← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

أحدهما: وقوع التشبيه في الراجع في الهبة بالكلب. والثاني: تشبيه المرجوع فيه بالقيء، وكل منهما قذر نجس محرم، ثم وقوع التشبيه بالكلب -وهو غير مكلف- يقتضي عدم تشبيه العود بالهبة بالحرمة، فيكون التشبيه وقع بأمر مكروه في الطبيعة؛ لتثبت به الكراهة في الشريعة، وبذلك تمسَّك أبو حنيفة في جواز رجوع الأجنبي في الهبة. وفي الحديث أحكام: منها: الإعانة على الغزو بكل شيء، حتى بتملك فرس. ومنها: أنه يملكه من أعطيه. ومنها: جواز بيع الفرس ممن أعطيه، والانتفاع بثمنه. ومنها: منع من تصدق بشيء، أو أخرجه في زكاةٍ أو كفارةٍ أو نذرٍ، ونحو ذلك من القربات، أن يشتريه ممن تصدق به عليه، أو يَتَّهبه، أو يتملكه باختياره منه، فلو ورثه منه، فلا منع منه، ولا كراهة فيه، وكذا التمليك لو انتقل إلى ثالث، ثم اشتراه منه المتصدق، فلا كراهة، وهذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء؛ أن المنع للتنزيه، وقال جماعة من العلماء: النهي عن ذلك للتحريم. ومنها: تحريم الرجوع في الهبة، وفي معناه الرجوع في الصدقَة، وإنما يحرُم الرجوع فيهما بعد [إقباضهما]، والحديث عامٌّ في كل هبة، لكنه مخصوص بجواز رجوع هبة الوالد لولده، وأن ينتقل؛ لحديث النعمان بن بشير ﵄ الآتي، ولا رجوع في هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوي الأرحام، وكل هذا مذهب الشافعي، ومالك، والأوزاعي، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب في هبة الأجنبي، إلا الوالد، وكل ذي رحم محرم، والله أعلم، واتفقوا على كراهية الرجوع مطلقًا، تنزيهًا، لا تحريمًا. * * *

стр. 1192

الحديث السابع عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي -عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحةَ-: لَا أَرْضَى حَتَّى يَشْهَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيشْهِدَهُ عَلَى صدَقَتِي، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَينَ أَوْلاَدِكمْ"، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ (١). وفي لفظٍ قالَ: "فَلَا تُشْهِدْنِي إذَنْ؛ فَإنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" (٢). وفي لفظٍ: "فأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٣). تقدَّم الكلام على النُّعمان بن بشير، في باب: الصفوف. وأَمَّا عَمْرَةُ بنْتُ رَوَاحةَ؛ فهي أختُ عبد الله بن رواحة، وزوجةُ بشير بن سعد الأنصاري، وأمُّ النُّعمان بن بشير ﵃، لما ولدت النُّعمان، حملته إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بتمرة، فمضغها، ثم ألقاها في فيه، فحنَّكه بها، فقالت: يا رسول الله! ادعُ اللهَ له أن يُكثر ماله وولده، فقال: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ يعيشَ كَمَا عاشَ خَالُه حَميدًا، وقُتل شَهيدًا، ودَخَلَ الجنة؟ " (٤)، ومن حديثها عن النَّبيُّ ﷺ أنه قال: "وَجَبَ الخُروج -يعني: في الجِهاد- عَلَى كلِّ ذاتِ نِطاقٍ" (٥).

стр. 1193

وأمَّا الجَوْرُ لغة: فهو الميل عن السواءِ والاعتدالِ، فكل ما خرج عن ذلك، فهو جور، سواء كان حرامًا، أو مكروهًا (١)، وقد يكون في الشرع للحرام، وقد يكون للمكروه، وقد استعمل فيه بمعنى الضلال، وبمعنى الظلم، وكلاهما محرمان. وفي الحديث أحكام: منها: جواز تسمية الهبة صدقة. ومنها: شرعية الإشهاد عليها. ومنها: أن للأمِّ كلامًا في مصلحة الولد وماله بحضرة أبيه، وأنه مسموع. ومنها: أن المفتي والشاهد لا يفتي ولا يشهد إلَّا بما يسوغ في الشرع. ومنها: وجوب الرجوع في الأقوال والأعمال في المعاملات وغيرها إلى العلماء. ومنها: سؤال العالم والمفتي والشاهد عن شرط الحكم، وما يسوغ فعله، سواء كان الشرط واجبًا أو مندوبًا. ومنها: أمرُ مخالفِ ذلك بتقوى الله، والعدلِ بين الأولاد. ومنها: المبادرة إلى قبول قول الحق من غير تأخير، ولا حرج في النفس. ومنها: التسوية بين الأولاد في العطية من غير تفضيل، وقد ذكرت الحكمة

стр. 1194

من الشارع في ذلك؛ بمحبة الوالدان أن يكون بِرُّهم له على السواء، فكذلك عطيته لهم على السواء. ولما كان التفضيل يؤدي إلى الأنجاش، والتباغض؛ بعدم برِّ الولد لوالده؛ لكونه فضل غيره عليه في العطية، منع الشارع منه، وأمر بالتسوية بينهم. واختلف العلماء في هذه التسوية: هل يسلك بها مسلك الميراث في أن للذكر مثل حظ الأنثيين؟ أم يسوي بين الذكر والأنثى من غير تفضيل؟ وظاهر الحديث يقتضي التسوية، وهو المشهور في مذهب الشَّافعي وغيره، فلو فضل بعضهم، أو وهب بعضهم دون بعض، فقد اختلف الفقهاء فيه، هل هو محرم أو مكروه؟ فقال طاوس، وعروة، ومجاهد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وداود: هو حرام؛ لتسميته ﷺ ذلك جورًا، ورجوع الواهب فيها، مع أن العائد في هبته كالعائد في قيئه، لا سيما وقد سمَّاها صدقة عليه، والصدقة على الولد لا يجوز الرجوع فيها، فالرجوع حينئذ هنا يقتضي أنها وقعت غير الموقع الشرعي؛ فلهذا نقضت بعد لزومها. وقال الشَّافعي، ومالك، وأبو حنيفة: هو مكروه كراهة تنزيه، وقد استدلَّ على ذلك بقوله ﷺ : "فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيرِي"؛ فإنّه يقتضي إباحة إشهاد الغير، ولا يباح ذلك إلَّا في أمر جائز، ويكون امتناع النَّبيّ ﷺ من الشهادة على وجه التنزيه. قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وليس هذا بالقوي عندي؛ لأنَّ الصيغة، وإن كان ظاهرها الإذن، إلَّا أنَّها مشعرة بالتنفير الشديد عن ذلك الفعل؛ حيث امتنع الرسول ﷺ عن المباشرة لهذه الشاهدة؛ معللًا بأنها جور، فتخرج الصيغة عن ظاهرها في الإذن بهذه القرائن، وقد يستعمل مثل هذا اللفظ في مقصود التنفير، ومما يستدلُّ به عن المنع أيضًا قوله عمر: "اتَّقُوا الله"؛ فإنّه يؤذن بأن خلاف التسوية ليس بتقوى الله، وأن التسوية تقوى، هذا آخر كلامه (١).

стр. 1195

وقال شيخنا أبو زكريا النووي ﵀: فإن قيل: قاله تهديدًا، قلنا: الأصل في كلام الشارع غير هذا، ويحمل عند إطلاقه صيغة (افعلْ) على الوجوب، أو الندب، فإن تعذر ذلك، فعلى الإباحة. وأَمَّا قوله ﷺ : "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ"؛ فليس فيه أنه حرام؛ لأنَّ الجَوْرَ هو: الميل عن الاستواء والاعتدال، فكل ما خرج عن الاعتدال، فهو جَوْر، سواءٌ كان حرامًا، أو مكروهًا، وقد وضح ما قدَّمناه: أن قوله ﷺ : "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي": دليل على أنه ليس بحرام، فيجب تأويل الجَوْر على أنه مكروه كراهة تنزيه، هذا آخر كلامه (١)، لكن الكلام الأول أمتن، والله أعلم. ومنها: بداءة المشهود عليه الشاهد، بسؤال الشهادة عليه. ومنها: نهي الشاهد المشهود عليه، إذا كان مخالفًا لقواعد الشرع. ومنها: أنه إذا كان في إشهاد المشهود عليه وجه يجوز إشهاده مع مخالفة الأولى، فلا بأس أن يقول الشاهد: أَشْهِد على هذا غيري، إلَّا أن يكون الشاهد يعتقد التحريم، فلا يقول ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن النَّبيَّ ﷺ عَامَلَ أَهلَ خَيبَرَ بشِطْرِ مَا يَخرُجُ مِنهَا، مِن ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (٢). أمَّا خيبر؛ فهي اسم لحصونٍ كانت لليهود، بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل، والسلوك إليها من وراء أحد، غزاها رسول ﷺ في أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، ومررتُ بطرفها راجعًا من المدينة -على ساكنها أفضل الصَّلاة والسلام- في أواخر ذي الحجَّة سنة خمس وسبعين وست مئة.

