على الزوجة الكتابية؛ حيث لا مدخل له في اللفظ، من وصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر، فيختص بالمسلمة دونها. لكن الوصف الذي له سبب مخصوص لفائدة غير اختلاف الحكم، لم يدل على اختلاف الحكم.
فالتقييد بالإيمان بالله واليوم الآخر ليس كتقييد الحكم به، بل لتأكيده، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]؛ فإنه يقتضي توكيدًا من التوكل بربطه بالإيمان.
فكذلك المسلمة لما كانت هي التي تستثمر خطاب الشارع، وتنتفع به، وتنقاد له، قيد الحكم به؛ للتوكيد، لا للإثبات، فكما يقال: إن كنت ولدي، فافعل كذا، لذلك يكون المعنى: التقييد بالإيمان؛ لتأكيد التحريم؛ لما يقتضيه سياقه ومفهومه، والله أعلم.
وقال أبو حنيفة: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة.
وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة، إذا توفي عنهما سيدهما، ولا على الزوجة الرجعية.
وقد يؤخذ ذلك من الحديث؛ حيث إن المستولدة والأمة ليستا بزوجتين، والحكم متعلق بالزوجية.
والرجعية: متضمنة لمن لم يمت عندها زوجها، والحكم مقيد بمن مات.
واختلف العلماء في المطلقة ثلاثًا:
فقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، وابن المنذر: لا إحداد عليها.
وقال الحكم، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعي.
وحكى القاضي عياض قولًا شاذًّا غريبًا عن الحسن البصري: أنه لا يجب الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفى عنها زوجها، وأنه استدل من قال: لا إحداد على المطلقة ثلاثًا بقوله ﷺ : "إلَّا على ميتٍ"، فخص الإحداد بالميت بعد تحريمه في غيره. مع اتفاق العلماء على وجوبه على من توفي عنها زوجها.
стр. 1332
وليس في لفظ الحديث ما يدل على وجوبه على المطلقة ثلاثًا، والله أعلم.
ومنها: أن مدة العدة للمتوفى عنها: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها. وبهذا قال كافة العلماء. وحكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي: أنها أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر.
والذي عليه العلماء -غير من ذكرنا-: أنها لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، ثم التقييد بالمدة المذكورة خرج على غالب المعتدات: أنهن يعتددن بالأشهر.
أما الحامل: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء قصرت المدة، أم طالت، فإذا وضعت، فلا إحداد بعده.
وقال بعض العلماء: فلا إحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع الحمل، والله أعلم.
ومنها: منقبة لأم حبيبة ﵂؛ حيث بادرت إلى امتثال أمر الشرع بتركِ الإحداد، وفعلِ ما ينافيه من الطيب وغيره، وترك عادة الناس في ذلك، والرياء والتسميع، وغير ذلك، والله أعلم.
ومنها: ذكر الدليل للفعل المخالف لعادة الناس، وأن أمر الشارع فوق كل أمر، وأنه يجب متابعته، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أُمِّ عَطِيَّة ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ؛ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ" (١).
стр. 1333
العَصْبُ: ثِيابٌ مِنَ اليَمَنِ، فِيها بياضٌ وَسَوَادٌ.
تقدم الكلام على أم عطية، وتقدم الكلام على الإحداد وحكمِه وجملتِه وحدِّ آخرِ وقته في الحديث قبله.
وقوله ﷺ : "ولا تَلْبَسُ ثوبًا مَصْبوغًا، إلَّا ثوبَ عَصْبٍ"؛ أما المصبوغ: فالمراد به: الثوب المصبوغ للزينة. وأما الثوب العَصْب: فهو -بفتح العين وسكون الصاد المهملتين-، وهو نوع من بُرود اليمن، يُعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج، وقد فسره المصنف بغير هذا، ومرَّ.
وقوله ﷺ : "ولا تكتحلُ"؛ هو نهي للحادة عن الاكتحال.
وفي "الموطأ" من حديث أم سلمة: الإذنُ فيه بالليل، ومنعُه ومسحُه بالنهار (١).
وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها في الليل، ومنعه بالنهار؛ بيانًا لجوازه عند الحاجة ليلًا، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته، مسحته بالنهار.
فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه غير حرام بالليل؛ للحاجة. وحديث النهي محمول على عدم الحاجة.
وأما حديث التي اشتكت عينها، فنهاها، فهو في "صحيح مسلم" (٢)، وهو محمول على أنه نهي تنزيه، وتأوله بعضهم على أنه ﷺ لم يتحقق الخوفَ على عينها.
وأما قوله ﷺ : "ولا تمسُّ طيبًا إلَّا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةً من قُسْطٍ أَوْ أَظْفارٍ".
النبذة -بضم النون-: القطعة والشيء اليسير.
والقسط؛ بضم القاف، ويقال فيه: كُست -بكاف مضمومة بدل القاف،
стр. 1334
وبتاء بدل من الطاء-: الأظفار، وهو والأظفار: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب (١). وخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة من المحل، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: نهي الحادَّةِ عن لبس المصبوغ للزينة، وفي معناها المعصفرة، وهذان مجمع عليهما، فلو صبغ بسواد، فرخص فيه عروة بن الزبير، ومالك، والشافعي، وكرهه الزهري.
فمن كرهه: علل بكونه مصبوغًا، ومن رخص فيه، وهو الجمهور، قال: لأنه غير مراد للزينة.
ومنها: جواز لبس الثوب العصب للحادة، وهو مذهب الزهريّ، وقال مالك: يجوز الغليظ منه فقط، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين؛ أصحهما عندهم: التحريم مطلقًا، والحديث حجة عليهم.
قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض، وقد يؤخذ من مفهوم الحديث، ومنع بعض متأخري المالكية جيدَ البياض والسواد الذي يتزين به.
قال أصحاب الشافعي: وَيَجُوزُ للحادة لبسُ ما صُبغ، ولا يقصد منه الزينة.
وهل يجوز لها لبس الحرير؟ فيه وجهان؛ أصحهما عندهم: الجواز.
قالوا: ويحرم عليها حلي الذهب والفضة، وكذا اللؤلؤ. وفي وجه: يجوز اللؤلؤ.
ومنها: تحريم الاكتحال على الحادة للزينة.
وقد اختلف العلماء فيه، مع اتفاقهم على تحريمه لغير الحاجة لقصد الزينة.
فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحلٍ لا طيبَ فيه.
стр. 1335
وجوزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب.
ومذهب الشافعي: جوازه ليلًا عند الحاجة بما لا طيب فيه.
ومنها: جواز تطييب محل الحيض للحادة عند انقطاع الدم بالقسط والأظفار؛ لإزالة الرائحة الكريهة، لا لقصد التطيب، وهو من باب الرخص، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إن ابْنَتي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُها، وَقَدِ اشْتكتْ عَيْنُهَا، أفَتكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إنما هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرُ لَيَالٍ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِية تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ".
فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ المَرْأَةُ إذًا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا حَتى تَمُرَّ بها سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّة؛ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بشِيءٍ إلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْد مَا شَاءَتْ مِنْ طِيب أَوْ غَيْرِهِ (١).
الحِفْش: البيت الصغير، وتفتض: تدلك به جسدها.
أما أم سلمة، فتقدم ذكرها، وأما المرأة المبهمة وزوجها، فقد سماهما الحافظ أبو القاسم خلفُ بنُ عبد الملك بن بشكوال في كتابه "الأسماء المبهمة"، وقال: المرأة السائلة للنبي ﷺ : عاتكة بنتُ عبد الله بن نعيم
стр. 1336
العدوي، والمتوفى -رحمه الله تعالى- هو المغيرة المخزومي، كذا في "موطأ ابن وهب" (١).
وقوله: "فقالتْ زينبُ"؛ القائلُ: فقالتْ زينبُ، هو حُميد بن نافع، الراوي عن زينب.
وزينب: هي بنت أبي سلمة، وهي راوية هذا الحديث عن أمها أم سلمة، والله أعلم.
قولها: "وَقَدِ اشتكت عَيْنُها"، ضبطنا عينها -برفع النون ونصبها- عن أبي محمد المنذري وغيره، فالرفع على الفاعلية: بأن تكون العين هي المشتكية، وهو المجزوم به عند شيخنا الحافظ أبي زكريا النووي - رحمه الله تعالى - (٢).
وأما النصب، فعلى أن تكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي ابنة المرأة.
ورجح هذا الحافظُ المنذري -رحمه الله تعالى-، لكنه وقع في بعض روايات مسلم: عيناها، فيقتضي ترجيح الرفع (٣).
قولها: "أفتكحُلُها؟ فقال: لا" أما أفتكحلها: فهو بضم الحاء.
