← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لا يدخله نقص، ولا نقص لما ابتدئ به؛ لقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ أمضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، ولا تَرُدَّهُم عَلَى أَعْقَابِهِمْ". ومنها: تعظيمُ أمرِ الهجرة، وتفخيمها؛ فإن قوله ﷺ : "ولا تردَّهُم على أَعْقَابِهم" يدلُّ على ذلك. ومنها: فضيلة طول العمر؛ للازدياد من العمل الصالح، ولا شكَّ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لَنْ يزيدَ المؤمنَ عمرُه إلَّا خيرًا، إن كانَ مُحْسِنًا، فيزدادُ خيرًا، وإن كانَ مُسيئًا، فَيُسْتَعْتَبُ" (١)، وقال ﷺ : "لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ بهِ، فإن كانَ لا بدّ فاعلًا، فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِني ما كانتِ الحياةُ خيرًا لي، وتوفني إذا كانتِ الوفاةُ خَيرًا لي" (٢). وقد سأل جماعة من السلف -رحمهم الله تعالى- النقلة إلى الله تعالى، واختار جماعة منهم الحياةَ وطولها، وجماعة منهم لم يكن لهم اختيار مع الله ، والأمر فيما نقل عنهم منزل على خوفهم على دينهم ورجائِهم فضلَ الله في طول العمر بكثرة الطاعة، والتفويض إليه من غير اختيار. ومنها: الحث على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال.

стр. 1227

ومنها: معجزات كثيرة لرسول الله ﷺ ؛ في قوله لسعد؛ من طول عمره، وفتح البلاد، وانتفاع أقوام به، وتضرر آخرين بحياته، ودعائه لهم وعليهم. ومنها: منقبةٌ ظاهرة لسعد ﵁، وفضائل عديدة. ومنها: كمال شفقته ﷺ على جميع خلق الله تعالى؛ الأحياءِ منهم والأموات، على حسب مراتبهم، وتقيدها بالشرع، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلَى الرُّبُعِ؛ فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١). أما قولُ ابنِ عباس: "غَضُّوا"، فهو بالغين والضاد المعجمتين؛ أي: نقصوا. وقوله: "لو أَن النَّاسَ عضُّوا"، هي صيغة فيها ضعف ما بالنسبة إلى طلب الغضِّ إلى ما دون الثُّلث. وقد تقدم الكلام على قوله: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثيِرٌ" في حديث سعد بن أبي وقاص قبله. وفي الحديث دليل: على استحباب النقص عن الثُّلث مطلقًا، وتقدم ذكرنا لمذهب الشَّافعي: أنه إذا كان ورثته أغنياء، استحبَّ الإيصاء بالثُّلث، وإلا، فيستحب النقص. ومذهب جمهور العلماء: استحباب النَّقص مطلقًا، وعن أبي بكر الصدِّيق ﵁: أنه أوصى بالخمس، وعن عليّ ﵁ نحوه، وعن ابن عمر وإسحاق: بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال

стр. 1228

آخرون: بالعشر، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: كانوا يكرهون الوصيَّة بمثل نصيب أحد الورثة (١). وروي عن عليّ، وابن عباس، وعائشة وغيرهم ﵃: أنه يستحبُّ لمن له ورثة وماله قليل، تركُ الوصيَّة، والله أعلم. * * *

стр. 1229

كتاب الفرائض الحديث الأول عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَلحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١). وفي رواية: "اقسِمُوا المَالَ بينَ أَهلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَاب اللهِ، فَمَا تركَتِ الفَرَائِضُ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (٢). أما الفرائض: فهي جمع فريضة، مأخوذة من الفرض، وهو التقدير، والمراد هنا: الأنصباء المقدرة في كتاب الله تعالى؛ فإنَّ سهُمان أهلها تولى الله فرضَها دون غيره من بيان الأنبياء والمرسلين؛ وهي النصف، ونصفه: وهو الربع، ونصف نصفه: وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما، وهو الثُّلث، وثلث نصفهما، وهو السدس. وقوله ﷺ : "فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"؛ المراد "بأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ": أقربُ رجل، وهو مأخوذٌ من الوَلْي؛ وهو القرب، والولْي: بإسكان اللام على وزن الرمي، وليس المراد بأولى هنا: أحق، بخلاف قولهم: الرجل أولى مسألة؛ حيث إنَّه لو حمل هنا على أحق، لخلا عن الفائدة؛ لأنَّا لا ندري من هو الأحق.

стр. 1230

وقولُه: "رَجُلٍ ذَكَرٍ"؛ وصفُ الرجل بأنه ذكر تنبيهٌ على سبب استحقاقه، وهو الذكورية، التي هي سبب العُصوبة، وسبب الترجيح في الأثر، ولهذا جعل للذَّكَر مثلُ حظِّ الأُنثيين، وحكمته: أن الرجال يلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ذلك، وقد أورد على ذلك إشكال، وهو أن الأخوات عصبة مع البنات، والحديث يقتضي اشتراط الذكورية في العصبة؛ لاستحقاق باقي التركة! والجواب: أن ما ذكر، وهو ما ذكر من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عموم، فيختص بالحديث الدال على الحكم المذكور؛ من كون الأخوات مع البنات عصبة، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على البداءة في قسمة التركات بالفرائض بين أهل الفرض. وفيه دليل: على أن العصبات لا يرثون إلَّا بعد استيفاء أهل الفرائض فرائضهم. وفيه دليل: على توريث العصبات، وتقدم الأقرب فالأقرب منهم، فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب، فإذا خلف بنتًا وأخًا وعمًّا، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخ، ولا شيء للعم. وفيه دليل: على الرجوع في قسمة الفرائض وأنصبائها إلى كتاب الله تعالى؛ حيث تولى الله تعالى قسمتها تنبيهًا على شدة أمر الأموال وصعوبته، وقد أكَّد ذلك بقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، وكذا القول في أموال الصدقات؛ حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ -إلى قوله تعالى-: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وقد تولى الله قسمة أموال الغنيمة في سورة الأنفال، وأموال الفيء في سورة الحشر، وكل ذلك دليل على شدة تعظيم الأموال وحرمتها، وقطع المنازعة بسببها، والله أعلم.

стр. 1231

وأعلم أن العصبة ثلاثة أقسام: عصبة بنفسه؛ كالابن وابن الابن، والأخ وابنه، والعم وابنه، وعم الأب والجد وابنهما، ونحوهم، وقد يكون الأب والجد عصبة، وقد يكون لهما فرض، فمتى كان للميت ابن أو ابن ابن، لم يرث الأب إلَّا السدس فرضًا، ومتى لم يكن له ولد ولا ولد ابن، ورث بالتعصيب فقط، ومتى كان [له] بنت، أو بنت ابن، أو بنتان، أو بنتًا ابن، أخذ البنات فرضهن، وللأب من الباقي السدس فرضًا، والباقي بالتعصيب، والله أعلم. القسم الثَّاني: عصبة بغيره؛ وهو البنات بالبنين، وبنات الابن ببنتي الابن، والأخوات بالإخوة. والثالث: عصبة مع غيره، وهو الأخوات للأبوين أو للأب مع البنات وبنات الابن، فإذا خلف بنتًا وأختًا لأبوين أو لأب، فللبنت النصف فرضًا، والباقي للأخت بالتعصيب، وإن خلف بنتًا وبنت ابن وأختًا لأبوين، أو أختًا لأب، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي للأخت، وإن خلف بنتين وبنتي ابن، وأختًا لأبوين أو لأب، فللبنتين الثلثان، والباقي للأخت، ولا شيء لبنتي الابن؛ لأنَّه لم يبق شيء من فرض جنس البنات، وهو الثلثان. وأعلم أنه حيث أطلق العصبة، فالمراد به العصبة بنفسه؛ وهو كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، ومتى انفرد العصبة، أخذ جميع المال، ومتى كان مع أصحاب فروض مستغرقة، فلا شيء، وإن لم يستغرقوا، كان له الباقي بعد فروضهم، وأقرب العصبات البنون، ثم بنوهم، ثم الأب، ثم الجد إن لم يكن أخ، والأخ إن لم يكن جد، فإن كان له أخ وجد، ففيهما خلاف مشهور، وهما قولان للشافعي: أحدهما: يقدم الأخ؛ لإدلائه بالأبوة بوصف البنوة، والبنوة أقوى من جهة العصبة. والثاني: يقسم بينهما؛ لتعارض الإدلاء بالأبوة بوصف الأبوة والبنوة، فالجد

