← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

من منعه إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج؛ كغيره ﷺ ، وجعل الخصوصية في عدم لزوم المهر فقط. واختلف العلماء في انعقاد النكاح لكل أحد بلفظ التمليك على التأبيد، أم لا بد من لفظ التزويج والإنكاح؟ فقال أبو حنيفة بانعقاده بلفظ التمليك، وعن مالك -رحمه الله تعالى- رواية: أنه ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والبيع، إذا قصد به النكاح، سواء ذكر الصداق أم لا. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور، وكثيرون من أصحاب مالك، وغيرهم، ومالك في إحدى الروايتين عنه: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح، ولا يصحُّ النكاح بلفظ الرهن والإجارة والوصية، ومن أصحاب مالك من صححه بلفظ الإحلال والإباحة، حكاه القاضي عياض -رحمه الله تعالى-. ومنها: جواز طلب الصداق في النكاح، وتسميته فيه. ومنها: إرشاد كبير القوم رعيته إلى المصالح، والرفق بهم؛ لقوله ﷺ : "إزَارُكَ هَذَا إنْ أَعْطَيْتَها [إيَّاهُ]، جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ". ومنها: استحباب أن لا يُخلى العقد من ذكر الصداق؛ حيث إنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة؛ فإنه لو حصل الطلاق قبل الدخول، وجب لها نصف المسمى، فلو لم يكن تسمية، لم يجب صداق، بل تجب المتعة، فلو عقد بلا صداق، صحَّ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فهذا تصريح بصحة النكاح والطلاق من غير مهر. ثم يجب لها المهر، وهل يجب بالعقد أم بالدخول؟ فيه خلاف مشهور للشافعي وغيره، وهما قولان: أصحهما: بالدخول، وهو ظاهر الآية. ومنها: جواز نكاح المرأة من غير أن تسأل، هل هي في عدَّة أم لا؟ حملًا على ظاهر الحال، قاله الخطابي، قال: وعادة الحكام يبحثون عن ذلك احتياطًا (١).

стр. 1297

قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: لا يزوج القاضي من جاءته تطلب الزواج، حتى يشهد عدلان أنه ليس لها ولي حاضر، وليست في زوجية، ولا عدة (١)؛ فمن أصحابه من قال: هذا شرط واجب، والأصحُّ عندهم: أنه استحباب واحتياط، وليس بشرط. ومنها: جواز الصداق، بما قلَّ أو كثر مما يُتَمَوَّلُ إذا تراضى به الزوجان، وكانا ممن يجوز تصرفهما؛ حيث إن خاتم الحديد في نهاية من القلَّة، وهذا هو مذهب الشافعي، وجماهير السلف والخلف؛ منهم: ربيعة، وأبو الزناد، وابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد، والثوري والأوزاعي، ومسلم بن خالد الزنجي، وابن أبي ليلى، وداود، وفقهاء أهل الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك، وهو مذهب العلماء كافة من الحجازيين، والبصريين، والكوفيين، والشاميين، وغيرهم، قالوا: يجوز ما تراضى به الزوجان، من قليل وكثير؛ كالسوط والنعل وخاتم الحديد، ونحوه، وقال مالك: أقله ربع دينار؛ كنصاب السرقة. قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: وهذا مما تفرد به مالك (٢). وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم، وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم؛ اعتبارًا بنصاب السرقة عندهما، وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهمًا. وقال مرة: عشرة. وكل هذه المذاهب مخالفة للسنَّة، وأهلها محجوجون بهذا الحديث الصحيح الصريح. ومنها: جواز اتخاذ خاتم الحديد، وفيه خلاف للسلف، وللشافعية فيه وجهان: أصحهما عندهم: عدم الكراهة، قالوا: والحديث في النهي عنه ضعيف.

стр. 1298

والثاني: الكراهة؛ لكون الحديد من لباس أهل النار، فكأن هذا الوجه يقول: يجوز اتخاذه، ويكره لبسه، والله أعلم. ومنها: جواز كون تعليم القرآن صداقًا، ويلزم منه: جواز الاستئجار لتعليم القرآن، وكل منهما جائز عند الشافعي، وبه قال عطاء، والحسن، وابن أبي صالح، ومالك، وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة، منهم: الزهريّ، وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح: "إن أحق ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجرًا كِتابُ الله" (١) يردُّ قولَ من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة، سوى أبي حنيفة، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ، فَقَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! تَزَوَّجْتُ امْرأةً، فَقَالَ: "مَا أَصْدَقْتَهَا؟ "، قَالَ: "وَزْن نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" (٢). تقدم الكلام على أنس غير مرة، وتكلمنا عليه. وأَمَّا عبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فكنيته: أبو محمدِ بنُ عوفِ بنِ عبدِ عوفِ بنِ عبدِ الحارثِ بنِ زهرةَ بنِ كلابِ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيٍّ القرشيُّ الزهريُّ. كان

стр. 1299

اسمه في الجاهلية: عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ : عبد الرحمن. وُلد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم على يد أبي بكر الصديق، وكان من المهاجرين الأولين. جمع بين الهجرتين جميعًا، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع. وذكر ابن أبي خيثمة من حديث زيد بن أبي أوفى: أن رسول الله ﷺ آخى بين عثمان، وعبدِ الرحمن بن عوف. وهذا الإخاء كان بمكة، والأولُ بالمدينة. وشهد بدرًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وثبت معه يوم أُحد، وبعثه رسول الله ﷺ إلى دومة الجندل، وعمَّمه بيده، وأسدَلَها بين كتفيه، وقال له: "سِرْ باسْمِ الله"، وأوصاه بوصاياه لأمراء سراياه، وقال له: "إِنْ فتَحَ اللهُ عليكَ فتزوَّجْ بِنْتَ مَلِكِهِم"، أو قال له: "شَريفِهِمْ" وكان الأصبغ بن ثعلبةَ بنِ ضمضم الكلبيُّ شريفَهم، فتزوَّج بنته تماضرَ بنت الأصبغ؛ فهي أم ابنه أبي سلمة الفقيه (١). وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر فيهم الشورى، وأحد الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وصلَّى رسولُ الله ﷺ خلفَه في سفره في غزوة تبوك، وأتمَّ ما فاته، ورُوي أَنَّه ﷺ قال: "عبدُ الرحمن بنُ عوفِ سيِّدٌ من ساداتِ المسلمين"، وأنه قال: "عبد الرحمن بنُ عوفِ أمينٌ في السماء، وأمينٌ في الأرض" (٢)، وكان أمينَ رسول الله ﷺ على نسائه، وجُرح يوم أُحُد إحدى وعشرين جراحة، وجُرح في رجله، فكان يعرج منها، وكان كثير المال، كان

стр. 1300

تاجرًا، وكان له ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس ترعى بالنقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحًا، وكان يدخر من ذلك قوت أهله سنته. وقال صالح بن إبرهيمَ بنِ عبد الرحمن بن عوف: صالحنا امرأة عبدِ الرحمن بن عوف التي طلقها في مرضه، من ثلثِ الثمن بثلاثة وثمانين ألفًا. وروي عن غيره: أنها صولحت بذلك عن ربع الثمن من ميراثه، وروي عنه: أنه كان يدعو وهو يطوف بالبيت: يقول: اللهمَّ قِني شُحَّ نفسي (١). وروي عنه أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا. ولما حضرته الوفاة، بكى بكاء شديدًا، فسئل عن بكائه، فقال: مات مُصعب بن عمير على عهد رسول الله ﷺ ، وكان خيرًا مني، ولم يَكُن له ما يكفن فيه، وإن حمزةَ بنَ عبد المطلب كان خيرًا مني، ولم نجد له كفنًا، وإني أخشى أن أكون ممن عُجِّلت له طيباتُه في حياته الدنيا (٢)، وأخشى أن أُحبس عن أصحابي بكثرة مالي، وتزوَّج نساء كثيرة، وكان له من البنين يومَ مات عشرةٌ سوى بنات كنَّ له، وهم: محمد، وإبراهيم، وحميد، وزيد، وأبو سلمة، ومصعب، وسهل، وعثمان، وعمرو، والمسور. وروى عنه من الصحابة: ابنُ عمر، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأنس، وجبير بن مطعم، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. ومن التابعين: بنوه: إبراهيم، وحميد، ومصعب، وغيرهم. ورُوي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وروى له أصحاب السنن والمساند. ومات بالمدينة، ودفن بالمدينة، وصلَّى عليه عثمان بن عفان ﵁، أوصى عبدُ الرحمن بذلك، واختلف في تاريخ وفاته: فقال ابن حبان الحافظ: مات لست بقين من خلافة عثمان، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقال

