← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

باب السِّواك الحديث الأوَّل عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لأَمَرْتهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ" (١). أما أبو هريرة، فتقدم ذكره. وأمَّا ألفاظه: فكلمة "لولا": تدُل على انتفاء الشيء لوجود غيره؛ لأنها نفت وجوبَ السِّواك، لوجود المشقة. والسِّواكُ: مشتق من التَّساوُك؛ وهو: التَّمايُل، والتردد؛ لأن الإنسان يردِّدُه في فيه ويدلكه، يقال: جَاءَتِ الإبلِ تَساوَكُ: إذا كانت أعناقُها تضطربُ من الهزالِ. وقيل: هو مشتق من السَّوْك، وهو: الدلك، والسواك والمسواك: ما يُدلك به الفمُ من العيدان، ونحوِها، وساكَ فاه يسوكُه: إذا دلكَهُ، فإذا لم يذكر الفم، قلتَ: استاكَ، أو: تسوَّكَ. والسواك: مذكر، قال الليث: وتؤنثه العرب، وذكر صاحب،"المجمل": أنه

стр. 142

يؤنث، ويذكر، وغلَّط الأزهريُّ الليثَ في التأنيث. وجمع السواك: سُؤُك -بضمتين، الثانية مهموزة-، ويجوز إسكان الهمز؛ ككتاب، وكُتْب، وكُتُب، ونظائره (١). وقوله: "عِنْدَ كُل صلاةٍ"، يجوز في لفظةِ "عِنْدَ" كسرُ العين، وفتحُها، وضمُّها؛ ثلاثُ لغات، حكاهن الجوهري في "صحاحه" (٢)، ومعناها: حضورُ الشيء، ودنوه، وهي: ظرفُ مكان وزمان؛ لا يدخل عليها من حروف الجر، إلا: (من)، وكسر العين: أفصح وأشهر. وأمَّا أحكامه: فاستدل به بعض أهل الأصول على أنَّ: الأمر للوجوب، ووجهُه: ما ذكرنا من دلالة لولا، ومعناها؛ فتدل على انتفاء الأمر لوجود المشقة، والمنتفي لأجل المشقة؛ إنما هو: الوجوبُ، لا الاستحباب؛ لأنه ثابت عند كل صلاة؛ [فاقتضى أن] (٣) الأمر للوجوب، ولولا أن الأمر للوجوب، لم يكن لقوله ﷺ معنى؛ لأنه إذا أمر به، ولم يجب، كيف شق عليهم؟! فثبت أنه: للوجوب، ما لم يقمْ دليل على خلافه. ومذهب جميع العلماء: استحبابهُ. وحكى الشيخ أبو حامد، والماوردي، عن داود: الوجوب، لكن قال صاحب "الحاوي" عنه: إن تركه لا يبطل الصلاة، وحكى عن إِسحق بن راهويه: أنه واجب، وأن تركه عمدًا يبطلها. وأنكر المتأخرون من أصحاب الشافعي [عليهما] (٤) هذا النقل عن داود؛ بل

стр. 143

المنقول عنه: أنه سنَّة، ولو صح، لم يكن خارقا للإجماع. وفيه: دليل على أن المندوب ليس مأمورًا به، وفيه خلاف للأصولين. وفيه: دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ ، فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وهو مذهب الفقهاء، وأصحاب الأصول، وهو الصحيح المختار عندهم. وفيه: بيان ما كان عليه ﷺ من الشفقة والرفق بأمته. وفيه: دليل على استحبابه عند كل صلاةٍ؛ سواء كانت فريضة، أو نافلة، متكررة في زمان؛ كالتراويح، والضحى، أو متفرقة؛ كالفرائض، وتحية المسجد، وسنة الوضوء. والسرُّ في ذلك: أنَّا مأمورون -في كل حال من أحوال التقرب إلى الله تعالى-، أنْ نكونَ على حالة كمال، ونظافة؛ شرفًا للعبادة، وقد قيل: إن ذلك الأمر هنا متعلق بالملائكة؛ فإن الملَكَ يضع فاه على فم القارئ، وهو يتأذى ممَّا يتأذى منه بنو آدم؛ من الرائحة الكريهة؛ فسنَّ له السواك لأجلِ ذلك. وفيه: دليل بعمومه، على استحبابه للصلاة الواقعة بعد الزوال للصائم، وهو قول الشافعي، حكاه عنه الترمذي، وغيره: أنه لا يكره في وقت من الأوقات. وقال أبو يعقوب البويطي في "كتابه" عن الشافعي، وهو من كتبه الجديدة في كتاب الصيام: ولا بأس بالسواك للصائم في الليل والنهار (١)، والذي نصَّ عليه في "مختصر المزني" (٢)، وعليه جمهور أصحابه: كراهتُه له بعد الزوال، لكن جمهور العلماء على خلافه.

стр. 144

فثبت عن الشَّافعي ثلاثة نصوص: الكراهة، وعدمها، وأنه لا بأس به. وما استدل به للكراهة من القياس على دم الشهيد، من أنَّه لا يُزالُ عن الميت حرف أصفر لكونه ميتًا، زال عنه التكليف، وإبقاؤه متعلق بالأحياء المكلفين؛ ليكون علامة له يوم القيامة، وشهادةً له على بيعِه نفسَه لله تعالى، في كون الخلوف من الرائحة الكريهة للصائم بعد الزوال غالبًا لا ينبغي إزالتها؛ لأنَّها أطيبُ من ريح المسك عند الله تعالى، وما هو عند الله، لا يتصور زواله، مردود بكون الشيء الواحد له حكمان عند الله تعالى: أحدهما: بالنسبة إلى الدنيا، والثَّاني: بالنسبة إلى الآخرة. فالخلوف، وإن كان طَيبًا عند الله؛ فالمراد: رِضا الله تعالى عنه، وقبوله لفعل العبد، وثناؤه عليه، ولا شك أن ذلك ثابت في الدنيا والآخرة. وأمَّا أنَّه لا يزال في حكم الدنيا؛ لما يترتب عليه من الأذى به للصائم، ومن جالسه؛ من الملائكة، والآدميين؛ فلا، كيف وقد قال ﷺ : "السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" (١)؟! وعمومُ قوله ﷺ الحثّ عليه عند كلِّ صلاة. مع أن الخلوف إنما هو عبارة عن الرائحةِ الكريهةِ الناشئة عن خلو المعدة من الطعام والشراب، والسواك لا يزيلها؛ وإنَّما يخفف آثار ريحها في الفم. مع أنه ثبت في "صحيح [ابن حِبَّان"، وغيره: أن النبي ﷺ ] (٢) قال: "لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القيَامَة مِنْ رِيحِ المِسْكِ" (٣)، والمطلق

стр. 145

يحمل على المقيد؛ بالنسبة إلى الأحكام، لا بالنسبة إلى ما عند الله تعالى؛ فإنه مطلق غيرُ مقيد؛ فاستوى هو ودم الشهيد؛ في كونهما موصوفين بالأطيبية يوم القيامة. فأمَّا حكم دم الشهيد في الدنيا: بالنجاسة إجماعًا، وهي محرمة بالاتفاق على المكلفين؛ فكذلك حكم الخلوف في الدنيا: الكراهة، وهو مكروه الإبقاء مع وجود التكليف، كيف وهو غير متصور الزوال، والسواك يخفف آثاره؟! فاستويا في الدنيا في: كونهما أطيبين عند الله -بالمعنى الَّذي ذكرناه- في الدنيا، وفي يوم القيامة، ويزالان عن المكلفين في الدنيا؛ أحدهما: وجوبًا، والآخر: استحبابًا. وتكون فائدة الحديثين؛ في دم الشهيد، والخلوف: الحث على طلب القتل؛ للشهادة، وعلى الصوم؛ الحامل على كسر النفس، ومعرفة نعم الله تعالى في الشبع وغيره، ورؤية فضل الله تعالى، وطلب ثوابه؛ لا إزالة الخلوف، والله أعلم. وفيه: استحباب السواك لكل صلاة؛ سواء كانَ المصلي متطهرًا بالماء، أو التُّراب، أو عادمهما. وفيه: استحبابه لصلاة الجنازة، ولركعة الوتر، والمنذورة. ثمَّ إن السواك: آلة لإزالة ما يكره، في الفم -غالبًا-، وقد يستعمل حيث لا يوجد فيه ما يكره؛ فتكون عبادة محضة، وقد بنوا على ذلك مسألتين: إحداهما: أخذ السواك لاستعماله في الفم، هل يكون باليد اليمنى، أو باليسرى؟ نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀: أنَّ المستحب أخذُه باليسرى؛ وكأنه نظر إلى أنه آلة لإزالة أذى، فكان باليسرى؛ كآلة الاستجمار. ومن نظر أن فيه تعبدًا؛ حيث أمر فيه، ولا إزالة، قال: يكونُ أخذُه باليمنى؛ وكأنَّه جعله من باب التكريم؛ فأشبه الأكل والشرب.