стр. 1196

ولمّا غزاها رسول الله ﷺ ، فتح الله عليه من حصونهم: حصن ناعم، والقموص، والشق، ونطاة، والكتيبة، فحاز أموالهم، واشتدّ الحصار على حصنين، وهما: الوطيح والسُّلالم، حتَّى أيقنوا بالهلكة، وسألوا أن يسترهم ويحقِنَ دماءهم، ويحلوا له الأموال، ثم سألوا أن يعاملهم في الأموال على النصف، فعاملهم على ذلك، على أنه متى شاء، أخرجهم، ولما بلغ ذلك أهل فدك، أرسلوا يسألونه في ذلك، وكانت هذه الحصون فيئًا للمسلمين، وكانت فدك خالصة له ﷺ ، واستمر اليهود على هذه المعاملة، إلى أن مضى صدر من خلافة عمر ﵁، فبلغه ما قاله النَّبيُّ ﷺ في وجعه: "لا يجتمعن في جزيرةِ العربِ دينان" (١)، فجلاهم عنها. قال القاضي عياض ﵀: وقد اختلفوا في خيبر، هل فتحت صلحًا أو عنوة، أو بجلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوة؟ وبعضها جلا عنه أهله، أو بعضها صلحًا وبعضها عنوة؟ وهذا أصحُّ الأقوال، وهي رواية مالك ومن تابعه، وبه قال ابن عيينة، قال: وفي كل قول أثر مروي. وفي رواية لمسلم: أن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر، أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض -حين ظهر عليها- لله، ولرسوله ﷺ ، وللمسلمين، وهذا دليل على أنها فتحت عنوة؛ إذ حقُّ المسلمين إنَّما هو في العنوة، وظاهر قول من قال: صلحًا: أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين، والله أعلم (٢). وأمَّا معاملته ﷺ أهل خيبر؛ فحمله بعضهم على أنها كانت مساقاةً على النخل، وأن البياض المتخلل بين النخيل كان يسيرًا، فنفع للزراعة تبعًا للمساقاة، وذهب غيره إلى أن صورة هذه صورة المساقاة، وليست لها حقيقتها، وأن الأراضي كانت قد ملكت بالاغتنام، والقوم صاروا عبيدًا، فالأموال كلها

стр. 1197

للنبي ﷺ ، والذي جعل لهم صرفًا بعض ماله لينتفعوا به على أنه على حقيقة المعاملة، وهذا يتوقف على أن أهل خيبر استرقُّوا؛ فإنّه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين. وفي هذا الحديث دليل: على جواز المساقاة في الجملة، واختلفوا فيما يجوز من الأشجار، فقال داود: يجوز على النخل خاصة، وكأنه رأى المساقاة رخصة، فلم يتعدها إلى غير المنصوص عليه، وقال الشَّافعي: يجوز على النخل والعنب، فوافق داود في الرخصة، لكن قال: حكمُ العنب حكم النخيل في معظم الأبواب، وقال مالك ﵀: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل جميع الأشجار، فيقاس عليها، والله أعلم. وفيه دليل: على وجوب بيان الجزء المساقى عليه؛ من نصف وربع وغيرهما من الأجزاء المعلومة، فلا يجوز على مجهول؛ كقوله: "على أن لك بعض الثمرة"؛ فإن النَّبيَّ ﷺ عاملهم على الشطر، والشطر معلوم، إما بالنصف، وإما بالجزء المعلوم، واتفق المجوزون للمساقاة على جوازها بما اتفق المتعاقدان عليه من قليل أو كثير. وفيه دليل: على جواز المزارعة، تبعًا للمساقاة، وهو مذهب الشَّافعي والأكثرين؛ كقوله: "مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ"، فإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز منفردة، فتجوز تبعًا للمساقاة، فيساقيه على النخيل، ويزارعه على الأرض كما جرى في خيبر. وقال مالك: لا تجوز المزارعة، لا منفردة، ولا تبعًا، إلَّا ما كان من الأرض بين الشجر. وقال أبو حنيفة وزفر: المزارعة والمساقاة فاسدتان، سواء جمعهما، أو فرقهما، ولو عقدتا، فسختا. وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وسائر الكوفيين، وفقهاء المحدثين، وأحمد، وابن خزيمة، وابن شريح، وآخرون: تجوز المساقاة

стр. 1198

والمزارعة مجتمعتين، وتجوز كل واحدة منها منفردة، وهذا هو الظاهر المختار لهذا الحديث. ولا يقبل كون المزارعة في خيبر إنَّما جازت تبعًا للمساقاة، بل جازت مستقلة، ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة؛ قياسًا على القراض؛ فإنّه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة. وأمَّا حديث النَّهي عن المخابرة، فتقدم الكلام عليه في آخر باب: ما نهي عنه من البيوع، وقد صنف ابن خزيمة وغيره كتبًا في جواز المزارعة، واستقصوا وأجادوا، وأجابوا عن أحاديث النَّهي، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا أَكثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا؛ فَكُنَّا نكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَن لَنَا هَذِه، وَلَهُمْ هَذِه، فَرُبَّما أَخْرَجَتْ هَذِه، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِه، فنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الوَرِقُ، فَلَمْ يَنْهَنَا عنه (١). ولِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَألْتُ رَأى بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ (٢). إنَّما كان النَّاسُ يُؤاجِرونَ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ بما على المَاذِيَانَاتِ، وأَقْبالِ الجَدَاولِ، وأشياءَ من الزَّرْع، فَيَهْلِكُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا ويَهْلِكُ هَذَا، ولَمْ يكُنْ للنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذلكَ زَجَرَ عَنْهُ، فأمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأسَ بِه. الماذيانات: الأنهار الكبار، والجداول: النهر الصغير.

стр. 1199

تقدَّم الكلاَمُ على رافع بن خديج قريبًا. وأَمَّا حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ؛ فهو زرَقيٌّ، أنصاريٌّ، مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثقةٌ، وكان قليلَ الحديث، روي له البُخاريّ ومسلم وغيرهما، واسم جدِّه: عمرو بن حصن بن خلدة بن مخلد، -بضم الميم- بن عامر بن زريق، وروى حنظلة عن: عمر، وعثمان، وعبد الله بن الزُّبير، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عامر بن كريز، وروى عنه: يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، وربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وعثمان بن محمد الأخنسي، والزهري، وقال: ما رأيت رجلًا أحزمَ ولا أجودَ رأيًا من حنظلةَ بن قيس، كأنَّهُ رجل من قيس (١)، والله أعلم (٢). وأَمَّا الحقل: فهو الأرض التي تزرع، ويسمِّيه أهلُ العراق: القراح، وجمع الحقل: محاقل، وواحدها مَحْقَلَة، من الحقل، وهو الزرع، والمَبْقَلَة من البقل، وتقدم تفسير المحاقلة في باب: ما ينهى عنه من البيوع. وأَمَّا الكِرَاء: فهو ممدود؛ وهو الإيجار. والماذِيَانَات: بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم ألف، ثم نون، ثم ألف، ثم، مثناة فوق، وحكى القاضي عياض عن بعض الرواة في غير مسلم: فتح الدال، وهو غريب، وهذه اللفظة معربة؛ ليست عربية، معناها: مَسايلُ المياه، وقيل: ما ينبت على حافَتي مَسيل، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وقد فسرها المصنف بالأنهار الكبار (٣). وأمَّا قوله: وأَقبال الجداول؛ فأقبال: بفتح الهمزة، ثم القاف، وهي أوائلها

стр. 1200

ورؤوسها، والجَدَاولُ: جمع جَدْوَل، وقد فسَّره المصنِّف بالنهر الصغير، وهو كالساقية الكبيرة. ومعنى ذلك: أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده، على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه القطعة، والباقي للعامل، فنُهوا عن ذلك؛ لما فيه من الغرر؛ فربما هلك هذا دون ذلك، وعكسه، والله أعلم. وأما أحكام الحديث: ففيه دليل: على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وردٌّ على من منعه مطلقًا، والأحاديث المطلقة بالنهي عن كِرائها تفسِّر هذا الحديث؛ أن المراد: بما عدا الذهب والفضة، وتقدَّم اختلاف العلماء في هذه المسألة، في آخر باب: ما ينهى عنه من البيوع، والجواب عن اختلاف الأحاديث فيها، والله أعلم. وفيه دليل: على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة شيئًا غير معلوم المقدار عند العقد؛ لمنعه ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، والزجر عنه بالإجارة، فدلَّ على أن الجهالة فيها لم تغتفر. وفيه دليل: على جواز كرائها بشيء معلوم مضمون في الذمَّة من الطعام؛ لقوله في الحديث: "فَأمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ"، وجواز ذلك هو مذهب الشَّافعي، ومنعه هو مذهب مالك، وقد أشعر بعض روايات الصحيح بالجواز؛ بقوله: نهى عن كراء الأرض بكذا، إلى قوله: أو بطعام يسمى. وفيه دليل: على أن فعل الصحابة ﵃ وقولهم بالأمر في عهده ﷺ مرفوع حجة، يجب العمل به، والرجوع إليه. وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى ذلك بإخبار واحد ونحوه عنهم، وأنه لا يشترط المتواتر في ذلك. وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى الحق والعمل به من غير توقف ولا مناظرة، والله أعلم.