стр. 1301

الحافظ أبو عمر بن عبد البر: توفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن خمس وسبعين، وقيل: ابن اثنتين وسبعين سنة. قال: وقال ابن سعد: كان سنُّ عبد الرحمن بن عوف ثمانيًا وسبعين سنة (١). وأَمَّا المرأة التي تزوَّجها، فلا أعلمها مسماة، والله أعلم. وأَمَّا قولُه: "رَدْعٌ مِن زَعْفَرانٍ"؛ فالرَّدْعُ -براء ودال وعين مهملات-، وهو أثر لونه، ومعناه: أنه تعلق به أثر من الزعفران وغيره من طيب العروس لم يقصده، ولا تعمد التزعفر، وإنما كان معناه ما ذكرناه؛ حيث ثبتَ النهيُ عن التزعفر للرجال، وكذا -أيضًا- نهي الرجال عن الخلوق؛ لأنه شعار النساء، وقد نهي الرجال عن التشبُّه بالنساء، فهذا اختيار المحققين في معناه، وقد قيل: إنه يرخص فيه للرجل العروس. وقد ذكر أبو عبيد أثرًا: أنهم كانوا يرخصون فيه للشاب أيام عرسه. قال: وقيل: لعله كان يسيرًا فلم ينكر، وقيل: كان في أول الإسلام من تزوَّج لبس ثوبًا مصبوغا علامةً لسروره وزواجه، قال: وهذا غير معروف، وقيل: يحتمل أنه كان في ثيابه دون بدنه (٢). ومذهب مالك وأصحابه: جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهو مذهب ابن عمر وغيره. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك.

стр. 1302

وقولُه ﷺ : "مَهْيَمْ؟ "؛ هذه كلمة يمانية، ومعناها: ما أمرك وما شأنك؟ وقيل: يحتمل أنها مركبة. قولُه: "تزوَّجتُ امرأةً، فَقَالَ: مَا أَصْدَقْتَهَا؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب": النواة: اسم لمقدار معروف عندهم، وفسرها أكثر العلماء: بخمسة دراهم من ذهب، وقال أحمد بن حنبل: هي ثلاثة دراهم وثلث. ومنهم من قال: المراد نواة التمر؛ أي: وزنها من ذهب، وقال بعض المالكية: النواة: ربع دينار عند أهل المدينة. وظاهر كلام أبي عبيد أنه دفع خمسة دراهم. قال: ولم يكن هناك ذهب، إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى: الأربعون: أوقية. وقول من قال: نواة التمر مرجوح، ولا يتحرر الوزن به؛ لاختلاف نوى التمر في المقدار، والذي قال: إنها من ذهب، يجعله متعلقًا بوزن، ومن قال: إنها فضة، يجعلها متعلقة بنواة. وقولُه ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بشِاةٍ"؛ الوَليمة: مشتقة من الوَلْم، وهو الجمع؛ لأنَّ الزوجين يجتمعان، قاله الأزهري، وغيره، قال ابن الأعرابي: أصلها: تمام الشيء واجتماعه، والفعل منها: أَوْلَم، وهي الطعام المتخذ للعرس. قال الشافعية وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع؛ الوليمة: للعرس، والخُرس -بضمِّ الخاء وبالسين المهملة، ويقال بالصاد-: للولادة، والإعذار: بكسر الهمزة وبالعين المهملة والدال المعجمة: للختان، والوكيرة: للبناء، والنقيعة: لقدوم المسافر، مأخوذة من النَّقْع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: يصنعه غيره له، والعقيقة: يوم سابع الولادة، والوَضِيمة: بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة: للطعام عند المصيبة، والمأدُبة -بضم الدال وفتحها-: الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب (١).

стр. 1303

ولما كان شهر النكاح مطلوبًا للشرع؛ مخالفة للسفاح؛ شُرع إعلانه بسبب الوليمة وجمع الناس لها، وكذلك ضرب الدف له، والله أعلم. وأما قولُه ﷺ : "وَلَوْ بشِاةٍ"؛ فإنه يفيد معنى التعليل، و (لو) هذه، ليست التي تقتضي امتناع الشيء لوجود غيره، وقيل: هي التي تقتضي معنى التمني، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أنه يستحبُّ للإمام والفاضل تفقُّد حال أصحابه، والسؤال عما يختلف منها. ومنها: استحباب تسمية الصداق، إما قبل العقد على ما تقتضيه العادة، أو في نفس عقد للنكاح؛ حيث إنه ﷺ سأله عمَّا أصدقها بما يقتضي أن يكون أصل الصداق متقررًا، وإلا لما احتاج إلى السؤال عنه، بخلاف السؤال بـ: (هل). ومنها: ما كانت الصحابة ﵃ عليه من عدم التغالي في صُدُق النساء، مع أن عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة وأغنيائهم، وعمل بالسنَّة في قلَّة المهر، ولهذا قال رسول الله ﷺ ؛ "خَيْرُ النكَاحِ أَيْسَرُهُ" (١)، وفي حديث آخر: "خيرُ النساء أيسرُهن مَهْرًا" (٢). ومنها: استحباب الدعاء للمتزوج، ويقول: بارك الله لك، أو نحوه. ومنها: شرعية الوليمة للعرس، واختلف العلماء هل الأمر بها للوجوب أم للاستحباب؟ والأصحُّ عند الشافعية: أنه سنَّة مستحبة، وحملوا الأمر على الندب، وهو

стр. 1304

قول مالك وغيره، وأوجبها داود وغيره، واختلف في وقت فعلها عند المالكية، والأصح عند مالك وغيره: أنه يستحبُّ فعلُها بعد الدخول، وعند جماعة من المالكية: استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب المالكي استحبابها عند العقد وعند الدخول. ومنها: أنه يستحب للموسر ألا يُولم بأقلَّ من شاة، ونقل القاضي عياض، الإجماع على أنه لا حد لقدرها المجزي، بل بأي شيء أَوْلَم من الطعام حصلت الوليمة. وقد ثبت في: "صحيح مسلمًا": أن وليمة عرس صفية كانت بغير لحم، ووليمة زينب: أشبعنا خبزًا ولحمًا (١)، وهذا كلُّه جائز تحصل الوليمة به، لكن يستحبُّ أن يكون على قدر حال الزوج. واختلف السلف في تكرارها أكثر من يومين، وكرهه طائفة، ولم تكرهه طائفة، واستحب أصحاب مالك -رحمه الله تعالى- أن تكون أسبوعًا للموسر، والله أعلم. * * *

стр. 1305

كِتَابُ الطَّلاَقِ الطَّلاقُ مشتق من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، ومنه: طَلَّقتُ البلاد؛ أي: تركتُها. ويقال: طلَقت المرأة، وطلُقت، -بفتح اللام وضمها-، والفتح أفضل (١). * * * الحديث الأول عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَر ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ لرسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكهَا حَتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ، فَإنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللهُ " (٢). وفي لفظٍ: "حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً مُسْتَقْبَلَةً سِوَى حَيْضَتِها الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا" (٣). وفي لفظٍ: فَحُسِبَت مِنْ طَلاَقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 1306

أما ذِكرُ عمر ﵁ طلاقَ ابنهِ عبدِ الله امرأتهَ وهي حائض، فالظاهر أنه لمعرفة الحكم فيه. وأَمَّا تَغيُّظُه ﷺ فيه؛ فيحتمل أمرين: أحدهما: لكونه فَعَلَ ما يقتضي المنع ظاهرًا من غير تثبت. والثاني: لتركه المشاورة له ﷺ في فعله ذلك إذا عزم عليه. وقوله ﷺ لِعُمَر: "لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُمْسِكهَا حَتى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرُ"؛ ظاهره الأمر بالمراجعة لمن طلَّق امرأته في الحيض، وأن امتداد المنع من الطلاق إلى أن تطهر من الحيضة الثانية؛ لأن صيغة (حتى) للغاية. ولا شكَّ أن الأمر بالرجعة في ذلك ليس هو لأجل الطلاق في الحيض، إنما هو لأجل استمرار استباحة وطئها؛ حيث إن دوام المعاشرة لها في الحيض سبب للوطء في الطهر بعده، فبالدوام على حكم الطلاق يمتنع الوطء فيه، والتلذذ بها قبله، إما بالمباشرة في غير الفرج، أو فيما فوق الإزار، وإما بغيره، فتكون الرجعة سببًا لدوام العشرة وعدم الطلاق، فنبه ﷺ بالأمر بالمراجعة، على أنها ليست لغرض الطلاق، بل لظهور فائدتها. ومن العلماء من أجاب بأن فائدتها: العقوبة له؛ ليكون سببًا لتوبته من معصيته، واستدراك خيانته، لكن ما ذكرناه أولًا أظهر؛ لأن ابن عمر ﵄ كان جاهلًا بحكم الطلاق في الحيض؛ ولهذا سأل أبوه عمر ﵁. ومعلومٌ أنه ليس من فعل معصية جاهلًا كمن فعلها عالمًا، خصوصًا قبل حكم الشرع. مع أن نظر الشرع دائرٌ بين موافقة الأمر ودوام النكاح وحسن العشرة، فالمراجعة بعد الطلاق في الحيض، أقرب مما ذكر، والله أعلم. ثم من العلماء من علَّل امتناع الطلاق في الحيض؛ بتطويل العدة، فإنَّ الحَيْضَة التي طلقت فيها لا تحسب من العدة، فيطول زمان التربُّص، ومنهم من علَّله بوجود الحيض فقط وصورته، وبنوا على العلتين مسألتين: إحداهما: إذا طلقها في الحيض وهي حامل، وقلنا: إن الحامل تحيض،

