باب الاستطابة
الاستطابة: إزالة الأذى عن المَخْرَجَيْن بحجرٍ أو ماءٍ، مأخوذٌ من الطِّيب، يقال: استطاب الرّجل فهو مستطيبٌ، وأطاب فهو مطيِّب (١).
* * *
الحديث الأول
عن أنس بن مالك ﵁: أن النبي كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" الخبث -بضم الخاء والباء- وهو جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمع خبيثةٍ، استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثهم (٢).
أما أنس، فهو أنصاري خزرجي نجاري (٣) كنيته أبو حمزة، كناه رسول الله ﷺ ببقلةٍ كان يجتنيها، قال: الأزهري: البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذعٌ، فسمِّيت حمزة بفعلها فقال: رمَّانة حامزة؛ أي: فيها حموضةٌ، وهو أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن يزيد بن حرام -بالحاء المهملة والرَّاء- وجمع ما في الأنصار من الأسماء حرامٌ كذلك، وفي قريش بكسر
стр. 107
الحاءِ المهملة والزَّاي-، أمه أمُّ سُلَيْم، واختُلف في اسمها اختلافًا كثيرًا، والصحيح مليكة، وهو الثابت في "الصحيحين"، وهي بنت مِلْحان -بكسر الميم على المشهور-.
وحكى صاحب "المطالع" عن بعضهم فتحَها (١)، أتت به أُمه إلى النبي ﷺ ليخدمَه حين قدمَ المدينةَ، فخدمه عشرَ سنين، فكان عمرُه عشرًا، وقيل: ثمانيًا، ودعا له رسولُ الله ﷺ بكثرةِ المالِ والولدِ، فرأى ﵁ من أولاده وأحفاده أكثرَ من مئة وعشرين، منهم لصلبه ثمانون ولدًا، ثمانية وسبعون ذكرًا، وابنتان.
وقال أنس: أخبرتني ابنتي أُمَيْنَةُ أنَّه دُفن لصلبي إلى مقدم الحَجاجِّ البصرةَ بضع وعشرون ومئة (٢).
وهو من أكثر الصَّحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديثٍ، ومئتا حديثٍ، وستة وثمانون حديثًا، اتَّفقا على مئةٍ وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثةٍ وثمانين، ومسلمٌ بأحدٍ وسبعين.
روى عنه: أبو أمامةَ أسعدُ بنِ سهلِ بنُ حنيفٍ، وابناه موسى والنضر، وأحفاده، وخلق كثير من التَّابعين.
وكان رسولُ الله ﷺ يدخل على أُمِّه أمِّ سُليم فيصلي في بيتها غيرَ المكتوبة، ويدعو لهم بخير الدنيا والآخرة.
وهو من أطولِ الصَّحابة عمرًا، وسكن البصرةَ، ومات بها سنة ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وتسعين، ودفن بقصره على نحو فرسخين من البصرة، وهو آخرُ مَنْ مات من الصحابة بها ﵁، وقال محمدُ بنُ عبدِ الله الأنصاري: كان سِنه يومَ ماتَ مئةً وسبعَ سنين.
وقال حُمَيدٌ: عُمرَ مئةَ سنةٍ إلا سنةً، ولا التفات إلى قول من قال: إنه آخر
стр. 108
الصحابة موتًا، بل آخرهم موتًا أبو الطُّفيل عامرُ بن واثلة؛ فإنه مات سنةَ مئة، وقال مُوَرِّقٌ العجلي لما مات أنسٌ: ذهبَ اليومَ نصفُ العلم (١).
أما ألفاظُه:
فالخلاء -بفتح الخاء المعجمة والمدِّ-: موضعُ قضاء الحاجة، وكذلك الكَنيفُ، والمِرْحاض، وأصلُه المكانُ الخالي، ثمَّ كثر استعماله حتى يُجُوز به غير ذلك.
وقوله: "إذا دخلَ" معناه: إذا أراد الدُّخول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، وقد ثبت هذا المعنى تصريحًا في رواية البخاري قال: كانَ إذا أرادَ أن يدخلَ.
وأما الخبث، فهو بضم الخاء والباء وإسكانها، لكنِ الأكثرونَ على الضم، والإسكانُ جائزٌ كما في نظائره، ونقل القاضي عياضٌ أن الأكثرين على الإسكانِ، وقال الخطابي: الإسكانُ غلطٌ، وكلا القولين خلافُ الصواب، بل الوجهان جائزان كما ذكرنا، وجوازُ الإسكان على سبيل التخفيف قياسًا؛ كما يقال: كُتب ورُسل، وعُنق، وأُذن غير ممنوع، لا خلافَ فيه عند أئمة العربية، وهو باب معروف عند أئمةِ التصريفِ، وهو أن فُعُلًا -بضم الفاء والعين- تخَفَّفُ عينُه قياسًا، فلعل الخطابيَّ أنكرَ أن الأصلَ الإسكان فيه، لكن عبارتَه موهمة، وممَن صرح بأن الباء ساكنةٌ هنا إمامُ هذا الفنِّ والعمدةُ فيه أبو عبيد القاسم بنُ سَلام، والخُبثُ -بالضم- جمعُ الخبيثٍ، والخبائث جمعُ الخبيثة، يريد ذُكْرانَ الشَّياطين
стр. 109
وإناثَهم، وقيل: هو الشَّرُّ، وقيل: الكفرُ، وقيلَ: الخُبُثُ: الشَّيطان، والخبائثُ: المعاصي، وقال ابن الأعرابيّ: الخبثُ في كلام العرب: المكروهُ؛ فإن كان من الكلام، فهو الشَّتم، وإن كان من الملل، فهو الكفرُ، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن كان من الشَّراب فهو الضَّارُّ (١).
ولا شك في صحة هذا الحديث من رواية أنسٍ ﵁ كما ذكره المصنِّفُ، وهو ثابتٌ في "الصحيحين"، وقد رواه أبو داود والترمذي والنَّسائي وابنُ ماجَهْ، والحاكمُ أبو عبد الله في "مستدركه" من روايةِ زيدِ بنِ أرقم ﵁ بزيادة في أوله، وهي: "إن هذِهِ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذَا أتَى أَحَدُكُمُ الخَلاءَ، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ"، وقال الترمذي: حديثُ أنسٍ أصح شيءٍ في الباب وأحسنُ، وحديثُ زيدِ بنِ أرقم في إسناده اضطرابٌ (٢)، وأشار إلى اختلاف الرواةِ فيه، وقال أبو محمد عبدُ الحق في "أحكامه الوسطى": حديثُ زيدِ بن أرقم اختلف في إسنادِه، والذي أسنده ثقةٌ، وقال الحاكم: هو من شرط الصحيح، ولم يُخرجاه بهذا اللفظ، وقال شيخنا أبو زكريا النواوي ﵀: حديثُ زيدِ بنِ أرقمَ صحيحٌ أو حسنٌ، قلتُ: وهو حسنٌ عندَ أبي داودَ؛ لسكوته عليه -والله أعلم-.
قال شيخنا أبو الفتح بنُ دقيق العيد القشيريّ ﵀ قولُه: "إذا دخلَ": يحتملُ أن يُرادَ به: إذا أراد الدخول؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
стр. 110
شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، ويحتمل أن يريد به: ابتداءُ الدخول، وذكرُ الله تعالى مستحبٌّ في ابتداءِ قضاءِ الحاجة، فإِنْ كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غيرَ معدٍّ لذلك؛ كالصحراء مثلًا، جاز ذكرُ الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدًّا لذلك؛ كالكنيف، ففي جواز الذِّكر فيه خلافٌ بين الفقهاء، فَمَنْ كَرِهَه، فهو محتاجٌ إلى أَنْ يُؤولَ قولَه: إذا دخل بمعنى: إذا أراد؛ لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكُنُفِ المبنيَّة منها على المكان البَراح، أو لأنه قد تبين في حديث آخرَ المرادُ؛ حيث قال ﷺ "إن هَذ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الخَلاءَ فَلْيَقُل "الحديث، وأما من أجازَ ذكرَ الله تعالى في هذا المكان، فلا يحتاج إلى هذا التأويل، ويحمل دخل على حقيقتها، ثُمَّ قال: الحديثُ الذي ذكرناه من قوله ﷺ : "إنَّ هَذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ"؛ أيْ: للجانِّ والشَّياطين بيانٌ لمناسبةِ هذا الدُّعاء المخصوص لهذا المكان المخصوص، هذا آخرُ كلامه (١).
قلت: أمَّا قولُه: يجوز ذكرُ الله تعالى في مكان قضاء الحاجة إذا كان غيرَ مُعدٍّ له؛ كالصحراء، وإن كان معدًّا لها، ففيه خلافٌ بين الفقهاء، وجعلُه حديثَ الحشوش محتضرة بيانًا لمناسبة هذا الدعاء المخصوص في هذا المكان المخصوص، فلا أعلم أحدًا ذكر هذه الجملة من العلماء في الجواز والاختلاف والمناسبة، بل كلهم ذكروا الكراهةَ فيه، حتَّى صرَّح بعضُ العلماءِ في الصحراءِ بالكراهةِ إذا أرادَ قضاءَ الحاجة، وأراد اتخاذَ مكانٍ منه أنَّه يصيرُ حكمُهُ حكمَ المكان المتخذ في البنيان.
ورأيت بعض المتأخِّرين ينقلُ تحريمَ استصحابِ ذكرِ الله تعالى فيه المكتوب، فكيف بالنُّطق به؟، ولم أرَه، لكنَّهم صرَّحوا بالكراهة، سواءٌ كانَ غير قاضٍ حاجتَه، أَمْ على قضائها، ومناسبةُ الاستعاذةِ تقتضي ذلك، أما أنها تقتضي جوازَ ذكرِ الله تعالى فيه، فلا -والله أعلم-.
стр. 111
وأما قولُه: ويحتمل أن يريد به ابتداء الدخول، فهو غيرُ صحيح، مع التصريح في رواية البخاري أنه ﷺ كان إذا أرادَ دخولَ الخلاء، قال -والله أعلم-.
وفي هذا الحديث دليلٌ: على مراقبة رسول الله ﷺ لربه، ومحافظتِه على ضبط أوقاتِه وحالاتِه، واستعاذتِه عندما ينبغي أَنْ يُستعاذَ منه، ونطقِه بما ينبغي أَنْ ينطقَ به، وسكوته عندما ينبغي أَنْ يسكتَ عنده، وقد كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: " غُفْرَانَكَ" (١)؛ أيْ: أسألك غفرانَك على حالةٍ شَغَلَتْني عن ذكرِك.
