فإن الولد الذكر موصوف هو والمال بأنهما زينة الحياة الدنيا، وبأنهما زُين حبُّهما للناس في القرآن العزيز في سياق التنفير منهما لطلب ما هو أولى منهما.
فإن عارض ذلك في طلبهما مقصد صالح، هل يرجح على ذلك؟ فيه نظر، فإن لم يعارضه مقصد صالح، فينبغي المنع من طلبه، والإذن في تعاطي أسبابه، مع اعتقاد نفوذ قضاء الله تعالى وقدره في كل شيء، والله أعلم.
واعلم أن الوطء بطريقه الشرعي مجردًا عن قصد ولد، قد يكون عبادة لقصد غض البصر، وكسر الشهوة لهما. وقد يكون مجرد شهوة، فهو مباح شرعًا، لكنه موصوف بأنه عمل بهيمي، ولهذا قالوا: الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نية.
لكن ظاهر السنة يقتضي أن الوطء في الفرج الحلال بمجرده مأجور عليه؛ بسؤال الصحابة ﵃؛ حيث قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتُمْ لو وضعَها في حَرامٍ، أكانَ عليهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذا وَضَعَها في الحَلالِ كانَ لَهُ أَجْرٌ" (١).
فرتب ﷺ الأجرَ والوزرَ على مجرد الوضع، من غير قصدِ شيءٍ آخر، فيكون فعلهُ بمجرده في محله نية، والله أعلم.
وفيه: إشارة إلى إلحاق الولد، وإن وقع العزل، وهو قول أكثر الفقهاء.
وفيه: إشارة إلى أنه لا حكم قبل وجود وقوع الشرع، وهو قول أكثر العلماء.
وفيه: إرشاد إلى الإيمان بالقدر، وسكون النفس إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 1367
الحديث السابع
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ القُرْآنُ (١).
هذا الحديث: دليل لقاعدة عظيمة، نبه عليها جابر ﵁، وهي أنه إذا حدث أمر في حياة الرسول ﷺ ، وعلمه الرسول ﷺ ، أو لم يعلمه، فإنه يجوز فعله؛ حيث إن الله تعالى لم ينزل فيه شيئًا، وأقره. لكن علم الصحابة بالنزول لا يعلم إلا من جهة الرسول ﷺ .
ولهذا استغرب استدلال جابر جواز العزل مطلقًا بتقرير الله تعالى دون الرسول ﷺ ، لكنه لما كان علم النزول وعدمه لازمًا لعلمه ﷺ ، لم يبق فيه غرابة.
وقد أنزل الله تعالى حكم المجادلة لزوجها، وأخبر أنه سمع مجادلتها في زوجها، إلى غيرها من الوقائع.
وذلك جميعه دليل لما قاله جابر ﵁؛ فإنه يقتضي الاستدلال بتقرير الله تعالى اللازم علمه عن الرسول ﷺ ، ولهذا كان تقرير الله تعالى بالنسبة إلينا مشروطًا عند العلماء بتقريره ﷺ ، والكتاب العزيز دال على ذلك في التبيين، والتقييد، والنسخ، وغير ذلك، والله أعلم.
وفي الحديث: دليل بمجرده على جواز العزل مطلقًا، فلعل جابرًا ﵁ لم يعلم بأحاديث النهي والإذن، وأخبر عما علمه هو، وأخبر عما كان قبلها.
وفيه دليل: لما كانت الصحابة ﵃ عليه من التمسك بكتاب الله تعالى في كل شيء، حتى في العزل عن النساء؛ حيث علموا أن الله تعالى ورسوله ﷺ حث عليه؛ وعلى استخراج الأحكام منه، والله أعلم.
стр. 1368
الحديث الثامن
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَر، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلكَ، إلا حَارَ عَلَيْهِ" (١).
كذا عند مسلم والبخاري، [وورد عن الترمذي نحوه] (٢).
تقدم الكلام على أبي ذر.
وأما قوله ﷺ : "ليسَ من رجلٍ ادَّعى لغيرِ أبيهِ وهو يعلمُه إلَّا كفرَ"؛ أما "من": فهي زائدة في المعنى، والتقييد بالرجل: خرج مخرج الغالب، وإلا فالمرأة كذلك. ولا شك أن الانتفاء من النسب المعروف والاعتزاء إلى نسب غيره كبيرة؛ لما يتعلق به من المفاسد العظيمة. وقد تقدم ذكر بعضها قريبًا.
وشرطه ﷺ : العلم؛ لأن الأنساب قد تتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها، وقد يقع إخلال في النسب في الباطن من جهة النساء، فلا يشعر به. فشرط العلم لذلك؛ حيث إن الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء، والكفر هنا متروك الظاهر عند الجمهور، فيحتاجون إلى تأويله، وقد يؤوَّل بكفر الإحسان والنعمة، أو بأنه قاربَ الكفر؛ لعظم الذنب فيه؛ تسميةً للشيء باسم ما قاربه، أو يقال بتأويله على فاعل ذلك مستحلًا له.
وقوله ﷺ : "ومَنِ ادَّعى ما ليسَ له": يدخل فيه الدعاوى الباطلة كلُّها من المال والعلم والنسب وغير ذلك.
وقد نفى ﷺ عنه ذلك بأنه ليس منا، وجعل الوعيد عليه بالنار؛ لأنه ﷺ لما
стр. 1369
قال: "فليتبوأْ مقعدَه من النَّار"، اقتضى ذلك تعيينَ دخوله النَّار.
ويدخل تحته أيضًا: ما ذكره بعض الفقهاء في الدعاوى؛ من نصب مسخر يدعي في بعض الصور، حفظًا لتمام الدعوى.
والجواب: وهذا المسخر يدعي ما يعلم أنه ليس له، والقاضي الذي يقيمه عالم بذلك أيضًا، وليس حفظ ذلك من المنصوصات في الشرع حتى يختص بها هذا العموم.
والمقصود في القضاء: إيصال الحق إلى مستحقه.
فالحرام هذه المراسيم الحكيمة مع تحصيل مقصود القضاء، وعدم تنصيص صاحب الشرع على وجوبها أولى من مخالفة هذا الحديث، والدخولِ تحت الوعيد العظيم الذي دل عليه.
ولا شك أن قوله ﷺ : "فليسَ مِنَّا" أخفُّ مما مضى من الادعاء إلى غير أبيه؛ فإنه أخف مفسدة، إذا كانت الدعوى بالمال مثلًا، فإنه ليس فيه أكثر من الزيادة على الدعوى بأخذ المال المدعى به مثلًا، يدخل تحته -أيضًا- الدعاوي الباطلة في المعلوم، خصوصًا إذا ترتب عليها مفاسد.
وقد تأوله بعض المتقدمين على أنه معناه: ليس مثلنا، أو على هدينا؛ فرارًا من القول بكفره.
ومنهم من قال: إبهام معناه أولى من تأويله؛ حيث إنه أبلغ في الزجر عن الأمر المخرج له عنه ﷺ .
وهذا كما يقول الأب لولده إذا أنكر منه أخلاقا أو أعمالًا: لست مني.
وكأنه من باب نفي الشيء لانتفاء ثمرته؛ فإن المقصود المطلوب أن يكون الابن مساويًا للأب فيما يريده من الأخلاق الحميدة، فلما انتفت هذه الثمرة، انتفت البنوة مبالغة.
وقوله ﷺ : "ومَنْ دَعا رَجُلًا بِالكفرِ، أو قالَ عَدُوَّ اللهِ، وليسَ كذلكَ، إلا حارَ عليهِ".
стр. 1370
ويجوز في "عدو الله": الرفعُ والنصب، ورجحوا النصبَ على النداء.
تقديره: يا عدو الله، والرفع: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عدوُّ الله.
وفي "إلا" وجهان:
أحدهما: أنها واقعة على المعنى؛ أي: ما يدعوه أحد إلا حار عليه.
والثاني: على اللفظ في قوله "ليسَ من رجل".
و"حار عليه" هو بالحاء المهملة؛ أي: رجع عليه الكفر، وحار ورجع بمعنى واحد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤]؛ أي: يرجع حيًّا.
وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين ومن المنسوبين إلى السنة وأهل الحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم، وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة مما ذكرنا.
وهذا الوعيد لاحقٌ بهم، إذا لم يكن خصومُهم كذلك.
وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى صنف بعضهم فيه كتابًا مفردًا، ولا شك أن ذلك راجع إلى قاعدة كبيرة وهي: أن لازم الشيء الذهني اللاحقي ليس بلازم، ويسمى هذا عندهم: القول بالمآل، وهو أن لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟
والذي نعتقده، وقال به أكثر العلماء، وهو الراجح عند المحققين: إنه ليس بمذهب، وهذا الذي يسميه أهل الكلام: المعنى الساذج؛ يعني: المقتصر على مجرد معناه المطابق له من غير إلزام، وأما اللازم السابقي، وهو المسمى بالتضمن، فهو لازم قطعًا.
إذا عرف هذا، فاعلم أن كلًّا منهم في العقائد يقال: هي إثبات مطلق في مقابلة نفي مطلق.
فيلزم أهل النفي المطلق أهل الإثبات المطلق الذي يفهمونه على وفق
стр. 1371
مواجيدهم بالتجسيم، ويجعلونهم كفارًا؛ حيث إنهم عبدوا جسمًا، وهو غير الله تعالى، ومن عبد غير الله، كفر؛ حيث إنهم ألزموهم بأذهانهم غير ما يلزم تسميةً ولا معنى، ولا مرادًا لقائله، ويقابلهم هؤلاء بإلزامهم في النفي المطلق مثلما ألزموهم بالتعطيل العاري عن الوجود، ويكفرونهم بذلك؛ للزومه في الذهن عندهم.
ويقولون لهم: قد اعترفتم بأحكام الصفات، وأنكرتم الصفات، ويلزم من إنكار الصفات إنكارُ أحكامها، ومن أنكر أحكامها، فقد كفر، فيكفرونهم بطريق المآل الذي كفروهم به أهل الإثبات المطلق.
والحق أن الكلام في ذلك إثبات مقيد بالتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فلا يسمى إثباته تجسيمًا، ولا يسمى نفيه عن مشابهة المخلوقين تعطيلًا.
فلا يكفر أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فكأنه حينئذ يكون مكذبًا للشرع، ولم يؤاخذه بالتكفير بنفي مأخذ القواطع، وإنما يؤاخذه به بنفي أحكام القطعيات السمعيات طريقًا.
ودلالة مثاله من أنكر الطريق إثبات الشرع لم يكن كمن أنكر الإجماع، ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر؛ لأنه مكذب له، وقد نقل عن بعض المتكلمين أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني.
ولما خفي ما ذكرته على بعض الناس، كان ذلك سببًا لتكفير بعضهم بعضًا، واحتاج كل من الفريقين إلى حمل ما يذكره على غير محمل صحيح، ويتأوله بتأويلات مخالفة لما ينبغي أن يحمل عليه هذا الحديث، الذي يقتضي أن من دعا رجلًا بالكفر، وليس كذلك، رجع عليه الكفر.
ولذلك قال ﷺ : "مَنْ قالَ لأخيهِ: يا كافرٌ، فَقَدْ باءَ بِها أَحَدُهما" (١).
стр. 1372
ونهى ﷺ أصحابه ﵃ عن الرجوع بعده إلى الكفر، فقال: "لا تَرْجِعوا بَعْدي كُفَّارًا يضربُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ" (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث ورعًا عن التكفير.
وكأن المتكلم في تأويل الحديث في رجوع الكفر إلى الكفر، يقول: الحديث دل على تحصيل الكفر لأحد الشخصين، إما المكفِّر أو المكفَّر، فإذا كفرني بعض الناس، فالكفر واقع بأحدنا قطعًا، وأنا قاطع بأني لست بكافر، فالكفر راجع إليه.
أما قوله ﷺ : "وليتبوأْ مقعدَه من النَّار"؛ فمعناه: فليتركْ منزله منهما، أو فليتخذ منزلًا بها، وهو دعاء أو خبر بلفظ الأمر؛ ليكون أبلغ في الزجر. ومعناه: هذا جزاؤه، فقد يجازى، وقد يُعفى عنه، وقد يوفَّق للتوبة فيسقط عنه ذلك.
وفي الحديث دليل: على تحريم الادعاء في الأنساب إلى غير الآباء.
وفيه: أنه لا يأثم بالانتساب إلى غير أبيه إلا إذا كان عالمًا بأبيه أو بتحريمه، فأما الجاهل، فلا يأثم، ويجب عليه التعرف والتعلم.
وفيه: دليل على جواز إطلاق الكفر على أصحاب المعاصي والبدع؛ لقصد الزجر، لا لأنه كفر حقيقة؛ إلا أن تعلم اعتقاده تحليل المحرم أو تحريم المحلل، فيجوز إطلاقه عليه حقيقة.
وفيه: تحريم دعوى ما ليس له في كل شيء، سواء تعلق به حق لغيره، أم لا.
وفيه: أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به الحاكم، إذا كان لا يستحقه.
وفيه: تحريم دعاء المسلم بالكفر. وفي ظاهره: أن من دعاه بالكفر أنَّه يكفر بمجرد دعائه به.
وقد ذكر صاحب "التتمة" في المسألة وجهين: أصحهما: هذا، والثاني:
стр. 1373
لا يكفر، ويتأول على كفر النعمة، أو الاستحلال له.
لكن ظاهر الحديث يقتضي أنه لا يكفر إلا بشرط أن يكون الكفر كما دعاه به فيرجع ما دعاه به إليه، والله أعلم.
ويدخل تحت معنى الحديث: من انتسب في علم، أو صلاح، أو نعمة، ونحو ذلك، من تولي غير مواليه، أو وصف من الأوصاف المحمودة إلى غير من أخذه عنه، أو انتفع به، فإن ذلك كله محذور، منهي عنه.
وقد ثبت اللعن على فاعل بعض ذلك، وإن كان البعض الباقي يدخل تحت معناه في جواز لعنه، والله أعلم.
* * *
стр. 1374
كتاب الرضاع
الحديث الأول
عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في بِنْتِ حَمْزَةَ: لا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ" (١).
أما ابنةُ حمزةَ، فلم يحضرني اسمُها، ولم أرهُ في أسماءِ المبهَماتِ (٢).
وسبب هذا الحديث: أن ابنة العم من النسب حلال، وحمزة هو عم الرسول ﷺ ، فعرضت عليه ﷺ ابنته، فقال: "إنها لا تحلُّ لي"؛ حيث إن حمزة عمه من النسب، أخٌ له ﷺ من الرضاعة، أرضعتهما ثُويبة؛ فإنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
وتقدم ذكر بعض ذلك أوائل كتاب النكاح.
وأما الرضاع؛ فهو -بفتح الراء وكسرها-، والرضاعة فيها اللغتان. وقد
стр. 1375
رضِع الصبي أمه، -بكسر الضاد في الماضي- يرضَعها -بفتحها- رَضاعًا، قال الجوهري: وأهل نجد تقول: رَضَع يَرْضِع -بفتح الضاد في الماضي، وكسرها في المضارع- رَضْعًا؛ كضرب يضرب ضربًا، وأرضعته أمه، وامرأة مرضع؛ أي: لها ولد ترضعه، فإن وصفتهما بإرضاعه، قلت: مرضعة -بالهاء-، والله أعلم (١).
وقوله ﷺ : "يحرُمُ من الرضاعِ ما يحرُمُ من النسبِ"؛ نكاح المحرمات بالنسب سبع:
الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، فيحرمن بالرضاعة كما حَرُمْنَ بالنسب.
فأمك: كلُّ من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدتك بواسطة، أو بغير واسطة، وكذلك كل امرأة ولدت المرضعة والفحل.
وكل امرأة أرضعت بلبنك، أو أرضعتها امرأة ولدتها، أو أرضعت بلبن من ولدته، فهي بنتك، وكذلك بناتها من النسب والرضاع.