стр. 1307

فمن علَّل بتطويل العدة، لم يحرم؛ لأن انقضاءها هنا بوضع الحمل على كل حال. ومن علَّل بالحيض، وأراد الحكم عليه، حرم الطلاق فيه، وهو الظاهر من إطلاق الحديث؛ حيث إنه ﷺ أمر بالمراجعة من غير استفصالٍ ولا سؤال عن حالِ المرأة في الحملى والحيال، وترك الاستفصال في مثل هذا ينزل منزلة عموم المقال عند جميع أرباب الأصول. المسألة الثانية: إذا سألت المرأة الطلاق في الحيض: فإن علَّلنا بتطويل العدَّة عليها، لم يقتض تحريمه فيه؛ لأنها رضيت بإدخال الضرر عليها بسؤالها الطلاق فيه، وإن علَّلنا بصورة الحيض ووجوده، حرمه، والعمل بظاهر الحديث أولى في ذلك؛ لترك الاستفصال فيه. وقد يجاب في المسألتين بالأصل؛ فإن الأصل عدم السؤال وعدم الحمل. واعلم أن الأمَّة أجمعت على تحريم الطلاق في الحيض بغير رضا الزوجة، فلو طَلَّقها، أَثِمَ، ووقعَ طلاقُه، ويؤمر بالرجعة، وإن شذَّ بعضُ أهلِ الظاهر، وقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير مأذونٍ له فيه، فأشبه طلاقَ الأجنبية، وذلك باطل؛ للأمر بمراجعتها؛ لأنه لو لم يقع، لم يكن رجعةٌ، فإن قيل: المراد بالمراجعة في الحديث: الرجعة اللُّغوية، وهي الردُّ إلى حالها الأول، من غير احتساب طلقةٍ، قلنا: هذا غلط؛ حيث إن الحقيقة الشرعية مقدَّمة على اللُّغوية باتفاق أهل أصول الفقه. كيف وابن عمر قد صرَّح بأنها حُسِبت من طلاقِها، وراجعها كما أمر رسولُ الله ﷺ ؟ واعلم أن الطلاق يقع في الشرع على أربعة أقسام: حرام، ومكروه، وواجب، ومندوب، ولا يكون مباحًا مستوي الطرفين. فأمَّا الواجب: ففي صورتين: إحداهما: في الشقاق بين الزوجين، إذا ترافعا إلى الحاكم وبعثهما إلى حكمين، ورأيا المصلحة في الطلاق، وجب عليهما الطلاق.

стр. 1308

الثانية: في المؤلي إذا مضت عليه أربعة أشهر، وطالبته المرأة بحقِّها، فامتنع من الفيئة والطلاق، فإنَّ الصحيح من القولين للشافعي: أنه يجب على القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعية. وأما المكروه: فإن يكون الحال مستقيمًا بينهما، فيطلق بلا سبب، وعليه يُحمل قولُه ﷺ : "أبغضُ الحَلالِ إِلَى اللهِ تَعالى الطَّلاقُ " رواه أبو داود، وغيره (١). وأما الحرام؛ ففي ثلاث صور: إحداها: في الحيض بلا عوض منها، ولا سؤالها. والثانية: في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل. والثالثة: إذا كان عنده زوجات، فقسم لهن، فطلَّق واحدة منهن قبل أن يوفيها قسمها. وأما المندوب: فهو ألا تكون المرأة عفيفة، أو يخافا، أو أحدهما ألا يقيما حدود الله، أو نحو ذلك، والله أعلم. وأما جمع الطلقات الثلاث دفعةً، فليس بحرام عند الشافعية، لكن الأَوْلى تفريقها، وبه قال أحمد، وأبو ثور. وقال مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والليث: هو بدعة. وهذا كله فيما إذا طلق من غير أن يجعله يمينًا يمتنع به ويمنع به؛ فإنه مكروه قطعًا، ولو قيل: إنه حرام، لم يمتنع، والله أعلم. وقولُه ﷺ : "لِيُراجِعْهَا" وفي لفظ مسلم: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"؛ يتعلق بذلك مسألة أصولية، وهي: أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمر بذلك الشيء، أم لا؟ فإن النبي ﷺ قال لعمر: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، وفي لفظ الكتاب: "لِيُرَاجِعْهَا"،

стр. 1309

فالأمر لعبد الله كان من عمر بأمر النبي ﷺ ، وعلى كل حال، فلا ينبغي أن ينظر في الأحكام المتعلقة بالأمر أنها أمر أم لا. وقولُه ﷺ : "قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا"؛ معناه: قبل أن يطأها. وإنما كان الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه بدعيًّا حرامًا؛ لخوف الندم، حيث إن المسيس سبب الحمل، وحدوث الولد، وذلك سبب للندامة على الطلاق، بخلاف ما إذا تبين الحمل، وطلقها بعد ذلك؛ فإنه يكون من أمره على تصبره، فلا يندم؛ فلا يحرم. وقولُه ﷺ : "فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ"؛ بعدَ قوله: "ثم لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهُرَ، فَإنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا" تصريح بأن الأقراء المذكورة في القرآن هي الأطهار؛ حيث قال ﷺ : "فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها" بعد قوله: "ثُمَّ تَحِيضُ فتَطْهُرُ" مع أن الله تعالى لم يأمر بطلاقهن في الحيض بل حرمه، فدل ذلك جميعه على أن الأقراء: الأطهار، وأن الإشارة بقوله به ﷺ : "فتلك العدةُ" إليها، فإن قيل: الضمير في قوله: "فتلك" يعود إلى الحيضة، قلنا: هذا فاسد؛ حيث إن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل محرم، وإنما الإشارة بها عائد إلى الحالة المذكورة، وهي في حالة الطهر، أو إلى العدة. وأجمع العلماء من أهل الفقه والأصول واللغة، على أن: القُرْءَ في اللغة يطلق على الحيض وعلى الطهر. واختلفوا في الأَقراء المذكورة في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وفيما تنقضي به العدَّة، فقال مالك، والشافعي، وآخرون: هي الأطهار، وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، وآخرون: هي الحيض، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃، وبه قال الثَّوريُّ، وزفر، وإسحاق، وآخرون من السلف، وهو أصحُّ الروايتين عن أحمد؛ قالوا: لأن من قال بالأطهار، يجعلها قرأين وبعض الثالث، وظاهر القرآن: أنها ثلاثة.

стр. 1310

والقائل بالحيض يجعلها شرطًا، فيكون ثلاث حيضات كوامل، فيكون أقرب إلى موافقة القرآن، ولهذا الاعتراض صار ابن شهاب الزهريّ إلى أن الأقراء هي: الأطهار، قال: ولكن لا تنقضي العِدَّة إلا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي إلا بطهرين وبعض الثالث، وهو مذهب تفرد به، بل القائلون بالأطهار اتفقوا على أنها تنقضي بقرأين وبعض الثالث، حتى لو طلقها، وقد بقى من الطهر لحظة يسيرة، حُسب ذلك قرءًا، ويكفيها طهران بعده. وأجابوا عن الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث، يطلق عليهما اسم الجمع في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومعلوم أنها شهران وبعض الثالث، وفي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] المراد: في يوم وبعض الثاني. واختلف القائلون بالأطهار، متى تنقضي عدتها؟ فالأصحُّ عند الشافعية: أنه بمجرد رؤية الدَّم بعد الطهر الثالث، وفي قول: لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة. والخلاف في مذهب مالك كهُوَ عند الشافعية. واختلف القائلون بالحيض -أيضًا-، فقال أبو حنيفة وأصحابه: حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، أو يذهب وقت صلاة، وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، والثوري , وزفر، وإسحاق، وأبو عبيد: حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وقال الأوزاعي وآخرون: حتى تنقضي بنفس انقطاع الدم. وعن أبي إسحاق رواية: أنه إذا انقطع الدم، انقطعت الرجعة، ولكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل؛ احتياطًا وخروجًا من الخلاف، والله أعلم. وقولُه: "فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِها"؛ يعني: أن الطلقة الواقعة في الحيض مُنقِصة لعدد الطلاق، محسوبةٌ منه. وفي الحديث أحكام: منها: تحريم الطلاق في الحيض. ومنها: أنه إذا طلَّق فيه، وقع.