وفيه: شرعيَّةُ هذا الذكر عند إرادة دخول الخلاء، وهو متَّفق عليه.
وفيه: ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من ضبط أموره ﷺ ، وأحواله، وأقواله، وأفعاله، وأذكاره، وغير ذلك ﵃ أجمعين.
* * *
الحديث الثّاني
عن أبي أَيُّوبَ الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إذَا أتيْتُمُ الْغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتدبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غرِّبوُا" قال أبو أيوب: فَقَدِمْنا الشَّام، فوجدنا مراحيضَ قد بُنيت نحوَ الكعبة، فننحرفُ عنها، ونستغفرُ الله تعالى (٢).
الغائطُ: الموضعُ (٣) المُطْمَئِنُّ من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنَّوا به
стр. 112
عن نفس الحدث؛ كراهيةً لذكره بخاصِّ اسمه، والمراحيضُ: جمع المِرْحاض، وهو المغتسَل، وهو -أيضًا- كنايةٌ عن موضع التَّخَلِّي.
أمَّا أبو أَيُّوب، فاسمه: خالدُ بنُ زيدِ بنِ كُليبِ بنِ ثعلبةَ، الخزرجي، نَجَّاريٌّ، شهد بدرًا والمشاهدَ كلِّها مع رسول الله ﷺ ، وشهد العقبةَ الثانيةَ، وبايع -أيضًا-، ونزل عليه رسولُ الله ﷺ حين قدمَ المدينةَ شهرًا حتى بُنيت مساكنُه ومسجدُه، وقال أبو أيوبَ: لمَّا نزلَ رسولُ الله ﷺ في بيتي، نزل في السُّفْل، وأنا وأمُّ أيُّوبَ في العُلْوِ، قال: فقلت له: بأبي أنتَ وأُمِّي! إنِّي أكره وأُعْظِمُ أَنْ أكونَ فوقَك وتكونَ تحتي، فكنْ أنتَ في العلوِ، وننزلُ نحن فنكون في السفْل، قالَ: "يا أَبا أيوبَ! إنَّ أَرْفَقَ بِنا وَبِمَنْ يَغْشَانَا أَنْ نَكُونَ في أَسْفَلِ البَيْتِ"، قال: فكان رسول الله ﷺ في سُفْله، وكنا فوقَه في المسكن، فلقد انكسر جُبٌّ لنا فيه ماءٌ، فقمت أنا وأمُّ أيوبَ بقَطيفةٍ لنا ما لنا لحافٌ غيرها ننشِّفُ بها الماءَ؛ خوفًا أَنْ يقطرَ على رسولِ الله ﷺ شيءٌ (١).
ولمَّا تُحُدِّث في الإفك، وقالت له أمُّ أيوب: ألم تسمعْ ما يتحدث به النَّاس؟ وأخبرته، فقال ﵁: ما يكونُ لنا أَنْ نتكلمَ بهذا -سبحانَ الله- هذا بهتانٌ عظيمٌ، فأنزل الله الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦] إلى آخرها (٢).
رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ مئةٌ وخمسونَ حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلمٌ منها على سبعةٍ، وانفرد البخاري بحديثٍ واحدٍ، ومسلمٌ بخمسةٍ.
رَوَىَ عنه: البراءُ بنُ عازبٍ، وجابرُ بنُ سَمُرَةَ، والمقدادُ بنُ معدي كَرِب، وأبو أمامةَ الباهلي، وزيدُ بنُ خالدِ الجهني، وعبدُ الله بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ الله بنُ يزيدَ الخطميُّ ﵃ أجمعين-، وخلقٌ كثيرٌ من التَّابعين.
стр. 113
ماتَ بأرضِ الرُّوم غازيًا سنة اثنتين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمسين زمن معاوية.
وروى ابن سيرين: أنَّه غزا زمنَ معاوية، فمرضَ، فقال لهم: قَدِّموني في أرض الرُّوم ما استطعتم (١).
وروى المدائنيُّ: أنَّه دخلَ عليه يزيدُ بنُ معاويةَ، فقال: ما حاجتُك؟ قال: تُعَمِّقُ قبري وتُوَسِّعُه (٢).
وقال أبو حاتم بن حِبان البُسْتِي ﵀: إنَّ أبا أيُّوبَ قالَ لهم: إذا أنا مِتُّ فقدموني في بلاد الرُّوم ما استطعتم، ثمَّ ادفنوني، فماتَ، وكانَ المسلمون على حصارِ القسطنطينية، فقدَّموه حتَّى دفنَ إلى جانبِ حائطِها.
روى له أصحاب الكتب السِّتة، وغيرُهم (٣).
وأمَّا قوله: "الأنصاريُّ"، فهي نسبة إلى الأنصار، واحدهم نصير؛ كشريف وأشراف، وقيل: ناصر؛ كصاحب وأصحاب، وهم قبيلتان: الخزرج والأوْس، والخزرج أشرفُهما؛ لكونِ أَخْوالِ النبي ﷺ منهم، وهو وصفٌ لهم إسلاميٌّ.
روى البخاريُّ في "صحيحه"، عن غَيْلاَنَ بنِ جريرٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالك ﵁: أرأيتَ اسمَ الأنصارِ، أكنتم تُسَمُّون به، أم سمَّاكم الله تعالى به؟ قال: بل سَمَّانا الله تعالى (٤).
стр. 114
واعلم أن الخزرج والأوس هما ابنا حارثةَ بنِ ثعلبةَ العنقاء بنِ عمرِو مزيقياء بنِ عامرِ ماءِ السماء بنِ حارثةَ الغطريفِ بنِ امرئِ القيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ مازنِ بنِ الأزدِ بنِ الغوث بن نَبْتِ بنِ مالكِ بنِ زيدِ بنِ كهلانَ بنِ سبأ بنِ يشجبَ بنِ يعربَ بنِ قحطانَ بنِ عامرِ بنِ شالخِ بنِ أرفخشذَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ ﷺ .
وقحطانُ أصلُ العرب، وهو يقطن، وقيل: يَقْظَانَ، وسمّي قحطانَ؛ لأنه كان أولَ مَنْ تجبَّر وظلمَ وقحطَ أموالَ الناس من ملوك العرب -والله أعلم-.
وأمَّا ألفاظُه:
فقد ذكر المصنف الغائطَ والمراحيضَ، والشَّأم مهموزٌ، ويجوز تسهيلُه، ويقال: الشآم -بالمد- في لغة قليلة، وهو مذكَّر، وقد يؤنثُ، فيقال: الشامُ مباركٌ ومباركة، وسمِّي به لأن سامَ بنَ نوح سكنه أولًا، فَعُرِّبَ بالشين، وقيل: لكثرة قراه، ودنوِّ بعضِها من بعض؛ كالشَّامات، وقيل: لأن بابَ الكعبة مستقبلٌ مَطْلِعَ الشَّمس، فمن استقبلَه كان اليمنُ عن يمينه، والشَّام عن شماله، وهي الشُّومى، فسمِّيا بذلك، وحَدُّهُ في الطول من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالس، وفي العرض، قال السمْعَاني: هو بلاد بين الجزيرة والغور إلى السَّاحل، وهو أفضلُ البقاع بعد مكة والمدينة، وقد بارك الله تعالى فيه -والله أعلم-.
وقوله: "قَدْ بُنِيَتْ": يعني: في الجاهلية، وبناؤها نحو الكعبة ليس قصدًا لها، ولا لقبلة أهل الشام إذْ ذاكَ، وهي بيتُ المقدس، وإنما هو مجرد جهل ومُصادفة.
والمراد بالقبلةِ المنهيِّ عن استقبالِها واستدبارِها: الكعبةُ، فعلى هذا يكون الألف واللام فيها للعهد، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ للجنس، وإن كان وردَ النهيُ عن استقبالِ بيتِ المقدسِ في "سنن أبي داود" وابن ماجَهْ، و"مسند أحمد بنِ حنبل"، من رواية مَعْقِلِ بنِ أبي معقل الأسدي ﵁، بإسناد حسن؛ لأن النَّهي فيه إنما هو في استقباله فقط، ولفظُه: نَهى رسولُ الله ﷺ أَنْ نستقبلَ القبلتين ببولٍ أو بغائطٍ (١)، ولأن القبلةَ عندَ الإطلاقِ تُصرَفُ إلى الكعبة في
стр. 115
شرعنا، لا على القبلة المنسوخة، ولأن النهي في الكعبة عن الاستقبال والاستدبار في محلِّه على ما فيه من الخلاف، وسيأتي، فلا يجوز أن تكون للجنس في القبلتين، بل للعهد، والله أعلم، ثم إنّ النهي في استقبال الكعبة واستدبارها للتحريم في الصحراء والبنيان، وهو قولُ أبي أيوبَ الأنصاري راوي هذا الحديث، ومجاهد، وإبراهيم والنخعي التابعيين، وسفيان الثوري، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهؤلاء حملوا النَّهي على العموم، وجعلوا العلَّة فيه للتَّعظيم والاحترام للقبلة؛ لأنَّه معنًى مناسبٌ، ورد النَّهي على وقفه، فتكون علَّةً له.
وقد رُويَ من حديثِ سُراقةَ بنِ مالك، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "إِذَا أتَى أَحَدُكُمُ البَرَازَ، فَلْيُكْرِمْ قِبْلَةَ الله " (١)، وهذا ظاهر قوي في هذا التعليل، [فلا فرقَ فيه بين الصحراء والبُنيان] (٢)، ولو كان الحائلُ كافيًا في جوازه في البنيان، لكانَ في الصَّحراء [من] (٣) الجبال والأودية ما هو أكفى.
