← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وأمّا البُرُّ: فهو اسم من أسماء القمح، ويقال له: الحنطة، والسمراء. وأما الشَّعِير: فهو بفتح الشين على المشهور، ويقال بكسرها، وقال ابن مكي الصقلي -رحمه الله تعالى-: يقال في كل ما كان وزنه على فعيل، وكان وسطه حرف حلق مكسورًا: بكسر أوله، وهي لغة لبني تميم، ثم قال: وزعم الليث أن قومًا من العرب يقولون في كل ما كان على فعيل مفتوح أوله: فعيل بكسره، وإن يكن حرف حلق، فيقولون: كِثير، وجِليل، وكِريم، بكسر أوّلها، وما أشبه ذلك، والله أعلم (١). وقوله ﷺ : "رِبًا": الرِّبا؛ مقصور يكتب بالألف؛ لأنه من ربا يربو، وتثنيته: [ربوان]، وأجاز الكوفيون كتبه وتثنيته بالياء، بسبب الكسرة في أوله، وغلّطهم البصريون، قال أهل اللغة: ويقال في الرّبا: الرِّما؛ بالميم والمد. والرُّبية -بالضم والتخفيف-: لغة في الربا. وأصل الربا: الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو: زاد، وأربى الرجل وأرمى: عاملَ بالربا، وهو في الشرع: وجوبُ الحلول، وتحريمُ النساء، والتفاضل إذا كان في جنسٍ واحدٍ، فلو كان في غير جنسه، لكنه من نوعه؛ كالذهب والفضة، والحنطة والشعير، لم يعتبر إلا الحلول وتحريم النساء، دون التفاضل (٢). وقولُه ﷺ : "إلَّا هَاءَ وَهَاءَ"؛ فيه لغتان: المدّ والقصر، والمدّ أفصح وأشهر، وأصله: هاكَ، فأبدلت مدة من الكاف، ومعناه: خذ هذا، ويقول صاحبه مثله، وغلَّط الخطابي وغيرُه المحدِّثين في رواية القصر، وقالوا: الصواب المدُّ والفتح، وليست بغلط، بل هي صحيحة، وإن كانت قليلة، لكن أكثر أهل اللغة ينكرون القصر فيها، ويقال في لغة: بالمد وكسر الهمزة للذكر، والأنثى (هائي)

стр. 1157

بزيادة ياء، قال القاضي عياض ﵀: وفيه لغة أخرى: هاءك، بالمد وبالكاف، واللفظة موضوعة للتقابض، والله أعلم (١). واعلم أن الرِّبا محرم في الجملة، وقد أجمع المسلمون عليه، وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وبينت السنَّة النبوية -على قائلها أفضل الصلاة والسلام- المحلّ الذي يجري فيه الربا، فذكر في هذا الحديث منها أربعة أشياء، وقد ذُكر في "صحيح مسلم" شيئان: فصارت ستة منصوصًا عليها، فالأربعة: الذهب، والفضة، والبُر، والشعير، والشيئان: التمر، والملح. فأمّا أهل الظاهر، فجمدوا على تحريم هذه الستة، وقالوا: لا رِبا في سواها؛ بناء على أصلهم في نفي القياس، وقال جميع العلماء سواهم: يتعدى التحريم إلى غير الستة مما في معناها، وهو ما يشاركها في العلة. واختلفوا في العلة التي هي سبب التحريم في الستة، فقال الشافعي: العلة في الذهب والفضة: كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدى منهما الرّبا إلى غيرهما من الموزونات وغيرها؛ لعدم المشاركة، قال: والعلة في الأربعة الباقية: كونها مطعومة، فيتعدى الرّبا منها إلى كل مطعوم. وقال مالك في الذهب والفضة كقول الشافعي، وقال في الأربعة: العلّة فيها كونها تُدَّخَر للقوت وتصلُح له، فعدّاه إلى الزبيب؛ لأنه كالتمر، وإلى القطينة؛ لأنها في معنى البُرّ والشعير، وقال أبو حنيفة: العلّة في الذهب والفضة: الوزن، وفي الأربعة: الكيل، فيتعدى إلى كل موزون من نحاسٍ، وحديدٍ، وغيرهما، وإلى كل مكيل؛ كالجص والأشنان وغيرهما. وقال أحمد، والشافعي في القديم -وهو قول سعيد بن المسيب من التابعين-: العلّة في الأربعة: كونها مطعومة وموزونة، أو مكيلة، فشرطوا

стр. 1158

الأمرين، فعلى هذا: لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه، مما لا يكال ولا يوزن. وأجمع المسلمون في جواز بيع الربوي بالربوي الذي لا يشاركه في العلة متفاضلًا ومؤجلًا؛ كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدُهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالًا؛ كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلّة؛ كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير، وعلى أنه لا يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس، إذا كان يدًا بيدٍ؛ كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا، إلا ما يروى عن ابن عباس ﵄ في تخصيص الربا في النسيئة. قال العلماء: إذا بيع الذهب بذهب، أو الفضة بفضة، سميت: مراطلة، وإذا بيعت الفضة بذهب، سُمِّي: صرفًا، وإنما سُمِّي صرفًا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات، من جواز التفاضل وعدم التفرق قبل القبض والتأجيل، وقيل: من صريفهما، وهو تصويتهما في الميزان، والله أعلم. وتقدم أن: التحيُّل على الخلاص من المحرم، والوقوعِ فيه، مطلوبٌ للشرع، وقد حصلت تصرفات ليست من الربا في شيء، التبسها الجهال بعلم الشريعة، وجعلوها من المعاملات الربويات؛ تنطعًا وجهلًا، فإن قصد بها التحيل على الوقوع فيه، من غير أن تكون صورته صورة العقود المحرمة في الربا، فقد اختلف العلماء في ذلك وصحته، مع اتفاقهم على كراهة التنزيه فيه الشديدة؛ لأجل ما قصد به، فقال جماعة: وهو صحيح، وبالغ بعضهم فقال: هو مثاب عليه لأجل التنفيس عن الناس بإعانتهم بهذه الطريق، وهذا لو تجرد عن قصد التحيل على الربا، كان صحيحًا؛ لأنّ المقاصد الأخروية غير مقابلة بشيء من أمور الدنيا الجائزة وغيرها، بل هي مقابلة بثواب الآخرة شرعًا. وهذا بالنسبة إلى ما يتعلق بأحكام المكلفين، وأما بالنسبة إلى أفعال الله

стр. 1159

تعالى، فلا؛ لأنه سبحانه يثيب من يشاء كيف يشاء في الدنيا والآخرة؛ حيث إنه يقضي ويحكم ويفعل ما يشاء، ولا يُقضى ولا يُحكم عليه، ولا يلزمه شيء، ولا يجب عليه شيء إلا بإيجابه، ولا يلزمه إلا بوعده، فهو سبحانه الحقُّ، وقوله حقٌّ، وحكمه حقٌّ، وقضاؤه ووعده حقٌّ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، نسأله المجازوة واللطف والعفو والرّأَف، ﵎ عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا. وفي هذا الحديث دليل: على تحريم الربا في الجملة على ما ذكرنا. وفيه: اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي، إذا اتفقا في علّة الربا، سواء اتفق جنسهما؛ كذهب بذهبٍ، أم اختلف؛ كذهب بفضة؛ فإنه ﷺ نبّه في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه؛ حيث قال: "الذهَبُ بالوَرِق رِبًا"، واستدلّ المالكية بذلك على اشتراط التقابض عقب العقد، حتى لو أخره عن العقد، وقبض في المجلس، لا يصحّ عندهم، والمعتبر عند الشافعي ﵀ وأصحابه: الحلولُ والتقابضُ في المجلس، وإن طال الزمان يومًا أو أيامًا لم يتفرقا، وبه قال أبو حنيفة، وآخرون. ولا دليل للمالكية في الحديث على ما ادّعوه؛ حيث لم يتعرض فيه على طول المجلس وقصره، وما ذكره مسلم فيه: من أن طلحة بن عبيد الله ﵁ أراد أن يصارف صاحب الذهب، ويؤخر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنَّما قاله ظنًّا اجتهاديًّا للجواز كسائر البياعات؛ حيث لم يبلغه حكم المسألة، فلما أبلغه عمر ﵁ الحكم، ترك المصارفة. ولا شك أن مأخذ الشافعي أقربُ إلى حقيقة اللفظ، ومأخذ المالكية أدخلُ في المجاز. وقد جمع الحديث مختلفَ الجنس ومتفقَه بالذَّهب والفِضة، وبالبُرِّ بالبُرِّ، وبالشعير بالشعير، فاقتضى ذلك تحريم النّساء، لكنه لا يسمى نساء، إلا إذا تفرقا عن المجلس من غير قبض، والله أعلم.

