← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وأَمَّا ما حكاه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ في "استيعابه" عن خليفة بن خياط: أنه قال: قتل عقبة بن عامر يوم النهروان شهيدًا، سنة ثمان وثلاثين، فقال: وهذا غلط منه، وفي كتابه بعد: وفي سنة ثمان وخمسين توفي، وقوله ﵀ موافق للحفاظ، وتغليطه لخليفة، وكتابه صحيح. والله أعلم. وأخذ بظاهر هذا الحديث: الإمامُ أحمد، وجماعة، وألزموا الوفاء بالشروط، وإن لم يكن مقتضى العقد؛ كأن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، ولا يخرجها من البلد، ولا يسكن بها إلا في بيت معين، ولا يقسم لها، ولا ينفق عليها، ونحو ذلك. وحمل الإمام الشافعي وأكثر العلماء هذا الحديث على شروط لا تنافي مقتضى النكاح ومقاصده؛ كاشتراط العِشْرة بالمعروف، والإنفاق عليها، وكسوتها، وسكناها بالمعروف، وأنه لا يقصر في شيء من حقوقها، ويقسم لها كغيرها، وأنها لا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تنشز عليه، ولا تصوم تطوعًا بغير إذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ولا تتصرف في متاعه إلا برضاه، ونحو ذلك. فأَمَّا شرط ينافي مقتضاه؛ كشرط ألَّا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها، أو لا ينفق عليها، فلا يجب الوفاء به، ويلغو الشرط، ويصح النكاح بمهر المثل؛ لقوله ﷺ : "كلُّ شرط ليسَ في كتابِ اللهِ فهو باطل" (١). قال شيخنا أبو الفتح الإمام ﵀: وفي حمل الحديث على ما هو من مقتضيات العقد، ضعف، قال: لأنها أمور لا تؤثر الشروط في إيجابها، فلا تستند الحاجة إلى تعليق الحكم بالاشتراط فيها، ومقتضى الحديث: أن لفظ:

стр. 1262

"أحق الشروط" يقتضي أن تكون بعض الشروط تقتضي الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء له. والشروط التي تقتضيها العقود مستوية في وجوب الوفاء، وتترجح عليها الشروط المتعلقة بالنكاح، من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها. هذا آخر كلامه (١). فحينئذ، كأنه - رحمه الله تعالى - يجعل الشروط، نفس استحلال الفروج بالعقد عليها، بعد أن كانت محرمة لا غير، والله أعلم. * * * الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الشِّغَار. والشِّغَارُ؛ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُل ابنتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابنتَهُ، ولَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاق (٢). هذا التفسير للشغار مُدْرَج في الحديث، وليس هو مذكورًا في بعض الروايات، وقد بين في بعضها: أنه من كلام نافع. وأَمَّا الشِّغَار؛ فهو -بكسر الشين، وبالغين المعجمتين-، واختلف أهل اللغة في أصله، فقال ثعلب: هو مأخوذ من شَغَر الكلبُ برجلِه: إذا رَفَعها فَبَال. كأن العاقد يقول: لا ترفع رجلَ ابنتي حتى أرفعَ رجلَ ابنتك، وقيل: هو مأخوذ من شَغَر البلدُ: إذا خَلاَ؛ كأنه سمي بذلك للشغور من الصداق، وقيل: الشغار: البُعْد، وكأنه بعد عن طريق الحقِّ، ويقال: شَغَرت المرأة: رفعتْ رجلها عند الجماع. قال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع (٣).

стр. 1263

وكان الشغار من نكاح الجاهلية، ولا شك أن الحديث صريح في النهي عنه. وأجمع العلماء على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء، كالبنات في هذا. وصورة العقد عليه الواضحة: زوجتُكَ ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وبُضع كل واحدة صداق الأخرى، فيقول: قبلت. وتفسير الشغار من الراوي، يشعر بأن جهة الفساد فيه [من] وجوه: أحدها: تعليق العقد. الثاني: التشريك في البضع. الثالث: اشتراط العرو عن الصداق، وهو مفسد عند مالك، وتفسير نافع يشعر به، لكنه لملازمته لجهة الفساد، لا أن عدم ذكر الصداق يقتضي بمجرده فسادَ العقد، فلا يكون له حينئذ مدخل في النهي. وأجمع العلماء على النهي عن نكاح الشغار، فلو عقد، فهل يكون باطلًا أم صحيحًا، ويجب به مهر المثل؟ فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد: إلى أن النهي يقتضي إبطاله، وقال مالك: يفسخ قبل الدخول، وبعده، والفسخ يقتضي صحته، وفي رواية عنه: يفسخ قبله، لا بعده. وقال شيخنا أبو الفتح الإمام ﵀: وعند مالك فيه تقسيم؛ ففي بعض صور: العقد باطل عنده، وفي بعض صور: العقد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده؛ وهو: ما إذا سمى الصداق في العقد؛ بأن يقول: زوجتك ابنتي بكذا، على أن تزوجني ابنتك بكذا، فاستحق ملك هذا؛ لذكر الصداق. والله أعلم (١). وقال أبو حنيفة: يصح بمهر المثل، وهو محكي عن عطاء، والزهري،

стр. 1264

والليث، وهو رواية عن أحمد، وإسحاق، وبه قال أبو ثور، وابن جرير. والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عِنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ (١). أما علي بن أبي طالب ﵁ فتقدَّم الكلام عليه. وأَمَّا نِكَاحُ المتعة؛ فهو أن يتزوج إلى مدة مؤقتًا، لا مطلقًا، ولا شك أنه إن كان جائزًا في أول الإسلام، وروى إباحته من الصحابة ﵃: ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وسبرة بن معبد الجهني ﵃، لكنهم لم يذكروا في رواياتهم إباحته في الحضر، وإنما كان في أسفارهم في الغزو عند ضرورتهم إليه؛ لعدم وجود نسائهم معهم، وبلادهم حارَّة، وصبرهم عنهن قليل. وقد ذكر مسلم في حديث ابن عمر: أنها كانت رخصة في أول الإسلام لمن اضطر إليها؛ كالميتة (٢)، وعن ابن عباس نحوه، ثم حرمت تحريم تأبيد لا تحريم تأقيت، بعد أن أبيحت ثم حرمت. ولا شك أن الإجماع منعقد على تحريمه، ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة، وروي عن ابن جريج؛ فإنهم قالوا بجوازه، وتعلقوا بأحاديث الإباحة، وبقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، وروي في قراءة ابن مسعود: (إلى أجل)، وهي شاذة لا يحتجُّ بها قرآنًا ولا خبرًا، ولا يلزم العمل بها.

стр. 1265

وما نقل عن ابن عباس من القول بجوازه، رجع عنه إلى منعه. ونقل عن زفر من الحنفية أنه قال: من نكح نكاح متعة، تأبد نكاحه، وكأنه جعل ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح؛ فإنها تلغى، ويصح العقد، وما نقل بعض الحنفية عن مالك من جوازه، فهو خطأ قطعًا، وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت، وعداه مالك بالمعنى إلى توقيت الحل، وإن لم يكن في عقد، كما إذا علق طلاق امرأته بوقت لا بد من مجيئه، وقع عليه الطلاق الآن، وعلله أصحابه: بأن ذلك ثابت للحل، وجعلوه في معنى نكاح المتعة. وأما تقييد النهي عنها في الحديث بيوم خيبر؛ فهكذا هو في "الصحيحين" من رواية علي ﵁، وهو الصحيح. وذكر مسلم من رواية سلمة بن الأكوع إباحتها يوم أوطاس (١)، ومن رواية سَبْرة بن معبد إباحتها يوم الفتح (٢)، وهما واحد. ثم حرمت يومئذ، وفي حديث الكتاب تحريمهما يوم خيبر، وهو قبل الفتح. وروي في غير الصحيح عن علي ﵁ رواية شاذة: أن النهي كان في غزوة تبوك، وهو غلط ممن رواه عن الزهري -وهو إسحاق بن راشد-؛ لأن مالكًا ﵀ رواه في "الموطأ" (٣)، وسفيان بن عيينة، والعمْري، ويونس، وغيرهم، كلهم رووه عن الزهري، وفيه: يوم خيبر، وقد روى أبو داود النهي عنها من حديث سبرة في حجة الوداع، قال أبو داود: وهذا أصح. وقد روى عن سبرة -أيضًا-، إباحتها في حجَّة الوداع، ثم نهى النبي ﷺ عنها حينئذ، إلى يوم القيامة (٤).