وفي قوله ﷺ : "لا": وجهان؛ أحدهما: أنه منع تنزيه. والثاني: تأويل النهي المذكور على أنه لا يتحقق الخوف على عينها.
وقد ذكرنا في الحديث قبله الجمعَ بين الروايات فيه، واختلافَ العلماء، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "إنما هي أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ"؛ وهو تعليل للمدة، وتهوين للصبر عما مُنعت منه، وهو الاكتحالُ في العدة، بعد أن كانت المدة سنةً.
وقوله ﷺ : "وقَدْ كانَت إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي بالبعرة على رأسِ الحول"؛ قد فسرته زينبُ بنتُ أم سلمة في الحديث، ولم يدرج فيه.
стр. 1337
واختلف العلماء في الإشارة به إلى ماذا؟ فقيل: هو إشارة إلى العدة، كأنها رمت بها بعد انقضائها؛ كرميها بالبعرة المذكورة، وانفصالها منها.
وقيل: هو إشارة فعلها في السَّنة التي كانت تعتدُّ بها، من دخولها الحِفْشَ، ولبسِها شرَّ ثيابها، وصبرِها على ذلك، وعلى ترك الطيب، كأنه يقول: إن تركَ إحداكن الاكتحالَ في مدة أربعة أشهر وعشر، هينٌ بالنسبة إلى حق الزوج وما يستحقُّه من المراعاة، كما يهون الرميُ بالبعرة.
وقولها: "دخلتْ حِفْشًا"؛ الحفش: بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء، وبالشين المعجمة؛ أي: دخلت بيتًا صغيرًا حقيرًا قريبَ السَّمْكِ، وجمعُه أحفاش، والتحفُّش: الانضمامُ والانجماع. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: هو البيت الذليل الشعثُ البناء، القريبُ السمكِ.
وقال مالك -رحمه الله تعالى-: هو الصغير الخرب.
وقيل: والحفش يشبه القفة يُصنع من خوص تجمع فيه المرأة غزلها وسقطَها كالدرج، فشبه به البيت الصغير (١).
وقولها: "ثم تُؤتى بدابَّةٍ؛ حمارِ أو شاةٍ"، هو بدل من دابة.
قولها: "فتفتضُّ به": هو -بفتح التاء ثالث الحروف، وسكون الفاء، وبعدها تاء مثناة فوق، ثم ضاد معجمة-، ومعناه: أن المعتدة كانت لا تغتسل، ولا تمس ماء، ولا تقدم ظفرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدة، بطائر تمسح به قُبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش، هكذا قاله القتيبي: عن الحجازيين فيما سألهم عنه.
وقال غيره: فتموتُ؛ لقبح ريحها وقذارتها، وسمي فعلها ذلك تتفرج به مما
стр. 1338
كانت فيه، وتزيله عنها، أو تزول بذلك من مكانها وحفشها الذي اعتدت فيه.
والفضُّ: التفرق، ومنه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
وقال مالك: تمسح به جلدها كالنشرة. وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه أو على ظهره.
وقيل: هو مشتق من الفضة؛ كأنها تتنظف بما تفعله بذلك مما كانت فيه، وتغتسل بعده، وتتنقى من درنها حتى تفسير كالفضة. والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب للإنقاء وإزالة الوسخ.
قال الأزهري: وروى الشافعي -رحمه الله تعالى- هذه اللفظة بالقاف والباء الموحدة والصاد المهملة. وفسره غيره بأنها: تأخذه بأطراف أصابعها.
وقرأ الحسن: فقبصت قبصة.
وفسره آخر: بأنها تغدو بسرعة نحو منزل أبويها؛ لأنها كالمستحية من قبح منظرها.
وقال الأخفش: معناه: تتنظف، وتتنقى من الدرن؛ تشبيهًا لها بالفضة في نقائها وبياضها (١).
وفي هذا الحديث دليل صريح: على نسخ الاعتداد بسنة المذكور في الآية الثانية من سورة البقرة. ولا شك أن عدة الوفاة كانت في ابتداء الإسلام حولًا، وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكان نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة، ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها، سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها.
стр. 1339
وكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر.
وفيه: السؤال عن العلم من المرأة لغيرها، خصوصًا إذا كانت ممن ليست له عادة في الخروج من البيت، أو كان اللبث في البيت واجبًا عليه.
وفيه: المنع من الاكتحال للحادة مطلقًا، وتقدم الكلام عليه ودليله الجمع بين الأحاديث فيه، واختلاف العلماء في الحديث قبله.
وفيه: تكرير الجواب في الفتوى بلا؛ تأكيدًا للمنع.
وفيه: تخفيف العمل على السائل والمسؤول له بذكر ما كلفه في الجاهلية من المشقة.
وفيه: حصر عدة الوفاة في أربعة أشهر وعشر لغير الحامل؛ حيث لم تذكر حملًا في السؤال، وأطلق الجواب بالحصر بإنما، فلما لم تذكره، دل على أنها كانت غير حامل؛ بدليل بيان حديث سبيعة الأسلمية في الحمل، وانقضاء عدة المتوفى به، والله أعلم.
* * *
стр. 1340
كتاب اللِّعان
اللَّعن والمُلاعَنة والتَّلاعُن: ملاعنةُ الرجل امرأتَه، يقال: تلاعَنا، والْتَعَنا، ولاعنَ القاضي بينهما، وسُمِّي لعانًا؛ لقولِ الزوج: وعليَّ لعنةُ الله إن كنتُ من الكاذبين.
وإنما اختير لفظ اللعن على الغضب، وإن كانا موجودين في الآية الكريمة في صورة اللعان؛ حيث إنه متقدم في التلاعن في الآية عليه، ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانبها؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها، ولأنه قد ينفك لعانه عن لعانها، ولا ينعكس.
وسمي لِعانًا؛ من اللَّعن، وهو: الطرد والإبعاد؛ لأن كلًّا منهما يبعد عن صاحبه، ويحرم النكاح بينهما على التأبيد، بخلاف المطلِّق وغيرِه.
واللعانُ عند جمهور أصحاب الشافعي يمينٌ. وقيل: شهادة. وقيل: يمين فيها ثبوت شهادة. وقيل: عكسه.
قال العلماء: وليس من الأيمان شيء متعدد إلا اللعان والقسامة، ولا يمين في جانب المدعي إلا فيهما، والحكمة لتجويزه: لحفظ الأنساب، ودفع المعرَّة عن الأزواج (١).
стр. 1341
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلاَنٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ! قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]، فَتَلاَهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَأَخْبرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَاب الآخِرَةِ.
قَالَتْ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنةَ اللهِ عَلَيهِ إنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةَ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ، وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنكُمَا تَائِبٌ؟ ثَلاَثًا" (١). وفي لفظ: قال: "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَالي. قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كنتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا" (٢).
اعلم أن قصة اللعان هذه كانت في شعبان سنة تسع من الهجرة. ومن نقل ذلك: القاضي عياض ﵀ عن ابن جرير الطبري، والحافظ أبو حاتم بن حبان البستي قال: سنة تسع من الهجرة (٣). ثم قال: ثم لاعنَ رسولُ الله ﷺ بين
стр. 1342
عُويمر بن الحارث بن عجلان -وهو الذي يقال له: عاصم- وبين امرأته، بعد العصر، في مسجده في شعبان.
قال: وذلك أنه أتى رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله! لو أن أحدنا، وساق الحديث بكماله.
وقد اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات في اللعان، هل هي بسبب عُويمر العجلاني، أو بسبب هِلال بنِ أمية؟ وكل من القولين ثابت في "الصحيح".
لكن: قال جمهور العلماء: إنها نزلت بسبب هلال بن أمية، وقد ثبت التصريح بذلك في "صحيح مسلم"، قال: وكان أولَ رجل لاعنَ في الإسلام.
قال الماوردي في كتابه "الحاوي" من الشافعية: الأكثرون قالوا: قصة هلال بن أمية أسبقُ من قصة العجلاني. قال: والنقل فيهما مشتبه مختلف (١).
وقال ابن الصباغ من الشافعية في كتابه "الشامل" (٢): قصة هلال تبين أن الآية نزلت فيه أولًا.
قال: وأما قوله ﷺ لعويمر: إن الله أنزل فيك وفي صاحبتك، فمعناه ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس.
قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى-: ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعًا؛ فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال باللعان، فيصدق أنها نزلت في ذا وفي ذاك، وأن هلالًا أولُ مَنْ لاعنَ (٣).