وكل امرأة أرضعتها أمك، وأرضعت بلبن أبيك، فهي أختك.
وكذلك كل امرأة ولدتها المرضعة أو الفحل وأخوات الفحل، وأخوات من ولدهما من النسب والرضاع، عماتك وخالاتك.
وكذلك كل امرأة أرضعتها واحدة من جداتك، أو أرضعت بلبن واحد من أجدادك من النسب أو الرضاع. وبنات أولاد المرضعة والفحل في الرضاع والنسب، بنات أخيك وأختك.
وكذلك كل أنثى أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك، وبناتها وبنات أولادها من الرضاع والنسب، بنات أخيك.
وبنات كل ذكر أرضعته أمك، أو ارتضع بلبن أخيك، وبنات أولادهن من
стр. 1376
الرضاع والنسب، بنات أخيك وبنات كل امرأة أرضعتها أمك، أو أرضعت بلبن أبيك، وبنات أولادها من النسب والرضاع أولاد أخيك.
وقد استثنى الفقهاء من عموم قوله ﷺ : "يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النسب" أربعَ نسوة يحرمن من النسب، وقد لا يحرمن من (الرضاع):
الأولى: أم أخيك وأم أختك من النسب هي: أمك أو زوجة أبيك، وكلاهما حرام، ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك، لم تحرم.
الثانية: أم نافلتك، إما بنتك أو زوجة أبيك، وهما حرامان.
وفي الرضاع قد لا تكون بنتك، ولا زوجة أبيك؛ بأن ترضع أجنبية نافلتك.
الثالثة: جدة ولدك من النسب: إما أمك، أو أم زوجتك، وهما حرامان، وفي الرضاع قد لا تكون أمًّا ولا أم زوجة؛ كما إذا أرضعت أجنبية ولدك,؛ فإنها جدة ولدك، وليست بأمك ولا أم زوجتك.
الرابعة: أخت ولدك في النسب حرام؛٤ لأنها إما بنتك أو ربيبتك.
ولو أرضعت أجنبية ولدك، فبنتها أخت ولدك، وليست ببنت ولا بربيبة.
فهذه الأربعة، مستثنيات من عموم الحديث: "يحرمُ من الرضاعِ ما يحرمُ من النسب".
وأما أخت الأخ، فلا تحرم، لا من النسب، ولا من الرضاعة، وصورته: أن يكون لك أخ من أب، وأخت من أم، فيجوز لأخيك من الأب نكاحُ أختك من الأم، وهي أخت أخيه.
وصورته من الرضاع: أرضعتك وأرضعت صغيرةً أجنبية منك، يجوز لأخيك نكاحُها، وهي أختك، وفي معنى هذا الحديث، حديثُ عائشة ﵂ الذي بعده، وهو قوله ﷺ : "إنَّ الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (١).
стр. 1377
واعلم أن الأمة اجتمعت على ثبوت الحرمة بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها، يحرم عليه نكاحها أبدًا، ويحل له النظر إليها والخلوة بها، والمسافَرة، ولا يترتب عليها أحكام الأمومة من كل وجه، ولا يتوارثان، ولا يجب على كل واحد منهما نفقة الآخر، ولا تعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها، ولا يعقل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله؛ فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام.
وأجمع العلماء على انتشار الحرمة بين المرضعة وأولاد الرضيع، وبين الرضيع وأولاد المرضعة، وأنه في النكاح كولدها من النسب. وأما الرجل المنسوب ذلك الابن إليه؛ لكونه زوج المرضعة، أو وطئها بملك أو شبهة، فمذهب الشافعي والعلماء كافة: ثبوت حرمة الرضاع بينه وبين الرضيع، ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع وأخواته، ويكون إخوة الرجل أعمام الرضيع، وأخواته عماته، ويكون أولاد الرضيع أولادًا للرجل. ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر، وابن علية، فقالوا: لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع.
ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة ﵃، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يذكر البنت والعمة كما ذكرها في النسب، واحتج الجمهور بالأحاديث الآتية وغيرها من الأحاديث الصحيحة في عم عائشة وعم حفصة، وقوله ﷺ مع إذنه فيه: "إنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة".
وأجابوا عما احتجوا به من الآية: أنه ليس له فيها نص بإباحة البنت والعمة ونحوهما؛ لأن ذكر الشيء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه، ولم يعارضه دليل آخر، كيف ومع هذه الأحاديث الصحيحة؟ والله أعلم.
* * *
стр. 1378
الحديث الثاني
عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إن الرَّضَاعَةَ تُحرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلاَدَةِ" (١). وَعَنْهَا: أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَإِنَّ أَبَا القُعَيْس لَيسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، قَالَ: "إِئْذَني لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكَ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ".
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب (٢).
وفي لفظ: استأذن عليَّ أفلحُ، فلم آذنْ له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ فقلتُ: وكيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأةُ أخي بلبن أخي، قال: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَني لَهُ" (٣).
أما أفلحُ عمُّ عائشةَ ﵂؛ فكنيته أبو الجعد، وهو أخو أبي القعيس -بضم القاف وفتح العين المهملة، ثم المثناة تحت ساكنة، ثم السين المهملة-، واسمه: وائل بن أفلح. رواه الدارقطني، وأبو عمر النمري الحافظان.
وحكى أبو عمران: أفلح أخو أبي القعيس، من الأشعريين. قال: وقد قيل:
стр. 1379
إن أبا القعيس اسمه الجعد، ويقال: أفلح، يكنى: أبا الجعد.
وقيل: اسم أبي الجعد وائل بن أفلح. قال: وأفلح ابن أبي القعيس.
ويقال: أخو أبي القعيس، لا أعلم له خبرًا ولا ذكرًا إلا في حديث عائشة ﵂ في الرضاع.
وقد اختلف فيه، فقيل: أبو القعيس، وقيل: أخو أبي القعيس، وقيل: ابن أبي القعيس، وأصحها: ما قاله مالك ومن تابعه عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: جاء أفلح أخو أبي القعيس، هذا كلام أبي عمر النمري. وظاهر أول هذا الحديث المذكور في الكتاب وغيره من الأحاديث الصحيحة أن أفلح وأبا القعيس كانا أخوين لأبي بكر الصديق ﵁ من الرضاعة، فيكونان عمين لعائشة ﵂ كانا صحابيين، ذكرهما في الصحابة أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب"، ويقتضي ذلك أن يكون أبو بكر ارتضع من أمهما.
لكن ظاهر آخر هذا الحديث: أن أبا القعيس أبو عائشة من الرضاع، وأفلح عمها، فيكون عمًّا واحدًا لعائشة، لا عمين. وهو الصواب، والله أعلم (١).
وقولها: "استأذنَ عليَّ بعدَما أُنزلَ الحجابُ"؛ لا شك أن الحجاب نزل سنة خمس من الهجرة في أواخرها؛ فإن أفلح استأذن على عائشة بعد ذلك، وكان حيًّا.
وذكر القاضي عياض ﵀: أن أبا القعيس كان ميتًا (٢)، فيبعد ما قاله بعضهم: إن أبا القعيس كان عمًّا لعائشة موجودًا وقت الاستئذان عليها، ولأنه لو كان هو المسؤول عنه، لكانت اكتفت بمعرفتها تحريم الدخول لغير العم من الأحاديث في النسب والرضاع عليها، والظهور عليه، فلم تحتج إلى السؤال عنه، لكن لما سألت، دل على أنه أفلح، وأنه غير أبي القعيس.
стр. 1380
وذلك جميعه دليل على أن أفلح عمها، وأبا القعيس أبوها، وأن أمه أرضعت عائشة ﵂، وأنهما لم يكونا أخوين لأبي بكر من الرضاع.
وذكر بعضهم: أن عم أبيك من الرضاع عمك.
قلنا: صحيح لو لم تذكر عائشة عن أفلح: ليس هو أرضعني، وإنما أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدل على صحة ما ذكرناه، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : "تَرِبَتْ يَمينك"؛ فمعناه: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل؛ ولا تريد وقوع الأمر به. يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى (١).