стр. 1160

وفيه دليل: على أن البُرّ والشعير صنفان من المطعومات، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وفقهاء المحدثين، وآخرون. وقال مالك، والليث، والأوزاعي، ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين: إنهما صنف واحد، وهو محكي عن عمر، وسعد، وغيرهما من السلف ﵃. وقال الليث بن سعد، وابن وهب: الدُّخنُ والأرز والشعير صنف واحد. واتفق العلماء غيرهما على أن كل واحد من الأرز والدخن والشعير صنف واحد، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا تبايَعُوا الذهَبَ بالذهَبِ إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غائبًا بِنَاجِزٍ" (١). وفي لفظٍ: "إلّا يَدًا بِيَدٍ" (٢). وفي لفظ: "إلّا وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ" (٣). تقدم الكلام على أبي سعيد واسمه ونسبته وما يتعلق به، أوائل الكتاب. وأَمّا قولُه: "وَلَا تُشِفُّوا"؛ هو بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء؛ أي: لا تفضلوا، والشِّفُّ -بكسر الشين-: الرّبَا، ويُطلق -أيضًا- على النقصان، فهو من الأضداد، يقال: شَفَّ الدرهم -بفتح الشين- يَشِفّ -بكسرها-: إذا زاد وإذا نقص، وأَشَفَّهُ غيرُه يُشِفُّه (٤).

стр. 1161

وقولُه ﷺ : "وَلا تَبِيعُوا مِنهَا غَائبًا بِنَاجِزٍ"؛ الغائب: المؤجل، والناجز: الحاضر، ومعناه: لا تبيعوا مؤجلًا بحاضر من الذهب بالذهب، ولا من الذهب بالفضة. وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك، وكذلك حكم الحنطة بالحنطة أو بالشعير، وكذلك كل شيئين اشتركا في علّة الرّبا. أَمّا إذا باع دينارًا بدينار كلاهما في الذمة، ثم أخرج كل واحد الدينار، أو بعث من أحضر له دينارًا من بيته، وتقابضا في المجلس، فيجوز عند الشافعية بلا خلاف؛ حيث إن الشرط عندهم: ألّا يتفرقا بلا قبض، وقد حَصَل وتقدّم هذا في الحديث قبلَه؛ فإن النبي ﷺ قال في اللفظ بعده: "إلّا يدًا بِيَد" بعد قوله: "لَا تَبِيعُوا غَائبًا بِنَاجِزٍ". وأمّا قول القاضي عياض ﵀: اتفق العلماء على أنه لا يجوز بيع أحدها بالآخر مؤجلًا أو غائبًا عن المجلس، فليس كما قال؛ لما ذكرنا من قول الشافعي فيه، واتفاق أصحابه من جواز ذلك، والله أعلم (١). وقولُه في الرواية الثالثة: "إلّا وَزنًا بِوَزن" إلى آخره؛ هذه الألفاظ: التي هي: الوزن، والمِثْل، والسواء، يحتمل الجمع بينها: التوكيدَ والمبالغة للإيضاح، والمراد: اعتبار التساوي وتوكيده من الشرع، واعتبره الفقهاء بمعيار الشرع وزنًا وكيلًا في الموزون والمكيول، وكذلك في المعدودات المتماثلات، والمذروعات، فيحتمل أن يكون الجمع بينها محمولًا على الكيل والعد فيما عدا الموزون، والله أعلم. وفي هذا الحديث: تحريم بيع جميع أنواع الذهب بعضها ببعض متفاضلًا. وفيه: تحريم بيع الغائب منها بالحاضر إذا تفرقا من غير قبض، كما ذكرنا. وفيه: اشتراط القبض في المجلس، وتقدم مذهب مالك في القبض عقيب

стр. 1162

العقد، وإن طال المجلس، ووجد القبض فيه، وما ادّعاه القاضي عياض في ذلك من اتفاق العلماء، وجوَّز إسماعيل بن علية التفريق عند اختلاف الجنس، بأن أراد بذلك اختلاف الجنس بالنسبة إلى النقدين وغيرهما من المطعومات، فهو موافق للجماعة، وإلا، فهو محجوج بالحديث والاجماع، والله أعلم. وفيه: الحثُّ على التساوي في الربويات، بكل ما يمكن من الوزن أو الكيل أو العد. وإن حملنا الحديث على التوكيد والمبالغة، فتكون الدلالة على غير الموزون من باب التنبيه، لا من باب المراد، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْهُ، قالَ: جَاءَ بلاَلٌ إلَى رَسُولِ الله ﷺ بِتَمرٍ بَرنيٍّ، فَقَالَ لَه النبي ﷺ : "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ "، قَالَ بِلاَلٌ: كانَ عِندَنَا تَمر رَدِيء، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِمَطْعَمِ النبي ﷺ ، فَقَالَ النبِي ﷺ عِندَ ذَلِكَ: "أَوّه! عَيْنُ الربا، لا تَفعَل! وَلَكِنْ إذَا أَرَدتَ أَن تَشتَرِيَ، فَبعِ التمْرَ بِبيع آخَرَ، ثم اشْتَرِ بِهِ" (١). تقدَّم الكلام على بلال وأبي سعيد. وأَمّا التمرُ البَرني؛ فهو ضرب من التمر، أصفر مدوّر، واحدته برنيَةٌ، وهو أجود التمر، قاله صاحب "المحكم"، وقال أبو حنيفة الدينوري: أصله فارسي. وأَمّا قول الشيخِ أبي إسحاق الشيرازي صاحب "التنبيه" فيه: إن المعقلي أجود من البرني، وليس كما قال: بل الصواب المشهور ما قاله صاحب "المحكم" (٢).

стр. 1163

وقولُه ﷺ : "أَوّه! عَيْنُ الرّبَا"، أَما أَوَّهْ: فقال أهل اللغة: هي كلمة توجُّع وتحزُّن، وأَمّا: "عَيْنُ الرِّبَا"؛ وتكرارها مرتين: فمعناه: أنه حقيقة الربا المحرم، وأَكَّده بالتكرار. وفي أَوهْ لغات: أفصحهن: فتح الهمزة والواو المشددة والهاء ساكنة، ويقال بالهاء منصوبة منونة، ويقال أَوه: بإسكان الواو وكسر الهاء منوَّنة وغير منوَّنة، ويقال: أَوٍّ: بتشديد الواو مكسورة منونة بلا هاء، ويقال: آهٍ، بمد الهمزة وتنوين الهاء مكسورة من غير واوٍ (١). وروى مسلم في "صحيحه"من حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال لمن اشترى صاعًا بصاعين: "هَذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ" (٢)، وفي حديث الكتاب هذا: أنه ﷺ لم يأمر بلالًا بردِّه، بل نَهاهُ عن فعله، وأمره أن يبيعَ التمر ببيع آخر، ثم يشتري به، فيحتمل أنهما واقعتان، أمر فيهما بأمرين، وليس بظاهر، بل الظاهر أنها واقعة واحدة، أمر فيها برده، فبعض الرواة حفظ الرد، وبعضهم لم يحفظه، والزيادة من الثقة مقبولة. وليس في حديث بلال في الكتاب ما ينافي الرد، بل مقتضى نهيه ﷺ عن فعله، يلزم منه الرد؛ فإنه ﷺ لما أمره ببيع التمر ببيع آخر، ثم اشترائه، لزم منه ردُّه على بائعه، واسترداد ثمنه، وهي الصاعان من الرديء، ثم اشتراء التمر من البائع أو غيره ببيع آخر، إما في الذمة، وإما بتقويم الرديء بثمن غير ربوي، ثم اشترائه به، ولم يكن شيء من ذلك، ولم تثبت رواية الردِّ، فيحمل حديث بلال هذا على أنه جُهل بائعُهُ، ولا يمكن معرفته، فصار مالًا ضائعًا لمن عليه دين بقيمته، وهو التمر الرديء الذي قبضه عوضًا عن الصاعين الرديئين، وحينئذٍ لا يبقى فيه إشكال ولا معارضة، والله أعلم.