واعلم أن الخطيب أبا بكر البغدادي الحافظ -رحمه الله تعالى- قد بين في كتابه "المبهمات" اسمَ الملاعِنِ لهذه المرأة، والذي رُميت به، فقال: الرجلُ الملاعنُ لهذه المرأة: هلالُ بن أميةَ بنِ عامر بن قيسِ بنِ عبدِ الأعلى، شهد
стр. 1343
بدرًا. والرجلُ الذي رُميت به: شريكُ بنُ السحماء، والسحماء أمه، وهي -أيضًا-، أم البراء بن مالك. وأما هو: فشريك بن عبدة بن معتب بن الجد بن عجلان، شهد أبوه بدرًا، ثم روى الخطيب القصة، ثم قال: وقد روينا لعويمر العجلاني قريبًا من هذه القصة في اللعان. وإسناد كل واحدة من القصتين صحيح، فلعل القصتين اتفق كونهما معًا في وقت واحد، أو في ميقاتين، ونزلت آية اللعان في تلك الحال، لا سيما وفي حديث عويمر: كره رسول الله ﷺ المسائل، يدل على أنه كان سبقَ بالمسألة، وأن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك غير مرة.
فهذا يصحح القصتين معًا، مع ما رويناه عن جابر، قال: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال. هذا آخر كلام الخطيب.
وأما المرأة؛ فاسمها خولة بنتُ قيس بن محصن.
وأما عاصم؛ الذي قال ابن حبان: في عويمر الذي يقال له: عاصم، فليس هو، بل هو ابن عمه، وهو عاصم بن عدي، وشريك، وخولة، وعويمر كلهم بنو عم عاصم، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي في كتابه "التعريف مما أبهم في القرآن" (١) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦] نزلت في هلال بن أمية الواقفي، قذف امرأته بشريك بن سحماء.
وقيل: نزلت في عويمر العجلاني، وأنه هو القاذف لامرأته.
والحديث في كل واحد منهم صحيح، فيحتمل أن تكونا قصتين نزل القرآن في إحداهما، وحكم في الأخرى بما حكم في الأولى.
وقال المهلب: إنما الصحيح أنه عويمر بن أبيض العجلاني. ويقال فيه: ابن أشقر.
وذكر هلال في هذا الحديث غلط، والله أعلم. هذا آخر كلامه.
стр. 1344
قوله: "أرأيتَ أَن لو وجدَ أحدُنا امرأتَه على فاحشةٍ"؛ المراد بالفاحشة والفحشاء: الزنا. وكل ما في القرآن العزيز من الفاحشة والفحشاء، فالمراد به الزنا، إلا في موضع واحد، في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فالمراد به: البخل ومنع الزكاة.
قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فهو الزنا، إلا هذا، والله أعلم.
وأما سؤاله: فيحتمل أن يكون سؤالًا عن أمر لم يقع، ويحتمل أنه وقع، لكن أراد إبهامه استحياء من إظهاره، ويتعرف المخرج من إعضاله.
وقول الراوي: "فلما كانَ بعدَ ذلكَ أتاه فقالَ: إن الذي سألتُكَ عنهُ قدِ ابْتُلِيتُ به"؛ يحتمل أن الحكم المسؤول عنه إنما تأخر جوابه ﷺ أولًا عنه؛ ليتبين ضرورة السائل إلى معرفة الحكم عند وقوعه؛ حيث إن الجواب لا يجب عليه بيانه إلا عند الحاجة إليه.
ويحتمل أنه إنما أخره؛ لأنه لم يكن عنده ﷺ علم منه، فتثبَّت في الجواب عنه حتى نزل القرآن، فتلاه عليه؛ لتعريف الحكم، والعمل بمقتضاه، ويكون قوله: قد ابتليتُ به: إخبارًا عما كان وقع وقتَ سؤاله أولًا، والله أعلم.
وأما بدأته ﷺ بوعظه، وتذكيرِه قبلها؛ فتأسيًا بالقرآن العزيز، في ذكر حكم الرجل قبل المرأة في اللعان، فيناسب وعظه وتذكيره قبلها.
ويحتمل أن الوعظ كان عامًّا، وقع الخطاب به لهما متكررًا.
ولا شك أن كلًّا من الرجل والمرأة متعرض للعذاب، لكن عذاب الرجل في الدُّنيا أخف؛ لأن عذابه فيها: حدُّ القذف. وعذاب المرأة فيها أشد؛ لأنه فيها الرجم، والله أعلم.
ثم ظاهر لفظ الحديث والكتاب العزيز يقتضي تعيين لفظ الشهادة في لعانهما ولا تبدل بغيرها، وأُخر لعانُ المرأة عن الرجل؛ حيث إن مقتضاه: درء العذاب عنها، ولا يشرع لها للدرء، إلا بعد وجود سببه، وهو لعان الزوج.
واختصت بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها على تقدير وقوعه؛ لما
стр. 1345
فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق نسب بالزوج لم يكن، وهو أمر عظيم، يترتب عليه مفاسد كثيرة؛ كانتشار المحرمية وثبوت الولاية على الإناث، واستحقاق الأموال بالتوارث، فاختصت به؛ لأنه أشد من اللعنة، وكذلك لو بدلت لفظه باللعنة، لم يكتف به.
وأما عرضُه ﷺ التوبةَ عليهما بقوله: "فهلْ منكُما تائبٌ"؟ يحتمل أنه إرشاد إلى التوبة بينهما وبين الله تعالى؛ حيث لم يحصل اعتراف منهما أو من أحدهما.
ويحتمل أنه إرشاد للزوج؛ حيث إنه لو رجع، وكذب نفسه، كان توبة.
وقوله ﷺ : "لا سبيلَ لكَ عليها" يحتمل أن يكون راجعًا إلى التفرق بعد اللعان؛ لعموم دخوله في عدم السبيل.
ويحتمل أن يكون راجعًا إلى المال.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: كراهة السؤال عما لم يقع، وقد وقع في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ كره المسائل وعابها، وعدمُ جوابه السائلَ في هذا الحديث على الفور يحتمل ذلك؛ من حيث إن القضية لم تقع، ولم يحتج إليها، ولو وقعت، لكان فيها هتك ستر مسلم أو مسلمة، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة على أمر الشرع يستره، مع ما فيه في ذلك الوقت من الشناعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقين، ونحوهم على الكلام في أعراض الْمُسْلِمِينَ وفي الإسلام؛ ولأن من المسائل ما يقتضي جوابه تضييقًا.
وفي الحديث "أعظمُ الناسِ جُرْمًا مَنْ سألَ عَمَّا لم يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ من أجلِ مَسْأَلتِهِ" (١)؛ ولهذا كان من السلف من يكره الحديث في الشيء قبل أن يقع، ويراه من ناحية التكلف.
стр. 1346
وسياق هذا الحديث يقتضي أن جوابه ﷺ للسائل إنما كان بعد وقوع الواقعة، دون ما قبلها، ومن حمل الحديث على احتمال وقوع المسؤول عنه: أخذ منه جواز مثل ذلك، والاستعداد للوقائع بعلم أحكامها قبل أن تقع، وعليه استمر عمل الفقهاء، فيما فرعوه وقرروه من النوازل قبل وقوعها، والله أعلم.
وأما ما كان من المسائل ما تدعو الحاجة إليه لأمر الدين، وقصد بالسؤال عنه التبيين والتعلم؛ فلا بأس به؛ لأنه ﷺ كان يُسأل عن الأحكام، فلا يكره ذلك؛ بحيث لا يكثر السؤال، ولهذا نهى ﷺ عن كثرة السؤال، إما سدًّا لباب سؤال الجهلة والمنافقين وأهل الكتاب، أو لما يخشى منه من التضييق عليهم في الأحكام التي لو سكتوا عنها، لم يلزموها.
ويحتمل أن النهي عن كثرة السؤال؛ لعدم ضبط السائل عما سأل بسببها؛ لأن المقصود إنما هو الضبط والفهم، ومع الكثرة لا يحصل ذلك.
وقد نبه الله على هذا المعنى في حكايته على الكفار في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، فكل ما قل وفُهم كان خيرًا مما كثر ونُسي أو لم يفهم، والله أعلم.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع له خاطر في أمر معضل، ألَّا يتكلم به، وأن يصرفه عن خاطره، فإن استمر ولم ينصرف، أنزله بالله تعالى أولًا، ثم سأل عنه العلماء بالله تعالى وبأحكامه، ولا يبادر بالتكلم به وإبرازه؛ فإن النبي ﷺ أعرض عنه بالسكوت وعدم الجواب.
ومنها: الرجوع إلى الله تعالى، ورسوله في الأمور المعضلة، ولا يجتهد في أحكامها؛ فإن النبي ﷺ لم يجتهد في حكم سؤاله، بل صبر حتى نزل القرآن به.
ومنها: التثبت في أحكام الشرع، ولا يعمل بالاجتهاد فيها حتى يفقد النص، فإذا فقد، عمل بالاجتهاد، ولا يجوز الإقدام على العمل إلا بعد ذلك؛ حيث إن الله تعالى جعل في كل واقعة حكمًا.