стр. 1201

الحديث العاشر عَنْ جَابر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ [بالعُمرَى] لِمَن وُهِبَتْ له (١)، وفي لفظ: "مَن أُعْمِرَ عُمرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّها لِلَّذِي أُعْطِيهَا، لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعطَاهَا؛ لأنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيِه المَوَارِيثُ" (٢). وَقَالَ جَابِرٌ: إنَّما العُمرَى الَّتي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبكَ، فَأَمَّا إذا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشتَ، فَإِنَّها تَرْجعُ إلَى صاحِبِهَا" (٣). وفي لفظِ: "أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَموَالَكُمْ، وَلَا تُفسِدُوهَا؛ فَإنَّهُ مَن أَعْمَرَ عُمْرَى، فَهِيَ لِلَّذِي أُعمِرَهَا حَيًّا ومَيِّتًا، وَلِعَقِبِه" (٤). أما العمرى: فهي مأخوذة من العمر، كالرُّقبى من المراقبة، كأنَّ كلَّ واحد منهما يراقب عمر صاحبه بموته، وفي العمر ثلاث لغات: ضم العين والميم، وضمها وإسكان الميم، وفتحُها وإسكان الميم. ومعنى العمرى: تمليكُ المنافع وإباحتها مدة العمر، لقوله: جعلت لك هذه الدار عمرك، أو حياتك، أو ما عشت، أو حييت، أو بقيت، أو أعمرتكها، أو ما يفيد هذا المعنى (٥). وقولُه: "وَلِعَقِبِكَ"؛ فالعَقِبُ: أولاد الإنسان ما تناسلوا، وهو بفتح العين وكسر القاف وإسكانها. وقولُه: "لأنَّه أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيه المَوَارِيثُ"؛ يريد أنها التي شرط فيها له ولعقبه. ولفظ الحديث يدل على التقييد بذلك، قال بعضهم: ويحتمل أن يكون

стр. 1202

المراد صورة الإطلاق من غير تقييد بذكر العقب، ويؤخذ كونه وقعت فيه المواريث من دليل آخر، لكنه بعيد من تنصيص الحديث؛ بقوله: "مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ" إلى آخره. وقول جابر ﵁: "إِنَّما العُمْرَى الّتي أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "؛ أي: التي أمضى، وجعلها للعقب، لا تعود، ولا ترجع إلى صاحبها، وقد نصَّ على أنه إذا أطلق بمدة العمر، أنها ترجع، وهو تأويل منه، ويجوز أن يكون رواه عن رسول الله ﷺ من حيث اللفظ، فإن كان مرويًّا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويًّا، فهو يرجع إلى تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدمًا؛ من حيث إنه يقع له قرائن تورثه العلم بالمراد، لا يمكن تغييره عنها، والله أعلم. وقولُه ﷺ : "أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوها" إلى آخره؛ المراد به: إعلامهم أن العمرى فيه صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكًا تامًّا، لا يعود إلى الواهب أبدًا، فإذا علموا ذلك، فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة، ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا يتوهمون أنها كالعارية، يرجع فيها. واعلم أن العمرى تقع على وجوه: أحدها: أن يصرح بأنها للمعمَر، فلورثته من بعده، فهذه هبة محققة يأخذها الوارث بعد موته، ولا تعود إلى الواهب المعمِر أصلًا، بل إن لم يكن لمن أعمرها وارث، كانت لبيت المال. وثانيها: أن يعمرها مدة حياته، ولا يشترط الرجوع إليه، ولا التأبيد، بل يطلق، وفي صحتها خلاف للعلماء، وهو قولان للشافعي: الجديد: صحته، وهو الصحيح عند أصحابه. والثاني: وهو القديم: أنه باطل. وقال بعض أصحاب الشَّافعي: القديم: أن يكون للمعمر حياته، فإذا مات عادت إلى الواهب، أو ورثته؛ لأنَّه خصَّه بها حياته فقط، وقال بعضهم: القديم: أنها عارية يستردها الواهب متى شاء، فإذا مات، عادت إلى ورثته.

стр. 1203

ولا شك أن الصحة في هذه المُطْلقة أولى من المقيدة بعودها إليه بعد عود الموهوب له، أو إلى ورثته؛ لعدم اشتراط شرط يخالف مقتضى العقد، والذي ذكر في الحديث؛ من قوله: قضى رسول الله ﷺ بالعمرى، يحتمل حمله على هذه الصورة من الإطلاق، وهو أقرب؛ إذ ليس في اللفظ تقييد، ويحتمل على أن يحمل على ما أعمره مدة حياته مقيدًا، برجوعها إليه بعد موته، وهو مبين بالكلام في الرواية الأخرى، ويحتمل أن يحمل على جميع الصور المطلقة والمقيدة، إذا قيل: إن مثل هذه الصيغة من الراوي تقتضي العموم، وفي ذلك خلاف بين الأصوليين. وثالثها: أن يعمرها ويشترط الرجوع إليه بعد موت المعمَر، وفي صحتها خلاف عند أصحاب الشَّافعي: الأصح عندهم: الصحة؛ لإطلاق الأحاديث في العمرى من غير تقييد، وعدلوا بذلك عن قياس الشروط الفاسدة؛ تقديمًا اقتضى الحديث على القياس، وإنَّما جرى الخلاف في هذه الصورة؛ لما فيها من تغيير وضع الهبة. وفي هذا الحديث أحكام: منها: صحة العمرى مطلقًا. ومنها: أن الموهوب له يملكها ملكًا تامًّا، يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات، وبصحتها وملكها قال الشَّافعي وأصحابه، وقال أحمد: تصحُّ العمرى المطلقة دون المؤقتة، وقال أبو حنيفة: بنحو مذهب الشَّافعي، وهو قول الثوري، والحسن بن صالح، وأبي عبيد، وقال مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الشيء المعمور دون رقبته؛ كمنافع الدار مثلًا، دون رقبتها. ومنها: الأمر بإصلاح الأموال باتِّباع الشرع في التصرف فيها قبضًا وصرفًا. ومنها: النَّهي عن إفسادها بمخالفة الشرع قبضًا وصرفًا. ومنها: أن الهبة يملكها الموهوب له مدة حياته، وتورث بعده، ولا يرجع فيها الواهب، لا في حياته، ولا بعد موت من وهبت له.

стр. 1204

ومنها: أن الموت والإرث يقطع جميع الأملاك. ومنها: أن الحيل المحرمة والمكروهة مفسدة للأموال، والله أعلم. * * * الحديث الحادي عشر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ"، ثمّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْميَنَّ بِهَا بينَ أَكْتَافِكُمْ (١). وَأَمَّا قولُه ﷺ : "خَشَبةً"؛ فروي بالإفراد، والجمع؛ أما رواية الإفراد: فقال الطحاوي، عن روح بن الفرج: سألت أبا زيد، والحارث بن مسكين، ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلهم: "خَشَبَةً" بالتنوين على الإفراد، وقال عبد الغني بن سعيد: كلُّ النَّاس يقولونه بالجمع، إلَّا الطحاوي، وقال القاضي عياض ﵀: روينا قوله: "خشبة" في "صحيح مسلم" وغيره من الأصول والمصنفات: "خشبةً" بالإفراد، و: "خَشَبَهُ" بالجمع (٢). وقولُه: "لأَرْميَنَّ بِهَا بَينَ أكتَافِكُم"، الضمير في "بها" وبعده في "عنها"، عائد إلى غير مذكور لفظًا، بل معنى، وهو السنة، أو الخصلة، أو الموعظة، أو الكلمات، وفي "سنن أبي داود": فنكسوا رؤوسهم، فقال: ما لي أراكم أعرضتم؟! (٣). وقوله: "أَكْتَافِكم": رُوي بالتاء المثناة فوق، وقال القاضي عياض ﵀: ورواه بعض رواة "الموطأ": أكنافكم -بالنون-؛ ومعناه: بينكم، والكنف: أيضًا الجانب، ومعنى رواية التاء المثناة فوق؛ أني أصرح بها بينكم،