стр. 1266

وروى عن الحسن البصري: أنها ما حلت قط إلا في عمرة القضاء، وروي هذا عن سبرة -أيضًا-، ولم يذكر مسلم من روايات حديث سبرة تعيين وقت، أما في رواية محمد بن سعيد الدارمي، وإسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن يحيى، فإنه ذكر فيها يوم فتح مكة (١). قال العلماء: ذكر الرواية بإباحتها يوم حجة الوداع خطأ؛ لأنه لم يكن يومئذ ضرورة ولا عزوبة، بل أكثرهم حجُّوا بنسائهم، والصحيح أن النهي عنها كان في حجة الوداع مجردًا عن الحاجة إلى المتعة؛ كما جاء في غير رواية. ويكون تجديده يومئذ النهي عنها؛ لاجتماع الناس فيه؛ ليشتهر في الأقطار بتبليغ الشاهد الغائب، ولتمام الدين وتقرير الشريعة، كما قرر ﷺ غير أمر من قواعد الدين، وبين الحلال والحر أم، وبتَّ حينئذ تحريم المتعة إلى يوم القيامة. قال بعض العلماء: نسخ الله تعالى القبلة مرتين، ونكاح المتعة مرتين، وتحريم لحوم الحمر الأهلية مرتين، قال: ولا أحفظ رابعًا. وقال آخرون: إنما نسخت المتعة مرة واحدة يوم خيبر، وتحريمها في الفتح كان إشاعة لما تقدم من التحريم وشهرًا له، وكذلك تحريمها في حجة الوداع لهذا المعنى، وفي هذا نظر؛ من حيث إنه صحَّ أن رسول الله ﷺ أذن فيها يوم الفتح، ثم حرمها بعد ذلك، وكان سفيان بن عيينة يزعم أن تاريخ خيبر في حديث إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الأهلية، لا نكاح المتعة. ولا شك أن الرخصة فيه وقعت بعد خيبر لسبب؛ وهو ما ثبت في "الصحيحين"، من رواية ابن مسعود ﵁، قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخَّص

стр. 1267

لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل (١)، ولولا معرفة علي بن أبي طالب بذلك، وأن النهي وقع بعد الرخصة آخرًا؛ لما أنكر الإباحة على ابن عباس. وقد جمع القاضي عياض ﵀ بين الروايات، في الإباحة والتحريم، فقال: يحمل ما جاء من تحريم المتعة يوم خيبر، وفي عمرة القضاء، ويوم الفتح، ويوم أوطاس: أنه جدد النهي عنها في هذه المواطن؛ لأن حديث تحريمها يوم خيبر صحيح لا مطعن فيه، بل هو ثابت من رواية الثقات الأثبات، لكن في رواية سفيان بن عيينة: أنه نهى عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فتكون الإباحة لها بعده للضرورة بعد التحريم، ثم حرمت تحريمًا مؤبدًا، ويكون تحريمها يوم حجة الوداع تأكيدًا وإشاعة له، لا تحريم نسخ؛ لضرورة الإباحة يوم فتح مكة؛ فإنه صحَّ أنه أباحها فيه، ثم حرمها. وتكون رواية إباحتها يوم حجة الوداع ساقطة؛ لما ذكرنا من عدم الاحتياج إليها؛ حيث إن أكثرهم كان معهم نساؤهم، وقول الحسن: إنها كانت في عمرة القضاء، لا قبلها ولا بعدها، مردود؛ بالأحاديث الثابتة في الكتاب وغيره، من تحريمها يوم خيبر، وهي قبل عمرة القضاء. وما روي من الإباحة يوم فتح مكة ويوم أوطاس، فهي مختلفة عن راو واحد، وهو سبرة بن معبد، فيترك ما خالف الصحيح منها، ويثبت ما وافقه. وهذا بعض معنى كلام القاضي، وقال أيضًا: وقد قال بعضهم: هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين. وقال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي - قدس الله روحه -: والصواب المختار: أن التحريم والإباحة كانا مرتين: فكانت حلالًا قبل خيبر، ثم حُرمت يوم خيبر، ثم أُبيحت يوم فتح مكة، وهو يوم أوطاس؛ لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة، واستمر التحريم، ولا يجوز

стр. 1268

أن يقال: الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد، وأن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم، من غير تقدم إباحة يوم الفتح؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم في الإباحة صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، فلا مانع يمنع تكرير الإباحة. والله أعلم (١). قال القاضي عياض: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحًا إلى أجل لا ميراث فيه، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، قال: وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن، حكم ببطلانه، سواء كان قبل الدخول، أو بعده، إلا ما حكي أولًا عن زفر. واختلف أصحاب مالك، هل يحد الواطئ فيه؟ ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا يحد الواطئ فيه؛ لشبهة العقد، والخلاف فيه، ومأخذ الخلاف: اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف، وتصير المسألة مجمعًا عليها؟ والأصحُّ عند الشافعية أنه لا يرفعه، بل يدوم الخلاف، ولا تصير المسألة مجمعًا عليها أبدًا، وبه قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني. قال القاضي عياض ﵀: وأجمعوا على أن من نكح نكاحًا مطلقًا، ونيته ألَّا يمكث معها إلا مدة نواها، فنكاحه صحيح حلال، ليس نكاح متعة، وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور، ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. وشذَّ الأوزاعي، وقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه. والله أعلم (٢). وفي الحديث: تحريم لحوم الحُمُر الأهليَّة، وهو مذهب الشافعي، والعلماء كافة، إلا طائفة يسيرة من السلف، فروي إباحته وتحريمه عن ابن عباس، وعائشة، وبعض السلف، وروى مالك كراهته وتحريمه، والله أعلم.

стр. 1269

الحديث التاسع عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ"، قَالُوا: يَا رسُولَ اللهِ! فكَيْفَ إِذنُها؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ" (١). المراد بالأَيِّم هنا: الثيِّبُ، فكأنه أطلق بإزائه، وقد فسرته في الروايات الصحيحة؛ وهو استعمال أكثر أهل اللغة، ولهذا جعلت مقابلة للبكر، وهو قول علماء الحجاز والفقهاء كافة، وينطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا، باتفاق أهل اللغة. والأَيمة في اللغة: العزوبة، ورجل أَيِّم وامرأة أَيِّم. وحكى أبو عبيد: أيمة أيضًا، وقال الكوفيون من الفقهاء، وزفر: الأَيِّم: كلُّ امرأةٍ لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، كما هو مقتضاه في اللغة (٢). قالوا: فكل امرأة بلغت، فهي أحقُّ بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح، وبه قال الشعبي والزهري، قالوا: وليس الولي من أركان صحة النكاح، بل هو من تمامه، وقال الأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: يتوقف صحة النكاح على إجازة الولي. وقولُه: "حَتَّى تُسْتَأْمَرَ"؛ أي: يُطلبَ الأَمْرُ منها، وأصل الاستئمار: طلب الأمر. وقولُه: "وَكَيْفَ إِذْنُها؟ "؛ هو راجع إلى البِكْر.

стр. 1270

وقولُه في البكر: "حَتَّى تُسْتَأْذَنَ"؛ أي: يُطلبُ الإِذن منها، وأصل الاستئذان: طلب الإذن. وقولُه ﷺ : "أَنْ تَسْكُتَ"؛ إنما جعل السكوت إذنًا؛ لأنها قد تستحيي أن تُفصح بالإذن، وأن تُظهر الرغبةَ في النكاح، فيُستدلَّ بسكوتها على سلامتها من آفة تمنع الجماع، أو سبب لا يصلح معه النكاح، لا يعلمه غيرها. واعلم أن لفظ النهي في الأيم والبكر في قوله ﷺ : "لَا تُنْكَحُ"؛ إما أن يحمل على التحريم، أو على الكراهة، فإن حُمل على التحريم، تعين أحد أمرين في البكر: أما اليتيمة، إذ لا يجب على الأب استئذان كل بكر؛ لتمكنه من إجبار الصغيرة والبالغة مع البكارة عند الشافعي. وأما البِكْر الصغيرة، فلا تجبر عند أبي حنيفة، وتمسكه بالحديث قوي؛ لأنه أقرب إلى الَعموم في لفظ البكر. وربما يُزاد على ذلك بأن يقال: الاستئذان إنما يكون في حقِّ من له إذن، ولا إذن للصغيرة، فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التناول. وفي الحديث دليل: على اشتراط استئمار الثيب في نكاحها، ولا يعرف أمرها في ذلك إلَّا بالنطق بالإذن، بخلاف البكر، وتعين ذلك؛ لما صحَّ أنَّهُ ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ" (١)، وهو يقتضي نفيَ الصحة، والنطقُ في الثيب واجب بلا خلاف، سواء كان الولي أبًا، أو غيره؛ لأنه زال كمال حيائها بممارسة الرجال، وسواء زالت بكارتها بنكاح صحيح أو فاسد، أو بوطء شبهة، أو بزنا،

