وقال يحيى القطان: ليس به بأس.
وروى له البخاري، ومسلم، وغيرهما (١).
أما قوله: فذهبَ عبدُ الرحمن يتكلّم، فقال: "كَبِّرْ كَبِّرْ"؛ فاعلم أن عبد الرحمن هذا هو أخو عبد الله المقتول بخيبر، كما ذكرناه. وهو ابن سهل، كان له علم وفهم. ويقال: إنه شهد بدرًا، وهو الذي قال لأبي بكر الصديق ﵁ لما جاءته جدتان أم أم، وأم أب، فأعطى السدس أم الأم دون أم الأب، فقال له عبد الرحمن بن سهل -رجل من الأنصار من بني حارثة، قد شهد بدرًا-: يا خليفة رسول الله! أعطيته التي لو ماتت له لم يرثها، وتركت التي لو ماتت ورثها! فجعله أبو بكر بينهما (٢).
وروى عنه محمَّد بن كعب القرطبي عنه: أنه غزا، فمرت به روايا تحمل خمرًا، فشقها برمحه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهانا أن نُدخل الخمر بيوتَنا وأسقيتَنا (٣).
وأمره رسول الله ﷺ له بقوله: "كَبِّرْ كَبِّرْ"؛ معناه: ليتكلمِ الأكبرُ، وأكده بالتكرير؟ تنبيها على شرف السنِّ.
فإن قيل: الحق في المطالبة بالدم لعبد الرحمن؟ فإن المقتول أخوه، ومحيصة وحويصة ابنا عم لا حقَّ لهما في المطالبة به مع وجوده، وقد أمر برد الكلام إليهما، فالجواب: أن كلام عبد الرحمن لم يكن حقيقة دعوى يترتب عليها الحكم، وإنما هو بيان وشرح للواقعة، والأكبرُ أفقهُ وأعلم بذلك، خصوصًا في مخاطبة الكبار.
стр. 1402
أو يقال: إن عبد الرحمن وكَل الأكبرَ المتكلِّم في الدعوى والمساعدة له؛ حيث أمر بالتفويض في المطالبة إلى الأكبر، ولذلك يُقال في عرض اليمين عليهم بقوله ﷺ : "أتحلفون وتستحقون قاتلَكُم أو صاحبكُم؟ "، مع أن المستحق الوارث للحق في القتيل عبد الرحمن دونهما.
والجواب: أن الخطاب وقع لهم، والمراد من يختص باليمين والاستحقاق، وذلك مغتفر؛ للعلم به. وإنما اغتفر؛ حيث إن الكلام وسماعه كان من الجميع ثلاثتهم في صورة القتل، وكيفية ما جرى فيه، وإن كانت حقيقته [الدعوى] (١) واليمين، إنما يتصوران من الوارث أو وكيله فيما يجوز التوكيل فيه، والله أعلم.
ومعناه: ثبت حقكم على من حلفتم عليه.
قوله: "فتبرئكمْ يهودُ"؛ يهودُ مرفوع لا ينصرف؛ لأنه اسم للقبيلة والطائفة، ففيه التأنيث والعلمية.
قوله ﷺ : "يقسمُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟ "؛ الرمَّة: بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة؟ ومعناه: تسليم القاتل بجملته إلى ولي القتيل للقتل، وأصل الرمة: الحبل الذي يكون في عنق البعير؛ ليسلم به إلى من يقوده به، شُبه به القاتل في تسليمه للقتل، والله أعلم (٢).
وهذا الحديث أصل في القَسامة وأحكامها، والقَسامة -بفتح القاف وتخفيف السين- مشتقة من القَسَم أو الأَقسام؛ وهي اليمين التي يحلف بها المدعي للدم عند اللَّوْثِ، وقيل: إنها اسم للأولياء عند أهل اللغة، وعند الفقهاء: اسم للأيمان. وقد نقل عن جماعة من أهل اللغة، وهو الصحيح.
ثم اعلم أن موضع جريان القسامة: أن يوجد قتيل لا يُعرف قاتله، ولا تقوم عليه بينة، ويدعي أهل القتيل قتلَه على واحد أو جماعة مع قرينة الحال، بما
стр. 1403
يشعر به صدق الولي. ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدعيه.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: إثبات القسامة، وهو أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم، وإن اختلفوا في كيفيَّة الأخذ به.
وأبطل القسامة جماعة، وقالوا: لا حكمَ لها, ولا عمل بها، منهم: سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وأبو قِلابة، ومسلم بن خالد، وابن علية، والبخاري، وغيرهم.
وعن عمر بن عبد العزيز رِوَايَتَانِ كالمذهبين، والله أعلم.
ومنها: ما ذكرنا أن القسامة إنما تكون عند اللوث، وله صور:
إحداها: وجدانُ القتيلِ في محلة أو قرية، بينه وبين أهلها عداوة ظاهرة، ووصف بعضهم القرية هنا: أن تكون صغيرة، واشترط ألَّا يكون معهم ساكن غيرهم؛ لاحتمال القتل من غيرهم حينئذ.
الثانية: ثبوتُه من غير بينة على معاينة القتل، وهو قول مالك، والليث، والشافعي.
ومن اللوث: شهادةُ العدل وحدَه. وكذا قول جماعة ليسوا عدولًا.
الثالثة: لا يشترط في ثبوته قولُ المقتول في حياته: دمي عند فلان، وهو قتلني، أو ضربني، وإن لم يكن به أثر، وفعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي، أو جرحني. ولا يشترط ذكر القتل عمدًا عند فقهاء الأمصار جميعهم، والعلماء كافة.
واشترط ذلك جميعَه: الليثُ، ومالك؛ وادعى مالك: أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا.
стр. 1404
وردَ ذلك القاضي عياض، وقال: لم يقل بهذا أحد غيرهما, ولا روي إلا عنهما, ولم ير أحد غيرهما فيه قسامة (١).
الرابعة: لا يشترط وجود الدم ولا جراحة عند الشافعي وأصحابه. قالوا: لأن القتل قد يحصل بالخنق، وعصر الخصية، والقبض على مجرى النفس، فيقوم أثرها مقام الجراحة.
واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح فيه، واحتج مالك بقصة بني إسرائيل على عدم الاشتراط في قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] قالوا: فأحيي الرجل، فأخبر بقاتله، فلو اشترط ذلك، لم يحتج إلى قوله: وإحيائه.
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن هذا شرعُ مَنْ قبلنا، وردَ شرعُنا بحكم غيره.
الثاني: أن ذلك أجراه الله تعالى آية لهم؛ لما ادَّارؤُوا في قتل النفس؛ للحجة عليهم، لا لبيان الحكم الشرعي.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جراحة ولا دم، فلا قَسامة، وإن وجدت الجراحة، ثبتت القسامة، وإن وجد الدم دون الجراحة: فإن خرج من أنفه، فلا قسامة، وإن خرج من الأنف والأذن، ثبتت القسامة، هكذا حكي عنه.
الخامسة: إذا شهد عدلان بالجرح، فعاش بعده أياما، ثم مات قبل أن يفيق منه، لا يكون قسامة، بل يجب القصاص في ذلك عند الشافعي، وأبي حنيفة.
وقال مالك، والليث: هو لوث.
السادسة: إذا وجد المتهم عند المقتول، أو قريبًا منه، أو آتيًا من جهته، ومعه آلة القتل، وعليه أثره؛ من لطخ دم وغيره، وليس هناك سبع ولا غيره مما يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لَوْثٌ موجب للقسامة
стр. 1405
عند مالك، والشافعي. وكذا لو اقتتل طائفتان، فوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديته، فلو وجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت فيه القسامة، وتجب بها الدية. وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري، وإسحاق: تجب ديته في بيت المال. وروي مثله عن عمر وعلي ﵄.
ولو وجد في محلة أقوم، أو قبيلتهم، أو مسجدهم، فقال مالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وداود، وغيرهم: لا تثبت بمجرد هذا قسامة، بل القتيل هدر؛ لأنه قد يقتل الرجل الرجل، ويلقيه في محلة طائفة؛ لينسب إليهم.