стр. 1164

وقولُه: "فَبعِ التَّمرَ بِبيعٍ آخَرَ"؛ الألف واللام في "التمر" للعهد في الرديء. وقولُه: "ثم اشْتَرِ بِهِ"؛ يعني "به": الصاع الجيد، ويكون المعنى: بِعْه على صفقة أخرى، وتكون الباء زائدة، كأنه قال: بِعْهُ بيعًا آخر، وعود المعنيين إلى محلين أولى من عودهما إلى محل، خصوصًا إذا استقام المعنى به، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام جليلة: منها: النصُّ على تحريم رِبا الفضل في التمر، والأمة كلها عليه، إلا ابن عمر، وابن عباس ﵄؛ فإنهما قالا بجوازه إذا كانا يدًا بيدٍ في جميع الربويات المتجانسة في أول أمرهما، فلما بلغهما حديث أبي سعيد، رجعا عن قولهما بإباحته إلى منعه، وذكر الراوي عنهما الإباحة الرجوعَ عنها لأبي سعيد. ومنها: اهتمام التابع بمتبوعه في أكله وجميع أموره، وطعامه الجيِّد الطيب دون الرديء. ومنها: السؤال عن تصرف المتبوع له عن كيفيته ليعلمه إياها، وليجتنبه المتبوع. ومنها: تعليم العلم، وتقبيح المحرم والمكروه لمن يعلمه؛ ليجتنبه ويعلمه غيره. ومنها: تعريف التابع للمتبوع اهتمامه به في المطعم، وعدم الرضا بالرديء له، إما لقصد دعاء المتبوع له، وإما لإقباله عليه، إما بظاهره، أو بباطنه، أو بمجموعهما. ومنها: ما احتج به أصحاب الشافعي ومَنْ وافقهم على استعمال الحيل في البياعات في مسألة العينة كما يفعله بعض الناس، توصلًا إلى مقصود الرِّبا، بأن يريد أن يعطيه مئة بمئتين، فيبيعه ثوبًا بمئتين، ثم يشتريه منه بمئة. وموضع الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال له: "بِعْهُ واشْتَرِه ببِيع آخَرَ"، ولم يقصد بذلك سوى الخلاص من العقد الممنوع منه في الشرع، وهو

стр. 1165

عدم التماثل في الربويات من التمر، لا كثرة ولا غيرها، لا من البائع الأول ولا من غيره، وذلك يعم كل الربويات، وهذه الصورة وغيرها ليست بحرام عند الشافعي وغيره وآخرين، وقال مالك، وأحمد، وغيرهما: كلّ ذلك حرام، والحديث مطلق عندهم يصدق في صورة واحدة، فلا تعم، والله أعلم. ومنها: أن التفاضل في الصفات لا اعتبار به في تجويز الزيادة. ومنها: أن قومًا أخذوا من الحديث تجويز الذرائع؛ من حيث قوله ﷺ : "بعِ التمْرَ بِبيعٍ آخَرَ ثم اشْتَرِ بِهِ"؛ فإنه أجاز بيعه وشراءه على الإطلاق، ولم يفصل بين أن يبيعه ممن باعه، أو من غيره، ولا بين أن القصد والتوصل إلى شري الأكثر أولًا، والمانعون من الذرائع يجيبون: بأنه مطلق لا عام، فيحمل على بيعه من غير البائع، أو على غير الصورة التي يمنعونها؛ فإنَّ المطلق يكتفى في العمل به بصورة واحدة، وقد بيَّنَّا أَن قوله: "فَبعِ التمْرَ" عائد على الرديء، لا على الجيد، وقوله: "ثم اشْتَرِ بِهِ" عائد على الجيد؛ تصحيحًا للمعنى فيهما، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَن أَبِي المِنهالِ قَالَ: سَألْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِب، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵄ عَن الصرفِ، فكُل واحِدٍ مِنْهُما يقُولُ: هَذَا خَيْر مِني، وَكِلاهُمَا تقُولُ: نَهَى النبِي ﷺ عَنْ بيعِ الذهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا (١). أما أَبُو المنهال، فهو سيار بن سلامة، وتقدم ذكرُه في أثناء باب: المواقيت، من كتاب: الصلاة، وأما البراء، وزيد بن أرقم، فتقدّما في الصلاة. وقولُه: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بيعِ الذهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا": يعني مؤجلًا، أما إذا باعه في الذمة حالًا، فإنه يجوز كما تقدم، وشرطه التقابض في المجلس.

стр. 1166

وفي الحديث دليل: على السؤال عن العلم من أهله. وفيه دليل: على التورع عن الفتيا إذا وجد من يقوم بها. وفيه دليل: على الاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، والتواضع لهم، إذا لم يترتب عليه مفسدة دينية. وفيه دليل: على موافقة أهل الحق ومعاضدتهم. وفيه دليل: نصًّا: على تحريم الربا نَساءً في الذهب والفضة؛ لاجتماعهما في علة واحدة، وهي النقدية، وكذلك في الأجناس الباقية، من البر والشعير والتمر وغيرها، باجتماعها في علة أخرى، فلا يباع بعضها ببعض نسيئة، والواجب فيما يمتنع فيه النساء أمران: أحدهما: التناجز؛ بحيث لا يكون مؤجلًا. والثاني: التقابض في المجلس، وهو الذي يؤخذ من قوله: "يدًا بيد". * * * الحديث الخامس عَن أَبِي بكرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن الفِضةِ بِالفِضةِ، وَالذهَب بالذهَب إلّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأمر أَنْ نَشْتَريَ الفِضةَ بِالذهبِ كَيْفَ شئنا، قَالَ: فَسألَه رَجلٌ فَقَالَ: "يَدًا بِيَدٍ"، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ (١). تقدم الكلام على أبي بكرة، وأن اسمه نفيع بن الحارث. قولُه ﷺ : "إلّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ": يعني في عدم التفاضل، وفي وجود التساوي في الوزن، وعدم التفريق قبل القبض، وفي وجود الحلول في المجلس. وقولُه: "أَنْ نَشْتَريَ الذهَبَ بِالفِضةِ، كَيْفَ شِئْنَا"؛ يعني: بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا بالنسبة إلى الحلول والتأجيل، وقد ثبت ذلك في "الصحيح" في

стр. 1167

قوله ﷺ : "فإذَا اختَلَفَت هَذ الأجنَاس، فَبِيعُوا كيف شِئتم، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (١). وفي الحديث دليل: على وجوب التساوي في الربويات، إذا كانت من جنس واحد. وفيه دليل: على جواز التفاضل، إذا اختلفت أجناسها، إذا كانت مقبوضة في المجلس. وفيه دليل: على أن الفتيا في التوقيفيات، والتعبديات؛ كالربويات ونحوها، موقوفة على السماع، والله أعلم. * * * انتهى المجلد الثاني ويليه المجلد الثالث، وأوله باب الرهن وغيره من كتاب البيوع

стр. 1168

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام تأليف الإمام علاء الدين علي بن داود بن العطار الشافعي (المولود سنة ٦٥٤ هـ والمتوفى سنة ٧٢٤ هـ) رحمه الله تعالى وقف على طبعه والعناية به نظام محمد صالح يعقوبي [المجلد الثالث]

стр. 1169

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1170

الْعُدَّة فِي شَرْحِ الْعُمْدَة [٣]

стр. 1171

جَمِيع الْحُقُوق مَحفوظَة الطبعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م جمعية الْإِصْلَاح ١٣٦٠ هـ الْبَحْرين ١٩٤١ م مَشروعُ الْعلم النافع سلسلَة إصدارات لجنة الْأَعْمَال الْخَيْرِيَّة (١٥) شركَة دَار البشائر الإسلامية للِطِّباعَةَ والنشر والتوزيع ش. م م أسَّسها الشَّيْخ رمزي دمشقية رَحمَه الله تَعَالَى سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م بيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤ هَاتِف: ٧٠٢٨٥٧ فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 1172

بابُ الرَّهْنِ وغيرِه الرَّهْنُ في اللغة: الثبوت، يقال: رَهَنَ بالمقام؛ أي: أقام به، وثبت فيه. وفي الشرع: جعلُ عينِ مال وثيقةً بدين؛ ليستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن عليه. وجَمْعُ الرَّهْنِ: رِهان، كحَبْل وحِبَال، ويقال: رُهُنَ -بضم الهاء-. واختلفوا في رُهن، هل هو جمع رَهْن، أم جمع رِهَان، فيكون جمع الجمع؟ قال الأكثرون: جمعُ رِهان، وقال أبو عمرو بن العلاء: جمع رَهْنِ، كَسَقْفٍ وَسُقُفٍ. ويقال: رَهَنْت الشيء، وهو الأفصح المشهور، وأرهنته، رباعيًّا، ومنهم من منعه، وأَرْهَنْتهُ إياه، والرّاهِن: دافع الرهن، والمرْتَهِن: آخذه، والشيء: رَهْنٌ، ورَهين، والأنثى: رَهينة (١). * * * الحديث الأول عَن عَائشِةَ ﵂: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ اشتَرَى من يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرعًا مِن حَدِيدٍ (٢).

