أيوب ﷺ بالضرب بشمراخ النخل -وهو الضغث- لما حلف على الضرب مئة سوط، وأقر ذلك النبي ﷺ ، ومنها: الأمر بوضع اليد على الأنف عند الخروج من الصلاة بالحدث الخارج من المصلي إيهامًا للرعاف والخلوص من الخجل بخروج الحدث الخارج من المصلي، بل من فعل ذلك وأشباهه يدعى له؛ حيث وفق للوقوف عند رخص الشرع.
وقد فعل العلماء ذلك، وقالوا به، ومدحوا فاعله؛ بخلاف المحرم والحيلة عليه؛ فإن ذلك حرام إجماعًا، فإن الوسيلة إلى المحرم محرم.
وقد ذكر العلماء بابًا آخر من هذا، وهو إذا تعارض مفسدتان في الشرع، ولم يمكن دفعهما، روعي أخفهما.
стр. 1133
وقد فعل النبي ﷺ ذلك في ترك هدم الكعبة وخفضها إلى الأرض وجعل بابين لها، أحدهما للدخول، والآخر للخروج منها؛ مراعاةً للرجوع عن الإيمان إلى الكفر، أو تزلزل القلوب عنه، أو لتأليف القلوب عليه والدوام عليه، وقد فعل الإمام أحمد ﵀ ذلك في جواز الاستمناء باليد، وسُمي عندهم الخضخصة، عند خوف الوقوع في المحرم من ذلك، وغلبة النفس عليه، مع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦].
والاستمناء باليد غيرهما، ولعن ناكح يده، وأنها تأتي يوم القيامة حبلى، في أحاديث رويت في ذلك، وما ذاك إلا مراعاة لأخف المفسدتين على أثقلهما، إلا أنه جائز بأصل الشرع، وقد فعل الإمام الشافعي ﵀ ذلك في جواز الحيلة في التزويج يزوج عند وقوع الطلاق الثلاث، وعدم جواز تزويج المطلقة بمطلقها إلا بزوج غيره، إذا لم يشترط ذلك في العقد؛ بأنه إذا أحلها، طلقها، وكره ذلك كراهة شديدة عنده، وصح العقد، وحلت للأول بشرطه، مع لعن المحلل والمحلل له في حديث، وذلك مراعاة للأخف من المفسدتين على الأشد منهما، لا بأصل الشرع، وإن كان ثبت في الصحيح ما هو قريبٌ من هذا، إلا أنه غير مقصود به الدوام بعد العقد في قصة عبد الرحمن بن الزبير -بفتح الزاي- وامرأته: "أتحبين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " -زوجها الأول-، وقوله ﷺ : "حتى يذوقَ عسيلَتَكِ وتذوقي عسيلته" (١).
قال العلماء: يحرم أن يتبع الإنسان رُخَصَ المذاهب؛ فإنه يؤدي ذلك إلى الانحلال في الدين، بل ينبغي له إذا اضطر إلى أمر محرم، أن يجاهد نفسه على تركه، ويتوجه إلى الله تعالى في دفعه، ويستعين به على دفعه بالمنذرات
стр. 1134
والمبشرات في فعله وتركه، والأسباب الحاملة على تركه، ويأخذ ذلك من العلماء الربانيين؛ فإنه لا تتخلف عنه الإعانة على تركه، وعلى ما فيه من التوفيق والتسديد، ويحصل له من الأعمال أفضلها لا مكروهاتها، وهذا مع المداومة يتيح له منه الخير الكثير والدرجات العالية الرفيعة إلى ما لا يحصى، وقد كان رسول الله ﷺ يقول: "يا مقلِّبَ القلوبِ! ثَبِّتْ قلبي على ديِنك" (١)، "يا مُصَرِّفَ القلوبِ! صَرِّفْ قلبي على طاعتِكَ" (٢)، والله أعلم.
ومنها: أن المحرم إذا حرم، حرم عليه جميع ما يتعلق به مما هو سبب إلى تحليله؛ فإنه ﷺ دعا على اليهود؛ حيث أذابوا الشحوم، وباعوها، وأكلوا ثمنها؛ لأن تحريم الشحوم عليهم لذات الشحوم، لا لوصفها؛ فإن التحريم للوصف يزول بزواله.
ألا ترى أنه ﷺ لما قال لعاثشة ﵂: "هل عندكِ من شيء؟ " قالت: ما عندي إلا لحم تُصدق به على بَريرة، وأنت لا تأكل الصدقة؛ حيث هي محرمة عليك، فقال ﷺ : "هو عليها صدقةٌ، ولنا هديةٌ" (٣)، لما تغير الوصف من الصدقة إلى الهدية، صار حلالًا؛ بخلاف المحرم لعينه، والله أعلم.
* * *
стр. 1135
باب السَّلَمِ
السَّلَم: اسم مصدر لسلم وأسلم، قال أهل اللغة: يقال: السَّلَمُ والسَّلَفُ، وأسلم وسلم، وأسلف وسلف، ويكون السلف قرضًا -أيضًا-، ويقال: استسلف، قال أصحاب الشافعي: ويشترك السلم والقرض في أن كلًّا منهما إثبات مالٍ في الذِّمة بمبذول في الحال، وذكروا في حد السلم عبارات كثيرة، أجودها: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا، وسُمي سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسُمي سلفًا؛ لتقديم رأس المال (١).
* * *
الحديث الأول
عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينهَ وَهُم يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السَّنَتَينِ وَالثَّلاَثَ، فَقَالَ: "مَن أَسْلَفَ في شَيْء، فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٢).
أما السلم: فقد أجمع المسلمون عليه، لكنه بالشروط المعتبرة في الأحاديث
стр. 1136
الصحيحة، وهي: أن يكون قدر المسلم فيه معلومًا بالكيل إن كان مكيلًا، والوزن إن كان موزونًا، أو غيرهما مما يضبط به، وتكون الواو في قوله ﷺ : "فَليُسلِف في كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزنِ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعلُومٍ" بمعنى (أو)، ولو أخذنا على ظاهرها من معناها -وهو الجمع-، لزم أن نجمع في الشيء الواحد بين السلم فيه مكيلًا وموزونًا، وذلك يفضي التي عزَّة الوجود، وهو مانع من صحة السلم، فتعين حمل الحديث على ما ذكرناه من التفصيل من جوازه في الكيل مكيلًا، وفي الموزون موزونًا، وكذلك المعنى في قوله ﷺ : "إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" أنه إن أسلم إلى أجل، فليكن معلومًا لا مجهولًا، وإن أطلق السلم، حمل على الحلول؛ لأنه إذا جاز مع الأجل المعلوم، وفيه الغرر البين، فمع الحال أولى؛ لأنه أبعد من الغرر، وليس ذكر الكيل والوزن في الحديث دليلًا على الحصر؛ لجواز السلم في المكيل أو الموزون، دون المذروع والمعدود مما يضبطه قدر السلم فيه، بل ذلك جميعه جائز بلا خلاف بين العلماء.