قال الشافعي: إلا أن يكون في محلة أعدائه، لا يخالطهم غيرهم، فيكون كالقضية التي جرت بخيبر، فحكم النبي ﷺ بالقسامة لورثة القتيل؛ لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة، ولم يكن هناك سواهم. وعند أحمد نحو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة، والثوري، ومعظم الكوفيين: وجود القتيل في المحلة والقرية، توجب القسامة، ولا تجب القسامة في شيء من الصور عندهم إلا هنا؛ لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي ﷺ فيها بالقسامة. ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر.
قالوا: فإن وجد القتيل في مسجد، خلف أهل المحلة، وجبت الدية في بيت المال، وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة.
وقال الأوزاعي: وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة، وإن لم يكن عليه أثر، ونحوه عن داود، والله أعلم.
ومنها: اشتراط وجود الدم في إيجاب القسامة صريحًا، والجراحة ظاهرًا.
وقد ذكرنا الاختلاف فيه، وأن الشافعية لا يقولون بذلك، وأن غيرهم يقولون به؛
стр. 1406
لوجود عبد الله بن سهل يتشحط في دمه قتيلًا، والحكم بالقسامة بسببه.
ومنها: فضيلة السن عند التساوي في الفضائل. وله نظائر؛ تقدم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك.
ومنها: البداءة في القسامة بيمين المدعي، وهو مذهب أهل الحجاز، ونقل عن أبي حنيفة خلافه. وهو مخالف لما اقتضاه الحديث.
وقدم المدعي هنا باليمين خلافًا لسائر الخصومات؛ فإنه ﷺ قال: "البينةُ على المدعي واليمينُ على مَنْ أنكَر" (١)؛ لما انضاف إلى دعواه من شهادة اللوث مع عظم قدر الدماء. وكل واحد من هذين المعنيين جزء علة لا علة مستقلة.
ومنها: أن الأيمان في القسامة المستحقة خمسون يمينًا.
والحكمة في تعددها: أن تصديق المدعي على خلاف الظاهر بالعدد؛ ولتعظيم شأن الدم، فلو كانت الدعوى في غير محل اللوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه، فهل تجب خمسين يمينا؟
فيه قولان للشافعي ﵀.
ومنها: أن المدعي في محل القسامة، إذا نكل، غلظت اليمين بالتعداد على المدعى عليه؛ لقوله ﷺ : "فتبرئكم يهودُ بخمسينَ يمينًا؟ ".
وفي هذه المسألة طريقان للشافعي:
أحدهما: إجراء قولين؛ لأن نكوله يبطل اللوث، وكأنه لا لوث.
والطريق الثاني، وهو الأصح: القطع بالتعدد؛ للحديث؛ فإنه جعل أيمان المدعى عليهم كأيمان المدعين.
стр. 1407
ومنها: صحة يمين الكافر والفاسق.
ومنها: أن القسامة يثبت بها القصاص؛ لقوله ﷺ : "أتحلفونَ وتَستحقُّون قاتلَكم أو صاحبكُم؟ ".
وفي رواية في "الصحيح": "دمَ صاحبكُم" (١) وهو قول الشافعي في القديم، وهو مذهب مالك وأصحابه، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وبه قال الزهري، وربيعة، وأبو الزناد.
وروي عن أبي الزبير، وعمر بن عبد العزيز، قال أبو الزناد: قبلنا بالقسامة، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل، فما اختلف منهم اثنان (٢).
والذي قال بهذا، جعل له شرطين:
أحدهما: ما يقتضي القصاص في الدعوى.
والثاني: المكافأة في القتل، وشبهوا القتل بها باليمين المردودة في استحقاق ما ادعى به.
وقال الشافعي في الجديد من قوليه، والكوفيون: لا يجب بها القصاص، وإنما تجب الدية.
وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية ﵃، وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن بن صالح، واستدل [لذلك] (٣) من الحديث الصحيح بقوله ﷺ : "إما أَنْ تَدُوا
стр. 1408
صاحِبكُم، وإمَّا أَنْ تُؤذِنُوا بِحَرْبٍ"؛ فإنه يدل على أن المستحق دية لا قود؛ ولأنه لم يتعرض للقصاص، لكن قوله ﷺ : "فبدفع بِرُمَّتِهِ" أقوى من قوله: "وتستحقون دمَ صاحبِكم"؛ لأن قولنا: "يدفع برمته" مستعمل في دفع القاتل للأولياء للقتل، أو لأن الواجب الدية، ويبعد استعمال هذا اللفظ فيها، وهو أظهر في استعماله في تسليم القاتل.
والاستدلال بقوله: "دمَ صاحِبكم" أظهرُ من الاستدلال بقوله: "وتستحقون قاتلَكم أو صاحبَكُم" احتمالًا ظاهرًا، لكن بعد التصريح بالدم، يحتاج إلى تأويل لفظه، بإضمار بدل دم صاحبكم، والإضمار على خلاف الأصل، ولو احتيج إلى الإضمار، لكان أقرب إلى اقتضاء حمله على إراقة الدم.
وأشار بعض المخالفين إلى احتمال أن يكون المراد بقوله: "دمَ صاحبِكم" هو القتيل، لا القاتل، ورد ذلك قولُه: "دمَ صاحبِكم أو قاتلَكُم".
ومنها: أن القسامة إنما تكون على واحد؛ لقوله ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم"، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على ما شاؤوا, ولا يقتلون إلا واحدًا، وقال الشافعي: إن ادعوا على جماعة، حلفوا عليهم، وتثبت عليهم الدية، على الصحيح عند الشافعي.
وعلى قول: يجب القصاص عليهم، وهو قول المغيرة بن عبد الرحمن من أصحاب مالك، فإنه لو قتل أكثر من واحد، لم يتعين أن يقسم على واحد منهم، قال: وإن حلفوا على واحد، استحقوا عليه وحده.
ومنها: أن لو تعدد المدعون في محل القسامة، حلف كل واحد منهم خمسين يمينًا؛ لقوله ﷺ : "يقسمُ خمسون منكم على رجل منهم"؛ ومعناه: يقسم كل واحد من الخمسين القسمَ المشروع في ذلك، وهو خمسون يمينًا.
وقد نقل عن الشافعي -رحمه الله تعالى- في كيفية أيمانهم قولان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أن الجميع يحلفون خمسين يمينًا، وتوزع الأيمان عليهم، وإن وقع
стр. 1409
كسر، تُمم؛ فلو كان الوارث اثنين مثلًا، حلف كل واحد خمسة وعشرين يمينًا، وإن اقتضى التوزيع كسرًا في صورة أخرى؛ كما إذا كانوا ثلاثة، كملنا الكسر، فيحلف كل واحد سبعة عشر يمينًا.
ثم الحالفون: هم ورثة الدم، فلا يحلف غيرهم من الأقارب، سواء كان الوارثون ذكورًا أو إناثًا، وسواء كان القتل عمدًا أو خطأ، وهذا هو مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور، وابن المنذر، ووافق مالك فيما إذا كان القتل خطأ، أما إذا كان عمدًا، فقال: فيحلف الأقارب خمسين يمينًا، فلو كان المدعون أكثر من خمسين، لم يحلف منهم إلا خمسون، وهو ظاهر الحديث.
قال مالك: ولا يحلف النساء ولا الصبيان، ووافقه ربيعة، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر.
واحتج الشافعي بقوله ﷺ : "أتحلفونَ خمسينَ يمينًا، فتستحقونَ صاحبكُم"؛ فجعل الحالف هو المستحق للدية أو القصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية.
ومنها: أن القسامة إنما تجري في قتل الحر، فلو كان المقتول عبدًا، فهل تجري فيه القسامة؟
فيه قولان للشافعي: مأخذهما شرف الحرية أو الدماء، فمن نظر إلى شرف الحرية، لم يعده إلى العبد، ومن نظر إلى الاحتياط للدماء، عَدَّاه؛ حيث إنه يشمل الحر والعبد.
ومنها: أن القسامة تجري في قتل النفس الكاملة؛ لظاهر الحديث.
وهل تجري فيما دون النفس من الأطراف والجراحات؟
قال المالكية: لا، وعند الشافعية قولان، منشؤهما: أن وصف كونها نفسًا، له أثر أم لا؟ وكون الحكم بالقسامة على خلاف القياس يقوي الاقتصار على مورده.
стр. 1410
ومنها: جواز الحكم على الغائب، وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم.