стр. 146

المسألة الثانية: يستحب البداءة بالجانب الأيمن من الفم بالسواك؛ لاجتماع الأمرين؛ لأنَّا إِنْ نظرْنا إلى الإزالة، أو إلى التكريم، كان الأيمنُ أولى، والله أعلم. ثم اعلم: أن السواكَ مستحبٌّ في جميع الأوقات والحالات، إلا ما تقدَّم من كراهته بعد الزوال للصائم على المشهور من قول الشافعي ﵀، ووجوبه عَمَّن ذكرنا [من العلماء] (١). ويتأكد الأمر به في مواضع: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغيرِ الفم -ويكون بأشياء منها ترك الأكل والشرب؛ يعني: في غير صوم؛ وإلا فيتناقض الاستحباب المؤكد، والكراهة للصائم بعد الزوال-، وعند أكل ما له رائحة كريهة، وعند طول السكوت وعند كثرة الكلام. ثمَّ إن السواك ينبغي أنْ يكونَ بعود من أراك؛ لحديث ورد فيه، وفيه منافع كثيرة، ذكرها العلماء (٢)، وغيرهم؛ وهو المتعارف بالاستياك بالحجاز. قال أصحابُ الشافعي ﵏: وبأي شيء استاك -مما يزيل التغير- حصل؛ كالخرقة الخشنة، وبالسَّعْدِ، والأسنان، ونحوها، وأمَّا الإصبع اللينة؛ فلا يحصل الاستياك بها، وفي الخشنة ثلاثة أوجه: المشهور: لا يحصل أيضًا، والثاني: يحصل، والثالث: يفصل بين وجدان غيرها؛ فلا يحصل، وبين ألا يجد؛ فيحصل. ثم إن السواك يُستحبُّ أَنْ يكونَ متوسطًا بين اليبوسة، والليونة؛ لئلا يجرح، أو لا يحصل به إزالة. ويُستحب أَنْ يستاك بعرض الأسنان لا بعرض الفم؛ لئلا يدمي لحم أسنانه؛ فينجس فمه؛ فتبطل صلاته معه، أو يبتلعه، فيفطر إن كان صائمًا، فلو استاك بعرض الفم: حصل الاستياك مع الكراهة. ويُستحبُّ إمرارُ السواك على طرفِ

стр. 147

لسانه، وكراسي أضراسه، وسقفِ حلقه إمرارًا لطيفًا. ويستحب أنْ يُعوَّدَ الصبيانُ السواك، ويُؤْمَرُوا به؛ كالصلاة. ويجوز استعمال سواك غيره بإذنه، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَن حُذَيفَةَ بنِ اليمانِ ﵄ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ" (١). أمَّا حذيفة: فهو صحابي، وأبوه صحابي أيضًا، وتقدم أنَّ اليماني يكتب (بالياء) في ترجمة عبد الله بن عَمْرِو بن العاصِ، والكلام عليه، وهو: حُذَيْفَةُ بنُ اليمانِ، واسمه: حُسَيل -بضم الحاء، وفتح السين المهملتين، ثم الياء، ثم اللام- تصغير: حِسْل -بكسر الحاء، وإسكان السين- ويقال فيه: غير مصغر: حِسْل. واليَمانُ: لقبٌ، ولُقِّبَ به؛ لأنَّ جدَّ جدِّه: جِروة -بكسر الجيم- أصاب دمًا في قومه، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل؛ فسمَّاه قومه: اليَمَان؛ لأنَّه حالفَ اليمانية، فلقب بلقبه ابنُ جابرِ بنِ عَمْرِو بنِ ربيعةَ بنِ جروةَ ابنِ الحارثِ بنِ مازنِ بنِ قطيعةَ بنِ عبسِ بنِ بغيضِ بنِ رشيب بنِ غطفانَ بنِ سعدِ بنِ قيسِ عَيْلان بنِ مُضَرَ بنِ نزارٍ، حليفُ بني عبدِ الأشهل. يُكَنَى أبا عبدِ الله، وحكى أبو حاتم بن حِبَّان: أنَّه يقال في كنيته: أبو سريحة، ويقال في نسبته: عبسيٌّ قطعيٌّ، وهو من حُلفَاءِ الأنصارِ. وأُمُّه اسمها: الرَّبَابُ بنتُ كعبِ بنِ عَدِيِّ بنِ كعبِ (٢) بنِ عبدِ الأَشْهَل.

стр. 148

شهدَ حذيفةُ وأبوه مع رسول الله ﷺ أُحدًا، وقُتِلَ أَبُوه يومئذٍ، قَتَلَه المسلمون خطأً، وكانا أرادَا أَنْ يشهدَا بدرًا، فاستحلَفهما المشركون ألَّا يَشْهَدا مع رسول الله ﷺ ، فحلفا لهم، ثمَّ سَألا النبيَّ ﷺ ، فقال: "نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ" (١)، وكان حذيفةُ مِمَّنْ هَاجَرَ إلى النبيِّ ﷺ ، وكان له أخٌ اسمُه: صفوان، شَهِدَ معهما أحدًا. وكانَ حُذيفَةُ من كبارِ أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وهو الَّذي بَعَثَه رسولُ الله ﷺ ينظرُ إلى قريشٍ يومَ الخندق؛ فجاءَ بخبرِ رَحيلِهم. وكان عُمَرُ بنُ الخطابِ ﵁ يسألُه عن المنافقين، وهو المعروفُ في الصحابة بصاحبِ سرِّ رسولِ الله ﷺ ، وكان عُمَرُ ينظرُ إليه عندَ موتِ مَنْ ماتَ منهم؛ فإنْ لم يشهدْ جنازتَه، لم يشهدْهَا عُمَرُ. وكان يقولُ حذيفةُ: خيَّرني رسولُ الله ﷺ بين الهجرة، والنصرة، فاخترت النصرة (٢)، وقال حذيفةُ ﵁: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشرِّ؛ مخافة أَنْ يدركني (٣). وقال عليٌّ ﵁: كان حذيفةُ أعلمَ أصحابِ محمدٍ ﷺ بالمنافقين (٤)، وروى عنه: أنه سأله عمر عن الأمارات التي بين يدي الساعة من يعقلُها عن رسول الله ﷺ ؟ فقال: أنا، فقال له عمر: هات، فلعمري إنَّك عليها لحريٌّ، ثم ذكر له منها (٥).

стр. 149

(١) وسئل حذيفة ﵁: أيُّ الفتنِ أشدُّ؟ قال: أَنْ يُعرضَ عليك الخيرُ والشرُّ، فلا تدري أَيَّهما تركت (٢). وقال حذيفةُ: لا تقومُ الساعةُ حتى يسودَ كلَّ قبيلةٍ منافِقُوها (٣). وقال أبو عمر بنُ عبدِ البر: وشهد حذيفة "نهاوند"، فلمَّا قُتِلَ النعمانُ ابنُ مُقَرِّنٍ (٤)، أخذَ الرايةَ، وكان فتحُ نهاوند، والري، والدينور على يد حذيفة، وكانت فتوحُه كلُّها سنةَ: اثنتين وعشرين. رُوَي له عن رسول الله ﷺ أحاديثَ لم يذكرْ عدتها بَقِيُّ بنُ مخلَدٍ، وذكر صاحب "الجمع بين الصحيحين" عدة ما له فيهما، فقال: اتفقا على: اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاريُّ: بثمانية، ومسلم: بسبعة عشر، والله أعلم. روى عنه جماعةٌ من الصحابة: عمارُ بن ياسر، وجُنْدُبُ بنُ عبد الله، وعبدُ الله بن يزيدَ الخطميُّ، وأبو الطفيل عامرُ بنُ واثلةَ الليثيُّ، وعبدُ الله بن عكيمٍ الجهنيُّ، وخلائق كثيرون من التابعين. وولاه عمر "المدائن"، ومات بها سنة ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة في أول خلافة علي، وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين، والأوَّل أصح، وقال أبو عمرو: وكان موته بعد أن نُعيَ عثمان إلى الكوفة، وكان حذيفة سكن الكوفة. قال أبو حاتم بن حِبَّان: وكان فصُّ خاتمه ياقوتة استمانحونية، فيها كوكبان متقابلان، بينهما مكتوب: الحمد لله، قال: كذا قاله جرير، عن الأعمش، عن

стр. 150

موسى بن عبد الله بن بريد (١)، عن أمِّ سلمة بنت حذيفة (٢). وأمَّا قوله: "يَشُوصُ فاهُ بالسِّوَاكِ" فهو بفتح الياء، وضم الشين المعجمة، وبالصاد المهملة. ومعناه: يغسل فاهُ بالسواك، قاله الهروي، وغيره. يقال: شَاصَه يشُوصُه، وماصَه يموصُه؛ إذا غَسَلَه، والشَوْصُ أيضًا: دَلْكُ الأسنانِ بالسِّوَاك عرضا، قاله ابن الأعرابي، وإبراهيم الحربي، والخطابي، وغيرهم. وقيل: هو التنقية، ذكره أبو عبيد، والداوديُّ، وكل ذلك متقارب (٣). وتخصيص الذكر للشوص، بالليل؛ يقتضي: تعليقَ الحكم بمجرد القيام مطلقًا. وقيل: يقتضي: تخصيصَه بالقيام للصلاة بالليل. وفي الحديث دليل على: استحباب السواك في حال القيام من النوم، وعلته: أنَّ النومَ مقتضٍ لتغير الفم، وهو لتنظيف الفم؛ فسنَّ لاقتضاء التغير، وإذا كان كذلك؛ فلا فرق بين: نوم الليل، والنهار، فتخصيصه بالليل؛ للغلبة، أو لكون تغير الفم فيه أكثر، والله أعلم.