في الحديث دليل: على ثبوت حكم الرضاع بين الرضيع وبين الرجل المنسوب إليه ذلك اللبن، وأن الحرمة تنتشر إلى أولاده وإخوته وأخواته، فيصير أولاد الرجل إخوة الرضيع، وإخوته وأخواته أعمامه وعماته، وتكون الدلالة من باب التنبيه بالأبعد على الأدنى؛ فإن الإخوة أبعد من الأولاد، فإذا كان الأبعد أذن له في الدخول، وحرم عليه النكاح، فالأقرب بطريق الأولى، وتقدم الاختلاف فيه.
وهذا مذهب العلماء كافة، إلا اليسير منهم؛ كعائشة، وابن عمر، وابن الزبير، وأهل الظاهر، وابن بنت الشافعي. وقيل: لم يصح عن عائشة.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس؛ فإن اللبن ليس ينفصل منه، وإنما ينفصل منها؛ للحديث، والله أعلم.
وفيه دليل: على أن من ادعى رضاعًا، وصدقه الرضيع، ثبت حكم الرضاع بينهما من غير إقامة بنية؛ لأن أفلح ادعاه، وصدقته عائشة ﵂، وأذن له النبي ﷺ ذلك.
وفيه دليل: على أن من جهل شيئًا من حكم الشرع، لا يفعل شيئًا من تلبس
стр. 1381
شيء ولا ضده، حتى يسأل العلماء عنه، ويفعل ما يفتونه به؛ فإن عائشة ﵂ جهلت الحكم، وعللته بإرضاع المرأة دون الرجل، وأعطت ذلك حكمه من الاحتجاب وغيره، وسألت النبي ﷺ عن ذلك، وأبدت مستندها في المنع، فعرفها ﷺ الحكم، فعملت به.
وفيه دليل: على أن العالم إذا سئل عن مسألة قد قال فيها بعض أصحابه ما هو الصواب، أن يصدقه؛ ويقر قوله.
وفيه دليل: على جواز قول: تربت يمينك، أو يداك، لا بقصد الدعاء ولا غيره.
وفيه دليل: على وجوب احتجاب المرأة من الرجال الأجانب، وأنه كان مباحًا أول الإسلام.
وفيه دليل: على شرعية استئذان الرجال المحارم على محارمهم، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عَائِشِةَ ﵂ أَيْضًا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا عَائشِةُ! مَنْ هَذَا؟ " قُلْتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: "يَا عَائشِةُ! انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ" (١).
الرجل المبهم الذي هو أخو عائشة، لا أعلم اسمه.
واعلم! أن معنى هذا الحديث: أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة هي ما كان في زمن الصغر، والرضيع طفل يقوته اللبن ويسد جوعه، أما ما كان منه بعد ذلك، في الحال الذي لا يسد جوعه اللبن، ولا يشبعه إلا الخبز واللحم، وما في
стр. 1382
معناهما، فلا حرمة له، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: لا رضاع إلا ما شدَّ العظمَ وأنبتَ اللحم (١).
وقوله ﷺ : "انْظُرْنَ مَنْ إخْوانُكُنَّ" تنبيه على الزمن الذي يثبت للمرضع فيه حكم الرضاع، وتترتب أحكامُه عليه خشيةَ أن تكون رضاعة ذلك الشخص وقعت في حالة الكبر، فلا تترتب عليه أحكامه.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز دخول من اعترفت المرأة بالرضاع معه عليها، وأنه يصير أخًا لها.
ومنها: أن الزوج إذا رأى من تتكشف عليه امرأته بعدم الحجاب، أن يسألها عنه.
ومنها: الأمر بالاحتياط في ذلك، والنظر فيه، وفيما يبيح عدم الاحتجاب.
ومنها: قبول قول المرأة، ومن اعترفت برضاعه مجردًا، والإرشاد إلى الاحتياط لذلك.
ومنها: أن الرضاع المحرم: هو ما كان بلبن المرأة، في زمن يستقل الرضيع به دون غيره من الأغذية به، وهو حولان، فما دونهما.
ومنها: أن كلمة "إنما": للحصر؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة من المجاعة، لا بمجرد إثبات الرضاعة في زمن المجاعة، والله أعلم.
* * *
стр. 1383
الحديث الرابع
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ الحارِثِ ﵁ قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي الحارثِ إهَابٍ، فجاءتني أَمَةٌ سَودَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قال: فَتنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "وَكَيْفَ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ " (١).
أما عقبة بن الحارث؛ فكنيته أبو سِرْوَعة -بكسر السين المهملة-. قال أبو عمر النمري: قال الزبير -يعني: ابن بكار-: وهو قول أهل الحديث.
وأما أهل النسب، فإنهم يقولون: إن عقبة هذا هو أخو أبي سروعة، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح. قال ابن الأثير: وهو أصح.
قال النمري: عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، قرشي نوفلي، وهو حجازي مكي، له حديث واحد، ما أحفظ له غيره في شهادة امرأة على الرضاع. قال: وقيل: بل كان أبو سروعة أخاه لأمه، وهو أثبت عند مصعب.
وأصح من هذا كله ما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: الذي قتل خبيبًا: أبو سروعة عقبةُ بن الحارث بن عامر بن نوفل.
وقال أبو محمد عبد الغني المقدسي الحافظ: روى له البخاري ثلاثة أحاديث، وروى له أبو داود، والترمذي، والنسائي.
وقال أبو حاتم بن حبان البستي الحافظ: وكان أبوه -يعني: الحارث- أحدَ المطعمين يوم بدر مع المشركين، وأمه درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب، والله أعلم (٢).
стр. 1384
وأما التي تزوجها أم يحيى بنت أبي إهاب؛ فاسمها غنية بنت أبي إهاب بن عزيز بن قيس بن سويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم، قاله أبو القاسم خلف بن بشكوال الحافظ. وقال: حكى ذلك في "المؤتلف والمختلف" الدارقطني عن الزبير بن بكار (١).
وأما الأمة السوداء؛ فلا أعلم اسمها، والله أعلم.
أما إعراضه ﷺ عن عقبة لما ذكر ما قالت المرأة السوداء له؛ فلأنه حكاية مجردة تهوش عليه نكاحه من غير تثبت، فلما ذكرت له المرأة السوداء أنها قد أرضعتهما، قوي ما حكاه قوة توجب التوقف عن النكاح، والأخذ بالاحتياط له؛ ولهذا قال ﷺ : "كيفَ وقد زعمَتْ أن قد أرضعَتكما".
وفي هذا الحديث دليل: على سؤال أهل العلم عن الوقائع الحادثة.
وفيه: دليل على التثبت فيها، والإعراض عن السائل عنها أول وهلة.
وفيه دليل: على الأخذ بالورع والإرشاد إليه.
وفيه دليل: على الاحتياط للأعراض من الأقوال التي لم تتثبت.
وقد تمسك به بعض الناس على قبول شهادة المرضعة وحدها على الرضاع، ويحتاج ذلك إلى قبول شهادة الأمة في ذلك وجوازه. والعلماء يحملون الأمر في ذلك على الورع والاحتياط للأبضاع دون التحريم؛ لقوله ﷺ : "كيفَ وقد قيلَ" (٢).
* * *
стр. 1385
الحديث الخامس
عَنِ البرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -يَعْنِي: مِنْ مَكَّةَ-، فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ! فَتنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةُ عَمِّكِ، فَاحْتَمَلَهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وخَالَتُهَا تَحتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: بنتُ أَخِي، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ"، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ"، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُوَنا وَمَوْلاَنَا" (١).
أما البراء بن عازب؛ فتقدم ذكره.
وأما ابنة حمزة هذه؛ فيحتمل أنها عرضت على رسول الله ﷺ ، وقال: "إنها لا تَحِلُّ لي؛ إنها ابنةُ أخي من الرَّضاعة"، ولهذا إذًا كان نداؤها النبي ﷺ : يا عم! لأخوة النبي ﷺ لأبيها حمزة من الرضاعة.