ومنها: جواز اليمين بالظن الراجح، وإن لم يوجد القطع اليقيني.
ومنها: أن الحكم بين المسلم والكافر، يكون بحكم الإِسلام.
ومنها: نظر الإِمام في المصالح العامة، والاهتمام بإصلاح ذات البين، والله أعلم.
ومنها: جواز دفع الدية إلى أولياء المقتول من بيت المال، ويجعل قول الراوي: "فوداه من عنده" محمولًا على بيت المال المعد لمصالح المسلمين، مع احتمال أنها من خالص ماله ﷺ .
واستدل به الإِمام أبو إسحاق المروزي من الشافعية على جواز صرفها من إبل الزكاة.
وجعل بعض العلماء ذكرَ إبلِ الصدقة غلطًا من الرواة؛ حيث إنها مستحقه لأصناف الزكاة، وحمله جمهور الشافعية على أنه اشتراها من أصل الصدقات، بعد أن ملكوها، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن جَارِيةً وُجِدَ رَأسُهَا مَرْضُوخًا بينَ حَجَرَين، فَقيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ؟ فُلاَنٌ، فُلاَنٌ، حتى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَومَأَتْ بِرَأسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُوديُّ، فَاعترَفَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأسُهُ بين حَجَرَينِ (١).
стр. 1411
وَلَمُسْلِم والنَّسَائي عَنْ أنسٍ ﵁: أَن يَهُودِيًّا قَتلَ جَارِيةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فأقادَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١) الجارِيةَ المَرضُوضَ رَأسُها، وَقَاتِلُهَا اليَهُودِيُّ لَا يُعْرَف اسْمُهُ، واللهُ أَعْلَمُ.
أما الأوضاحُ -بالضاد المعجمة- فهي قطع فضة، والمراد: قطع فضة، وقال الجوهري: الأوضاح: حلي من الدراهم الصحاح والعين. قتلها اليهودي؛ ليأخذ ذلك منها (٢).
والرضُّ: الرضخ.
ومعنى "بين حجرين"؛ أي: وضع رأسها على حجر، ورمى بحجر آخر.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يُعتَدُّ به.
ومنها: وجوب قتل الذمي بالمسلم.
ومنها: جواز سؤال الجريح: من جرحك؟ لفائدة تعرف الجارح من بين المتهمين؛ ليطالب، فإن أقر، ثبت عليه القتل؛ كما جرى لليهودي من أخذه واعترافه، فلو أنكر، فالقول قوله مع يمينه، ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح، وهو قول جمهور العلماء.
وقال مالك: يثبت القتل بمجرد قول المجروح على المتهم؛ تعلقا بهذا الحديث، وهو تعلق باطل؛ فإن اليهودي لم يُقتل إلا باعترافه، لا بمجرد قول المجروح.
ومنها: التوصل إلى معرفة القاتل بتعديد الأشخاص عليه؛ لقصد معرفة الحق، ودفع الريبة فيه.
стр. 1412
ومنها: أن الإشارة بالرأس ونحوه في ذلك قائمة مقام النطق.
ومنها: وجوب القصاص بالقتل بالمثقل عمدًا، وهو ظاهر من الحديث، وقوي في المعنى؛ حيث إنه صيانة للدماء من الإهدار، وهو مطلوب الشرع.
والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إزهاق الأرواح؛ فلو لم يجب القصاص بالقتل بالمثقل، لأدى ذلك إلى إيجاد القتل به ذريعة إلى إهدار القصاص، وهو خلاف المقصود من حفظ الدماء، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا في القتل بمحدَّد؛ من حديد أو حجر أو خشب، أو كان معروفًا بقتل الناس؛ كالمنجنيق، والإلقاء في النار، واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد؛ كالدبوس. واعتذر الحنفيون عن الحديث بأعذار ضعيفة:
منها: أن قتل اليهودي إنما كان سياسة لا قصاصًا، قالوا: فإن اليهودي كان ساعيًا في الأرض فسادًا، وكان من عادته قتل الصغار بذلك، وهذا كله مردود يقول أنس ﵁ في رواية مسلم والنسائي في الكتاب: فأقاده رسول الله ﷺ .
ومعلوم أن الإقادة لا تقال في القتل سياسة، فإن كانت الجناية شبه عمد؛ بأن قتل بما لا يقصد به القتل غالبًا، فتعمد القتل به، كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحو ذلك، فقال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمَنْ بعدهم من أئمة المذاهب وغيرهم؛ كالشافعي، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: لا قصاص فيه، وقال مالك، والليث: يجب فيها القود.
ومنها: اعتبار المماثلة في استيفاء القصاص بالقتل بالمثقل؛ فيقتل على الصفة التي قتل، فإن قتل بالسيف، قتل هو بسيف، وإن قتل بحجر أو خشب، أو نحوهما، قتل بمثله؛ لأن اليهودي رضخَها، فَرُضخ هو، وهذا هو مذهب
стр. 1413
الشافعي، ومالك، فإن اختار الوالي العدول إلى السيف، فله ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا قودَ إلا في القتل بالسيف، والحديثُ يرد عليه، وهو دليل لمالك والشافعي؛ فإن النبي ﷺ رضَّ رأس اليهودي بين حجرين كما فعل هو بالجارية، فلو كان الذي وقع به القتل محرمًا؛ كالسحر، فإنه لا يقتل به.
واختلف أصحاب الشافعي فيما لو قتل باللواط، وبإيجار الخمر، فمنهم من أسقط المماثلة؛ حيث إنها محرمة كالسحر، ومنهم من قال: تدس فيه خشبة مثل الذكر، ويوجر الماء بدل الخمر.
والقتل بالسيف في هذه الصورة، قيل: هو أشد من فعله، والخنق يغيب الحس، فهو أسهل من فعله، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَما فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ ﷺ مَكةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ في الجَاهِلِيةِ، فَقَامَ النبِي ﷺ فَقَالَ: "إن اللهَ قَدْ حَبَس عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤمنينَ، وإنَّهَا لَا تَحِل لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإنَّها سَاعَتِي هَذه حَرَامٌ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يقتلَ، وإمَّا أَنْ يُفْدَى"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يقالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اكتبوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ العَباسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إلَّا الإذْخِرَ؛ فَإنا نَجْعَلُهُ في بيوتنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إلَّا الإذْخِرَ" (١).
стр. 1414
تقدم الكلام على فتح مكة وتاريخه، ومعظم ما يتعلق بهذا الحديث من المعاني، وشرح الألفاظ والأحكام في باب: حرمة مكة، من كتاب: الحج، ونتكلم الآن على ما يتعلق بهذا الحديث بما زاد علي ذلك، والله أعلم.
أما هذيل؛ فهي قبيلة كبيرة، والنسبة إليها: هُذلِيٌّ -بضم الهاء وفتح الذال المعجمة-، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، تفرقت في البلاد، وأكثر أهل نخلة -قرية على ستة فراسخ من مكة، على طريق الحاج- من هذيل، والله أعلم (١).
وأما بنو ليث، فهو ليث بن كنانة، حليف بني زهرة، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (٢)، ولا أدري المقتول من أيهما، والله أعلم.
قوله ﷺ : "إن اللهَ حبسَ عن مكةَ اللَّيلَ، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين".
أما الفيل: فهو بالفاء والياء آخر الحروف، وشك بعض الرواة فيه، فقال: القيل، أو القتل: بالقاف والتاء المثناة فوق (٣). وقد قابل التسليط الذي وقع له ﷺ بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن القتال، وقصة الفيل وحبسه عن مكة مشهورة في كتب التفاسير والتواريخ.
وقد اختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي ﷺ بأربعين سنة، وقال الكلبي بثلاث وعشرين سنة، والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله ﷺ (٤).
وقوله ﷺ : "ومن قُتل له قتيل، فهو بخير النَّظَرين: إما أن يقتل، وإمَّا أن يُفْدَى"؛ معناه: أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية.
стр. 1415
وقوله: "فقامَ رجلٌ من أهلِ اليمن، يُقال له: أبو شاهٍ، فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي":
أما أبو شاه: فهو بهاء تكون هاءً في الوقف والدَّرْج، ولا يقال بالتاء، وصحفه بعض الفضلاء والمتأخرين، فقاله: وبالهاء المنطوق بها تاء وقفًا ووصلًا؛ كشاة الغنم، وأنكر عليه. قال العلماء بالكنى: ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته (١).