стр. 151

ولفظ الحديث في رواية البخاري ومسلم: "كانَ إِذا استيقظَ منَ النوم" (١)؛ فيعم النومَ فيهما. * * * الحديث الثالث عن عَائشِةَ ﵂ قالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ ﵄ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إلَى صدْرِي، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ، يَسْتَنُّ بِه؛ فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَظَرَهُ؛ فَأَخَذْتُ السِّوَاكَ، فَقَضَمْتُهُ، وَطَيَّبْتُهُ، ثم دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَنَّ اسْتِنَانًا أَحْسَنَ مِنْهُ، فَمَا عَدَا أَنْ فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَفَعَ يَدَهُ، أَوْ إصْبَعَهُ، ثُمَّ قالَ: "في الرَّفِيقِ الأَعْلَى"، ثَلاثًا، ثُمَّ قَضَى، وكانَتْ تَقُولُ: مَاتَ بين حَاقِنَتِي وذَاقِنَتِي" (٢). وفي لفظ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيْه، وَعَرَفْتُ أنَّه يُحِبُّ السِّوَاك، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ؛ أَنْ: نَعَمْ. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ (٣). أَمَّا عائِشَةُ ﵂: فتقدَّم ذكرُها. وأمَّا عبد الرحمن بن أبي بكر، فهو أخوها لأبويها، وهو: أسَنُّ أولادِ الصديق ﵄، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمَّد. وشهد بدرًا، وأُحُدًا مع الكفار، ثُمَّ أسلم في هُدْنة الحديبية، وحَسُن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وصحب النبي ﷺ هو وفتية من قريش. وكان اسمه: عبد الكعبة، فغيره رسول الله ﷺ وسماه: عبد الرحمن. وكان من أشجعِ رجالِ قريشٍ، وأرماهم لسهمٍ، وحضر اليمامةَ مع خالد بن

стр. 152

الوليد، فقتلَ سبعةً من كبارهم، وهو الَّذي قتلَ محكم اليمامة ابن طفيل؛ رماه بسهمٍ في نَحْرِه، فقتله. رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ ثمانيةُ أحاديثَ، اتفقا على ثلاثة، روى عنه جماعةٌ من التابعين، وروى له جماعةٌ من أصحاب السُّنَن، والمساند. مات بـ "الحبشي"؛ وهو: جبل بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: نحو عشرة أميال، ثُمَّ حُمل على رقاب الرجال إلى مكة، وقال أبو حاتم بن حبان: مات بالحبشة، وهو غلط. وكانت وفاته سنةَ: ثلاثٍ وخمسين، وهو الأكثر، وقيل: خمسٍ وخمسين، وقال أبو حاتم: سنة ثمان وخمسين، قبلَ عائشة، قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: إنَّه توفي في نومة نامها، فلما اتصل موته بأخته عائشة أم المؤمنين ﵄ ظعنت من المدينة حاجَّة، حتى وقفت على قبره، وكانت شقيقته، فبكت عليه وتمثَّلَت: وكُنَّا كَنُدْمَاني جذيمةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنا كأَنِّي ومَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نبَتْ لَيْلَةً مَعَا أما واللهِ لو حضرتُك لدفنتُكَ حيثُ مِتَّ مكانَك، ولو حضرتُك ما بكيتُك، والله أعلم (١). وأمَّا ألفاظه: فقولها: "إِنَّهُ كَانَ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ"؛ أي: بعودٍ من أَرَاكٍ. والاسْتِنَان: استعمالُ السواك، وهو افتعالٌ من الأسنان؛ أي: يمره عليها. وكان مسواكُ رسول الله ﷺ تارةً من أَراك، وتارة من جَريد النخل.

стр. 153

قولها: "فَأَبَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَظَرَهُ"؛ أي: نظر إليه طويلًا. يقال: أَبَدْتُ فلانًا النَّظر؛ إذا طولته إليه، فكأن أصله من معنى التَّبْديد، الَّذي هو التفريق؛ وكأنَّه ﷺ أعطاه مدَّته من النظر؛ أيْ: حظَّه (١). وقولُها: "فَقَضَمْتُهُ وطَيَّبْتُهُ"؛ أَيْ: مضغتهُ بأَسَناني وَلَيَّنْتُهُ. وقولها: "بَيْنَ حاقِنَتي، وذَاقِنتي"؛ الحاقِنَةُ: الوَهْدَة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق. والذاقنة: الذقنُ، وقيل: طرفُ الحلقوم، وقيل: ما ينالُه الذقنُ من الصدر. والحواقنُ: جمع حاقنة؛ وهي: أسافلُ البطنِ أيضًا، وقيل في الذاقنة: أعالي البطن؛ فكان المراد: بحقن الطعامِ؛ أَيْ: يجمعه (٢)، ومنه المِحْقنة -بكسر الميم-: التي يحتقن بها، ومن كلام العرب: لأجمعنَّ بين حواقنِك، وذواقنِك (٣). وقوله ﷺ : "في الرَّفيقِ الأَعْلى": يجوزُ أَنْ يكونَ إشارةً منه ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]؛ فيكون معناه: الأعلى من نوع البشر. وقد صنَّفَ السهيلي صاحبُ "الرَّوْضِ الأُنُف" كتابًا في مبهمات القرآن، وذكر أنَّ المُنْعَمَ عليهم؛ الَّذين أُمرنا بسؤال أنْ نهدى صراطهم، في الفاتحة؛ هم: في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، الآية في سورة النساء (٤).

стр. 154

وقال شيخُنا القاضي أبو الفتح ﵀: ويجوزُ أَنْ يكونَ الأعلى من الصفات اللازمة؛ التي ليس لها مفهوم يخالف المنطوق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٧]؛ وليس ثمَّ داعٍ (١) إلهًا آخر له به برهان (٢). وكذلك ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]؛ ولا يكونُ قتلُ النبيين، إلَّا بغيرِ الحقِّ. فيكونُ الرفيقُ لم يطلقْ الأعلى؛ إلا على الَّذي اختصَّ الرفيقُ به، ويقوِّي هذا ما ورد في بعض الروايات: "وأَلْحِقْني بالرَّفيقِ" (٣)، ولم يصفه بالأعلى؛ وذلك دليل: أنَّه المراد بلفظة الرفيق، ويحتمل أن يعم الأعلى، وغيره. ثم ذلك على وجهين: أحدهما: أَنْ يُخَصَّ الفريقان معًا، بالمقربين المرضيِّين، ولا شكَّ أَنَّ مراتبَهم متفاوتةٌ؛ فيكون ﷺ طَلَبَ أَنْ يكونَ في أعلى مراتب الرفيق؛ وإِنْ كانَ الكلُّ من السعداءِ المرضيِّين. الثَّاني: أنَّه يُطْلَقُ الرفيقُ، بالمعنى الوضعي؛ الَّذي يعمُّ كلَّ رفيق، ثمَّ يخص منه الأعلى بالطلب؛ وهو مطلق المرضيين؛ ويكونُ الأَعْلَى بمعنى: العَالِي، ويخرج عنه غيرهم، وإن كانَ اسمُ الرفيقِ منطلقًا عليهم. ويُروَى أنَّ عُمَر بنَ عبدِ العزيزِ ﵁ لمَّا حَضَرتْه الوفاةُ، قال: أجلسوني، فأجْلَسُوه، فقال: أنا الَّذي أَمرْتَني فَقَصَّرْتُ، ونَهَيْتَني فَعَصيْتُ، ولكن لا إلهَ إلَّا الله، ثمَّ رَفَعَ رأسَه، فأمدَّ النَّظَرَ، ثمَّ قال: إِنِّي لأَرَى حضرةً ما هم بإنسٍ، ولا جنٍّ، ثمَّ قُبِضَ (٤).