стр. 1347
ومنها: وعظ المستفتي والمدعي، وذكرُ الدليل له، وتذكيرُه بالله تعالى، وبالآخرة وعذابها، وتفخيم أمر الآخرة، وكذلك المستفتى عليه والمدعى عليه يعمل به.
ومنها: إجراء الأحكام على الظاهر.
ومنها: عرض التوبة على المذنبين.
ومنها: أن الزوج لو أكذب نفسه، كان توبة؛ لجوابه النبي ﷺ لا والذي بعثك بالحق! ما كذبت عليها، بعد وعظه وتذكيره إياه، وإرشادهما إلى التوبة بعد تلاعنهما، وهي لا تحصل بإكذابه نفسه عند الحاكم، وعند الله بباقي الشروط من الندم والإقلاع وعدم العود إلى الذنب.
ومنها: البداءة بالزوج في اللعان؛ حيث إن الله تعالى بدأ به، ولأنه يسقط عن نفسه حد قذفها، وينفي النسب إن كان.
والبداءة بلعانه؛ مجمَع عليه، ونقله القاضي عياض وغيره، فلو لاعنت المرأة قبله، لم يصح لعانها. وصححه أبو حنيفة وطائفة.
ومنها: أن ألفاظ اللعان هي التي ذكرها الله تعالى ورسوله ﷺ ، وهي مجمع عليها.
ومنها: أن لفظة أحد، يجوز استعمالها في الإثبات، وأنها تقع موقع واحد، وهو مذهب المبرد؛ لقوله ﷺ : "إنَّ أحدَكما كاذبٌ"، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦]، وذلك رد على [من] (١) منع ذلك جميعه، وقال: لا تستعمل إلا في النفي. ومنهم من قال: لا تستعمل إلا في الوصف، ولا تقع موقع واحد؛ فإنها قد وقعت في هذا الحديث في غير نفي ولا وصف، ووقعت موقع واحد.
ومنها: أن الخصمين المتكاذبين، لا يعاقب واحد منهما حدًّا ولا تعزيرًا، وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام.
стр. 1348
ومنها: أن اللعان يكون بحضرة الإمام أو القاضي، وأنه يلاعن بينهما.
ومنها: وقوع الفرقة بينهما بعد لعانهما.
ومنها: أن التفرقة بينهما لا تقع بنفس التلاعن، بل لا بد من تفريق الحاكم بينهما؛ لقوله: ثم فرق بينهما، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، والشافعي، والجمهور: تقع الفرقة بينهما بنفس التلاعن، وتحرم على التأبيد، لكن قال الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده، ولا يتوقف على لعان الزوجة، وقال بعض المالكية: يتوقف على لعانها. قالوا: ولا تفتقر إلى قضاء القاضي؛ لقوله ﷺ في الرواية الأخرى: "لا سبيلَ لكَ عليها"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "ففارقْها"، وقال الليث (١): لا أثر للعان في الفرقة، ولا يقع به فراق أصلًا، وهو مخالف لكافة العلماء.
ثم فرقةُ اللعان فرقةُ فسخ عند كثير من أهل العلم، وهي متأبدة كما ذكرنا، حتى لو أكذب الزوج نفسه قبل ذلك، فيما عليه دون ما له، لزمه الحد، ولحقه الولد، ولكن لا يرتفع تحريم التأبيد.
وعند أبي حنيفة: فرقة اللعان فرقة طلاق، فإذا كذب الزوج نفسه، جاز له أن ينكحها.
ومنها: أن الفرقة لا تقع بلعانهما، إلا بالإيتان بجميع ألفاظه المذكورة في الحديث، ولو أتى ببعضها، لا يتعلق به حكم اللعان، وهو مذهب العلماء كافة.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر كلمات اللعان، قام مقام الكل في تعليق الحكم به.
ومنها: أن اللعان لا يجوز إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فلو كان الزوجان أو أحدهما رقيقًا، أو ذميًّا، أو محدودًا في قذف، فلا لعان بينهما؛ حيث إن اللعان الذي كان بين يدي النبي ﷺ إنما كان بين مسلمين حرين غير
стр. 1349
محدودين، وبه قال الزهري، والأوزاعي، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، لكن ظاهر القرآن حجة لجمهور العلماء في صحة اللعان بين الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة، وجريانه بينهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦]، ولم يفصل بين الحر والعبد، والمحدود وغيره؛ كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣]؛ فإنه يستوي فيه الحر والعبد.
وممن قال بجريان اللعان بين من ذكرنا: سعيدُ بن المسيب، وسليمانُ بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم.
ومنها: ثبوت مهر الملاعنةِ المدخولِ بها.
ومنها: استقرار المهر جميعِه بالدخول، وكل من المسألتين في المهر مجمع عليه؛ لنصه ﷺ على ثبوته، ولتعليله في مهر الملاعنة بقوله ﷺ : "فهو بما استحلَلْتَ من فَرْجِها".
ومنها: أن الملاعنة لو أكذبت نفسها، لا يسقط شيء من مهرها؛ لوجود العلة، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيضًا ﵄: أَن رَجُلًا رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَها رَسُولُ الله ﷺ ، فَتَلاَعَنَا كَمَا قَالَ اللهُ ، ثُمَّ قَضَىَ بِالوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ المُتَلاَعِنَيْنِ (١).
هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ ؛ حيث أضاف ابن عمر الصحابي القضيةَ إلى زمنه ﷺ ، وقضائِه وأمرِه. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وإنما الخلاف فيما يذكره الصحابي مضافًا إليه، أو إلى غيره، وإضافته إلى زمن النبي ﷺ ،
стр. 1350
والصحيح أنه مرفوع، أما ما لم يضفه إلى زمنه ﷺ ، فهو موقوف.
وقوله: "فَتَلاعَنا كما قالَ اللهُ تعالى" دلالة كتاب الله تعالى تقتضي أن يشهد إنه لمن الصادقين، وهو راجع إلى ما لاعنا عليه، وهو مشتمل على نفي الولد، فلا يشعر ذلك بعدم ذكر نفي الولد في اللعان.
وقوله: "وفَرَّقَ بينَ المتلاعِنَيْنِ" يقتضي أن اللعان موجب للفرقة ظاهرًا، وتقدم الاختلاف فيه، وأن التفريق لا يحتاج إلى إذن الحاكم عند الجمهور، وأن أبا حنيفة قال: لا تحصل الفرقة إلا بقضاء القاضي.
وفي الحديث أحكام زائدة على الحديث قبله:
منها: نفي الولد.
ومنها: إلحاقه بالمرأة.
ومنها: أنه يرثها بالبنوة، وتثبت أحكامها بالنسبة إلى المرأة.
ومنها: اقتضاء انقطاع النسب إلى الأب مطلقًا؛ لمفهوم إلحاقه بالمرأة، وعدم ذكر حكم الملاعن فيه في مقام التبيين.
وتردد العلماء فيما لو كانت الملاعنة ثيبًا، هل يحل للملاعن تزوجها؟
ومنها: جواز لعان الحامل.
ومنها: أنه إذا لاعنها، ونفي عنه بسبب الحمل، انتفى عنه.
وأما صفة إرثه من الأم وإرثها منه؛ فإنها ترث ما فرض الله تعالى للأم، وهو الثلث إن لم يكن له ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة أو الأخوات، وإن كان شيء من ذلك، فلها السدس.
وقد أجمع العلماء على حرمان التوارث بينه وبين أمه، وبينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهو وإخوته وأخواته من أمه وجداته من أمه. ثم إذا دفع إلى أمه فرضها، أو إلى أصحاب الفروض، وتبقى شيء، فهو لموالي أمه، إن كان عليها ولاء، ولم يكن هو عليه ولاء، بمباشرة إعتاقه، فإن لم يكن لها موال،
стр. 1351
فهو لبيت المال. هذا تفصيل مذهب الشافعي، وبه قال الزهري، ومالك، وأبو ثور.
وقال الحكم، وحماد: يرثه ورثة أمه.
وقال آخرون: عصبته عصبة أمه، وروي هذا عن علي، وابن مسعود، وأحمد بن حنبل.
قال أحمد: فإن انفردت الأم، أخذت جميع ماله بالعصوبة.
وبه قال أبو حنيفة: إذا انفردت، أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض، والباقي بالرد؛ على قاعدة مذهبه في إثبات الرد، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ إِبِلٌ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ "، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأنَّى أتاهَا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: عَسَى أَن يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ" (١).
أما الرجل المبهم الذي أتى النبيَّ ﷺ وقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فاسمه ضمضم بن قتادة، قال ابن بشكوال: ذكره عبد الغني، والله أعلم (٢).