وكان خروج النبي ﷺ من مكة بعد موت أبيها واستشهاده في غزوة أحد، إما في عام الحديبية، وإما في عمرة القضاء، والله أعلم.
واعلم أن هذا الحديث أصل في باب الحضانة؛ وهو القيام بحفظ من لا يميز ولا يستقل بأمره وتربيته بما يصلحه، وبوقايته عما يهلكه. وهي نوع ولاية وسلطنة، لكنها بالإناث أليق؛ لأنهن أشفق، وأهدى إلى التَّربية، وأصبر على القيام بها، وأشد ملازمة للأطفال، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ"؛ معناه: أنها بمنزلة الأم في الحضانة؛ لأن سياق الحديث يدل على ذلك؛ حيث إنه طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه.
стр. 1386
وفي الحديث دليل على أحكام:
منها: صلة الأرحام والحثُّ عليها وإلزامها.
ومنها: الاختصام في طلب صلتها، والقيام بها إلى الحكام وأهل الفتوى.
ومنها: القضاء بالحق، وتبيين الحكم للخصوم؛ وذكر علَّته، وقد قال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى-: ينبغي للحاكم أن يعلل الحكم للخصوم؛ لأنه أبعد عن الشحناء بينهم ودوام العداوة، والله أعلم.
فلا التفات إلى من منع ذلك.
وقال: ينبغي له الجزم بالحكم من غير تعليل؛ لئلا يؤدي ذلك إلى استدلال الحاكم، والطمع فيه؛ فإن تَرْك ذلك يؤدي إلى ما ذكر، مع مخالفة الكتاب والسنة في الأمر في البيان المطلوب من الشرع، والله أعلم.
ومنها: إدلاء كل واحد من المستفتين والخصوم للمفتي والحكم بحجته؛ لينظر في الصواب منها.
ومنها: أن للخالة حقًّا في الحضانة.
ومنها: أنها إذا كانت متزوجة بمن له حق في الحضانة، ولا تسقط حضانتها؛ كبنت العم عند عصبتها؛ فإن لهم حقًّا في الحضانة، إذا لم يكن محظور شرعي من خلوة ونحوها يسقطها. وكذا حكم كل مستحقة للحضانة إذا نكحت من له حق في الحضانة، أو كانت في نكاح مثله.
ومنها: ما استدل بإطلاق قوله ﷺ : "الخالةُ بمنزلة الأم" على أنها ترثُ عند عدم الوارثين.
من يرى مذهب أهل التنزيل، فينزلها منزلة الأم في الإرث.
وقد نبهنا على أن دلالة السياق تنفي ذلك، والله أعلم.
واعلم أن دلالة السياق، قد نبه عليها بعض المتأخرين من أهل أصول الفقه، وهي قاعدة عظيمة، لكنها ذات شعب على المناظر، والله أعلم.
стр. 1387
ومنها: استعمال مكارم الأخلاق للحاكم والمفتي ونحوهما، وتطييب قلوب المستفتين والمتحاكمين؛ فإن النبي ﷺ قال لكل واحد؛ من علي، وزيد، وجعفر، ما يطيب قلبه من الكلام.
ولا شك في مناسبة ذلك، بالنسبة إلى علي وزيد، حيث حُرما مرادهما؛ فإنه مناسب جبرهما وتطييب قلوبهما.
أما جعفر، فإنه أخذ الصبية، وحصل له مراده، فكيف ناسب خبره بما قيل له؟
وأجيب عن ذلك: بأن الصبية لم تحصل له حضانتها، وإنما حصلت لمستحقها، وهي الخالة، فناسب ذلك جبره بما قيل له، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
стр. 1388
كتاب القصاص
القصاص: بكسر القاف، قاله الأزهري، القصاص: المماثلة، وهو مأخوذ من القَصّ، وهو القطع، وقال الواحدي وغيره من المحققين: هو من اقتصاص الأثر، وهو تتبعه؛ لأن المقتص يتبع جناية الجاني، فيأخذ مثلها.
يقال: اقتص من غريمه، وأقصَّ السلطانُ فلانًا من فلان؛ أي: أخذ له قصاصه. ويقال: استقصَّ فلان فلانًا: طلب منه قِصاصه (١).
* * *
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِىٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (٢).
أما ابن مسعود؛ فتقدم الكلام عليه.
وأما هؤلاء الثلاثة؛ فإنهم مباحو الدم بالنص.
стр. 1389
وقوله ﷺ : "يشهُد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ اللهِ" هو كالتفسير لقوله: "امرئٍ مسلمٍ".
واعلم أن الإسلام لا يصح إلا بالتلفظ بهما، مع اعتقاد صحتهما ومعناهما، ومن قام بذلك، كان مؤمنًا مسلمًا، فكل مؤمن مسلمٌ، وكل مسلمٍ مؤمنٌ، وإنما يختلفان باختلاف معناهما في لفظهما، وباختلاف تعلقهما.
فالإسلام في اللغة: الانقياد، وفي الشرع: انقيادٌ مخصوص على وجه مخصوص.
والإيمان: التصديقُ في وضعه. وفي الشرع: قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجَنان، وعملٌ بالجوارح والأركان.
ومتعلق الإسلام والإيمان بالظاهر والباطن، لمن آمن بلسانه، وصدق بقلبه، فهو مؤمن مسلم، ومن صدق بقلبه ولم يؤمن بلسانه، فإن كان لعذر، نفعه ذلك في عدم الخلود في النَّار، ولهذا يقال يوم القيامة: "أَخْرِجُوا مَنْ في قَلْبهِ أَدْنى أَدْنى ذَرَّةٍ منْ إيمانٍ" على ما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ (١).
وإن أكره على ترك الإسلام بعد وجوده، مع اطمئنان قلبه به، لم يضره ذلك في الدُّنيا والآخرة. ومن صدق بلسانه، ولم يؤمن بقلبه، جرى عليه حكم الإسلام في الدنيا؛ من عصمة دمه وماله وحريمه، وكان في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله عن المنافقين.
وجميع ما ذكرناه من ذلك في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، شهدت به العقول، وبصرت به القلوب، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "الثيبُ الزاني"؛ معناه: المحصَن إذا زنى، وهو من وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل.
стр. 1390
والإحصان: أصله: المنع. وله معان:
أحدها: الموجب رجم الزاني، ولا ذكر له في القرآن، إلا في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]؛ أي: مصيبين بالنكاح لا بالزنا.
ويطلق بمعنى: العفة والحرية والتزوج والإِسلام، وكلها مذكورة في كتاب الله تعالى.
والجامع لأنواع الإحصان: المنعُ، فكل واحد ممن ذكرنا يمنع مما ينافيه، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "المفارقُ للجماعةِ"؛ هو كالتفسير له ولقوله: "التاركُ لدينهِ".
وكل من فارق جماعةَ من المسلمين، في قولٍ أو عمل أو اعتقاد، فهو تارك لدينه، لكن تختلف صفات الترك المفارقة.
فكل مرتد عن الإِسلام بأي ردة كانت، وجب قتله، وكل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي، أو كان من الخوارج، قوتل حتى يرجع إلى الجماعة، وليس بكافر، ويمكن أن يكون خروجه كفرًا.
والمراد بفراق الجماعة: المخالفة لأهل الإجماع.
وهذا الحديث عام، وقد خص بعضهم الصائلَ؛ حيث يُباح قتله للدفع، ولم يذكر في الثلاثة، وهو داخل فيمن فارق الجماعة.
ويحتمل أن يحمل الحديث على من يحل تعمد قتله قصدًا من الثلاثة المذكورين، دون غيرهم، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: أن المسلم لا يصير مسلمًا إلا بالتلفظ بالشهادتين؛ فإنه ﷺ جعلهما كالتفسير والوصف للمسلم، وذلك لا يعرف إلا بالتلفظ، والاتصاف.
ومنها: عصمة دم المسلم، إلا فيما ذكر.
ومنها: وجوب القصاص في النفس بشرطه.