وفيه مذهب ثانٍ: أنهما جائزان مطلقًا، وهو قولُ: عروةَ بن الزبير، وربيعةَ الرَّأْيِ شيخِ مالك، وداودَ الظَّاهريِّ، ورأى هؤلاءِ حديثَ أبي أيوبَ منسوخًا، وزعموا أن ناسخَه حديثُ مجاهدٍ عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أَنْ نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيتُهُ قبلَ أن يُقبَضَ بعامٍ يستقبلُها، وهو حديثٌ حسنٌ بلا شكٍّ، رواه أبو داود، والتّرمذي، وابنُ ماجَهْ، والحاكمُ في "مستدركه"، وقال: صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ (٤)، والصَّوابُ أنه حسنٌ ليس على
стр. 116
شرط مسلم؛ لأنَّ أَبانَ بنَ صالحٍ أحدَ رُواته روى له البخاريُّ دون مسلم، ولا يجوزُ أن يقولَ: على شرط البخاري؛ لأن في إسناده محمدَ بنَ إسحاق، والبخاري لم يروِ له أصلًا ولا متابعةً، فتعين أَنْ يكونَ حسنًا، لكن استدلالَ هؤلاءِ به على النسخ ضعيفٌ فيهما، ولا يُصار إليه إلا بعدَ تعذر الجمع، والجمعُ ممكن كما سيأتي.
وفيه مذهبٌ ثالثٌ: أنه لا يجوزُ الاستقبالُ فيهما، ويجوزُ الاستدبارُ فيهما، وهو إحدى الرِّوايتين عن أبي حنيفة، وهو ضعيفٌ جدًّا، ويكفي في الرَّدِّ عليه حديثُ أبي أيوب هذا.
وفيه مذهبٌ رابع: وهو قول الجمهور، وبه قال مالكٌ والشّافعي، وأحمدُ -في إحدى الروايتين- أنه يَحْرُمُ استقبالُ القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم ذلك في البنيان، وهو مرويٌّ عن العباس بنِ عبد المطلب، وابنِ عمرَ ﵃، ورأى هؤلاءِ الجمعَ بين الأحاديث، وأنه لا يُصار إلى النسخ إلا بالتَّصريح به، أو بمعرفة تاريخه، وأن الجمع أولى من إلغاء بعضِ الأحاديث، واستدلُّوا بحديث ابنِ عمرَ الآتي، وبأحاديثَ أخر، ولِمَا في المنع في البنيان من المشقَّة والتكلُّف لترك القبلة، بخلاف الصحراء.
واعلمْ أن الغائطَ استُعمل في الخارج، وغلبَ على الحقيقة الوضعية، فصار حقيقةً عُرفيَّةً، لَكنْ لا يُقصدُ به إلا الخارجُ من الدُّبر فقط، ويقال: إنه يُقصَدُ به الخارج من القُبل والدُّبر كيفَ كانَ.
وقولهُ ﷺ : "وَلكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا" هذا الخطابُ لأهلِ المدينة ومَنْ في معناهم؛ كأهل الشَّام واليمنِ وغيرِهم ممَن قبلتُه على هذا [السَّمْتِ] (١)، فأمَّا من كانت قبلتُه في جهة المشرق أو المغرب، فإنه يتيامنُ أو يتشاءمُ -والله أعلم-.
стр. 117
وقولُ أبي أيُّوبَ: فقدمنا الشَّامَ ... إلى آخره، يدلُّ على أن للعموم صيغةً عندَ العربِ وأهلِ الشَّرع، على خلاف ما ذهب إليه بعضُ الأصوليِّين في ذلك، والمعني به استعمالُ صيغة العموم في بعض أفراده كما فعله الجمهور في حديث أبي أيوب هذا.
قال شيخنا أبو الفتح الحافظُ ﵀: أولع بعضُ أهل العصر وما يقربُ منهم (١) بأَنْ قالوا: صيغةُ العموم إذا وردتْ على الذوات مثلًا، أو على الأفعال، كانت عامَّة في ذلك، مطلقةً في الزَّمان والمكان، والأحوال والتَّعلقات، ثمَّ يقال: المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة، فلا يكون حجَّة فيما عداه، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يُحصَى من ألفاظِ الكتاب والسُنَّة، وصار ذلك دَيْدَنًا لهم في الجدال، وهذا باطل عندنا، بل الواجبُ أنَّ ما دل على العموم في الذوات مثلًا يكون دالًّا على ثُبوت الحكم في كلِّ ذات تناولها اللفظ، ولا يخرجُ عنها ذات إلَّا بدليل يخصُّه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذَّوات، فقد خالف مقتضى العموم، نعم يكفي في العمل المطلق مرَّةٌ؛ كما قالوه، ونحن لا نقول به في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا به من حيثُ المحافظةُ على ما تقتضيه صيغةُ العموم في كل ذات، فإن كان المطلق لا يقتضي العمل به في مرَّة مخالفة لمقتضى صيغة العموم، اكتفينا في العمل به مرَّةً واحدةً، مما يخالف مقتضى صيغة العموم، قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغة الأمر، لا من حيثُ إن المطلق يعمُّ، مثال ذلك إذا قال: مَنْ دَخَلَ داري فأعطِه درهمًا، فمقتضى الصِّيغة العمومُ في كلِّ ذاتٍ صدقَ عليها أنَّها الدَّاخلة، فإذا قال قائل: هو مطلقٌ في الأزمان، فأَعملُ به في الذَّواتِ الدَّاخلة في أول النَّهار مثلًا، ولا أعملُ به في غير ذلك الوقت، لأنه مطلق في الزَّمان، وقد عملت به مرَّةً، فلا يلزمُ أَنْ أعملَ به أخرى؛ لعدمِ عمومِ المطلقِ.
قلنا له: لمَّا دلَّت الصيغةُ على العموم في كلِّ ذاتٍ دخلت الدَّار، ومن جملتها
стр. 118
الذوات الدَّاخلة في آخر النهار، فإذا أَخْرَجْتَ تلكَ الذَّواتِ، فقد أَخْرَجْتَ ما دلَّت الصيغةُ على دخوله، وهي كل ذات، وهذا الحديث أحد ما يُستدلُّ به على ما قلناه؛ فإن أبا أيوبَ من أهل اللسان والشَّرع، وقد استعمل قوله: "ولا تَسْتَقْبِلُوا وَلا تسْتدبِرُوا" عامًّا في الأماكن، وهو مطلقٌ فيها، وعلى ما قال هؤلاء المتأخِّرون لا يلزمُ منه العموم، وعلى ما قلناه يعمُّ؛ لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن، خالف صيغَة العموم في النَّهي عن الاستقبال والاستدبار. هذا آخرُ كلامه، وهو نفيس - والله أعلم - (١).
أمَّا استغفارُ أبي أيوبَ وأصحابه، فلأن مذهبَه تحريمُ الاستقبال في البنيان كما ذكرنا، ولا يتأتَّى له الانحراف الكاملُ في قعوده إلا بحسب إمكانه، فاستغفرَ احتياطًا، ولا يُظَنُّ به أنه كان يفعلُ ما يعتقد تحريمَه، وقيل: استغفارهم لبانيها، وفيه بُعدٌ من وجهين:
أحدهما: أن تعقيبَ الوصفِ للحكم بالفاء والعطف عليه يشعرُ بالعلِّيَّة، فالحكم: المنعُ من الجلوس إلى القبلة، والوصفُ: الانحرافُ المعقَّبُ بالفاء، والعطفُ عليه بالاستغفار.
الثاني: الظَّاهر أن المراحيض بناءُ الكفار في الجاهلية، فكيف يجوز الاستغفار لهم؟ مع أنَّه ﷺ استأذَن ربه في الاستغفار لأمِّه، فلم يُؤذَنْ له، واعتذر في الكتاب العزيز عن استغفارِ إبراهيم ﷺ لأبيه، وأنه تبرَّأ منه -والله أعلم-.
ويُحتَملُ: أَن استغفارَه لِمَنْ بناها من المسلمين جاهلًا على اعتقاده.
وقيل: استغفارُه من ذنوبه، فالذَّنبُ يُذَكِّرُ بالذَّنب، لكِن احتمالَ استغفارِه لِمَنْ بناها من المسلمين جاهلًا أو غالطًا أو ساهيا بعيدٌ جدًّا؛ لكونه غيرَ آثمٍ، إلا أَنْ يكونَ استغفرَ على مذهب أهل الورع والرُّتب العليَّة في نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التَّحفظ منه -والله أعلم-.
стр. 119
وفي الحديث: ما كان عليه ﷺ من القيام بالبيان والإيضاح [والنصح] (١) لأمَّتِه.
وفيه: ابتداء العالمِ أصحابَه بالعلم، خصوصًا إذا علم أن بهم حاجةً إلى العمل به.
وفيه: أنَّه ينبغي للعالم التنبيهُ على الوقائع المخالفة للعلم، والرجوع عنها، أو الاستغفار والتوبة منها، إِنْ كانَ تلبَّسَ بها متلبِّس.
وفيه: الكناية عن المستقذرات بألفاظ غير شنيعة النُّطق بها.
وفيه: تعظيم جهة القبلة، وتكريمُها، والنهي عمَّا يلزم منه عدمُ ذلك؛ كما في الاستدبار -والله أعلم-.
* * *
الحديث الثالث
عن عبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطَّاب ﵄ قال: رَقِيْتُ يَوْمًا عَلَى بيتِ حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقْضِي حاجَتَهُ مُستَقْبِلَ الشَّامِ، مُستدبِرَ الكَعْبةِ (٢).
أمَّا عبدُ الله بنُ عمرَ، فكنيتُه أبو عبدِ الرَّحمن، وتقدَّم الكلام على نسبه ونسبته في أول حديثٍ من الكتاب، وهو معدود في المكيين المدنيين، أسلمَ قديمًا مع أبيه وهو صغير لم يبلغِ الحلمَ، وهاجرَ معه ومع أمه زينبَ بنتِ مظعون، وأختِه حفصةَ أمِّ المؤمنين، وقدَّمه على نقله، واستُصغر عن أحد، وشهد الخندقَ وما بعدَها من المشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو من أكثر الصَّحابة حديثًا، وأحدُ العبادلة الأربعة: وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمرو ابن العاص ﵃، ولا يطلق العبادلة اصطلاحًا على غيرهم، وإن أطلقه الجوهري في
стр. 120
"صحاحه" على ابن مسعود ﵁؛ لتقدُّم وفاته، وإنَّما خُصَّ هؤلاء من بين العبادلة بالذِّكر؛ لكونهم من أصاغر الصَّحابة وفقهائها، وتأخروا، وأخذ عنهم العلم والرِّواية -والله أعلم-.
ولعبدِ الله بنِ عمرَ مناقبُ كثيرةٌ، وفضائلُ شهيرةٌ، رُوي له عن رسول الله ﷺ ألف حديثٍ، وستُ مئةِ حديثٍ، وثلاثون حديثًا، اتّفق البخاريُّ ومسلمٌ على مئةٍ وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين.