وفي الحديث أحكام:
منها: جواز السلم المؤجل، وهو مجمع عليه.
وأما الحالُّ: فجوزه الشافعي وآخرون، ومنعه مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، مستدلين بتوجه الأمر في الحديث في قوله: "فليسلم إلى الأجل والعلم معًا". ودليل الشافعي وغيره: ما تقدم، وأجمعوا على اشتراط وصفه بما يضبط به.
ومنها: جواز السلم المؤجل -وهو مجمع عليه- السنتين والثلاث إذا لم ينقطع المسلم فيه في أثنائها؛ بأن كانت الثمرة موجودة تلك المدة رطبة، فإن لم يوجد، لم يجز، بل يجوز في مدةٍ يؤخذ منها.
ومنها: جواز السلم في الكيل وزنًا؛ حيث إنه أضبط، وهو جائز بلا خلاف.
وفي جواز السلم في الموزون كيلًا وجهان للشافعية، أصحهما عندهم: جوازه؛ كعكسه.
стр. 1137
واعلم أنه يلزم الشافعية ومن قال بقولهم في جواز السلم الحال جوازُ بيع العين الغائبة إذا وصفت بأوصاف السلم، وقد منعها الشافعي في قوله الجديد، ولهذا اختار المحققون من أصحابه جوازَ بيعها مع ثبوت خيار للمشتري إذا رأى ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 1138
باب الشروط في البيع
الحديث الأول
عَن عَائشِةَ ﵂ قَالَت: جَاءَتنِي بَرِيرَةُ فَقَالَت: كَاتَبتُ أَهلِي عَلَى تِسعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أوقِيةٌ، فَأعِينِيني، فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّها لَهُمْ، وَيكونَ وَلاَؤكِ لي، فَعَلتُ، فَذَهَبَت بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِها، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبوْا عَلَيْها، فَجَاءَت مِنْ عِنْدِهِم، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيهِم، فَأبوْا إلَّا أَنْ يكُونَ لَهمُ الوَلاَءُ، فَأخْبرَتْ عَائشِةَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ؛ فَإنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعتَقَ"، فَفَعَلَتْ عَائشِةُ، ثُمَّ قَامَ الَّنبيُّ ﷺ في الناسِ، فَحَمِدَ اللهَ وأثنَى عَلَيه، ثُم قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: مَا بَالُ رِجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرطٍ لَيس في كِتَاب اللهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وإن كَانَ مِئة شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أوْثَقُ، وإنما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١).
اعلم أن حديث بريرة هذا حديث كثير الفوائد، قد كثر الناس من الكلام عليه، وذكروا فيه إشكالات على مواضع منه يقتضي ظاهرُها -على مقتضى القواعد ومفاهيمهم- المخالفةَ له، وأجاب العلماء عنها، وبينوها أحسنَ بيان،
стр. 1139
وبلغوا بأحكامه عددًا كثيرًا، وقد صنف ابن جرير الطبري، وابن حزم الظاهري فيه تصنيفين كبيرين، وأنا أذكر -إن شاء الله تعالى- ما حضرني فيه، والله أعلم.
أما بريرة: فهي مولاة عائشة ﵂ كانت لعتبة بن أبي لهب، وقد روى النسائي بإسناده إلى يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، عن بريرة ﵂: أنها قالت: كان في ثلاث سنين، قال النسائي: حديث يزيد بن رومان خطأ، وقال أبو عمر بن عبد البر: كانت -يعني: بريرة- مولاة لبعض بني هلال، فكاتبوها، ثم باعوها من عائشة، وجاء الحديث في شأنها؛ بأن الولاء لمن أعتق، وعتقت تحت زوج، فخيرها رسول الله ﷺ ، فكانت سُنَّة (١).
واختلف في زوجها، هل كان عبدًا أو حرًّا؟ قال: روى عبد الخالق بن زيد بن واقد قال: حدثني أبي، قال: أبو عمر زيد بن واقد -يعني: أباه- هذا ثقة من ثقات الشاميين، لقي واثلة بن الأسقع، قال أبوه: إن عبد الملك بن مروان حدثه، قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن أَلي هذا الأمر، فكانت تقول لي: يا عبد الملك! إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته، فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمه من دم يُريقه من مسلم بغير حَقّ" (٢).
وأما قولها: "كاتَبْتُ"، فهو على فاعَلْتُ؛ من الكتابة؛ وهو العقد المشهور بين السيد وعبده، فإما أن يكون مأخوذًا من كتابة الخط التي لا تلازم هذا العقد فيما بين السيد وعبده، وإما أن يكون مأخوذًا من معنى الإلزام؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
стр. 1140
كأن السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء، وكان العبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي كاتبا عليه.
وأما الأواق والأوقية: فتقدم الكلام عليها في الزكاة، ومقدار التسع الأواقي ثلاث مئة وستون درهمًا شرعًا.
وأما الإشكالات على الحديث، ففي مواضع:
الأول: أنه ﷺ أمر عائشة بأخذ بريرة من مواليها، واشتراط الولاء لهم، وجهه: أن يقال: كيف أذن النبي ﷺ في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن لهم في وقوع البيع على هذا الشرط، ويدخل البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟ وفي ذلك نوع خداع من عائشة لهم في ذلك، ولذلك أنكر بعض العلماء هذا الحديث، وهو منقول عن يحيى بن أكثم؛ فإنه أنكر لفظة قوله ﷺ : "اشْتَرِطي لَهُمُ الوَلاَء"، وجعلها ساقطة من الحديث، ونقل عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أنه قال: هذه اللفظة تفرَّدَ بروايتها هشام بن عروة، عن أبيه دون غيره من الثقات الأثبات، فإنهم لم يثبتوها، والذي قاله الأكثرون من الفقهاء والمحدثين: قبول مثل هذا، وإثبات هذه اللفظة، ثم تأولوها، [و] خرَّجوها على وجوه كثيرة صحيحة، وبعضها فيه ضعف:
أحدها: أن قوله: "اشترطي لهم"؛ أي: عليهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] بمعنى: عليهم، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها، ونقل ذلك عن الشافعي، والمزني، وغيرهما، وهو ضعيف؛ حيث أنكر رسول الله ﷺ عليهم الاشتراط، وأقر عائشة ﵂ على فعلها، وقال: "إنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ولأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، وإذا دلت على المطلق، لم يبقَ فيها دليلٌ عليه، ولا على غيره؛ لأنه قد يكون، وقد لا يكون.