стр. 1205

وأوجعكم بالتقريع بها، كما يُضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه (١). وفي هذا الحديث أحكام: منها: مراعاةُ حقِّ الجار في كلِّ شيء، حتَّى في دخول الضَّررَ عليه فِي ملكه. ومنها: تقديمُ حق الشرعِ على حظِّ النفس في الأملاك. ومنها: قبول حكم الشرع، وإن كرهته النفس، والانشراح له من غير إعراض عنه. ومنها: عدم منع الجار من وضع خشبة على حائط جاره عارية، بشرط إلَّا يؤدي وضعها على الحائط إلى هدمه، فإن أدى وضعها عليه إلى هدمه، وجب منعه إجماعًا؛ لأنَّه ليس احتمال أحد الضررين بأولى من الآخر. واختلف العلماء في المنع، إذا لم يكن ضرر، هل هو للتحريم، أم للكراهة؟ وفيه قولان للشافعي: أحدهما: وهو نصُّه في "القديم"، وفي "البويطي" -وهو من كتب الشَّافعية الجديدة-: التحريم، قال البويطي في باب اختلاف مالك والشافعي: وقال مالك: للجار أن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جداره، وقال الشَّافعي: ليس له أن يمنعه. والثاني: وهو نصُّه في الجديد: أنه لا يجب عليه تمكينه من وضعها على حائطه، بل الأمر بوضعها عليه للندب، وحمل الحديث إذا كان بصيغة النَّهي على كراهة التنزيه، أو الاستحباب، إذا كان بصيغة الأمر. ونقل الخلاف في مذهب مالك -أيضًا-، ورجح أصحابه الندب أو الكراهة، وهو قول أبي حنيفة، والكوفيين، وبالوجوب قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وأصحاب الحديث؛ لظاهر قول أبي هريرة، وإشعاره بالوجوب، فقوله: "ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم"، وهو يقتضي التشديد، ولحوق المشقة والكراهة لهم؛ لأنهم فهموا الندب من الحديث، لا الإيجاب،

стр. 1206

فقال لهم أبو هريرة ﵁ ذلك ردًّا لِمَا فهموه من أنَّ الأمر للندب لا للإيجاب، والله أعلم. ومنها: المبادرة إلى العمل بالسُّنَّة ندبًا كانت أو وجوبًا. ومنها: وجوب إظهار العلم والتكلم به، سواء عمل به، أو لم يعمل به؛ فإن المطلوب منه إبلاغه، والعمل به، فإذا فات العمل، لم يفت الإبلاغ. ومنها: أن العالم إذا فهم من أصحابه الإعراض عن السنة والعمل بها، أن يعلمهم بما فهمه منهم، ويغلظ عليهم في القول، سواء كان الإعراض بالفعل، أو القول، أو بالحال. ومنها: إقامة الحجة على المخالفين، وإظهارها لهم؛ لبراءة الذمة منها، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عشر عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طَوَّقَهُ اللهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١). أَمَّا قولُه ﷺ : "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ"؛ فالقِيد: بكسر القاف وإسكان الياء؛ أي: قدر شبر، يقال: قِيد وقَاد وقِيس وقاس، بمعنى واحد، وقيده بالشبر؛ للمبالغة والتنبيه على ما زاد عليه؛ فإنَّه أَولى منه (٢). وقولُه: "طَوَّقَهُ"؛ أي: جعل له طوقًا في عنقه، كالغُلِّ، كما قال : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وقيل: معناه: أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطَّوق في العنق، فعلى المعنى الأول،

стр. 1207

يطول الله في عنقه، كما جاء في غلظ جِلْد الكافر وعِظَم ضِرْسِه. وقوله ﷺ : "مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"؛ الأَرَضُون: بفتح الراء، ويجوز إسكانها في لغة حكاها الجوهري وغيره، وهذا الحديث مصرِّح بأنَّ الأَرَضينَ سبعُ طبقات (١)، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. وأمَّا تأويل المثلية على الهيئة والشكل، فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال: المراد بالحديث: سبع أرضين من سبع أقاليم؛ لا أن الأرضين سبع طبقات، وهو تأويل باطل أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك، لم يطوق الظالم الشبر من هذا الإقليم شيئًا من إقليم آخر؛ بخلاف طباق الأرض؛ فإنَّها تابعة لهذا الشبر في الملك، فمن ملك شيئًا من هذه الأرض، ملكه وما تحته من الطباق. قال القاضي عياض ﵀: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما بينهن حديث ليس بثابت، والله أعلم (٢). وفي هذا الحديث دليل: على تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته. وفيه دليل: على إمكان غصب الأرض، وهو مذهب الشَّافعي وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصب الأرض. وفيه تنبيه: على أن من ملك أرضًا يملكها إلى قرارها، وهذا لا خلاف فيه، كما يملك الهواء تبعًا للملك. وفيه دليل: على أن بعض العقوبات تكون من جنس المعاصي في الصورة، أو أزيدَ؛ للتنفير عن المعصية، وهذه العقوبة مقيدة بعدم التوبة من هذه المعصية، فأمَّا من تاب منها بشروطها، وردَّ الظلامة، أو التحللَ من أربابها منها، فلا تطويقَ عليه، والله أعلم. * * *

стр. 1208

بَابُ اللُّقَطَة عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الوَرِقِ؟ فَقَالَ: "اِعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ لَمْ تَعْرِفْ، فَاسْتنفِقْهَا، وَلْتكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِذا جَاءَ صَاحِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّهَا إلَيْهِ"، وَسَأَلهُ عَنْ ضَالَّةِ الإبِلِ، فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟! دَعْهَا؛ فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَها، تَرِدُ المَاءَ، وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حتَّى يَجِدَهَا رَبُّها"، وَسَأَلَهُ عَنِ ضالَّةِ الشَّاةِ، فَقَالَ: "خُذْهَا؛ فَإنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ" (١). أَمَّا زيدُ بنُ خالدٍ الجهني: فهو من جُهينة، ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة، يكنى: أبا عبد الرحمن، ويقال: أبو طلحة. روي له عن رسول الله ﷺ أحد وثمانون حديثًا، اتفقا على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث، روى عنه جماعة من التابعين، مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وهو ابن خمس وثمانين سنة، ورى له أصحابُ السُّنَنِ والمساند (٢).

стр. 1209

وأمَّا اللقطة: فتقدمت لغاتها في كتاب الحج. وأَمَّا الأَمرُ بمعرفةِ وِكائِهَا وعِفاصِها: لِيُعلم صدقُ واصِفِها من كذبه؛ لتكون معرفته وسيلة إلى ذلك بذكر المالك لما عرفه الملتقطُ، وسُمِّي الملتقَط لقطةً -بفتح القاف-، وقياسه أن يكون لمن يكثر منه الالتقاطُ؛ كالهزأة والضُّحَكة وأمثاله. والوِكَاءُ: بالمدِّ وكسر الواو، وهو ما يُربط به الشيء، من صرة وغيرها، بخيط ونحوه. والعِفَاصُ: أصلُه: الجلدُ الذي يلبس رأس القارورة، ثم استعمل في الوعاء، فغلب فيه. وقوله: "فَإِن لَم تَعرِفْ، فاسْتنَفِقها"، الأمر باستنفاقها أمر إباحة لا وجوب، بلا خلاف. وقولُه: "ولْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ"، لفظ الوديعة مع الاستنفاق مجاز؛ فإن الوديعة تدل على الأعيان، وإذا استنفقت اللقطة، خرجت عن كونها عينًا، ويجوز ذكرها مع الاستنفاق بلفظ الوديعة؛ من حيث إنه إذا جاء ربها وطلبها، وجب ردُّها إليه كما يجب ردُّ سائر الأمانات. ويحتمل أن تكون الواو في قوله: "وَلتكُنْ وَدِيعَةً"؛ بمعنى "أو" فيكون حكمها حكم الودائع والأمانات إذا لم يتملكها؛ فإنَّها تكون أمانة عنده كالوديعة. وقولُه: "فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّهَا إلَيْهِ"؛ يعني: إذا تحقَّق صدقُ صاحبها أنها له، إما بوصفه لها، أو بأمارة، وإما ببينة -على اختلاف بين الفقهاء في ذلك-، فإنّه يجب ردُّها إليه بعد تعريف الملتقط إياها. وقولُه: "وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا! دَعْهَا؛ فَإنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها"؛ لا تقع الضَالَّة إلَّا على