رَوَى عنه أولادُه وأحفادُه ومولاه نافع، وخلقٌ كثير من التابعين، وكان ﵁ لا يُعدل برأيه؛ فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستِّين سنةً، فلم يخفَ عليه شيءٌ من أمره ولا من أمر الصحابة ﵃.
روى له أصحاب السنن والمسانيد، وكانَ يتحفظُ ما سمعَ من النبي ﷺ ، ويسألُ عما غاب عنه من قولٍ أو فعلٍ مَنْ حَضَرَ، ويتَّبعُ آثارَه ﷺ حتى مواضعَ صلاتِه ﷺ سفرًا أو حضرًا، وبايع النبي ﷺ قبلَ أبيه وبعدَه أدبًا، وكان يغضب إذا قيل: هاجرَ قبل أبيه، وكان قوَّامًا صوَّامًا متواضِعًا، لا يأكلُ حتى يؤتى بمسكين فيأكل معه، وكان ممَّن لم تملْ به الدّنيا، وقال سعيد بنُ المسيِّبِ: لو شهدت لأحدٍ أنه من أهل الجنة في الدنيا، لشهدت لابن عمر (١)، وكان ضابطًا لأحاديثِ رسول الله ﷺ ، لا يزيد فيها ولا ينقص، وقال ﷺ : "أَرَى عَبْدَ اللهِ رَجلًا صَالِحًا" (٢)، وكان من البكَّائين الخاشعين، إذا أعجَبه شيءٌ من ماله، قرَّبه لربِّه، فكان رقيقُه يتزينون له بالعبادة وملازمةِ المسجد، فيعتقهم، فيقول له أصحابُه: ما بهم إلا خديعتك، فيقول: من خَدَعْنا بالله، انخدعْنا له (٣)، قال نافعٌ:
стр. 121
لو نظرْتَ إلى ابنِ عمرَ إذا اتَّبع أثرَ رسولِ الله ﷺ ، قلتَ: إنه مجنون (١)، ولم يمتْ حتى أعتقَ ألفَ إنسانٍ وزيادة، وربما تصدَّق في المجلسِ الواحد بثلاثين ألفًا، وبعثَ إليه معاويةُ بمئةِ ألف، فلم يحلْ حول وعنده شيءٌ منها، وكان إذا تلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، يبكي حتى يغلبه، وإذا تلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، يبكي ويقول: إن هذا الإحصاءَ لشديدٌ.
مات ﵁ بمكةَ سنةَ ثلاثٍ، وقيل: أربع وسبعين، بعد موت ابن الزُّبير بثلاثة أشهر من جرح أصاب رجله، ابنَ أربعٍ، وقيل: سِتٍّ، وقيل: سبع وثمانين سنةً، وكان مولدُه قبل الوحي بسنةٍ، ودفن بالمحصَّب، وقيل: بسَرِف، وقيل: بفَجٍّ، وكلُّها مواضعُ بقرب مكَّة بعضُها أقربُ إلى مكة من بعض (٢).
وأمَّا ألفاظه:
فقوله: "رَقِيْتُ" -هو بكسر القاف، ولغة طَيِّئٍ بفتحها-، وحكى صاحب "المطالع" الفتحَ مع الهمز (٣)، وسُمِّيت الكعبةُ كعبةً؛ لاستدارتها؛ من التَّكَعُّب، وهو الاستدارة.
واختلف العلماء في كيفية العمل بهذا الحديث:
стр. 122
فمنهم: من رآه ناسخًا لحديث أبي أيوب، واعتقد الإباحةَ مطلقًا، وقاس الاستقبالَ على الاستدبار، واطّرح تخصيص حكمه بالبنيان، ورأى أنه وصفٌ مُلْغًى لا اعتبارَ به.
ومنهم: من رأى العمل بحديث أبي أيوب، واعتقد أن هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ .
ومنهم: من جمع بينهما، وأعملَهما كما تقدَّم -والله أعلم-.
واستدل من خصَّه بالنبي ﷺ بأنَّ نظرَ ابنِ عمرَ، وجلوسَه ﷺ كان اتفاقًا منهما من غير قصد لبيان حكم للأمة، وأنه رد بصرَه في الحال؛ لأنه لو كان ذلك حكمًا عامًّا، لبينه ﷺ بالقول كغيره من الأحكام، فلمَّا لم يقع ذلك، دل على الخصوص، ثمَّ إن حكم العام إذا خُصَّ أن يقتصر على جواز التخصيص، ويبقى العام فيما عداه على عمومه فيما بقي من الصُّور؛ إذ لا معارضَ له في ذلك، وحديث ابنِ عمرَ هذا لم يدل على جواز الاستقبال والاستدبار معا، بل دل على الاستدبار فقط، فالمعارضة بينه ويين حديث أبي أيوب إما هي في الاستدبار، فيبقى الاستقبال لا تعارضَ فيه، فيجب العمل به في المنع منه مطلقًا، لكنهم أجازوهما معًا في البنيان، وعليه هذا السؤال، وهذا إذا كان في حديث أبي أيوب لفظٌ يعمُّ، وليس هو كذلك، بل هما جملتان، إحداهما عامَّة في محلِّها، تناولَ حديثُ ابنِ عمرَ بعضَ صورِ عمومها بالخصوص، والأخرى لم يتناولها، فهي باقية على حالها، وتقديم القياس على اللَّفظ العامِّ فيه كلام في أصول الفقه، وشرط صحة القياس مساواةُ الفرع للأصل، أو زيادتُه عليه في المعنى المعتبر في الحكم، ولا تساوي هاهنا؛ لزيادة قبح الاستقبال على الاستدبار على ما يشهد العرف به، وقد اعتبر ذلك العلماء في منع الاستقبال وجواز الاستدبار، فلا يلزم من إلغاء الناقص إلغاءُ الزائد في قبحه وحكم جوازه.
وفي الحديث: وجوبُ تتبُّع أحوال النبي ﷺ كلها ونقلها، وأنها كلها أحكام شرعيَّةٌ.
стр. 123
وفيه: جوازُ استدبار القبلة في البنيان، وأنَّه مخصِّص لعموم النَّهي -والله أعلم-.
وفيه: استحبابُ الكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط، وجواز قضاء الحاجة في مكان غير معدٍّ له؛ من سطحٍ وغيره، سواء كان مضطرًا إلى ذلك أم لا.
وفيه: جوازُ الإخبار عن مثل ذلك للاقتداء والعمل، وجوازُ تَبَسُّط أقارب الزوجة في بيت الزَّوج حالة الاحتشام، وكفُّ البصر عما يُستَحْيَا من رؤيته -والله أعلم-.
واعلم أن العلماءَ من أصحاب الشافعي ﵏ قالوا: يجوز استقبالُ القبلةِ واستدبارُها في البنيان إذا كان قريبًا من ساتر من جدارٍ أو نحوه؛ بحيث [يكون بينه وبين ثلاث أذرع فما دونها، وأن يكون الساتر مرتفعًا بحيث] (١) يسترُ أسافلَ الإنسان، وقدَّروه بآخرة الرَّحل، وهي نحو ثلثي ذراع، فإن زاد ما بينه وبين الساتر على ذلك، أو قصر عن آخرة الرحل، فهو حرام كالصحراء، إلّا إذا كان في بيت بُني لذلك، فلا حَجْرَ فيه كيف كان، قالوا: ولو كان في الصحْرَاء، وستر بشيء على الشَّرط المذكور، زالَ التحريم، فالاعتبار بوجود الساتر وعدمه، فيحلُّ في الصحراء والبنيان بوجوده، ويحرم فيهما لعدمه، هذا هو الصحيح المشهور.
ومنهم: من اعتبر الصحراء والبنيان مطلقًا، ولم يعتبر الحائل، فأباح في البنيان مطلقًا، وحرم في الصحراء مطلقًا، لكن تفريعهم على الأول، فقالوا: لا فرقَ بين أَنْ يكونَ الساتر دابَّة، أو جدارًا، أو كثيبَ رملٍ، أو جبلًا، ولو أرخى ذيلَه في قبالة القبلة، حصل السَّتر به على أصحِّ الوجهين؛ لحصول الحائل، وهذا الكلام كله مبنيٌّ على أنَّ العلة المستنبطةَ هل هي معتبرةٌ أم لا؟.
أما إذا لم يعتبرها، فلا كلام، وإن اعتبرها، فهل هي احترام القبلة، أو رؤية
стр. 124
المصلِّين من الملائكة أو الجن من المؤمنين؟ فيه كلامان: فمن علَّل باحترام القبلة، فلا فرقَ، ومن علَّل برؤية المصلِّين من الملائكة، اعتبر الحائل في الصَّحراء والبنيان -والله أعلم-.
وحيث جَوَّزنا الاستقبال والاستدبار، هل نقول: إنَّه مكروهٌ؟ أو نقول: إن كان عليه مشقَّةٌ في تكلُّف التحرف، فلا كراهة، وإن لم تكن مشقَّةٌ، فالأَوْلى تجنُّبه؛ للخروج من خلاف العلماء، ولا يطلق عليه الكراهة.
أطلقَ الأوَّلَ: جماعةٌ من أصحاب الشّافعي، ولم يذكره الجمهور، واختار شيخُنا العلامة أبو زكريَّا النواوي ﵀ الثَّاني -والله أعلم-.
وأما الجِماعُ مستقبلَ القبلةِ في الصحراء والبنيانِ، فجوَّزه الشّافعيّ، وأبو حنيفةَ، وأحمد، وداود، واختلفَ فيه أصحاب مالك، فجوزه ابنُ القاسم، ومنعه ابنُ حبيب، والصوابُ الجواز؛ فإن التَّحريمَ إنَّما يثبتُ بالشَّرع، ولم يردْ فيه نهيٌ، وإذا تجنبَ استقبالَ القبلةِ واستدبارَها بالبولِ والغائط حالَ خروجهما، جازَ له ذلك حالَ الاستنجاء، وأما بيتُ المقدس، فيكره استقبالُه واستدبارُه بالبول والغائط، ولا يحرُم -والله أعلم-.
* * *
الحديث الرَّابع
عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ الخَلاءَ، فأحملُ أنا وغُلامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وعَنَزَةً، فَيَسْتنجِي بِالماءِ (١).
العَنَزَةَ: الحَرْبةُ.
أمَّا أنسٌ، فتقدم الكلامُ عليه.