وأما امرأته والغلام الأسود؛ فلا أعرف اسميهما، والله أعلم.
وأما الأورق: فهو الذي فيه سواد ليس بِصافٍ، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة: ورقاء، وجمعه وُرْق -بضم الواو وإسكان الراء-؛ كأحمر وحمر (٣).
стр. 1352
والمراد بالعرق هنا: الأصل من النسب، تشبيهًا بعرق التمر.
ومنه قولهم: فلان مُعْرِق في الحسب والنسب، وفي اللؤم، والكرم.
ومعنى نزعه: أشبهه واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع: الجذب، فكأنه جذبه إليه؛ لشبهه. يقال منه: نزع الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونزعه أبوه، ونزعه إليه (١).
وفي الحديث أحكام:
منها: التعريض بنفي الولد في محل الاستفتاء والضرورة لا توجب حدًّا ولا تعزيرًا؛ حيث إن الضرورة داعية إلى ذكره، وإلى عدم ترتيبهما على المستفتين.
ومنها: أن الولد يلحق بأبيه، وإن خالف لونه لونه، سواء كانت المخالفة من سواد إلى بياض، أو عكسه، في الزوجين، أو أحدهما؛ لعموم احتمال أنه نزعه عرق من أسلافه.
ومنها: الاحتياط للأنساب وإلحاقها بمجرد الإمكان والاحتمال.
ومنها: إثبات القياس والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال؛ فإن النبي ﷺ حصل منه التشبيه لولد هذا الرجل المخالف للونه، بولد الإبل، المخالف لألوانها، وذكر العلة الجامعة، وهي نزوع العرق، لا أنه تشبيه في أمر وجودي، وأقر ﷺ العمل به في الشرعيات.
ومنها: استفسار المفتى من المستفتي ما يقرب به الحكم الشرعي إلى ذهنه؛ بحيث يدفع عنه الشك والريبة فيما سأل عنه، وهذا معنى قولهم: تعليل المقدمات مطلوب للشارع.
ولهذا المعنى امتن وامتدح النبي ﷺ بأنه اختصر له الكلام اختصارًا؛ تنبيهًا على تحصيل المعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة العذبة.
стр. 1353
حتى إنه ﷺ جعل عي اللسان لا عي القلب من الإيمان، وجعل عكسه من النفاق، أما عيُّهما، فإنه من البيان الذي امتن الله تعالى به، ولهذا قال ﷺ : "البيانُ منَ الله، والعيُّ من الشيطان، ليسَ البيانُ كثرةَ الكلام، ولكنَّ البيانَ الفصلُ في الحق، وليسَ العيُّ قلةَ الكلام، ولكن من سفه الحق" حديث صحيح، أخرجه ابن حبان عن أحمد بن عمير بن يوسف، يعني: ابن حوصا، قال: وكان أحفظ من رأيت بالشام، عن موسى بن سهل الرملي، عن عتبة بن السكن، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره (١)، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ ابْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصِ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابنُهُ، انْظُرْ إلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ! وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ"، فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ (٢).
تقدم الكلام على سَوْدة وسعد.
وأما عبد بن زمعة: فهو قرشيٌّ عامريٌّ؛ وأبوه زمعة -بإسكان الميم، وهو الأكثر، وبفتحها- بنُ قيس بن عبد شمس بن عبد ود بنِ نضرِ بنِ مالكِ بنِ حسل بن عامر بن لؤيِّ بن غالب.
стр. 1354
كان عبدٌ شريفًا سيدًا من سادات الصحابة، وهو أخو سودةَ زوجِ النبي ﷺ لأبيها، وأخوه لأبيه: عبدُ الرحمن بن زمعة بن وليدة أبيه زمعة المبهم في هذا الحديث، وأخوه لأمه: قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف (١).
وأما سودة بنت زمعة: فهي أخت عبدٍ لأبيه؛ تزوجها رسول الله ﷺ بعد موت خديجة. كنيتها: أم الأسود، وهي أم المؤمنين.
واختلفوا هل تزوجها قبل العقد على عائشة أو بعده؟ والأكثرون على أنه تزوجها قبله، وكانت قبلُ تحت ابن عم لها كان مسلمًا يقال له: السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي.
وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وأسنت عند رسول الله ﷺ ، فهمَّ بطلاقها، فقالت له: لا تطلقني، وأنت في حلٍّ من شأني، فإنما أريد أن أُحشر في أزواجك؛ فإني قد وهبتُ يومي لعائشة، وإني لا أريد ما تريدُ النساء، فأمسكها رسول الله ﷺ حتى توفي عنها مع سائر من تُوفي عنهن من أزواجه.
وفي سودة نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨].
وعن عائشة ﵂ قالت: ما منَ الناس أحدٌ أحبَّ إلي أن أكون في مِسْلاخِه من سودةَ بنتِ زمعة، إلا أن بها حِدَّة (٢).
أسلمت سودة قديمًا، وبايعت رسول الله ﷺ ، وأسلم زوجها السكران، وخرجا جميعًا مهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وتزوجها رسول الله ﷺ في رمضان سنة عشر من النبوة، ودخل بها بمكة.
وقال أبو عمر النمري: قال أحمد بن زهير: توفيت سودة بنت زمعة في آخر زمن عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 1355
وقال الواقدي: ماتت في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة، في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وذكرها بقي بن مخلد فيمن روى خمسة أحاديث.
روى لها البخاري حديثًا واحدًا. وروى عنها عبد الله بن عباس ﵄. وروى لها أبو داود والنسائي (١).
وأما تخاصم سعد وعبد؛ فقال القاضي عياض ﵀: كانت عادة الجاهلية إلحاقَ النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإماء للزنا، فمن اعترفت أنه له، ألحقوه به، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وبإلحاق الولد بالفراش الشرعي.
فلما تخاصم عبد بن زمعة، وسعد بن أبي وقاص، وقام سعد بما عهد إليه أخوه عتبة، من سيرة الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأم لم تعترف به لعتبة. واحتج عبد بن زمعة: أنه ولد على فراش أبيه، فحكم له به النبي ﷺ . هذا آخر كلام القاضي (٢).
واعلم أن حديث عبد بن زمعة محمول على ثبوت مصير أمة أبيه زمعة أبيه فراشًا له؛ لإثباته ﷺ الفراش، إما بعلمه ﷺ ذلك، وإما ببينة على إقرار عتبة بن أبي وقاص بذلك في حياته.
وقوله ﷺ : "هو لكَ يا عبدُ بنَ زمعةَ"، الصفة إذا كانت لاسم علم منادى، جاز فيها الرفع والنصب، فالرفعُ على النعت، والنصب على الموضع. فيجوز في [ابن] زمعة: الوجهان.
والمراد بقوله: "هو لكَ"؛ الأخ؛ أي: بطريق الأخوة، لا الملك. ومعناه:
стр. 1356
بالطريق الذي ادعيت به، وهو كونه ولد على فراش أبيه من وليدته، ونحو ذلك.
"الولدُ للفِراشِ"؛ أي: تابعٌ أو محكومٌ به للفِراش.
وقوله ﷺ : "وللعاهر الحجر"؛ العاهر: الزاني. وعهر: زنى، وعهرت: زنت.
ومعنى له الحجر: له الخيبة، ولا حقَّ له في الولد. وعادة العرب أن تقول: له الحجر، وبفيه الأثلب، وهو التراب؛ كما جاء في الحديث: "وإن جاءَ يطلبُ ثمنَ الكلب، فاملأْ كفيه ترابًا" (١) تعبيرًا بذلك عن خيبته وعدم استحقاقه لثمن الكلب.
وإنما لم يُجروا اللفظ على ظاهره، ويجعلوا الحجر -هاهنا- عبارة عن الرجم المستحق في حق الزاني؛ لأنه ليس كل عاهر يستحق الرجم، وإنما يستحقه المحصن، فلا يجرى لفظ العاهر على ظاهره في العموم. فإذا حملناه على الخيبة، كان عامًّا في حق كل زان، والأصل العملُ بالعموم فيما تقتضيه صيغته، كيف والحديثُ إنما ورد في نفي الولد عنه، لا في رجمه، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: إلحاق الولد بالفراض، سواء كان الفراش بطريق الزوجية، أو الملكية؛ فإن الولد يلحق بصاحب الفراش بشرط إمكانه منه، ويجري بينهما التوارث، وغيره من الأحكام، سواء كان موافقًا له في الشبه، أم مخالفًا، ومدة الإمكان ستة أشهر من حين أمكن اجتماعهما، فالزوجة تصير فراشًا بالعقد، بالإجماع، وإلحاق الولد بصاحبه مشروط بإمكان الوطء بعد ثبوت الفراض، عند كافة العلماء، إلا أبا حنيفة؛ فإنه اكتفى بمجرد العقد. قال: حتى لو طلق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد، لحقه الولد.