стр. 1271

فلو زالت بوثبه، أو بإصبع، أو بطول التعنيس، أو وطئت في دبرها؛ فلها حكم الثيب على أصح الوجهين عند الشافعية، نظرًا إلى الثيوبة، وقيل: حكمها حكم البكر، فيكون إذنها السكوت؛ نظرًا إلى العلة في وجوب النطق في الثيب، وهي ممارسة الرجال، وهذه لم تمارسهم. نعم، من وطئت في دبرها، فقد وجدت هذه الممارسة في غير محل الثيوبة، وزوال حيائها به، أكثر من وقوعه في محله، فينبغي أن يكون اشتراط نطقها بالإذن راجحًا بحثًا ونقلًا. وفيه دليل: على شرعية استئذان البكر، سواء كان الولي أبًا أو جدًّا أو غيرهما؛ فإن الحديث عام بالنسبة إلى لفظ البكر، وهو عام -أيضًا- بالنسبة إلى كل ولي، وهذا هو الصحيح عند الشافعية. وقال بعضهم: إن كان الولي أبًا أو جدًّا، فاستئذانه إياها مستحب، وإن كان غيرهما، فلا بد من النطق؛ لأنها تستحيي من الأب والجدِّ أكثرَ من غيرهما. وفيه دليل: على أن السكوت في البكر كاف في الإذن لجميع الأولياء؛ لعموم الحديث، ولوجود الحياء، سواء قلنا باستحبابه؛ أو وجوبه. وفيه وجه: أنه كاف في الأب والجدِّ دون غيرهما. واختلف قول الشافعي ﵀ في اليتيمة: هل يكتفى فيها بالسكوت؟ والحديث يقتضي الاكتفاء به، وقد ورد مصرحًا به في حديث آخر، ومال إلى ترجيح هذا القول: من يميل إلى الحديث من أصحابه، وقيل: لا بد من النطق، ورجحه أهل الفقه منهم؛ أعني: أصحاب الشافعي، ومذهبُ الشافعي والجمهور أنه لا يشترط إعلام البكر بأن سكوتها إذن، وشرطه بعض المالكية، واتفق أصحاب مالك على استحبابه. واختلف العلماء في اشتراط الولي في صحة النكاح: فقال مالك والشافعي: يشترط، ولا يصح نكاح إلا بولي، وقال أبو حنيفة: لا يشترط في الثيب، ولا في البكر البالغ، بل لها أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، وقال أبو ثور: يجوز أن

стр. 1272

تزوج نفسها بإذن وليها، ولا يجوز بغير إذنه، وقال داود: يشترط الولي في تزويج البكر، دون الثيب. احتج مالك والشافعي بحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغيرِ إذنِ مَوَاليها، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" ثلاث مرات، أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن (١)، وبحديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلي" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: هو عندي حسن (٢)، وصححه ابن المديني، وقبله البخاري، وإن روي مرسلًا، وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وكل ذلك يقتضي نفيَ الصحة. واحتج داود بحديث في "صحيح مسلم"، في الفرق بين البكر والثيب، وأن الثيب أحقُّ بنفسها، والبكر تستأذن (٣)، وأجاب أصحاب الشافعي عنه: بأنها أحق، بمعنى شركها في الحق؛ بمعنى عدم إجبارها عليه، وأنها أحق في تعيين الزوج، واحتج أبو حنيفة بالقياس على البيع وغيره؛ فإنها تستقل فيه بلا ولي، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الأمة الصغيرة، وخص عمومها بهذا القياس، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند كثيرين من أهل الأصول. واحتجَّ أبو ثور بالحديث الذي ذكرناه عن عائشة ﵂: "أَيُّما امرأة نكحت بغير إِذنِ وَليِّها، فَنِكَاحُها بَاطِل"؛ ولأن الولي إنما يراد ليختار كفؤًا، ولدفع العار، وذلك يحصل بإذنه.

стр. 1273

وأما داود، فقال العلماء: ناقض داود مذهبه في شرطه الولي في البكر دون الثيب؛ لأنه إحداث قول في مسألة مختلَف فيها، لم يسبق إليه؛ ومذهبه: أنه لا يجوز إحداث مثل هذا. * * * الحديث العاشر عَنْ عَائشِةَ ﵂ قالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي رفَاعَةَ القُرَظِيِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاَقِي، فتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: "تُرِيدينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، قَالَتْ: وَأَبُو بكرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعيدٍ بِالبَاب يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلاَ تَسْمَعُ هَذِهِ وما تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟! (١). أما عائشة؛ فتقدَّم الكلام عليها. أَمَّا امرأةُ أَبي رِفاعة؛ فهي صحابية، واختُلف في اسمها على أربعة أقوال، والمشهور: أنها تَميمة -بفتح التاء-، والثاني: تُميمة -بضمها-، والثالث: سهيمة، والرابع: عائشة. ذكر القول الأول والثالثَ: الخطيبُ البغدادي في "مبهماته"، وقال: بنت وهب بن عبيدة، وذكر الثاني، والرابع: شيخُنا الحافظ أبو زكريا النووي، ولم يذكر ابن بشكوال في "مبهماته" غير الثاني، وهي تُميمة، -بضم التاء-، وقال: بنت وهب، كذا في "الموطأ". وقال أبو عمر النمري الحافظ: تميمة بنت وهب، لا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة بن شموال؛ حديث العسيلة من رواية مالك في "الموطأ" (٢).

стр. 1274

وأَمَّا رِفَاعَة القُرَظيُّ: فهو صحابي، وهو ابن شموال، ويقال: ابن رفاعة، من بني قريظة، روي عنه أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية [القصص: ٥١] في عشرة، أنا أحدهم، وهو مذكور في الحديث (١). وأَمَّا القُرَظي: بضمِّ القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة، ثم ياء النسب، فهي نسبة إلى قُريظة، وهي اسم رجل ترك أولادُه قلعة حصينة بقرب المدينة، فنسبت إليهم، وقُريظة والنضير أخوان من ولد هارون النبي ﷺ ، والله أعلم (٢). وأَمَّا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ الزَّبِيرِ، فهو صحابي، وأبوه الزبِير: بفتح الزاي، وكسر الباء، بلا خلاف، قُتل كافرًا يهوديًّا في غزوة بني قريظة. والزَّبير هو ابن باطا، وقال ابن عبد البر: ابن باطيا، وهو الذي قالت فيه امرأته تميمة: إنما معه مثل هُدبة الثوب، وكان تزوجها بعد رفاعة بن شموال، وأعرض عنها، ولم يستطع أن يمسها، فشكته في الحديث. كذا ذكره غيره من المحققين، وذكر عبدَ الرحمنِ بنَ الزبير: ابنُ منده، وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما "معرفة الصحابة"، وقالا: إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي ﵀: والصواب: الأول (٣).

стр. 1275

وأَمَّا خَالِدُ بنُ سَعيد؛ فكنيته: أبو سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشيُّ، الأمويُّ، أسلم قديمًا بعد أبي بكر الصديق. وقال ضمرة بن ربيعة: كان إسلام خالد مع إسلام الصديق، وقيل: كان ثالثًا أو رابعًا، وقيل: خامسًا، قالت أم خالد: تقدمه ابن [أبي] قحافة، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وسعد بن أبي وقاص. وقال ابن حبان: وقد قيل: إنه أسلم قبل أبي بكر الصديق ﵁؛ لرؤيا رآها في رسول الله ﷺ . وأمُّه من خزاعة، هاجرَ إلى أرض الحبشة هو وأخوه عمرو بن سعيد، وأقام خالد بها بضع عشرة سنة، وقدم على النبي ﷺ ، فكلم المسلمين، فأسهموا له ولمن معه، ثم رجعوا معه ﷺ إلى المدينة، وأقاموا بها، وشهد مع رسول الله ﷺ القضية، وفتح مكة، وحنينًا، والطائف، وتبوك، وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات اليمن، فتوفي رسول الله ﷺ وهو باليمن، وكان قدومه من أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، واستعمله رسول الله ﷺ على صدقات مذحج، وعلى صنعاء اليمن. وقال ابن حبان: واستعمله رسول الله ﷺ على صدقات بني زبيد، وهو أول من كتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكان سبب إسلامه أنه رأى في النوم: أنه وقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به، وكان أباه يدفعه فيها، ورأى رسول الله ﷺ آخذ بحقويه لا يقع فيها، ففزع، وقال: أحلف بالله! إنها لرؤيا، ولقي أبا بكر بن أبي قحافة، فذكر ذلك له، فقال أبو بكر: أُريد بك خير، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك أن تقع فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجناد، فقال: يا محمد! إلى من تدعو؟ قال: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله،