стр. 1232

أبو الأب، والأخ ابن الأب، ثم بنو الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم أعمام الجد، ثم بنوهم، ثم أعمام جد الأب، ثم بنوهم، وهكذا. ومن أدلى بالأبوين: يقدم على من يدلي بأب؛ فيقدم أخ من أبوين على أخ من أب، ويقدم ابن أخ من أبوين على ابن أخ من أب، ويقدم عم لأبوين على عم لأب، وكذا الباقي، ويقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين: لأنَّ جهة الأخوة أقوى وأقرب، ويقدم ابن الأخ لأب على عم لأبوين، ويقدم عم لأب على ابن عم لأبوين، وكذا الباقي، وإنَّما ذكرنا هذه الفروع لدخولها جميعها تحت قوله ﷺ : "فَمَا بَقِي: فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكرٍ، أَوْ لأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ" (١) كما ذكر في بعض الروايات، والله أعلم. وفيه دليل لمذهب ابن عباس ﵄ في أنه لو خلف بنتًا وأختًا لأبوين وأخًا لأب: أن للبنت النصف، والباقي للأخ دون الأخت؛ لقوله ﷺ : "أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، [فَمَا] بَقِيَ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"، ولم يكن رجل ذكر بعد البنت، إلَّا الأخ من الأب. فلم يكن للأخت من الأبوين شيء، لكن الله فرض للأخت من الأبوين النصف، كما فرض للبنت النصف بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. وبقوله تعالى في البنت: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، فلم يبق بعد إلحاق الفرائض بأهلها شيء؛ فلم يكن للأخ شيء، وهذا مذهب الشَّافعي، وجمهور العلماء، والله أعلم.

стр. 1233

الحديث الثاني عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتَنْزِلُ غَدًا في دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ قال: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟! "، ثم قَالَ: "لَا يَرِثُ الكَافِرُ المُسْلِمَ، وَلَا المُسْلِمُ الكَافِرَ" (١). أمَّا أسامةُ بنُ زيدٍ؛ فهو الحِبُّ وابنُ الحِبِّ، وتقدَّم ذكرهما. وأَمَّا عَقِيلٌ؛ فهو بفتح العين وكسر القاف، فهو ابنُ عمِّ النَّبيِّ ﷺ ، وكان بنو أبي طالب أربعة: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي ﵃، ومات طالب كافرًا، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين، وجعفر أسن من عليّ بعشر سنين. وكان عقيل من أنسب قريش، وأعلمهم بآبائها، كنيته: أبو زيد، وقيل: أبو عيسى بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، شهد بدرًا مع المشركين، وأُسِر يومئذٍ مكرهًا، ثم أسلم قبل الحديبية، وشهد غزوة مؤتة، ومات بعدما عمي في خلافة معاوية. وروى عنه الحسن بن أبي الحسن، وابنه محمد، وابن ابنه عبد الله، وموسى بن طلحة، وغيرهم، ورى له النَّسائيّ وابن ماجه (٢).

стр. 1234

وأَمَّا قولُه ﷺ : "وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاع؟ "؛ فسببه؛ أن أبا طالب لمَّا مات، لم يرثه عليّ ولا جعفر، وورثه عقيل وطالب؛ لأنَّ عليًّا وجعفرًا كانا مسلمين حينئذٍ، لم يرثا أبا طالب. والرِّبَاع: جمع رَبعٍ، وهو المنزل ودار الإقامة، ورَبْعُ القومِ: محلَّتهم. وقول أسامة: "يا رَسُولَ اللهِ! أتنزل غَدًا في دَاركَ بِمَكَّة"؛ يحتمل إضافة الدار إليه ﷺ لسكناه إياها، لا لأنها ملكه ﷺ ؛ فإن أصلها كان لأبي طالب؛ لأنَّه الذي كفله ﷺ ؛ حيث كان أكبر ولد عبد المطلب، فاحتوى عليها وعلي غيرها من أملاك عبد المطلب، وحازها وحده؛ لسنه، على عادة الجاهلية، ويحتمل أن الدار كان له ﷺ نصيب، فأخرجها عقيل عن أملاك بني عبد المطلب كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين، وقد قال الداودي: فباع عقيل ما كان للنبي ﷺ ولمن هاجر من بني عبد المطلب. وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز سؤال الكبار والعلماء عن نزولهم أين يكون إذا قدموا بلدًا أو غيره؛ لسؤال أسامة ﵁ عن ذلك، وتقرير سؤاله ﷺ من غير نكير منه. ومنها: الجواب بأمر يلزم منه الامتناع ممَّا سئل عنه من النزول أو غيره. ومنها: الدلالة لمذهب الشَّافعي ومن قال بقوله: إن مكّة فتحت صلحًا، ودورها ورباعها مملوكة لأهلها، لها حكم سائر البلدان في ذلك، فتورث عنهم، ويجوز لهم بيعها، وإجارتها ورهنها وهبتها والوصية بها، وسائر التصرفات، وقال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وآخرون: فتحت عنوة، فلا يجوز شيء من هذه التصرفات. ومنها: أن الكافر لا يرث المسلم، وهو مجمع عليه. ومنها: أن المسلم لا يرث الكافر، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقالت طائفة: يرث المسلم الكافر، منهم: معاذ بن

стр. 1235

جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، وروي عن إسحاق بن راهويه، وروي خلاف فيه عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والصحيح عن هؤلاء يقول الجمهور، واحتجَّ من قال بإرثه من الكافر بقوله ﷺ : "الإسلام يعلو ولا [يعلى] عليه" (١). ومن علوه إرثُ المسلم من الكافر دون عكسه، وكأنهم لمَّا رأوا أن الشرع جوز نكاح المسلم الكافرة الكتابية، قالوا بجواز إرثه من الكافر. وتأوله الجمهور على مجرد فضل الإسلام على غيره من الأديان دون غيره من الأحكام؛ كإرث وغيره؛ لوجود التصريح في الحديث -نصًّا- بعدم إرث المسلم من الكافر، فتعين المصير إلى التأويل، كيف ومن قال بإرثه لعلَّه لم يبلغه الحديث، والقياس لا يعارض النصَّ، والله أعلم. وهذا الذي ذكرناه في الكافر الأصلي، أما المرتدُّ: فلا يرث المسلم إجماعًا، وهل يرثه المسلم؟ قال الإمام الشَّافعي، وربيعة، ومالك، وابن أبي ليلى، وغيرهم: لا يرثه، بل يكون ماله فيئًا للمسلمين، وقال أبو حنيفة، والكوفيون، والأوزاعي، وإسحاق: يرثه ورثته من المسلمين، وروي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وجماعة من السلف، لكن قال الثوري وأبو حنيفة: ما كسبه في ردَّته فهو للمسلمين، وقال آخرون: الجميع لورثته المسلمين. أما توريث الكفار بعضهم من بعض؛ كاليهودي من النصراني، وعكسه، والمجوسي منهما، وهما منه، فقال الشَّافعي، وأبو حنيفة، وآخرون: يرث بعضهم من بعض، لكن قال الشَّافعي: لا يرث حربيٌّ من ذميٍّ، ولا ذميٌّ من حربيٍّ، ومنع إرث بعضهم من بعض مطلقًا مالكٌ، وقال أصحاب الشَّافعي: لو كانا حربيين في بلدين متجاورين، لم يرثا، والله أعلم. * * *

стр. 1236

الحديث الثالث عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلاَءِ وَهِبَتِهِ (١). الوَلاَء؛ بفتح الواو وبالمد، وحقيقته: حقٌّ يثبت بوصف؛ وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه؛ لأنَّ ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلَّا من قام به ذلك الوصف. وقد شبَّه النَّبيُّ ﷺ الوَلاءَ بالنَّسَبِ، فقال ﷺ : "الوَلاَء لُحْمَةٌ كلحمةِ النسبِ" (٢)، فكما لا يقبل النسب النقلَ بالبيع والهبة، فكذلك الولاء. وفي الحديث دليل: على تحريم بيع الولاء، وفي معناه كل تصرَّف يقبل النقل، فلو باعه أو وَهَبَهُ، لم يصح، ولا ينتقل عن مستحقه، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف، واختار بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث، والله أعلم. ولَعنُ النَّبيِّ ﷺ من تولى غيرَ مواليه، ونهيُه أن يتولى العتيقُ غيرَ مواليه يدلُّ ذلك جميعه على تأكيد التحريم في ذلك، سواء رضي الموالي بذلك، أم لم يرضوا؛ لأنَّه حقٌّ أثبته الشرع، فيحرم تضييعه؛ كالنسبة، وتقييده ﷺ في بعض الأحاديث من تولى قومًا بغير إذن مواليه، هو تقييدٌ خرج على الغالب؛ لأنَّ التولي إلى غير الموالي غالبًا إنَّما يكون بغير إذنهم، فلا يكون له مفهوم يعمل به، وفي الكتاب العزيز من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]،