стр. 1210

الحيوان، يقال: ضَلَّ البعير، والإنسان، وغيرهما من الحيوان، وهي الضوال، وأمَّا الأمتعة، فتسمى لقطة، ولا تسمى ضَالَّة، قاله الأزهري (١). ولما كانت الإبل مستغنية عن الحافظ والمتعهد والنفقة عليها؛ بما رُكَّب في طبعها من الجلادة على العطش والحفاء، عبر عنهما بالحذاء والسقاء مجازان؛ كأنها استغنت بقوتها عن الماء والحذاء، فلا حاجة إلى التقاطها؛ لعدم الجور عليها. وقوله: "وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ، فَقَالَ: خُذهَا؛ فَإنَّما هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ"؛ يريد: الشَّاةِ الضَّالة، ولمَّا كانت الشَّاةِ عاجزة عن القيام بنفسها بغير حافظ ومتعهد، وخيف عليها الضياع إن لم يلتقطها أحد، وفي ذلك إتلاف لماليتها على مالكها، أو التساوي بين السائل عنها، وبين غيره من النَّاس إذا وجدها، اقتضى الإذن في التقاطها بأخذها؛ لأنَّه لا بد منه، إما لهذا الوجه، أو لغيره ممَّا ذكر، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: جوازُ أخذِ اللقطة، وهل هو مستحبٌّ أو واجب؟ فيه خلاف وتفصيل. ومنها: وجوب التعريف سنة، وظاهر الحديث: أنه لا فرق بين القليل والكثير في وجوب التعريف وفي مدته، وقد اختلف أصحاب الشَّافعي فيه، والمختار عند الأكثرين منهم: أنه يكفي تعريف القليل زمنًا يُظن أن فاقده يعرض عنه غالبًا، وأن هذا حد القليل. ومنها: إباحة استنفاقها بعد تملُّكها. ومنها: أن الملتقط أولى بذلك من غيره. ومنها: وجوب ردِّها إلى صاحبها بعينها، أو بما يقوم مقامه بعد تعريفها، وبعد استنفاقها أو تملُّكها إذا تحقق صدقه بطريقه، وقال الكرابيسي من الشَّافعية:

стр. 1211

لا يلزمه ردُّها ولا ردٌّ بدلها، وهذا منابذ للحديث، ليس بمذهب. ومنها: امتناع التقاط ضالَّة الإِبل، إذا امتنعت بقوتها عن حفظها، وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطُها بكلِّ حال. ومنها: التقاطُ ضالَّة الشَّاةِ، إذا خِيف إتلاف ماليتها على مالكها. ومنها: أن الضالَّة لا يزولُ اسمُ ملكِ صاحبِها عنها بضلالها، وأَنَّهُ متى وجدها أخذها. * * *

стр. 1212

بَابُ الوَصَايَا الوَصَايا: جَمْعُ وَصِيَّة؛ كهَدِيَّة وهَدَايا، وقَضِيَّة وقَضَايا، وهي مشتقة من وصيت الشيء أَصيه إذا وصلته. وسميت وَصِيَّة؛ لأنَّه وصل ما كان في حياته بما بعده، ويقال: وَصَّى وَأوْصَى -أيضًا-، والاسم: الوَصِيَّةُ والوصايا (١). * * * الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِىٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" (٢). زاد مسلم: قَالَ ابنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ منذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إلَّا وَعِنْدِيِ وَصِيَّتي (٣). أعلم أن لفظ الحديث دالٌّ على الحثِّ على الوصيّة لمن له شيء يوصي فيه، أَمَّا من عليه حقوق مالية، وله مال، ولم يبق له وقت في الحياة ما يسع وفاه بنفسه، ولا بغيره؛ فإن الوصيّة بذلك واجبة حتمًا متعينة، ولا يدخل ذلك في

стр. 1213

لفظ الحديث، إلَّا أن يتناول لفظة: "لَهُ شَيءٌ يُوصِي فيهِ" بمعنى: عليه، ويكون "فيه" بمعنى "به". وقد أجمع المسلمون على الأمر بالوصيَّة، لكن مذهب الشَّافعي، وجمهور العلماء: أن الأمر بها للندب، لا للوجوب، وقال داود، وغيره من الظاهرية وغيرهم: هو للوجوب؛ للحديث، ولا دلالة فيه لهم؛ لعدم التصريح به. وأَمَّا تأكيد الأمر بها، والحثُّ عليها، فهو ظاهر فيه، إلَّا أن يحمل على من عليه دين، أو عنده وديعة ونحوه، فإنّه يجب الإيصاء بذلك قطعًا، قال الشَّافعي -رحمه الله تعالى-: معنى الحديث: ما الحزم والاحتياط للمسلم، إلَّا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، فيستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحَّته، ويُشهد عليها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدَّد له أمر يحتاج إلى الوصيَّة به، ألحقه، والله أعلم. قال العلماء: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات، وجزئيات الأمور المتكررة؛ كالشيء الذي جرت العادة بتداينه ورده على قرب، وكأنهم راعوا في ذلك المشقة. أَمَّا الوصيَّة بالتطوعات في القربات، فإن ذلك مستحبٌّ الوصيَّةُ به قطعًا، فكأن الحديث يحمل على الوصيَّة بالواجبات، ورخَّص في الليلتين أو الثلاث ليال في رواية في "صحيح مسلم"؛ دفعًا للحرج والعسر فيها. وفي الحديث أحكام: منها: الحثُّ على الوصيَّة. ومنها: أنها لا تشرع لمن ليس له شيء يوصي فيه، ولا به. ومنها: جواز العمل بالكتابة فيها، وبه قال الإمام محمد بن نصر المروزي من أصحاب الشَّافعي ﵀ قال: يكفي الكتابُ فيها من غير إشهاد؛ لظاهر الحديث، وقال الشَّافعي ﵁، وجمهور العلماء: يُشترط الإشهاد عليها؛ لئلا تردّ ولا يعمل بها، فإن أرادوا بالاشتراط لحق الشرع،

стр. 1214

فممنوع، وإن أرادوا به لخوف فوات العمل بها، وعدم نفوذها عند نزاع الورثة وغيرهم، فمسلم، وعلي ذلك ينزل الخلاف، والله أعلم. ومنها: منقبة ظاهرة لابن عمر ﵄، وفضيلته؛ لمبادرته إلى امتثال أمر الرسول ﷺ ، ومواظبته عليه. ومنها: جواز ذكر الإنسان عمله بالسنة، ومواظبته عليها؛ ليُقتدى به في ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودني عَامَ حَجَّةِ الوَدَاع، مِن وَجَع اشتد بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَد بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأنا ذو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ، أفأتصدق بِثُلُثَي مَالِي؟ قَالَ: "لا"، قُلتُ: فَالشطْرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَّا"، قُلْتُ: فالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثلُثُ، والثلُثُ كثير، إنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاسَ؛ فَإنكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللهِ، إلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَل فِي فِي امْرَأَتِكَ"، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: "إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلكَ أَنْ تُخَلَّفَ حتَّى يَنْتَفعَ بكَ أَقْوامٌ، ويُضَرَّ بكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أًعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَة"؛ يَرْثي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ مَاتَ بمكَّة (١). أَمَّا سعدُ بنُ أبي وَقاص؛ فكنيته: أبو إسحاق، واسم أبيه: مالكُ بن أهيب بن عبد منافِ بنِ زهرةَ بنِ كلابِ بن مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بن غالبٍ، القرشيُّ، الزهريُّ، يلتقي مع رسول الله ﷺ عند الأب الخامس، وهو كلابُ بنُ مرةَ.

стр. 1215

أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله ﷺ ، وكان سابع سبعة في إسلامه، أسلم بعد ستة، ورُوي عنه أنه قال: أسلمت وأنا ابن تسعَ عشرة سنة، وروي عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلوات، وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وهو أحد الستة الذين جعل عمر ﵁ الشورى بينهم، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان مجاب الدعوة، مشهورًا بذلك، تُخاف دعوته وتُرجى؛ لاشتهار إجابتها عندهم؛ وذلك لأنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ سَدِّدْ سَهْمَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ" (١). وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله تعالى، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث، ويروى أنه قال في معنى ذلك: أَلا هَلْ جاءَ رسولَ اللهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحابَتي بِصُدُورِ نَبْلي أَذودُ بها عَدُوهُمُ ذِيادًا ... بِكُلِّ حُزُونَةٍ وبِكُلِّ سَهْلِ فَما يعتدُّ رامٍ من مَعَدٍّ ... بِسَهْمٍ مع رسولِ اللهِ قبلي (٢) وجمع رسول الله ﷺ له وللزبير أبويه، فقال لكل واحد منهما: "ارمِ فداكَ أبي وأمي"، ولم يفعل ذلك لغيرهما، فيما يقولون. وروي أنه أقبل على عهد رسول الله ﷺ ، فقال له: "أنت خالي" (٣)، وكان يقال له: فارس الإسلام، وكان أحدَ الفرسان الشجعان في قريش الذين يحرسون رسول الله ﷺ في مغازيه، وهو الذي كَوَّفَ الكوفةَ، ونفى الأعاجم، وتولَّى قتالَ