стр. 155

قلت: وما ذكر من المجوزات في الرفيق الأعلى، هو إذا لم يكن فيه بيان منه ﷺ ؛ وقد ثبت البيان فيه من حديثِ عائشةَ ﵂، قالت: أُغْمِيَ على رسولِ الله ﷺ ، ورَأْسُه في حِجْرِي، فَجَعَلْتُ أَمْسَحُه، وأدعُو له بالشفاءِ، فلمَّا أفاقَ، قال ﷺ : "لا، بل أسألُ اللهَ الرفيقَ الأَعلَى، مع جبريلَ، وميكائيلَ، وإسرافيلَ"، رواه أبو حاتم بنُ حِبَّان في "تقاسيمه وأنواعه" بإسناد الصحيح (١)، والله أعلم. وفي الحديث: دخول أقارب الزوجة على الزوج في مرضه، وغيره. وفيه: استياك بالسواك الرطب، وقال بعض الفقهاء: إن الأخضرَ لغير الصائمِ أحسنُ، وإِنْ كانَ يابسًا؛ استحب أَنْ يكونَ قد نُدِّيَ بالماء. وفيه: إصلاحُ السواك، وتهيئتُه للاستياك. وفيه: الاستياكُ بسواك الغير. وفيه: العملُ بما يفهم من الإشارة، والحركات. وفيه: جوازُ أَنْ يكونَ الَّذي قربت وفاته جالسًا مستندًا إلى زوجته، ونحوها ممن يعز عليه، ولا يشترط أن يوجه إلى القبلة على جنبه الأيمن، أو على قفاه على العادة. وفيه: نقل أحواله ﷺ إلى أمته كلها؛ لتتبع، والله أعلم. * * *

стр. 156

الحديث الرابع عن أَبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، وَهُوَ، يَسْتَاكُ بِسِوَاكٍ، قالَ: وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ؛ يَقُولُ: "أُعْ أُعْ"، والسِّوَاكُ في فِيهِ؛ كأنَّه يَتَهَوَّعُ" (١). أمَّا أبو موسى: فاسمه عبدُ الله بنُ قيسِ بنِ سليمِ بنِ حصَارِ بنِ حَرْبِ بنِ عامرِ بنِ غنمٍ. ويقال في نسبه غير هذا. وهو الأشعري: نسبة إلى الأشعر -رأسه نبت- بنُ أددِ بنِ زيدِ بنِ يشجبَ بنِ يعربَ بنِ قحطان. وكان أبو موسى، وأبو عامر، وأبو بردة، وأبو رهم بنو قيس، إخوة أربعة، أسلموا كلهم في موضع واحد، صحابيون. وكان أبو موسى حليفًا للنبي ﷺ ، واختلف فيمن حالف منهم: فقال الواقديُّ: حالف بعد قدومه مكة مع إخوته في جماعة الأشعريين أبا أحيحةَ سعيدَ بنَ العاصي [من بني أمية] (٢)، وأمية، ثم أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى أرض الحبشة. وقال ابنُ إسحاق: هو حليفُ آل عتبةَ بنِ ربيعةَ؛ ذكره فيمن هاجر من حلفاء بني عبد شمس إلى الحبشة. واختلف في هجرة أبي موسى وقومه إلى أرض الحبشة: فقال جماعةٌ من أهلِ السِّير، والنَّسب: لمَّا قدم مكة، وحالف مَنْ حالف،

стр. 157

انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجرْ إليها، ثمَّ قدمَ مع إخوته، فصادف قدومُه قدومَ السفينتين من الحبشة. وقال أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البرِّ: الصحيح أنَّه لم يهاجرْ إليها؛ وإنَّما رجع بعد الفتنة إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين، نحو خمسين رجلًا في سفينة؛ فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة، وافَوا خروج جعفر وأصحابه منها، وأتوا معهم، وقدمت السفينتان معًا: سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه على النبي ﷺ في خيبر. وقيل: إِنَّهم أقاموا بالحبشة بعد رمي الريح لهم إليها مدة، ثمَّ خرجوا منها بعد خروج جعفر، فذكروا فيمن هاجر إليها، والله أعلم. وولَّى رسول الله ﷺ أبا موسى على "زبيد"، و"عدن" و"ساحل اليمن"، واستعمله عمر على "الكوفة" و"البصرة"، وشهد وفاة أبي عبيدة (١) بـ "الأردن"، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية. رَوِيَ له عن رسول الله ﷺ : ثلاثُ مئةٍ وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على: خمسين حديثًا، وانفرد البخاري: بأربعة، ومسلم: بخمسة عشر، وروى له أصحاب السنن، والمساند، وروى عنه من الصحابة: أنس بن مالك، وخلق كثير من التابعين. وقال فيه رسول الله ﷺ : "لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد" (٢)، وسُئل علي ﵁ عن موضع أبي موسى من العلم؛ فقال: صبغ في العلم صبغة (٣)، وكان عمر إذا رآه، قال: أذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده (٤).

стр. 158

وقال الشَّعبي: كان القضاةُ أربعةً: عمرُ بنُ الخطابِ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو موسى ﵃ (١). ورُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ استغفر له؛ فقال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ مُدْخَلًا كَرِيمًا" (٢). مات بمكة، ودفن بها، وقيل: بالكوفة، ودفن بالثوية، على ميلين منها، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: اثنين وخمسين، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً ﵀، ورضي عنه- (٣). وأمَّا ألفاظه: فقولُه: "يقولُ: أُعْ أُعْ". هو بضم الهمزة، وسكون العين المهملة، ورواه النسائي: "عا عا" (٤). ومعناه: يَتَهَوَّعُ؛ أي: يتقيأُ؛ فكأنَّه يتهوع، أيْ: له تصويت كتصويت المتهوِّع الَّذي يتقيأ؛ لا أنَّه يتقيأ، والله أعلم. وفي الحديث: الاستياكُ على اللسان، وإن كان لفظ الحديث لا يعطي ذلك؛ وقد ورد

стр. 159

مصرَّحًا به في بعض الروايات، والعلَّة التي تقتضي الاستياك على الأسنان موجودة في اللسان، بل هي أبلغ وأقوى؛ لِما يترقى إليه من أبخرة المعدة، لكن الفقهاء ذكروا الاستياك في الأسنان عرضًا، وورد في بعض الروايات: الاستياكُ على اللسان طولًا، والله أعلم. وقد ترجم على هذا الحديث: باب استياكِ الإمامِ بحضرة رعيته (١)؛ فإن الاستياك من أفعال البذلة والمهنة، ويلازمه -أيضًا- من إخراج البصاق، وغيره؛ ما لعلَّ بعض الناس يتوهم أنَّ ذلك يقتضي إخفاءَه وتركَه بحضرة الرعية. وقد اعتبر الفقهاء ذلك في مواضع كثيرة؛ كالأكل والشرب في المواضع التي لم تجر العادة بالأكل والشرب فيها؛ كالطرق والأسواق؛ وهو الَّذي يسمونه بحفظ المروءة. فأورد هذا الحديث لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يُطلب إخفاؤه، ويتركه الإمام بحضرة الرعية؛ إدخالًا له في باب العبادات والقربات، والله أعلم. والمترجمون في التصانيف على الأحاديث: تارة تكون للتنبيه على الرد على مخالف في المسألة لم تشتهر مقالته. وتارة تكون لفائدة ظاهرة في الدلالة على المعنى المراد. وتارة تكون لفائدة ظاهرة فائدتها قديمة لا تكاد تستحسن. وتارة تكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس، كترجمة هذا الباب، والله أعلم. * * *

стр. 160

باب المسح على الخفين الحديث الأول عن المُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزعَ خُفَّيْهِ، فقالَ: "دَعْهُمَا فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهمَا" (١). أمَّا المُغِيرَةُ: فهو بضم الميم، أو كسرها، الضمُّ أشهر، ابنُ شعبةَ بنِ أبي عامرِ بنِ مسعودِ بنِ مُعَتِّبِ -بالعين المهملة، والتاء المثناة فوق المشددة، ثم الباء الموحدة- بنِ مالكِ بنِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ سعدِ بنِ عوفِ بن قسيِّ بنِ منبهٍ، وهو ثقيف الثقفي، يكنى: أبا عيسى، ومنعها عمرُ بنُ الخطاب عنه، وكنَّاه: أبا عبدِ الله، وقيل: كنيته: أبو محمد. أسلم عامَ الخندق، وأحصن ثلاثَ مئة امرأةٍ في الإسلام، وقيل: ألف امرأة، وكان موصوفًا بالدهاء، وقصَّ له رسول الله ﷺ شاربه على سواك، وهذه منقبة لا نعرفها لغيره من الصحابة. رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ : مئةٌ وستةٌ وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين؛ فجميع روايته فيهما: اثنا عشر

стр. 161

حديثًا، وروى عنه من الصحابة: المِسْوَرُ بنُ مخرمةَ، وخلقٌ كثير من التابعين، وروى له أصحاب السنن، والمساند. ومات بالكوفة أميرًا عليها في الطاعون سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين؛ وهو ابن سبعين سنة (١). وقال الشعبِيُّ: دُهاةُ العرب أربعة: معاويةُ بن أبي سفيان، وعَمْرُو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد، فأمَّا معاوية؛ فللأناة والحلم، وأمَّا عمرو؛ فللمعضلات، وأما المغيرةُ؛ فللمبادهة، وأما زياد؛ فللصغير والكبير (٢). وأمَّا ألفاظه: فالسفر الَّذي كان مع رسول الله ﷺ فيه: غزوة تبوك، قبل الفجر؛ كذا ثبت في "الصحيحين" (٣). ففيه دليل على: جواز المسح على الخفين: وهو جائز بالإجماع في السفر والحضر. لكن هل الأفضل غسلُ الرجلين، إِذْ هو الأصل والغالب، أم المسح أفضل ردًّا على الخوارج، أم يتساويان؛ لتقابلهما؟ مذاهب: والجمهور: على أنَّ غسلهما أفضل، والمسح على الخف جائز؛ وبه قال أصحاب الشافعي، وعن الإمام أحمد: روايتان، أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سواء، واختاره: ابن المنذر.