стр. 1237

وغير ذلك من الآيات التي قيد فيها بالغالب، وليس لها مفهوم يعمل به، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ عَائشِةَ ﵂: أنها قَالتْ: كانَتْ في بَريَرةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ على زَوْجِها حِينَ عَتَقَتْ، وأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ والبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فدعا بطعامٍ، فَأُتِيَ بخبزٍ وأُدْمِ مِنْ أُدْمِ البيتِ، فقال: "أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيها لَحْمٌ"، فَقَالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنْهَا لَنَا هَدِيَّةٌ"، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فيها: "إنَّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١). تقدم الكلام على بريرةَ وحديثِها، والكلامُ عليه وعلي أحكامه في أول حديث في باب الشرط في البيع. وكذلك تقدم الكلام على قوله ﷺ : "إنَّما الولاء لمن أعتق". وفي هذا الحديث دليل: على أن من عَتَقَت تحت عبد: أنه يثبت لها الخيار. وفيه دليل: على أن الفقير إذا ملك شيئًا على وجه الصدقة، فأهداه إلى غيره ممَّن لا تحلُّ له الصدقة، جاز له أخذه وأكله، سواء كان الذي لا تحل له الصدقة فقيرًا إلى الهدية، أو غنيًّا عنها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ خبر بأنَّ اللحم المتصدَّقَ به على بريرة بأنه صدقة عليها، وله ولأهل بيته هدية منها، مع كونه ﷺ أتي من البيت بخبز وأُدم، فكان غنيًّا بذلك عن اللحم، ووصفه حينئذ بالهدية، فدلَّ على جواز قبوله، مع الغني عنه. وفيه دليل: على أن الشيء المحرم لو وصف، يزول تحريمه بزوال وصفه،

стр. 1238

ويثبت بثبوته، وأن الأيدي واستيلاءها على الشيء بطريق يبيحه الشرع يغير حكمه، فيخرجه من تحريمه على ما كان حرامًا عليه، إلى إباحته له. وفيه دليل: على جواز الحيل المباحة والمستحبة بطريق الشرع. وفيه دليل: على جواز توسط الإنسان بالسؤال عما رآه في بيته، وعهدَه فيه، أو غير ذلك من أحواله؛ فإنّه ﷺ سأل أهله عن البرمة، واللحم فيها على النار. وفيه: حسن الجواب بالصدق والخطاب. وفيه: استعمال الورع الذي لا يؤدي إلى مخالفة الشرع من الزوجة للزوج، وكذلك لكل متبوع من تابعه. وفيه: أنه إذا رأى العالم أن بتابعه حاجة إلى تعليم علم أو معرفة حكم، أن يذكره له مبتدئًا من غير سؤال. وفيه دليل: على حصر الولاء للمعتق، وتقدم الكلام عليه في الشرط في البيع. وفيه دليل: على أن أحكام الشرع تسمى سننًا. وفيه دليل: على فضل عائشة ﵂، وفقهها، وضبطها للأحكام والشرائع، ونقلها إلى النَّاس، وتعليمها إياهم، وإرشادهم إليها، والله أعلم. * * *

стр. 1239

كِتَابُ النِّكاحِ النِّكَاح في اللغة: الضَّمُّ، ويطلق على العَقْدِ، وعلي الوَطْءِ، فالأول ضمٌّ في المعنى، والثاني: ضم في الصورة. واختلف في أصله لغة: فقال الأزهري: الوَطْءُ، وقال غيره: التزوج؛ لأنَّه سبب الوطء، ويقال: نكح المطر في الأرض، ونكَحَ النُّعَاسُ عَيْنَهُ: أصابها، وموضع نكح في كلام العرب الصحيح: للزوم الشيء في الشيء راكبًا عليه. ومن العرب من فرَّق بين العَقْدِ والوَطْءِ بفرق لطيف؛ فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنتَ فلان، أو أخته، أرادوا: عقدَ عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجه، لم يريدوا إلَّا الوَطْء؛ لأنَّ بذكر امرأته أو زوجه يستغني عن ذكر العقد. ثم العرب تقول: نُكْحُ المرأة -بضم النون وسكون الكاف- يريدون البُضع؛ وهو كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نكحَها، أرادوا: أصاب نُكْحها، وهو فرجُها، وقلما يقال: ناكَحَها، كما يقال: باضَعَها، ويقال: نكحتُها، ونكحَتْ هي؛ أي: تزوجت، وأنكحته زوجته، وهي ناكح؛ أي: ذات زوج، واستنكحها: تزوجها، هذا كلام أهل اللغة فيه. وحقيقته عند الفقهاء ومجازه، على أوجه ثلاثة: أحدها: حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وقطع به قاطعون، وبه جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وفي السنة النبوية كذلك.

стр. 1240

والثاني: عكسه؛ حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة. والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، والله أعلم (١). * * * الحديث الأول عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّج؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، ومَن لَم يَستَطعْ، فَعَلَيْه بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (٢). أما المعشر، فقال أهل اللغة: هم الطائفة الذين يشملهم وصف الشباب؛ فالشباب معشر، والأنبياء معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، وكذا ما أشبه ذلك. فالشباب: جمع شاب، ويُجمع على شُبَّان، وشَبَبة (٣). والشاب عند الفقهاء من الشَّافعية: من بلغ ولم يجاوز ثلاثين سنة. وأَمَّا الباءة؛ فأصلها في اللغة: الجِمَاع، وهي مشتقة من المباءة، وهي المنزل، ومن مباءة الإبل، وهي مواطنها، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأنَّ من تزوَّج امرأةً، بَوَّأها منزلًا. وفي الباءة، أربع لغات: الفصيحة المشهورة: الباءة: بالمد والهاء،

стр. 1241

والثانية: الباءة، بلا مد، والثالثة: الباء، بالمد بلا هاء، والرابعة: الباهة، بهاءين بلا مد. ومعناها لغة: الجِماع (١)، وتقديره: من استطاع منكم الجِمَاعَ؛ لقدرته على مؤنه المتعلقة بالنكاح، فليتزوج، ومن لم يستطع؛ لعجزه عن مؤنه، فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوِجاء. ووقع الخطاب للشباب؛ لكونهم مَظِنَّةَ شهوة النساء، فلا ينفكون عنها غالبًا؛ بخلاف الشيوخ ولكن المعنى معتبرًا، إذا وجد فيهم وفي الكهول، وقيل معناها: المؤن؛ تسمية لها باسم ما يلازمها، فيكون معنى الحديث: من استطاع مؤن النكاح، فليتزوج، ومن لم يستطعها، فليصُم؛ ليدفع شهوته؛ لأنه قال في الحديث: "ومَنْ لَمْ يَستَطِعْ، فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ"، والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وأَمَّا الوِجَاء: فهو بكسر الواو وبالمد، وهو رَضُّ الخصيتين. والمراد بالحديث: أن الصوم يقطع الشهوة وشرَّ المني، كما يفعله الوِجاء وأحصن. وأما تعليله ﷺ الأمر للمستطيع بالتزويج بقوله: فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ للفرج"؛ فيحتمل أن يكون قوله: "أَغضُّ" و "أَحْصَنُ" استُعمل لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع، ويحتمل أن يكون: (أفعل) على بابها؛ فإن التقوي بالتزويج سبب لغضِّ البصر، وتحصين للفرج، وهو أبلغ من غضِّه وتحصينه بمجرد الصوم؛ فإن الداعي إلى النكاح مع وجوده وتقيده يضعف؛ فإنه قبلهما معارض بوجود الشهوة والداعي إلى النكاح، وإذا لم يستطع القيام بما يلزمه بسببه، أحيل على الصوم؛ لِمَا فيه من كسرِ الشهو؛ حيث إنَّ شهوةَ النكاح تابعةٌ لشهوهِ الأكل؛ يقوى بقوتها، ويضعف بضعفها؛ بخلاف التزوج ووجود النكاح؛ فإن الشهوةَ