стр. 1357
وقال مالك، والشافعي، وجمهور العلماء: لو نكح المغربي مشرقية، ولم يفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان كونه منه.
قالوا: وما قاله أبو حنيفة ضعيفٌ ظاهرُ الفساد؛ لأنه خرج على الغالب في إطلاق الحديث، وهو حصول الإمكان بالوطء، لا وجود سبب الإمكان، وهو العقد، هذا حكم الزوجة.
وأما الأَمة، فتصير فراشًا بالوطء، لا بمجرد الملك، حتى لو بقيت في ملكه سنين، وأتت باولاد، ولم يطأها، ولم يقر بوطئها، لا يلحقه أحدٌ منهم، فإذا وطئها، صارت فراشًا، فإذا أتت بعدَ الوطء بولد، أو أولاد لمدة الإمكان؛ لحقوه. وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشًا إلا إذا ولدت ولدًا، واستلحقه، فما تأتي به بعد ذلك، يلحقه، إلا أن ينفيه. قال: لأنها لو صارت فراشًا بالوطء، لصارت بعقد الملك كالزوجة.
قال أصحاب الشافعي: والفرق بين الزوجة والأمة: أن الزوجة تراد للوطء خاصة، فجعل الشرع العقد عليها كالوطء، لما كان هو المقصود، بخلاف الأمة؛ فإنها تراد لملك الرقبة وأنواع المنافع غير الوطء.
ولهذا يجوز أن يملك أختين وأمها وبنتها، ولا يجوز جمعهما بعقد النكاح، فلم تصر الأمة بنفس العقد عليها فراشًا، فإذا حصل الوطء، صارت كالحرة، فصارت فراشًا، والله أعلم.
ومنها: استدلال بعض المالكية به على قاعدة من قواعد أصول مذهبهم، وهو الحكم بين حكمين، بأن يكون فرع قد أخذ مشابهة من أصول متعددة؛ فتعطى أحكامًا مختلفة، ولا تمحص لأحد الأصول، وبيانه من الحديث: أن الفراش مقتض لإلحاق الولد بزمعة، والشبه البين مقتضٍ لإلحاقه بعتبة، فأعطى النسب حكمه لمقتضى الفراش، وألحق بزمعة، وروعي أمر الشبه بأمر سودة
стр. 1358
بالاحتجاب منه، فأعطى الفرع حكمًا بين حكمين، ولم يمحص أمر الفراش، فثبتت المحرمية بينه وبين سودة، ولم يراع أمر الشبه مطلقًا، فيلحق بعتبة.
قالوا: وهذا أَولى التقديرات؛ فإن الفرع إذا كان بين أصلين، فألحق بأحدهما مطلقًا، فقد أبطل شبهه الثاني من كل وجه. وكذلك إذا فعل بالثاني، ومحض إلحاقه به، كان إبطالًا لحكم شبهه بالأول، فإذا ألحق بكل واحد منهما من وجه، كان أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه.
قال شيخنا العلامة أبو الفتح -رحمه الله تعالى-: ويعترض على هذا بأن صورة النزاع ما إذا ذكر الفرع بين أصلين شرعيين يقتضي الشرع إلحاقه بكل واحد منهما؛ من حيث النظر إليه، وها هنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش (١).
والشبه هاهنا غيرُ مقتض للإلحاق شرعًا، فيحمل قوله ﷺ : "احْتَجِبي مِنْهُ يا سَوْدَةُ" على سبيل الاحتياط والإرشاد لمصلحة وجودية، لا على سبيل بيان وجوب حكم شرعي. ويؤكده أنه لو وجدنا شبهًا في ولد بغير صاحب الفراش، لم يثبت لذلك حكمًا. وليس في الاحتجاب هاهنا إلا ترك أمر مباح على تقدير ثبوت المحرمية، وهو قريب.
ومنها: جواز استلحاق النسب بشروط:
أحدها: أن يكون المستلحق حائزًا للإرث، أو كل الورثة.
الثاني: إمكان كون الولد المستلحق من الميت.
الثالث: ألَّا يكون معروف النسب من غيره.
الرابع: تصديق الولد المستلحق إن كان بالغًا عاقلًا.
وكل هذه الشروط موجودة في الولد المختصَم فيه، وقد ألحقه ﷺ بزمعةَ حين استلحقه ابنه عبد، وحينئذ إما أن يكون عبدًا تفرد بإرثه؛ لكون زمعة مات
стр. 1359
كافرًا، وكانت سودة حين موته مسلمة، أو يكون استلحقه عبد، ووافقته سودة في استلحاقه، حتى يكون كل الورثة مستلحقين.
وبجواز استلحاق النسب قال الشافعي وموافقوه، وبمنعه قال مالك وموافقوه.
ومنها: استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع، والأمر به للاحتياط؛ فإنه ﷺ أمرها بالاحتجاب من ولد أبيها الذي حكم بإلحاقه به لما رأى الشبه البين بعتبة بن أبي وقاص، وخشي أن يكون من مائه، ويكون أجنبيًّا منها باطنًا، فحكم بظاهر الشرع في إلحاق النسب، وبالورع في الاحتجاب.
وزعم بعض الحنفية أن أمرها بالاحتجاب منه، حيث جاء في رواية "واحتجبي منه؛ فإنه ليسَ بأخٍ لكِ"، وهي رواية باطلة مردودة (١).
بل الثابت: الأمرُ بالاحتجاب دون التعليل بأنه ليس بأخ لكِ، والله أعلم.
ومنها: أن الشبه وحكم القافة لا يجوز استعماله والعمل به، إلا عند عدم ما هو أقوى منه؛ فإن النبي ﷺ لم يرجع إليه، والعمل بحكم القافة مع وجود حكم الفراش؛ إلا لكونه أقوى منه، ولذلك لم يحكم بالشبه في قصة المتلاعنين، مع أنه جاء على الشبه المكروه.
ومنها: أن حكم الحاكم بالظاهر لا يحل الأمر في الباطن عما هو عليه، وإذا حكم بشهادة شاهدي زور، أو نحو ذلك من الأسباب الظاهرة، لم يحل المحكوم به للمحكوم له؛ حيث إنه ﷺ حكم به لعبد بن زمعة، وأنه أخ لسودة، واحتمل بسبب الشبه أن يكون من عتبة.
فلو كان الحكم يحيل الباطن، لما أمرها بالاحتجاب.
واحتج بعض الحنفية وموافقيهم بهذا الحديث على أن الوطء بالزنا (٢) له حكم الوطء بالنكاح، في حرمة المصاهرة، وبذلك قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد.
стр. 1360
وقال مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها. بل زاد الشافعي: يجوز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنا؛ نظرًا إلى حكم الشرع في إثبات ذلك ونفيه، لا إلى الأمر الصوري فيه.
قالوا: ووجه الاحتجاج به من الحديث: أن سودة أُمرت بالاحتجاب، وهو احتجاج باطل، وعجب ممن ذكره؛ فإنه على تقدير كونه من الزنا، يكون أجنبيًّا من سودة لا يحل الظهور له، سواء لحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له بالمسألة المذكورة، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَنَّها قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ وأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِن بَعْضٍ؟! " (١). وفي لفظ: "كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا" (٢).
أما أسامة وأبو أسامة، فتقدم ذكرهما.
وأما مجزز: فبميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم زاي مشددة مكسورة، ثم زاي أخرى، هذا هو الصحيح المشهور في ضبطه.
وحكى القاضي عياض عن الدارقطني وعبد الغني: أنهما حكيا عن ابن جريج: أنه بفتح الزاي الأولى، وعن ابن عبد البر، وأبي علي الغساني: أن ابن جريج قال: إنه مُحْرِز -بإسكان الحاء المهملة، وبعدها راء-.
стр. 1361
والصواب الأول، وهو مجزز المدلجي القائف، من بني مدلج، وكانت القِيَافَةُ فيهم، وفي بني أسد، تعترف لهم العرب بذلك (١).
وكانت الجاهلية تقدح في نسب أسامة؛ لكونه أسودَ شديدَ السواد، وكان زيدٌ أبيضَ، كذا قاله أبو داود عن أحمد بن صالح، وقال غير أحمد بن صالح: كان زيدٌ أزهرَ اللون.
قال النمري: كان أسامة وأبوهُ زيدٌ نائمين في المسجد قد تغطَّيا، ولم يبدُ منهما غيرُ أقدامهما، ولم تُرَ وجوهُهما، فقال: إن هذه الأقدامَ بعضُها من بعض، فاستحسن رسول الله ﷺ قولَه، ودخل على عائشة ﵂ مسرورًا.