стр. 162

واختلفت الروايات فيه: ومن أشهرها: رواية المغيرة بن شعبة. ومن أصحها: رواية جرير بن عبد الله البَجَلي -بفتح الباء والجيم-، وقال: روينا في "سنن البيهقي" عن إبراهيم بن أدهم ﵁ قال: ما سمعت في المسح على الخفين أحسنَ من حديث جرير ﵁ (١). واعلم: أنَّ غزوة تبوك، كانت في رجب، سنة تسع؛ وقتها كانت قصة المغيرة في المسح على الخفين، ورواية جرير فيه كان بعد نزول المائدة، قبل موت النبي ﷺ بشهرين، أو نحوهما. ولهذا كان يعجبُ أصحابَ عبد الله بن مسعود الأخذُ بحديث جرير؛ لتأخرِه، ورده على من ظنَّ أنَّه منسوخ، أو شكَّ في جوازه، وإزالته الإشكال فيه، واللبس على من التبس؛ ولهذا قال جرير ﵁: وهل أسلمْتُ إلَّا بعدَ نزول المائدة؟ (٢) حتى اشتهر جواز المسح على الخف عند علماء الشريعة، وعُدَّ شعارًا لأهل السنة، حتَّى جعله بعضُهم أفضل من الغسل على ما حكينا؛ لكون تركه صار شعارًا لأهل البدع؛ فحديث جرير مبين للمراد من الآية في غير صاحب الخف؛ فتكون السنة مخصصة للآية، والله أعلم. وقوله ﷺ : "دَعْهُما؛ فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا": يعني: الطهارة الشرعية بكمالها؛ لأنَّه لا يسمَّى شرعًا متطهر، لمن يتطهر في جميع الأعضاء، إلَّا لمعة؛ فكيف من يترك عضوًا كاملًا؟ ولهذا قال أصحاب الشَّافعي ﵏: لو غسل إحدى رجليه،

стр. 163

وأدخلهَا الخفَّ، ثم غسلَ الأخرى، وأدخلها الخفَّ؛ لم يجز المسحُ حتى ينزعَ الأولى، ثم يلبسها. وتفويت سنة اللبس في تقديم اليمنى لا يوجب منعَ جواز المسح؛ لأنَّه علَّق الحكم بالمسح عليهما بإدخالهما طاهرتين، وذلك لا يقتضي إدخال إحداهما طاهرة دون الأخرى، والحكمُ المترتبُ على التثنية غيرُ المترتب على الوحدة؛ فيكون حالًا منهما، لا من كل واحد منهما، والله أعلم. وقول المغيرة: "فَمَسَحَ عَلَيهمَا": فيه إضمارٌ، تقديره: فأحدثَ، فمسحَ عليهما؛ لأنَّ وقتَ جواز المسح بعدَ الحديث، ولا يجوزُ قبله؛ لأنَّه على طهارة الغسل. والحدثُ المجوِّزُ للمسح: ما ينقض الوضوء من البول والغائط، والنوم، ونحوها؛ لا ما يوجب الغسل، وذلك ثابت في حديث صفوانَ بنِ عَسَّال -بالعين والسين المشددة المهملتين-، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁ قالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمسَحَ على خُفَّيْه" (١). مختصر، تقدم الكلام على حذيفة وأبيه قريبًا في الحديث الثاني من باب السواك. وقوله: "فَبَالَ، وَتَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ": بيانٌ للإضمار في الحديث قبلَه، وقد ورد مبينًا فيه. واعلم: أنَّ أحاديث المسح على الخفين، رواها عن النبي ﷺ خلائق

стр. 164

لا يحصَوْن من الصحابة، قال الحسن البصري ﵀: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين (١). واعلم: أنَّه جائزٌ بالإجماع -كما تقدم- في السفر والحضر؛ سواء كان لحاجة، أو لغيرها، حتى يجوز للمرأة الملازمة لبيتها، والزَّمِنِ الَّذي لا يمشي. وأنكر جوازه الشيعة، والخوارج؛ ولا يعتد بخلافهم. ورُوِيَ عن مالكٍ فيه روايات: والمشهور من مذهبه كمذهب الجماهير، والله أعلم. واعلم أنَّ ما ذكرناه من اشتراط كَمالِ الطهارة في جواز المسح بعد اللبس والحدثِ، حتى لو غسل إحدى رجليه، وألبسها الخف، ثم غسل الأخرى، وألبسَها الخفَّ، لم يجز، وأنَّه يجب نزعُ الأولى، ثم لبسُها كما تقدم هو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق في اشتراط الطهارة. وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدَمَ، والمزني، وأبو ثور، وداود: يجوز اللبس على حدث، ثم يكمل الطهارة. وقد قال بعض أصحابُ الشَّافعي: يجب نزعُ اليسرى، ثم لبسُها، وهو شاذ، والله أعلم. * * *

стр. 165

باب في المَذْي وغيره الحديث الأول عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ﵁ قال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ لمكانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأ" (١)، وللبخاريِّ: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ، وَتَوَضَّأْ" (٢)، ولمُسْلِمٍ: "تَوَضَّأ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ" (٣). * أمَّا عليٌّ، فهو أمير المؤمنين، أبو الحسن، وكنَّاه رسول الله ﷺ : أبا تُرَابٍ، وكانت أحبُّ أسمائِه إليه. واسم أبي طالب: عبدُ منافِ بنُ عبدِ المطَّلبِ، يلتقي مع النبي ﷺ فيه، فكان هو أبا أبي النبي ﷺ . وقالت طائفةٌ: اسمُ أبي طالب: عمرانُ، مستندين فيه إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]؛ وهو تحريف على الله تعالى، وعلى رسوله، وعلى علماء التفسير، لا يعرف عن أحد من العلماء.

стр. 166

أُمُّه: فاطمةُ بنتُ أسدِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مناف، أبي جدِّ عبدِ المطلب جدِّ رسول الله ﷺ ، وهي أولُ هاشمية ولدت هاشميا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ ، وصلى عليها، وبرك في قبرها ﷺ . وعليٌّ ﵁ رابعُ الخلفاءِ وأحدُ العشرةِ المشهودِ لهم بالجنة، وأقضى الأمة، وهو أولُ خليفةٍ، كان أبواه هاشميين، ولم يك بعده مَنْ أبواه هاشميان غيرُ محمدٍ الأمينِ بنِ زبيدة، وهو من النبي ﷺ بمنزلة هارون من موسى في الأخوة، وشد الأزر -ليس في النبوة- في حياته، وبعد موته (١). وشبَّهَهُ رسول الله ﷺ بعيسى ﷺ في كونه يهلك فيه طائفتان من اليهود والنصارى حيث جعلته إحداهما: ولد زنية؛ فكفروا بذلك، والأخرى: ابن الله ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا-، فكفروا بذلك. فكذلك هَلَكَ في عليٍّ طائفتان: محبٌّ مفرطٌ، ومبغضٌ مفرطٌ، فمن كفَّره، أو بدَّعه، أو استنقصه؛ فهو ضالٌّ هالك، ومن رقاه إلى الإلهية، أو النبوة، أو التقدمة في الخلافة على من تقدمه من الخلفاء، أو التفضيل عليهم؛ فهو ضال هالك. فعيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وعليٌّ ابنُ عم الرسول محمد ﷺ ، وزوجُ ابنته فاطمةَ البتول ﵄، وأولُ من أسلم وصلَّى مع النبي ﷺ من الصبيان، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهده كلها، إلَّا تبوك.