والذي أراد أبو شاه كتابته: هو خطبة النبي ﷺ يوم فتح مكة بمكة.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: تذكير الناس في المجامع والفتوحات بأيام الله تعالى، وما من به فيها من الآيات البينات، وتعليمهم الأحكام الشرعيات.
ومنها: استدلال بعضهم بقوله ﷺ : "وسَلطَ عليها رسولَه والمؤمنين" على أن فتح مكة كان عنوة، وقد تقدم ذلك، والكلام عليه.
ومنها: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء ولي القتيل، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك: ليس للولي إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضا الجاني، وهو خلاف نص هذا الحديث.
ومنها: أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية؛ وهو أحد القولين للشافعي، والثاني: أن الواجب القصاص لا غير، وإنما تجب الدية بالاختيار، فليس للولي أخذها بغير رضا القاتل، وتظهر فائدة الخلاف في صورتين:
منها: عفو الولي عن القصاص، إن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين، يسقط
стр. 1416
القصاص، وتثبت الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص بعينه، لم يجب قصاص ولا دية، ويحمل الحديث على قتل العمد؛ حيث إنه لا يجب القصاص في غير العمد.
الصورة الثانية: موت القاتل، فعلى قول التخيير: يأخذ الدية، أو على قول التعيين: تسقط الدية.
ومنها: الإذن في كتابة العلم غير القرآن. وقد ورد في الصحيح حديث علي ﵁: "ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة" (١)، وحديث أبي هريرة ﵁: كان عبد الله بن عمرو يكتب ولا أكتب (٢).
وجاءت أحاديث في النهي عن كتابة غير القرآن، عمل بها السلف، وأكثرهم على جوازها، ثم وقع بعد ذلك إجماع الأمة على استحبابها.
وأجابوا عن حديث النهي بجوابين:
أحدهما: أنها منسوخة؛ لأن النهي كان خوفًا من اختلاط غير القرآن به، فلما اشتهر، وأمنت مفسدة الاختلاط، وقع الإذن فيها.
والثاني: أنه نهي تنزيه، لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة.
فأما من لم يشق بحفظه؛ فإنه تستحب له الكتابة، والإذن محمول عليه، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁: أنَّهُ اسْتشارَ النَّاسَ في إمْلاَصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: شَهِدْتُ النَّبِيّ ﷺ قَضَى فِيهِ بغُرَّةٍ عَبدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: لتأتِيَنَّ بمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ (٣).
стр. 1417
أما عمر والمغيرة، فتقدم ذكرهما.
وأما محمَّد بن مسلمة: فهو حارثي أنصاري أوسي، كنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال له: أبو سعيد، وهو حليف بني عبد الأشهل، واسم أبي أبيه: سلمة بن مالك بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن الأوس.
شهد محمَّد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة عام تبوك.
وروى عنه من الصحابة: جابر بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، والمسور بن مخرمة، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم، وجماعة من التابعين.
وروى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومات بالمدينة، وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، في صفر سنة ثلاث وأربعين، وقيل: سنة سبع وأربعين، وهو ابنُ سبع وسبعين سنة، والله أعلم (١).
وأما الإملاص؛ وهي -بكسر الهمزة-، وهو جنين المرأة، يقال: أملصَتْ به، وأزلقتْ به، وأمهلت به، وكله بمعنى، وهو إذا وضعته قبل أوانه، وكل ما زلق من اليد، فقد مَلِص -بفتح الميم وكسر اللام- مَلَصًا -بفتحهما-، وأملص -أيضًا-، لغتان، وأملصته أنا، هذا كلام أهل اللغة، ووقع في "صحيح مسلم": مِلاص المرأة، وهو صحيح على لغة مَلِصَ، مثل: لِزم لزامًا، يقال:
стр. 1418
ملص الشيء: إذا أفلت، والمراد به الجنين (١).
وقول المغيرة: "قَضى فيه النبي ﷺ بِغُرَّةٍ عبدٍ أو أَمَةٍ"، وفي "صحيح البخاري" عن المغيرة بن شعبة، قال: قضى النبي ﷺ بالغرة عبدٍ أو أمة.
أصل الغرة: بياضٌ في الوجه، قال أبو عمرو: والمراد بالغرة: الأبيضُ خاصة، فلا يجزئ الأسودُ، قال: ولولا أن رسول الله ﷺ أراد بالغرة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها, ولاقتصر على قوله: "عبد أو أمة"، هذا قول ابن عمر، وهو خلاف ما اتفق عليه الفقهاء: أنه يجزئ فيها البيضاء والسوداء، ولا تتعين البيضاء.
قال الجوهري: كأنه عبر بالغرة عن الجسم كله، كما قالوا: عتق رقبة.
وغرةٍ -منون-، وعبدٍ أو أمةٍ بدلٌ منه، وهو هكذا عند جميع الرواة وأهلِ الفقه من المصنفين وغيرهم.
قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى-: ورواه بعضُهم بالإضافة، والأول أوجه وأقيس.
وقال صاحب "المطالع": والصوابُ روايةُ التنوين، وفيما يؤيد ذلك رواية البخاري: بالغرة عبدٍ أو أمةٍ، و"أو" في قوله: "أو أمة" للتقسيم، لا للشك، والمراد بالغرة: عبد أو أمة، وهو اسم لكل واحد منهما.
قال أهل اللغة: الغرة عند العرب أنفسُ الشيء، وأُطلقت هنا على الإنسان؛ لأن الله خلقه في أحسن تقويم (٢).
стр. 1419
وجاء في رواية في غير الصحيح: "بغرةِ عبدٍ أو أمةٍ، أو فرسٍ أو بغلٍ" (١) وهي رواية باطلة قد أحدثها بعض السلف، وسيأتي ذكرهم في الأحكام.
وللفقهاء تصرف في سن العبد بالتقييد، وليس ذلك من مقتضى الحديث، والله أعلم.
وقول عمر ﵁ للمغيرة: "لتأتينَّ بمن يشهدُ معكَ"؛ وهذا كان في أول الأمر يفعله عمر ﵁ للاحتياط في ضبط الشريعة؛ لئلا يتساهل في رواية الأحاديث، ويدخل في الشريعة ما ليس منها، خصوصًا في الأمور الجزئية؛ مثل هذا الحكم، فكيف بالأمر الكلي؟ وإلا فخبر الواحد مقبول معمول به عند الصحابة والتابعين وهلم جرًّا، خصوصًا عند استقرار القواعد ومعرفة الأحكام، وتقرير الأدلة.
ولا شك أنه لما مات النبي ﷺ ، واستُخلف أبو بكر، وارتد من ارتد، وتفرقت الصحابة ﵃ في البلاد، واشتغلوا بالغزو وفتح البلاد، وكان عمر ﵁ حزورًا خشي من التبديل في الشرع والتحريف؛ فشدد في ذلك؛ لينضبط الناس في البلاغ والتكلم في العلم إلا ببينة وتثبت؛ خوفًا من أن يدخل في الشرع ما ليس فيه، والله أعلم.
وقد فعل ذلك عمر مع أبي موسى ﵄ في حديث الاستئذان، وصرح عمر ﵁ فيه: بأنه أراد الاستثبات لأمر أوجبه من استبعاد عدم العلم به، أو شكه فيه؛ أو لزيادة الاستظهار، أو للتثبت في الأشياء، واتخاذ ذلك عادة، ونحو ذلك، والله أعلم.
стр. 1420
وفي الحديث أحكام:
منها: استشارة الإِمام في الأحكام إذا لم تكن معلومة له.
ومنها: أن العلم الخاص معفو عنه عن الأئمة والكبار تعلمه، فيتعلمونه ممن دونهم؛ فالحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها.
ومنها: الرد على من يغلو من المقلدين في أنه إذا استدل عليه بحديث، فيقول: لو كان صحيحًا، لعلمه فلان مثلًا؛ فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة، وجاز عليهم، فهو على غيرهم أجوز.