الثاني: أن يكون الاشتراط المذكور بمعنى ترك المخالفة لما شرطه البائعون، وعدم إظهار النزاع فيما دعوا إليه؛ مراعاة لمصلحة الشرع في العتق.
стр. 1141
وقد يعبر عن التخلية والترك بصيغة تدل على الفعل، ألا ترى أنه أطلق لفظ الإذن من الله تعالى على التمكن من الفعل، والتخلية بين العبد وبينه ، وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي الإباحة والتجويز؟ وذلك موجود في كلام الله على ما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وليس المراد بالإذن إباحة الله تعالى للإضرار بالسحر، ولكنه لما خلى بينهم وبين ذلك الإضرار، أطلق عليه لفظ الإذن مجازًا، وهذا -وإن كان محتملًا- إلا أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة ظاهرة على المجاز من حيث اللفظ.
الثالث: أن لفظة الاشتراط والشرط وما تصرف منها، يدل على الإعلام والإظهار، ومنه أشراط الساعة، والشرط اللغوي والشرعي، ومنه قول أوس بن حَجَر -بفتح الحاء والجيم-: فاشترط فيها نفسه؛ أي: أعلمها وأظهرها، وإذا كان كما ذكرنا: حمل "اشترطي" على معنى: أظهري حكم الولاء، وبينيه، واعلمي أنه لمن أعتق، على عكس ما أورده السائل وفهمه من الحديث.
الرابع: أن النبي ﷺ كان قد أخبرهم بأن الولاء لمن أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ والتنكيل لمخالفتهم الحكم الشرعي الذي علموه، وغاية ما في هذا: أنه أخرج لفظة الأمر عن ظاهرها.
وفي القرآن العزيز خروجها عن ظاهرها في غير موضع، وامتناعُ إجرائها عليه كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، و ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، ومعلوم أنه ليس المراد إطلاق المشيئة منهم في عملهم وكفرهم، وعلى هذا لا يبقى في أمره ﷺ غرر.
الخامس: أن يكون إبطال الشرط عقوبة؛ لمخالفتهم حكم الشرع؛ فإن إبطال الشرط يقتضي تغريم ما قوبل به الشرط من المالية المسامح بها لأجل الشرط، ويكون هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل الميراث.
стр. 1142
السادس: أن ذلك خاص بهذه القضية، لا عامٌّ في سائر الصور، وسبب التخصيص إبطال هذا الشرط مبالغة في الزجر عن اشتراطه؛ لمخالفته الشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الواقعة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، صحح هذا ورجحه شيخنا أبو زكريا النواوي ﵀ في تأويل الحديث، قال: وقد تُحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة أرجح منها عظيمة، والله أعلم (١).
الثاني من مواضع الإشكالات:
قوله ﷺ : "إنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، وهو يدل على أن كلمة "إنما" تقتضي الحصر؛ لأنها لو لم تكن له، لما لزم من إثبات الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق، وذكرت في الحديث لبيان نفيه عمن لم يعتق، فدل على أن مقتضاه الحصر.
وقد أثبت العلماء الولاء في صور بغير العتق، لكنها في معناه؛ وهي: أنه لو باعه نفسه، أو أعتقه على مال، ثبت له عليه الولاء، وكذا لو كاتبه، أو استولدها وعتقت بموته، ثبت الولاء، لا نعلم في ذلك جميعه خلافًا، ويثبت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال؛ لعموم الحديث.
وقد ذكروا صورًا مختلفة في إثبات الولاء بها، واستدلوا على إبطاله بالحصر في الحديث، مع اتفاقهم على إثباته للمعتق، حتى اختلفوا فيمن أعتق، وشرط أن لا ولاء له، وهو المسمى بالسائبة، ومذهب الشافعي وموافقيه: ثبوت الولاء، وأن الشرط لاغ؛ لثبوت الولاء بالشرع، فإذا شرطه، لغا؛ كالميراث، ولا شك في حصر الولاء للمعتق في الحديث، ويستلزم ذلك الحصر في السبيية، فيقتضي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة، ولا بالإسلام؛ وهو بأن يسلم الرجل على يدي الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين العلماء، وسيأتي في الأحكام.
стр. 1143
الثالث من مواضع الإشكالات:
قوله ﷺ في خطبته: "مَا بَالُ أَقوَامٍ يشتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كِتَاب اللهِ؟ مَا كَانَ مِن شَرطٍ ليسَ في كِتَابِ اللهِ، فهُوَ بَاطِلٌ، وإنْ كَانَ مِئه شَرطٍ"؛ مقتضاه: أن كل شرط ليس في كتاب الله أنه باطل "ولو كان مائة شرط" مبالغة في إبطال جميع الشروط التي ليست في كتاب الله، ولا شك أن من الشروط ما هو صحيح، ومنها ما هو باطل، وكل شرط اقتضاه إطلاق العقد من غير شرط إذا شرطه، كان صحيحًا، وكذا ما كان للشارع طلب له وحث عليه وترغيب فيه إذا شرطه، وكذا ما كان فيه مصلحة تدعو إليه الحاجة؛ كاشتراط الرهن والضمين والخيار وتأجيل الثمن، وكل ذلك صحيح.
ومعلوم أن ذلك جميعه ليس في كتاب الله، وظاهر لفظ الحديث يقتضي بطلانه، فحينئذ يجب تعريف قوله ﷺ : "ليست في كتابِ الله"، فذكر العلماء في ذلك احتمالين:
أحدهما: أن المراد بكتاب الله: حكم الله، وهو أعم من أن يكون في كتاب الله أو مستنبطًا منه.
والثاني: أن المراد به: ما بينه رسول الله ﷺ في سننه، أو استنبطه العلماء منها، فيكون المراد بالحديث: نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغيرها؛ حيث إن الشريعة كلها في كتاب الله، فالذي في كتاب الله تعالى هو المنصوص عليه فيه من الأحكام بغير واسطة، والذي هو بواسطة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن:١٢] وقوله تعالي: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، والله أعلم.