стр. 167

وأمَّا قوله ﷺ : "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ"، "مَنْ كُنْتُ نَاصِرَه وَمُؤَازِرَهُ، فعليٌّ كَذَلِكَ". وكان عُمْرُه مبدأَ النبوةِ: عشرَ سنين، وبقي مع رسول الله ﷺ بعدها بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، ومدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وخلافته: ثلاثون سنة، فكان عمره ثلاثًا وستين سنة، هذا هو الصحيح المختار في مدة عمره. رُوِيَ له عن رسول الله ﷺ خمسُ مئة حديثٍ، وستةٌ وثمانون حديثًا، اتفقا منها على عشرين حديثًا، وانفرد البخاريُّ بتسعةٍ، ومسلم بخمسةَ عشرَ. ورَوَى عنه بَنُوه: الحسنُ، والحسينُ، ومحمدٌ، وعبدُ الله بنُ مسعود، وابن عباس، وابنُ عمرَ، وابنُ قيس، وأبو موسى الأشعريُّ، وابن جعفر، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وأبو رافعٍ، وصُهيب، وزيدُ بن أرقم، وجابرٌ، وأبو أمامةَ الباهليُّ، وأبو هريرةَ، وأبو سريحةَ حذيفةُ بن أسيدٍ الغفاريُّ، وسفينةُ، وجابرٌ بنُ سمرة، وعَمْرُو بن حُريث، وأبو ليلى الأنصاريُّ، والبراءُ بنُ عازبٍ، وطارقُ بن شهابٍ الأحمسيُّ، وطارق بن أشْيَم الأشجعيُّ، وعبد الرحمن بن أَبْزى، وسيرينْ بنُ سحيم، وأبو جُحيفة السوائيُّ؛ وكلُّهم صحابة، وخلق كثيرٌ من التابعين، روى له أصحاب السنن والمساند. وصنف العلماء في مناقبه تصانيفَ مفردةً فيه، ومضافةً إلى غيره، وكان ﵁ من ينابيع الحكم في الصحابة. وُلِّيَ الخلافةَ خمسَ سنين، وقيلَ: خمس سنين إلَّا أربعةَ أشهر، وقيل: إلَّا شهرين وأيامًا، وقُتِلَ ليلة الجمعة، لسبعَ عشرةَ بقيت من رمضان، سنة أربعين؛ وهو عام الجماعة، قتله عَبْدُ الرَّحمَن بنُ مُلْجِمٍ المراديُّ. قال ابن حِبَّان في "تاريخه": وكان لعلي ﵁ يوم مات اثنتان وستون سنة، وكانت خلافتُه خمسَ سنين وثلاثةَ أشهرٍ، إلَّا أربعةَ عشرَ يومًا، واختلفوا في موضع قبره، ولم يَصحَّ عندي شيءٌ من ذلك فأذكره، وقد قيل: إِنَّه

стр. 168

دُفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجماعة، وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، هذا آخر كلامه. وذكر أيضًا: أنَّ لعليٍّ من الولد يومَ مات: خمسًا وعشرين ذكرًا وأنثى؛ خمسة من فاطمة بنت رسول الله ﷺ : الحسنُ، والحسينُ، ومُحَسِّنٌ، وأمُّ كلثوم الكبرى، وزينبُ الكبرى، والباقون من غيرها. قال أبو عبد الله محمدُ بن سلامة القضاعيُّ في "عيون الأخبار" له: كان لعليٍّ أربعةَ عشرَ ذكرًا، وثمانيةَ عشرَ أنثى؛ النسلُ منهم لخمسةٍ، وهم: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعمر، والعباس، وذُكِرَ -أيضًا-: أنَّه دفن ليلًا، وعُمِّيَ قَبرُه. ولم يقمْ بالمدينة بعدَ الخلافة غيرَ أربعةِ أشهرٍ، ثم سار إلى العراق في سنة ست وثلاثين. قال أبو القاسم إسماعيلُ بنُ محمد التيميُّ، قال عبدُ الله بن سلام ﵁: وهو ممن شهد له رسولُ الله ﷺ بالجنة: "ما قتَلَتْ أُمَّةٌ نبَيَّهَا، إلَّا قُتِلَ بهِ منهم سبعون ألفًا، ولا قتَلُوا خَلِيفَتَهم، إلَّا قُتِلَ بِهِ مِنْهُم خمسةٌ وثلَاثونَ ألفًا" (١). وكان عليٌّ ﵁ من زُهَّادِ المسلمين، يلبس ثيابًا رثَّة؛ فعابوا عليه ثيابه، فقال: يَعيبون عليَّ لباسي؛ وهو أبعدُ لي من الكِبْر، وأجدَرُ أَنْ يقتديَ بي المسلمُ (٢). ودعا له رسول الله ﷺ : بالرحمة، وأَنْ يدورَ الحقُّ معه حيث دار. وقال ﵁ يومًا وقد فرَّق جميعَ ما في بيت المال على الناس، حتى كنسه، ثم أمر بنضحه، ثم صلى فيه ركعتين؛ رجاء أن يشهد له يوم القيامة: يا صفراء! يا بيضاء! غُرِّي غَيْرِي (٣).

стр. 169

وقال ﵁: ليس الخيرُ أَنْ يَكثُرَ مالُكَ، وولدُك؛ ولكنَّ الخيرَ أَنْ يَكثُرَ عملُكَ، وَيعْظُمَ حِلْمُكَ، وأَنْ تباهيَ الناسَ بعبادةِ ربِّكَ؛ فإنْ أَحسنْتَ، حَمِدْتَ الله، وإِنْ أَسَأتَ، اسْتَغْفَرْتَ الله، ولا خيرَ في الدنيا، إلَّا لأحدِ رَجُلَين: رَجلٌ أَذْنَبَ ذنوبًا؛ فهو مداركٌ ذلك بتوبةٍ، أو رجلٌ يسارعُ في الخيراتِ، ولا يَقِلُّ عملٌ في تقوى؛ وكيف يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ؟! (١). وقال علي ﵁: احفظوا عني خمسًا، فلو ركبتم الإبل في طلبهن، لا تصيبوهن قبل أَنْ تدركوهن، لا يرجو عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحيي جاهل أَنْ يسألَ عمَّا لا يعلم، ولا يستحيي عالمٌ إذا سُئِلَ عَمَّا لا يعلم، أَنْ يقولَ: اللهُ أعلم، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمانَ لِمَنْ لا صبرَ له (٢). وقال: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم: اتِّبَاعُ الهوى، وطولُ الأمل؛ فأمَّا اتِّبَاعُ الهوى، فيصدُّ عن الحق، وأمَّا طولُ الأمل، فيصدُّ عن الآخرة، ألا وإنَّ الدنيا قد ترحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وإنَّ الآخرةَ قَدْ تَرَحَّلتْ مقبلةً، ولكلِّ واحدةٍ منها بنون، فكونوا من أبناءِ الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل (٣). وقال: أشدُّ الأعمال ثلاثة: إعطاءُ الحقِّ من نفسك، وذكر الله تعالى على كل حال، ومواساةُ الأخ في المال (٤).

стр. 170

وقال: لقد رأيتُني أربِطُ الحجرَ على بطني من شدَّةِ الجوع على عهدِ رسول الله ﷺ ، وإِنَّ صَدَقَتِي اليومَ أربعون ألفَ دينارٍ (١). أمَّا ألفاظه: فقوله: "كُنْتُ رَجُلًا مَذّاءً"؛ أي: كثيرَ المذي، وهو بفتح الميم، وتشديد الذال المعجمة، وبالمدِّ، صيغةُ مبالغة، على وزن فعَّال. وفي المذي لغتان؛ مَذْي: بفتح الميم، وإسكان الذال، ومَذِيٌّ: بكسرها، وتشديد الياء، ومَذِي: بكسر الذال، وتخفيف الياء؛ فالأوليان مشهورتان، أصحهما وأشهرهما: الأولى، والثانية حكاها أبو عمرِو الزَّاهدُ عن ابن الأعرابي. ويقال: مَذِيَ، وأَمْذى: يَمذِي، ويُمذي، ومَذَّى، الثالثة بالتشديد (٢). والمذي: ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة؛ لا بشهوة، ولا دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه؛ ويكون ذلك للرجل والمرأة، وهو في النساء أكثرُ منه في الرجال. وقوله: "فَاسْتَحْيَيْتُ": هذه اللغة الفصيحة فيه بالياءين، وقد يقال: استَحَيْتُ بياء واحدة، والمِرادُ بالحياء هنا: تغيرٌ وانكسارٌ يعرِض للإنسان من تخوف ما يُعاتب به، أو يُذم عليه. وأمَّا الحياءُ الشرعيُّ الممدوحُ عليه الَّذي لا يأتي إلا بخير: فهو رؤية النِّعَم، ورؤيةُ التقصير، فتتولد بينهما حالةٌ تسمَّى حياءً وتلك حالةٌ حاملة على: مزيدِ الشكر، واستقصاء الأعمال. وقوله ﷺ : "وَانْضَحْ فَرْجَكَ"، وهو بالحاء المهملة، لا يعرف غيره؛ أي:

стр. 171

اغسلْه، والنضح: يكون غسلًا، ويكون رشًّا، لكن الغسل هنا متعين ببيان الرواية الأخرى في الأمر به؛ فحُمل النضح عليه. وقولُ عليٍّ ﵁: "لِمَكَانِ ابْنَتِهِ"؛ تنبيهٌ على العلَّة في عدمِ سؤاله عن حكم المذيِ بنفسه؛ لكونه عِلْمًا. والعلمُ وتعلُّمه عبادة لا ينبغي أن تدخلَه النيابةُ، وعدم مواجهة العلماء، والسؤالُ عنه، ولهذا أثنى رسول الله ﷺ على نساء الأنصار؛ لكونهن لم يمنعْهنَّ الحياءُ من التفقُّه في الدين؛ لمَّا سَأَلْنَه عن أشياءَ تتعلق بأنفسهنَّ ممَّا يُسْتَحيا من ذكره -عادة-. لكنَّ عليًّا لمَّا رأى أنَّ هذه المسألةَ يتعلق بها مواجهةُ النبي ﷺ بالسؤال عن حالة تعرِض عندَ مقدمات الجماع؛ أرسل غيره يسأل، أدبًا مع النبي ﷺ ؛ لمكان ابنته منه. وقوله: "فَأَمَرْتُ المِقْدادَ بْنَ الأَسْوَدِ"؛ إنَّما قيل: ابن الأسودِ؛ لأنَّه كان في حِجْرِ الأسودِ بنِ [عبد] يغوثَ بنِ وَهْبِ بنِ عبدِ منافِ بنِ زهرةَ الزهريِّ، فتبناه وحالفه في الجاهلية؛ وإلا فهو المقدادُ بن عَمْرِو بنِ ثعلبةَ بنِ مالكِ بنِ ربيعةَ بنِ ثمامةَ، بهرانيٌّ من بهرا بنِ عمرٍو، وقيل: كنديٌّ من كندةَ، وقيل: حضرميٌّ من حضرموت، وقيل: حالف أبوهُ كندة فنسبَ إليها، وحالف هو بني زهرة فقيل له: الزهريّ -أيضًا-، وقيل: كان عبدًا حبشيًّا للأسودِ بنِ عبدِ يغوثَ؛ فتبناه، والصحيح: ما ذكرناه أولًا، ولا يصحُّ كونه عبدًا. كنيته: أبو الأسود، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو معبد. وشهد المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، ولم يثبت أنَّه شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ فارسٌ غيرُه، وقيل: كان الزبير -أيضًا- فارسًا معه، وهو أحد السبعين الذين هم أولُ من أظهر الإسلام. قال أبو عمرَ بنُ عبد البرِّ ﵀: وكان من الفضلاء النجباء الكبار الأخيار من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو أحد الأربعة عشر النجباء الوزراء

стр. 172

الرفقاء الذين أعطيهم رسول الله ﷺ كما كان للأنبياء قبله. رَويَ له عن رسول الله ﷺ : اثنان وأربعون حديثًا؛ اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، والسَّائب بن يزيد، وغيرُهم من الصحابة، وكبار التابعين، وروى له أصحاب السنن، والمساند -أيضًا-. مات بالجرف على عشرة أميال من المدينة، وحُمل على رقاب الرجال إليها سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، وهو ابن سبعين سنة، وصلَّى عليه عثمان ﵁ (١). قال ابن مسعود: شهدتُ من المقداد مشهدًا، لأَنْ أكونَ صاحبَه، أحبُّ إلَيَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ، قال للنبي ﷺ : إنَّا -واللهِ- لا نقولُ لك كما قالتْ أصحابُ موسى: اذهبْ أنتَ وربُّك، فقاتلا، إنَّا هاهنا قاعدون -لما ذكر المشركين-، ولكنَّا نقاتل بين يديك، ومِنْ خلفِك، وعن يمينك، وعن شمالك؛ قال: فرأيتُ النبيَّ ﷺ يُشرق وجهه لذلك، وسرّه وأعجبه (٢). وقال بريدة: كان رسول الله ﷺ يحبه، وعليًّا، وسلمان، وأبا ذر (٣)، وسمعه

стр. 173

رسول الله ﷺ يقرأ رافعًا صوته، فقال: "أواب" (١). قوله ﷺ : "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ"؛ برفع اللام، خبرٌ بمعنى الأمر، وهو مجاز جائز؛ لِما يشتركان فيه من معنى الإثبات، ولو روي مجزومًا؛ [جاز على ضعف. ومنهم من منعه إلَّا في ضرورة الشعر بحذف الحرف عن المجزوم، وانفعاله؛ كقول الشاعر: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ] (٢) وفي الحديث فوائد: منها: أنَّ المذيَ لا يوجب الغسل؛ وهو مجمَع عليه. ومنها: أَنَّه ينقضُ الوضوء؛ وهو مذهبُ أبي حنيفة، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، والجماهير قالوا: ويوجب الوضوء. ومنها: نجاستهُ؛ لإيجاب الغسل، لَكِنْ قالَ الشَّافعي، والجماهير: يجب غسل ما أصابه المذي، لا غسل جميع الذَّكَر. وحكي عن مالك، وأحمد -في رواية عنهما-: إيجابُ غسل جميعِ الذكر؛ لكونه حقيقةً في العضو كله، وزاد الإمام أحمد: وجوبَ غسل الأنثيين أيضًا؛ لحديث رواه أبو داود - منقطعًا -: في غسله جميعِ الذكر. ثم من قال بوجوب غسل الجميع، اختلفوا في معناه: هل هو لتبريد العضو؛ فيضعف المذي، أو هو تعبد؟ وبنوا على ذلك فرعًا، وهو وجوب النية لغسله. إن جعلناه تعبدًا، وجبت؛ حيث لا نجاسة على ما زاد على محل خروجه، فليس بإزائه نجاسة، وإنما هو عبادة؛ فافتقر إلى النية؛ كالوضوء. وعدولُ جمهور العلماء عن استعمال الحقيقة في الذَّكَر كلِّه نظرًا إلى المعنى الموجِب للغسل، وهو خروجُ الخارج، فاقتضى الاقتصار عليه. ومن جعل الحكمة في غسل جميعه التبريد، اقتضى عدم وجوبه -أيضًا- والله أعلم.

стр. 174

ومنها: وجوبُ غسل المذي بالماء، ولا يجوزُ فيه غيرُه، ممَّا لا يجوز الاستجمارُ به، في الغائطِ والبول؛ لكونه نادرًا، فأشبه الدمَ، وهو أصحُّ القولين عند الشَّافعي ﵀، والقول الآخر: جوازُه؛ قياسًا على المعتاد، ويجعل الحديث بالأمر بالغسل: أنه خرج مخرجَ الغالب المعتاد، فيمن هو في بلد، أو يحمله على الاستحباب. وقد استدل به من قال: يجب الوضوءُ على من به سلسُ البول؛ لكون المذاء: من كثر منه المذي، وقد أُمر بالوضوء منه، فكذلك من بهِ سلسُ البول. لكنَّ المذاء الَّذي يكثر مذيه يكون لصحته، وعلته شهوته -غالبًا-؛ وقد تكون لمرضه، واسترساله لا يمكن إزالته، وهو نادر، خلاف سلس البول؛ فإنَّه مرض لا يزول -غالبًا- فافترقا، والله أعلم. ومنها: جوازُ الاستنابة في الاستفتاء؛ للعذر، سواءٌ كان المستفتي حاضرًا، أو غائبًا. ومنها: جوازُ الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع به؛ لأنَّ عليًّا ﵁ اقتصر على قول المقداد مع تمكُّنه من رسول الله ﷺ . وقد يعترض على ذلك: بأنَّ عليًّا كان حاضرًا مجلسَ سؤال رسول الله ﷺ ، واستحيا أَنْ يكونَ السؤالُ منه بنفسِه. وأورد على ذلك: أنَّه يلزمُ من قبول قول المقداد من غير أَنْ يكونَ عليٌّ حاضرًا مجلس السؤال؛ إثبات خبر الواحد بخبر الواحد. وجوابه: أنَّ المراد ذكرُ صورةٍ من صور خبرِ الآحاد؛ تدلُّ على قبوله، وهي: فردٌ من أفراده غير منحصرة فيه؛ والحجة تقوم بجملتها؛ لأنه منها، وإلَّا لكان ذلك إثبات الشيء بنفسه، وهو محال. لكنه يذكر للتنبيه على أمثاله؛ لا للاكتفاء به، مع أنَّ عليًّا ﵁ إنَّما أمر المقداد بالسؤال استحياء، لا لأجل قبول خبره، فإن ثبت أنَّ عليًّا

стр. 175

- ﵁ أخذ هذا الحكم عن المقداد من غير حضوره، ولا قرينة أوجبت قبولَ خبره، ففيه حجة. ومنها: استحبابُ حُسْن العشرة مع الأصهار، وأنَّ الزوجَ ينبغي له ألَّا يذكر ما يتعلق بأسباب الجِماع ومقدماته، والاستمتاع بالزوجة، بحضرة أبيها، وأخيها، وابنها، وغيرهم من أقاربها. ولهذا قال علي ﵁: فاستحييت أَنْ أسألَ رسول الله ﷺ ؛ لمكان ابنته؛ لأنَّ المذي يكون غالبًا حالَ مداعبة الزوجة، وقبلتها، ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع، مع كونه سؤالًا عن حكم شرعي، فما ظنك بذكر ذلك لغير حاجة؟! والله أعلم. ومنها: وجوب الغسل من خروج المني. ومنها: أنَّ الفرج يراد به شرعًا: القُبُلَ، ولا شكَّ أنَّه مأخوذٌ من الانفراج، في اللغة، فدخل في عمومه: لفظُ الدبر، وقد تمسك به الشافعيةُ في انتقاض الوضوء بمسِّه في قوله ﷺ : "مَنْ مَسَّ فَرْجَه؛ فَلْيَتَوَضَّأْ" (١). لكنَّ المرادَ به في حديث المذي: القُبُلَ فقط، وإن كان في العُرْف يغلب استعمالهُ فيه من الرجل والمرأة، فصار فيه الوضع اللغوي، غلبة العرفي؛ فرجح المراد الشرعيُّ منه. لكنْ يحتمل أنَّ المخالفَ في انتقاضِ الوضوء بمس الذكر، لم يثبتْ عندَه عُرفٌ يخالفُ الوضعَ العرفي، والله أعلم. ومنها: أنَّه قد يؤخذ من قوله ﷺ في بعض الروايات المذكورة: "تَوَضَّأْ، وانْضَحْ فَرْجَك" جواز تأخير الاستنجاء على الوضوء، وذلك إنما يتم على قول