ومنها: ما تمسك به بعض من اعتبر العدد في الرواية, وهو مذهب غير صحيح؛ فإنه قد ثبت قبول خبر الواحد العدل، وهو قاطع بعدم اعتبار العدد فيها. وأما طلب العدد في حديث جزئي لا يدل على اعتباره أمر كلي، فلا مانع منه؛ لجواز أن يحال المانع في العام على مانع خاص بتلك الصورة، فيقع الشك فيها، فيحتاج إلى الاستظهار بزيادة العدد فيها، خصوصًا إذا قامت قرينة ظاهرة؛ مثل: عدم علم عمر ﵁ بهذا الحكم.
ومنها: أن دية الجنين غرة عبد أو أمة، وهو إذا ألقته ميتًا بسبب الجناية، وهذا الحديث أصل في إثباتها، واعتبر الفقهاء أن تكون قيمتها عُشْر دية الحرّ، أو نصف عشر دية الأب، ولا يشترط فيها أن تكون بيضاء ولا سوداء، بل أيهما دفع أجزأ، ولا يجزئ غيرهما من الحيوانات.
وحكي عن طاوس وعطاء ومجاهد: أنها تكون فرسًا، وقال داود: كل ما وقع عليه اسم الغرة يجزئ، وهذا المذهبان مخالفان لصريح الحديث في العبد والأمة.
واتفق العلماء على أن دية الجنين هي الغرة، سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، والحكمة في ذلك أنه قد يخفى، فيكثر النزاع فيه، فيضبطه ﷺ بضابط يقطع النزاع.
ثم لا فرق بين أن يكون الجنين كامل الأعضاء أم ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي، ففي كل ذلك الغرةُ بالإجماع.
стр. 1421
ثم الغرة تكون لورثة الجنين على مواريثهم الشرعية، وهذا شخص يورث ولا يرث، ولا يعرف له نظير إلا مَنْ بعضُه حر وبعضه رقيق؛ فإنه لا يرث عند الشافعية.
وهل يورث؟ فيه قولان للشافعي: أصحهما: يورث، وهو مذهب جماهير العلماء.
وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء: أن الجنين كعضو من أعضاء الأم، فتكون ديته لها خاصة، فلو انفصل الجنين حيًّا ثم مات، وجب فيه كمال الدية، فإن كان ذكرًا، وجب فيه مئة بعير، وإن كان أنثى، فخمسون، وهذا مجمع عليه، وسواء في هذا الخطأ والعمد.
ومتى وجبت الغرة، فهي على العاقلة، لا على الجاني، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وسائر الكوفيين، وقال مالك والبصريون: تجب على الجاني، قال الشافعي وآخرون: يلزم الجاني الكفارة، وقال بعضهم: لا كفارة عليه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امرَأتانِ من هُذَيْلِ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن دِيةَ جَنِينِهَا: غرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَها وَلدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بنُ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ! كيفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَل، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّما هُوَ مِنْ إخْوَانِ الكُفانِ"؛ مِنْ أَجلِ سَجعِهِ الذِي سَجَعَ (١).
стр. 1422
أما المرأتان؛ فالضاربة، يقال لها: أم عفيف بنت مسروح. واسم المرأة ذات الجنين مليكة بنت عويمر، ذكر ذلك الحافظ أبو القاسم خلف بن بشكوال، وقال: ذكر ذلك عبد الغني، وفي حديثه: فقال العلاء بن مسروح: يا رسول الله! أنغرم من لا شرب ولا أكل، الحديث.
وقيل: إن المتكلم بذلك حَمَلُ بن مالك بنِ النابغة، وأنه كان له امرأتان؛ مليكة وأم عفيف، كذا في "مسند" الحارث بن أبي أسامة، وكذا في "المنتقى" لابن الجارود: أن المتكلم حَمَلٌ المذكور، هذا آخر كلام ابن بشكوال (١).
وكون المتكلم حملَ بنَ النابغة: هو الصحيح؛ لثبوته في "الصحيحين"، كما ذكره المصنف، والله أعلم.
وأما حمل: فهو بفتح الحاء المهملة والميم، وهو في غالب كتب المحدثين منسوب إلى جده دون أبيه؛ فإن النابغة جده، واسم أبيه: مالك، وهو هذلي من هذيل بن مدركة بن إلياس، نزل البصرة، وله بها دار، وذكره مسلم فيمن روى عن النبي ﷺ من المدينة، وغيره يعُده في البصريين لكن مخرج حديثه في الجنين عند المدنيين، وهو عند البصريين -أيضًا-.
وكنيته: أبو نضلة، ويقال في اسمه: حملة -بزيادة هاء-، ذكره النمري في "الاستيعاب"، وهو غريب.
روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢).
وقوله: "اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيْل"، وفي روايات في "الصحيح" وغيره: من بني لحيان (٣).
стр. 1423
قد يظن من لا معرفة له أنهما متناقضتان، وأن أحدهما غلط، وليس كذلك، فإنهما صحيحتان.
ولِحْيان -بكسر اللام، وقيل بفتحها-: بطن من هذيل.
وقد روي في "الصحيح": أن إحداهما كانت ضرة الأخرى (١)، والضرتان: زوجتا الرجل، سميت كل واحدة ضرة؛ لحصول المضارة بينهما، وتضرر كل واحدة بالأخرى عادة.
والعاقلة: جمع عاقل، وجمع الجمع: عواقل. والمعاقل: الديات، والعقل: الدية، سمي بذلك؛ لأن مؤديها يعقلها بفناء أولياء المقتول. يقال: عقلت فلانًا: إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا غرمت عنه دية جنايته، ويقال لدافع الدية: عاقل؛ لعقله الإبل بالعُقُل، وهي الحبال التي تثنى بها أيدي الإبل إلى ركبها فتشد بها. وعقلت البعير أعقله -بكسر القاف- عقلًا (٢).
والعاقلة عند الفقهاء: العصبات ما عدا الآباء والأبناء، والله أعلم.
وقوله: "فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها"، معناه: رمتها بحجر صغير لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون شبهَ عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني، وبذلك قال الشافعية وجمهور العلماء.
وليس في الحديث المذكور ما يشعر بانفصال ما في بطنها, ولا يفهم من لفظه؛ بخلاف حديث عمر الماضي في إملاص المرأة، فإنه مصرح فيه بالانفصال، وهو مشروط عند الشافعية في وجوب الغرة كما تقدم أنه ينفصل ميتًا بسبب الجناية.
стр. 1424
وفي "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتًا: بغرةٍ: عبدٍ أو أمة (١)، فدل على انفصال الجنين، فهو موافق لحديث عمر، والله أعلم.
فلو ماتت الأم، ولم ينفصل جنين، لم يجب شيء؛ قالوا: لأن المقصود المعتبر نفس الانفصال، فلو لم يحصل الانفصال، فهل يشترط أن ينكشف، أو أن يتحقق حصول الجنين؟ فيه وجهان: أصحهما: الثاني، وينبني على هذا ما إذا قُدَّتْ بنصفين، وشوهد الجنين في بطنها, ولم ينفصل، وما إذا خرج رأس الجنين بعدما ضرب وماتت الأم لذلك، ولم ينفصل، وبمقتضى هذا يحتاجون إلى تأويل هذه الرواية, وحملها على أنه انفصل، وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه، وقد ذكرناه عن "صحيح مسلم"، وقد علق الحكم في الحديث بلفظ الجنين.
فالشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي؛ من يد أو إصبع أو غيرهما, ولو لم يظهر شيء من ذلك، وشهدت البينة بأن الصورة خفية يختص أهل الخبرة بمعرفتها، وجبت الغرة -أيضًا-، وإن قالت البينة: ليست فيها صورة خفية، ولكنه أصل الآدمي، ففيه اختلاف.
والظاهر عند الشافعية: أنه لا تجب الغرة.
وإن شكت البينة في كونه أصل الآدمي، لم تجب، بلا خلاف.
وحظ هذا الحديث أن الحكم مرتب على اسم الجنين مما تخلق، فهو داخل فيه، وما كان دون ذلك، فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوي؛ فإن الجنين مأخوذ من الاجتنان، وهو الاختفاء، فإن خالفه العرف العام، فهو أولى منه، وإلا اعتبر الوضع.