قال مصعب الزبيري: إنما سمي مجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا، جَزَّ ناصيتَه، ولم يكن اسمه مجززًا (٢).
قال المازري: لما قضى مجزز إلحاق نسبه مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية تعتمد قول القائف، فرح النبي ﷺ ؛ لكونه زاجرًا لهم عن الطعن في النسب.
وأم أسامة: هي أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء، وهي بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، والله أعلم.
قولها "تَبْرُقُ" -بفتح التاء، وضم الراء-؛ أي: تضيء وتستنير من السرور والفرح.
والأَساريرُ: هي الخطوط التي في الجبهة، واحدُها سرير، وسِرَر، وجمعه أسرار، وجمع الجمع أسارير، وقال الأصمعي: الخطوط التي تكون في الكف مثلها (٣).
стр. 1362
وقوله ﷺ : "نَظَرَ آنِفًا"؛ أي: قريبًا، وهو بمد الهمزة على المشهور، ويجوز قصرها، وقرئ بهما في السبع، وقد تركَ في هذه الرواية ذكرَ تغطية أسامة وزيد رؤوسهما وظهور أقدامهما، وهي زيادة مفيدة؛ لما فيها من الدلالة على صدق القيافة.
وكان يقال: من علوم العرب ثلاثة: السيافة والعيافة والقيافة.
فأما السيافة، فهي شَمُّ تراب الأرض؛ ليعلم بها الاستقامة على الطريق، أو الخروج منها.
قال المعري:
أَوْدَى فليتَ الحادثاتِ كفافِ .... مالُ المُسِيفِ وعَنْبرُ المُسْتَافِ (١)
المستفاف: هو القاص.
وأما العيافة: فهو زجر الطير، والتفاؤل بها، وما قارب ذلك.
وأما السانح والبارح: في الوحش.
وفي الحديث: "العافية والطِّيَرَةُ والطرقُ مِنَ الجِبْتِ".
وأما القيافة: فهي ما نحن فيه، وهو اعتبار الأشباه بإلحاق الأنساب.
وفي الحديث دليل على العمل بالقيافة.
يقول القائف بالشبه في إلحاق الولد باحد الرجلين، ولا يكون ذلك إلا فيما أشكل من واطئين محترمين؛ كالمشترى والبائع، يطأان الجارية المبيعة في طهر، قبل الاستبراء من الأول، فتأتي بولد لستة أشهر فصاعدًا من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من وطء الأول، وأثبت العمل بها: الشافعي، وفقهاء الحجاز، وجماهير العلماء، ونفاه أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وإسحق.
والمشهور عن مالك: إثباته في الإماء، ونفيه في الحرائر، وفي رواية عنه: إثباته فيهما.
стр. 1363
ووجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ سُرَّ بذلك، ولكون في أمته من يميز الأنساب عند الاشتباه.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ولا يسر ﷺ بباطل.
واعتذر أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- ومن قال بقوله عن الحديث: بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه، ولا هو وارد في محل النزاع؛ فإن أسامة كان لاحقًا بفراش زيد من غير منازع له فيه، وإنما كان الْكُفَّارُ يطعنون في نسبه؛ للتباين بين لونه ولون أبيه في السواد والبياض، فلما غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، وألحق مجزز أسامةَ بزيد، كان ذلك إبطالًا لقول الْكُفَّار بسبب اعترافهم بحكم القيافة، وإبطال طعنهم في حقٍّ لم يثبته النبي ﷺ إلا بحق، والأولون يجيبون بأنه، وإن كان ذلك واردًا في صورة خاصة، إلا أن له جهة عامة، وهي دلالة الأشباه على الأنساب، فنأخذ هذه الجهة من الحديث، ونعمل بها.
وهذا معنى قول أصحاب أصول الفقه: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
واتفق القائلون بالعمل بالقائف على اشتراط عدالته، واختلف أصحاب الشافعي في اشتراط العدد فيه، أم يكفي قول واحد من غير عدد؟ والراجح عندهم: الاكتفاء بواحد، وكأنهم يلتفتون إلى أن القيافة منزلة منزلة الحكم أم الشهادة؟ فإن كان حكمًا، اكتفي بواحد؛ وإن كان شهادة، فلا بد من اثنين.
وأما اكتفاء النبي ﷺ بمجزز في ذلك منفردًا يدل للراجح، وأنه قائم مقام الحكم لا الشهادة، والله أعلم.
وقال مالك: لا بد فيها من اثنين، وبالراجح قال ابن القاسم من المالكية.
واختلف أصحاب الشافعي في اختصاص القيافة ببني مدلج، والأصح: عندهم الاختصاص.
واتفق العلماء القائلون بها على أنه يشترط خبيرًا بها مجربًا، ثم إذا رجعنا إلى قوله، فألحقه بأحدهما، لحق به، فإن أشكل عليه، أو نفاه عنهما، ترك الولد
стр. 1364
حتى يبلغ، فينتسب إلى من تميل إليه نفسه منهما، وإن ألحقه بهما، فمذهب عمر بن الخطاب، ومالك، والشافعي: أنه يترك حتى يبلغ، فينتسب إلى من يميل إليه منهما، وقال أبو ثور، وسحنون: يكون ابنًا لهما. وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة المالكيان: يلحق بأكثرهما له شبهًا. قال ابن مسلمة: إلا أن يُعلم الأول، فيلحق به.
واختلف النافون للقائف في الولد المتنازَع فيه، فقال أبو حنيفة: يلحق بالرجلين المتنازِعين فيه، ولو تنازع فيه امرأتان، لحق بهما، وقال أبو يوسف، ومحمد: يلحق بالرجلين، ولا يلحق إلا بامرأة واحدة، وقال إسحاق: يقرع بينهم، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ العَزْلُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ "، ولم يَقُلْ: فَلا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؛ "فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَّا اللهُ خَالِقُهَا" (١).
اعلم أن العزلُ أن يُجامِعَ، فَإِذَا قَارَبَ الإِنْزَالَ، نَزَعَ، وأَنْزَلَ خَارِجَ الفَرْجِ، وتَتَأَذَّى المَرْأَةَ بِهِ.
والحكمة في إنكار فعله؛ كونه قطع للنسل، ويلزم من فعله الأذى المتعدي إلى مَنْ أُمرنا بعشرته بالمعروف، وفعلُ الأذى ليس بمعروف.
وقد سماه رسول الله ﷺ : الوَأْدَ الخَفِيَّ؛ حيث إنه قطع طريق الولادة، كما يقتل المولود بالوأد.
وقوله ﷺ : "فَإنهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللهُ خالِقُها"؛ معناه: أن ترك العزل
стр. 1365
ليس فيه ضرر كما يتوهمون من عدم إرادة الولد؛ فإن الله تعالى قدر خلقه، سواء عزلتم أم لا، وما لم يقدر الله خلقه، لم يقع، سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم، سواء قطع النسل، أو إيصال الأذى إلى غير محله؛ فإن الله تعالى إذا قدر شيئًا، هيأ أسبابه، فإذا قدر خلق نفس، سبقكم الماء إلى محله، فلم ينفع حرصكم في منع الخلق اللازم عنه قصد الإيذاء، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: دليل على منع العزل مطلقًا، أما التحريم، فلم يقل به أحد، إلا في صورة على وجه لبعض أصحاب الشافعي، وهو العزل عن الحرة بغير إذنها؛ فإن فيه وجهين: الأصح: عدم التحريم، وللسلف خلاف؛ كنحو ذلك، وإن أذنت، لم يحرم؛ لأنه إذا جاز ترك أصل وطئها بغير رضاها، فلأن يجوز العزلُ برضاها أولى. ولو كانت أمة، لم يحرم، بلا خلاف.
أما في المملوكة: فلما عليه من الضرر [في التعريض] (١) من إتلاف ماليتها بالإنزال في صيرورتها أم ولد، وامتناع بيعها عليه.
وأما في الزوجة الرقيقة، فيضمن ولده رقيقًا تبعًا لأمه.
لكن اختلف العلماء في الأحاديث الواردة في النهي عنه، هل هي محمولة على كراهة التنزيه، دون الحمل على أصل النهي، مع الإباحة جمعًا؛ بين أحاديث النهي والإذن؟
ولا شك أن ذلك يرجع إلى أصل، وهو أن الحق في وجود الولد هل يرجع إلى الواطئ والموطوءة مع عدم معارض له شرعي؛ أو يرجع إلى الله تعالى؟
فإن عللنا بأنه حق لهما، فإذا لم تأذن الحرة، امتنع.
وإن عللناه بأنه حق لله تعالى، فينبغي أن يمتنع أيضًا.
لكن حق الله تعالى في ذلك لا يعرف إلا بطريق الشرع من طلب الولد ومنعه.