стр. 1311

ومنها: الأمر بمراجعة المطلقة الحائض، واختلف فيه، فقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين، وأحمد، وفقهاء المحدثين، وآخرون: الأمر بها للاستحباب، وقال مالك وأصحابه: للوجوب، ويجبر الزوج على الرجعة إذا طلق في الحيض. ومنها: تحريم الطلاق في الطُّهر الذي جامعها فيه. ومنها: أنَّ الطلاق في غير زمن الحيض لا إِثْم فيه؛ وكذلك في الطهر الذي يجامعها فيه، لكنه مكروه؛ لقوله ﷺ : "أَبْغَضُ الحَلاَلِ إلى اللهِ تعالى الطَّلاق" (١) فيكون حديث ابن عمر هذا لبيان عدم التحريم، وهذا الحديث لبيان كراهة التنزيه. ومنها: أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة، ولا وليِّها، ولا تجديد عقد. ومنها: أن الأقراء في العِدَّة هي الأطهار، وتقدم اختلاف العلماء فيه وتقريره والاعتراض عليه والجواب عنه. ومنها: الاعتداد بالطلقة الواقعة في زمن الحيض من عدد الطلاق، وهو مذهب الجمهور. ومنها: الأمر بإمساك المرأة المراجَعة بسبب الطلاق في الحيض, بعده. ومنها: أن الأمر المعلق على شرط عدم عند عدم الشرط؛ فإنه ﷺ أَذِن في الطلاق قبل مسيسها، وقيده به، وفي ذلك دليل على امتناعه في الطهر الذي مسَّها فيه؛ لأنه شرط في الإذن عدم المسيس لها. ومنها: عدم الإقدام على شيء قبل مراجعة الشرع فيه. ومنها: الغيظ لأجل المخالفةِ، وعدمِ المراجعة للكبار والمقتدى بهم، خصوصًا الأقرباء والأصحاب. ومنها: التثبُّت في الأمور لأجل مراعاة مصالحها ودفع مفاسدها.

стр. 1312

ومنها: السؤال عن العلم بغيره، خصوصًا إذا كان المسؤول من أجله ولدًا أو قريبًا. ومنها: مراعاة كتاب الله تعالى في الأحكام الشرعية، والرجوع إليه. ومنها: المبادرة إلى امتثال أمره، واجتناب نهيه. * * * الحديث الثاني عَنْ فَاطِمَة بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بنَ حَفْصٍ طَلَّقَها البَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَفي رِوَايةٍ: طَلَّقَهَا ثلاثًا، فَأَرْسَلَ إلَيهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَت رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيهِ نَفَقَةٌ". وفي لفظ: "وَلَا سُكنَى"، فأمرها أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أمِّ شَرِيكِ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغشَاهَا أَصْحَابِي، اعتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكتُومٍ؛ فَإنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ، فَإِذَا حَلَلتِ فآذنِيني"، قَالَت: فَلَمَّا حَلَلَّتُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَأَنَّ مُعَاوِيةَ بْنَ أَبِي سُفيَانَ، وَأبا جَهمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقهِ، وَأمَّا مُعَاوِية، فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكحِي أسَامَةَ بْنَ زَيدٍ"، فَكَرِهَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: "انكحِي أسَامَةَ بنَ زَيدٍ"، فنكَحَتهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيه خَيرًا، واغتبَطَت بِهِ (١). أمَّا فاطمة بنت قيس؛ فهي أختُ الضحاكِ بن قيس بن خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهو بن مالك بن النضر بن كنانة، القرشيةُ، الفهريةُ، وكانت أكبر من أخيها هذا بعشر سنين فيما قيل، وكانت من المهاجرات الأول، لها عقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب ﵁، وخطبوا خطبتهم المشهورة المأثورة.

стр. 1313

قال الزبير: وكانت امرأة نجودًا، أو: النجود النبيلة، وقَدِمت الكوفة على أخيها الضحاك، وكان أميرًا، روي لها عن رسول الله ﷺ أربعة وثلاثون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديث لها في مسند عائشة ﵂، ولمسلم ثلاثة أحاديث، وروى عنها جماعة من التابعين، منهم: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة، والشعبي، وكل هؤلاء فقهاء، وروى لها أصحاب السنن والمساند (١). وأَمَّا عَمْرو بنُ حَفْص؛ فالأكثرون على أنه أبو عمرو بن حفص، ويقال: أبو حفص بن عمرو، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، ويقال: أبو عمرو بن حفص بن عمر بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشيُّ المخزوميُّ، واختلف في اسمه، فقيل: عبد الحميد، وقيل: أحمد، وقيل: بل اسمه كنيته، وذكره البخاري فيمن لا يُعرف اسمه. بعثه رسول الله ﷺ مع علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - إلى اليمن حين بعثه، فطلَّق امرأته هناك، فاطمةَ بنتَ قيس، وبعث إليها بطلاقها، ثم مات هناك. وأبو عمرو هذا الذي كلم عمر بن الخطاب ﵁ مواجهة في عزل خالد بن الوليد ﵁، فاعتذر عمر يوم الجابية، وقال: أعتذر إليكم من خالد؛ فإني أمرته أن يحبس هذا الْمالَ على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا اليسار وذا الشرف، ونزعه، وأثبت أبا عبيدة بن الجراح، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: والله! لقد نزعت غلامًا -أو قال: عاملًا- استعمله رسول الله ﷺ ، وأغمدت سيفًا سلَّه الله، ووضعت لواءً نصبَهُ رسولُ الله ﷺ ،

стр. 1314

ولقد قطعت الرحم، وحسدت ابن العم! فقال عمر ﵁: أما إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب لابن عمك، أخرجه النَّسائيُّ عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (١)، عن وهب بن زمعة، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، سمع الحارث بن يزيد يحدث عن علي بن رباح عن ناشرة بن سمي اليزني، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول يوم الجابية، فذكره، وهو إسناد صحيح مليح (٢)، والله أعلم (٣). وأَمَّا أمُّ شَريك هذه، فقيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وتقدم ذكرها قريبًا في الحديث الثاني من باب الصداق. قال أبو عمر بن عبد البر الحافظ -رحمه الله تعالى-: أم شريك القرشيةُ العامريةُ، اسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حجر -ويقال: حجير- بن عبد معيص بن عامر بن لؤي. وقيل في نسبها: أمُّ شريك بنت عوف بن جابر بن ضباب بن حجير بن عبد معيص بن عامر بن لؤي. يقال إنها: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، واختلف في ذلك، وقيل في جماعة سواها ذلك. روى عنها سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ أمر بقتل الأوزاغ. وقد روى عنها جابر بن عبد الله، يقال: إنها المذكورة في حديث فاطمة بنت قيس. قوله ﷺ : "اعْتَدِّي فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيك"، وقد قيل في اسم أُمِّ شريك: أم غزيلة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي ﷺ ، ولا يصحُّ من ذلك شيء؛ لكثرة

стр. 1315

الاضطراب فيه. ومن زعم أن رسول الله ﷺ نكحها، قال: كان ذلك بمكة، وكانت عند أبي العكر بن سمي بن الحارث الأزدي، فولدت له شريكًا. وقيل: إن أمَّ شريك هذه كانت تحت الطفيل بن الحارث، فولدت له شريكًا. والأول أصحُّ. وقيل: أم شريك الأنصارية، تزوَّجها رسولُ الله ﷺ ، ولم يدخل بها؛ لأنه كَرِه غيرة الأنصار. هذا كلامه بحروفه، والله أعلم (١). اتفق البخاري ومسلم لها على حديث واحد، وروى لها مسلم حديثًا آخر. وروى لها جماعة من أصحاب السنن والمساند. وأَمَّا ابنُ أُمِّ مكتوم، فتقدَّم ذكره في الأذان. وأمّا معاوية وأسامة؛ فتقدَّما أيضًا. وأما أبو الجهم هذا؛ فقال شيخنا أبو زكريا النواوي الحافظ ﵀: واعلم أن أبا الجهم هذا -بفتح الجيم، مكبر-، وهو أبو الجهم المذكور في حديث الأنبجانية، وهو غير أبي الجهم المذكور في التيمم، وفي المرور بين يدي المصلي؛ فإن ذلك -بضم الجيم، مصغر-، والله أعلم (٢). وقد بسطت الكلام في هذا، في أول باب: المرور بين يدي المصلي من هذا الكتاب، والله أعلم. وأَمَّا قولُه: "إنَّهُ طَلَّقَهَا البَتَّة": يحتمل أنه طلقها ثلاثًا، ويحتمل أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وكل منهما يصدق عليه أنه طلَّقها البتة، وروي في "الصحيح"، لكنه ظاهر في أنه كان طلَّقها قبل هذا طلقتين، ثم طلَّقها طلقة كانت بقيت من عدد الثلاث، وروي هذا في "الصحيح" -أيضًا-، وروي في "صحيح مسلم" رواية في حديث الجساسة (٣) يوهم أنه مات عنها، وهي ليست على ظاهرها، بل قال العلماء: إنها وهم، أو مؤولة، والله أعلم.