وأما الخلاءُ -بفتح الخاء والمدُّ- فهو: الخالي المتَّخَذُ لقضاءِ الحاجة، سواءٌ
стр. 125
كان في الصحراء أو البنيان، لكن الظَّاهرَ أنَّ المرادَ به في هذا الحديث البَراحُ من الأرض؛ بقرينةِ حمل العَنَزَةِ؛ فإنَّ الصَّلاة إليها إنَّما تكونُ بعدَ الوضوء وقضاءِ الحاجة.
والغُلامُ: الصَّبيُّ، مأخوذ من الغُلْمَة، وهي الحركةُ والاضطراب.
والإِدَاوَةُ -بكسر الهمزة-: إناءٌ صغير من جلدٍ يُتَّخذ للماء كالسطيحة ونحوها، وجمعها أَداوى.
والعَنَزَةُ -بفتح العين والنُّون والزَّاي-: عَصَا طويلةٌ في أسفلها زُجٌّ، ويقال: رمحٌ قصيرٌ، وإنما كان يستصحبُها ﷺ لأنه كان إذا توضَّأ صلَّى، فيحتاج إلى نصبها بين يديه؛ لتكونَ حائلًا يصلِّي إليه، وقد ورد في حديث أنه ﷺ كانت تُوضع له فيصلِّي إليها (١)، وهذا إنما يناسبُ البَراحَ من الأرض لقضاء الحاجة والوضوء والصَّلاة بعده.
وأمّا في البنيان، فلا يُناسب؛ لأنَّه لا يحتاج إلى العَنَزَةِ، ولا إلى خدمة الذُّكور له، بل يناسبه خدمة أهل بيته من نسائه ونحو ذلك.
وقول أنس: "أَنا وغُلَامٌ نَحْوِي"؛ أي: مقاربٌ لي في السنِّ، والحريَّةِ، لا أنه مثلُه من كل وجهٍ.
وفي الحديث فوائدُ:
منها: خدمة الصالحين وتفقُّد حاجاتهم، خصوصًا المتعلِّقة بالطهارة والعبادة.
ومنها: التَّباعدُ لقضاء الحاجة عن الناس لقرينةِ حمل العنزةِ والإداوة.
ومنها: جوازُ استخدامِ الرجُلِ الفاضلِ بعضَ أتباعِه الأحرار، خصوصًا إذا أَرْصدوا لذلك نفوسَهم، والاستعانة في مثل هذا.
стр. 126
ومنها: جوازُ الاستنجاءِ بالماء واستحبابهُ ورجحانهُ على الاقتصار على الحجر، لكنَّ مذهبَ جمهورِ السلفِ والخلفِ، والذي أجمعَ عليه أئمَّةُ الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضلَ الجمعُ بينهما، فيقدم الحجرَ، ثمَّ يَستعمل الماءَ، فتخفُّ النجاسة، وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في الإنقاء، فإن أراد الاقتصارَ على الحجر معَ وجود الماء، جاز.
وقال ابن حبيب المالكي: لا يجوزُ مع وجود الماء، وهو ضعيف، لكن الاقتصارَ على الماء أفضلُ من الاقتصارِ على الحجر؛ لكوبه يُزيلُ عينَ النجاسةِ وأثرَها، والحجرُ يُزيل العينَ دون الأثر؛ لكنَّه معفو عنه، وتصح الصَّلاةُ معه؛ كسائر النَّجاسات المعفو عنها.
وذهب بعضُ السلف إلى أن الأفضلَ الحجرُ، وجازفَ بعضُهم، فأوهم كلامُه أن الماء لا يجوز الاستنجاءُ به؛ لكونه مطعومًا، وهذا كله مخالفٌ لظواهرِ الأحاديثِ الصحيحة، ولِما امتنَّ الله تعالى به في كتابه العزيز من التَّطهير به، وما عليه العلماء من السلف والخلف.
وسُئِلَ سعيدُ بنُ المسيبِ عن الاستنجاء بالماء، فقال: هو وضوءُ النّساء (١)، ونحوُه عن غيرِه، ولعله ذكر ذلكَ في مقابلة غُلُوِّ مَنْ أنكر الاستجمار بالأحجار، وبالغَ في إنكاره بهذه الصِّيغة؛ ليمنعه من الغلو -والله أعلم-.
وقد استدل بعضُ العلماء بهذا الحديث على أن المستحبَّ أَنْ يتوضَّأ من الأواني دون البِرَكِ ونحوِها، وهو غير مقبول، قال القاضي عياضٌ ﵀: هذا لا أصل له؛ لأنه لم يُنقلْ عن النبي ﷺ أنهُ وَجَدَ البركَ والمشارع ثمَّ عدل عنها إلى الأَواني -والله أعلم-.
* * *
стр. 127
الحديث الخامس
عن أبي قَتَادةَ الحارثِ بنِ رِبْعِيٍّ الأنصاريِّ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يبولُ، وَلا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلاءِ بِيَمِيِنهِ، وَلا يَتنفَّسْ في الإِنَاءِ" (١).
أمَّا أبو قتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ: فاسمُ جدِّه أبي أبيه: بَلْدَمَةُ -بفتح الباء الموحدة والدَّال المهملة، وسكون اللام بينهما، ويقال: بضمِّهما، ويقال: بالذال المعجمة المضمومة مع ضمِّ الباء-، بنُ خُنَّاسِ -بضم الخاء المعجمة وتشديد النون، ثم ألف، ثم سين مهملة- بنِ سنانِ بنِ عبيدِ بنِ عديِّ بنِ غنمِ بنِ سَلِمَةَ -بكسر اللام- السُّلَمِي- بفتحِها، ويجوز في لغة كسرها- المدنيُّ، فارسُ رسول الله ﷺ ، شهدَ أحدًا والخندقَ، وما بعدَ ذلك من المشاهد، واختُلف في شهودِه بدرًا، فلم يذكره ابن عقبةَ، ولا ابن إسحاق في البدريين، وذكره بعضهم فيهم.
وأمَّا اسمه، فالمشهورُ ما ذكره المصنفُ، وهو قولُ أكثرِ المحدثين، وقال ابن إسحاق: اسمُه الحارثُ، وقال عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عمارةَ الأنصاري، والواقدي: اسمه النُّعمان، وقال غيرُهما: اسمه عمرُ.
وروى عنه ابنُه عبدُ الله، وأبو سعيدٍ الخدري، وجابرُ بنُ عبدِ الله، وخَلْقٌ من التَّابعين.
رُوي له عن رسول الله ﷺ مئةُ حديثٍ وسبعونَ حديثًا، انفرد البخاريُّ بحديثين، ومسلم بثمانية، واتَّفقا على أحد عشر، وروى له أصحاب السنن والمساند.
مات سنةَ أربعٍ وخمسين بالمدينة، وهو ابنُ سبعين سنة، وقيل: سنة ثمانٍ
стр. 128
وثلاثين بالكوفة، ابنَ اثنتين وسبعين، وصلَّى عليه علي بنُ أبي طالب، والأولُ أصحُّ.
قالَ ابنُ حِبان: وقيل: إنَّه مات في خلافة علي، وهو الذي صلَّى عليه وكبَّرَ عليه سبعًا (١).
أمَّا التَّنَفُّس، فهو هنا خروجُ النَّفَس من الفم، يُقال: تنفسَ الرجل، وتنفس الصُّعَدَاء، وكلُّ ذي رئةٍ متنفِّسٌ، ودواب الماء لا رئاتِ لها (٢).
والحكمةُ في النهي عنه أنه أبعدُ عن تقديرِ الإناء، وعن خروج شيءٍ تعافه النَّفْسُ من الفم، فإذا أَبانه عندَ إرادةِ النَّفَس، أَمِنَ ذلك.
وقد ثبت إبانةُ الإناء للتنفس ثلاثًا، وهو في هذا الحديث مطلق، ولأن إبانةَ الإناءِ أهنأُ في الشُّرب، وأحسنُ في الأدب، وأبعدُ عن الشَّره، وأخفُّ للمعدةِ.
وإذا تنفس في الإناء، واستوفى رِيَّه، حمله ذلك على فوات ما ذكرنا من حكمة النهي، وَتَكاثرَ الماءُ في حلقِه، وأثقلَ معدتَه، وربما شَرِقَ به.
وأما نهيه ﷺ عن مسِّ الذكَر باليمين، فظاهرُه: النَّهْيُ عنه في حالِ البولِ، وورد في حديثٍ آخرَ النَّهيُ عن مسِّه باليمين مطلقًا؛ لكن في تقييده ﷺ بحالة البول تنبيه على رواية الإطلاق وأولى؛ لأنه إذا كان النهي عن المسِّ باليمين حالةَ الاستنجاء، مع أنه مَظِنَّةُ الحاجة إليها، فغيرُه من الحالات أولى.
стр. 129
وقد يعترض هاهنا شبهة، وهي أنه نهى عن الاستنجاء باليمين، وعن مسِّ الذَّكَر باليمين، ولا بدَّ للمستجمر من أحد النَّهيين؛ لأنه إن أمسكَ ذكره بيمينه، دخل في النَّهي عن مسِّه، وإن أمسك الحجر بها، دخل في النهي عن الاستنجاء باليمين.
والجوابُ عن هذه الشُّبهة: أنه لا يلزم منه أَنْ يُمسكَ الحجرَ بها، بل يمكنه الاستجمار بحجرٍ ضخمٍ لا يزولُ عن مكانه، أو بجدار هو ملْكُه لا يتأذى مارٌّ بالتَّنَجُّس به حين استناده إليه إذا كان رطبًا، ويمسكُ ذكره بيساره، فيحركه بها من غير تكرار وضعِه في الموضع الذي وضعه أولًا عليه؛ لئلا يتنجَّس رأسُ ذَكَرِه بوضعه ثانيا عليه، فلا يجزئه حينئذ إلا الماءُ، فلو كانَ الحجرُ صغيرًا، جعلَه بين عَقِبيه، وفعلَ ما ذكرناه بالصِّفة المذكورة، فلو عجزَ أو شقَّ عليه أخذُ الحجرِ باليمين، وجعله بمنزلة الحائط، أو حجر كبير، ومسح عليه، حرَّكَ اليسارَ دونَ اليمين، ومتى حرَّكَ اليمينَ، دخلَ في النَّهي، -والله أعلم-.
ومن العلماء من خصَّ النهي عن مسِّ الذكر باليمين بحالةِ البول، أخذًا بظاهر الحديث كما ذكرنا.