стр. 176

من يقول: إنَّ الواو للترتيب؛ وهو مذهب ضعيف. وقد جوز جماعة من الفقهاء: تأخير الاستنجاء على الوضوء؛ إذا كان بحائل يمنع انتقاض الطهارة، لكن الأفضل أن يستنجي قبل الوضوء، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عاصمٍ المازِنيِّ ﵁ قال: شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ في الصَّلاةِ، قالَ: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (١). أمَّا عَبَّادُ بنُ تَميمٍ، فهو: ابنُ أخي عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ راوي حديث الوضوء، وحديث الاستسقاء، تقدَّم الكلام عليه: على نسبه، ونسبته، وما يتعلق به من الحديث الثامن من كتاب الطهارة. وعبَّاد هذا: تابعيٌّ، ثقةٌ، متفقٌ على توثيقه. رُوي عنه أنَّه قال: أنا يومَ الخندق ابنُ خمسِ سنين؛ فأذكرُ أشياءَ وأعيها، وكنَّا مع النساء في الآطام، وما كان من أهل الآطام ينامون إلا عقبًا؛ خوفًا من بني قريظة أَنْ يُغِيرُوا عليهم (٢). ومعلوم أن يوم الخندق كان سنةَ خمس من الهجرة، أو قبلَه؛ فمقتضى ذلك أَنْ يُعَدَّ عبَّادٌ في صغار الصحابة، لا في التابعين، ولم أعلم أنَّ أحدًا ذكره فيهم، مع ذكرهم في الصحابة لمحمود بن لبيد، وهو مقاربه، أو أصغر منه، وقد روى عن عباد هذا، وكذلك عبد الله بن الزبير، والنعمانُ بن بشير معدودان في أصاغر

стр. 177

الصحابة، وهما أصغرُ منه، فليتفطَّنْ لذلك!! والله أعلم (١). وأمَّا قوله: "شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ": فهو -بضم الشين، وكسر الكاف- مبني لما لم يسمَّ فاعلُه، والرجل: مرفوع. ولم يذكر هنا الشاكي، وجاء في رواية للبخاري أنَّ السائلَ هو: عبد الله ابن زيدٍ الرَّاوي. قال بعض الحفاظ: وينبغي ألا يتوهمَ بهذا أنَّ شكي مفتوحُ الشين والكاف، ويجعل الشاكي هو: عمه المذكور؛ فإنَّ هذا الوهم غلط، والله أعلم. وقوله: "يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ": المشارُ إليه بالشيء هو: الحركة التي يظن بها أنها حدث، وليس كذلك. ولهذا قال ﷺ : "حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا": معناه: يعلم وجودَ أحدهما، ولا يشترط اجتماعُ السماع والشمِّ بإجماع المسلمين، ومعناه: حتى يتيقن خروجَه. وهذا الحديث: أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ من قواعد الفقه، وهي: أنَّ الأشياءَ يُحكم ببقائها على أصولها، حتى يُتيَقَّنَ خلافُ ذلك، ولا يضرُّ الشكُّ الطارئُ عليها. والعلماء -فيما نعلم- متفقون على هذه القاعدة، لكنَّهم مختلفون في كيفية استعمالها: مثاله: مسألة الباب التي دلَّ عليها الحديث؛ وهي: أنَّ من تيقن الطهارة، وشكَّ في الحديث، حُكم ببقائه على الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة، أو خارجها، وهذا مذهب الشَّافعي، وجمهور علماء السلف والخلف، إعمالًا

стр. 178

للأصل السابق، وهو الطهارة، واطراحًا للشكِّ الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه الحال. وعن مالك ﵀ روايتان: إحداهما: يلزمه الوضوءُ مطلقًا، وهي محكيَّة عن الحسن البصري، ووجه شاذٌّ عن بعض الشافعية؛ نظرًا إلى الأصل قبل الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقَّنَة، ولا يقينَ مع الشكِّ في وجود الحدث. والثانية: إن كان شكُّه في الصلاة، لم يلزمه الوضوءُ وإن كان خارجَها، لزمه، وكأنَّه أخذه من الحديث الَّذي رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا وَجَدَ أَحَدُكُم في بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لا؟ فلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ ريحًا" (١). وحمل الحديث على العموم في الصلاة إذا كان في المسجد، وأنَّ المرادَ بالمسجد نفس الصلاة؛ تسمية للصلاة باسم موضعها؛ للزومها إياه. فالشَّافعي: اطَّرح الشكَّ مطلقًا، وألغى كلَّ قيد، واعتبر أصل الطهارة الواردَ بعدَ ترتب الصلاة في الذمة، كيفَ وقد ورد في بعض طرق الحديث: "إِنَّ الشَّيْطَان يَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيِ الرَّجُلِ" (٢) تنبيهًا على إلغاءِ الشكِّ الحاضر؛ لأجل مناسبة سبب؟ قال أصحاب الشَّافعي: ولا فرق في شكه بين تساوي الاحتمالين في وجود

стр. 179

الحديث، وعدمه، أو يرجح أحدهما، ويغلب على ظنه، فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ احتياطًا، وإذا توضأ للاحتياط مع دوام الشك، فذمته بريئة. فلو عدم حدثه بعد ذلك، فهل يجزئه الوضوء المستحب في حال شكه؟ وجهان: أصحهما عندهم: لا يجزئه؛ لتردده في نيته، والله أعلم. أمَّا إذا تيقن الحدث، وشكَّ في الطهارة، فإنَّه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. أمَّا إذا تيقن وجودَهما بعد طلوع الشمس -مثلًا-، ولا يعرف السابق منهما، ولا حاله قبل طلوع الشمس؛ لزمه الوضوء. وإن عرف حاله قبلهما، فأوجه: أظهرُها: أنَّ حكمه الآن بضدِّ ما قبل طلوع الشمس، فإن كان متطهرًا قبلها، فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا، فهو الآن متطهر. والثاني: -وهو الصحيح عند جماعة المحققين- أنه يلزمه الوضوء بكل حال. والثالث: يبني الأمرَ على ما يغلب على ظنه. والرابع: يكون كما كان قبل طلوع الشمس، وهو غلط؛ لأنَّه حكم بحالة تيقن بطلانها بما وقع بعدها، والله أعلم. ومن مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: مَنْ شكَّ في طلاق زوجته، أو عتقِ عبده، أو نجاسةِ الماء الطاهر، أو طهارةِ النجس، أو نجاسةِ الثوب، أو غيرِه، أو أنَّه صلى ثلاثًا، أم أربعَ ركعات، أو أنه ركعَ وسجد، أم لا، أو نوى الصوم، أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة: فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث، والله أعلم. ومن أحكام الحديث: شرعيةُ سؤال العلماء عمَّا يحدث من الوقائع، وجوابُ السائل، والله أعلم.

стр. 180

الحديث الثالث عن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ ﵂: أَنَّهَا أَتَتْ بابنٍ لها صَغيرٍ؛ لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ الله ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رسولُ الله ﷺ في حِجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِه؛ فنَضَحَهُ بماءٍ، ولم يَغْسِلْهُ (١). وعن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ ﵂، قالتْ: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بصبيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ؛ فَدَعَا بماءٍ، فَأَتبَعَهُ إِيَّاهُ (٢). ولمسلمٍ: فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، ولم يَغْسِلْهُ (٣). أمَّا أُمُّ قيسٍ: فلا اسمَ لها غيرُ كنيتها، وهي: أختُ عُكَّاشَةَ بْنِ محصنِ ابنِ حرثانَ بنِ قيسِ بنِ مرةَ بنِ كثيرِ بنِ غنمِ بن دُودانَ بنِ أسدِ بنِ خزيمةَ. أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من المبايعات. رُوِيَ لها عن رسول الله ﷺ : أربعةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على حديثين. رَوَى عنها من الصحابة: وابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ، وجماعةٌ من التابعين، وروى لها أصحاب السنن، والمساند (٤). وأما قوله: "الأَسَدِيَّةُ"، -بفتح الهمزة، والسين المهملة- فنسبة إلى أسد ابنِ خزيمةَ، وهي نسبة -أيضًا- إلى أسدٍ في قريش: أسدِ بنِ عبد العزى بن قصيِّ بنِ
следующие страницы →