стр. 1316

وقوله: "وهو غائبٌ"؛ قد ذكرنا في ترجمته أنه كان غائبًا مع علي ﵁ باليمن، وذكرنا: أنه مات هناك، وأنه واجه عمر ﵁ بكلام في حقِّ خالد بن الوليد، لمَّا عزله بالجابية، ويلزم من ذلك رجوعه من اليمن، فلعلَّه رجع إليه، ومات به، والله أعلم. وقولُه: "فَأَرْسَلَ إلَيهَا وَكِيُلُه بِشَعِيرٍ"؛ وكيلُه: مرفوعٌ على أنه هو المُرسِل، ويحتمل أن يكون منصوبًا، ويكون الضمير في (وكيله) عائدًا على أبي عمر بن حفص، ويكون: (وكيله) مُرسَلًا من جهته بالشعير إليها. وقولُه: "فَسَخِطَتْهُ"، معناه: كرهته ولم ترض به. وقولُه: "فَأَمَرَهَا أَن تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ"، ثمّ قال: "تِلْكَ امْرأَةٌ يَغشَاهَا أَصْحَابِي"؛ معناه: أن الصحابة ﵃ كانوا يزورون أمَّ شريك، ويُكثرون التردُّدَ إليها؛ لكثرة صَلاحِها، فرأى النبي ﷺ أن على فاطمة من الاعتداد عندها حَرَجًا؛ من حيث إنَّه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها. وفي التحفظ من هذا مع كثرة دخولهم وتردُّدِهم مشقَّةٌ ظاهرة، فأَمرها بالاعتداد عند ابنِ أُمِّ مكتوم؛ لأنَّهُ لا يُبصرها، ولا يتردَّدُ إلى بيته مَنْ يتردَّد إلى بيتِ أم شريك، ولا يلزم من إذنه لها ﷺ بالاعتداد في بيته، الإذنُ لها في النظر إليه، بل فيه: أنها تأمن عنده من نظر غيره إليها، وهي مأمورة بِغضِّ بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة؛ بخلاف مكثها في بيت أم شريك. قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا القول إعراض عن التعليل بعمى ابن أم مكتوم، وكان يقوى لو تجرد الأمر بالاعتداد عنده عن التعليل بعماه، وما ذكر من المشقة موجود في نظرها إليه، مع مخالطتها له في البيت، ويمكن أن يقال: إنه إنما علل بالعمى، كونها تضع ثيابها من غير رؤيته لها، فحينئذ يخرج التعليل عن الحكم باعتدادها عنده، والله أعلم (١).

стр. 1317

قولُه ﷺ : "فَإذَا حَلَلْتِ فآذنِيني"؛ معناه: إذا انقضت العدَّة من الطلاق، فأعلميني، وآذنيني -بهمزة ممدودة -. قوله ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ العَصَا عَنْ عَاتِقِه"؛ العَاتِقُ: ما بين العنق والمنكب، وفي معناه تأويلان: أظهرهما: أنه كثير الضَّرب للنساء؛ بدليل رواية في "صحيح مسلم" قال فيها: إنه ضرَّاب للنساء (١). والثاني: أنه كثير الأسفار. وقوله ﷺ : "وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ"؛ هو بضمِّ الصاد؛ أي: فقير، يعجزُ عن القيام بحقوق الزوجة. قولُها: "واغْتبَطَتْ"؛ معناه: أنها لما امتثلت أمر رسول الله ﷺ في نكاح أسامة ﵁، اغتبطت به، وقد ضبطوا (اغتَبَطت) بفتح التاء والباء، ووقع في بعض روايات مسلم لفظه به، ولم يقع في أكثرها. والغبطةُ: تمني مثل حال المغبوط من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسد عند أهل اللغة، قالوا: يُقال: غبطته بما نال، أغبِطه، -بكسر الباء- غَبْطًا وغبْطةً، فاغتبط، وهو كَمَنَعْته فامتَنَع، وحَبَسْتُه فاحتَبَس (٢). وأَمَّا إشارته ﷺ عليها بنكاح أسامة؛ فَلِما عَلِمه من دينهِ وفضله وحسن طرائقه، وكرم شمائله، فَنصَحَها بذلك، فكرهته لكونه مولى، ولكونه كان أسود جدًّا، فكرَّر عليها النبي ﷺ الحث على زواجه لِماَ عَلِم من مصلحتها في ذلك، فكان كذلك، ولهذا قالت: "فجعل الله لي فيه خيرًا، واغتبطت"، ولهذا قال ﷺ في رواية في "صحيح مسلم ": "طاعةُ اللهِ وطاعةُ رَسُوله خيرٌ لك" (٣).

стр. 1318

وفي هذا الحديث أحكام: منها: جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة؛ لعدم إنكار النبي ﷺ في رواية: طلَّقها ثلاثًا. وفيه الاحتمال الظاهر في كونه أوقع عليها طلقة، هي آخر الثلاث كما تقدم. ومنها: أنه لا نفقة للمطلَّقة البائن الحائل، ولا سكنى. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن عباس ﵄، وأحمد بن حنبل بظاهر هذا الحديث، وأوجب النفقةَ والسكنى: عمرُ بن الخطاب، وأبو حنيفة، وأوجب مالك، والشافعي، وآخرون السكنى دون النفقة؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وأما سقوط النفقة، فأخذوه من المفهوم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فمفهومه: أنه إذا لم يكنَّ حوامل، لا ينفق عليهن. وقد تورعوا في تأول الآية للبائن، في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ويحتاج من قال: لها السكنى إلى الاعتذار عن حديث فاطمة هذا، فمنهم من اعتذر بما حكي عن سعيد بن المسيب وغيره: أنها كانت امرأة لَسِنة، واستطالت على أحمائها، فأمرها بالانتقال، وقيل: لأنها خافت في ذلك المنزل، وقد روى مسلم في "صحيحه": أنها قالت: أخاف أن يقتحم علي (١)، وساق الحديث على خلاف هذين التأويلين، فإنه يقتضي أن سبب اختلافها مع الوكيل، وسخطها الشعير، وذكر الوكيل أن لا نفقة لها، حتى حملها ذلك على سؤال رسول الله ﷺ عن ذلك، وجوابه لها بعدم النفقة عليه: أن ذلك الاختلاف سبب لبيان عدم وجوب النفقة، لا ما ذكر من الاعتذار، فإن قام دليل أقوى من هذا وأرجح، عمل به، وأما عمر ﵁، فقال: لا ندع كتابَ ربِّنا وسنَّة نبيِّنا محمد ﷺ ، بقول امرأة جهلت أو نسيت (٢).