стр. 1242

تزولُ به أو تضعفُ، فيكون (أفعل) فيهما على بابها، ووجود كثرتها في بعض الأشخاص بمباشرة الفعل نادر، والأحكام تناط بالغالب. وقولُه ﷺ : "فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ"؛ اختلف النحاة في جواز الإغراء بالغائب، فمنعه بعضهم، وهذا الحديث حجة عليهم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: مراعاة الشهوات وحظوظ النفوس؛ بحيث لا تقدم على أحكام الشرع، بل تكون مقيدة بها، غير مطلقة. ومنها: الأمر بالنكاح لمن استطاعه وتاقت إليه نفسه، أَمًا من لم يستطعه ولم تَتُقْ إليه نفسه، فهو مكروه في حقه، وظاهر الأمر للمستطيع الوجوب. وقد قسم بعض الفقهاء النكاح إلى أحكام الشرع الخمسة؛ وهي: الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت، وقدر على النكاح، وكلامه محمول على تعذر التسري؛ فإن النكاح حينئذ يتعين وجوبه؛ للتعذر، لا بأصل الشرع. والأمر بالنكاح مجمع عليه، لكنه عند الشافعية وجمهور العلماء أمر ندب لا إيجاب، فلا يلزم عندهم التزوج ولا التسري، سواء خاف العنت أم لا، وأوجبه داود الظاهري، ومن وافقه من الظاهرية، والإمام أحمد في رواية عنه؛ فإنهم قالوا: يلزمه إذا خاف العنت: أن يتزوج أو يتسرى، وقالوا: لا يلزمه في العمر إلا مرة واحدة. وقال أهل الظاهر: يلزمه التزوج فقط، ولا يلزمه الوطء، ولم يشترط بعض من قال بوجوبه خوف العنت، وتمسكوا بظاهر الأمر به في هذا الحديث وغيره من الأحاديث، مع قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وغير ذلك من الآيات، لكن تخييره في آخر الآية بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]؛ فإنه دال على التخيير بين النكاح والتسري، والتسري غير واجب بالاتفاق.

стр. 1243

والتخيير لا يكون بين واجب وغيره، ولا يصح عند جميع الأصوليين؛ حيث يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب؛ وأن تاركه لا يكون آثمًا، وكان من أوجبه مطلقًا، جعله تعبدًا من الشرع لحكمة التنزيه له بالانفراد بالوحدانية، وعدم اتخاذ الصاحبة والولد - تبارك الله وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا -، ولقوله ﷺ : "لكنِّي آتي النِّسَاء، فَمَنْ رَغبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١)، وقد حمله الجمهور على الرغبة عن السنة إعراضًا عنها وعدم اعتقاد لما هي عليه، أما من أعرض عنها لمعارض لها من السنة أرجحَ منها، فلا، وقد فعل ذلك ﷺ في عدم هدم الكعبة، وجعل بابين لها متواطئين؛ مراعاة لمعارض أرجحَ منه في نظره ﷺ . وقسمه أصحاب الشافعي ﵏ في فعله وتركه، أيهما أفضل؟ إلى أربعة أقسام: أحدها: من تتوق إليه نفسه، ويجد مؤنته، فيستحب له فعله. الثاني: عكسه: لا تتوق إليه، ولا يجد مؤنته، فيكره له. الثالث: لا تتوق، ويجد المؤن؛ فقال الشافعي، وجمهور أصحابه: ترك النكاح والتخلي للعبادة له أفضل، ولا يقال: النكاح له مكروه، بل تركه أفضل، وقال أبو حنيفة وبعض الشافعية والمالكية: النكاح له أفضل. الرابع: عكسه: تتوق إليه نفسه، ولا يجد المؤن، فيكره له، ويؤمر بالصوم؛ لتوقانه إليه. وقد استدل بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] على أن ترك النكاح أفضل مطلقًا. قال: لأنه لا يقال لمن تزوج أو تسرى بعد وصفه المؤمنين الحافظين فروجهم بالفلاح: غير ملومين؛ لرجحان التزوج أو التسري؛

стр. 1244

فإن الأفضل راجح على الفاضل، فكيف بما دونه؟ لكن السنة بينت الأفضلية. واستدلَّ الشافعي ﵀ بهذه الآية على تحريم الاستمناء؛ حيث إنه غير داخل في الاستثناء من المحافظين لفروجهم؛ فإنه تعالى لم يستثن إلا الأزواج والسراري، دون خضخضة بيد وغيرها، والله أعلم. ومنها: الأمر بالصوم للعاجز عن القيام بمأمورت النكاح. ومنها: شرعية تعليل الحكم؛ فإنه ﷺ علَّل الحكمة في الأمر بالصَّوْم له: فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء"؛ أي: قاطع لمشقة المكابدة لشهوة النكاح. ومنها: الحثُّ على غضِّ البصر، وقد أمر الله تعالى ورسوله ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١]، وقال ﷺ : "غضوا أبصارَكُم واحفظُوا فُرُوجَكُم" (١). ومنها: الحثُّ على تحصينِ الفرج بكل طريق أمر الشرع به. ومنها: عدم التكليف بغير المستطاع، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ ﵅ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتزوَّجُ النِّساءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فبلغَ النبيَّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا؟! لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتزَوَّج النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي" (٢).

стр. 1245

لما تحقق الصحابة ﵃ أمر الله لهم بالرجوع إلى النبي ﷺ سرًّا وجهرًا، وكانوا قد عملوا أعماله الجهرية مدة صحبته، سألوا أزواجه عن عمله في السرِّ؛ ليقتفوا آثاره السرية كما اقتفوا ما أمكنهم من الجهرية، ثمَّ ظنُّوا أن ترك التزوج، وأكل اللحم، والنوم على الفراش من آثاره ﷺ ، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فخطب الناس [من] غير مواجهة لمن قال ذلك بالإنكار عليه؛ ليحصل الجمع بين مصلحتي بيان أحكام الله تعالى، وإبلاغها من غير تعيين مَنْ خالفها، وقال ما قاله جهلًا؛ ليرجع إلى الحق من غير تأنيب له بالتعيين لحصول المقصود، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: وجوب تتبع آثاره ﷺ في الجملة، فما كان منها واجبًا، فعل على الوجوب، وما كان منها مندوبًا، فعل على الندب، وقد يكون واجبًا عليه ﷺ ، مندوبًا في حقنا، وقد يكون عكسه. ومنها: التوصل إلى العلم والخير بكل أحد من النساء والعبيد، إذا تعذر أخذه من أصل محله. ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر ما اعتاده من الأعمال الشاقة التي يظنُّ أنها طاعة؛ ليتبين أمرها، ويرجع عنها إلى السنَّة فيها. ومنها: البيان بأفعال العلماء وأقوالهم، وأحوالهم. ومنها: أن ملاذ النفس والبدن، إذا فعلها لامتثال الشرع؛ فيما امتنَّ به وأباحه؛ تصير طاعات مثابًا عليها. ومنها: تحريم فعل الشيء الجائز أو الامتناع عنه رغبة عن السنة، بل إن فعله بغير مقصود شرعي عنادًا لمقصود الشرع، اقتضى أن يكون كفرًا، وقد تقدم تأويل قوله ﷺ : "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" في الحديث قبله، وإن كان

стр. 1246

جماعة من السلف قالوا: يجرى كما ورد من غير تأويل؛ حيث إنه أبلغ في الردع عن مخالفة السنة. وقد استدلَّ بالحديث من رجَّح النكاحَ على التخلي لنوافل العبادات؛ حيث إن النفر الذين قالوا هذه الأقوال في الحديث من عدم التزوج، وأكل اللحم، والنوم على الفرش، وقصدوها، ورد ذلك عليهم ﷺ وأكده بأن خلافه رغبة عن السنة، ويحتمل أن يكون من باب كراهة التنطع والغلو في الدين، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد؛ فمن ترك اللحم لمقصود شرعي محمود، متورع عن أكله لشبهةٍ شرعية في عينه أو وصفه في ذلك الوقت؛ لاختلاط الحلال بالحرام، أو مقصود عادي صحيح؛ لخوف ضرر في بدن، أو زيادة مرض، لم يكن ذلك ممنوعًا، ومن تركه للغلو والتنطع والدخول في الرهبانية؛ لكونه من ذوات الأرواح في أصله، وغير ذلك، فهو ممنوع مخالف للشرع. لكن ظاهر الحديث تقديم النكاح؛ كما يقوله أبو حنيفة ومن وافقه. ولا شك أن الترجيح يتبع المصالح، ولم يستحضر أعدادها غالبًا، فالأولى اتباع اللفظ الوارد في الشيء. ومنها: التنبيه على قاعدة عظيمة في باب التوحيد والتنزيه؛ وهي: أن الدوام وعدم الزوال ثابت لله، والتغيير وعدم الديمومة ثابت لما سواه. فلما كان الأمر كذلك، أجرى الموجودات كلها على وصفها، وشرع الشرائع على ذلك رحمة بنا؛ ولهذا قال ﷺ : "لكنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأفْطِرُ، وأَتزوَّجُ النساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي"؛ تنبيهًا على ما ذكرنا، ولله أعلم. ومنها: استحباب الخُطَب لأمور المسلمين الحادثة العامة النفع. ومنها: استحباب الثناء على الله تعالى فيها. ومنها: عدم تعيين من هو مقصود بالوعظ والتذكير والزجر؛ فإنه ينبغي أن يقول في ذلك: ما بال أقوام قالوا كذا، وفعلوا كذا؟