стр. 1276

وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرُّ ولا ينفع، ولا يدري من عَبدَه ممَّن لم يعبده"، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، فسُرَّ رسول الله ﷺ بإسلامه، في قصة جرت له مع أبيه، وتغيب عنه، والله أعلم. قتل خالد بأجنادين، قبل وفاة أبي بكر ﵁ بأربع وعشرين ليلة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وقيل: قتل بمرج الصفر، في خلافة عمر، سنة أربع عشرة شهيدًا (١). وأَجنادين: بفتح الهمزة, وقيل: بكسرها، والله أعلم. قولُها: "فَطَلَّقَنِي فبَتَّ طَلاَقِي"؛ معناه طلقني ثلاثًا، ويحتمل من حيث اللفظ أن يكون قولها: فبت طلاقي: أن يكون بانقطاع آخر طلقة، ويحتمل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويحتمل أن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأخذ هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر تبين المراد. ومن احتجَّ بهذا الحديث على شيء من هذه الاحتمالات، لم يصب؛ لأنه إنما دل على مطلق البتِّ، والدليل على المطلق لا يدل على أحد قيديه بعينه، لكن سياق الحديث يدلُّ على أنه طلقها ثلاثًا؛ بقوله ﷺ : "أَتُحِبِّينَ أَنْ تَرْجِعي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" الحديث. وقولُها: "إِنَّما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ"؛ الهُدْبة -بضم الهاء، وإسكان الدال-، وهو طرفه الذي لم ينسج، شبهوا الهدبة بهدب العين، وهو شعر جفنها.

стр. 1277

وقال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون شبهته بذلك لصغره. والثاني: أن تكون شبهته لاسترخائه وعدم انتشاره، والله أعلم (١). وقولُه ﷺ : "أَتَحِبيِّنَ أَنْ تَرْجِعي إلَى رِفَاعَةَ؟ " لما ذكرت زوجها عبدَ الرحمن بنَ الزبير، وما يتعلق به من هدبة الثوب، فهم عنها إرادة فراقه؛ حيث إن المرأة ذكرت بالكناية بما يمنعها من الدوام معه، والرجوع إلى رفاعة، فقال ﷺ "لا"؛ أي: ذلك لا يحصل لك، على تقدير أن يكون الأمر كما ذكرت. وقولُه ﷺ : "حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"؛ في تأنيث العُسيلة أربعة أقوال: أحدها أن العسل يذكر ويؤنث، فمن أَنَّثه قال في تصغيره: عُسيلة. وقيل: أُنِّثَ على معنى النطفة، أو على نية اللذة، أو أراد قطعة من العسل، واستعمال لفظ العسيلة فيما ذكرنا مجاز، إما من اللذة، وإما من مظنتها، وهو الإيلاج على مذهب جمهور الفقهاء، الذين يكتفون بتغييب الحشفة. وأضعف الأقوال قول من قال: العسيلة على أنها أنثت على معنى النطفة؛ حيث إن الإنزال لا يشترط (٢). وتبسُّمه ﷺ تعجُّب من جهرها وتصريحها بأمر تستحيي النساء من ذكره في العادة، أو لرغبتها في زوجها الأول، وكراهة الثاني. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن المبتوتة بالطلاق الثلاث لا تحلُّ لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره، وهو صريح القرآن العزيز.

стр. 1278

ومنها: أن المراد بنكاح الثاني: العقد والوطء، هذا قول جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانفرد سعيد بن المسيب، فلم يشترط الوطء، كما حمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، على العقد دون الوطء، وكما حمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] على العقد؛ وقال: النكاح حقيقة في العقد، وتقدم اختلاف الفقهاء في ذلك في أول كتاب النكاح، وهذا الحديث حجة عليه، ومخصص بعموم الآية، ومبين للمراد بها، ولعل سعيدًا لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، وشذ في ذلك. ولم يقل أحد من العلماء بقوله، إلا طائفة من الخوارج. كما شذ الحسن في قوله: لا يحلها إلا وطء فيه إنزال التفاتًا إلى معنى العسيلة. ومنها: أنه قد يُستدلُّ به على أن إحلال الزوج الثاني يتوقف مع الوطء في شرطه على الانتشار؛ فإن قولها: وإنما معه مثل هدبة الثوب: يدل على الاسترخاء وعدم الانتشار أن يكون العضو قد بلغ في الصغر إلى حد لا تغيب فيه الحشفة، أو مقدارها الذي يحصل به، وقد اتفق العلماء على أن تغييب ذلك في ذلك كاف في ذلك، من غير إنزال المني، إلا ما حكيناه في شذوذ عن الحسن البصري في اشتراطه، ولو وطئها في نكاح فاسد، لم تحل للأول؛ لأنه ليس بزوج، ولا بد في حلها للأول من انقضاء عدتها من الثاني، ولا يحل للثاني نكاحها حتى تنقضي عدتها من الأول. والله أعلم. ومنها: إظهار ما في النفس مما يخالف الشرع والعادة، ولا يستحيا من ذكره؛ لتعرف حكم الله تعالى وما يجب منه. والأصل في ذلك قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولو كان الله كاتمًا شيئًا على أحد، لكتم هذا، ولم يبين حكمه، بل جعله قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة. وقد تمسك العلماء بهذا وأمثاله؛ على أن الشرع ليس له باطن يخالف ظاهره، ولا ظاهر يخالف باطنه، بل باطنه وظاهره سواء في حكم الله تعالى،

стр. 1279

ويجب تقريبه والوصول إليه بكل طريق ممكن، والحكمة في كونه كذلك؛ لأجل معرفة الدرجات، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، وهذا كلُّه بالنسبة إلى حكم الشرع مجردًا. وأما العمل به للثبوت عند الحكام، وترتيب الحكم عندهم بالثبوت بالأقارير والبينات، فإن علموا ما ثبت مخالفًا لحكم الله تعالى، حرم عليهم ثبوتُه وترتيبُ حكمهم عليه، وإن لم يعلموا ذلك، ولم يحصل في قلوبهم ريبة فيه، شاع لهم الثبوت والحكم بالطلب الصحيح من غير أولي الرتب. واعلم أن الله تعالى لما أرسل الرسل، وأنزل الكتب عليهم، وأمر الأمم بطاعتهم، واتباع ما في الكتب، ضلَّت اليهود، وغيرَّت وكتمت وبدَّلت، وقالت: لم نكلَّف إلا ما ظهر لنا منها، ولم نكلف بما يظن منها، وكفروا بذلك، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]. ولما تكرر ذلك منهم، بعث الله تعالى عيسى ﷺ بالإنجيل؛ مصدقًا للتوراة، وحكمًا ومواعظ وأحكامًا قلبية ملينة للقلوب، وأمرهم بالعمل بالتوراة، فضلَّت النصارى، واعتمدت على العمل بالقلوب دون الجوارح، وهو المراد بقول العلماء: علم الباطن، وأهملوا أحكام الظواهر، وكفروا بذلك، فبعث الله محمدًا ﷺ بالقرآن العظيم، تبيانًا لكل شيء، وجعل إليه ﷺ البيانَ ظاهرًا وباطنًا، وأمره وأمته بالاستقامة، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وقال ﷺ لرجل قال له: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قُلْ آمنتُ باللهِ ثم استقم" (١)؛ أي: استقم على أمر الله ظاهرًا وباطنًا. فقول الفقهاء: يشترط ثبوت العدالة في الظاهر والباطن، ويقول: نفذ الحكم في الظاهر دون الباطن، وعكسه، ومن أنكر وجوب أمر الله تعالى في الظاهر أو

стр. 1280

في الباطن، كفر، والله يعلم المفسد من المصلح، وهو أعلم بكل شيء. ومنها: التبسُّم؛ تعجبًا أو فرحًا بمن سأل عن أحكام الشرع، وأظهر ما في نفسه مما يخالف العادة في إظهاره، خصوصًا النساء؛ فإنهنَّ محلُّ الحياء، فالتعجب منهن في ذلك أكثر من الرجال؛ لشهامتهم، وجبنهن. ومنها: ملازمة أبي بكر الصديق ﷺ ؛ ليعرف الأحكام وسماع العلم، وهذه منقبة له ﵁؛ فإنه كان أكثرَ الصحابة ﵃ مواظبةً ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا. ومنها: حياء أهل مكة ونسائهم من الجهر بمثل ما ذكرته امرأة رفاعة. ولا شكَّ أن الحياء في مثل ذلك مذموم، أو غير محمود؛ ولهذا قال ﷺ : "نِعْمَ النِّسَاءُ، نِساءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحياءُ أَنْ يتَفَقَّهْنَ في الدِّينِ" (١). وكان خالد بن سعيد مكيًّا، ولهذا أنكر رفعَ صوتها بما ذكرته من أمرها وأمر رفاعةَ وعبدِ الرحمن بن الزبير، وقال بالنداء لأبي بكر: ألا تسمع هذه وما تجهر به عند رسول الله ﷺ ؟! ومنها: الأدب مع العلماء والحكام بعدم رفع الصوت بين أيديهم، وعند سؤالهم، خصوصًا من النساء؛ فإن رفع الصوت أقبحُ منهن من الرجال، ولهذا أنكر خالد بن سعيد جهرها، والله أعلم. * * * الحديث الحادي عشر عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلابَة: فَلَو شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢).