стр. 1319

قال العلماء: الذي في كتابِ ربِّنا إنما هو إثبات السكنى، قال الدارقطني: قوله: وسنَّة نَبِيِّنا ﷺ هذه زيادة غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات، واحتجَّ من لم يوجبها بهذا الحديث (١). وأما البائن الحامل: فتجب لها النفقة والسكنى. وأما الرجعية: فتجبان لها بالإجماع. وأما المتوفى عنها: فلا نفقة لها بالإجماع، والأصحُّ عند الشافعية وجوب السكنى لها، فلو كانت حاملًا؛ فالمشهور أنه لا نفقة لها كما لو كانت حائلًا، وقال بعض أصحاب الشافعي: تجب، وغلطوه، والله أعلم. ومنها: وقوع الطَّلاق في غيبة المرأة. ومنها: جواز الوكالة في أداء الحقوق، وقد أجمع العلماء على هذين الحكمين. ومنها: جواز زيارة الرجال المرأة الصالحة، إذا لم تؤدِّ إلى فتنتهم وفتنتها. ومنها: تحريمُ نظر المرأة الأجنبية إلى الرجل الأجنبي، وتحريم نظره إليها، وقد احتجَّ بحديث فاطمة على جواز نظرها إلى الأجنبي، والذي عليه جمهور العلماء، وأكثر الشافعية: تحريمُ نظرها إلى الأجنبي؛ كما يحرم نظره إليها. وقد علَّل جواز اعتدادها في بيت ابن أُمِّ مكتوم؛ بأنه رجل أعمى، وهو مقتض لعدم رؤيته لها، لا لعدم رؤيتها. وقد استدلَّ من قال بالتحريم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ولأن الفتنة مشتركة؛ فكما يخاف الافتتان بها، يخاف افتتانها به، ويدلُّ على ذلك ما رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بإسناد حسن، من حديث نبهان مولى أُمِّ سلمة، عن أم سلمة: أنها كانت هي وميمونة عند النبي ﷺ ، فدخل ابن أم

стр. 1320

مكتوم، فقال النبي ﷺ : "احْتَجِبَا مِنْهُ"، فقالتا: إنه أعمى لا يبصرنا، فقال النبي ﷺ : "أفَعَمْيَاوانِ أنتما؟! ألَسْتُمَا تُبْصِرَانهِ؟! "، قال الترمذي: حديث حسن (١). ولا يلتفت إلى قَدْحِ مَنْ قَدْحَ فيه بغير حجَّة معتمدة. قال شيخنا أبو الفتح القاضي -رحمه الله تعالى-: وفي الاستدلال بالآية للتحريم نظر؛ لأن لفظة (من) للتبعيض، ولا خلاف أنها إذا خافت الفتنة، حرم النظر عليها، فإذًا هذه حالة يجب فيها الغضُّ، فيمكن حمل الآية عليها، ولا يَدلُّ حينئذ على وجوب الغضِّ مطلقًا، أو في غير هذه الحالة. وهذا وإن لم يكن ظاهر الآية، فهو محتمل له احتمالًا جيدًا، يتوقف معه الاستدلال على محل الخلاف (٢). ومنها: جواز التعريض بخطبة البائن، وفيه خلاف عند الشافعية. ومنها: جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، ولا يكون من الغيبة المحرمة، وقد ذكر العلماء ما يباح من الغيبة في ستة مواضع، الاستنصاح من جملتها. ومنها: جواز استعمال المجاز للمبالغة، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة؛ فإن أبا جهم لا بدَّ وأنْ يضعَ عصاه حالة نومه، أو أكله، وكذلك معاوية، لا بدَّ وأن يكون له ثوبٌ يلبسه مثلًا، لكن اعتبَرَ حال الغلبة، وهَجَر النادر اليسير. والمجاز في أبي جهم أظهرُ منه -فيما قيل- في معاوية؛ لأنَّ لنا أن نقول: إن لفظة المال انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له قدر من

стр. 1321

المملوكات، وذلك مجاز شائع، يتنزل منزلة النقل، فلا يتناول الشيء اليسير جدًّا، بخلاف ما قيل في أبي جهم. ومنها: التصريح بأنَّ أحد الخاطبين: معاوية بن أبي سفيان، خلافًا لما قيل: إنه معاوية غيره، وهو غلط. ومنها: أنَّ الحقَّ في الكفاءة في النكاح حقٌّ للزوجة والأولياء، خاصٌّ بهم. ومنها: أن كفاءة الدِّين والعلمِ والفضلِ لا يعارضها غيره من المال والنَّسب. ومنها: جواز نكاح القرشية للمولى، بلا كراهة شرعية. ومنها: نصيحة الكبار أتباعَهم، وتكريرُها عليهم، ورجوعُ الأتباع إلى قولهم، وتركهم حظوظهم العادية، والله أعلم. ومنها: جواز خروج المعتدَّة من بيت زوجها للحاجة من الاستفتاء وغيره. ومنها: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية للحاجة. ومنها: جواز الخطبة على خطبة الغير، إذا لم تحصل للأول إجابة؛ لأنها ذكرت أن معاوية وأبا الجهم خطباها، ولم تجبهما، وذكر لها النبي ﷺ أسامة بعد خطبتهما، وقبلَ إجابتِها لهما. ومنها: إرشاد الإنسان إلى مصلحته وإن كرهها، وتكرير ذلك عليه. ومنها: الحرص على مصاحبة أهل التقوى والفضل، وإن دنت أنسابهم، والله أعلم. * * *

стр. 1322

باب العِدَّة الحديث الأول عَنْ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ ﵂: أَنَّها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمَّا تَعَلَّت مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ [-رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-] (١)، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تُريدين النِّكَاحَ، وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكحٍ حتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأفْتَانِي بِأنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَني بِالتزوُّجِ إنْ بَدَا لي. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَلَا أَرَى بَأسًا أَنْ تَتَزوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، إنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أنَّهُ لَا تقْرَبُها زَوْجُهَا حَتى تَطْهُرَ (٢). أما سبيعة، فهي بضم السين المهملة، وفتح الباء الموحدة. وهي بنت الحارث الأسلمية.

стр. 1323

روي لها عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثًا. روى عنها عمر بن عبد الله بن الأرقم. قال أبو عمر بن عبد البر: روى عنها فقهاء أهل المدينة، وفقهاء أهل الكوفة من التابعين حديثها هذا؛ يعني: حديثها هذا المذكور: أنها كانت تحت سعد بن خولة. قال: وروى عنها عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنِ استطاعَ منكُمْ أَنْ يموتَ بالمدينةِ، فَلْيَمُتْ؛ فَإنَّهُ لا يموتُ بِها أَحَدٌ؛ إلا كُتِبَ له شَهيدًا، أو شَفيعًا يومَ القِيَامَةِ" (١). قال: وزعم العقيلي أن سبيعة التي روى عنها عبد الله بن عمر ﵄ هي غير الأولى، ولا يصح ذلك عندي. هذا آخر كلامه. روى لها البخاري ومسلم، وجماعة من أصحاب السنن والمساند، ولم يرو لها الترمذي، والله أعلم. وأما وضعُها حملَها، فكان بعد وفاة زوجها بليالٍ؛ قيل: إنها شهر، وقيل: خمس وعشرون ليلة، وقيل دون ذلك، والله أعلم (٢). وأما سعد بن خولة؛ فتقدم ذكره في باب الوصية. وأما أبو السنابل -بفتح السين-، فاسمه لبيد، ربه، سُئل يحيى بن معين عن اسمه، فقال: بغيض سئل عن بغيض لبيد ربه، وقيل: اسمه عمرو، وقيل: حبه -بالباء الموحدة، وقيل: بالنون- ابن بعكك -بفتح الموحدة وسكون العين المهملة ثم كافين، الأولى مفتوحة- بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن

стр. 1324

عبد الدار بن قصي، القرشي العبدري. أسلم يوم الفتح، وقيل: إنه سكن الكوفة، روى عنه الأسود بن يزيد النخعي. قال الترمذي: لا نعرف للأسود سماعًا من أبي السنابل. وسمعت محمدًا -يعني: البخاري- لا أعرف أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ . وذكر ابن سعد أنه بقي بعد النبي ﷺ . وروى له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال ابن عبد البر الحافظ: كان شاعرًا، ومات بمكة (١). وأما ابن شهاب؛ فهو منسوب إلى جد جده، وهو أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب القرشي الزهريّ المدني، سكن الشام، سمع أنسًا، وسهل بن سعد، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، والسائب بن يزيد، وسنينًا أبا جميلة، وعبد الرحمن بن أزهر، وربيعة بن عباد الديلي، ومحمود بن الربيع، ورجلًا مزيلي صحبة. ورأى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن ثعلبة بن صغير، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف، وخلقًا كثيرًا من التابعين وغيرهم. قال عراك بن مالك: أعلمهم جميعًا -يعني: ابن المسيب، وعروة، وعبيد الله بن عبد الله- عندي: محمد بن شهاب؛ لأنه جمع علمهم إلى علمه، وكان إمامًا جليلًا فقيهًا فاضلًا، ناشرًا للعلم باذلًا له، مات ليلة الثلاثاء، لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، سنة أربع وعشرين ومئة في ناحية الشام، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق بضيعة له، يقال لها:

стр. 1325

شَغْب، وبدا، وشغب: بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين، وبدا: بالباء الموحدة والدال المهملة. وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمساند (١). أما ما ذكر [عن] سعد بن خولة: وهو في بني عامر بن لؤي، فهو هكذا في جميع النسخ: في بني عامر، وهو صحيح، ومعناه: ونسبه في بني عامر؛ أي: هو منهم. وذكر الحافظ أبو القاسم بن بشكوال: أن زوج سبيعة كان أبا البداح بن عاصم بن عدي الأنصاري. قال: حكى ذلك أبو عمر النمري عن ابن جريح والخُطاب: كهل، وشابّ، فالكهل: أبو السنابل، والشاب: أبو اليسر، والله أعلم (٢). وقوله: "فلم تَنْشَب"؛ أي: لم تمكث. "فلما تَعَلَّتْ من نِفاسِها"؛ معناه: طهرت من نفاسها. وفي الحديث أحكام: منها: أن عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، بوضع الحمل، حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة قبل غسله، انقضت عدتها، وحلت في الحال للأزواج. وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافة، إلا رواية عن علي، وابن عباس، وسحنون المالكي: أن عدتها بأقصى الأجلين؛ فإن تقدم وضع الحمل على تمام أربعة أشهر وعشر، انتظرت وضع الحمل. وروي عن ابن عباس الرجوع عنه. وتصحيح ذلك: أن أكابر أصحابه

стр. 1326

يقولون يقول العلماء: حتى لو وضعت بعد موته بساعة، انقضت؛ كعطاء، وعكرمة، وجابر بن زيد. وسبب هذا الخلاف تَعارُضُ عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤] مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]؛ فإن كل واحد من الاثنين: عام من وجه، خاص من وجه. فعموم الأولى، وهو المتوفى عنها زوجها، سواء كانت حاملًا أم لا. والثانية وهي: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] سواء كانت المرأة متوفى عنها زوجها أم لا. فلعل هذا التعارض، هو السبب لاختيار من اختار أقصى الأجلين؛ لعدم ترجيح أحدهما على الآخر عنده، وذلك يوجب ألا يرفع تحريم العدة السابق إلا بيقين الحل، وذلك بأقصى الأجلين. لكن فقهاء الأمصار اعتمدوا على هذا الحديث؛ فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، مع ظهور المعنى في حصول المراد بوضع الحمل. ومنها: أن المعتدة تنقضي عدتها بوضع الحمل، إن لم تطهر من النِّفَاسِ؛ كما صرح به الزهريّ، وهو مقتضى قولها: فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي. وقال الشعبي، والحسن، وحماد، وإبراهيم النخعي -فيما روي عنهم-: لا يصح زواجها حتى تطهر من تفاسها؛ متعلقين بقوله: "فلما تعلَّتْ من نِفاسها"؛ أي: طهرت، قال لها: قد طهرت، انكحي من شئت. رتب الحل على التعلِّي، فتكون علة له، وهو ضعيف؛ لتصريح الرواية بأنه أفتاها بالحل بوضع الحمل على أي وجه كان؛ من مضغة أو علقة، أو استبان فيه الخلق أم لا؛ حيث رتب الحل على وضع الحمل من غير استفصال، وترك الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وهذا -ها هنا- ضعيف؛ لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة

стр. 1327

نادر، وحمل الجواب على الغالب ظاهر، وإنما يقوي تلك القاعدة؛ حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض، ويختلف الحكم باختلافها (١). قلت: والقائلون بانقضاء العدة بوضع الحمل لم يختلفوا في انقضائها بوضع الحمل، سواء كان كاملًا، أم ناقص الخلق، أم مضغة، أو علقة، أو كان فيه صورة خلق آدمي، سواء كانت خفية تختص النساء بمعرفتها، أم جلية يعرفها كل أحد، بخلاف القطعة من اللحم إذا لم يتصور فيها خلق آدمي؛ ففيها خلاف، والله أعلم. وقول ابن شهاب: "غيرَ أنه لا يطؤها زوجها حتى تطهر"؛ معناه: أن زواجها بعد وضع الحمل صحيح، وأن وطأها حال النفاس حرام؛ كغيرها، وهو مجمع عليه، والله أعلم. ومنها: جواز تجمل المرأة للخطاب، بشرط ألَّا يكون فيه زور في ملبس أو خلق؛ من تفليج سن، أو وصل شعر، أو تحمير وجنة، أو كثرة مال، أو غير ذلك مما يُرَغِّب في نكاحها عادة؛ فإنه كذب وغش، والله أعلم. ومنها: أن النكاح لا يجب على المرأة؛ لأمره ﷺ لسبيعة به إن بدا لها، فلو كان محتمًا من جهة الشرع، لم يقيده باختيارها. ومنها: التوقف عن الأمر حتى تراجع الشرع والأمر به. ومنها: الفتيا في العلم، وأنها واجبة إذا تعينت. ومنها: أن الإنسان إذا رأى من غيره ما يخالف العادة، وكان في ظنه أنه لا يجوز، لا بأس أن يتكلم بما في ظنه، وإن كان الشرع على خلافه؛ حيث إنه قصد خيرًا. ومنها: أن المرأة تخرج في حاجتها ليلًا ونهارًا، إذا لم يكن لها من يقوم مقامها فيها، وأن الليل أولى لذلك إن لم يترتب عليه مفسدة، والله أعلم. * * *

стр. 1328

الحديث الثاني عَن زَيْنَبَ بِنْتِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَت: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأمِّ حَبِيبة، فَدَعَت بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتهُ بِذِرَاعَيْهَا، وَقَالَت: إنَّما أَصْنَعُ هَذَا؛ لأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤمنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَن تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا" (١). الحميم: القرابة. أما زينبُ بنتُ أم سلمةَ، فهي ربيبة رسول الله ﷺ ، وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشيةُ المخزوميةُ. ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله ﷺ : زينب. روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وقد رويا لها عن أمها وغيرها. روى عنها من التابعين من فقهاء المدينة وغيرهم. وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي (٢). وأما أم حبيبة؛ فتقدم ذكرها. وأما الحميم المتوفى؛ فلا أعرفه مسمى في "المبهم"، ولا غيره. ومعنى الحميم في الأصل: الماء الحار. ويقال لحامة الإنسان وخاصته ومن يقرب منه: حميم -أيضًا-، وكأنه لما كان القرب من الشخص حاملًا على حرارة الحمية له، والشفقة عليه، سُمي: حميمًا؛ لمشابهة الماء الحار في المعنى.

стр. 1329

قولها: "فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ"؛ الصفرة: خَلُوق -بفتح الخاء-: طيبٌ مخلوط. وإنما دعت به؛ لتدفع صورة الإحداد بمسحها به بذراعيها، وفي مسلم: بعارضيها. أما الذراعان، فهما عظما المرفقين إلى الرصغ من اليدين. وأما العارضان، فهما جانبا الوجه فوق الذقن إلى ما دون الأذن، فيحتمل أنها مسحت بعارضيها وذراعيها؛ لكون ذلك أظهر ما في بدن الإنسان؛ ليكون أبلغ في ظهور العمل بالشرع في ترك الإحداد على الميت غير الزوج. وقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلى زَوْجٍ أربعةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا". قال أهل اللغة والغريب: يقال: أَحَدَّت المرأة، تُحد إحدادًا -رباعيًّا-، وحَدَّتْ تَحُدُّ -بضم الحاء وكسرها- حِدًّا -بكسر الحاء-. هكذا قاله الجمهور: أنه يقال: أَحَدَّتْ، وحَدَّتْ -رباعيًّا وثلاثيًّا-. وقال الأصمعي: لا يقال إلا رباعيًّا. ويقال: امرأة حادٌّ، ولا يقال: حادة. ومعنى ذلك في اللغة: الحزن، ولبسُ ثيابه، وترك الزينة، وهو عند الفقهاء: تركُ الطيب والزينة (١). والحكمة في شرعية الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق: أن الطيب والزينة يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه، فنهيت عن ذلك؛ ليكون الامتناع منه زاجرًا عن النكاح؛ لكون الزوج ميتًا لا يمنع معتدته عن النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحي؛ فإنه يستغني بوجوده عن زاجر آخر. ولهذه العلة وجبت العدة على كل متوفى عنها زوجُها، وإن لم يكن مدخولًا بها، بخلاف الطلاق، فاستظهر للميت وجوب العدة، وجعلت أربعة أشهر