стр. 1247

ومنها: الحثُّ على متابعة السنَّة، والتحذير من مخالفتها، والله أعلم. وقد يستدل به على قبول خبر الواحد؛ لأنه ما عدا المتواتر. ولم يثبت في الحديث أن النفر السائلين، وأزواج النبي ﷺ المسؤولات بلغوا حدَّ التواتر، فلو لم يكن مقبولًا عند الصحابة، لما حسن سؤالهم لهنَّ، ولما سمع النبي ﷺ أخبارهن عنهم، مع أن العلماء اختلفوا في حدِّ التواتر، والمختار عند الأصوليين أن حدَّه: خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم، وأن العدد في المخبرين غير محصور للتواتر، لكن قال القاضي أبو بكر: اعلم أن قول الأربعة لا يفيد العلم أصلًا، وأتوقف في الخمسة (١)، واختلف غيره على ستة أقوال: اثنا عشر، وعشرون، وأربعون، وسبعون، وثلاث مئة وبضعة عشر، وعدد بيعة الرضوان، وقيل: يشترط فيهم ألَّا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، وقيل: لا يكونوا من نسب ولا من بلد واحد، وشرط بعض من لا يجوز اعتماده اشتمالهم على المعصوم، وهذا في التواتر في الأخبار. وأما التواتر في المعاني؛ كالكرم والشجاعة والبخل والجبن والفسق والعدالة، فإذا وقع الاتفاق عليها، مع وجود الاختلاف في كميتها وكيفيتها، لا يقدح فيه؛ فإن راوي الجزئي مطابقة راو للكلي المشترك فيه تضمنًا، ولأن امتناع الكذب عليهم يوجب صدق واحد منهم جزمًا، وهو المطلوب. * * * الحديث الثالث عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ، لاخْتَصَيْنَا (٢).

стр. 1248

أما سعد بن أبي وقاص؛ فتقدَّم ذكره قريبًا في باب: الوصايا، مستوفى. وأَمَّا عُثمانُ بنُ مَظْعُون؛ فهو قرشيٌّ، جمحيٌّ، كنيته: أبو السائب، وكان من فضلاء الصحابة ﵃، وعُبَّادهم ومجتهديهم، أسلم ﵁ بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، لا خلاف في ذلك. قال ابن عبد البر ﵀: قد كان علي بن أبي طالب ﵁، وعثمان بنُ مظعون، وأبو ذر، هَمُّوا أن يختصوا ويتبتلوا، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك، ونزلت فيهم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]. وكان أحدَ مَنْ حرَّم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شرابًا يُذهب عقلي، ويُضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي، فلمَّا حُرِّمت الخمر، أُتي وهو بالعوالي، فقيل: يا عثمان! قد حُرِّمت الخمر، فقال: تبًّا لها، قد كان بصري فيها ثاقبًا (١). ولا شك أن تحريم الخمر عند الأكثرين بعد أُحُد، وهذا إنما يتجه على قول من قال: إن عثمان بن مظعون توفي بعد ثلاثين شهرًا بعد شهوده بدرًا، فيكون تحريم الخمر، والقول له بتحريمها بعدَ أحد؛ لأن أُحُدًا كانت في السنة الثالثة من الهجرة، ووفاته على هذا القول بعد ثلاثة أشهر من أول السنة الخامسة من الهجرة، والله أعلم. وكان عثمان بن مظعون أوَّلَ من مات من المهاجرين بالمدينة، بعد رجوعه من بدر، وأول من تبعه إبراهيمُ بن النبي ﷺ ، وقبَّل رسول الله ﷺ عثمانَ بعدما مات، فلما غُسِّل وكُفِّن، قَبَّلَ رسول الله ﷺ بين عينيه، فلمَّا دُفِن قال: "نِعْمَ السلفُ هو لنا عثمانُ بنُ مظعون" (٢)، ولمَّا تُوفي إبراهيم بن النبي ﷺ قال

стр. 1249

رسول الله ﷺ : "الحقْ بالسلفِ الصالحِ عثمانَ بنِ مظعونِ" (١)، ولمَّا تُوفيت زينبُ بنتُ النبي ﷺ قال: "الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمانَ بنِ مظعون"، وأعلم قبره بحجر، وكان يزوره، ووضع الحجر عند رأسه، وقال: هذا قبر فَرَطِنا (٢)، وكان أول من دفن بالبقيع في قول مصعب الزبيري. ولما مات أكبَّ النبي ﷺ عليه، وجرت دموعه، وقال: "اذهبْ أبا السائب، فقد خرجتَ منها -يعني: الدنيا- ولم تلتبسْ منها بشيء" (٣)، واستأذن النبي ﷺ في الخصاء لمشقة العزوبة في المغازي، فقال: "لَا، وَلَكن عَلَيْكَ يا بن مظعون بالصِّيَامِ، فإنَّه مجفّر" (٤) وروي [مَجْفَرة] (٥). ولما مات، قالت امرأته: هنيئًا لك الجنة عثمان بن مظعون، فنظر إليها رسول الله ﷺ نظرة غضب، وقال: "ما يدريك"؟!، قالت: يا رسول الله! فارسك وصاحبك، فقال رسول الله ﷺ : "إِنِّي رسولُ اللهِ، ومَا أَدْرِي ما يُفْعَل بي"، فأشفق الناس على عثمان، فلما ماتت زينب بنتُ رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : "الحقي بسلفِ الخير عثمانَ بنِ مظعونٍ"، فبكى النساء (٦). واختُلف في تاريخ وفاته، مع اتفاقهم على شهوده بدرًا، فقيل: سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: بعد اثنين وعشرين شهرًا من مقدمه ﷺ المدينة، وقيل: على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة بالمدينة، ورَثَتْه امرأته، وقالت:

стр. 1250

يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مَمْنُونِ ... عَلَى رَزِيَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ على امْرئٍ باتَ في رِضوانِ خَالِقِهِ ... طُوبى لَهُ مِنْ مقيد الشخصِ مَدْفُونِ طابَ البقيعُ لَهُ سُكْنَى وغَرْقَدُهُ ... وأَشْرَقَتْ أَرْضُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيينِ وأَوْرَثَ القلبَ حُزْنًا لَا انقطَاعَ لَهُ ... حتَّى المَمَاتِ فَمَا ترقى لَهُ شُوني (١) وأمَّا التَّبَتُّل: فهو ترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله تعالى. وأصل التبتل: القطع، ومنه قيل لمريم: البتول، ولفاطمة ﵍: البتول؛ لانقطاعهما عن نساء زمانهما؛ دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها. وقال الطبري: التبتل: هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاعُ إلى الله تعالى، بالتفرغ لعبادته، ومعنى رد عليه التبتل: نهاه (٢). ولا شك أنَّ رسول الله ﷺ إنما ردَّه عليه؛ لأمور زائدة على مجرد التخلي للعبادة مما هو داخل في باب التنطع والتشبيه بالرهبانية؛ لا أن ظاهر الحديث، يقتضي تعليق الحكم بمسمى التبتل؛ فإن التبتل القاطع عن الحقوق الواجبة؛ من حقِّ زوجة وغيرها، أو المضر بالشخص، فإنه ممنوع. وأما التَّبتل الحامل على الأغراض من الشهوات واللذات من غير إضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجة، ولا غيرها، ففضيلة لا منع منه، بل هو مأمور به، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]؛ أي:

стр. 1251

انقطع إليه انقطاعًا حسنًا على وفق أمرنا ونهينا. وبهذا يحصل الجمع بين الآية والحديث، فيكون المقصود: الإشارة إلى كثرة العبادات غير الشاقة، وملازمتها؛ لدلالة السياق في الآية؛ من الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن والذكر، لا ترك النكاح والأمر بتركه؛ فإنه كان موجودًا مع الأمر بما ذكرنا في الآية الكريمة؛ لما في ترك النكاح والاختصاء من الغلو في الدين، والتشديد على النفوس، والإجحاف بها؛ كما يفعله كثير من جهال المتزهدين وعباد المتنطعين. وفي هذا الحديث أحكام: منها: عدم الإقدام على ما تحدثه النفوس من غير سؤال العلماء عنه. ومنها: ترك التنطع وتعاطي الأمور الشاقة على النفس. ومنها: أن العلماء لا يأخذون الناس إلا بالشرع السهل، ورد المشاق عليهم. ومنها: أن الإنسان قد يجتهد في أمور دينية، فلا يجوز له العمل باجتهاده من غير استناد إلى دليل شرعي، لكنه غير مأثوم في الاجتهاد، إذا كان مقصده صحيحًا، ويكون مخطئًا إذا خالف الشرع، مثابًا عليه إذا لم يجد فيه نصًّا، ولا من يرشده إلى الصواب. واعلم أن الإخصاء في الآدمي حرام قطعًا، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وكذا يحرم خصاء كل حيوان غير مأكول، وأما المأكول: فيجوز خصاؤه في صغره، ويحرم في كبره؛ لعدم طلب اللحم في خصاء الكبير، ووجوده في الصغير. ومنها: عدم المنع من ملاذ الدنيا، خصوصًا إذا قصد بها وجه الله تعالى؛ من تلذذ بنعم الله تعالى، أو تعرف لذة ما وعد الله تعالى به في الدار الآخرة، أو تعريف النفس افتقارها وحاجتها إلى غيرها، أو الوقوف مع امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، أو غير ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 1252

الحديث الرابع عَنْ أُمِّ حَبِيبةَ بنْتِ أَبي سُفْيَانَ: أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ! انكحْ أُخِتي ابنةَ أَبي سُفْيَانَ، فَقَالَ: "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيةِ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَني في خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي"، قَالَتْ: فَإنَّا نُحَدَّثُ أنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟! "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَبِيبِتي في حَجْرِي، لَمَا حَلَّتْ لِي، إنَّها لاَبْنهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَة ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". قَالَ عُروةُ: ثُويبةُ مولاةٌ لأَبي لَهَبٍ، كانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَها، فَأَرْضَعَتِ النبيَّ ﷺ ، فلمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ، أُرِيَهُ بعضُ أَهْلِه بشِرِّ حِيبَةٍ، قالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا، غيرَ أَنِّي سُقِيت في هَذِه بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ (١). الحيبة: الحالة، بكسر الحاء. أَمَّا أُمُّ حَبيبة: فاسمها رملة، وقيل: هند بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب بن أمية، أمُّ المؤمنين، الأمويةُ، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة، فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ وهي هناك، وكان تزوجه بها سنة ست، وقيل: سبع، وكُنِّيت: أم حبيبة بابنتها حبيبة بنت عبد الله بن جحش، وكانت من السابقين إلى الإسلام. روي لها عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بحديثين، روى عنها: أخواها: معاوية، وعتبة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو المليح عامر بن أسامة الهذلي، وزينب بنت أبي سلمة، وغيرهم.

стр. 1253

توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين، وقبل موت معاوية بسنة، وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين، وروى لها أصحاب السنن والمساند (١). وأما أختها المذكورة في الحديث: فاسمها في الحديث: عَزَّة -بفتح العين المهملة وبالزاي المشددة-، وهي مسماة في رواية في "صحيح مسلم"، والله أعلم. وأَمَّا بنت أُمِّ سَلَمة؛ فاسمها: دُرَّة، واحدةُ الدرُّ، بنتُ أبي سلمةَ بن عبد الأسد، القرشيةُ المخزوميةُ، ربيبةُ النبي ﷺ ، بنتُ امرأته أم سلمةَ زوجِ النبي ﷺ ، وبناتُها ربائب له ﷺ ، وكذا الذكور من أولادها، وضبط بعض رواة مسلم اسمها: ذَرَّة -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- واحدة الذر، وهو تصحيف لا شك له. وأَمَّا أبو سلمة؛ فاسمه: عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوميُّ، كان أخًا للنبي ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما ثُويبةُ مولاة أبي لهب بن عبد المطلب، أرضعت النبي ﷺ أيامًا، قبل أن تأخذه حليمة السعدية ﵂ مع ابن لها يقال له: مسروح، وأرضعت قبله حمزةَ بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة هذا. وأُمُّ أبي سلمة برة بنت عبد المطلب بن هاشم. كان ممن هاجر بامرأته أم سلمة إلى أرض الحبشة، ثم شهد بدرًا بعد أن هاجر الهجرتين، وجرح يوم بدر جرحًا اندمل ثم انتقض، فمات منه، وذلك لثلاث مضين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله ﷺ امرأته أم سلمة.

стр. 1254

أَمَّا أَبُو لَهَب، فاسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، عمُّ النبي ﷺ ، كانَ يكنى بأبي لهب؛ لحسنه وإشراق وجهه، ويقال: لهَب، بفتح الهاء، وإسكانها، وهي قراءتان: ابن كثير: بالإسكان، والباقون: بالفتح، مثل نَهْر ونَهَر، لغتان، مع اتفاق القراء على أن: ﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] ذات لَهَب مفتوحة الهاء؛ لوفاق الفواصل. وثُويبة: -بثاء مثلثة مضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء التصغير، ثم باء موحدة، ثم هاء-. والخير الذي لقيه أبو لهب من سقيه بعد موته، لعتاقته ثويبة؛ لكونها أرضعت النبي ﷺ تلك الأيام القلائل، قيل: إنها ثلاثة أيام؛ جزاء له لرضاع النبي ﷺ منها، كما جوزي أبو طالب بذبه عن النبي ﷺ ، أن جُعل في ضَحْضاح من نار؛ إكرامًا للنبي ﷺ في إرضاعه، وتربيته، والذب عنه، واختلف في إسلامها، والله أعلم. وقولُ أُمِّ حبيبة: "لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَة"؛ هي بضم الميم وإسكان الخاء المعجمة، وكسر اللام؛ أي: لست أخلي لك بغير ضرة، ولا منفردة بدوام الخلوة بك، يقال: خلوت به، إذا انفردت به. وقولها: "وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "شَرِكني" (١) -بفتح الشين وكسر الراء-؛ معناه: شاركني في صحبتك والانتفاع بك في مصالح الدنيا، وذلك هو الخير لا يقابله خير. وسؤالها النبيَّ ﷺ نكاحَ أختها؛ لاعتقادها خصوصية الرسول ﷺ بإباحة هذا النكاح، لا لعدم علمها بما دلت عليه الآية؛ حيث إنه ﷺ أُبيح له في باب النكاح خصوصيات لم تُبَح لغيره؛ فاعتقدت أن نكاح أختها من ذلك؛ لكمال رتبته ﷺ ، ولهذا اعترضت بنكاح دُرَّة بنت أبي سلمة، فكأنها تقول: كما جاز نكاح درة، ثم

стр. 1255

تناول الآية لها، فليجز نكاح الأخت مع تناول الآية لها؛ للاجتماع في الخصوصية، وذلك مناسب. وكونها غير عالمة بمدلول الآية؛ لاشتراكهما في أمر أخص، وهو التحريم العام، واعتقاد التحليل الخاص؛ فإن إخبارها من جهة الرسول ﷺ بتحريم نكاح الأخت على الأخت، لا يلزم منه أن يرد عليه تجويز نكاح الربيبة لزومًا ظاهرًا؛ لأنهما إنما يشتركان حينئذ في أمر أهم من المراد، وهو قطع الرحم الذي أمر بوصله، وحرم قطعه، ومن قطعه قطعه الله، ومن وصله وصله الله. وقولُه ﷺ : "بنتُ أُمِّ سَلَمَة؟! قُلْتُ: نَعَمْ"؛ يحتمل أن يكون سؤال استثبات ونفي إرادة غيرها، ويحتمل أن يكون لإظهار حجة الإنكار عليها، أو على من قال ذلك. وقولُه ﷺ : "إِنَّا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي"؛ الربيبة: بنت الزوجة مشتقة من الربِّ، وهو الإصلاح؛ لأنه يربُّها ويقوم بأمورها وإصلاح حالها، ومن ظنَّ من الفقهاء أنه مشتق من التربية، فقد غلط؛ لأن شرط الاشتقاق الاتفاق في الحروف الأصلية، والاشتراك؛ فإن آخر (رَبَّ) باء موحدة، وآخر (ربي) ياء مثناة من تحت (١). والحَجْر: بفتح الحاء وكسرها، والفتح أفصح. وقولُه: "بِشَرِّ حِيبَةٍ"؛ قد ضبطها المصنف بكسر الحاء المهملة؛ وفسرها بالحالة، فكأنه قال: بشرِّ حال، والحيبة والحوبة: الهمُّ والحزن، والحيبة -أيضًا-: الحاجة والمسكنة. وقولُه ﷺ : "فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ" هذا إشارة إلى أم حبيبة وبنت أم سلمة وأخت أم حبيبة عزة، ولما استندت أم حبيبة إلى اجتهادها دون