أما ما كان من الشروط منافيًا لمقتضى العقد؛ كشرط استثناء منفعة المبيع أو بيعه، أو إجارته، أو أن يبيعه شيئًا آخر، ونحو ذلك، فكل ذلك باطل مبطل
стр. 1144
للعقد، فمتى قارن شرط واحد منها للعقد، أبطله عند جمهور العلماء، وقال الإمام أحمد ﵀: لا يبطله شرط واحد، وإنما يبطله شرطان، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
الأول: جواز الاستعانة على نجوم الكتابة بأهل الخير والفضل.
الثاني: إعانة المكاتب في كتابته.
الثالث: جواز حكاية ما يقع من ذلك، خصوصًا إذا قصد به تعريف الأحكام.
الرابع: جواز تصرف المرأة في مالها بالشراء والاعتاق وغيرهما إذا كانت رشيدة.
الخامس: أن الكتابة تكون على نجوم؛ حيث إن كتابتها كانت على تسع أواق، في كل عام أوقية.
ومذهب الشافعي ﵀ وغيره: أن الكتابة لا تجوز على نجم واحد، بل لا بد من نجمين فصاعدًا، وقال مالك والجمهور: يجوز على نجم، ويجوز على نجوم.
وليس في هذا الحديث دليل على اشتراط تعداد النجوم؛ حيث إنه ورد من بريرة على حكاية الحال، لا على تقرير حكم، ولا عدمه ممن لا يعتبر فعله.
السادس: جواز الكتابة واستحبابها.
السابع: المبادرة إلى إجابة السائل، وعرض ما يفعل من الخير معه عليه وعلى من يتعلق به إمضاء ذلك الخير.
الثامن: جواز فسخ الكتابة إذا عَجزَ المكاتَبُ نفسَه.
التاسع: جواز بيع المكاتب، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: جوازه، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية عنه؛
стр. 1145
حيث إن بريرة كانت مكاتبة، وباعها الموالي، واشترتها عائشة ﵂، وأقر النبي ﷺ بيعها.
والثاني: منعه، وهو قول ابن مسعود، وربيعة، وأبي حنيفة، والشافعي، وبعض المالكية، ومالك في رواية عنه، وحملوا الحديث على أن بريرة عجَّزت نفسَها، وفسخوا الكتابة لعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ومنهم من حمل الحديث على أن عائشة اشترت الكتابة لا الرقبة، مستدلًا على ذلك بقول عائشة ﵂ في بعض الروايات: "فَإنْ أَحَبَّ أَهلُكِ أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ" (١)، وذلك يشعر بأن المشترى هو الكتابة لا الرقبة.
والثالث: جوازه للعتق دون الاستخدام؛ لموافقة الحديث، فلا إشكال عنده؛ لأنه يقول: أنا أجيز بيعه للعتق.
العاشر: جواز اكتساب المكاتب بالسؤال.
الحادي عشر: احتمال أخف المفسدتين لدفع أعظمهما، واحتمال مفسدة يسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة؛ على ما تقدم بيانه.
الثاني عشر: جواز بيع العبد بشرط العتق، وقد اختلف العلماء فيه، وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: أنه باطل، كما لو باعه بشرط ألَّا يبيعه ولا يهبه، وهو باطل.
والثاني: -وهو الصحيح-: أن العقد صحيح، والحديث يدل عليه، ومن منعه، منع أن تكون عائشة مشترية للرقبة، ويحمل الحديث على قضاء الكتابة عنها، أو على شرائها خاصة، ويضعف حمله على قضاء الكتابة؛ بقوله ﷺ في بعض الروايات لعائشة: "ابتاعي" (٢)، وهو ظاهر في الشراء دون القضاء فقط، ويحتاج من حمله على شرائها خاصة، أن يكون قد قيل بمنع البيع بشرط العتق،
стр. 1146
مع جواز بيع الكتابة، ويكون قد ذهب إلى الجمع بين هذين ذاهب واحد معين.
الثالث عشر: صحة شرط العتق في البيع، ولا يفسد الشرط، إلا إذا قلنا بصحة البيع، وفيه قولان للشافعي؛ أصحهما: الصحة؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر إلا اشتراط الولاء، ولم يقع الانكار إلا للثاني، وهو عدم الولاء لمن أعتق، فينبغي أن يكون اشتراط العتق صحيحًا؛ لكونه مقررًا عليه، أو يكون مأخوذًا من لفظ الحديث؛ فإن قوله ﷺ : "اشتَرِطي لَهُمُ الوَلاَءَ" من اشتراط الولاء من ضرورته اشتراط العتق، فيكون من لوازم اللفظ، لا من مجرد التقرير، ومعنى صحة العتق: أنه يلزم الوفاء به من جهة المشتري، فإن امتنع، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وإذا قلنا: لا يجبر، أثبتنا الخيار للبائع.
الرابع عشر: صحة اشتراط الولاء للبائع، وهو ظاهر الحديث في قوله ﷺ : "واشتَرطِي لَهُم الوَلاَء"، ولا يأذن ﷺ في عقد باطل، وإذا صح العقد، فهل يفسد الشرط؟ فيه اختلاف في مذهب الشافعي، والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث وسياقه، وموافق -أيضًا- للقياس من وجه، وهو أن القياس يقتضي أن الأثر مختص بمن صدر منه السبب، والولاء من آثار العتق، فيختص بمن صدر منه، وهو المشتري المعتق، وتقدم الكلام على الاشكال في الأمر باشتراط الولاء مع عدم إمضاء حكمه إلا لمن أعتق، والله أعلم.
قال العلماء: الشرط في البيع ونحوه أقسام:
أحدها: شرط يقتضيه العقد عند إطلاقه؛ كتسليم المبيع إلى المشتري، أو تبقية الثمرة على الشجر إلى أوان الجِداد، أو الرد بالعيب.
الثاني: شَرْط فيه مصلحة، وتدعو إليه حاجة؛ كاشتراط الرهن، والضمين، والخيار، وتأجيل الثمن، ونحو ذلك، فهذان القسمان جائزان، ولا يؤثران في صحة العقد، بلا خلاف.
الثالث: اشتراط العتق في العبد المبيع أو الأمة، وهو جائز عند الجمهور؛ لهذا الحديث، وترغيبًا في العتق لقوته وشرايته.