стр. 1391
ومنها: إباحة دم الزاني المحصن بصفته المعروفة في الأحاديث الصحيحة, وهو الرجم بالحجارة.
ومنها: إباحة دم المرتد بشرطه في الرجل، واختلف في المرأة، فالجمهور على أنها تقتل بالردة كالرجل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل.
ومنها: استدلال أصحاب أبي حنيفة على أن المسلم يقتل بالذمي، ويقتل الحر بالعبد؛ لعموم قوله ﷺ : "والنفس بالنفس"، وجمهور العلماء على خلافه، منهم: مالك، والشافعي، والليث، وأحمد.
ومنها: أن مخالف الإجماع يكفر، فيقتل، وهو قول العلماء المتقدمين.
ومعناه: إذا خالفه معتقدًا جواز مخالفته.
ولا شك أن التكفير ليس بالهين، وقد تقدم التكفير وطريقه في المسائل الإجماعية قريبًا من هذا الكتاب، ويزيده وضوحا.
ولا شك أن المسائل الإجماعية، قد يصحبها التواتر بالنقل من صاحب الشرع، كوجوب الصّلاة مثلًا، وقد لا يصحبها. فالأول: يكون جاحدُه مخالفا للتواتر، لا مخالفا للإجماع؛ لعدم انعقاده على تكفير تاركها، غير جاحد وجوبها.
وقد ظن بعض من يميل إلى الفلسفة، ويدعي الحذق في المعقولات: أن المخالف في حدوث العالم من قبيل مخالفة الإجماع، وأخذ من قول من قال: لا يكفر مخالف الإجماع: ألَّا يكفر هذا المخالف في هذه المسألة.
قال شيخنا الإِمام أبو الفتح ﵀: وهذا كلام ساقط بمره إما عن عمًى في البصيرة، أو تعام؛ لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة، فيكفر المخالف بسبب مخالفة النقل المتواتر، لا بسبب مخالفة الإجماع.
ومنها: ما استدل به شيخ والد شيخنا الإِمام أبي الفتح الإِمام الحافظ، أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي -رحمه الله تعالى-: على أن تارك الصلاة،
стр. 1392
لا يقتل بتركها، في قصيدة له نظمها استخراجًا من هذا الحديث؛ من حيث إنه ﷺ حصر حل دم المرء المسلم في هذه الثلاثة؛ وهي زنا المحصن، وقتل النفس، والردة بلفظ النفي العام والاستثناء منه لهذه الثلاثة. ومن جمله القصيدة أبيات، وهي:
خسرَ الذي تركَ الصلاةَ وخابا ... وأَبى مَعادًا صالحا ومَآبا
إنْ كانَ يجحدُها فحسبُك أنه ... أَمْسى بِربِّكَ كافرًا مُرْتابا
أو كانَ يتركُها لنوعِ تكاسُلٍ ... غَشَى على وجهِ الصوابِ حِجابا
فالشافعي ومالكٌ رأيا له ... إنْ لم يتبْ حد الحسامِ عِقابا
وأبو حنيفةَ قالَ يترَكُ مرةً ... هَمَلًا ويُحْبَسُ مَرةً إيجابا
والظاهرُ المشهورُ من أقوالِه ... تعزيرُه زَجْرًا له وعَذابا
إلى أن قال:
والرأيُ عندي أَنْ يؤدبه ... الإمامُ بكلِّ تأديبٍ يراهُ صوابا
ويكفّ عنه القتل دونَ حياتِه ... حتى يلاقيَ في المآبِ حِسابا
فالأصلُ عصمتُه إلى أَنْ يمتطي ... أحدَ الثلاثِ إلى الهلاكِ رِكابا
الكفرُ أو قتلُ المكافئِ عامِدًا ... أو مُحْصَنْ طلبَ الزنا فأصابا
فأبو الحسن علي بن الفضل المقدسي في قصيدته هذه، قد اختار خلاف مذهب مالك في ترك قتله، وهو من المنسوبين إلى أتباع مالك (١).
واستشكل إمام الحرمين أبو المعالي الجويني قتله من مذهب الشافعي أيضًا.
وقوى بعض المتأخرين إزالةَ الإشكال في عدم قتله؛ بقوله ﷺ : "أُمرت أن أقاتلَ الناسَ حَتَّى يَشْهدوا أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأَنِّي رَسولُ اللهِ، ويُقيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزكاةَ" (٢).
стр. 1393
فرتب ﷺ الأمرَ بالقتال على أشياءَ بالغاية على وجودِها جميعًا، وذلك يثبت بحصول مجموعها, ولا ينتفي إلا بانتفائها جميعها.
فإن قصد بها الاستدلال من الحديث المذكور الدلالة المنطوقية، وهي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية، فقد وَهِلَ وسَها؛ فإن المقاتلة تقتضي المفاعلة من الجانبين، ولا يَلْزَمُ من ذلك إباحة القتل على ترك الصَّلاة، إذا لم يقاتل. ولا إشكال بأن قومًا لو تركوا الصّلاة وقاتلوا عليها، قوتلوا، بدليل مناظرة عمر والصديق ﵄ في قتال مانعي الزكَاةِ، وقول الصديق لعمر ﵄: أرأيت لو تركوا الصلاة، أكنت تقاتلهم؟ فقال: نعم، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن مَنْ فرق بين الصلاة والزكاة. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ الله قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق، فقاتلهم (١).
وإن قصد به الدلالة المفهومية في ترتيب القتال على فعل المعصية الواحدة منها دون المجموع، فالخلاف في دلالة المفهوم معروف. وبعض من ينازع في هذه المسألة لا يقول بها, ولو قال بها، رجح عليها دلالة المنطوق في هذا الحديث.
واعلم أن قتل تارك الصلاة كسلًا، وعدمه: مبني على تكفيره، وقد ثبت في كفره ثلاثة أحاديث:
الأول: ما رواه مسلم في "صحيحه" عن جابر ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن بينَ الرجلِ وبينَ الشرِك والكفرِ، تَرْكَ الصلاةِ" (٢).
الثاني: عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "العهدُ الذي بيننا
стр. 1394
وبينَهم الصلاةُ، فمن تركَها، فقدْ كفرَ" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١).
الثالث: عن شقيق بن عبد الله التابعي، المتفق على جلالته -رحمه الله تعالى- قال: كان أصحاب محمَّد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال، تركُه كفر، غيرَ الصلاة. رواه الترمذي في كتاب "الإيمان" بإسناد صحيح (٢).
فهذه الأحاديث ظاهرها تكفير تارك الصلاة، بوصفه بالكفر. وهو في الشرع: الخروج من الإِسلام، ويؤيد ذلك ما رواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، عن عبد الله بن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: "مَنْ حافظَ عَلَيْها، كانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهانا ونَجاةً يومَ القيامةِ، ومَنْ لمِ يحافظْ عليها, لَمْ يَكُنْ لَهُ نور ولا بُرهان ولا نَجاةٌ، وكانَ يومَ القيامةِ مَعَ قارون وهامانَ وفرعونَ، وأُبَيٍّ بْنِ خَلَفٍ" (٣).
ولا شك أن ترك المحافظة عليها يدل على عدم جحد وجوبها، وأنه يقتضي التهاون والكسل عنها, ولا يحشر يوم القيامة مع صناديد الكفر، الذين أخبر الله عنهم بالخلود في النار إلا كافر.
وبكفره، قال المحدثون، ومنصور الفقيه من الشافعية في كتابه "المستعمل" (٤)، وأحمد في المشهور عنه، وبعض أصحاب مالك، وقالوا:
стр. 1395
يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كفرًا، وقال الشافعي ومالك: يقتل حدًّا.
وحمل الشافعي الكفر في الأحاديث، على كفر النعمة، دون الكفر المطلق المخرِج من الإِسلام. واستدل لذلك بما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، بإسناد صحيح ثابت، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمسُ صلواتٍ كتبهن اللهُ على العبادِ، فمنْ جاءَ بهن، ولم يُضَيِّعْ منهن شيئًا استخفافًا بِحَقِّهِنَّ، كانَ لهُ عندَ اللهِ عهدٌ، أَنْ يُدْخِلَه الجنةَ، ومن لم يأتِ بهن، فليسَ له عندَ اللهِ عهدٌ، إن شاءَ عذبَهُ، وإنْ شاءَ أدخلَه الجنَةَ" (١).