стр. 1256

ما صرحت به الآية من تحريم نكاح الأخت على الأخت، ونكاح الربيبة، قال ﷺ : "إنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتي في حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لي، إِنَّها لاَبْنَهُ أَخِي مِن الرَّضَاعَةِ"؛ ومعناه: أنها حرام عليَّ بسببين: كونها ربيبة، وكونها بنت أخ، فلو فقد أحد السببين، حرُمت بالآخر. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم نكاح الأختين في عقد واحد، وعلى الترتيب، وهو محرَّم باتفاق العلماء، وأما بملك اليمين، فهو كذلك عند علماء الأمصار. ونقل عن بعض الناس فيه خلاف، وقع الإجماع بعده على خلافه من أهل السنة، غير أن تحريم الجمع بينهما، إنما هو في وَطْئهما، لا في ملكهما؛ فإن ملكهما غير ممتنع اتفاقًا، قال الفقهاء: فإذا وَطئ إحداهما، لم يطأ الأخرى حتى تحرم الأولى ببيع أو عتق أو كتابة؛ لئلا يكون مستبيحًا لفرجيهما معًا. ومنها: تحريم نكاح الربيبة، وهو منصوص عليه في كتاب الله تعالى، لكن يحتمل أمر أم حبيبة في سؤالها نكاح أختها معها: أنها لم يبلغها هذا الحكم من أمر نكاح الربيبة؛ حيث إن لفظ الرسول ﷺ يشعر بتقدم نزول الآية "لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبتي في حَجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي". وقد يحتجُّ بذلك من يرى اختصاص الربيبة، بكونها في الحَجْر، وهو داود الظاهري؛ قال: فإن لم تكن في حجره أمها، فهي حلال له، وذلك موافق لظاهر قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ومذهب العلماء كافة سواه على التحريم مطلقًا، سواء كانت في حجر أم لا، وحملوا التخصيص على أنه خرج مخرج الغالب، وإذا كان كذلك، لم يبق له مفهوم يعمل به، فلا يقصر الحكم عليه. قال العلماء: ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] ومعلوم أنه يحرم قتلهم مطلقًا؛ لكنه قيد بالإملاق لأنه الغالب، ومثله قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، ومعلوم تحريم

стр. 1257

إكراههن عليه مطلقًا، سواء أردنه أم لا، لكنه لما كان الغالب أن البغاء لا يحصل إلا بالإكراه، قيد به. قال شيخنا الحافظ المدقق أبو الفتح بن دقيق العيد: وعندي نظر في أن الجواب المذكور في الآية، هل يرد في لفظ الحديث أو لا؟ (١) ومنها: أن تحريم الجمع بين الأختين شامل لصفة الجمع في عقد واحد، ولصفة الترتيب فيه. ومنها: أن الزوجة وغيرها من الألزام يجوز لها الفكر والنظر في مصلحة نفسها ومن يتعلق بها من أقاربها، ولا يجوز لها ولا لغيرها العمل به واعتقاده، إلا بعد عرضه على العلم والعلماء، كما جرى لأم حبيبة وأختها. ومنها: وجوب البيان على العلماء، إذا سُئلوا عنه. ومنها: أن المنع مما سئلوا عنه، لو كان بوجه غير المسؤول عنه، وجب ذكره وبيانه. ومنها: جواب المفتي أو المستشار أو من عرض عليه أمر، فكان ممتنعًا في الشرع، بأنه لا يحل لي أو لك، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (٢). اعلم أن الجمعَ بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، محرَّم بالإجماع، ولا فرق بين أن تكون خالة أو عمَّة حقيقية أو مجازية؛ فالحقيقية كأخت الأم،

стр. 1258

وأخت الأب، والمجازية: كأخت أبي الأب، أو أب الجد وإن علا، وأخت أم الأم، وأم الجدة من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهنَّ يحرم نكاحهنَّ بصفة الجمع، بإجماع العلماء، وجوَّزه جماعة من الخوارج والشيعة. ولا شك أن تحريم هذا الجمع مما أخذ من السنَّة؛ إذ هي مبينة للكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وإطلاق الكتاب العزيز، يقتضي إباحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعد تحريمه تعالى نكاح الأختين جمعًا؛ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ما يقتضي ذلك الإباحة مجردًا عن بيان السنة. لكن الأمة خصت عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو قول جمهور الأصوليين، ثم إن ظاهر الحديث يقتضي التسوية بين الجمع بينهما على صفة المعية، والجمع على صفة الترتيب. لكن النهي إذا ورد، كان وروده على مسمى الجمع، مع حمله على الفساد، فيقتضي أنه إذا نكحهما معًا: أن النكاح باطل؛ حيث إنه حصل فيه الجمع المنهي عنه، فيفسد، وإن حصل الترتيب، فالثاني هو الباطل؛ لأن مسمى الجمع حصل به, كيف وقد روى أبو داود في "سننه" صحيحة: "ولا تُنكحُ الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى" (١)، وذلك مصرح بجمع الترتيب، والعلَّة في النهي عنه ما يقع بسببه المضارةُ من التباغض والتنافر، فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، وقد ورد إشعار بهذه العلة. وأما الجمع بينهما بملك اليمين، فهو حرام عند العلماء كافة، ومباح عند

стр. 1259

الشيعة، وقالوا: وتحريم الجمع في الأختين في الآية الكريمة، إنما هو في النكاح. وقاس العلماء الجمع بينهما بملك اليمين على النكاح، وقاسوا الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها بملك اليمين على الأختين. واختصاص الجمع بين المذكورات كلهن بالنكاح غير مقبول، بل جميع المذكورات في الآية الكريمة محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعًا، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]؛ فإن المراد بالمحصنات: المزوجات، وبملك اليمين: كل ملك حصل ببيع أو شراء أو بسبي ونحو ذلك، فإنه لا يجوز وطؤهن بالنكاح، بل بملك اليمين، بعد الاستبراء. فلو أراد وطأهن بالنكاح، لم يجز إلا بعد عتقهن، أو مع عدم طول حرة، وألَّا يكون مزوجًا بحرة، والاستثناء بقوله تعالى عائد إلى المحصنات، لا إلى جميع من ذكر في الآية من المحرَّمات إجماعًا، فدل على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين، قياسًا وعمومًا من الحديث، وإجماعًا من العلماء، فلا التفات إلى من أباحه، والله أعلم. وأمَّا الجمع بين باقي الأقارب؛ كابنتي العم، أو ابنتي الخالة، ونحوهما، فجوزه العلماء كافة، إِلَّا ما حكي عن بعض السلف أنه حرمه، وكأنه نظر إلى المعنى في المنع من الجمع بين الأختين؛ في قطيعة الرحم، واستدلَّ العلماء بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وأما الجمع بين زوجة الرجل وابنته من غيرها، فجوزه مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والجمهور، وقال الحسن، وعكرمة، وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، واستدلَّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والله أعلم. ومن حرمنا الجمع بينهما - ممن ذكرنا - إنما هو في العقد عليهما بالنكاح، والوطء، لا في مجرد الملك كما تقدم ذكره في الأختين، فلو عقد النكاح على إحداهما بعد الأخرى، كان الأول صحيحًا، والثاني باطلًا، والله أعلم.

стр. 1260

الحديث السادس عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَن تُوفُوا بِهِ: مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ" (١). أَمَّا عقبة بن عامر؛ فاختلف في كنيته على أقوال، أشهرها: أبو حماد، ويقال: أبو سعاد، ويقال: أبو أسد، ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الأسود، ويقال: أبو عبس، وهو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة. رُوي له عن رسول الله ﷺ خمسة وخمسون حديثًا، اتفقا على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم تسعة، روى عنه من الصحابة: جابر، وابن عباس، وأبو أمامة، ومسلمة بن مخلد، وجماعة من التابعين كثر، وروى له أصحاب السنن والمساند، وكان يقال له: عقبة بن عامر الجهني، وكان واليًا بمصر من قبل معاوية بن أبي سفيان، ثم عزله بمسلمة بن مخلد، وكان من الرماة، وكان يخضب بالسواد، ويقول: نسوِّدُ أعلاها، وتأبى أصولها (٢). وابتنى بمصر دارًا، وكان له بدمشق دار بناحية قنطرة سنان من باب توما، ومات بمصر في آخر خلافة معاوية، سنة ثمان وخمسين، ودفن بمقبرتها العظمى، وقبره مشهور بها، وزرته في سنة سبع مئة (٣).