стр. 1147
الرابع: ما سوى ذلك؛ كاشتراط ما ينافي مقتضى العقد من عدم قبضه والتصرف فيه، ونحو ذلك، فهذا باطل، والله أعلم.
الخامس عشر: ثبوت الولاء للمعتق، وقد أجمع المسلمون عليه، سواء كان عبدًا أو أمةً، إذا أعتقه عن نفسه، وأجمعوا على أنه يرث به، وأما العتيق، فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرث به؛ كعكسه.
السادس عشر: لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، ولا لملتقط لقيطة، ولا لمن خلف إنسانًا على المناصرة، وبهذا كله قال مالك، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأحمد، وداود، وجماهير العلماء، قالوا: وإذا لم يكن لأحد من هؤلاء المذكورين وارث، فماله لبيت المال، قال المحققون من الشافعية وغيرهم: بشرط أن يكون مصرف بيت المال مستقيمًا، والمتصرف فيه عادلًا، وقال ربيعة، والليث، وأبو حنيفة، وأصحابه: من أسلم على يديه رجل، فولاؤه له، وقال إسحاق: يثبت للملتقط الولاء على اللقيط، وقال أبو حنيفة: يثبت الولاء بالحلف، ويتوارثان به.
والحديث يدل للجمهور على أن لا ولاء لأحدٍ من هؤلاء؛ حيث قال: "إِنما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَق"، وتقدم ما يتعلق بذلك في الكلام على الإشكالات، والله أعلم.
السابع عشر: ثبوت الولاء للمسلم على الكافر وعكسه؛ لعموم الحديث في كل من أعتق.
الثامن عشر: ائتمار المأمور بأمر الآمر القدوة، والمبادرة إليه.
التاسع عشر: شرعية الخطب للأئمة والكبار، للأمر يحدث من وقوع بدعة أو مخالفة للشرع؛ ليتبين ذلك للناس صوابه من خطئه منكرًا على ما يخالف الشرع.
العشرون: استعمال الأدب في الخطبة وحسن العشرة، وجميل الموعظة؛ كقوله ﷺ : "مَا بَالُ أَقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطًا لَيْسَتْ في كتابِ اللهِ؟! " ولم يواجه صاحب الشرط المخالف بعينه؛ حيث إن المقصود يحصل له ولغيره من غير فضيحة وشناعة عليه.
стр. 1148
الحادي والعشرون: تبدأ الخطب بحمد الله تعالى، والثناء عليه.
الثاني والعشرون: شرعية قول: "أما بعد" في الخطب بعد حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وذلك سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد تكرر ذكرها في الأحاديث الصحيحة، وقد قيل: إنها فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، وقد أهملها الخطباء في هذه الأزمان وغيرها، فينبغي أن يتفطن لها، ويعمل بها.
الثالث والعشرون: التغليظ في إزالة المنكر، والمبالغة في تقبيحه.
الرابع والعشرون: جواز السجع في الكلام غير المتكلف له؛ لقوله ﷺ "كَتابُ اللهِ أَوْثَقُ، وشرطُ الله أَحَقُّ"، ومعنى "كِتابُ اللهِ أَوْثَقُ، وَشرطُ اللهِ أحقُّ"؛ أي: أَحقُّ بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع، ومعنى "وشرط الله أوثق"؛ أي: باتباع حدوده، والوقوف عندها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أنهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ، فَأعْيَا، فَأرادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، فَلَحِقَني النبي ﷺ ، وَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، قَالَ: "بِعْنِيه بِأوقِيَّةٍ"، قَالَ: لَا، ثم قَالَ: "بعْنِبهِ"، فَبِعْتُهُ بِأوقِيّةِ، واسْتثنَبْتُ حُمْلاَنَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَما بَلَغتُ، أتينُهُ بِالجَمَلِ، فنقدَنِي، ثم رَجَعتُ، فَأرْسَلَ في إثْرِي، فَقَالَ: "أترَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ" (١).
أمّا جابر بنُ عبد الله ﵄ فتقدم الكلام عليهما.
وأمّا حديثه هذا: فقد وقع في لفظه اختلاف كثير في مقدار ما اشتراه به، وفي
стр. 1149
اشتراط ركوبه إلى المدينة وعدمه، وجعل بعض الناس ذلك مانعًا من الاحتجاج به.
وجمع القاضي عياض ﵀ بينها، وذكر سبب اختلاف الرواة له، وبيَّن ذلك أحسنَ بيان، فمن أراد ذلك، فليأخذه من كتابه "إكمال المعلم لشرح مسلم"، أو ممن نقله عنه.
وكانت قصة جابر وبيع جمله -في المحقق- غزوة ذات الرقاع، سنة خمس من الهجرة.
قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد المحقق المدقق ﵀: إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعض، توقف الاحتجاج، قال: وهذا صحيح بشرط تكافؤ الروايات وتقاربها، أما إذا كان الترجيج واقعًا لبعضها؛ إما لأنه رواه أكثر أو أحفظ، فينبغي العمل بها؛ إذ الأضعفُ لا يكون مانعًا من العمل بالأقوى، والمرجوحُ لا يمنع التمسكَ بالراجح، فتمسك بهذا الأصل؛ فإنه واقع في مواضع عديدة:
منها: أن المحدثين يعلِّلون الحديث بالاضطراب، ويجمعون الروايات العديدة، فيقوم في الذهن منها صورة توجب التضعيف، والواجب أن ينظر إلى تلك الطرق، فما كان منها ضعيفًا، أسقط عن درجة الاعتبار، ولم يجعل مانعًا من التمسك بالصحيح القوي، قال: ولتمام هذا مواضع أخر. هذا آخر كلامه، وهو نفيس، والله أعلم (١).
أَما قولُه: "بِعْنِيهِ بِوَقِيّةٍ"؛ فهكذا هو ثابت في الروايات في هذا الحديث وغيره، وهي لغة صحيحة سبق ذكرها، ويقال: أوقية، كما قاله جابر في هذا الحديث، وهي أشهر في اللفظة.
قولُهُ: "واسْتثنيْتُ حُمْلاَنَهُ" -بضم الحاء- أي: الحمل عليه.
قولُه: "فَأرْسَلَ في إثْرِي"؛ -هو بكسر الهمزة وسكون الثاء وبفتحهما-: لغتان.
قولُه: "أتراني مَاكَسْتُك؟ "؛ قال أهل اللغة: المماكسة: المكالمة في النقص
стр. 1150
من الثمن، وأصلها: النقص، ومنه: مكس الظالم، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس (١).