стр. 1173

أمّا اليهودي المرهونُ عنده درعُ النبي ﷺ على طعام؛ فقد ذكر الخطيب البغدادي في "المبهمات" من رواية أنس حديثه، وقال: ويقال له: أبو الشحم (١). وقد نطق الكتاب العزيز بجواز الرَّهْنِ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفي الحديث أحكام: منها: جواز معاملة الكفار، وعدم اعتبار الجواز في معاملاتهم. ومنها: جواز الرهن في الحضر، وقد وقع التصريح به في غير هذه الرواية. واتفق العلماء على جواز الرهن في السفر عند عدم الكاتب، وقال مجاهد بن جبر التابعي: لا يجوز إلا في هذه الصورة؛ لظاهر الآية، وجوّزه الباقون في الحضر والسفر، وقالوا: الآية خرج الكلام فيها على الأعمّ الأغلب، لا على سبيل الشرط، والحديث يدل بمجموع طرقه على جوازه مطلقًا من غير سفر، ولا عند عدم كاتب، والله أعلم. ومنها: جواز الشراء بالثمن المؤجل المؤخر قبضه؛ لأن الرهن إنما يحتاج إليه حيث يكون الثمن مؤجلًا، أو حيث لا يتأتى إقباضه في الحال غالبًا. ومنها: جواز رهن السلاح. ومنها: جواز رهنه عند الكفار من أهل الذمة والمعاهدين. ومنها: ما كان عليه ﷺ من الفقر والحاجة والتقلل من الدنيا، والزهد فيها، مع تمكينه ﷺ منها وعرضها عليه، وإعراضه عنها، والله أعلم. * * *

стр. 1174

الحديث الثاني عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الغَنِي ظُلْمٌ، فَإذَا أُتْبِعَ [أَحَدُكُمْ] عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيتبعْ" (١). المَطْلُ في اللغة: مصدر مَطَلَهُ يَمْطُلُهُ -بضم الطاء- مَطْلًا، ومَاطَلَهُ مماطلةً، فهو مماطل، وهو مشتق من مطلتُ الحديدة: إذا ضربتها ومددتها لتطول، وكل ممدود ممطول (٢). وهو في الشرع: منع أداء ما استحق أداؤه، فكأنه منع أداء الحق، فَمَطْلُ الغنيِّ ظُلْم وحَرَام، ومطلُ غيرِ الغني ليس بظلم ولاحرام؛ لمفهوم هذا الحديث؛ حيث إنه معذور؛ فلو كان غنيًّا، ولكنه ليس متمكنًا من الأداء؛ لغيبة المال، أو لغير ذلك، جاز له التأخير إلى الإمكان، وهذا مخصوص من مطل الغني، أو يقال: المراد بالغني: المتمكن من الأداء، فلا يدخل غير المتمكن في الحديث، والله أعلم. والغني عند الفقهاء: من لا تحل له الزكاة، واختلف فيه، فقيل: من ملك نصاب فضة، وقيل: من ملك أوقية خالصة منها، وهي أربعون درهمًا. وفيه حديث في "سنن أبي داود" (٣): وقد نفى النبي ﷺ في "الصحيح" الغنى

стр. 1175

بكثرة العرض، ووصفه بغنى النفس، فقد قال ﷺ : "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كثرةِ العرضِ، وإنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (١) وقال ﷺ : "مَنْ أَصْبحَ آمِنًا في سِرْبِهِ، معافًى في بَدَنِه، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَقَدْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِحَذافِيرِها" (٢)، والله أعلم. والظُّلم: مجاوزة الحد، وقيل: التصرف في غير ملك، وكل منهما مستحيل في حق الله تعالى؛ فإنه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، ومالك كل شيء، ولا يملكه شيء، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٣]. وقوله ﷺ : "وإذَا أتبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيتبعْ"؛ هو بإسكان التاء في "أُتْبِع" وفي "فَلْيتبع" مثل: أُخْرج، فلْيخْرُج، هذا هو الصواب المشهور في الروايات، والمعروف في اللغة وغريب الحديث، ونقل القاضي عياض ﵀ عن بعض المحدثين في الكلمة الثانية: أنه يشددها، وليس بصواب، وهو مأخوذ من قولنا: أتبعت فلانًا، إذا جعلته تابعًا للغير، والمراد هاهنا: تبعته في طلب الحق بالحوالة، ومعناه: إذا أحيل بالدين الذي له على موسر، فليحتل. يقال منه: تبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة، فأنا تبيع: إذا طلبته، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ (٣) [الإسراء: ٦٩]. ثم الأمر بقبول الحوالة على المليء معلل بكون مطل الغني ظلمًا لصاحب الحق بالحوالة على المحال عليه، ولعل السبب فيه بعد تقدير كون المطل ظلمًا من الغني، والمسلم الكامل يحترز عن الظلم، فيكون الأمر سببًا لقبول الحوالة

стр. 1176

على المليِّ؛ لحصول المقصود من غير ضرر المطل، ويحتمل أن تكون العلة عدم الترافع إلى الحاكم عند المطل من الغني والأخذ منه قهرًا؛ لئلا يترتب على ذلك الحقد والعداوة، اللذان هما سبب للقطيعة والوقيعة، ولهذا قال عمر ﵁: عليكم بالصلح بين الخصوم، وإياكم وفصل الحكم بينهم؛ فإن الصلح أذهبُ للعداوة والأحقاد. ولما كان فيه قبول الحوالة على المليِّ يدفع مفسدة تأخير الحق من الغني عن مستحقه، أمره ﷺ بقبوله، وهذا الاحتمال ظاهر، والأول قوي؛ لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون المطل ظلمًا، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: ما ذكره بعضهم: أن المُعْسر لا يحل حبسه ولا ملازمته ولا مطالبته في الحال، حتى يوسر، وهذا مذهب مالك، والشافعي، والجمهور. وينبغي لمن عليه دَيْن ألا يضارَّ صاحب الدَّيْن بتعاطي أصحاب أسباب الإعسار، وألا يؤلمه بكلام، ولا أذى؛ فإن لصاحب الحق مقالًا، وليس لمن عليه الحق مقال، بل معاملته للناس بالإيلام والأذى سبب لقطع التنفيس والإحسان إليهم وإليه غالبًا، وما كل أحد ينظر إلى أن الأذى المترتب عليه بسبب إحسانه وتنفيسه حسنة. وقد اختلف أصحاب مالك وغيرهم في عدم قبول شهادة المماطل، وفسقه بها بمرة واحدة، أم لا ترد شهادته، ويفسق حتى يتكرر المطل منه؟ ومقتضى مذهب الشافعي: اشتراط التكرر، وكان من رد الشهادة، وأثبت الفسق بمرة واحدة، والظلمُ ذنبٌ من الكبائر، فاقتضى الفسق. ومن شرط التكرر في المطل، رأى أنه ذنبٌ صغير، والصغائر لا بدَّ في التفسيق بها من الإصرار، وهو لا يعلم إلا بالتكرار. وفي الحديث، في السنن وغيرها -وهو حديث حسن-: أن النبي ﷺ قال:

стр. 1177

"ليُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" (١)، واللَّيُّ -بفتح اللام وتشديد الياء-: المَطْل، والواجِد -بالجيم-: الموسر، وإحلال عرضه: بأن يقول: ظلمني، مطلني، وعقوبته: تعزيره وحبسه. ومنها: تحريم مَطْلِ الغني وغيره، ممَّن عليه حقٌّ، وهو قادر على القيام به؛ كالزوجين فيما يتعلق بكل واحد منهما من الحق الذي عليه. وقد قال العلماء: يجب على كل واحدٍ من الزوجين بذلُ ما يجب عليه، من غير مطل، ولا إظهار كراهة، وكذلك الأولاد والوالدون، وكذلك السادات والعبيد، وكذلك الرعاة والرعايا، وكذلك الحكام والمتحاكمون، وكذلك النظار والمنظور عليهم، وكذلك المقدمون والمقدم عليهم، وكذلك كل من له سلطنة على شيء، ومن هم مسلطَنٌ عليهم، والله أعلم. ومنها: جواز الحوالة، وكل أمر فيه تنفيس وعدم شغب، بل ذلك جميعه مستحب، ومذهب الشافعي والجمهور: استحباب قبول الحوالة، إذا أحيل على مليء، وحملوا الحديث على الندب، وقال بعض العلماء: هو مباح لا مندوب، وقال بعضهم: هو واجب؛ لظاهر الأمر، وإليه ذهب داود الظاهري وغيره، والله أعلم. ومنها: ترك أسباب المقاطعات والوقيعات، وتعاطي أسباب المواصلات، وعدم القطيعات. ومنها: استعمال الأمور السهلة بالنسبة إلى نظر الشرع، لا بما يلائم النفوس وحظوظها المذمومة، والله أعلم. * * *