ومنهم: من أخذ بالنَّهي عن مسه مطلقًا؛ أخذًا بالرِّواية المطلقة.
وقد يسبق إلى الفهم أنَّ المطلقَ يحمل على المقيَّدِ، أو العامَّ على الخاصِّ، فيختص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث للأصوليين، وهو أن القاعدة أن حمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيد ليس هو في باب المناهي، وإنما هو في باب الأمر والإثبات؛ لما يلزم منه من الإخلال باللفظ الدال على الخصوص أو المقيد.
وأمَّا في باب النَّهي، فيلزم منه الإخلالُ باللَّفظ الدَّالِّ على الإطلاق أوالعموم، مع تناول النَّهي، وهو غير سائغ، وهذا -أيضًا- بعد مراعاة النظر في روايتي الإطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، هل هما حديثان، أو حديث مخرجُه واحد؟، فإن كانا حديثين، فالأمرُ على ما ذكرناه أولًا، وإن كان حديثًا
стр. 130
واحدًا مخرجُه واحد، اختلفَ (١) عليه الرواة، فينبغي حملُ المطلَقِ على المقيَّد، ويكون زيادة من عدل، وهي مقبولةٌ عند الأصوليّين والمحدِّثين، وهذا يكون -أيضًا- بعد النَّظر في دلالة المفهوم، وما يعمل به منه، وما لا يعمل به، وبعد أن ننظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم.
واعلم أنَّ الأصل في النَّهي التَحريمُ، إلَّا أن يدلَّ دليل على إرادة الكراهة، وقد حمله في هذا الحديث وأمثاله داوُدُ الظاهريُّ، وابنُ حزم، على التَّحريم مطلقًا، وجمهورُ الفقهاء حملوه هنا على الكراهة، وبعضُ أصحاب الشَّافعي وغيرهم أشار إلى التَّحريم.
وقوله ﷺ : "وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الخَلاَءِ بِيَمِينهِ" سُمِّي الخارجُ من القُبُل والدُّبُر خلاءً؛ لكونه يُفْعل في المكان الخالي، ويلازم ذلك غالبًا، ولفظ الحديث يتناول القُبُلَ والدُّبرَ، وقد ذكرنا كيفيةَ التَّمَسُّح في القُبل، وأما الدُّبر، فاختلفَ أصحاب الشَّافعي في كيفية مسحه على وجهين:
أحدهما: أَنْ يضعَ الحجرَ على موضعٍ من جانب الصَّفحة اليُمنى خارجٍ عما أصابهُ الخارج من حلقة الدُّبر، ويمسحها، ثمَّ يضع الحجر الثاني على الصَّفحة اليسرى كذلك، ثمَّ يمسح بالثالث الصّفحتين والمسرُبة، وهذا أسهل وأحبُّ إلينا.
والثاني: أن يُمِرَّ الأولَ من مقدم الصَّفحة اليمنى، ويضعَه على عين الخارج، ويديرَه على حلقة الدُّبر إلى أَنْ يرجعَ إلى الموضع الذي بدأ منه، ثمَّ يضع الثاني على مقدَّم الصَّفحة اليسرى، ويديرَه عليها من جهتها إلى [أن يرجع إلى الموضع الَّذي بدأ منه]، ويفعل بالحجر الثالث كفعله به في الوجه الأول، وهذا الوجه العمل به عسرٌ، وهو الرَّاجح في المذهب، وإنما قلنا؛ لا يضع الحجر إلا على موضع لم يصبْه الخارج؛ لأنه إذا وضعه على الخارج، نجس، فمنع الاستجمار به؛ لأنَّ شرطَه أَنْ يكونَ طاهرًا ليزيلَ النَّجْوَ -والله أعلم-.
стр. 131
ثمَّ المرأةُ كالرجُل في منع مسِّ القُبل والدبر باليمنى؛ لأن سببَ النهي إكرامُ اليمين، ويُستحبُّ ألا يستعين باليد اليمنى في شيء من أمور الاستنجاء إلَّا لعذر.
وإذا استنجى بماء، صبه باليمنى، ومسح باليسرى، وإذا كان بحجر، فإن كان في الدبر، مسحَ بيساره.
واعلم أنَّ في النهي عن الاستنجاء باليمين تنبيهًا على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها، وكذا ما كان من باب التكريم [والتشريف] (١) يكون باليمين، وما كان من بابِ الامتهانِ وإزالةِ الأقذارِ والأوساخِ والبشاعةِ يكون باليسار.
وأمَّا النهْيُ عن التنفُس في الإناء، فمعناه: لا يتنفس فيه نفسِه، بل يتنفس خارجَه؛ فإنه سنةٌ ثابتةٌ، وأدبٌ شرعيٌّ في الشُّرب؛ لما يحصل بالتنفس في الإناء من نتنه، وغير ذلك من الحكم المتقدمة.
وقد روى التّرمذي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: أن [النبي ﷺ ] (٢) نهى عن النفخ في الشَّراب، فقالَ رجلٌ: القذاةُ أراها (٣) في الإناء، فقالَ: "أَهْرِقْها"، قال: فإنِّي لا أَرْوَى من نَفَسٍ واحدٍ، قال: "فَأبِنِ القَدَحَ إِذًا عَنْ فِيكَ"، وقال: حديث حسن صحيح (٤).
وأمَّا ما ثبت في "الصحيحين" من رواية أنسٍ ﵁: أن النبي ﷺ كان يتنفسُ في الإناء (٥) ثلاثًا (٦)، فمعناه: خارجَ الإناء -والله أعلم-.
* * *
стр. 132
الحديث السَّادس
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: مر النبي ﷺ بقبرَين فقالَ: "إنَّهُما لَيُعَذبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما، فَكَانَ لا يَسْتنَزِهُ مِنَ البَوْلِ، وأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، فأخذَ جريدةً رطبةً، فشقها نصفين، فغرزَ في كل قبر واحدةً، فقالوا: يا رسولَ الله! لم فعلتَ هذا؟ قالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُما مَا لَمْ ييبَسَا" (١).
أما عبدُ اللهِ بنُ عباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ ، فكنيتُه: أبو العباس، وهو أحدُ العبادلة الأربعة كما تقدم ذكرُه في الحديث قبله، كانَ يُقالُ له: الحَبْرُ، والبَحْرُ، دعا له رسولُ الله ﷺ بالحكمة والتَّفَقُّه في الدين وتعلم التأويل، فأخذ عنه الصحابة ﵃ ذلك.
وقال ابن مسعود ﵁: هو تَرْجُمانُ القرآن (٢)، ودَعا له -أيضًا- ﷺ فقال: "اللهُمَ بارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ، وَاجْعَلْهُ مِنْ عِبَادِكَ الصالحِينَ، اللهُمَّ زِدْهُ عِلْمًا وَفِقْها" (٣)، قال أبو عمر: كلها أحاديثُ صِحاحٌ، قال: وقال مجاهدٌ عن ابن عباس: رأيتُ جبريلَ ﷺ مرتين، ودعا لي بالحكمة مرتين (٤).
وكان عمرُ بنُ الخطاب ﵁ يحبه ويُدنيه ويقربه ويُشاوره، ويقول: هو فتى الكُهول، له لسانٌ سؤول، وقلبٌ عَقول (٥).
стр. 133
وقال القاسمُ بن محمد ومجاهد: ما سمعت فُتيا أحسنَ من فُتيا ابن عبَّاس، إلا أن يقولَ قائل: قال رسول الله ﷺ (١).
وقال طاوس: أدركتُ خمسَ مئةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه، لم يزلْ يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله (٢).
وقال يزيدُ بنُ الأصم: خرج مُعاوية حاجًّا معه ابنُ عباسِ، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباسٍ موكب ممن يطلبُ العلم (٣).
وقال مسروق: كنتُ إذا رأيتُ ابنَ عباس قلتُ: أجملُ الناس، فإذا تكلم، قلتُ: أفصحُ (٤) الناس، وإذا تحدث، قلتُ: أعلمُ الناس (٥).
وقال أبو وائل شقيق: خَطَبَنا ابنُ عباس وهو على الموسم، فافتتح سورةَ النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيتُ ولا سمعتُ كلامَ رجلٍ مثله، لو سمعته فارس والرُّوم والتُّرك لأسلمت (٦).
وقال عمرُو بنُ دينار: ما رأيت مجلسًا أجمعَ لكل خيرٍ من مجلس ابنِ عباس؛ الحلال والحرام والعربية والأنساب، وأحسبه قال: والشِّعر (٧).
وقال عُبيدُ الله بنُ عباس: ما رأيتُ أحدًا كان أعلمَ بالسنة، ولا أجلدَ رأيًا، ولا أثقبَ نظرًا من ابن عباس (٨)، ولقد كان عمرُ ﵁ يُعِدُّه للمعضلات، مع اجتهادِ عمرَ ونظرِه للمسلمين.
стр. 134
وقال القاسمُ بنُ محمدٍ: ما رأيت في مجلس ابنِ عباسٍ باطلًا قَطُّ، ولا سمعت قولًا أشبه بالسُّنة من فتواه، وكان أصحابُه يسمُّونه البحرَ، ويسمونه الحبرَ، وكان قد عَمِيَ في آخر عمره، ورُوي أنه رأى رجلًا مع النبي ﷺ ، فلم يعرفه، فسأل عنه النبي ﷺ ، فقالَ "أَرَأَيْتَهُ؟ "، قالَ: نَعَمْ، قالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ، أمَّا إِنك سَتَفْقِدُ بَصَرَكَ" (١)، فعميَ بعدَ ذلكَ في آخرِ عمره، فقالَ:
إِنْ يَأخُذِ اللهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُما ... فَفِي لِسَانِي وقَلْبِي مِنْهُما نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ ... وَفي فَمِي صَارِمٌ كَالسيْفِ مَأثُورُ
وابنُ عباس من أكثرِ الصحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله ﷺ ألفُ حديثٍ، وست مئةِ حديثٍ، وستون حديثًا، اتَّفق البخاريُّ ومسلم على خمسة وتسعين، وانفردَ البخاريُّ بمئةٍ وعشرين، ومسلم بتسعةٍ وأربعين.
روى عنه جماعةٌ من الصحابة: عبدُ الله بنُ عمر، وأنسٌ، وأبو الطُّفيل عامرٌ، وثعلبةُ بنُ الحكم، وأبو أمامةَ بنُ سهل بنِ حُنيف، وخلق كثير من التابعين.