فلما كان مَنْ تركَ الصلاة غيرَ مستحل لتركها, ولا مستخفا بها، داخلاَ تحت المشيئة، دل على عدم كفره المطلق، فلا يكون قتله كفرًا، بل حدًّا.
واستدل على قتله حدًّا؛ بقوله ﷺ : "نُهيت عن قَتلِ المُصَلين" (٢) وهو حديث ضعيف عند المحدثين، وبتقدير ثبوته، لا دلالة له فيه لقتلهم إذا تركوها؛ لأنه دلالة مفهوم العكس، وهو ضعيف عند أرباب أصول الفقه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَيضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يقضِي اللهُ بينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ في الدمَاء" (٣).
стр. 1396
لا شك أن أمر الدماء عظيم، وخطرها كبير، والبداءة إنما تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك؛ فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو بحسب ذوات المصالح المتعلقة بعدمها.
وعدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه.
ولهذا نص الشافعي -رحمه الله تعالى- على أن أكبر الكبائر بعد الشرك القتل. وهذا إذا تجرد عن اعتقاد حله في غير محله.
وقد ثبت في حديث صحيح في "السنن" عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "أولُ ما يُحاسَبُ عليهِ العبدُ صلاتُه" (١)، فيحتمل الأولية في حديث الدماء: أنها بما يقع فيه الحكم بين الناس فيما بينهم.
ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يُقضى فيه مطلقا. لكن الاحتمال الأول أقوى، ويكون حديث المحاسبة على الصلاة محمولًا على الأولية؛ فيما بين العبد وبين الله تعالى.
وفي الحديث: التنبيه على غلظ تحريم الدماء.
وفيه علم النبي ﷺ بأمور الآخرة كما يعلم أحكام الدنيا, ولا شك أن الأمر كذلك؛ فإن الله أطلعه على ما كان [وما يكون] (٢) وما هو كائن، ولم يكتم ﷺ شيئًا من ذلك.
وفيه: القضاء بين الناس يوم القيامة، وأوليته، والله أعلم.
* * *
стр. 1397
الحديث الثالث
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بنُ سَهْلٍ، وَمُحَيصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى خَيْبرَ وَهِيَ يَومَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفرَّقا، فَأتى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهلٍ، وَهُوَ يَتشحَّطُ في دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفنَهُ، ثُمَّ أتى المَدِينةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحْمَنِ بنُ سَهْلٍ وَمُحَيصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتكلمُ، فَقَالَ: "كَبِّرْ كبِّرْ! "، وَهُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، فَسَكَتَ، فَتكلمَا، فَقَالَ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صاحِبكُمْ؟ " قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: "فَتبرِئكمْ يَهُودُ بخَمْسِينَ يَمينًا؟ "، فَقَالُوا: كَيْفَ نأخذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كفارٍ؟ فَعَقَلَهُ النبِيّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ (١).
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنكمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ " قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: "فَتبرئكمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! قَوْمٌ كفارٌ (٢).
وَفي حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ عُبيدٍ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أن يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِئةٍ مِنْ إبِلِ الصدقَةِ (٣).
الكلام على أسماء هذا الحديث:
أما سهلُ بنُ أبي حَثْمَةَ؛ فتقدم ذكره في باب صلاة الخوف.
وأما عبد الله بن سهل؛ فهو أنصاريٌّ حارثيٌّ، أخو عبد الرحمن، وابن أخي حويصة ومحيصة.
стр. 1398
قال النمري: هو المقتول بخيبر الذي وردت في قصته القسامة (١).
وأما مُحَيِّصةُ؛ فهو -بضم الميم وفتح الحاء المهملة، وبالياء المثناة تحت، المشددة المكسورة والمخففة ساكنة- لغتان مشهورتان، ذكرهما القاضي عياض -رحمه الله تعالى-، أشهرهما التشديد (٢).
وحُوَيِّصَةُ؛ -بضم الحاء المهملة وفتح الواو، وفي الياء اللغتان؛ التشديد والتخفيف-.
وكنية محيصة: أبو سعد بنُ مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج، أنصاري حارثي، يعد في أهل المدينة. وكان إسلامه قبل الهجرة، وبعثه رسول الله ﷺ إلى أهل فدك، يدعوهم إلى الإِسلام. وشهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، وهو أخو حويصة بن مسعود، وكان حويصة أكبر منه، وكان محيصة أنجب وأفضل.
وكان سبب إسلام محيصة: ما ذكره ابن إسحاق في "المغازي" عن ثور بن زيد عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ بشِعره وسعيه، ويحرض عليه العرب، وهو رجل من بني نبهان من طيئ، فلما قتل كعب، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ ظفرتم به من رجالِ يهودَ، فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة -رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-، فقتله. وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسن من محيصة، فلما قتله، جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله! قتلته! أما واللهِ لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت له: أما والله لقد أمرني بقتله مَنْ لو أمرني بقتلك، لضربت عنقك. قال: اللهِ لو أمرك بقتلي لقتلتني؟! قلت: نعم، واللهِ لو أمرني بقتلك لقتلتُك. قال: والله إن دينًا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة.
стр. 1399
وكان ذلك أولَ إسلامه. فقال محيصة:
يلومُ ابنُ أمي لو أُمِرْتُ بقتلِه ... لَطَبَّقْتُ ذِفْراهُ بأبيضَ قاضِبِ
حسامٌ كلونِ الملحِ أُخْلِصَ صَقْلُهُ ... متى ما أُصَوِّبْهُ فليسَ بكاذبِ
وما سَرَّني أَنِّي قتلتُك طائِعًا ... وَأَن لنا ما بينَ بُصرى ومَارِبِ
وروى محيصة في كسب الحجام؛ روى عن ابن سعد بن محيصة، وابن أبيه حرام بن سعد بن محيصة، ومحمد بن سهل بن أبي حثمة، ومحمد بن زياد.
روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وحويصة يكنى: أبا سعد -أيضًا-. وهو أخو محيصة لأبيه وأمه. وفي حقه قال رسول الله ﷺ في عبد الله بن سهل المقتول لأخيه عبد الرحمن لما أراد أن يتكلم: "كبِّرْ كبِّر"؛ لمكانه من أخيه محيصة.
شهد حويصة أُحدًا، والخندقَ، وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ . وروى عنه محمدُ بن سهل بن أبي خثمة، وحرام بن سعد بن محيصة (١).
وأما حماد بن زيد؛ فكنيته: أبو إسماعيل، واسم جده: درهم، ويقال
لحماد: الأزرق، وهو أزديٌّ، جهضميٌّ، بصريٌّ، مولى جرير بن حازم. سمع خلقًا من التابعين وغيرهم. وروى عنه خلائق من الأئمة والعلماء.
قال ابن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
стр. 1400
وفي حماد أنشد ابن المبارك -رحمة الله تعالى عليه-:
أَيُّها الطالبُ علمًا ... ائتِ حَمَّادَ بْنَ زَيدِ
فَخذِ العلمَ بحلمٍ ... ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْد
وَدَعِ البدعَةَ من ... أَشْعار عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ
وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمَّادان، فإذا طلبتم العلم، فاطلبوه من الحمَّادَيْن.
فقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حماد بن زيد.
وقال أبو زرعة: هو أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثًا وأتقن.
وقال يزيد بن زريع: هو أثبت من ابن سلمة، وكان ابن سلمة رجلًا صالحا.
وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدًا من الشيوخ أحفظَ من حماد بن زيد.
وقال ابن سعد: كان ثقة، ثبتا، حجة، كثير الحديث.
ولد حماد بن زيد سنة ثمان وتسعين، وتوفي في رمضان سنة تسع وتسعين ومئة، ابن إحدى وثمانين سنة، وصلى عليه إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، وهو يومئذ والٍ على البصرة.