стр. 1216

فارس، أمَّره عمر ﵁ على ذلك، ففتح الله على يديه أكثر فارس، وله كان فتح القادسية وغيرها، وكان أميرًا على الكوفة، فشكاهُ أهلُها، ورموه بالباطلِ، فدعا على الذي واجهه بالكذب عليه دعوةً ظهرتْ إجابتها، وعزلَهُ عمرُ حين شكاهُ أهلُ الكوفة في سنة إحدى وعشرين، وولى عمارَ بنَ ياسر الصلاةَ، وعبدَ الله بنَ مسعود بيتَ المال، وعثمانَ بن حُنيف مساحةَ الأرضين، ثم عزل عمارًا، وأعاد سعدًا على الكوفة ثانية، ثم عزله، وولى جبيرَ بنَ مطعم، ثم عزله قبل أن يخرج إليها، وولَّى المغيرةَ بن شعبة، فلم يزل عليها حتَّى قتل عمر، فأقره عثمانُ يسيرًا، ثم عزله، وولى سعدًا، ثم عزله، وولى الوليد بنَ عقبة. وقيل: إن عمر لما أراد أن يعيد سعدًا ﵁ على الكوفة، أبي عليه، وقال: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن أصلي؟! فتركه، فلما طُعن عمرُ ﵁، وجعله أحدَ أصحاب الشورى، قال: إنْ وليها سعدٌ، فذاك؛ وإلا فليستعنْ به الوالي؛ فإني لم أعزلْه عن عجزٍ، ولا خيانة. وكان سعد ممن قعد ولزم بيته في الفتنة، وأَمَر أهله أَلَّا يخبروه من أخبار النَّاس بشيء حتَّى تجتمع الأمةُ على إمامِ، وسئل عليّ بن أبي طالب ﵁ عن الذين قعدوا عن بيعته، فقال: أولئك قوم خذلوا الحق، ولم يبصروا الباطل. رُوي له عن رسول الله ﷺ مئتا حديث، وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر منها، وانفرد البُخاريّ بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، وروى عنه من الصحابة: ابن عمرو، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والسائب بن يزيد، وعائشة أم المؤمنين ﵃، ومن التابعين: أولاده: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومصعب، وابن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وخلق كثير سواهم، ورى له أصحاب السنن والمساند، مات بقصره بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، وحُمل على أعناق الرجال إلى المدينة، ودُفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم.

стр. 1217

واختلف في تاريخ وفاته، فالأصح أنه: سنة خمسٍ وخمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان وخمسين، وله ثلاث سبعون سنة، وقيل: أربع وسبعون، وقيل: اثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وكان يقول: يوم بدر أنا ابنُ تسعَ عشرةَ سنة، ويقال: ابن أربع وعشرين، والله أعلم (١). وأَما تفدية النَّبيُّ ﷺ له بأبويه، فهو ثابت في "الصحيحين" من رواية عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ جمعَ أبويه لأحد إلَّا لسعد (٢)، وأمَّا تفديته ﷺ للزبير، وجمعُهما له، فذكرها الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "استيعابه" (٣)، والله أعلم، ولا يلزم من عدم سماع عليّ ﵁ جَمعَ النَّبيُّ ﷺ أبويه لغير سعد، ألا يكون جمعهما لغيره، والله أعلم. في الصحابة من اسمه سعد بن مالك، غيره: أبو سعيد الخدري، اسمه سعد بن مالك بن سنان، وسعد بن مالك بن خلد من بني ساعدة من الأنصار، وهو والد سهل بن سعد الساعدي، وسعد بن مالك العذري، قَدِم في وفد عذرة على النَّبيِّ ﷺ . وأمَّا سعدُ بن خولة، فقال ابن عبد البر: من بني عامر بن لؤي، من أنفسهم

стр. 1218

عند بعضهم، وقيل: هو حليف لهم، وقيل: مولى ابن أبي رهم بن عبد العزى العامري، وقيل: هو من اليمن، حليف لبني عامر بن لؤي، وقيل: كان من عجم الفرس، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثَّانية، وذكر البُخاريّ: أنه هاجر، وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكّة ومات بها، وممن عده في البدريين: ابنُ عقبة، وقد ثبت في "الصحيحين" عن سبيعة: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهي في بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، ذكره المصنف في باب العدة، وقيل: لم تهاجر من مكّة حتَّى مات، وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثَّانية، وشهد بدرًا وغيرها، توفي بمكة سنة عشر، وقيل: توفى بها سنة سبع في الهدنة، خرج مختارًا من المدينة إلى أرض مكّة، فعلى هذا سبب بؤسه موته بمكة، على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه، الذي هجره لله تعالى (١). قال القاضي عياض ﵀: وقد روي في هذا الحديث: أن النَّبيَّ ﷺ خلف مع سعد بن أبي وقاص رجلًا، وقال له: "إن تُوفي بمكة، فلا تدفنْه بها" (٢)، وذكر مسلم في رواية في "صحيحه": أنه كان يكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها (٣)، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خَشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (٤)، كما مات سعدُ بن خولة، وسعدٌ هذا، هو زوج سبيعة الأسلمية، والله أعلم (٥).

стр. 1219

وقولُه: "وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ": قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي ﵀: هذه البنت اسمُها عائشة، ولم يكن لسعد ذلك الوقت ولد إلَّا هذه البنت، ثم عوفي من ذلك المرض، ورُزق أولادًا كثيرين، ومعناه: لا يرثني من الولد، وخواص الورثة، وإلا فقد كان له عَصَبة، وقيل معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض (١). وقولُه: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثيِرٌ"؛ أما الثلث الأول: فقال القاضي عياض: يجوز نصبه ورفعه، فالنصب على الإغراء، وعلي تقدير فعل؛ أي: أعطِ الثلث، وأمَّا الرفع: فعلى أنه فاعل؛ أي: يكفيك الثلثُ، أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، أو خبر محذوف الابتداء (٢). وأَمَّا قولُه: "كَثيِرٌ"؛ فوقع في بعض الروايات بالمثلثة، وفي بعضها بالموحدة، وكلاهما صحيح. وقولُه: "أفَأَتصَدَّقُ بِثُلُثَي مَالِي؟ " يحتمل أنه أراد بالصدقة: الوصيةَ، ويحتمل أنه أراد الصدقةَ المنجزة، وهما عند العلماء كافة سواء، لا ينفذ ما زاد على الثلث، إلَّا برضاء الوارث. وخالف أهل الظاهر، فقالوا: للمريض مرض الموت أن يتصدَّق بكلِّ ماله، ويتبرع به؛ كالصحيح، لكنه مرجوح بظاهر قوله ﷺ : "الثلث، والثلث كثير"، مع حديث الذي أعتق في مرضه ستة أعبد؛ فأعتق ﷺ اثنين، وأرقَّ أربعة (٣). قولُه ﷺ : "إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتكفَّفُونَ النَّاسَ". أَمَّا قوله ﷺ : "مِنْ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتكَ"؛ فهو بفتح الهمزة وكسرها، وكلاهما

стр. 1220

صحيح، و "العَالَةُ": الفقراء. و "يتكَفَّفُون"؛ أي: يسألون النَّاس في كلهم. وقولُه ﷺ : "فَإنَّكَ لَن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبتَغي بِهَا وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امرَأَتِكَ": النفقات على ضربين؛ واجبة، ومندوبة، وكلا النفقتين لا بد من الأجر عليهما؛ من قصد الطاعة، وابتغاء الثواب عند الله تعالى، وهو بمعنى الاحتساب، ثم الثوابُ من الله تعالى قد يكون جزاءً على العمل، وقد يكون ابتداءَ فضلٍ منه ، وكلاهما لا ينتقصان ثوابَ الله تعالى في الآخرة، إلَّا أن يقصد به حظوظ النفوس الدنيوية، فينقصانه في الآخرة، أو يذهبانه. فإذا قُصد بالأعمال المباحة نوعٌ من الطاعات؛ كالإحسان والمؤالفة، أو تقوية على طاعةٍ حثَّ الشرع عليها، ونحو ذلك، صارت عبادة وطاعة، مثاله: الأكل والشرب والنوم والجماع؛ فإن هذه كلها من حيثُ وجودُها مباحة، فإذا قُصِد بفعلها امتثالُ الأمر، أو ما يحصل بفعلها من الخير، ارتفعت بالقصد المذكور من الإباحة إلى الوجوب أو الندب على حسب محلهما من الفعل. وكلُّ هذا راجع إلى قوله ﷺ : "إنَّما الأعمال بالنيات" (١)، وأن العمل يثاب عليه بالنية، وقد نبه ﷺ على ما ذكرته بقوله: "حتَّى اللقمة تضعُهَا فِي في امْرَأَتِكَ"؛ حيث إن الإنسان لا يضع اللقمة في في امرأته؛ إلَّا عند ملاعبتها وملاطفتها والتلذذ بالمباح، كيف والمرأة من أخص حظوظ الإنسان الدنيوية، وشهواته وملاذه المباحة؟ فيتحقق أن هذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع ذلك، فقد أخبر ﷺ : أنه إذا قصد باللقمة ونحوها وجه الله تعالى، حصل له الأجر بذلك، فغيره من الحالات أولى بحصوله إذا أراد به وجه الله تعالى، مع أنه ثبت في الصحيح: أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أَرأيتم لو وَضَعَها في حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيهِ وِزْر؟! فَكَذلكَ إذا وَضَعَها في الحَلاَلِ، كَانَ لَهُ أَجْر" لما