وروى عنه -أيضًا- أخوه كثيرُ بنُ العباس، وروى له أصحابُ المساند والسنن، وغيرُهم.
وُلد ﵁ قبلَ الهجرة بثلاث سنين، وكان سنه يومَ ماتَ النبي ﷺ ثلاثَ عشرةَ سنةً، هذا هو الصحيح، وقيلَ غيرُ ذلك عن أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه.
ومات بالطَّائف سنةَ ثمانٍ وستين، ابنَ إحدى وسبعين سنةً على الصحيح، وقيلَ غيرُه، وصلى عليه محمدُ بنُ الحنفية، وقالَ: اليومَ ماتَ ربَّانيُّ هذه الأمة.
قال أبو حاتم بنُ حِبان: وقبرُه بالطَّائف مشهورٌ يُزار.
قالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: ويُروى أن طائرًا أبيضَ خرجَ من قبره، فتأوَّلوه علمه خرج إلى الناس، ويُقال: بل دخلَ قبرَهُ طائرٌ أبيض، فقيلَ: إنه بصرُه في التأويل.
стр. 135
وروينا بإسنادنا إلى أبي الزبير، قال: مات ابنُ عباس بالطَّائف، فجاءَ طائرٌ أبيضُ، فدخل في نعشِه حين حُمل، فما رُئي خارجًا منه (١).
وله ﵁ من الكلام في الحِكَمِ ما لم يُقَلْ مثلُه، قال ﵁: ما مِنْ مُؤمنٍ ولا فَاجر إلا وقد كتب الله رزقَه من الحلال، فإنْ صَبَرَ حتى يأتيَه، آتاه الله، وإنْ جزعَ فتناولَ شيئًا من الحرام، نقَّصَه الله من رزقِه من الحلال (٢).
وعن بُرَيَدةَ قال: شتمَ رجلٌ ابنَ عباس فقال: إنَّك لتشتمني وفيَّ ثلاثُ خِصالٍ: إني لآتي على الآية من كتاب الله، فلوددْتُ أن جميعَ النَّاس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمعُ بالحاكم من حُكَّام المسلمين يعدلُ في حكمِه، فأفرحُ به [وما لي به من سائمة] (٣)، ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإنِّي لأسمعُ بالغيثِ قد أصابَ البلدَ من بلاد المسلمين، فأفرحُ به وما لي بهِ من سائمة (٤).
أمَّا ألفاظُه:
فقوله ﷺ عند مروره بالقبرين: "إنهما لَيُعَذَّبانِ"؛ دليل على إثبات عذاب القبر؛ وهو مذهب أهل السنة، وهو مما يجب اعتقاد حقيقته، وهو مما نقلته
стр. 136
الأمة متواترًا؛ فَمَنْ أنكرَ عذابَ القبر، أو نعيمَه، فهو كافرٌ؛ لأنه كذَّب الله تعالى، ورسولَه ﷺ ؛ في خبرهما.
ثمَّ إن في إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصيةً، دون غيره من المعاصي؛ إن الله تعالى جعل ذلك في حقِّ بعض عباده؛ فإئه جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "تَنَزَّهُوا مِنَ البَوْلِ؛ فَإِن عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْه" (١)، وجاء أن بعضهم ضمَّه القبر، أو ضغطه؛ فسئل أهله عنه، فذكروا: أنه كان منه تقصير في الطهور.
وأمَّا قوله ﷺ : "وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ"؛ ففيه تأويلات:
أحدُهَا: ليس بكبير عندكم، وهو عند الله كبير، ومعناه: أنه كبير في الذنوب، وإن كان صغيرًا عندكم، يدل عليه ما ثبت في البخاري: "بَلَى إِنهُ كَبيرٌ" (٢)؛ أي: إنه كبير عند الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وثانيها: لا شك أن النميمةَ من الدَّناءات المستحقَرة؛ بالإضافة إلى المروءَة، وكذلك التلبس بالنجاسة؛ لا يفعلها إلا حقيرُ الهمَّةِ، فلعل قوله ﷺ : "وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ"؛ إشارة إلى حقارتهما، بالنسبة إلى الذنوب.
وثالثها: أنه ليس بأكبر الكبائر، وإِنْ كانَ كبيرًا.
ورابعها: أنه ليس كبيرًا، في زعمهما، دون غيرهما.
وخامسها: أنه ليس كبيرًا تركُه عليهما؛ إذِ التنزهُ من البول، وتركُ النَّميمة لا يشق.
وقوله: "أما أَحَدُهُما فَكانَ لا يَستَتِرُ مِنْ بَوْلهِ"، اختلف في معنى لا يستتر؛ على وجهين (٣):
стр. 137
أحدهما -وهو الراجح-: أنه لا يستنزه من البول، وعليه حجابًا؛ من ماء، أو حجارة؛ فيكون مجازًا؛ لكونه عبَّر بالتستر بالماء، أو الأحجار، في إزالة النَّجو عن الاستتار عن الأعين (١) في كشف العورة، إذ هو حقيقة فيه؛ لما بين الحقيقة والمجاز هنا من العلاقة، وهي: أنَّ المستتر عن الشيء فيه بعد، واحتجاب عنه؛ وذلك تنبيه بالبعد عن ملامسة البول.
قال شيخنا القاضي أبو الفتح ﵀: ورجحنا المجاز، وإن كان الأصل الحقيقة؛ لوجهين:
أحدهما: لو كان المراد: العذاب على مجرد كشف العورة؛ لكان أمرًا خارجًا عن البول؛ لحصول العذاب على كشفها، وإن لم يكن [بول] (٢)، فتبقى خصوصية البول مطرحة عن الاعتبار، والحديث دال على خصوصية البول بعذاب القبر تصريحًا؛ فالحمل عليه أولى.
الثاني: أنَّ لفظة "من" من قوله ﷺ : "لا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ" حين أضيفت إليه؛ لابتداء الغاية حقيقة، أو مجازًا، المعنى ما يرجع إلى معنى ابتدائها، وهو أن عدم الاستتار بسبب العذاب إلى البول إذا هو ابتداء سببه من البول، وحمله على كشفها فقط، يزيل هذا المعنى (٣).
ورواه أبو داود: "لا يَسْتنزِهُ مِنَ البَوْلِ"، وهو رواية لمسلم (٤)، ورواه البخاري: "لا يَسْتبرِئُ مِنَ البَوْلِ" (٥)؛ وكلها تقوِّي ترجيح الاستنزاه منه، لا الاستتار.
стр. 138
ومعنى الاستبراء من البول، والاستنزاه منه: عدم اجتنابه، والتحرُّز منه؛ أي: لا يستفرغ بقيةَ بوله، وينقي موضعه ومجراه؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك، قد يخرج منه بعدَ الوضوء شيء، فينقضه، فيصلي بغير وضوء؛ ويكون الإثم فيه لأجل الصلاة.
ورُويَ: "يستتر" و"يستنثر" بالتاء المثناة، والمثلثة، وهما شاذتان، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "وأمَّا الآخَرُ فكانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، النميمةُ: نقلُ كلام الناس بعضِهم إلى بعض، على جهة الإفساد؛ وهي المحرَّمة، أمَّا إذا كان فعله النميمة: في ترك مفسدة، أو دفع ضرر، أو إيصال خبر يتعلق بالغير؛ لم تكن محرمة، ولا مكروهة، بل قد تكون واجبة، أو مستحبة، كما نقول في الغيبة، إذا كانت نصيحة لدفع مفسدة، أو تحصيلِ مصلحة شرعية، ولو أن شخصًا اطَّلع من آخر على قولِ، يقتضي إيقاعَ ضرر بإنسان، وإذا نقل ذلك القول إليه، احترز عنه؛ وجب عليه ذكره له.
قال أهل اللغة: يقال: نمَّ الحديثَ، ينُمُّهُ، وينِمُّهُ -بالكسر والضم-، نَمًّا، فهو نَمَّام، والاسم: النميمة، ونمَّ الحديثُ: إذا ظهر؛ فهو لازمٌ، ومتعدٍّ (١).
والجريدة: السَّعْفَةُ، وجمعها: جريد، والعسيبُ من الجريد: ما لم ينبت عليه الخوصُ، وما نبت عليه؛ فهو: السعفُ.
وأما شقها نصفين، وغرز كل واحد على قبر، وقوله ﷺ : "لعَلهُ يُخَفَّفُ عَنهُما ما لَم ييبسا"، فلأن النباتَ يُسبِّح ما دامَ رطبًا، فإذا حصلَ التسبيح بحضرةِ الميت، حصلتْ له بركتُه بالتخفيف عنه؛ فلهذا اختص بحالةِ الرُّطوبة.
أو لأنه ﷺ سأل الشفاعة لهما، ورجا إجابتَها، وارتفاعَ العذاب، أو تخفيفه عنهما مدَّةَ رطوبتهما؛ لبركة النبي ﷺ .
стр. 139
وقال الخطابي، وغيره: وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابسِ، قال: والعوام في كثير من البلاد يجعل الخوص في قبور موتاهم، كأنهم ذهبوا إلى هذا، وليس لفعلهم وجهٌ، هذا آخر كلامه (١).
وقد ذكر البخاريُّ في "صحيحه": أنّ بُريدة بنَ الحصيبِ الصَّحابي ﵁ أوصى: أن يجعل في قبره جريد (٢)؛ فلعلَّه تبرك بفعل يُفْعَل مثل فعل النبي ﷺ .
وقيل: لعله ﷺ أوحي إليه بذلك، وقيل: بل إنه ﷺ كان يدعو لهما مدة رطوبتهما.
واعلم أن العلماء اختلفوا في تسبيح اليابس:
فقال كثيرون، أو الأكثرون من المفسرين: لا يسبح، في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قالوا معناه: وإن من شيء حي، ثمَّ قالوا: فحياة كل شيء بحسبه؛ فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع.
وذهب المحققون من المفسرين إلى أنه: على عمومه، ثمَّ اختلف هؤلاء؛ هل يسبح حقيقة، أم تسبيحه أن فيه دلالةً على الصَّانع؛ فيكون مسبحًا منزِّهًا، بصورة حاله.
والمحققون: على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله : ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] فإذا كان العقل لا يحيل جعلَ التمييز فيها، وجاء النص به؛ وجبَ المصيرُ إليه.