وفي هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزات الرسول ﷺ حيث إن جمل جابر لما أعيا، دعا له النبي ﷺ ، وضربه، فسار أسرع ما كان بعد الإعياء.
وفيه: تفقد الأمير والكبير والعالم أحوال أصحابه، وسؤالهم عن أحوالهم، وإعانتهم عليها بما تيسر من حال أو مال، أو دعاء في السفر والحضر.
وفيه: استعمال مكارم الأخلاق في ذلك؛ بأن يجعل ما يفعله من الإعانة على سبيل المعاوضة، ليطيب خاطرَ من يفعل ذلك معه، ويكون قصده بذلك ثواب الآخرة؛ كما فعل ﷺ مع جابر في جَمَلِه، وإعطائه إياه وثمنه.
وفيه: جواز المحاورة في البيع وثمنه، والمناقصة حال المساومة، وأما بعد العقد واستقرار الثمن والمثمن، فلا تجوز المماكسة، وهي حرام بلا خلاف.
وفيه: جواز طلب البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع.
وفيه: المبادرة إلى الوفاء، وإن كان وجب على سبيل المكارمة باطنًا.
وفيه: تربية الأصحاب والأتباع بحسن المعاملة، وتنبيههم على ذلك بالقول في حسن فعله.
وفيه: حجة لأحمد، ومن قال بقوله في جواز بيع الدابة بشرط ركوب البائع إياها بنفسه، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك: يجوز ذلك إذا كانت مسافة الركوب قريبة، وحمل هذا الحديث على ذلك، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة [أو] كَثُرت، ولا ينعقد البيع، واحتجوا بنهيهِ ﷺ عن بيع الثنيا (٢)، وعن بيع
стр. 1151
وشرط (١)، وأجابوا عن حديث جابر هذا: بأنه قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات، قالوا: ولأنه ﷺ أراد أن يعطيه الثمن، ولم يرد حقيقة البيع، قالوا: ويحتمل أن الشرط لم يكن في نفس العقد، والذي يضر من الشروط ما هو في نفس العقد، ولعل الشرط كان سابقًا، فلم يؤثر، ثم تبرع ﷺ بإركابه.
ومن أصحاب الشافعي ﵀ من قال بالجواز؛ تفريعًا على جواز بيع الدار المستأجرة؛ فإن المنفعة فيها تكون مستثناة، ومذهب الشافعي هو الأول.
وفيه: المبادرة إلى تسليم المبيع إلى البائع وقت تسليمه، ونقد المشتري الثمن عقب تسليمه.
وفيه: أن الهبة لا تقع إلا على الأعيان بعد قبضها [و] تسليمها.
وفيه: أن لفظ "خذ" صريح في الهبة.
وفيه: أن إضافة الجمل والدراهم إلى جابر ﵁ إضافة إحسان وتكرم؛ بدليل قوله ﷺ : "فَهُو لكَ"، وذلك يحتمل سببين: أحدهما: إما الإخبار عما كان في ضميره ﷺ ، واما إنشاء التمليك له، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَبِيع حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تنَاجَشوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بيعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخطُبُ عَلَى خِطبةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسألُ المَرأَةُ طَلاَقَ أخْتِهَا لِتكفأ مَا فِي إنَائِهَا (٢).
تقدَّم الكلام على بيع الحاضر للبادي، والنجش، والبيع على بيع أخيه.
стр. 1152
أما الخِطبة؛ فهي بكسر الخاء، وأما الخُطبة في الجمعة، والعيد، والحج، وغير ذلك، وبين عقد النكاح، فبضمِّها.
وتصرف الفقهاء في معنى التحريم للخطبة ووقته، ومن تحرم الخطبة عليه.
أما التحريم، فلا يكون إلا بعد التراكن والتوافق بين الخاطب والمخطوب إليه.
وأما المعنى الذي حرم لأجله الخطبة، فهو: وقوع العداوة والبغضاء المانعين من التقوى، الحاملين على القطيعة، وعدم المواصلة التي لا تقوم مصلحة الدِّين والدُّنيا إِلَّا بها.
وأما وقته: فهو بعد التراكن الذي ذكرنا، ولا يمتنع قبله؛ نظرًا إلى المعنى الذي لأجله حرمت الخطبة.
وأما ما تحرم عليه الخطبة؛ فخصصه الخطابي بالمسلم، وقال: هو ظاهر الحديث، فإن كان كافرًا، فلا تحريم، وبه قال الأوزاعي.
وقال جمهور العلماء: تحرم الخطبة على تحريم خطبة الكافر -أيضًا-، ولهم أن يجيبوا عن الحديث بأن التقييد بأخيه خرج على الغالب، فلا يكون له مفهوم يعمل به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ونظائره.
وأما الفاسق فظواهر الأحاديث وإطلاقها، ومفهوم قول جمهور العلماء في تحريم الخطبة على خطبة الكافر: أنه تحرم الخطبة على خطبته، وقال ابن القاسم المالكي: تجوز الخطبة على خطبة الفاسق، فلو كان الخاطب الأول فاسقًا، والثاني صالحًا، لم يندرج تحت النهي.
واعلم أن مذهب الشافعي ﵀، وغيره من العلماء: أنه إذا ارتكب النهي، وخطب على خطبة أخيه، لم يفسد العقد، ولم يفسخ؛ لأن النهي مجانب لأجل العداوة والبغضاه، وذلك لا يعود على أركان العقد وشروطه بالاختلال،
стр. 1153
ومثل هذا لا يقتضي فساد العقد، والله أعلم.
وأَمَّا نَهْيُ المَرأَةِ عَنْ سُؤَالِ طَلاَقِ أُخْتِهَا لِتكفَأ مَا فِي إنَائها؛ قال أهل اللغة: يقال: كفاتُ الإناءَ: إذا قلبته وفرغته، فلم يبقَ فيه شيء، واستعمل الشرع ذلك في سؤال طلاق المرأة أختها بعد عقد النكاح عليها مجازًا، وتشبيهًا لتفريغ الصحفة بعد امتلائها (١)، وفيه معنى آخر: وهو الإشارة إلى الرزق الذي يوجبه النكاح من النفقة؛ لأن الصحفة وامتلاءها من باب الأرزاق، فكان إكفاؤها وقلبها بمنزلة منعها ما وصل أختَها من الخير بسؤالها طلاقها، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام، تقدم بعضها وبقي بعضها:
فمنها: تحريم الخطبة على الوجه المذكور، وهو مجمع عليه إذا صرح بالإجابة، فلو خطب محرمًا، وتزوج، صحّ النكاح، وكان عاصيًا، ولم يفسخ، كما تقدم.
