← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

إليه (١)، وهم ناس من بني سليم وبني عكل وعرينة كما في الحديث. وأما الراعي؛ فاسمه: يَسار، وهو مولى رسول الله ﷺ ، وكان نوبيًّا، وقيل: كان رسولُ الله ﷺ أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لِقاح له ترعى ناحية الحمى (٢). وكانت قصة العرنيين سنة ست من الهجرة. وقوله: "واستاقوا النَّعَمَ": النعم -بالنون والعين المهملة المفتوحتين-: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وقيل: هما لفظان بمعنى واحد يطلق على الجميع. وقوله: "فأمرَ بقطعِ أيديهم وأرجلِهم، وسُمِرَت أعينُهم"؟ سُمرت -بالميم المخففة، وقيدها بعضهم بالتشديد، والأول أوجه- يعني: كحلت بمسامير محماة. وروي في "الصحيح": وسُمِل -باللام مخففة الميم-، فقيل: هما بمعنى واحد، والراء تبدل من اللام، وقيل: باللام: فقأها بشوك أو غيره، وأذهب ما فيها، وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها. وعلى هذا يتفق مع رواية من قال بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارًا، وأيضًا -فقد يكون فقأها بالمسمار، وسملها؛ به كما يفعل ذلك بالشوك (٣). وإنما فعل ذلك جميعه بهم؛ لأنهم فعلوا بالرعاة كذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" في بعض طرق الحديث.

стр. 1437

ورواه -أيضًا- ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، فيكون قصاصًا. وقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المُثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ. وفي قصة العرنيين نزلت آية المحاربة، وهي قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام. وقوله: "وتُرِكوا في الحرّة"؛ الحرةُ: كل أرض ذات حجارة سود بين جبلين. وأما قوله: "يَستسقون فلا يُسْقوْن"؛ فهو إخبار عن الواقع، لا يقتضي نهيًا عن سقيهم ولا غيره. وقد نقل القاضي عياض -رحمه الله تعالى- إجماعَ المسلمين على أن: من وجب عليه القتل، فاستسقى الماء: أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان. وقد روي في بعض طرق هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود والنسائي" من رواية ابن عمر ﵄: أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإِسلام (١)، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا غيره. وقد اتفق أصحاب الشافعي ﵏ أجمعين- على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ذميًّا أو بهيمة، وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ، والله أعلم.

стр. 1438

وفي هذا الحديث أحكام: منها: قدوم القبائل والغرباء على العلماء والكبار. ومنها: نظر الإِمام في مصالح الوافدين عليه، وأمره لهم بما يناسب حالهم في إنزالهم مكانا، وإصلاحهم أبدانا. ومنها: دلالة لمالك وأحمد في أن بولَ ما يؤكل وروثَه طاهران، وأجاب المخالفون من الشافعية وغيرهم القائلون بنجاستها: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى شربِ الخمر والمسكرات. واعترض عليهم بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب، ما جاز التداوي بها؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها. ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء؛ حيث إن النبي ﷺ بعث في طلب العرنيين لما بلغه فعلهم بالرعاء. واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار: فقال مالك والشافعي: تثبت، وقال أبو حنيفة: لا تثبت. ومنها: شرعية المماثلة في القصاص، ونهيه ﷺ عن المثلة في غير القصاص مع شرعية عدم المماثلة فيه استحبابًا. ومنها: أن فعل الإِمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك، ليس هو من عدم الرحمة؛ لما فيه من كف العادية عن الخلق، فيكون فعله حينئذ رحمة بهذا الاعتبار، ولا شك أن من صفة الأئمة الرحمة برعاياهم، فإذا فعلوا مثل ذلك، فلا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا، كما قال ﷺ : "إن لي على قريش حَقًّا، ولقريشٍ عليكم حَقًّا، ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، واستُرْحِموا فرحموا" (١).