стр. 1281

تقدَّم الكلام على أنس وأبي قلابة. واعلم أن قول الصحابي: من السنة كذا، حكمه حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ ، وهذا اختيار أكثر الأصوليين والفقهاء والمحدثين؛ قالوا: لأن الظاهر أنه ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، وإن كان يحتمل أن ذلك قاله عن اجتهاد رأي؛ ولهذا جعله بعضهم موقوفًا، ولكن الأظهر خلافه. أَمَّا قولُ أَبي قِلابَةَ: "وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ" إلى آخره، يحتمل قول أبي قلابة أمرين: أحدهما: أن يكون ظنَّ ذلك مرفوعًا لفظًا من أنس، فتحرز عن ذلك تورعًا. والثاني: أن يكون ظنَّ قولَ أنس: من السنة، في حكم المرفوع، فلو شاء لعبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده أنه في حكم المرفوع. قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والأول أقرب؛ لأن قوله: من السنة، يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل. وقوله: إنه رفعه، نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر محتمل، إلى ما هو نص غير محتمل (١). وقال شيخنا أبو زكريا النواوي - رحمه الله تعالى -: معنى قوله: من السنة كذا: التصريح بالرفع؛ فلو شئت أن أقوله بناء على الرواية بالمعنى، لقلته، ولو قلته، كنت صادقًا. والله أعلم (٢). فحينئذ؛ يرجع عدم تصريحه بالرفع إلى التورع. وأما قول شيخنا أبي الفتح: إنه يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهادي محتمل، فهو صحيح إذا لم يكن اصطلاحهم في قولهم: من السنة كذا، صريحًا

стр. 1282

في الرفع، وأنه بمنزلة قوله: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعله، أما إذا كان اصطلاحهم كذلك، وصرحوا به، فلا ينفي لاحتمال اقتضاء الرفع، والاجتهاد فيه وجه. والله أعلم. والحديث يقتضي أن هذا الحق في البكر والثيب، إنما هو إذا كانا متجددين على نكاح امرأة قبلها. ولا يقتضي أنه ثابت لكل متجددة، وإن لم يكن قبلها غيرها، وكذا استمر عمل الناس على هذا، وإن لم يكن قبلها امرأة في النكاح، والحديث لا يقتضيه. واختلف العلماء في الحق للجديدة هل هو للزوج أو للزوجة؟ فمذهب الشافعي، والجمهور: أنه حقٌّ للمرأة على الزوج؛ لأجل إيناسها، وإزالة الحشمة عنها؛ لتجددها، وقال بعض المالكية: هو حقٌّ للزوج على جميع نسائه، وقال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة أم لا؛ لعموم قوله ﷺ : "إِذَا تَزَوَّجَ البكْرَ، أَقَامَ عِنْدَها سَبْعًا، وإذا تَزَوَّجَ الثيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا"، ولم يخص من لم يكن لَه زوجة. وقالت طائفة: الحديث إنما هو فيمن له زوجة أو زوجات غير هذه؛ لأن من لا زوجة له، هو مقيم عندها كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به، فلا قاطع، بخلاف من له زوجات؛ فإنه جعلت هذه الأيام للجديدة تأنيسًا لها متصلًا لتستقر عشرتها وتذهب حشمتها منه ووحشتها، ويقضي كل واحد لذته من صاحبه، ولا ينقطع الدوران على غيرها، ورجح القاضي عياض هذا القول. وقال البغوي من الشافعية في "فتاويه": وهذا الحق إنما يثبت للجديدة؛ إذا كان عنده أخرى يبيت عندها، فإن لم يكن له أخرى، أو كان لا يبيت عندها، لم يثبت للجديدة حق الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداءً. قال شيخنا أبو زكريا النووي - رحمه الله تعالى -: والأول أقوى؛ لعموم الحديث (١).

стр. 1283

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي - رحمه الله تعالى -: وأفرط بعض الفقهاء المالكية؛ فجعل مقامَهُ عندها عذرًا في ترك الجمعة، إذا جاءت في أثناء المدة. قال: وهذا ساقطٌ، منافٍ للقواعد؛ فإن مثل هذا من الآداب والسُّنَن، لا، يُترك له الواجب. ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرًا، توهم أن قائله يرى الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدًّا؛ لأن قول هذا القائل متردد محتمل أن يكون جعله عذرًا. وأخطأ في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من تخطئته فيما دلَّت عليه النصوص؛ من وجوب الجمعة على الأعيان. هذا آخر كلامه (١). قلت: والكلام في أنَّ مقامَهُ عندها عذر في ترك الجمعة، ينبني على أن المقام عند البكر والثيب إذا كان له زوجة أخرى واجب أم مستحب؟ ومذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - وأصحابِه وموافقيهم: أنه واجب، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وروى عنه ابن عبد الحكم: أنه على الاستحباب، فإذا قلنا: إنه واجب، وإنه حق للزوجة على الزوج، اقتضى ذلك أن يكون عذرًا في ترك الجمعة، كما يعذر في تركها مَنْ له قريب يخاف موته، ونحو ذلك. كيف والجمعة في وجودها وحكمها إذا فاتت تُصلَّى ظهرًا، كيف وحقوق الآدميين إذا تعارضت مع حق الله تعالى قُدمت عليه، عند جماعة من العلماء. وربما هو الراجح عند بعضهم، وإن أدى إلى ترك حق الله تعالى بالكلية؛ حيث إن حقه مبني على المسامحة، وحق الآدمي مبني على المشاحة، وينبغي أن يكون المقام عندها عذرًا في ترك الجمعة، إذا لم ترض بترك حقها، فأما إذا رضيت بتركه، فلا يكون عذرًا في تركها قطعًا. وقد أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، معنى ترك الواجب

стр. 1284

عينًا، لأجل حدثان، بأن العهد بالعرس في حديث قتل الحية بالرمح، من رجل هو ابن عم أبي سعيد الخدري، وأنه كان أسرع موتًا من الحية، وأنه ﷺ أمر بتحذيرها ثلاثًا، ثم إن بدا لكم بعد أن تقتلوه فاقتلوه بعد الثلاث. وقالوا فيه: إن أبا السائب مولى هشام بن زهرة أتى أبا سعيد الخدري، ووجد حية تتحرك تحت سريره، وإن أبا سعيد قال: إن ابن عم لي كان في هذا البيت، فلما كان يوم الأحزاب، استأذن إلى أهله، وكان حديث عهد بعرس، فأذن له رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث (١)، ولا شك أن الجهاد كان في زمن النبي ﷺ فرضَ عين، خصوصًا يوم الأحزاب مع مصابرة الكفار لقتال رسول الله ﷺ بظهر المدينة، ومصابرته لهم، ومع هذا أذن له رسول الله ﷺ في تركه لأجل أهله، وكونه حديث عهدٍ بعرس، فلو لم يكن ذلك راجحًا على جهاد فرض العين، لما أذن له، فالجمعة أمرها أخفُّ من ذلك، والله أعلم. وفي هذا الحديث: العدل بين الزوجات. وفيه: أن حقَّ الزفاف بالإقامة عند المزفوفة ثابت، وأنها تقدم به على غيرها. وفيه: أنها إذا كانت بكرًا، كان لها سبع ليالي بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثيبًا؛ كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا، ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثًا، ولا يقضي، وهذا مذهب الشافعي وموافقيه، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وابن جرير، وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة، والحكم، وحماد: يجب قضاء الجميع في الثيب والبكر، واستدلُّوا بالظواهر الواردة في العدل بين الزوجات. وحجة الشافعي: هذا الحديث، مع غيره من الأحاديث، وهي مخصصة للظواهر العامة. والله أعلم.