وبذلك قال جمهور العلماء، وقال داود: يفسخ النكاح، وعن مالك: روايتان؛ كالمذهبين، وقال جماعة من المالكية: يفسخ قبل الدخول لا بعده، فلو عرض له الإجابة من غير تصريح: ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي: أصحهما: لا يحرم، وقال بعض أصحاب مالك: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج، ويسمى المهر، واستدلوا على ذلك: وهو أن التحريم، إنما هو متعلق بالتصريح بالإجابة دون التعريض بها؛ لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية (٢)، فلم ينكر النبي ﷺ خطبة بعضهم على بعض، بل خطبها لأسامة، وقد يعترض على هذا الدليل فيقال: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما النبي ﷺ ، فأشار بأسامة، لا أنه خطب لها.
стр. 1154
ومنها: تحريم السعي في التفريق بين المرأة وزوجها بالطلاق وغيره مما هو في معناه، أو أشد منه، إذا كان لمقصودٍ دنيوي، سواء كان الساعي رجلًا أو امرأة، فإن كان لمقصود ديني، كان مشروعًا.
ومنها: الإشارة إلى تحريم الحسد للناس، والنظر إلى ما في أيديهم؛ للاستئثار به عنهم، أو زواله مطلقًا.
ومنها: الإشارة إلى الرِّضا بالمقسوم، وإذا ابتلي بالطلب لما يجوز طلبه وعدم الرضا، فليسأل الله تعالى دون غيره، وإن كان لا بد سائلًا، فليسأل الصالحين.
ومنها: الإشارة إلى النظر إلى من هو دونك في الدنيا، وقد أمر به ﷺ فقال: "انظر إلى مَنْ هو دونَكَ" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 1155
باب الرِّبَا والصرف
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "الذَّهَب بالوَرِقِ رِبًا إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بالْبرِّ رِبًا إلّا هَاءَ وَهَاء، والشَّعِيرُ بِالشَّعِيرُ رِبًا إلّا" (١).
وتقدم الكلام على عمر أول الكتاب.
أَمَّا الذهَب: فَلَهُ أسماء، نظمها شيخنا، حجةُ العرب، أبو عبد الله بنُ مالك الجياني ﵀ في بيتين، وهما:
نضرٌ نَضِيرٌ نُضارٌ زَبَرْجَد ... سيرا عسجدٌ عقيانُ الذهَبُ
والتبرُ ما لم يذن وأَشْرَكوا ... ذَهَبًا وفِضّةً في نسيك هَكَذَا العَرَبُ (٢)
وأما الوَرِق: فهو بفتح الواو وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح الواو وكسرها، قال الأكثرون من أهل اللغة: وهو مختصّ بالدراهم المضروبة، وقال جماعة منهم: تُطلق على كلِّ الفضة، وإن لم تكن مضروبة، والمراد بالحديث جميعُ صنوفها، وكل مقدار منها (٣).
стр. 1156
وأمّا البُرُّ: فهو اسم من أسماء القمح، ويقال له: الحنطة، والسمراء.
وأما الشَّعِير: فهو بفتح الشين على المشهور، ويقال بكسرها، وقال ابن مكي الصقلي -رحمه الله تعالى-: يقال في كل ما كان وزنه على فعيل، وكان وسطه حرف حلق مكسورًا: بكسر أوله، وهي لغة لبني تميم، ثم قال: وزعم الليث أن قومًا من العرب يقولون في كل ما كان على فعيل مفتوح أوله: فعيل بكسره، وإن يكن حرف حلق، فيقولون: كِثير، وجِليل، وكِريم، بكسر أوّلها، وما أشبه ذلك، والله أعلم (١).
وقوله ﷺ : "رِبًا": الرِّبا؛ مقصور يكتب بالألف؛ لأنه من ربا يربو، وتثنيته: [ربوان]، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء، بسبب الكسرة في أوله، وغلّطهم البصريون، قال أهل اللغة: ويقال في الرّبا: الرِّما؛ بالميم والمد. والرُّبية -بالضم والتخفيف-: لغة في الربا.
وأصل الربا: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: زاد، وأربى الرجل وأرمى: عاملَ بالربا، وهو في الشرع: وجوبُ الحلول، وتحريمُ النساء، والتفاضل إذا كان في جنسٍ واحدٍ، فلو كان في غير جنسه، لكنه من نوعه؛ كالذهب والفضة، والحنطة والشعير، لم يعتبر إلا الحلول وتحريم النساء، دون التفاضل (٢).
وقولُه ﷺ : "إلَّا هَاءَ وَهَاءَ"؛ فيه لغتان: المدّ والقصر، والمدّ أفصح وأشهر، وأصله: هاكَ، فأبدلت مدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول صاحبه مثله، وغلَّط الخطابي وغيرُه المحدِّثين في رواية القصر، وقالوا: الصواب المدُّ والفتح، وليست بغلط، بل هي صحيحة، وإن كانت قليلة، لكن أكثر أهل اللغة ينكرون القصر فيها، ويقال في لغة: بالمد وكسر الهمزة للذكر، والأنثى (هائي)
стр. 1157
بزيادة ياء، قال القاضي عياض ﵀: وفيه لغة أخرى: هاءك، بالمد وبالكاف، واللفظة موضوعة للتقابض، والله أعلم (١).
واعلم أن الرِّبا محرم في الجملة، وقد أجمع المسلمون عليه، وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وبينت السنَّة النبوية -على قائلها أفضل الصلاة والسلام- المحلّ الذي يجري فيه الربا، فذكر في هذا الحديث منها أربعة أشياء، وقد ذُكر في "صحيح مسلم" شيئان: فصارت ستة منصوصًا عليها، فالأربعة: الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والشيئان: التمر، والملح.
فأمّا أهل الظاهر، فجمدوا على تحريم هذه الستة، وقالوا: لا رِبا في سواها؛ بناء على أصلهم في نفي القياس، وقال جميع العلماء سواهم: يتعدى التحريم إلى غير الستة مما في معناها، وهو ما يشاركها في العلة.
واختلفوا في العلة التي هي سبب التحريم في الستة، فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة: كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدى منهما الرّبا إلى غيرهما من الموزونات وغيرها؛ لعدم المشاركة، قال: والعلة في الأربعة الباقية: كونها مطعومة، فيتعدى الرّبا منها إلى كل مطعوم.