стр. 1221

سمعوا قوله ﷺ : "وفي بُضعِ أَحَدِكُم صدقةٌ" (١)؛ فإن ذلك عند الإطلاق يقتضي حصولَ الأجر بمجرد إتيانه شهوته من غير قصد إلى شيء ممَّا ذكر، لكنه لما ثبت في الصحيح ذكرُ النفقة على الأهل والعيال يحتسبها، احتجنا إلى تقييدها بالنية؛ حيث إن الاحتساب لا يحصل إلَّا بالنية، والله أعلم. قولُه: "فقلت: يا رَسُولَ اللهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابي، قالَ: إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عمَلًا تَبْتَغي بهِ وَجهَ اللهِ تعالى إلَّا ازددْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفعَةً"؛ معناه: أخلف بعد أصحابي بمكة، وإنَّما قال ذلك؛ إشفاقًا من موته بمكة؛ لكونه هاجر منها وتركها لله تعالى؛ خشية أن يقدح تخلفه بعذر المرض في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خشية بقائه بمكة بعد انصراف النَّبيّ ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وتخلُّفه عنهم بسبب المرض؛ فإنهم كانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه لله تعالى، وقد جاء في رواية أخرى: "أخلف عن هجرتي؟ " (٢)، قال القاضي عياض ﵀: قيل: كان حكم الهجرة باقيًا بعد الفتح؛ لهذا الحديث، وقيل: إنَّما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأمَّا من هاجر بعده، فلا (٣). وقوله ﷺ : "وَلَعَلَّكَ أَنَّ نُخَلَّفَ حَتَّى يَتنَفعَ بِكَ أَقوَامٌ، أَوْ يُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ"؛ المراد بالتخلُّف الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ : طولُ العمر والبقاءُ في الحياة بعدَ جماعات من الصحابة، وكان كذلك، فعاش ﵁، وفتح العراقَ، وغيره، وانتفع به أقوامٌ في دينهم ودنياهم، وتضرَّر به الكفار في دينهم ودنياهم؛ فإنهم قتلوا على الكفر، وحُكم لهم بالنار، وسُبيت نساؤهم وأولادهم، وغُنمت أموالهم وديارهم، وولي العراقَ، فاهتدى على يديه خلائق، [و] تضرر به خلائق بإقامته الحق فيهم، وقد قال بعض العلماء من أهل المعرفة: لعل معناها:

стр. 1222

الترجِّي، إلَّا إذا وردت عن الله تعالى ورسله ﷺ ، وأوليائه ﵃؛ فإن معناها التحقيق. وفي قولهِ ﷺ : "وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ" إلى آخره، إشارةٌ إلى ذلك، معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ . ثم تخلف المهاجر بمكة، هل يحبط عمله إذا مات بها، سواء كان باختياره أم مطلقًا؟ قال القاضي عياض ﵀: لا يحبط أجره إلَّا إذا كان باختياره من غير ضرورة. قال: وقال قوم: موتُ المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما كان، قال: وقيل: إن لم تفرض الهجرة إلَّا على أهل مكّة خاصة (١). وقولُه ﷺ : "اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهَمْ، وَلَا تَرُدهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِم"؛ دعاؤه ﷺ لأصحابه بإمضاء هجرتهم، دعاء عامٌّ، ومعنى إمضاء هجرتهم: إتمامها لهم من غير إبطال، ومعنى "لا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِم"؛ أي: تترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، وليس في ذلك دليل على أن بقاء المهاجر بمكة قادح فيه كيف كان؛ فإن اللفظ لا يقتضيه. وقولُه ﷺ : "لَكِنِ البَائسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ" البائسُ: الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر والعلة. وقولُه: "يَرْثي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمكَّة"؛ هذا كلام الراوي لهذا الحديث، وتفسير لمعنى بؤسه وتوجعه ﷺ له، وترفقه عليه، جميع ذلك؛ لكونه مات بمكة. واختلف في كلام من هو من الرواة؟ فقيل: من كلام سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات، وقيل: من كلام الزُّهريّ، قال القاضي عياض: وأكثر ما جاء: أنه من كلام الزُّهريّ، والله أعلم (٢).

стр. 1223

وقد نقل أبو عمر بن عبد البر قولًا، وغلطه، وبين الغلط فيه؛ وهو أن سعد بن خولة مات قبل أن يهاجر، وقال: لأنَّ ابنَ خولة لم يشهد بدرًا إلَّا بعد هجرته، وهذا ما لا يشك ذو لبٍّ فيه، والله أعلم (١). وفي هذا الحديث أحكام: منها: استحبابُ عيادة المريض، واستحبابُ عيادةِ الإمام أصحابه، وأنها مستحبة في السفر كالحضر، وأولى. ومنها: جواز ذكر المريض ما يجده من شدّة المرض، لا في معرض التسخط والشكوى، فإن ذكره رجاء دعاء العابد، أو ليصف له ما يتداوى به، كان مستحبًا، ولم يكن ذلك قادحًا في صبره، وأجر مرضه. ومنها: إباحة جمع المال؛ لقوله: "وأنا ذو مال"؛ لأنَّ هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلَّا لمال كثير. ومنها: استحباب الصدقة لذوي الأموال. ومنها: العدل بين الورثة، ومراعاتهم في الوصيَّة. ومنها: تخصيص جواز الوصيَّة بالثلث، لكن قال العلماء: إن كان الورثة أغنياء، استُحبَّ أن يوصي بالثلث تبرعًا، وإن كانوا فقراء، استحب أن ينقص من الثلث. ومنها: أن الثلث في باب الوصيَّة في حدِّ الكثرة، وقد اختلف المالكية فيه في مسائل، ففي بعضها جعلوه داخلًا في حدِّ الكثرة بالوصيَّة؛ لقوله ﷺ : "والثُّلُثُ كَثير"، وهذا يحتاج إلى عدم اعتبار دلالة السياق الذي يقتضي تخصيص كثرة الثلث بالوصيَّة، بل يوجد لفظًا عامًّا، وإلى دلالة دليل على اعتبار ممر الكثرة في الحكم، والثلث المذكور، فيحصل المقصود. ويقال: الكثرة معتبرة في هذا الحكم، والثلث كثير، فهو معتبر، ومتى لم

стр. 1224

يلمح كل واحد من هاتين المقدمتين، لم يحصل المقصود، وقد مثلوا ذلك بما ذهب إليه بعض المالكية أنه إذا مسح ثلث رأسه في الوضوء، أجزأه؛ لأنَّه كثير؛ للحديث، فيقال له: لِمَ قلت: إنَّ مسمَّى الكثرة معتبر في المسح؟ فإذا أثبته، لم قلت: إن مطلق الثلث كثير، وكل ثلث فهو كثير بالنسبة إلى كل حكم، وعلي هذا فقِسْ سائر المسائل، فيطلب منها تصحيح كل واحدة من المقدمتين. وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة: على أن من له وارث، لا ينفذ وصيته بزيادة على الثلث إلَّا بإجازته، وأجمعوا على نفوذ الزيادة في باقي المال بإجازته، وأمَّا من لا وارث له، فمذهبنا ومذهب الجمهور: لا تصحُّ وصيته فيما زاد على الثلث، وجوزه أبو حنيفة، وأحمد وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وإسحاق، وروي عن عليّ، وابن مسعود ﵄. ومنها: أن طلب الغني للورثة الذين يكفهم عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي النَّاس، راجح على تركهم فقراء عبادة يتكفَّفُون النَّاس، ومن هذا أخذ بعضهم ترجح الغني عن الفقير، واستحباب الغض من الثلث، وقيل: ينظر إلى قدر المال في الكثرة والقلة، فتكون الوصيَّة بذلك اتباعًا للمعنى المذكور في الحديث من ترك الورثة أغنياء. ومنها: الحث على صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة على الورثة. ومنها: أن صلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد. ومنها: أن الثواب في الإنفاق مشروط بصحَّة النيَّةِ في ابتغاء وجه الله ، وهذا عسر دقيق إذا عارضه مقتضى الطبع والشهوة؛ فإن ذلك لا يحصل الغرض من الثواب، حتَّى يبتغي به وجه الله، وشق تخليص هذا المقصود ممَّا يشوبه من مقتضى الطبع والشهوة. ومنها: استحباب الإنفاق في وجوه الخير. ومنها: أن الأعمال الواجبة، أو المندوبة، أو المباحة، يزداد الأجر في فعلها