وقوله: "فقامَ حملُ بنُ النابغة الهذليُّ، فقالَ: يا رسولَ الله! كيف أغرمُ مَنْ
стр. 1425
لا أكلَ ولا شربَ ولا نطقَ ولا استهلَّ، فمثلُ ذلكَ يُطَلُّ؟ ":
استهل: رفع الصوت بالصياح ونحوه.
وأما يطل؛ فمعناه: يُهدر؛ أي: يُلغى، قال أهل اللغة: يقال: طُلَّ دمه -بضم الطاء-، وأطل؛ أي: أهدر، وأطله الحاكم، وطله: أهدره، وجوز بعضهم: طل دمه: بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون.
واختلف في ضبط الياء من يُطل، على وجهين:
أحدهما: بالياء المثناة المضمومة وتشديد اللام؛ أي: لا يضمن.
والثاني: بطل، بفتح الباء الموحدة، وتخفيف اللام، فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الأول، والأكثرون على ضبطه بالمثناة، وقال القاضي عياض: جمهور رواة "صحيح مسلم" ضبطوه بالموحدة (١).
قوله: "فقالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّما هو من إخوانِ الكهانِ؛ من أجلِ سجعهِ الذي سجعَ":
الكهَّان: جمع كاهن، وهو تخيل كالسحر، وكلاهما من الجِبْت، واله أعلم.
والسَّجع في الكلام: الذي يأتي في أواخره على نسق واحد، وأصله: القصد المستوي على نسق واحد في كل شيء، وإنما ذم سجعه؛ لما فيه من التكلف لإبطال حق أو تحقيق باطل، أو لمجرد التكلف.
ولا شك أن كل واحد مما ذكرنا مذموم تحقيق، وأما مطلق السجع الذي ليس كذلك، فليس بمذموم، بل ممدوح، خصوصًا إذا كان أدعى إلى قبول الحق أو فهمه أو حفظ لفظه؛ لوروده في حديث النبي ﷺ ، وفي كلام السلف؛ حيث إنه لا يعارض به حق، ولا يتكلف؛ ولهذا شبه ﷺ سجع حَمَلٍ بسجع الكهان؛
стр. 1426
حيث إنهم كانوا يروَّجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق للسامعين، فيستميلون إليها القلوب، ويستصغون إليها الأسماع، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: وقوع الجنايات والخصام فيها إلى الحكام، خصوصا من الضرائر والألزام.
ومنها: وجوب الغرة بالجناية على الجنين وانفصاله ميتا.
ومنها: أنه لا فرق في الغرة بين الذكر والأنثى، وأن مستحقها يجبر على قبولها من أي نوع كان الرقيق المخرَج فيها, لكن يشترط فيه السلامة من العيوب المبينة في الرد بالعيب في البيع، ويمكن الاستدلال على سلامتها من العيوب بمعنى لفظها، وهو الخيار، والمعيب ليس من الخيار.
ومنها: أن في إطلاق الحديث: أنه لا يتقدر للغرة -عبدًا كان أو أمةً- قيمةٌ، وهو وجه للشافعية، وتقدم تقديرها على الأظهر عندهم، هو بنصف عشر دية الأب (١)، وهو خمس من الإبل.
ومنها: أن الغرة إذا وجدت بصفاتها المعتبرة، لا يلزم المستحق قبولُ غيرها؛ لتعينها في الحديث دون شيء آخر، فلو عدمت، هل يلزمه خمس من الإبل أو القيمة؟ فيه خلاف، وليس في الحديث ما يدل على ذلك.
ومنها: أن في إطلاق الحديث ما يقتضي عدم تخصيص سن من دون سن بالغرة، وأصحاب الشافعي قالوا: لا يجبر على قبول من لم يبلغ سبع سنين؛ لحاجته إلى التعهد وعدم استقلاله بنفسه.
وجعل بعضهم: أن الغلام لا يؤخذ بعد خمس عشرة سنة، ولا الجارية بعد عشرين سنة، وجعل بعضهم الحد فيها عشرين سنة.
والأظهر: أنهما يؤخذان، وإن جاوزا السنين، ما لم يضعفا ويعجزا عن
стр. 1427
الاستقلال بالهرم؛ لأن من أتى بما دل عليه الحديث ومسماه، فقد أتى بما وجب، ولزم قبوله، إلا أن يدل دليل على خلافه، كيف والحديث بالإطلاق ليس فيه تقييد بسن، ولا يقتضيه لفظه؟
ومنها: أن وجوب الغرة مقيد بالجناية على جنين الحرة دون الأمة، بخلاف حديث إملاص المرأة؛ فإنه ليس فيه التقييد بالحرة ولا الأمة؛ حيث إن المرأة تطلق عليهما, وليس تقييده بالحرة من عموم لفظ الحديث، بل هو حكم وارد في حكم جنين الحرة لا يدخل تحته جنين الأمة، فيؤخذ حكمه من محل آخر.
وعند الشافعي -رحمه الله تعالى-: أن الواجب في الجناية على جنين الأمة: عشرُ قيمة الأم، ذكرًا كان أو أنثى، لكن الحديث وارد في جنين محكوم بإسلامه، غير متعرض فيه للحكم عليه باليهودية ولا النصرانية تبعًا، وبنى الفقهاء على ذلك القيمة في جنين الأمة تبعًا، وذلك مأخوذ من القياس لا من الحديث.
ومنها: أن دية المرأة الميتة من ضربٍ شبهِ عمدٍ على عاقلتها؛ إجراء حكمها مجرى القتل غير العمد، لا من الحديث.
ومنها: ذم الكهان وسجعهم والتشبه بهم.
ومنها: بيان الأحكام في المنطق وغيره من الأعمال.
ومنها: أن العقل والكلام بالذهن لا مدخل له في الأحكام الشرعية، بل هو مركزها وقالب لها ولفهمها.
ومنها: أنه لا حكم إلا للشرع.
ومنها: جواز السجع غير المتكلف، لا لإبطال حق، ولا لترويج باطل، وإباحة غير ذلك منه، والله أعلم.
* * *
стр. 1428
الحديث الثامن
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄: أَن رَجُلاَ عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتاهُ، فَاخْتَصَمُوا إلَى النبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَعَضُّ أَحَدُكمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفَحْلُ؟ لَا دِيةَ لَكَ" (١).
أما الرجل العاضُّ والمعضوض؟ ففي رواية في "صحيح مسلم": أن المعضوض هو: يعلى بن منية، أو أمية.
وفي روايتين فيه: أنه أجير يعلى، لا يعلى (٢)، وهو الصحيح المعروف عند الحفاظ.
قال شيخنا أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- الحافظ: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين (٣).
وأما قوله ﷺ : "كما يعضُّ الفحلُ"؛ فهو بالحاء المهملة؛ أي: الفحلُ من الإبل وغيرها.
وفي الحديث: إشارة إلى تحريم العض.
وفيه دليل: على أنه ترتب بسبب العض جناية بسقوط سن؛ لتخليص نفسه من عض العاض، فلا ضمان على المعضوض، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وغيرهما، وينبغي أن يكون ذلك بشرط ألَّا يمكنه تخليص يده بغير ذلك
стр. 1429
من ضرب في شدقيه، أو فك في لحييه؛ ليرسلها، فلو أمكن تخليصها بأيسر ما يقدر عليه، فينبغي أنه يضمن.
وخالف مالك في ذلك، وقال: يجب الضمان في السن مطلقا، والحديث صريح لمذهب الشافعي ومن قال بقوله.
والتقييد بعدم الإمكان لغير هذا الطريق، مأخوذ من القواعد الكلية.
فلو لم يمكن التخليص إلا بضرب عضو آخر، كبعج البطن، وعصر الأنثيين، فقد قيل: له ذلك، وقيل: ليس له قصد غير الفم.
وإذا كان القياس وجوب الضمان، فقد يقال: إن النص ورد في صورة التلف بالنزع من اليد، فلا يقيس عليه غيره، لكن إذا دلت القواعد على اعتبار الإمكان في الضمان، وعدم الإمكان في غير الضمان، وفرضنا أنه لم يكن الدفع إلا بالقصد إلى غير الفم، قوي بعد هذه القاعدة، أن يسوى بين الفم وغيره.
وفيه دليل على: الاختصام إلى الحكام عند وقوع الحوادث.