стр. 1178

الحديث الثالث عنه، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، أَو قَالَ: سَمِعتُ النبي ﷺ يقُولُ: "مَنْ أَدرَكَ مَالَه بِعَينِهِ عِندَ رَجُلٍ أَو إنسَانٍ قَد أَفلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِن غيره" (١). أما قوله: "قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَو قَالَ: سَمِعتُ النبي ﷺ "، فهذا شكٌ من الراوي عن أبي هريرة، وفيه مسألتان: إحداهما: اختلف في تغيير: "قال رسول الله" إلى "قال النبي"، وعكسه؛ هل يجوز؟ على مذهبين: قال الأكثرون: يجوز، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وحماد بن سلمة، والخطيب، وقال أبو عمرو بن الصلاح ﵀: الظاهر أنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى؛ لاختلافه (٢)، واختار شيخنا أبو زكريا النووي ﵀ الجواز، قال: لأنه لا يختلف به هنا معنى، ولما وقع الخلاف في هذه المسألة، ساغ للراوي التحرِّي في أي اللفظين سمع؛ ليرويه به (٣). الثانية: أرفع عبارات الرواية: (سمعت) عند جماهير المحدثين، ثم (حدثنا)، ثم (حدثني)، وأما: (قال) ممن عرف لقاؤه؛ كالصحابي بالنسبة إلى رسول ﷺ ، فهي محمولة على السماع، لكنها دون (سمعت) في الرتبة، فلهذا حسن تحري الراوي عن أبي هريرة في أي اللفظين قال، والله أعلم. وكذلك الشك في قوله: عند رجل أو إنسان، لما كان بينهما تغاير في المعنى، أو في اللفظ، حسن التحري فيه، وروايتُه على الشك عند عدم التحقق لما سمعه من اللفظين، والله أعلم.

стр. 1179

قوله ﷺ : "مَنْ أدركَ مَالَهُ بِعَينِه عِندَ رَجُلٍ قد أَفلَسَ"، قال الأزهري: أفلس الرجل: إذا عَدِم، وتفالس: ادَّعى الإفلاس، وهو مأخوذ من الفلوس التي هي أحسن الأموال؛ كأنه إذا حُجِر عليه، مُنع التصرُّفَ في ماله، إلا في شيء تافه؛ فإنه لا يعيش إلا به، وهو مؤنته ومؤنة عياله. وقيل: لأنه صار ماله كالفلوس؛ لقلته بالنسبة إلى الديون، وقال صاحب الحاوي؛ هو باب الفلس والتفليس، وكره بعض الشافعية أن يقال: باب الإفلاس؛ لأنه مستعمل في الإعسار بعد يسار، والتفليس في حجر الحاكم على المديون (١). وفي الحديث أحكام: منها: رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفَلَس فقط، ولا تأويل لخلافه، حتى قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: لو قضى القاضي بخلافه، نقض حكمه، وقد اختلف العلماء في المسألة على ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب الشافعي ﵀: أن البائع يرجع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس والموت. الثاني: مذهب أبي حنيفة: أنه لا يرجع إليه إلا في الموت، ولا في الفَلَس، وتأول الحديث على وجهين ضعيفين: أحدهما: حمل الحديث على الغصب والوديعة، وهو فاسد؛ حيث إن الحمل على ذلك يبطل فائدة تعليق الحكم بالفلس. والثاني: حمله على ما قبل القبض، وهو مستضعف بقوله: "أدرك ماله" أو وجد متاعه"؛ فإن ذلك يقتضي إمكان العقد بعد خروج السلعة من يده. المذهب الثالث: قول مالك: يرجع في الفَلَس دون الموت، ويكون في الموت أسوة الغرماء، والحديث حجَّة له، قوي فيه جدًّا.

стр. 1180

ومنها: رجوع المقرض إلى عين ماله، إذا كان باقيًا لم يتصرف فيه المستقرض، وأفلس بعد قبضه؛ لأن لفظ الحديث أعمُّ من أن يكون المال أو المتاع لبائع أولمقرض، وإن كان الفقهاء قاسوا القرض في ذلك على البيع. لكن التمسك بعموم اللفظ من حيث وضعُه أولى، ولا حاجة إلى القياس؛ لاندراجه تحته، وقد يقال: على الحكم دليلان: أحدهما: عموم اللفظ. والآخر: القياس، وهو مملوك ببدل بعذر تحصيله، فأشبه البيع. ومنها: الحجر على المفلس، ولا بد في الحديث من إضمار أمور [تحمل] عليه، مثل: كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره، والثمن غير مقبوض، ومال المفلس لا يفي بالديون، أو كان مساويًا، وقلنا: يحجر عليه في صورة التساوي. ومنها: أجرة الدار ونحوها من الدَّواب وغيرها، إذا أفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة ومضي المدة، فللمؤجر الفسخ، على الصحيح من مذهب الشافعي. ولا شك أن عقد الإجارة لا يتناول العين المأجورة، إنما يتناول منافعها، وإطلاق اسم المال على المنافع قوي، وهو أقوى من إطلاقه على المتاع؛ من حيث إنَّها مقابلة بعوض، وهي مقدرة الوجود عند العقد تصحيحًا له، واغتفر ذلك لحاجة الناس إلى الإجارات، فأشبه الأعيان، فحينئذٍ تكون الأجرة مندرجة تحت لفظ الحديث، موزعة على المدة؛ من حيث إن صاحب المال أحقُّ به من سائر الغرماء، فيكون ذلك من لوازم الرجوع في المنافع، لا بطريق الأصالة. ومنها: لو ألزم ذمته نقل متاع من مكان إلى مكان بطريق الإجارة، ثم أفلس، والأجرة في يده قائمة، ثبتَ حقُّ الفسخ والرجوع إلى الأجرة. والحكم مندرج تحت لفظ الحديث ظاهرًا إن أخذنا به، ولم نخصص الحكم

стр. 1181

بالبائع، وإن خصصناه به، ثبت الحكم بالقياس، لا بالحديث. ومنها: إمكان الاستدلال بالحديث على حلول الديون المؤجلة بالحَجْر؛ من حيث إن صاحب الدين كأنه أدرك متاعه، فيكون أحق به، ولو لم يحل الدين بالحَجْر، لم يستحق المطالبة به قبل الحلول، فتكون الدلالة على حلوله بطريق اللزوم. ومنها: أن الغرماء لو قدموا البائع بالثمن، لم يسقط حقه من الرجوع بعين ماله؛ لاندراجه تحت لفظ الحديث، والفقهاء علَّلوا عدم السقوط وقبول التقديم بالثمن بالمنة. ومنها: الاستبداد برجوع صاحب المتاع بعين ماله عند الفَلَس من غير حاكم؛ فإن الشرع أثبت له الأحقية مطلقًا بالمتاع، من غير تعرض لكيفية أخذه، لكن قال بعض الفقهاء: لا بد من الحاكم، ولعله الراجح عندهم. ومنها: أنه قد يؤخذ من الحديث الرجوعُ بامتناع المشتري من التسليم مع اليسار، أو هربه، أو امتناع الوارث من التسليم بعد موته بطريق المفهوم في مثله، وقد ينفي هذا الحكم بدلالة المفهوم من لفظ الحديث؛ حيث إن الحكم معلق بالفلس، ولا يتناول غيره، ومن أثبت من الفقهاء الرجوع فيما ذكرنا، إنما يثبته بالقياس على العكس. ومنها: أنه لا يرجع البائع مع هلاك العين، بل يرجع مع بقائها بعد الفلس؛ لأنه ﷺ شرط إدراك العين في الأحقية، وبعد الهلاك يفوت الشرط، وهذا ظاهر في الهلاك الحسي. وقد ترك الفقهاء تصرفات شرعية منزلة الهلاك الحسي؛ كالبيع، والهبة، والوقف، ولم ينقضوا بهذه التصرفات الهلاك الحسي، بل ألحقوا به تصرفات الشفيع، فإذا بين أنها كالهالكة شرعًا، دخلت تحت اللفظ؛ فإن البائع حينئذ لا يكون مدركًا لماله. واختلفوا فيما إذا وجد متاعه عند المشتري بعد أن خرج عنه، ثم رجع إليه