стр. 1225

بقصد الطاعة، وأن المباح بالنية يصير طاعة يثاب عليه؛ فإنَّ قوله ﷺ : "حتَّى ما تَجْعَلُ فِي فِي امرَأَتِكَ"؛ يقتضي المبالغة في تحصيل الأجر، لا تخصيص الثواب بالواجب والمندوب، كما يقال: جاء الحاجُّ حتَّى المشاةُ، ومات النَّاس حتَّى الأنبياءُ. ولا شكَّ أن الكلام في ذلك راجع إلى قاعدة كلية، وهي: أنَّ النيَّة هل تحتاج إليها في الجزئيات بالنسبة إلى كل جزء، أم يكتفى بنيَّة عامة؟ وقد ذكر الحارث بن أسد المحاسبي ﵀ في ذلك مذهبين للسلف، وقال: الراجح عند أكثرهم الاكتفاء بنيَّة عامة؛ لما في الإتيان بها في كل جزء من الحرج والمشقة، مع أن الشرع حثَّ على الاكتفاء بأصلِ النيَّة، وعمومها في باب الجهاد والحج؛ حيث قال ﷺ : "إنه لو من أحدُكم بنهر جارٍ، وهو لا يريد أن يسقي دوابه، فشربتْ، كان له أجر". فيمكن أن يعدى هذا إلى سائر الأشياء، ويكتفى بنيَّة مجملة أو عامة، ولا يحتاج إلى الجزئيات في ذلك؛ حيث إن قصد طاعة الله تعالى تشمل جميع ذلك، وقد توهمت زينب الثقفية الاحتياج إلى ذلك في الجزئيات لما أرادت الإنفاق على من عندها، وقالت: لست بتاركتهم، فتوهمت أن ترك النيَّة وحث الطبع ممَّا يمنع الصدقة عليهم، فأزيل ذلك عنها برفع الوهم فيه، وأمرت بالإنفاق من غير نية وتقدير الأجر. ومنها: تسلية من كره حالةً يخالف ظاهرُها الشرع، ولا سببَ له فيها؛ فإن سعدًا ﵁ خاف فوتَ مقام الهجرة، وموتَه بالأرض التي هاجر منها بسبب المرض الذي وقع فيه. ومنها: أن الإنسان قد يكون له مقاصد دينية حثَّ الشرع عليها، فيقع في مكاره تمنعه عن مقاصده، فينبغي له -في هذه الحالة- رجاءُ المصلحة من الله تعالى فيما يفعله. ومنها: سؤال الله تعالى في إتمام العمل الذي قصده الإنسان على وجه

стр. 1226

لا يدخله نقص، ولا نقص لما ابتدئ به؛ لقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ أمضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، ولا تَرُدَّهُم عَلَى أَعْقَابِهِمْ". ومنها: تعظيمُ أمرِ الهجرة، وتفخيمها؛ فإن قوله ﷺ : "ولا تردَّهُم على أَعْقَابِهم" يدلُّ على ذلك. ومنها: فضيلة طول العمر؛ للازدياد من العمل الصالح، ولا شكَّ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لَنْ يزيدَ المؤمنَ عمرُه إلَّا خيرًا، إن كانَ مُحْسِنًا، فيزدادُ خيرًا، وإن كانَ مُسيئًا، فَيُسْتَعْتَبُ" (١)، وقال ﷺ : "لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ بهِ، فإن كانَ لا بدّ فاعلًا، فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانتِ الوفاةُ خَيرًا لي" (٢). وقد سأل جماعة من السلف -رحمهم الله تعالى- النقلة إلى الله تعالى، واختار جماعة منهم الحياةَ وطولها، وجماعة منهم لم يكن لهم اختيار مع الله ، والأمر فيما نقل عنهم منزل على خوفهم على دينهم ورجائِهم فضلَ الله في طول العمر بكثرة الطاعة، والتفويض إليه من غير اختيار. ومنها: الحث على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال.

стр. 1227

ومنها: معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ ؛ في قوله لسعد؛ من طول عمره، وفتح البلاد، وانتفاع أقوام به، وتضرر آخرين بحياته، ودعائه لهم وعليهم. ومنها: منقبةٌ ظاهرة لسعد ﵁، وفضائل عديدة. ومنها: كمال شفقته ﷺ على جميع خلق الله تعالى؛ الأحياءِ منهم والأموات، على حسب مراتبهم، وتقيدها بالشرع، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلَى الرُّبُعِ؛ فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١). أما قولُ ابنِ عباس: "غَضُّوا"، فهو بالغين والضاد المعجمتين؛ أي: نقصوا. وقوله: "لو أَن النَّاسَ عضُّوا"، هي صيغة فيها ضعف ما بالنسبة إلى طلب الغضِّ إلى ما دون الثُّلث. وقد تقدم الكلام على قوله: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيِرٌ" في حديث سعد بن أبي وقاص قبله. وفي الحديث دليل: على استحباب النقص عن الثُّلث مطلقًا، وتقدم ذكرنا لمذهب الشَّافعي: أنه إذا كان ورثته أغنياء، استحبَّ الإيصاء بالثُّلث، وإلا، فيستحب النقص. ومذهب جمهور العلماء: استحباب النَّقص مطلقًا، وعن أبي بكر الصدِّيق ﵁: أنه أوصى بالخمس، وعن عليّ ﵁ نحوه، وعن ابن عمر وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال

стр. 1228

آخرون: بالعشر، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: كانوا يكرهون الوصيَّة بمثل نصيب أحد الورثة (١). وروي عن عليّ، وابن عباس، وعائشة وغيرهم ﵃: أنه يستحبُّ لمن له ورثة وماله قليل، تركُ الوصيَّة، والله أعلم. * * *

стр. 1229

كتاب الفرائض الحديث الأول عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١). وفي رواية: "اقسِمُوا المَالَ بينَ أَهلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَاب اللهِ، فَمَا تركَتِ الفَرَائِضُ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢). أما الفرائض: فهي جمع فريضة، مأخوذة من الفرض، وهو التقدير، والمراد هنا: الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى؛ فإنَّ سهُمان أهلها تولى الله فرضَها دون غيره من بيان الأنبياء والمرسلين؛ وهي النصف، ونصفه: وهو الربع، ونصف نصفه: وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما، وهو الثُّلث، وثلث نصفهما، وهو السدس. وقوله ﷺ : "فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"؛ المراد "بأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ": أقربُ رجل، وهو مأخوذٌ من الوَلْي؛ وهو القرب، والولْي: بإسكان اللام على وزن الرمي، وليس المراد بأولى هنا: أحق، بخلاف قولهم: الرجل أولى مسألة؛ حيث إنَّه لو حمل هنا على أحق، لخلا عن الفائدة؛ لأنَّا لا ندري من هو الأحق.

стр. 1230

وقولُه: "رَجُلٍ ذَكَرٍ"؛ وصفُ الرجل بأنه ذكر تنبيهٌ على سبب استحقاقه، وهو الذكورية، التي هي سبب العُصوبة، وسبب الترجيح في الأثر، ولهذا جعل للذَّكَر مثلُ حظِّ الأُنثيين، وحكمته: أن الرجال يلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك، وقد أورد على ذلك إشكال، وهو أن الأخوات عصبة مع البنات، والحديث يقتضي اشتراط الذكورية في العصبة؛ لاستحقاق باقي التركة! والجواب: أن ما ذكر، وهو ما ذكر من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عموم، فيختص بالحديث الدال على الحكم المذكور؛ من كون الأخوات مع البنات عصبة، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على البداءة في قسمة التركات بالفرائض بين أهل الفرض. وفيه دليل: على أن العصبات لا يرثون إلَّا بعد استيفاء أهل الفرائض فرائضهم. وفيه دليل: على توريث العصبات، وتقدم الأقرب فالأقرب منهم، فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، فإذا خلف بنتًا وأخًا وعمًّا، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخ، ولا شيء للعم. وفيه دليل: على الرجوع في قسمة الفرائض وأنصبائها إلى كتاب الله تعالى؛ حيث تولى الله تعالى قسمتها تنبيهًا على شدة أمر الأموال وصعوبته، وقد أكَّد ذلك بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وكذا القول في أموال الصدقات؛ حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقد تولى الله قسمة أموال الغنيمة في سورة الأنفال، وأموال الفيء في سورة الحشر، وكل ذلك دليل على شدة تعظيم الأموال وحرمتها، وقطع المنازعة بسببها، والله أعلم.
следующие страницы →