стр. 1439

ومنها: عقوبة المحاربين، وهو موافق للآية الكريمة. واختلف العلماء في المراد من الآية الكريمة في القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف: هل هو للتخيير أو للتقسيم؟ وهو راجع إلى الاختلاف في "أو"، فقال مالك: هي على التخيير، فيتخير الإِمام بين الأمور الثلاثة المذكورة، إلا أن يكون المحارب قد قَتل، فيتحتم قتله، وقال أبو حنيفة، وأبو مصعب المالكي: الإمام بالخيار، وإن قَتلوا، وقال بعض الحنفية: هذا النقل عن بعض الحنفية غلط؛ لأن مذهبه فيمن أخذ المال، وقتل: أن الإِمام بالخيار، إن شاء قطعه وقتله أو صلبه، وإن شاء قتله ابتداء أو صلبه. وقال الشافعي وآخرون: هي على التقسيم، فإن قتلوا, ولم يأخذوا المال، قُتلوا، وإن قتلوا وأخذوا، قُتلوا وصُلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل، ولم يأخذوا شيئًا، ولم يقتلوا، طلبوا حتى يُعَزَّروا، وهو المراد بالنفي عند الشافعية. وقالوا: لأن ضرر هذه الأفعال مختلف، فكانت عقوباتها مختلفة، فلم تكن للتخيير، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن عُتبَةَ بْنِ مَسْعُودِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ ﵄: أنهُمَا قَالَا: إن رَجُلًا مِنَ الأعْرَابِ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْشُدُكَ اللهَ، إلا قَضَيْتَ بينَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَائذنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "قُلْ"، قَالَ: إن ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وإنِّي أخْبِرتُ أَن عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةِ، فَسَأَلْتُ

стр. 1440

أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِئة وَتَغرِيْبُ عَامٍ، وأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ: الوَليدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئه وَتَغرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ -لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَم- إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَت، فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَت، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَرُجِمَت (١). العسيف: الأجير. أما عُبيد الله بنُ عبد الله بنِ عتبةَ بنِ مسعود؛ فكنيته: أبو عبد الله، الفقيه الأعمى، هذليٌّ مدنيٌّ تابعيٌّ، أحد فقهاء المدينة السبعة، سمع عبدَ الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وزيدَ بن خالد الجهني، والنعمان بن بشير، وعائشةَ أم المؤمنين، وفاطمةَ بنت قيس، وأم قيس بنتَ محصنٍ، وروى عن أبي طلح، وسهيل بن حنيف. وروى عنه جماعة من التابعين، اتفقوا على توثيقه وإمامته وجلالته وأمانته وكثرة علمه وفقهه وحديثه وصلاحه، وكان معلمَ عمرَ بنِ عبد العزيز. قال الزهري: ما جالست أحدًا من العلماء، إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، ما خلا عبيدَ الله بنَ عبد الله بنِ عتبة، فإني لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا. وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. مات سنة تسعٍ، وقيل: سنة ثمان، وقيل: خمس أو أربع وتسعين، والله أعلم (٢).

стр. 1441

وأما أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني؛ فتقدم ذكرهما. وأنيس هذا صحابي مشهور، وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي، معدود في الشاميين، وقال ابن عبد البر: أنيس بن مرثد، والأول: هو الصحيح المشهور (١)، والمرأة شامية -أيضًا-، والله أعلم. وأما الرجلُ الأعرابيُّ وابنه، والمرأة المزنيُّ بها وزوجُها؛ فلا أعرف لهم ذكرًا في الأسماء المبهمات. وقوله: "أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ بيننا بكتاب الله"؛ معنى أنشدك: أسألك رافعًا نَشيدي، وهو صوتي، وأنشدك: بفتح الهمزة وضم الشين. وقوله: "إِلا قضيتَ بيننا بكتاب الله"؛ ينطلق ذلك على القرآن خاصة، وقد ينطلق كتاب الله على حكم الله مطلقًا، والأولى حمله على ذلك؛ لأنه ذكر في الحديث الحكم بالتغريب، وليس هو منصوصًا في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع الرسول ﷺ وطاعته. وقوله: "إن ابني كان عَسيفًا على هذا"، هو بالعين والسين المهملتين؛ أي: أجيرًا، وجمعه عُسفاء، كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. وقوله: "فافتديتُ منهُ"؛ أي: من الرجم. وقوله: "لأقضينَّ بينكما بكتاب الله"؛ يحتمل أن المراد: بحكم الله، وقيل: هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]. وفسر النبي ﷺ السبيل بالرجم في حق المحصن. وقيل: هو إشارة إلى آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما)، وهي مما نسخت تلاوته وبقي حكمه، فعلى هذا، يكون الجلد قد أخذه من قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢].