стр. 1285

الحديث الثاني عشر عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ أَن أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا" (١). أَمَّا قوله ﷺ : "لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا"؛ فقال القاضي عياض - رحمه الله تعالى -: لم يحمل أخذ الحديث في نفي ضرره على العموم في نفي جميعه، من الوسوسة والإغراء (٢)، قال: وقيل المراد: بـ "لَمْ يَضرَّهُ الشَّيْطَانُ": أنه لا يصرعه، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره. هذا معنى كلامه. فالحديث يحتمل أن يؤخذ عامًّا يدخل تحته الضرر الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصًّا بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى: أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله فيما يضرُّ عقلَه أو بدنَه، هذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل؛ لأنَّا إذا حملناه على العموم، اقتضى ذلك أن يكون الولد معصومًا من المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، ويعز وجوده، ولا بد من وقوع ما أخبر عنه ﷺ . أَمَّا إذا حملناه على الضَّرَر في العقل أو البدن، فلا يمنع ذلك، ولا يدلُّ دليل على وجود خلافه، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع. وفيه: الاعتصام بذكر الله تعالى ودعائه من الشيطان. وفيه: الحثُّ على المحافظة على تسميته ودعائه في حال لم يَنْهَ الشرع عنه،

стр. 1286

حتى في حال شهوات الإنسان وألذها، والله أعلم. وفيه: إشارة على ملازمة الشيطان لابن آدم، مِنْ حِينِ خروجه من ظهر أبيه إلى رَحِم أُمِّهِ إلى حين يموت، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عشر عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ: المَوْتُ" (١). وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبي الطَّاهِرِ، عَنْ ابنِ وَهَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: الحَمْوُ: أَخو الزَّوْجِ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أقَارِبِ الزَّوْجِ، ابنِ العمِّ وَنَحْوِهِ (٢). تقدَّم الكلام على عقبة بن عامر قريبًا. وأَمَّا الرجل المبهم من الأنصار، فلا أعلم اسمه. وأَمَّا أبو الطاهر، فاسمُه: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح، قرشيٌّ، أمويٌّ، مولاهم مضريٌّ، مولى نَهيك، مولى عتبةَ بن أبي سفيان، وروى عنه جماعة من الأئمة وغيرهم. روى عنه مسلم دون البخاري، وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان وغيرهم من الأئمة، قال أبو حاتم: لا بأس به. وتوفي في سنة تسع وأربعين ومئتين (٣).

стр. 1287

وأَمَّا ابنُ وَهَبٍ؛ فاسمه عبد الله بن وهب بن مسلم، وكنيته أبو محمد: مصريٌّ، قرشيٌّ، فهريٌّ، مولى يزيد بن رمانة، مولى أبي عبد الرحمن بن يزيد بن أنيس الفهري. سمعَ الأئمة الأعلام، وحفَّاظَ الإسلام وغيرَهم. وسمع منه الليث بن سعد، أحدُ شيوخه، وخلقٌ سواه. وكتب إليه مالك كتابًا، وعنونه نعتًا له بالفقيه، ولم يكتب بذلك معنونًا بالفقيه إلا إليه، وهو في طبقة مالك في الفقه، اتفقوا على علمه وتوثيقه، وورعه وعبادته. ومات بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، روى له البخاري ومسلم (١). وأَمَّا اللَّيْثُ؛ فكنيته: أبو الحارث بن سعد بن عبد الرحمن: مصريٌّ، فَهميٌّ، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وقيل: مولى خالد بن ثابت بن طاعن الفهمي. وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس، من أهل أصبهان، قال ابن يونس: وليس لما قالوه من ذلك عندنا صحة، والمشهور أنه فهمي، وفهم من قيس عيلان. سمع جماعة من التابعين وخلقًا من أتباعهم، وروى عنه من شيوخه: محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وخلق سواهم. قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك، إلا أنه ضَيَّعَهُ أصحابه، واستقل بالفتوى بمصر، اتفقوا على علمه وورعه وتوثيقه ونبله وسخائه، ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وستين ومئة. وقيل: ست أو سبع وسبعين ومئة، وقيل: سنة خمس وسبعين ومئة، وقد استكمل إحدى وثمانين سنة. روى له البخاري ومسلم (٢).

стр. 1288

وقد فسَّر الليث بن سعد "الحَمْوَ"، وقال أهل اللغة: الأحماء: أقارب الزوج، والأختان: أقارب الزوجة، والأصهار: يعمها، والحمو: أحد الأحماء، وفيه أربع لغات: حمًا مثل قفًا، وحَمُو مثل أَبُو، وحَمٌ مثل أَبٍ، وحَمْءٌ بإسكان الميم مهموز، وأصله: حَمَوٌ: بفتح الحاء والميم. وحماةُ المرأة: أُمُّ زوجها، قال الجوهري: لا لغة فيها غيرها. والمعنى في ذلك: أنه إذا كان رأيه هذا في أب الزوج، وهو محرم، فكيف الغريب؟ أي: فليمت ولا يفعلن، فهذه الكلمة تقولها العرب، كما تقول: الأسد الموت، والسلطان النار؛ أي: لقاؤهما مثل الموت والنار؛ يعني: أن خلوةَ الحَمُو معها أشدُّ من خلوة غيره من الغرباء؛ لأنه ربما حسن لها أشياء، وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما ليس في وسعه، أو سوء عشرة، أو غير ذلك، ولأن الزوج لا يؤثر أن يطلع الحمو على باطن حاله بدخول بيته. ولما كان الحمو يُستعمل عند الناس في أب الزوج، وهو محرم من المرأة، ويمنع دخوله عليها، فسره الليث بما يزيل هذا الإشكال، وحمله على من ليس بمحرم؛ فإنه لا يجوز له الخلوة بالمرأة (١). والحديث دالٌّ على تحريم الخلوة بالأجانب، فحينئذ تأويل قوله: "الحَمْوُ المَوْتُ" يختلف بحسب اختلاف الحمو؛ فإن حمل على محرم المرأة: كأبي زوجها، احتمل قوله: "الحَمْوُ المَؤتُ" أن يكون بمعنى: أنه لا بد من إباحة دخوله كما أنه لا بد من الموت، وإنْ حُمل على من ليس بمحرم، احتمل على أن

стр. 1289

يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء، أو كراهته لدخول؛ حيث فهم من قائله طلب الترخيص، فغلظ عليه بوصفه بالموت، أو الدعاء بأن من قصد ذلك، فليكن الموت في دخوله عوضًا من دخول الحمو الذي قصد دخوله، أو تشبيه كراهة دخوله بكراهة دخول الموت. وقولُه ﷺ : "إِيَّاكُم والدُّخُول عَلَى النِّسَاءِ"؛ مخصوص بغير المحارم، وعامٌّ بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو: أن يكون الدخول لأجل الخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك، فلا يمتنع؛ كالدخول للتطبيب والتعليم ونحوهما. وفي الحديث: تحريم الدخول على النساء لغير حاجة شرعية، والخلوة بهنَّ، وفي معنى ذلك: الخلوة بالأمرد الحسن الذي يُفتتن به، وكل من في الخلوة به إفساد على زوج أو أب أو ولي لليتيم، أو مالك، فإن الخلوة بالزوجة والولد واليتيم والمملوك وإفسادهم على من ذكر حرام؛ لحقهم، بخلاف المرأة غير المحرم، والأمرد الحسن؛ لأن التحريم فيهما لأجل من خلا بهما، ويتضمن ذلك الإفساد عليهما وعلى وليهما، والله أعلم. وفيه: السؤال عما يلزم أن يكون داخلًا في عموم الكلام؛ فإن قوله: "إِيَّاكُم والدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ" يعمُّ الحموَ وغيره، فسأل عنه. وفيه: الجواب بأمر يلزم منه التغليظ في النهي، والتحذير من ارتكابه، والله أعلم. * * *

стр. 1290

بَابُ الصَّداق الصَّدَاق -بفتح الصاد وكسرها-: مَهْرُ المثل، وكذلك الصَّدُقَةُ -بفتح الصاد وضم الدال-، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصَّدْقة: -بضم الصاد وتسكين الدال-، أربع لغات مشهورات، وأصدقتُ المرأة، سَمَّيتُ لَها صداقًا. وللصَّداق أسماء: المَهْرُ، والنِّحْلَة، والفَرِيضة، والأجر، والغليقة، والعقر (١). * * * الحديث الأول عَن أَنَسِ بْنِ مَالكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّة، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا (٢). أَمَّا صَفِيَّة؛ فتقدَّم الكلام عليها في باب الاعتكاف. اعلم أَنَّ لرسول الله ﷺ خصائصَ في النكاح ليست لغيره، خصوصًا في النكاح بلا عوض؛ بقوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ

стр. 1291

يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ولمَّا كان العِتْق قربة محضة إلى الله تعالى، وأن القربة لا يجوز جعلها عوضًا من أعواض الدنيا، فإن الصَّداق مقابل بالعقد، مجردًا مع الموتِ أو بالاستمتاع بالعقد. استشكل العلماء حديث صفية: "وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقها"، وقالوا: إنَّما سُمِّي العتق صداقًا على سبيل المجاز، وتزوَّجها ﷺ بغير صداق على سبيل الخصوصية؛ حيث إن العِتْقَ قام مقام الصداق إن لم يكن ثم عوض غيره، وقيل: أعتقها وتزوجها على قيمتها، وكانت مجهولة، وكان ذلك من خصائصه ﷺ ، وقيل: معناه أنه شرط عليها أن يعتقها ويتزوجها، فقبلت، فلزمها الوفاء به؛ لأن العقد وقع على النكاح، والعتق، ولا شك أن ظاهر الحديث يقتضي لزوم العقد على شرط ذلك، وصحة الصداق، وإن كان شرطه لا يجوز؛ لتشوف الشارع إلى العتق، فيصحُّ العِتْق لأجله، ولا يجوز شرطه لمخالفته. وهو قول جماعة: منهم: الزهري، والثوري، ونقل عن أحمد، وإسحاق -أيضًا-، قالوا: لا يجوز أن يعتقها على أن تتزوج به، ويكون عتقها صداقها، لكنه يلزمها ذلك، ويصحُّ الصداق. لكن القياس يمنع ذلك؛ فحينئذ يتردد الحال بين ظن العمل بظاهر الحديث أو احتمال الخصوصية في الواقعة، وإن كانت على خلاف الأصل، ويتأنس في ذلك بما ذكرنا أولًا من كثرة خصائصه ﷺ في النكاح، والله أعلم. واختلف الفقهاء فيمن أعتق أَمَتَهُ على أن يتزوجها، ويكون عتقها صداقها، فقال الجمهور، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: لا يلزمها أن تتزوج به، وهو إبطال للشرط. قال الشافعي: فإن أعتقها على هذا الشرط، فقبلت، عتقت، ولا يلزمها الوفاء بأن تتزوجه، بل عليها قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجازًا، وصار ذلك كسائر الشروط الباطلة، وما يلزم من الأعواض، لمن لم يرض بالمجاز، فإن

стр. 1292

تزوجته على مهر يتفقان عليه، كان لها ذلك المسمى، وعليها قيمتها للسيد، وإن تزوجها على قيمتها، فإن كانت القيمة معلومة له ولها، صحَّ الصداق، ولا يبقى له عليها قيمة، ولا لها عليه صداق، وإن كانت مجهولة، فالأصح وجهان للشافعية: أنه لا يصحُّ الصداق، ويجب مهر المثل، والنكاح صحيح. ومنهم من صحح الصداق بالقيمة المجهولة، على ضرب من الاستحسان، وأن هذا العقد فيه ضرب من المسامحة والتخفيف. وتقدم مذهب الزهري، والثوري، وما نقل عن أحمد، وإسحاق من لزوم ذلك بالنسبة إليها دون جواز شرطه. وظاهر الحديث مع هؤلاء، والقياس مع الأولين، ويؤولون الحديث على أن عتقها قائمٌ مقامَ الصداقِ، وأنه سمَّاه باسمه، كما تقدم، والله أعلم. وقد يؤخذ من الحديث: استحباب عتق الأمة وتزوجها، وقد جاء التصريح به والحثُّ عليه في حديث آخر في الصحيح، لكنها إذا كانت موطوءة له بالملك، وأعتقها وتزوجها، هل يحتاج إلى استبراء؟ فيه وجهان للشافعية: أصحهما عندهم: لا يحتاج إليه؛ لعدم المحذور من اختلاط المياه. والثاني: يحتاج إليه تعبدًا، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةْ فَقَاَلَتْ: إني وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْء تُصْدِقُهَا؟ "، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "إزَارُكَ إنْ أَعْطَيتهَا إيَّاهُ، جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، فَقَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: "فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتمًا

стр. 1293

مِنْ حَدِيدٍ"، فَالتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَبهًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "زَوَّجتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (١). تقدَّم الكلام على سهل بن سعد أول باب الجمعة. وأَمَّا المرأةُ الواهبةُ نفسَها؛ فاختلف العلماء في اسمها: فقال أبو القاسم خلفُ بن بشكوال ﵀: قيل: إنها خولة بنت حكيم، كذا في "صحيح البخاري"، وقيل: أم شريك، وقيل: ميمونة، حكى ذلك إسماعيل القاضي. هذا آخر كلامه (٢). وقال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: قال الأكثرون: هي أم شريك، واسمها غزية، وقيل: غريلة بنت دودان، وقيل: بنت حبار، وقيل: اسمها خولة بنت حكيم، هذا آخر كلامه (٣). وقال أبو محمد البغوي في "معالم التنزيل": واختلفوا في التي وَهبتْ نفسَها للنبي ﷺ ، هل كانت امرأة منهن، يعني: أزواجه؟ فقال عبد الله بن عباس، ومجاهد: لم تكن عند النبي ﷺ امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. وقولُه تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] على طريق الشرط والجزاء، قال: وقال آخرون: بل كان عنده موهوبة، واختلفوا فيها، فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الأنصارية، يقال لها: أم المساكين، وقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث، وقال علي بن الحسين، ومقاتل: هي أم شريك بنت حارثة من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم، من بني سليم. هذا آخر كلامه، والله أعلم (٤).

стр. 1294

وليس في هذا الحديث ما يدلُّ على أنه ﷺ كان عنده موهوبة ولا عدمه، بل يدلُّ على أن امرأة وهبت نفسها منه، وأن رجلًا سأله تزويجها إياه، إن لم تكن له إليها حاجة، وأنه زوجها إياه. وأَمَّا الرجل الذي سأل رسولَ الله ﷺ أن يزوجها منه، فلم أظفر به، ولا علمته، والله أعلم. وأَمَّا قولُه ﷺ : "زَوَّجْتكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ"؛ اختلفت الروايات في لفظة: "زَوَّجْتُكهَا"، فالذي رواه الأكثرون منهم البخاري ومسلم: "زوجتكها". قال القاضي عياض، عن رواية الأكثرين لمسلم: قال الدارقطني: والصواب رواية من روى: "زوجتكها"، قال: وهم أكثر وأحفظ. ورويت في "صحيح مسلم": مُلِّكْتَها -بضم الميم وكسر اللام المشددة، على ما لم يُسمَّ فاعله-، وكذا هي في معظم النسخ منه. ونقلها القاضي عياض عن رواية الأكثر لمسلم، قال: وفي بعض النسخ "مَلَّكْتُكَها" بكافين. وكذا رُويت في البخاري. قال: وقال الدارقطني: رواية من روى "ملكتها" وَهْمٌ. قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أولًا، فملكها، ثم قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق. والله أعلم (١). قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا قد يعكسه الخصم على قائله، ويقول: جرى أولًا لفظ التمليك، فحصل به التزويج، ثم عبر عن هذا التزويج آخرًا بقوله: فقد زوجتكها. قال: هذا بعيد أولًا؛ فإن سياق الحديث يقتضي تعيين موضع هذه اللفظة التي اختلف فيها، وإنها التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر يعقد به النكاح، واختلاف كل واحدة من اللفظتين، وهو بعيد جدًّا. و-أيضًا- فلخصمه أن يعكس الأمر ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ

стр. 1295

التمليك، وقوله ﷺ : "زوجتكها" إخبار عما مضى بمعناه، فإن ذلك التمليك هو تمليك نكاح. و -أيضًا- فإن رواية من روى: "ملكتها" التي لم يتعرض لتأويلها، ويبعد فيها ذلك إلا على سبيل الإخبار عن الماضي، وهو بمعناه، ولخصمه أن يعكسه. وإنما الصواب في مثل هذا أن ينظر إلى الترجيح، والله أعلم (١). قلت: إنما قصد شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- بما ذكره من الاحتمال: الائتلاف بين الروايات؛ حيث إنه أولى من الاختلاف إذا أمكن، فأما إذا لم يمكن، فإن الترجيح متعين، والله أعلم. وأَمَّا قولُه ﷺ : "بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ"؛ فقد اختُلف في الباء في "بما"، فمنهم من يرى أنها التي تقتضي المقابلة في العقود؛ كقولك: بعتك كذا بكذا، وزوجتك بكذا، ومنهم من يراها جاء السببية؛ أي: بسبب ما معك من القرآن، إما بأن يخلي النكاح عن العوض، على سبيل التخصيص بهذا الحكم بهذه الواقعة، وإما بأن يخلي عن ذكره فقط، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر الصداق، والروايات مختلفة في لفظ هذا، أعني: "بما معك"، ويتسارع إلى تأويله. وفي هذا الحديث أحكام: منها: عَرْضُ المرأة نفسها على الرجل الصالح، الذي ترجى بركته. ومنها: جوازُ هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ ، ونكاحها له؛ كما في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فإذا تزوجها على ذلك، صحَّ النكاح من غير صداق، لا في الحال، ولا في المآل، ولا بالدخول، ولا بالوفاة. وهذا هو موضع الخصوصية له ﷺ من الآية، والحديث؛ بخلاف غيره؛ فإنه لا بد من المهر في نكاحه، إما مسمى، وإما مهر المثل. ومنها: استدلال بعض الشافعية به على انعقاد نكاحه ﷺ بلفظ الهبة، ومنهم