وفيه: تشبيه فعل الآدمي بفعل الحيوان الذي لا يعقل؛ للتنفير عن مثل فعله.
وفيه: أن المتعدي بالجناية، إذا ترتب عليه جناية بسبب جنايته توجب ضمانًا بمجردها: أنه لا يجب له ضمان تلك الجناية بدية ولا قيمة.
* * *
الحديث التاسع
عَنْ الحَسَنِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ البَصْرِيّ قَالَ: حَدَّثنَا جُنْدُبٌ في هَذَا المَسْجِدِ، وَمَا نَسِينَا مِنْهُ حَديثًا، وما يُخْشَى أَنْ يكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُل بِهِ جُرْحٌ، فَجَرحَ، وَأَحَدَّ سِكِّينًا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ : عَبْدِي بَادَرَنِي بنفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنةَ" (١).
стр. 1430
أما الحسن: فكنيته: أبو سعيد بن أبي الحسن يسار البصري -بفتح الياء وكسرها-، نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة، -بفتح الباء، وكسرها، وضمها- الأنصاريُّ، مولاهم، مولى زيد بن ثابت، وقيل: غيره.
ويقال: إنه من سبي ميسان، وقع إلى المدينة، فاشترته الرُّبيع بنتُ النضر، عمةُ أنس بن مالك، فأعتقته، ويقال غيره.
وهو تابعي من سادات المسلمين وأكابر التابعين، ومشاهير العلماء والزهاد والمذكرين ذوي الحكم والفصاحة والآراء السديدة والملاحة.
ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
ورأى طلحةَ بنَ عبيد الله وعائشةَ أم المؤمنين، ولم يصح له سماع منهما، وسمع خلقا من الصحابة والتابعين.
قال هشام بن حسان: أدرك الحسن ثلاثين ومئة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يصح له سماع من بعضهم إلا القليل، بل رؤية، ومرسلاته صحيحة.
قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله ﷺ ، وجدت له أصلًا ثابتا، ما كان ما خلا أربعة أحاديث.
وقال ابن أبي حاتم: ولا يصح له السماع من جندب.
وقد قال في هذا الحديث الثابت: حدثنا جندب في هذا المسجد، وهو صريح في السماع، فهو أولى من قول ابن أبي حاتم، قاله المصنف في "الكمال في أسماء الرجال"، والله أعلم.
قال أيوب -يعني: السختياني-: كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين، فلا يسأله عن شيء؛ هيبة له.
وقال أبو قتادة العدوي: ما رأيت رجلًا أشبه رأيًا بعمر بن الخطاب من الحسن بن أبي الحسن.
стр. 1431
وتوفي سنة عشر ومئة، وتوفي بعده ابن سيرين بمئة يوم.
وروى له البخاري ومسلم، وأصحاب السنن (١).
وأما جندب؛ فهو -بضم الدال وفتحها- ابنُ عبدِ الله بنِ سفيان البجليُّ العَلَقِيُّ -بفتح العين واللام-، وكنيته: أبو عبد الله، وكان بالكوفة، ثم صار إلى البصرة، وعلقة: حيٌّ من بَجيلة، صحب النبي ﷺ ، وينسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جده.
روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة.
وروى عنه جماعة من التابعين، مات سنة أربع وستين، وروى له أصحاب السنن والمساند (٢).
وقوله: "فَحَزَّ بِها يَدَهُ": فقطعها، أو بعضها؛ وتقدمت لغات السكين، وأنه يجوز فيها التذكير والتأنيث، ويقال في لغته: سكينة -بالهاء-، ويقال فيها: الدية -بضم الميم وفتحها، وكسرها-، ست لغات.
وقوله: "فَما رَقَأَ الدَّمُ حتى ماتَ": رقأ، -بفتح الراء والقاف وبالهمز-: ارتفع وانقطع.
стр. 1432
وقوله: "بادَرَني عبدي بنفسه": فيه إشكال أصولي، يتعلق بالآجال، ولا شك أن أجل كل شيء حينه ووقته، يقال: بلغ أجله؛ أي: تمَّ أمدُه، وجاء حينُهُ، وليس كل وقت أجلًا، ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله أنه يموت بالسبب المذكور، وأما علمه، فلا يتغير.
فعلى هذا: يبقى قوله: "بادرني عبدي بنفسه" محتاجًا إلى التأويل؛ فإنه قد يوهم أن الأجل كان متأخرًا عن ذلك الوقت، فقدم عليه.
واعلم أن الكلام في هذا المحل على ضربين:
أحدهما: ما يتعلق بعلم الله تعالى، وعلمُ الله لا يتصور أن يقع الأمر فيه على خلاف ما وقع به علمه .
والثاني: ما يقع بحكمه الطلبي مما وقع به علمه ، وهو ألَّا يكون وقوعه بسبب فعلي من العبد على خلاف حكمه الطلبي، فعلى هذا يتأول قوله: "بادرني عبدي بنفسه"، فيكون لله فيه علمان؛ علم سابق، وعلم حادث، فالمبادرة وقعت لعلمه الحادث، لا لعلمه السابق، وأن كل واحد منهما معلوم عنده والله أعلم.
وقوله: "حرمتُ عليه الجنةَ": قد يستشكل ذلك؛ من حيث إن تحريم دخول الجنة يقتضي تحريم الأبد، فيتعلق به من يرى وعيد الأبد.
وجوابه: أنه يُؤوَّل عند غيرهم: على تحريم الجنة بزمان مخصوص، كما يقال: لا يدخلها مع السابقين، أو بحالة مخصوصة، بأن يكون فعل ذلك مستحلا له، فيكفر به، فيكون مخلدًا بكفره، لا بقتله نفسه.
وفي الحديث أحكام:
منها: تحريم قتل النفس، سواء كانت نفس الإنسان أو غيره؛ فإن نفس الإنسان ليست ملكه؛ فيتصرفَ فيها على حسب ما يراه، بل على حسب الأمر والنهي الشرعيين.
ومنها: بيان صفة التحديث بصيغته ومكانه، وحال المحدث في ضبطه وعدم
стр. 1433
نسيانه، والمحدث عنه؛ فإن الحسن البصري ذكر الرواية بلفظ: "حدثنا"، و"في مسجد البصرة"، وعدم نسيانه لما رواه، وعدم كذب المحدث عنه.
ومنها: التحديث عن الأمم الماضية؛ كاليهود والنصارى وغيرهما؛ للاعتبار وتقرير الأحكام.
ومنها: الصبر على البلاء من المؤلمات والجراحات، وعدم الجزع عليها، بل من ابتلي بشيء منها، يلزمه الصبر والرضا، وعدم الجزع عليها، وسؤال الله تعالى العافية، والحمد له في البأساء والضراء، والشدة والرخاء، فسبحان من لا يُحمد على المكروه سواه، ولا يُعرف في جميع الحالات إلا هو.
ومنها: تحريم الأسباب المؤدية إلى إزهاق روح الإنسان.
ومنها: رحمة الله تعالى لخلقه؛ حيث حرم قتل النفوس وأسبابه.
ومنها: الوقوف عند حدوده؛ بحيث لا يقدم أمرًا قبل وقته المحدود في علمه، بتعاطي نفسه وجزعها، والله أعلم.
* * *
стр. 1434
كتاب الحدود
الحديث الأول
عَنْ أنسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ من عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنةَ فَاجتَوَوا المَدِينةَ، فأمَرَ لَهُمُ النبيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأمرَهُم أَنْ يَشرَبُوا من أَبْوَالِهَا وَألبَانِهَا، فَانطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النبيِّ ﷺ ، وَاستَاقوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ في أَوَّلِ النهَارِ، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ أَيدِيهِم وَأَرْجُلِهِم، وسُمرَت أَعينهم، وَتُرِكُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ، قَالَ أَبُو قِلابة: فَهَولاَءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ (١).
اعلم أن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست من الهجرة.
أما أبو قِلابة؛ فاسمه: عبد الله بن زيد الجرمي، تابعيٌّ بصريٌّ ثقة، روى له البخاري ومسلم، وقلابة: بقاف مكسورة ولام ألف مفتوحة وبعدها باء موحدة وتاء تأنيث (٢).