واستحب العلماء من هذا الحديث: تلاوة القرآن عند القبر، قالوا: لأنه اذا
стр. 140
كان الميت ينتفع بالتخفيف عنه بغرز الجريد الرطب، إمَّا بتسبيحه ما دام رطبًا، أو يابسًا؛ فتلاوة القرآن من الإنسان أولى.
وأمَّا أحكامُ الحديث، وفِقْهه:
ففيه: إثبات عذاب القبر.
وفيه: تحريم النَّميمة، وأنها من الكبائر، وقال بعضهم: ليست من الكبائر؛ فيكون العذاب عليها تنبيهًا على أن التعذيب بالكبائر أولى، وتحذيرًا من الذنوب مطلقًا.
وفيه: دليل على التنزه من النجاسات، أو وجوب ستر العورة، على حسب ما تقدَّم.
وفيه: دليل المذهب الشَّافعي، في نجاسة الأبوال كلها؛ لشمول البول بالألف واللام، وهو عام يتناول جميع الأبوال.
وفيه: جواز ذكر الموتى، إذا كان في ذكرهم بالمعاصي مصلحة؛ وهي: تنفير الناس عن فعلهم.
وفيه: جواز تعيينهم بالذكر، وأن هذا الحديث مخصص؛ لعموم قوله ﷺ : "اذْكُروا مَحَاسِنَ مَوْتاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاؤِهمْ" (١)، ولا يجوز أن يقال: إن صاحبي القبر كانا كافرين، أو منافقين؛ لأنهما لو كانا كذلك، لم يدع لهما بما يُخفف العذاب، أو لم يَرْجُهُ لهما، ولو كان من خواصِّهِ في حقهما، لبيَّنَهُ، والله أعلم.
* * *
стр. 141
باب السِّواك
الحديث الأوَّل
عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لأَمَرْتهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (١).
أما أبو هريرة، فتقدم ذكره.
وأمَّا ألفاظه:
فكلمة "لولا": تدُل على انتفاء الشيء لوجود غيره؛ لأنها نفت وجوبَ السِّواك، لوجود المشقة.
والسِّواكُ: مشتق من التَّساوُك؛ وهو: التَّمايُل، والتردد؛ لأن الإنسان يردِّدُه في فيه ويدلكه، يقال: جَاءَتِ الإبلِ تَساوَكُ: إذا كانت أعناقُها تضطربُ من الهزالِ.
وقيل: هو مشتق من السَّوْك، وهو: الدلك، والسواك والمسواك: ما يُدلك به الفمُ من العيدان، ونحوِها، وساكَ فاه يسوكُه: إذا دلكَهُ، فإذا لم يذكر الفم، قلتَ: استاكَ، أو: تسوَّكَ.
والسواك: مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب، وذكر صاحب،"المجمل": أنه
стр. 142
يؤنث، ويذكر، وغلَّط الأزهريُّ الليثَ في التأنيث.
وجمع السواك: سُؤُك -بضمتين، الثانية مهموزة-، ويجوز إسكان الهمز؛ ككتاب، وكُتْب، وكُتُب، ونظائره (١).
وقوله: "عِنْدَ كُل صلاةٍ"، يجوز في لفظةِ "عِنْدَ" كسرُ العين، وفتحُها، وضمُّها؛ ثلاثُ لغات، حكاهن الجوهري في "صحاحه" (٢)، ومعناها: حضورُ الشيء، ودنوه، وهي: ظرفُ مكان وزمان؛ لا يدخل عليها من حروف الجر، إلا: (من)، وكسر العين: أفصح وأشهر.
وأمَّا أحكامه:
فاستدل به بعض أهل الأصول على أنَّ: الأمر للوجوب، ووجهُه: ما ذكرنا من دلالة لولا، ومعناها؛ فتدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة، والمنتفي لأجل المشقة؛ إنما هو: الوجوبُ، لا الاستحباب؛ لأنه ثابت عند كل صلاة؛ [فاقتضى أن] (٣) الأمر للوجوب، ولولا أن الأمر للوجوب، لم يكن لقوله ﷺ معنى؛ لأنه إذا أمر به، ولم يجب، كيف شق عليهم؟! فثبت أنه: للوجوب، ما لم يقمْ دليل على خلافه.
ومذهب جميع العلماء: استحبابهُ.
وحكى الشيخ أبو حامد، والماوردي، عن داود: الوجوب، لكن قال صاحب "الحاوي" عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة، وحكى عن إِسحق بن راهويه: أنه واجب، وأن تركه عمدًا يبطلها.
وأنكر المتأخرون من أصحاب الشافعي [عليهما] (٤) هذا النقل عن داود؛ بل
стр. 143
المنقول عنه: أنه سنَّة، ولو صح، لم يكن خارقا للإجماع.
وفيه: دليل على أن المندوب ليس مأمورًا به، وفيه خلاف للأصولين.
وفيه: دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ، فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار عندهم.
وفيه: بيان ما كان عليه ﷺ من الشفقة والرفق بأمته.
وفيه: دليل على استحبابه عند كل صلاةٍ؛ سواء كانت فريضة، أو نافلة، متكررة في زمان؛ كالتراويح، والضحى، أو متفرقة؛ كالفرائض، وتحية المسجد، وسنة الوضوء.
والسرُّ في ذلك: أنَّا مأمورون -في كل حال من أحوال التقرب إلى الله تعالى-، أنْ نكونَ على حالة كمال، ونظافة؛ شرفًا للعبادة، وقد قيل: إن ذلك الأمر هنا متعلق بالملائكة؛ فإن الملَكَ يضع فاه على فم القارئ، وهو يتأذى ممَّا يتأذى منه بنو آدم؛ من الرائحة الكريهة؛ فسنَّ له السواك لأجلِ ذلك.
وفيه: دليل بعمومه، على استحبابه للصلاة الواقعة بعد الزوال للصائم، وهو قول الشافعي، حكاه عنه الترمذي، وغيره: أنه لا يكره في وقت من الأوقات.
وقال أبو يعقوب البويطي في "كتابه" عن الشافعي، وهو من كتبه الجديدة في كتاب الصيام: ولا بأس بالسواك للصائم في الليل والنهار (١)، والذي نصَّ عليه في "مختصر المزني" (٢)، وعليه جمهور أصحابه: كراهتُه له بعد الزوال، لكن جمهور العلماء على خلافه.
стр. 144
فثبت عن الشَّافعي ثلاثة نصوص: الكراهة، وعدمها، وأنه لا بأس به.
وما استدل به للكراهة من القياس على دم الشهيد، من أنَّه لا يُزالُ عن الميت حرف أصفر لكونه ميتًا، زال عنه التكليف، وإبقاؤه متعلق بالأحياء المكلفين؛ ليكون علامة له يوم القيامة، وشهادةً له على بيعِه نفسَه لله تعالى، في كون الخلوف من الرائحة الكريهة للصائم بعد الزوال غالبًا لا ينبغي إزالتها؛ لأنَّها أطيبُ من ريح المسك عند الله تعالى، وما هو عند الله، لا يتصور زواله، مردود بكون الشيء الواحد له حكمان عند الله تعالى:
أحدهما: بالنسبة إلى الدنيا، والثَّاني: بالنسبة إلى الآخرة.
فالخلوف، وإن كان طَيبًا عند الله؛ فالمراد: رِضا الله تعالى عنه، وقبوله لفعل العبد، وثناؤه عليه، ولا شك أن ذلك ثابت في الدنيا والآخرة.
وأمَّا أنَّه لا يزال في حكم الدنيا؛ لما يترتب عليه من الأذى به للصائم، ومن جالسه؛ من الملائكة، والآدميين؛ فلا، كيف وقد قال ﷺ : "السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" (١)؟! وعمومُ قوله ﷺ الحثّ عليه عند كلِّ صلاة.
مع أن الخلوف إنما هو عبارة عن الرائحةِ الكريهةِ الناشئة عن خلو المعدة من الطعام والشراب، والسواك لا يزيلها؛ وإنَّما يخفف آثار ريحها في الفم.
مع أنه ثبت في "صحيح [ابن حِبَّان"، وغيره: أن النبي ﷺ ] (٢) قال: "لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القيَامَة مِنْ رِيحِ المِسْكِ" (٣)، والمطلق
стр. 145
يحمل على المقيد؛ بالنسبة إلى الأحكام، لا بالنسبة إلى ما عند الله تعالى؛ فإنه مطلق غيرُ مقيد؛ فاستوى هو ودم الشهيد؛ في كونهما موصوفين بالأطيبية يوم القيامة.
فأمَّا حكم دم الشهيد في الدنيا: بالنجاسة إجماعًا، وهي محرمة بالاتفاق على المكلفين؛ فكذلك حكم الخلوف في الدنيا: الكراهة، وهو مكروه الإبقاء مع وجود التكليف، كيف وهو غير متصور الزوال، والسواك يخفف آثاره؟!
فاستويا في الدنيا في: كونهما أطيبين عند الله -بالمعنى الَّذي ذكرناه- في الدنيا، وفي يوم القيامة، ويزالان عن المكلفين في الدنيا؛ أحدهما: وجوبًا، والآخر: استحبابًا.
وتكون فائدة الحديثين؛ في دم الشهيد، والخلوف: الحث على طلب القتل؛ للشهادة، وعلى الصوم؛ الحامل على كسر النفس، ومعرفة نعم الله تعالى في الشبع وغيره، ورؤية فضل الله تعالى، وطلب ثوابه؛ لا إزالة الخلوف، والله أعلم.
وفيه: استحباب السواك لكل صلاة؛ سواء كانَ المصلي متطهرًا بالماء، أو التُّراب، أو عادمهما.
وفيه: استحبابه لصلاة الجنازة، ولركعة الوتر، والمنذورة.
ثمَّ إن السواك: آلة لإزالة ما يكره، في الفم -غالبًا-، وقد يستعمل حيث لا يوجد فيه ما يكره؛ فتكون عبادة محضة، وقد بنوا على ذلك مسألتين:
إحداهما: أخذ السواك لاستعماله في الفم، هل يكون باليد اليمنى، أو باليسرى؟
نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀: أنَّ المستحب أخذُه باليسرى؛ وكأنه نظر إلى أنه آلة لإزالة أذى، فكان باليسرى؛ كآلة الاستجمار.
ومن نظر أن فيه تعبدًا؛ حيث أمر فيه، ولا إزالة، قال: يكونُ أخذُه باليمنى؛ وكأنَّه جعله من باب التكريم؛ فأشبه الأكل والشرب.