стр. 1296

من منعه إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج؛ كغيره ﷺ ، وجعل الخصوصية في عدم لزوم المهر فقط. واختلف العلماء في انعقاد النكاح لكل أحد بلفظ التمليك على التأبيد، أم لا بد من لفظ التزويج والإنكاح؟ فقال أبو حنيفة بانعقاده بلفظ التمليك، وعن مالك -رحمه الله تعالى- رواية: أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع، إذا قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وكثيرون من أصحاب مالك، وغيرهم، ومالك في إحدى الروايتين عنه: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، ولا يصحُّ النكاح بلفظ الرهن والإجارة والوصية، ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال والإباحة، حكاه القاضي عياض -رحمه الله تعالى-. ومنها: جواز طلب الصداق في النكاح، وتسميته فيه. ومنها: إرشاد كبير القوم رعيته إلى المصالح، والرفق بهم؛ لقوله ﷺ : "إزَارُكَ هَذَا إنْ أَعْطَيْتَها [إيَّاهُ]، جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ". ومنها: استحباب أن لا يُخلى العقد من ذكر الصداق؛ حيث إنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة؛ فإنه لو حصل الطلاق قبل الدخول، وجب لها نصف المسمى، فلو لم يكن تسمية، لم يجب صداق، بل تجب المتعة، فلو عقد بلا صداق، صحَّ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر. ثم يجب لها المهر، وهل يجب بالعقد أم بالدخول؟ فيه خلاف مشهور للشافعي وغيره، وهما قولان: أصحهما: بالدخول، وهو ظاهر الآية. ومنها: جواز نكاح المرأة من غير أن تسأل، هل هي في عدَّة أم لا؟ حملًا على ظاهر الحال، قاله الخطابي، قال: وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطًا (١).

стр. 1297

قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: لا يزوج القاضي من جاءته تطلب الزواج، حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في زوجية، ولا عدة (١)؛ فمن أصحابه من قال: هذا شرط واجب، والأصحُّ عندهم: أنه استحباب واحتياط، وليس بشرط. ومنها: جواز الصداق، بما قلَّ أو كثر مما يُتَمَوَّلُ إذا تراضى به الزوجان، وكانا ممن يجوز تصرفهما؛ حيث إن خاتم الحديد في نهاية من القلَّة، وهذا هو مذهب الشافعي، وجماهير السلف والخلف؛ منهم: ربيعة، وأبو الزناد، وابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد، والثوري والأوزاعي، ومسلم بن خالد الزنجي، وابن أبي ليلى، وداود، وفقهاء أهل الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك، وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين، والبصريين، والكوفيين، والشاميين، وغيرهم، قالوا: يجوز ما تراضى به الزوجان، من قليل وكثير؛ كالسوط والنعل وخاتم الحديد، ونحوه، وقال مالك: أقله ربع دينار؛ كنصاب السرقة. قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: وهذا مما تفرد به مالك (٢). وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم؛ اعتبارًا بنصاب السرقة عندهما، وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا. وقال مرة: عشرة. وكل هذه المذاهب مخالفة للسنَّة، وأهلها محجوجون بهذا الحديث الصحيح الصريح. ومنها: جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، وللشافعية فيه وجهان: أصحهما عندهم: عدم الكراهة، قالوا: والحديث في النهي عنه ضعيف.

стр. 1298

والثاني: الكراهة؛ لكون الحديد من لباس أهل النار، فكأن هذا الوجه يقول: يجوز اتخاذه، ويكره لبسه، والله أعلم. ومنها: جواز كون تعليم القرآن صداقًا، ويلزم منه: جواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكل منهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن، وابن أبي صالح، ومالك، وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة، منهم: الزهريّ، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح: "إن أحق ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجرًا كِتابُ الله" (١) يردُّ قولَ من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة، سوى أبي حنيفة، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! تَزَوَّجْتُ امْرأةً، فَقَالَ: "مَا أَصْدَقْتَهَا؟ "، قَالَ: "وَزْن نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (٢). تقدم الكلام على أنس غير مرة، وتكلمنا عليه. وأَمَّا عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فكنيته: أبو محمدِ بنُ عوفِ بنِ عبدِ عوفِ بنِ عبدِ الحارثِ بنِ زهرةَ بنِ كلابِ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيٍّ القرشيُّ الزهريُّ. كان

стр. 1299

اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ : عبد الرحمن. وُلد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم على يد أبي بكر الصديق، وكان من المهاجرين الأولين. جمع بين الهجرتين جميعًا، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع. وذكر ابن أبي خيثمة من حديث زيد بن أبي أوفى: أن رسول الله ﷺ آخى بين عثمان، وعبدِ الرحمن بن عوف. وهذا الإخاء كان بمكة، والأولُ بالمدينة. وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وثبت معه يوم أُحد، وبعثه رسول الله ﷺ إلى دومة الجندل، وعمَّمه بيده، وأسدَلَها بين كتفيه، وقال له: "سِرْ باسْمِ الله"، وأوصاه بوصاياه لأمراء سراياه، وقال له: "إِنْ فتَحَ اللهُ عليكَ فتزوَّجْ بِنْتَ مَلِكِهِم"، أو قال له: "شَريفِهِمْ" وكان الأصبغ بن ثعلبةَ بنِ ضمضم الكلبيُّ شريفَهم، فتزوَّج بنته تماضرَ بنت الأصبغ؛ فهي أم ابنه أبي سلمة الفقيه (١). وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأحد الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وصلَّى رسولُ الله ﷺ خلفَه في سفره في غزوة تبوك، وأتمَّ ما فاته، ورُوي أَنَّه ﷺ قال: "عبدُ الرحمن بنُ عوفِ سيِّدٌ من ساداتِ المسلمين"، وأنه قال: "عبد الرحمن بنُ عوفِ أمينٌ في السماء، وأمينٌ في الأرض" (٢)، وكان أمينَ رسول الله ﷺ على نسائه، وجُرح يوم أُحُد إحدى وعشرين جراحة، وجُرح في رجله، فكان يعرج منها، وكان كثير المال، كان

стр. 1300

تاجرًا، وكان له ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس ترعى بالنقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، وكان يدخر من ذلك قوت أهله سنته. وقال صالح بن إبرهيمَ بنِ عبد الرحمن بن عوف: صالحنا امرأة عبدِ الرحمن بن عوف التي طلقها في مرضه، من ثلثِ الثمن بثلاثة وثمانين ألفًا. وروي عن غيره: أنها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه، وروي عنه: أنه كان يدعو وهو يطوف بالبيت: يقول: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي (١). وروي عنه أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا. ولما حضرته الوفاة، بكى بكاء شديدًا، فسئل عن بكائه، فقال: مات مُصعب بن عمير على عهد رسول الله ﷺ ، وكان خيرًا مني، ولم يَكُن له ما يكفن فيه، وإن حمزةَ بنَ عبد المطلب كان خيرًا مني، ولم نجد له كفنًا، وإني أخشى أن أكون ممن عُجِّلت له طيباتُه في حياته الدنيا (٢)، وأخشى أن أُحبس عن أصحابي بكثرة مالي، وتزوَّج نساء كثيرة، وكان له من البنين يومَ مات عشرةٌ سوى بنات كنَّ له، وهم: محمد، وإبراهيم، وحميد، وزيد، وأبو سلمة، ومصعب، وسهل، وعثمان، وعمرو، والمسور. وروى عنه من الصحابة: ابنُ عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس، وجبير بن مطعم، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. ومن التابعين: بنوه: إبراهيم، وحميد، ومصعب، وغيرهم. ورُوي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وروى له أصحاب السنن والمساند. ومات بالمدينة، ودفن بالمدينة، وصلَّى عليه عثمان بن عفان ﵁، أوصى عبدُ الرحمن بذلك، واختلف في تاريخ وفاته: فقال ابن حبان الحافظ: مات لست بقين من خلافة عثمان، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال
следующие страницы →