стр. 1182

بغير عوض، فقيل: يرجع فيه؛ لأنه وجد ماله بعينه، فيدخل تحت اللفظ، وقيل: لا يرجع؛ لأن هذا المال يتلقى من غيره؛ لأنه تحللت حالة، لو صادفها الإفلاس والحَجْر لما رجع، فيستصحب حكمها، وهذا تصرف في اللفظ بالتخصيص بسبب معنى مفهوم منه، وهو الرجوع إلى العين؛ لتعذر العوض من تلك الجهة، كما يفهم ما قدمنا ذكره، أو يخصص بالمعنى، وإن سلم اقتضاء اللفظ له. ومنها: لو باع عبدين مثلًا، فتلف أحدهما، ووجد الثاني بعينه، رجع به عند الشافعي، والمذهب: أنه يرجع بحصته من الثمن، ويضارب بحصته ثمن التالف، وقيل: يرجع في الباقي بكل الثمن، فأما رجوعه في الباقي، فقد يدرج تحت قوله: "فوجد متاعه"؛ فإن الباقي متاعه، وأما كيفية الرجوع، فلا تعلق للفظ فيه. ومنها: لو تغير المبيع في صفته بحدوث عيب: فأثبت الشافعي الرجوع، إِنْ شاءه البائع بغير شيء يأخذه، وإنْ شاء ضاربَ بالثمن، وهذا يمكن دخوله تحت اللفظ؛ فإنه وجد بعينه، والتغير حادث في الصفة لا في العين. ومنها: لو قبض البائع بعض الثمن، رجع بالعين؛ لإطلاق الحديث، وللشافعي قول قديم: أنه لا يرجع؛ لحديث ورد فيه. ومنها: رجوع البائع في متاعه بعينه، ومفهوم الحديث: أنه لا يرجع في غير متاعه، والزوائد المنفصلة الحادثة على ملك المشتري ليست بمتاع للبائع، فلا رجوع له فيها. ومنها: أنه لا يثبت الرجوع إلا إذا تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس، ويؤخذ ذلك من لفظة الأحقية على الفلس، مع الشرط بصيغته أو بعقيبه؛ فإن من ضرورة ذلك تقدم سبب لزوم الثمن على الفلس، والله أعلم. * * *

стр. 1183

الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: جَعَلَ (١) -وفي لفظ: قَضَى- النَّبِيُّ ﷺ بالشُّفْعَة فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَم، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَة (٢). الشُّفْعَة: مأخوذة من شَفَعْتُ الشيءَ: إذا ضَمَمْته وثبته. ومنه: شفع الأذان، وسميت شفعة؛ لضم نصيب إلى نصيب (٣). ووقع في بعض روايات الحديث: "إنما الشفْعَةُ فِيما لَمْ يقسَم" (٤)، و"إنما" دالة على الحصر بالوضع، فتكون دلالتها أقوى من دلالة مفهوم الحديث؛ حيث مقتضاه: أن جعل الشفعة فيما لم يقسم يقتضي أن الشفعة فيما قسم. ولا شك أن الحكمة في ثبوت الشفعة إزالة الضرر عن الشريك، والضرر تارة يتعلق بجواز المجاورة، وتارة يتعلق بشركته. أما الأول: فقد نبه ﷺ في حديث صحيح بالاستعاذة؛ بقوله ﷺ : "اللهم إِنِّي أَعُوذ بِكَ مِنْ جَارِ السوء فِي دَارِ المُقَامَةِ" (٥)؛ حيث إنه في دار المقامة أشد منه في دار الترحال؛ فإن الضرر فيها يزول سريعًا؛ بخلاف دار الإقامة؛ يدوم. وأما الثاني: وهو تعلُّق الضَّرر بالمشاركة، وهو في العقار أكثر، فلهذا خصَّ

стр. 1184

الشارع ثبوته فيه دون غيره، ما لم يقسم، ونفاها عند وقوع الحدود، وتصريف الطرق، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: ثبوت الشفعة للشريك في العقار ما لم يقسم، وهذا مجمع عليه عند العلماء. ومنها: عدم ثبوتها في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول، وهذا متفق عليه عند العلماء. قال القاضي عياض: وشذ بعض الناس، فأثبت الشفعة في العروض، وهي رواية عن عطاء، قال: يثبت في كل شيء حتى في الثوب، وحكى ذلك رواية عنه ابن المنذر -أيضًا-، وعن الإمام أحمد رواية: أنها تثبت في الحيوان، والبناء المفرد (١). ولا شك أن ذكر وقوع الحدود وتصريف الطرق يقتضي تخصيص ثبوتها بالعقار دون غيره؛ حيث إن ذلك لا يكون إلا في العقار، مع أنه ثبت التصريح بثبوتها في الحوائط والربوع، وهي العقار، فصدر الحديث المذكور يقتضي ثبوته في المنقولات وغيرها، وسياقه يقتضي عدم ثبوته فيها. ومنها: أن ثبوتها فيما ذكرنا إنما يثبت فيما يكون قابلًا للقسمة؛ لأن قوله ﷺ : "في كل مَا لَمْ يُقْسَمْ" يُشعر بأنه لا بدَّ أن يكون قائلًا لها مع رواية: "إنما الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ" المقتضية للحصر، وإن دلالة المفهوم مرجوحة بالنسبة إليها. ومنها: سقوط الشفعة بمجرد الجوار، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، وقال به من الصحابة ﵃: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبو الزناد، ومن

стр. 1185

غيرهم: ربيعة، والأوزاعي، والمغيرة بن عبد الرحمن، وإسحاق، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: تثبت بالجوار؛ فإن رسول الله ﷺ نفى سقوطها، ورتبه على أمرين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، وكل منهما يلزمه الجوار، وإن قسم. ومنها: ثبوت الشفعة بشرطها لكل أحد؛ من مسلم، وذمي، ومقيم حضري، وغائب بدوي؛ حيث أنه ﷺ قال: "إنما الشُّفعة في كُلِّ مَا لم يقسم" من غير بيان من تثبُت له، فدل على ثبوتها لمن ذكر، وثبوتها للذمي على المسلم كعكسه. قاله الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، والجمهور. وقال الشعبي، والحسن، وأحمد: لا شفعة للذمي على المسلم، وثبوتها للأعرابي على المقيم في البلد. قال الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والجمهور. وقال الشافعي: لا شفعة لمن لا يسكن المصر، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَصابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبرَ، فأتى النبي ﷺ يَسْتأمِرُهُ فِيها، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إني أَصبْتُ مَالًا بِخَيبَرَ، لَمْ أصبْ مَالًا هُوَ أَنْفَسُ عِندِي مِنهُ؛ فَمَا تَأمُرُني به؟ قَالَ: "إنْ شِئْتَ حَبَستَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، قَالَ: فَتَصَدق بِهَا، غَيًر أنهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُها، وَلَا يُورثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدقَ به عُمَرُ فِي الفُقَرَاء، وَفي القُرْبَى، وَفِي الرِّقَاب، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابنِ السبِيلِ، والضَّيفِ، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَها أَنْ يَأكلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطعِمَ صَديقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فيهِ، وفي لفظ: غيْرَ مُتأثلٍ (١).

стр. 1186

أمَّا قولُ عُمَرَ ﵁: "هُوَ أَنفَسُ"؛ فمعناه: أجود، والنَّفِيس: الجيد، وقد نَفُسَ -بفتح النون وضم الفاء- نفاسة. واسم المال المذكور الذي وقفه عمر ﵁: (ثمغ) -بثاء مثلثة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم غين معجمة-. وفي قوله ﷺ : "إن شِئتَ حَبَستَ أَصلَهَا وَتَصَدَّقتَ بِهَا"، قال الأزهري: يقال: حبست الأرض، ووقفتُها، وحبستُ أكثرُ استعمالًا (١)، وقال الشافعي ﵀: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته دارًا ولا أرضا تَبَرُّرًا، قال: وإنما حبس أهل الإسلام (٢). قال العلماء من الشافعية وغيرهم: الوقف: تحبيس مالٍ يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه؛ بقطع تصرف الواقف، وغيره في رقبته، يُصرف في جهة خير؛ تقربًا إلى الله تعالى. وأَمَّا قوله: "وتَصَدَّقْتَ بِهَا"، يحتمل أن يكون راجعًا إلى أصل المال المحبَّس، وهو ظاهر اللفظ، ويحتمل أن يكون راجعًا إلى الثمرة، على حذف المضاف؛ أي: وتصدقت بثمرتها أو رَيْعها. وقوله: "فَتَصَدَّقَ بِهَا، غيرَ أنهُ لا يُباعُ أَصلُها، ولا يُورثُ، ولا يُوهَبُ". لا شك أن أسباب الدخول في الملك ثلاثة أنواع: أحدها: ما يدخل بعوض دنيوي؛ كالبيع. الثاني: ما يدخل في الملك قهرًا؛ كالإرث. والثالث: ما يدخل بغير عوض ولا قهر؛ كالهبة. ولمَّا كان الوقف خارجًا عن هذه الأسباب في رقبته، منع الشرع منه؛ حيث