وقد وردت أحاديث في الصحيح في طلبه ومنعه، وهي محمولة على طلبه، لحظ ديني أو دنيوي.
стр. 1366
فإن الولد الذكر موصوف هو والمال بأنهما زينة الحياة الدنيا، وبأنهما زُين حبُّهما للناس في القرآن العزيز في سياق التنفير منهما لطلب ما هو أولى منهما.
فإن عارض ذلك في طلبهما مقصد صالح، هل يرجح على ذلك؟ فيه نظر، فإن لم يعارضه مقصد صالح، فينبغي المنع من طلبه، والإذن في تعاطي أسبابه، مع اعتقاد نفوذ قضاء الله تعالى وقدره في كل شيء، والله أعلم.
واعلم أن الوطء بطريقه الشرعي مجردًا عن قصد ولد، قد يكون عبادة لقصد غض البصر، وكسر الشهوة لهما. وقد يكون مجرد شهوة، فهو مباح شرعًا، لكنه موصوف بأنه عمل بهيمي، ولهذا قالوا: الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نية.
لكن ظاهر السنة يقتضي أن الوطء في الفرج الحلال بمجرده مأجور عليه؛ بسؤال الصحابة ﵃؛ حيث قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتُمْ لو وضعَها في حَرامٍ، أكانَ عليهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذا وَضَعَها في الحَلالِ كانَ لَهُ أَجْرٌ" (١).
فرتب ﷺ الأجرَ والوزرَ على مجرد الوضع، من غير قصدِ شيءٍ آخر، فيكون فعلهُ بمجرده في محله نية، والله أعلم.
وفيه: إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو قول أكثر الفقهاء.
وفيه: إشارة إلى أنه لا حكم قبل وجود وقوع الشرع، وهو قول أكثر العلماء.
وفيه: إرشاد إلى الإيمان بالقدر، وسكون النفس إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 1367
الحديث السابع
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ (١).
هذا الحديث: دليل لقاعدة عظيمة، نبه عليها جابر ﵁، وهي أنه إذا حدث أمر في حياة الرسول ﷺ ، وعلمه الرسول ﷺ ، أو لم يعلمه، فإنه يجوز فعله؛ حيث إن الله تعالى لم ينزل فيه شيئًا، وأقره. لكن علم الصحابة بالنزول لا يعلم إلا من جهة الرسول ﷺ .
ولهذا استغرب استدلال جابر جواز العزل مطلقًا بتقرير الله تعالى دون الرسول ﷺ ، لكنه لما كان علم النزول وعدمه لازمًا لعلمه ﷺ ، لم يبق فيه غرابة.
وقد أنزل الله تعالى حكم المجادلة لزوجها، وأخبر أنه سمع مجادلتها في زوجها، إلى غيرها من الوقائع.
وذلك جميعه دليل لما قاله جابر ﵁؛ فإنه يقتضي الاستدلال بتقرير الله تعالى اللازم علمه عن الرسول ﷺ ، ولهذا كان تقرير الله تعالى بالنسبة إلينا مشروطًا عند العلماء بتقريره ﷺ ، والكتاب العزيز دال على ذلك في التبيين، والتقييد، والنسخ، وغير ذلك، والله أعلم.
وفي الحديث: دليل بمجرده على جواز العزل مطلقًا، فلعل جابرًا ﵁ لم يعلم بأحاديث النهي والإذن، وأخبر عما علمه هو، وأخبر عما كان قبلها.
وفيه دليل: لما كانت الصحابة ﵃ عليه من التمسك بكتاب الله تعالى في كل شيء، حتى في العزل عن النساء؛ حيث علموا أن الله تعالى ورسوله ﷺ حث عليه؛ وعلى استخراج الأحكام منه، والله أعلم.
стр. 1368
الحديث الثامن
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَر، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلكَ، إلا حَارَ عَلَيْهِ" (١).
كذا عند مسلم والبخاري، [وورد عن الترمذي نحوه] (٢).
تقدم الكلام على أبي ذر.
وأما قوله ﷺ : "ليسَ من رجلٍ ادَّعى لغيرِ أبيهِ وهو يعلمُه إلَّا كفرَ"؛ أما "من": فهي زائدة في المعنى، والتقييد بالرجل: خرج مخرج الغالب، وإلا فالمرأة كذلك. ولا شك أن الانتفاء من النسب المعروف والاعتزاء إلى نسب غيره كبيرة؛ لما يتعلق به من المفاسد العظيمة. وقد تقدم ذكر بعضها قريبًا.
وشرطه ﷺ : العلم؛ لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع إخلال في النسب في الباطن من جهة النساء، فلا يشعر به. فشرط العلم لذلك؛ حيث إن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء، والكفر هنا متروك الظاهر عند الجمهور، فيحتاجون إلى تأويله، وقد يؤوَّل بكفر الإحسان والنعمة، أو بأنه قاربَ الكفر؛ لعظم الذنب فيه؛ تسميةً للشيء باسم ما قاربه، أو يقال بتأويله على فاعل ذلك مستحلًا له.
وقوله ﷺ : "ومَنِ ادَّعى ما ليسَ له": يدخل فيه الدعاوى الباطلة كلُّها من المال والعلم والنسب وغير ذلك.
وقد نفى ﷺ عنه ذلك بأنه ليس منا، وجعل الوعيد عليه بالنار؛ لأنه ﷺ لما
стр. 1369
قال: "فليتبوأْ مقعدَه من النَّار"، اقتضى ذلك تعيينَ دخوله النَّار.
ويدخل تحته أيضًا: ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوى؛ من نصب مسخر يدعي في بعض الصور، حفظًا لتمام الدعوى.
والجواب: وهذا المسخر يدعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ ذلك من المنصوصات في الشرع حتى يختص بها هذا العموم.
والمقصود في القضاء: إيصال الحق إلى مستحقه.
فالحرام هذه المراسيم الحكيمة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخولِ تحت الوعيد العظيم الذي دل عليه.
ولا شك أن قوله ﷺ : "فليسَ مِنَّا" أخفُّ مما مضى من الادعاء إلى غير أبيه؛ فإنه أخف مفسدة، إذا كانت الدعوى بالمال مثلًا، فإنه ليس فيه أكثر من الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلًا، يدخل تحته -أيضًا- الدعاوي الباطلة في المعلوم، خصوصًا إذا ترتب عليها مفاسد.
وقد تأوله بعض المتقدمين على أنه معناه: ليس مثلنا، أو على هدينا؛ فرارًا من القول بكفره.
ومنهم من قال: إبهام معناه أولى من تأويله؛ حيث إنه أبلغ في الزجر عن الأمر المخرج له عنه ﷺ .
وهذا كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا أو أعمالًا: لست مني.
وكأنه من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته؛ فإن المقصود المطلوب أن يكون الابن مساويًا للأب فيما يريده من الأخلاق الحميدة، فلما انتفت هذه الثمرة، انتفت البنوة مبالغة.
وقوله ﷺ : "ومَنْ دَعا رَجُلًا بِالكفرِ، أو قالَ عَدُوَّ اللهِ، وليسَ كذلكَ، إلا حارَ عليهِ".
стр. 1370
ويجوز في "عدو الله": الرفعُ والنصب، ورجحوا النصبَ على النداء.
تقديره: يا عدو الله، والرفع: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عدوُّ الله.
وفي "إلا" وجهان:
أحدهما: أنها واقعة على المعنى؛ أي: ما يدعوه أحد إلا حار عليه.
والثاني: على اللفظ في قوله "ليسَ من رجل".
و"حار عليه" هو بالحاء المهملة؛ أي: رجع عليه الكفر، وحار ورجع بمعنى واحد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]؛ أي: يرجع حيًّا.
وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة مما ذكرنا.
وهذا الوعيد لاحقٌ بهم، إذا لم يكن خصومُهم كذلك.
وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى صنف بعضهم فيه كتابًا مفردًا، ولا شك أن ذلك راجع إلى قاعدة كبيرة وهي: أن لازم الشيء الذهني اللاحقي ليس بلازم، ويسمى هذا عندهم: القول بالمآل، وهو أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟
والذي نعتقده، وقال به أكثر العلماء، وهو الراجح عند المحققين: إنه ليس بمذهب، وهذا الذي يسميه أهل الكلام: المعنى الساذج؛ يعني: المقتصر على مجرد معناه المطابق له من غير إلزام، وأما اللازم السابقي، وهو المسمى بالتضمن، فهو لازم قطعًا.
إذا عرف هذا، فاعلم أن كلًّا منهم في العقائد يقال: هي إثبات مطلق في مقابلة نفي مطلق.
فيلزم أهل النفي المطلق أهل الإثبات المطلق الذي يفهمونه على وفق