стр. 1261

وأَمَّا ما حكاه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في "استيعابه" عن خليفة بن خياط: أنه قال: قتل عقبة بن عامر يوم النهروان شهيدًا، سنة ثمان وثلاثين، فقال: وهذا غلط منه، وفي كتابه بعد: وفي سنة ثمان وخمسين توفي، وقوله ﵀ موافق للحفاظ، وتغليطه لخليفة، وكتابه صحيح. والله أعلم. وأخذ بظاهر هذا الحديث: الإمامُ أحمد، وجماعة، وألزموا الوفاء بالشروط، وإن لم يكن مقتضى العقد؛ كأن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من البلد، ولا يسكن بها إلا في بيت معين، ولا يقسم لها، ولا ينفق عليها، ونحو ذلك. وحمل الإمام الشافعي وأكثر العلماء هذا الحديث على شروط لا تنافي مقتضى النكاح ومقاصده؛ كاشتراط العِشْرة بالمعروف، والإنفاق عليها، وكسوتها، وسكناها بالمعروف، وأنه لا يقصر في شيء من حقوقها، ويقسم لها كغيرها، وأنها لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تنشز عليه، ولا تصوم تطوعًا بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. فأَمَّا شرط ينافي مقتضاه؛ كشرط ألَّا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها، أو لا ينفق عليها، فلا يجب الوفاء به، ويلغو الشرط، ويصح النكاح بمهر المثل؛ لقوله ﷺ : "كلُّ شرط ليسَ في كتابِ اللهِ فهو باطل" (١). قال شيخنا أبو الفتح الإمام ﵀: وفي حمل الحديث على ما هو من مقتضيات العقد، ضعف، قال: لأنها أمور لا تؤثر الشروط في إيجابها، فلا تستند الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها، ومقتضى الحديث: أن لفظ:

стр. 1262

"أحق الشروط" يقتضي أن تكون بعض الشروط تقتضي الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء له. والشروط التي تقتضيها العقود مستوية في وجوب الوفاء، وتترجح عليها الشروط المتعلقة بالنكاح، من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها. هذا آخر كلامه (١). فحينئذ، كأنه - رحمه الله تعالى - يجعل الشروط، نفس استحلال الفروج بالعقد عليها، بعد أن كانت محرمة لا غير، والله أعلم. * * * الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَار. والشِّغَارُ؛ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابنتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابنتَهُ، ولَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاق (٢). هذا التفسير للشغار مُدْرَج في الحديث، وليس هو مذكورًا في بعض الروايات، وقد بين في بعضها: أنه من كلام نافع. وأَمَّا الشِّغَار؛ فهو -بكسر الشين، وبالغين المعجمتين-، واختلف أهل اللغة في أصله، فقال ثعلب: هو مأخوذ من شَغَر الكلبُ برجلِه: إذا رَفَعها فَبَال. كأن العاقد يقول: لا ترفع رجلَ ابنتي حتى أرفعَ رجلَ ابنتك، وقيل: هو مأخوذ من شَغَر البلدُ: إذا خَلاَ؛ كأنه سمي بذلك للشغور من الصداق، وقيل: الشغار: البُعْد، وكأنه بعد عن طريق الحقِّ، ويقال: شَغَرت المرأة: رفعتْ رجلها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع (٣).

стр. 1263

وكان الشغار من نكاح الجاهلية، ولا شك أن الحديث صريح في النهي عنه. وأجمع العلماء على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا. وصورة العقد عليه الواضحة: زوجتُكَ ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبُضع كل واحدة صداق الأخرى، فيقول: قبلت. وتفسير الشغار من الراوي، يشعر بأن جهة الفساد فيه [من] وجوه: أحدها: تعليق العقد. الثاني: التشريك في البضع. الثالث: اشتراط العرو عن الصداق، وهو مفسد عند مالك، وتفسير نافع يشعر به، لكنه لملازمته لجهة الفساد، لا أن عدم ذكر الصداق يقتضي بمجرده فسادَ العقد، فلا يكون له حينئذ مدخل في النهي. وأجمع العلماء على النهي عن نكاح الشغار، فلو عقد، فهل يكون باطلًا أم صحيحًا، ويجب به مهر المثل؟ فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النهي يقتضي إبطاله، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول، وبعده، والفسخ يقتضي صحته، وفي رواية عنه: يفسخ قبله، لا بعده. وقال شيخنا أبو الفتح الإمام ﵀: وعند مالك فيه تقسيم؛ ففي بعض صور: العقد باطل عنده، وفي بعض صور: العقد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده؛ وهو: ما إذا سمى الصداق في العقد؛ بأن يقول: زوجتك ابنتي بكذا، على أن تزوجني ابنتك بكذا، فاستحق ملك هذا؛ لذكر الصداق. والله أعلم (١). وقال أبو حنيفة: يصح بمهر المثل، وهو محكي عن عطاء، والزهري،

стр. 1264

والليث، وهو رواية عن أحمد، وإسحاق، وبه قال أبو ثور، وابن جرير. والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عِنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ (١). أما علي بن أبي طالب ﵁ فتقدَّم الكلام عليه. وأَمَّا نِكَاحُ المتعة؛ فهو أن يتزوج إلى مدة مؤقتًا، لا مطلقًا، ولا شك أنه إن كان جائزًا في أول الإسلام، وروى إباحته من الصحابة ﵃: ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وسبرة بن معبد الجهني ﵃، لكنهم لم يذكروا في رواياتهم إباحته في الحضر، وإنما كان في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم إليه؛ لعدم وجود نسائهم معهم، وبلادهم حارَّة، وصبرهم عنهن قليل. وقد ذكر مسلم في حديث ابن عمر: أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها؛ كالميتة (٢)، وعن ابن عباس نحوه، ثم حرمت تحريم تأبيد لا تحريم تأقيت، بعد أن أبيحت ثم حرمت. ولا شك أن الإجماع منعقد على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة، وروي عن ابن جريج؛ فإنهم قالوا بجوازه، وتعلقوا بأحاديث الإباحة، وبقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، وروي في قراءة ابن مسعود: (إلى أجل)، وهي شاذة لا يحتجُّ بها قرآنًا ولا خبرًا، ولا يلزم العمل بها.

стр. 1265

وما نقل عن ابن عباس من القول بجوازه، رجع عنه إلى منعه. ونقل عن زفر من الحنفية أنه قال: من نكح نكاح متعة، تأبد نكاحه، وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح؛ فإنها تلغى، ويصح العقد، وما نقل بعض الحنفية عن مالك من جوازه، فهو خطأ قطعًا، وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت، وعداه مالك بالمعنى إلى توقيت الحل، وإن لم يكن في عقد، كما إذا علق طلاق امرأته بوقت لا بد من مجيئه، وقع عليه الطلاق الآن، وعلله أصحابه: بأن ذلك ثابت للحل، وجعلوه في معنى نكاح المتعة. وأما تقييد النهي عنها في الحديث بيوم خيبر؛ فهكذا هو في "الصحيحين" من رواية علي ﵁، وهو الصحيح. وذكر مسلم من رواية سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس (١)، ومن رواية سَبْرة بن معبد إباحتها يوم الفتح (٢)، وهما واحد. ثم حرمت يومئذ، وفي حديث الكتاب تحريمهما يوم خيبر، وهو قبل الفتح. وروي في غير الصحيح عن علي ﵁ رواية شاذة: أن النهي كان في غزوة تبوك، وهو غلط ممن رواه عن الزهري -وهو إسحاق بن راشد-؛ لأن مالكًا ﵀ رواه في "الموطأ" (٣)، وسفيان بن عيينة، والعمْري، ويونس، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري، وفيه: يوم خيبر، وقد روى أبو داود النهي عنها من حديث سبرة في حجة الوداع، قال أبو داود: وهذا أصح. وقد روى عن سبرة -أيضًا-، إباحتها في حجَّة الوداع، ثم نهى النبي ﷺ عنها حينئذ، إلى يوم القيامة (٤).
следующие страницы →