وأما عُكْل؛ فهي بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعدها لام: قبيلة نسبت إلى عكل: امرأةٍ حضنت ولدَ عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن
стр. 1435
أد بن طابخة، فغلبت عليهم، ونسبوا إليها (١).
وأما عرينة؛ فهي بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث: بطنٌ من بجيلة (٢).
"واجْتَووا المدينةَ"؛ بالجيم والمثناة فوق؛ ومعناه: استوخموها كما جاء مفسرًا في رواية أخرى في الصحيح، واجتوى مشتق من الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول، فكأنهم كرهوها واستوبؤُوها؛ للمرض الذي أصابهم بها.
ومنهم من فرق بين اجتووا واستوبؤوا، فجعل اجتووا: كرهوا الموضع وإن وافق، واستوبؤوا: إذا لم يوافقهم، وإن اجتووه (٣).
وأما اللِّقاح؛ فهي ذوات الألبان من الإبل، واحدها لِقْحة، بكسر اللام وفتحها، وقيل: إنما يقال: لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بقرب ولادتها، ثم هي بعد ذلك لَبون.
وفي "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنها إبل الصدقة (٤)، وفي "الصحيحين": أنها لقاح النبي ﷺ (٥)، وكلاهما صحيح، فكان بعضها للصدقة، وبعضها للنبي ﷺ .
وقوله: "فلما صَحُّوا، قتلوا راعيَ النبي ﷺ "؛ أما العرنيون الذين قتلوا الراعي، فكان عددهم ثمانية، رويناه في "مسند أبي يعلى الموصلي، بإسنادنا
стр. 1436
إليه (١)، وهم ناس من بني سليم وبني عكل وعرينة كما في الحديث.
وأما الراعي؛ فاسمه: يَسار، وهو مولى رسول الله ﷺ ، وكان نوبيًّا، وقيل: كان رسولُ الله ﷺ أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لِقاح له ترعى ناحية الحمى (٢).
وكانت قصة العرنيين سنة ست من الهجرة.
وقوله: "واستاقوا النَّعَمَ": النعم -بالنون والعين المهملة المفتوحتين-: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وقيل: هما لفظان بمعنى واحد يطلق على الجميع.
وقوله: "فأمرَ بقطعِ أيديهم وأرجلِهم، وسُمِرَت أعينُهم"؟ سُمرت -بالميم المخففة، وقيدها بعضهم بالتشديد، والأول أوجه- يعني: كحلت بمسامير محماة.
وروي في "الصحيح": وسُمِل -باللام مخففة الميم-، فقيل: هما بمعنى واحد، والراء تبدل من اللام، وقيل: باللام: فقأها بشوك أو غيره، وأذهب ما فيها، وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها. وعلى هذا يتفق مع رواية من قال بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارًا، وأيضًا -فقد يكون فقأها بالمسمار، وسملها؛ به كما يفعل ذلك بالشوك (٣).
وإنما فعل ذلك جميعه بهم؛ لأنهم فعلوا بالرعاة كذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" في بعض طرق الحديث.
стр. 1437
ورواه -أيضًا- ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، فيكون قصاصًا.
وقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المُثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ.
وفي قصة العرنيين نزلت آية المحاربة، وهي قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام.
وقوله: "وتُرِكوا في الحرّة"؛ الحرةُ: كل أرض ذات حجارة سود بين جبلين.
وأما قوله: "يَستسقون فلا يُسْقوْن"؛ فهو إخبار عن الواقع، لا يقتضي نهيًا عن سقيهم ولا غيره.
وقد نقل القاضي عياض -رحمه الله تعالى- إجماعَ المسلمين على أن: من وجب عليه القتل، فاستسقى الماء: أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان.
وقد روي في بعض طرق هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود والنسائي" من رواية ابن عمر ﵄: أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإِسلام (١)، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا غيره.
وقد اتفق أصحاب الشافعي ﵏ أجمعين- على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ذميًّا أو بهيمة، وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ، والله أعلم.
стр. 1438
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: قدوم القبائل والغرباء على العلماء والكبار.
ومنها: نظر الإِمام في مصالح الوافدين عليه، وأمره لهم بما يناسب حالهم في إنزالهم مكانا، وإصلاحهم أبدانا.
ومنها: دلالة لمالك وأحمد في أن بولَ ما يؤكل وروثَه طاهران، وأجاب المخالفون من الشافعية وغيرهم القائلون بنجاستها: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى شربِ الخمر والمسكرات.
واعترض عليهم بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب، ما جاز التداوي بها؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها.
ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء؛ حيث إن النبي ﷺ بعث في طلب العرنيين لما بلغه فعلهم بالرعاء.
واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار:
فقال مالك والشافعي: تثبت، وقال أبو حنيفة: لا تثبت.
ومنها: شرعية المماثلة في القصاص، ونهيه ﷺ عن المثلة في غير القصاص مع شرعية عدم المماثلة فيه استحبابًا.
ومنها: أن فعل الإِمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك، ليس هو من عدم الرحمة؛ لما فيه من كف العادية عن الخلق، فيكون فعله حينئذ رحمة بهذا الاعتبار، ولا شك أن من صفة الأئمة الرحمة برعاياهم، فإذا فعلوا مثل ذلك، فلا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا، كما قال ﷺ : "إن لي على قريش حَقًّا، ولقريشٍ عليكم حَقًّا، ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، واستُرْحِموا فرحموا" (١).
стр. 1439
ومنها: عقوبة المحاربين، وهو موافق للآية الكريمة.
واختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة في القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف: هل هو للتخيير أو للتقسيم؟ وهو راجع إلى الاختلاف في "أو"، فقال مالك: هي على التخيير، فيتخير الإِمام بين الأمور الثلاثة المذكورة، إلا أن يكون المحارب قد قَتل، فيتحتم قتله، وقال أبو حنيفة، وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار، وإن قَتلوا، وقال بعض الحنفية: هذا النقل عن بعض الحنفية غلط؛ لأن مذهبه فيمن أخذ المال، وقتل: أن الإِمام بالخيار، إن شاء قطعه وقتله أو صلبه، وإن شاء قتله ابتداء أو صلبه.
وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم، فإن قتلوا, ولم يأخذوا المال، قُتلوا، وإن قتلوا وأخذوا، قُتلوا وصُلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل، ولم يأخذوا شيئًا، ولم يقتلوا، طلبوا حتى يُعَزَّروا، وهو المراد بالنفي عند الشافعية.
وقالوا: لأن ضرر هذه الأفعال مختلف، فكانت عقوباتها مختلفة، فلم تكن للتخيير، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عُتبَةَ بْنِ مَسْعُودِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ ﵄: أنهُمَا قَالَا: إن رَجُلًا مِنَ الأعْرَابِ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْشُدُكَ اللهَ، إلا قَضَيْتَ بينَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائذنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قُلْ"، قَالَ: إن ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وإنِّي أخْبِرتُ أَن عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةِ، فَسَأَلْتُ
стр. 1440
أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئة وَتَغرِيْبُ عَامٍ، وأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ: الوَليدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئه وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَم- إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَت، فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَت، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرُجِمَت (١).
العسيف: الأجير.
أما عُبيد الله بنُ عبد الله بنِ عتبةَ بنِ مسعود؛ فكنيته: أبو عبد الله، الفقيه الأعمى، هذليٌّ مدنيٌّ تابعيٌّ، أحد فقهاء المدينة السبعة، سمع عبدَ الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وزيدَ بن خالد الجهني، والنعمان بن بشير، وعائشةَ أم المؤمنين، وفاطمةَ بنت قيس، وأم قيس بنتَ محصنٍ، وروى عن أبي طلح، وسهيل بن حنيف.
وروى عنه جماعة من التابعين، اتفقوا على توثيقه وإمامته وجلالته وأمانته وكثرة علمه وفقهه وحديثه وصلاحه، وكان معلمَ عمرَ بنِ عبد العزيز.
قال الزهري: ما جالست أحدًا من العلماء، إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، ما خلا عبيدَ الله بنَ عبد الله بنِ عتبة، فإني لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا.
وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند.
مات سنة تسعٍ، وقيل: سنة ثمان، وقيل: خمس أو أربع وتسعين، والله أعلم (٢).