وقال مالك في الذهب والفضة كقول الشافعي، وقال في الأربعة: العلّة فيها كونها تُدَّخَر للقوت وتصلُح له، فعدّاه إلى الزبيب؛ لأنه كالتمر، وإلى القطينة؛ لأنها في معنى البُرّ والشعير، وقال أبو حنيفة: العلّة في الذهب والفضة: الوزن، وفي الأربعة: الكيل، فيتعدى إلى كل موزون من نحاسٍ، وحديدٍ، وغيرهما، وإلى كل مكيل؛ كالجص والأشنان وغيرهما.
وقال أحمد، والشافعي في القديم -وهو قول سعيد بن المسيب من التابعين-: العلّة في الأربعة: كونها مطعومة وموزونة، أو مكيلة، فشرطوا
стр. 1158
الأمرين، فعلى هذا: لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه، مما لا يكال ولا يوزن.
وأجمع المسلمون في جواز بيع الربوي بالربوي الذي لا يشاركه في العلة متفاضلًا ومؤجلًا؛ كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدُهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالًا؛ كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلّة؛ كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير، وعلى أنه لا يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس، إذا كان يدًا بيدٍ؛ كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا، إلا ما يروى عن ابن عباس ﵄ في تخصيص الربا في النسيئة.
قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة، سميت: مراطلة، وإذا بيعت الفضة بذهب، سُمِّي: صرفًا، وإنما سُمِّي صرفًا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات، من جواز التفاضل وعدم التفرق قبل القبض والتأجيل، وقيل: من صريفهما، وهو تصويتهما في الميزان، والله أعلم.
وتقدم أن: التحيُّل على الخلاص من المحرم، والوقوعِ فيه، مطلوبٌ للشرع، وقد حصلت تصرفات ليست من الربا في شيء، التبسها الجهال بعلم الشريعة، وجعلوها من المعاملات الربويات؛ تنطعًا وجهلًا، فإن قصد بها التحيل على الوقوع فيه، من غير أن تكون صورته صورة العقود المحرمة في الربا، فقد اختلف العلماء في ذلك وصحته، مع اتفاقهم على كراهة التنزيه فيه الشديدة؛ لأجل ما قصد به، فقال جماعة: وهو صحيح، وبالغ بعضهم فقال: هو مثاب عليه لأجل التنفيس عن الناس بإعانتهم بهذه الطريق، وهذا لو تجرد عن قصد التحيل على الربا، كان صحيحًا؛ لأنّ المقاصد الأخروية غير مقابلة بشيء من أمور الدنيا الجائزة وغيرها، بل هي مقابلة بثواب الآخرة شرعًا.
وهذا بالنسبة إلى ما يتعلق بأحكام المكلفين، وأما بالنسبة إلى أفعال الله
стр. 1159
تعالى، فلا؛ لأنه سبحانه يثيب من يشاء كيف يشاء في الدنيا والآخرة؛ حيث إنه يقضي ويحكم ويفعل ما يشاء، ولا يُقضى ولا يُحكم عليه، ولا يلزمه شيء، ولا يجب عليه شيء إلا بإيجابه، ولا يلزمه إلا بوعده، فهو سبحانه الحقُّ، وقوله حقٌّ، وحكمه حقٌّ، وقضاؤه ووعده حقٌّ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، نسأله المجازوة واللطف والعفو والرّأَف، ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
وفي هذا الحديث دليل: على تحريم الربا في الجملة على ما ذكرنا.
وفيه: اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي، إذا اتفقا في علّة الربا، سواء اتفق جنسهما؛ كذهب بذهبٍ، أم اختلف؛ كذهب بفضة؛ فإنه ﷺ نبّه في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه؛ حيث قال: "الذهَبُ بالوَرِق رِبًا"، واستدلّ المالكية بذلك على اشتراط التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن العقد، وقبض في المجلس، لا يصحّ عندهم، والمعتبر عند الشافعي ﵀ وأصحابه: الحلولُ والتقابضُ في المجلس، وإن طال الزمان يومًا أو أيامًا لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة، وآخرون.
ولا دليل للمالكية في الحديث على ما ادّعوه؛ حيث لم يتعرض فيه على طول المجلس وقصره، وما ذكره مسلم فيه: من أن طلحة بن عبيد الله ﵁ أراد أن يصارف صاحب الذهب، ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنَّما قاله ظنًّا اجتهاديًّا للجواز كسائر البياعات؛ حيث لم يبلغه حكم المسألة، فلما أبلغه عمر ﵁ الحكم، ترك المصارفة.
ولا شك أن مأخذ الشافعي أقربُ إلى حقيقة اللفظ، ومأخذ المالكية أدخلُ في المجاز.
وقد جمع الحديث مختلفَ الجنس ومتفقَه بالذَّهب والفِضة، وبالبُرِّ بالبُرِّ، وبالشعير بالشعير، فاقتضى ذلك تحريم النّساء، لكنه لا يسمى نساء، إلا إذا تفرقا عن المجلس من غير قبض، والله أعلم.
стр. 1160
وفيه دليل: على أن البُرّ والشعير صنفان من المطعومات، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وفقهاء المحدثين، وآخرون.
وقال مالك، والليث، والأوزاعي، ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: إنهما صنف واحد، وهو محكي عن عمر، وسعد، وغيرهما من السلف ﵃.
وقال الليث بن سعد، وابن وهب: الدُّخنُ والأرز والشعير صنف واحد.
واتفق العلماء غيرهما على أن كل واحد من الأرز والدخن والشعير صنف واحد، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا تبايَعُوا الذهَبَ بالذهَبِ إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غائبًا بِنَاجِزٍ" (١). وفي لفظٍ: "إلّا يَدًا بِيَدٍ" (٢). وفي لفظ: "إلّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٣).
تقدم الكلام على أبي سعيد واسمه ونسبته وما يتعلق به، أوائل الكتاب.
وأَمّا قولُه: "وَلَا تُشِفُّوا"؛ هو بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء؛ أي: لا تفضلوا، والشِّفُّ -بكسر الشين-: الرّبَا، ويُطلق -أيضًا- على النقصان، فهو من الأضداد، يقال: شَفَّ الدرهم -بفتح الشين- يَشِفّ -بكسرها-: إذا زاد وإذا نقص، وأَشَفَّهُ غيرُه يُشِفُّه (٤).