روى له البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند (١).
وأما سعيد بن عبيد؛ فكنيته: أبو الهذيل، طائيٌّ كوفيٌّ. روى عن بشير بن يسار، وعلي بن ربيعة الوالبي. وروى عنه: الثوري، وابن المبارك، ووكيع، ويحيى بن سعيد، وغيرهم.
وقال ابن حنبل وابن معين: ثقة.
стр. 1401
وقال يحيى القطان: ليس به بأس.
وروى له البخاري، ومسلم، وغيرهما (١).
أما قوله: فذهبَ عبدُ الرحمن يتكلّم، فقال: "كَبِّرْ كَبِّرْ"؛ فاعلم أن عبد الرحمن هذا هو أخو عبد الله المقتول بخيبر، كما ذكرناه. وهو ابن سهل، كان له علم وفهم. ويقال: إنه شهد بدرًا، وهو الذي قال لأبي بكر الصديق ﵁ لما جاءته جدتان أم أم، وأم أب، فأعطى السدس أم الأم دون أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل -رجل من الأنصار من بني حارثة، قد شهد بدرًا-: يا خليفة رسول الله! أعطيته التي لو ماتت له لم يرثها، وتركت التي لو ماتت ورثها! فجعله أبو بكر بينهما (٢).
وروى عنه محمَّد بن كعب القرطبي عنه: أنه غزا، فمرت به روايا تحمل خمرًا، فشقها برمحه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نُدخل الخمر بيوتَنا وأسقيتَنا (٣).
وأمره رسول الله ﷺ له بقوله: "كَبِّرْ كَبِّرْ"؛ معناه: ليتكلمِ الأكبرُ، وأكده بالتكرير؟ تنبيها على شرف السنِّ.
فإن قيل: الحق في المطالبة بالدم لعبد الرحمن؟ فإن المقتول أخوه، ومحيصة وحويصة ابنا عم لا حقَّ لهما في المطالبة به مع وجوده، وقد أمر برد الكلام إليهما، فالجواب: أن كلام عبد الرحمن لم يكن حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، وإنما هو بيان وشرح للواقعة، والأكبرُ أفقهُ وأعلم بذلك، خصوصًا في مخاطبة الكبار.
стр. 1402
أو يقال: إن عبد الرحمن وكَل الأكبرَ المتكلِّم في الدعوى والمساعدة له؛ حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، ولذلك يُقال في عرض اليمين عليهم بقوله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون قاتلَكُم أو صاحبكُم؟ "، مع أن المستحق الوارث للحق في القتيل عبد الرحمن دونهما.
والجواب: أن الخطاب وقع لهم، والمراد من يختص باليمين والاستحقاق، وذلك مغتفر؛ للعلم به. وإنما اغتفر؛ حيث إن الكلام وسماعه كان من الجميع ثلاثتهم في صورة القتل، وكيفية ما جرى فيه، وإن كانت حقيقته [الدعوى] (١) واليمين، إنما يتصوران من الوارث أو وكيله فيما يجوز التوكيل فيه، والله أعلم.
ومعناه: ثبت حقكم على من حلفتم عليه.
قوله: "فتبرئكمْ يهودُ"؛ يهودُ مرفوع لا ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلمية.
قوله ﷺ : "يقسمُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ "؛ الرمَّة: بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة؟ ومعناه: تسليم القاتل بجملته إلى ولي القتيل للقتل، وأصل الرمة: الحبل الذي يكون في عنق البعير؛ ليسلم به إلى من يقوده به، شُبه به القاتل في تسليمه للقتل، والله أعلم (٢).
وهذا الحديث أصل في القَسامة وأحكامها، والقَسامة -بفتح القاف وتخفيف السين- مشتقة من القَسَم أو الأَقسام؛ وهي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم عند اللَّوْثِ، وقيل: إنها اسم للأولياء عند أهل اللغة، وعند الفقهاء: اسم للأيمان. وقد نقل عن جماعة من أهل اللغة، وهو الصحيح.
ثم اعلم أن موضع جريان القسامة: أن يوجد قتيل لا يُعرف قاتله، ولا تقوم عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتلَه على واحد أو جماعة مع قرينة الحال، بما
стр. 1403
يشعر به صدق الولي. ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدعيه.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: إثبات القسامة، وهو أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفيَّة الأخذ به.
وأبطل القسامة جماعة، وقالوا: لا حكمَ لها, ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قِلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري، وغيرهم.
وعن عمر بن عبد العزيز رِوَايَتَانِ كالمذهبين، والله أعلم.
ومنها: ما ذكرنا أن القسامة إنما تكون عند اللوث، وله صور:
إحداها: وجدانُ القتيلِ في محلة أو قرية، بينه وبين أهلها عداوة ظاهرة، ووصف بعضهم القرية هنا: أن تكون صغيرة، واشترط ألَّا يكون معهم ساكن غيرهم؛ لاحتمال القتل من غيرهم حينئذ.
الثانية: ثبوتُه من غير بينة على معاينة القتل، وهو قول مالك، والليث، والشافعي.
ومن اللوث: شهادةُ العدل وحدَه. وكذا قول جماعة ليسوا عدولًا.
الثالثة: لا يشترط في ثبوته قولُ المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو ضربني، وإن لم يكن به أثر، وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي، أو جرحني. ولا يشترط ذكر القتل عمدًا عند فقهاء الأمصار جميعهم، والعلماء كافة.
واشترط ذلك جميعَه: الليثُ، ومالك؛ وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا.
стр. 1404
وردَ ذلك القاضي عياض، وقال: لم يقل بهذا أحد غيرهما, ولا روي إلا عنهما, ولم ير أحد غيرهما فيه قسامة (١).
الرابعة: لا يشترط وجود الدم ولا جراحة عند الشافعي وأصحابه. قالوا: لأن القتل قد يحصل بالخنق، وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس، فيقوم أثرها مقام الجراحة.
واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح فيه، واحتج مالك بقصة بني إسرائيل على عدم الاشتراط في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] قالوا: فأحيي الرجل، فأخبر بقاتله، فلو اشترط ذلك، لم يحتج إلى قوله: وإحيائه.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن هذا شرعُ مَنْ قبلنا، وردَ شرعُنا بحكم غيره.
الثاني: أن ذلك أجراه الله تعالى آية لهم؛ لما ادَّارؤُوا في قتل النفس؛ للحجة عليهم، لا لبيان الحكم الشرعي.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جراحة ولا دم، فلا قَسامة، وإن وجدت الجراحة، ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دون الجراحة: فإن خرج من أنفه، فلا قسامة، وإن خرج من الأنف والأذن، ثبتت القسامة، هكذا حكي عنه.
الخامسة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش بعده أياما، ثم مات قبل أن يفيق منه، لا يكون قسامة، بل يجب القصاص في ذلك عند الشافعي، وأبي حنيفة.
وقال مالك، والليث: هو لوث.
السادسة: إذا وجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آتيًا من جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره؛ من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره مما يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لَوْثٌ موجب للقسامة
стр. 1405
عند مالك، والشافعي. وكذا لو اقتتل طائفتان، فوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديته، فلو وجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية. وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري، وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروي مثله عن عمر وعلي ﵄.
ولو وجد في محلة أقوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتيل هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل، ويلقيه في محلة طائفة؛ لينسب إليهم.
قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون كالقضية التي جرت بخيبر، فحكم النبي ﷺ بالقسامة لورثة القتيل؛ لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. وعند أحمد نحو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية، توجب القسامة، ولا تجب القسامة في شيء من الصور عندهم إلا هنا؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي ﷺ فيها بالقسامة. ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.
قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد، خلف أهل المحلة، وجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثر، ونحوه عن داود، والله أعلم.
ومنها: اشتراط وجود الدم في إيجاب القسامة صريحًا، والجراحة ظاهرًا.
وقد ذكرنا الاختلاف فيه، وأن الشافعية لا يقولون بذلك، وأن غيرهم يقولون به؛