стр. 1330

وعشرًا؛ لأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد، إن كان، والعشرُ احتياط، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن. قال العلماء: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء، ويجعل بالأقراء كالطلاق؛ لما ذكرناه من الاحتياط للميت. ولما كانت الصغيرة من الزوجات نادرة، ألحقت بالغالب في حكم وجوب العدة والإحداد، والله أعلم. وأما تقييده ﷺ تحديدَ تحريمِ الإحداد على غير الزوج بما فوق الثلاث، فليس فيه الإذن بفعله في الثلاث وما دونها، وإنما هو تقييد خرج مخرج العادة للنفوس، وغلبة طبعها؛ كما جعل في الهجرة بين المسلمين فوق ثلاث، لكن مفهومه في الثلاث: الإباحة؛ لأجل حظ النفوس ومراعاتها؛ ولهذا دعت أم حبيبة ﵂ بالخلوق، وتمسحت به؛ لعلمها بأن الشارع لم يأذن في الإحداد على غير الزوج مطلقًا، من غير أن يفعل ذلك بعد الثلاث؛ حيث علمت أن قوله ﷺ مقيدًا بالثلاث إنما هو مراعاة للعادة في حظ النفوس، لا لأجل الإذن في الإحداد في الثلاث، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: وجوب الإحداد على المعتدة من وفاة زوجها، ولا خلاف فيه في الجملة؛ وإن اختلفوا في التفاصيل. ومنها: وجوبه على كل زوجة، سواء كانت مدخولًا بها، أو قبله؛ لقوله ﷺ : "إلَّا على زَوْجٍ". ومنها: وجوبه على كل امرأة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كافرة، وهذا مذهب الشافعي والجمهور؛ لقوله ﷺ : "لا يحلُّ لامرأة"، وهو عام في جميع النساء، يدخل فيه جميع من ذكرناه، لكن في دخول الصغيرة تحت لفظ المرأة نظر، فإن وجب من غير دخوله تحته، فبدليل آخر. قال أبو حنيفة، وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب

стр. 1331

على الزوجة الكتابية؛ حيث لا مدخل له في اللفظ، من وصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر، فيختص بالمسلمة دونها. لكن الوصف الذي له سبب مخصوص لفائدة غير اختلاف الحكم، لم يدل على اختلاف الحكم. فالتقييد بالإيمان بالله واليوم الآخر ليس كتقييد الحكم به، بل لتأكيده، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]؛ فإنه يقتضي توكيدًا من التوكل بربطه بالإيمان. فكذلك المسلمة لما كانت هي التي تستثمر خطاب الشارع، وتنتفع به، وتنقاد له، قيد الحكم به؛ للتوكيد، لا للإثبات، فكما يقال: إن كنت ولدي، فافعل كذا، لذلك يكون المعنى: التقييد بالإيمان؛ لتأكيد التحريم؛ لما يقتضيه سياقه ومفهومه، والله أعلم. وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة. وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة، إذا توفي عنهما سيدهما، ولا على الزوجة الرجعية. وقد يؤخذ ذلك من الحديث؛ حيث إن المستولدة والأمة ليستا بزوجتين، والحكم متعلق بالزوجية. والرجعية: متضمنة لمن لم يمت عندها زوجها، والحكم مقيد بمن مات. واختلف العلماء في المطلقة ثلاثًا: فقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، وابن المنذر: لا إحداد عليها. وقال الحكم، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعي. وحكى القاضي عياض قولًا شاذًّا غريبًا عن الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفى عنها زوجها، وأنه استدل من قال: لا إحداد على المطلقة ثلاثًا بقوله ﷺ : "إلَّا على ميتٍ"، فخص الإحداد بالميت بعد تحريمه في غيره. مع اتفاق العلماء على وجوبه على من توفي عنها زوجها.

стр. 1332

وليس في لفظ الحديث ما يدل على وجوبه على المطلقة ثلاثًا، والله أعلم. ومنها: أن مدة العدة للمتوفى عنها: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها. وبهذا قال كافة العلماء. وحكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي: أنها أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر. والذي عليه العلماء -غير من ذكرنا-: أنها لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، ثم التقييد بالمدة المذكورة خرج على غالب المعتدات: أنهن يعتددن بالأشهر. أما الحامل: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء قصرت المدة، أم طالت، فإذا وضعت، فلا إحداد بعده. وقال بعض العلماء: فلا إحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع الحمل، والله أعلم. ومنها: منقبة لأم حبيبة ﵂؛ حيث بادرت إلى امتثال أمر الشرع بتركِ الإحداد، وفعلِ ما ينافيه من الطيب وغيره، وترك عادة الناس في ذلك، والرياء والتسميع، وغير ذلك، والله أعلم. ومنها: ذكر الدليل للفعل المخالف لعادة الناس، وأن أمر الشارع فوق كل أمر، وأنه يجب متابعته، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ؛ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ" (١).

стр. 1333

العَصْبُ: ثِيابٌ مِنَ اليَمَنِ، فِيها بياضٌ وَسَوَادٌ. تقدم الكلام على أم عطية، وتقدم الكلام على الإحداد وحكمِه وجملتِه وحدِّ آخرِ وقته في الحديث قبله. وقوله ﷺ : "ولا تَلْبَسُ ثوبًا مَصْبوغًا، إلَّا ثوبَ عَصْبٍ"؛ أما المصبوغ: فالمراد به: الثوب المصبوغ للزينة. وأما الثوب العَصْب: فهو -بفتح العين وسكون الصاد المهملتين-، وهو نوع من بُرود اليمن، يُعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج، وقد فسره المصنف بغير هذا، ومرَّ. وقوله ﷺ : "ولا تكتحلُ"؛ هو نهي للحادة عن الاكتحال. وفي "الموطأ" من حديث أم سلمة: الإذنُ فيه بالليل، ومنعُه ومسحُه بالنهار (١). وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها في الليل، ومنعه بالنهار؛ بيانًا لجوازه عند الحاجة ليلًا، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته، مسحته بالنهار. فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه غير حرام بالليل؛ للحاجة. وحديث النهي محمول على عدم الحاجة. وأما حديث التي اشتكت عينها، فنهاها، فهو في "صحيح مسلم" (٢)، وهو محمول على أنه نهي تنزيه، وتأوله بعضهم على أنه ﷺ لم يتحقق الخوفَ على عينها. وأما قوله ﷺ : "ولا تمسُّ طيبًا إلَّا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةً من قُسْطٍ أَوْ أَظْفارٍ". النبذة -بضم النون-: القطعة والشيء اليسير. والقسط؛ بضم القاف، ويقال فيه: كُست -بكاف مضمومة بدل القاف،

стр. 1334

وبتاء بدل من الطاء-: الأظفار، وهو والأظفار: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب (١). وخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة من المحل، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: نهي الحادَّةِ عن لبس المصبوغ للزينة، وفي معناها المعصفرة، وهذان مجمع عليهما، فلو صبغ بسواد، فرخص فيه عروة بن الزبير، ومالك، والشافعي، وكرهه الزهري. فمن كرهه: علل بكونه مصبوغًا، ومن رخص فيه، وهو الجمهور، قال: لأنه غير مراد للزينة. ومنها: جواز لبس الثوب العصب للحادة، وهو مذهب الزهريّ، وقال مالك: يجوز الغليظ منه فقط، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين؛ أصحهما عندهم: التحريم مطلقًا، والحديث حجة عليهم. قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض، وقد يؤخذ من مفهوم الحديث، ومنع بعض متأخري المالكية جيدَ البياض والسواد الذي يتزين به. قال أصحاب الشافعي: وَيَجُوزُ للحادة لبسُ ما صُبغ، ولا يقصد منه الزينة. وهل يجوز لها لبس الحرير؟ فيه وجهان؛ أصحهما عندهم: الجواز. قالوا: ويحرم عليها حلي الذهب والفضة، وكذا اللؤلؤ. وفي وجه: يجوز اللؤلؤ. ومنها: تحريم الاكتحال على الحادة للزينة. وقد اختلف العلماء فيه، مع اتفاقهم على تحريمه لغير الحاجة لقصد الزينة. فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحلٍ لا طيبَ فيه.

стр. 1335

وجوزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب. ومذهب الشافعي: جوازه ليلًا عند الحاجة بما لا طيب فيه. ومنها: جواز تطييب محل الحيض للحادة عند انقطاع الدم بالقسط والأظفار؛ لإزالة الرائحة الكريهة، لا لقصد التطيب، وهو من باب الرخص، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إن ابْنَتي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُها، وَقَدِ اشْتكتْ عَيْنُهَا، أفَتكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إنما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِية تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ". فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إذًا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّة؛ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بشِيءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْد مَا شَاءَتْ مِنْ طِيب أَوْ غَيْرِهِ (١). الحِفْش: البيت الصغير، وتفتض: تدلك به جسدها. أما أم سلمة، فتقدم ذكرها، وأما المرأة المبهمة وزوجها، فقد سماهما الحافظ أبو القاسم خلفُ بنُ عبد الملك بن بشكوال في كتابه "الأسماء المبهمة"، وقال: المرأة السائلة للنبي ﷺ : عاتكة بنتُ عبد الله بن نعيم
следующие страницы →