стр. 1187

إنه منتقل في أصله عن الواقف، تقرُّبًا إلى الله تعالى بلفظ يدل عليه؛ كلفظ التحبيس المذكور في الحديث. وأما قوله: "فَتَصَدَّقَ بِهَا"، فهو راجع إلى الاحتمالين المذكورين، إن جعلناه بيانًا للتحبيس، وخبرًا عن معنى الوقف، فلا يحتاج إلى قرينة، ولا إلى نية، بل يكون بمجرده؛ كالتحبيس والتسبيل، وإن لم يجعله كذلك، احتاج إلى لفظ يقترن به، يدلُّ عليه؛ كقولنا: صدقة مؤبدة محرمة، أو لا تُباع ولا تُوهَب، لكن الفقهاء قالوا: لما كان لفظ الصدقة يحتمل الوقف، ويحتمل صدقة التطوع، قالوا: لا بد من نية أو لفظ يدل عليه، ويكون قوله: "لا يباع" إلى آخره إرشادًا إلى شرطه في الوقف، فيكون ثبوته بالشرط لا بالشرع. وقولُه: "قالَ: فَتَصدَقَ بِهَا عُمَرُ ﵁ في الفقراء" إلى آخره؛ المصارف التي ذكرها: مصارف خير وقربة، فهي جهة الأقارب، فلا بدَّ أن يكون معناها معلومًا، فلا يوقف على ما ليس بقربة من جهات العامة، ولا ما يكون مصرفه مجهولًا غير معلوم. والمراد "بالقُرْبى": قربى عمر ﵁ ظاهرًا. "وفي الرِّقَابِ": إما الكتابة، وإما العتق، على ما هو مذكور في الزكاة. "وفي سَبيلِ اللهِ": الجهاد عند الأكثرين، ومنهم من عداه إلى الحجِّ وكل قربة. "وابن السَّبيلِ": المسافر، والقرينة تقتضي اشتراط حاجته. "والضَّيْف": من نزل بقوم، والمراد: قِراه، ولا تقتضي القرينة تخصصه بالفقراء. وقوله: "غير متأثل" معناه: جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه: مجد مُوَثَّل؛ أي: قديم، وأثلة الشيء: أصله، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: صحَّةُ أصل الوقف، وقد أجمع المسلمون على صحَّة وقف المساجد

стр. 1188

والسقايات؛ وكذلك الوقف على جهات القربات، وهو مشهور متداول خلفًا عن سلف. ومنها: التقرُّب إلى الله تعالى بأَنْفَسِ الأموال وأطيبها، وعليه عمل أكابر الصالحين من السلف والخلف؛ كعمر، وغيره ﵃. ومنها: استئمار العلماء فيما يعرض للإنسان من مقصد صالح وعمل وقول؛ ليكون ذلك جميعه على مقتضى العلم، والحكم الشرعي. ومنها: أن ذكر ذلك ليس من باب إظهار العمل للرياء والتسمع. ومنها: أن التحبيس صريح في ألفاظ الوقف. ومنها: أن لفظ الصدقة في الوقف لا بد فيها من نِيَّةٍ أو قرينة تدل عليه. ومنها: أن أصل الوقف ينتقل إلى الله تعالى قربة، بحيث يمتنع بيعه وإرثه، وهبته، إذا كان في الصحة، وجواز التصرُّف. ومنها: أن الوقف مخالف لشوائب الجاهلية؛ حيث إن المقصود منه التبرُّر، فلو قصد به مضارَّة أحد، أو منعَ حق، لم يصحَّ باطنًا، ولا ثوابَ فيه، وربما كان ملحقًا بشوائب الجاهلية في التحريم. ومنها: صحة شروط الواقفين المطابقة للكتاب والسنة. [ومنها: فضيلة الوقف على الصدقة الجارية] (١). ومنها: فضيلة الوقف على الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، وسبيل الله، وابن السبيل، والضيف، وما شاكل ذلك من الأمور العامة. ومنها: جواز الوقف على الأغنياء؛ حيث إن بعض المذكورين في الحديث غير مقيد بالفقر، بل هو مطلق لذوي القربى والضيف. ومنها: وجوب اتباع شروط الواقفين المطابقة للشرع. ومنها: تحريم أخذ العمال، وغيرهم ممن يليها أكثر ما يستحقه شرعًا، وهو

стр. 1189

معنى الأكل على القيام بمصالح الأوقاف بالمعروف، وهو غير منضبط من جهة الشرع على التقدير، فيقدره الحاكم بطريقة؛ بعلمه أو ببينة. ومنها: جواز أكل الضيفان منها بالمعروف؛ بحيث لا يعكر أكلهم على تعطيل مقصود الشرع، وشرط الواقف. ومنها: كراهة التكثر و [التأثُّل] من مال الأوقاف، بل يأكل ما يعتاد شرعًا، ولا يتجاوزه. ومنها: فضيلة صلة الأرحام، وغيرهم من المحتاجين، والوقف عليهم. ومنها: منقبة وفضيلة ظاهرة لعمر ﵁. ومنها: قبول شور المشاور، والمبادرة إلى ما أشار به. ومنها: أن خيبر فتحت عنوة. ومنها: أن الغانمين ملكوها واقتسموها، واستقرت أملاكهم على حصصهم، ونفذت تصرفاتهم فيها. ومنها: استحباب المبادرة إلى فعل الخيرات المتعدية، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ في سَبيلِ اللهِ، فَأضَاعَهُ الَّذِي كانَ عنْدَهُ، فَأرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَألتُ النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَشْتره، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإنْ أَعْطَاكهُ بِدِرْهَمٍ؛ فَإن العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كالعَائدِ فِي قَيئهِ" (١). وفي لفظ: "فَإنَّ الذِي يَعُودُ في صَدَقتهِ كالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيئهِ" (٢). وعن ابنِ عبَّاسِ ﵄: أَن النبي ﷺ قَالَ: "العَائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائدِ في قَيْئهِ" (٣).

стр. 1190

قولُه: "حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبِيلِ اللهِ"؛ هذا الحمل: حملُ تمليك لمن أُعطي الفرس، ويكون معنى كونه في سبيل الله، كونَ الرجل الذي أعطاه عمر ﵁ كان غازيًا، فآل الأمر بتمليكه إياه إلى أنه في سبيل الله، أو نعته بذلك باعتبار المقصود؛ حيث إن المقصود من تمليك الفرس استعماله فيما العادة أن يستعمله فيه. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الذي كان عنده، أضاعه ببيعه، ولم ينكر عليه ذلك، فإنه لو كان حمل تحبيس، لامتنع بيعه، إلا أن ينتهي إلى حالة لا ينتفع به فيما حبس عليه، وليس في اللفظ ما يشعر بذلك، ولو ثبت أنه حمل تحبيس، لكان متعلقًا بمسألة وقف الحيوان، ويدل على أنه حمل تمليك قولُه ﷺ : "وَلَا تَعُدْ فِي صدَقَتِكَ"، وسمي شراؤه برخص عودًا في الصدقة؛ حيث إن العوض فيها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص، فكأنه اختار عوض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق أو المملك، بسبب تقدم إحسانه بذلك، فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح به. وقولُه ﷺ : "لَا تَشتَره وَلَا تَعُدْ فِي صدَقَتِكَ"؛ حَمل أكثرُ العلماء هذا النهي على كراهة التنزيه، وحمله بعضهم على كراهة التحريم، وسيأتي إيضاحه في أحكام الحديث. وقولُه ﷺ : "وإنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم"؛ هو مبالغة في رخصه الحامل على شرائه؛ حيث إن ثواب الله تعالى عظيم، فلا يضيع بشيء من الدنيا، قل أو كَثُر. وقولُه ﷺ : "فَإن العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالعَائدِ فِي قَيْئه"، "فَإن الذِي يَعُودُ فِي صدَقَتهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيئه"، ذكر الكلب وعوده في القيء؛ ليكون ذلك مبالغة في التنفير عن العود في الهبة والصدقة، ولا شك في شدة كراهة ذلك، وهي من وجهين:

стр. 1191

أحدهما: وقوع التشبيه في الراجع في الهبة بالكلب. والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء، وكل منهما قذر نجس محرم، ثم وقوع التشبيه بالكلب -وهو غير مكلف- يقتضي عدم تشبيه العود بالهبة بالحرمة، فيكون التشبيه وقع بأمر مكروه في الطبيعة؛ لتثبت به الكراهة في الشريعة، وبذلك تمسَّك أبو حنيفة في جواز رجوع الأجنبي في الهبة. وفي الحديث أحكام: منها: الإعانة على الغزو بكل شيء، حتى بتملك فرس. ومنها: أنه يملكه من أعطيه. ومنها: جواز بيع الفرس ممن أعطيه، والانتفاع بثمنه. ومنها: منع من تصدق بشيء، أو أخرجه في زكاةٍ أو كفارةٍ أو نذرٍ، ونحو ذلك من القربات، أن يشتريه ممن تصدق به عليه، أو يَتَّهبه، أو يتملكه باختياره منه، فلو ورثه منه، فلا منع منه، ولا كراهة فيه، وكذا التمليك لو انتقل إلى ثالث، ثم اشتراه منه المتصدق، فلا كراهة، وهذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء؛ أن المنع للتنزيه، وقال جماعة من العلماء: النهي عن ذلك للتحريم. ومنها: تحريم الرجوع في الهبة، وفي معناه الرجوع في الصدقَة، وإنما يحرُم الرجوع فيهما بعد [إقباضهما]، والحديث عامٌّ في كل هبة، لكنه مخصوص بجواز رجوع هبة الوالد لولده، وأن ينتقل؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄ الآتي، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، وكل هذا مذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب في هبة الأجنبي، إلا الوالد، وكل ذي رحم محرم، والله أعلم، واتفقوا على كراهية الرجوع مطلقًا، تنزيهًا، لا تحريمًا. * * *

стр. 1192

الحديث السابع عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي -عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحةَ-: لَا أَرْضَى حَتَّى يَشْهَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيشْهِدَهُ عَلَى صدَقَتِي، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلاَدِكمْ"، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (١). وفي لفظٍ قالَ: "فَلَا تُشْهِدْنِي إذَنْ؛ فَإنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٢). وفي لفظٍ: "فأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٣). تقدَّم الكلام على النُّعمان بن بشير، في باب: الصفوف. وأَمَّا عَمْرَةُ بنْتُ رَوَاحةَ؛ فهي أختُ عبد الله بن رواحة، وزوجةُ بشير بن سعد الأنصاري، وأمُّ النُّعمان بن بشير ﵃، لما ولدت النُّعمان، حملته إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في فيه، فحنَّكه بها، فقالت: يا رسول الله! ادعُ اللهَ له أن يُكثر ماله وولده، فقال: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ يعيشَ كَمَا عاشَ خَالُه حَميدًا، وقُتل شَهيدًا، ودَخَلَ الجنة؟ " (٤)، ومن حديثها عن النَّبيُّ ﷺ أنه قال: "وَجَبَ الخُروج -يعني: في الجِهاد- عَلَى كلِّ ذاتِ نِطاقٍ" (٥).

стр. 1193

وأمَّا الجَوْرُ لغة: فهو الميل عن السواءِ والاعتدالِ، فكل ما خرج عن ذلك، فهو جور، سواء كان حرامًا، أو مكروهًا (١)، وقد يكون في الشرع للحرام، وقد يكون للمكروه، وقد استعمل فيه بمعنى الضلال، وبمعنى الظلم، وكلاهما محرمان. وفي الحديث أحكام: منها: جواز تسمية الهبة صدقة. ومنها: شرعية الإشهاد عليها. ومنها: أن للأمِّ كلامًا في مصلحة الولد وماله بحضرة أبيه، وأنه مسموع. ومنها: أن المفتي والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلَّا بما يسوغ في الشرع. ومنها: وجوب الرجوع في الأقوال والأعمال في المعاملات وغيرها إلى العلماء. ومنها: سؤال العالم والمفتي والشاهد عن شرط الحكم، وما يسوغ فعله، سواء كان الشرط واجبًا أو مندوبًا. ومنها: أمرُ مخالفِ ذلك بتقوى الله، والعدلِ بين الأولاد. ومنها: المبادرة إلى قبول قول الحق من غير تأخير، ولا حرج في النفس. ومنها: التسوية بين الأولاد في العطية من غير تفضيل، وقد ذكرت الحكمة

стр. 1194

من الشارع في ذلك؛ بمحبة الوالدان أن يكون بِرُّهم له على السواء، فكذلك عطيته لهم على السواء. ولما كان التفضيل يؤدي إلى الأنجاش، والتباغض؛ بعدم برِّ الولد لوالده؛ لكونه فضل غيره عليه في العطية، منع الشارع منه، وأمر بالتسوية بينهم. واختلف العلماء في هذه التسوية: هل يسلك بها مسلك الميراث في أن للذكر مثل حظ الأنثيين؟ أم يسوي بين الذكر والأنثى من غير تفضيل؟ وظاهر الحديث يقتضي التسوية، وهو المشهور في مذهب الشَّافعي وغيره، فلو فضل بعضهم، أو وهب بعضهم دون بعض، فقد اختلف الفقهاء فيه، هل هو محرم أو مكروه؟ فقال طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود: هو حرام؛ لتسميته ﷺ ذلك جورًا، ورجوع الواهب فيها، مع أن العائد في هبته كالعائد في قيئه، لا سيما وقد سمَّاها صدقة عليه، والصدقة على الولد لا يجوز الرجوع فيها، فالرجوع حينئذ هنا يقتضي أنها وقعت غير الموقع الشرعي؛ فلهذا نقضت بعد لزومها. وقال الشَّافعي، ومالك، وأبو حنيفة: هو مكروه كراهة تنزيه، وقد استدلَّ على ذلك بقوله ﷺ : "فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيرِي"؛ فإنّه يقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح ذلك إلَّا في أمر جائز، ويكون امتناع النَّبيّ ﷺ من الشهادة على وجه التنزيه. قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وليس هذا بالقوي عندي؛ لأنَّ الصيغة، وإن كان ظاهرها الإذن، إلَّا أنَّها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل؛ حيث امتنع الرسول ﷺ عن المباشرة لهذه الشاهدة؛ معللًا بأنها جور، فتخرج الصيغة عن ظاهرها في الإذن بهذه القرائن، وقد يستعمل مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير، ومما يستدلُّ به عن المنع أيضًا قوله عمر: "اتَّقُوا الله"؛ فإنّه يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى الله، وأن التسوية تقوى، هذا آخر كلامه (١).

стр. 1195

وقال شيخنا أبو زكريا النووي ﵀: فإن قيل: قاله تهديدًا، قلنا: الأصل في كلام الشارع غير هذا، ويحمل عند إطلاقه صيغة (افعلْ) على الوجوب، أو الندب، فإن تعذر ذلك، فعلى الإباحة. وأَمَّا قوله ﷺ : "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ"؛ فليس فيه أنه حرام؛ لأنَّ الجَوْرَ هو: الميل عن الاستواء والاعتدال، فكل ما خرج عن الاعتدال، فهو جَوْر، سواءٌ كان حرامًا، أو مكروهًا، وقد وضح ما قدَّمناه: أن قوله ﷺ : "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي": دليل على أنه ليس بحرام، فيجب تأويل الجَوْر على أنه مكروه كراهة تنزيه، هذا آخر كلامه (١)، لكن الكلام الأول أمتن، والله أعلم. ومنها: بداءة المشهود عليه الشاهد، بسؤال الشهادة عليه. ومنها: نهي الشاهد المشهود عليه، إذا كان مخالفًا لقواعد الشرع. ومنها: أنه إذا كان في إشهاد المشهود عليه وجه يجوز إشهاده مع مخالفة الأولى، فلا بأس أن يقول الشاهد: أَشْهِد على هذا غيري، إلَّا أن يكون الشاهد يعتقد التحريم، فلا يقول ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن النَّبيَّ ﷺ عَامَلَ أَهلَ خَيبَرَ بشِطْرِ مَا يَخرُجُ مِنهَا، مِن ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (٢). أمَّا خيبر؛ فهي اسم لحصونٍ كانت لليهود، بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل، والسلوك إليها من وراء أحد، غزاها رسول ﷺ في أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، ومررتُ بطرفها راجعًا من المدينة -على ساكنها أفضل الصَّلاة والسلام- في أواخر ذي الحجَّة سنة خمس وسبعين وست مئة.
следующие страницы →