стр. 1442

وقيل: المراد: نقضُ صلحهما الباطلِ على الغنم والوليدة. وقوله ﷺ : "الوليدةُ والغنمُ رَدٌّ"؛ أي: مردودة، ومعناه: يجب ردها إليك. وأطلق المصدر على اسم المفعول. وقوله ﷺ : "وعلى ابنِك جلدُ مئةٍ وتغرببُ عام"؛ هذا متضمن: أن ابنه كان بِكرًا، وعلى أن ابنه اعترف بالزنا؛ فإن إقرار الأب عليه لا يقبل إلا أن يكون هذا من باب الفتوى، فيكون معناه: إن كان ابنك زنى وهو بكر، فحده ذلك. وقوله ﷺ : "واغدُ يا أُنَيْسُ على امرأةِ هذا، فإنِ اعترفت، فارجمها، فغدا عليها، فاعترفتْ، فأَمرَ بها فَرُجمت"؛ معناه عند العلماء: إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه؛ لتعلم أن لها حد القذف، ويجب عليها حد الزنا، وهو الرجم؛ لأنها محصنة. فذهب أنيس، واعترفت بالزنا، فأمر النبي ﷺ برجمها، فرجمت، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا، وهو غير مراد؛ لأنه لا يحتاط له بالتجسس والتنقير عنه، بل لو أقر به مقر، استحب أن يلقن الرجوع عنه، فتعين التأويل، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: استحباب صبر الحاكم والمفتي ونحوهما على جفاة الناس من الخصوم والمستفتين، إذا قالوا: احكم بيننا بالحق، وأَفتنا بالحق. ومنها: حسن المخاطبة للحكام والمفتين؛ حيث وصف الخصم الآخر بأنه أفقه من الأول؛ لأنه أتى بالقضية على وجهها، واستأذن النبي ﷺ في الكلام؛ حذرًا من وقوعه في النهي في قوله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﷺ [الحجرات: ١]؛ بخلاف خطاب الأول. ومنها: جواز استفتاء غير النبي ﷺ في زمنه؛ فإنه ﷺ لم ينكر ذلك عليه لما قال: فسألت أهل العلم. ومنها: جواز الاستفتاء المفضول مع وجود أفضل منه. ومنها: أن الصلح الفاسد يرد.

стр. 1443

ومنها: أن أخذ المال فيه باطل، يجب رده. ومنها: أن الحدود لا تقبل الفداء. ومنها: شرعية التغريب مع الجلد، والحنفية يخالفون فيه؛ بناء على أن التغريب ليس مذكورًا في القرآن، وأن الزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز عندهم، وغيرهم يخالفهم في تلك المقدمة، وهي أن الزيادة على النص نسخ، والمسألة مقررة في علم الأصول، وقد أجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مئة، ورجم المحصن، وهو الثيب، ولم يخالف فيه أحد من أهل القبلة، إلا الخوارج وبعض المعتزلة، والنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم. واختلف العلماء في جلد الثيب مع الرجم: فقال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه-، والحسن البصري، وابن راهويه، وداود، وأهل الظاهر، وبعض الشافعية: يجلد، ثم يرجم، وقال جمهور العلماء: الواجب الرجم. ومن أهل الحديث من فصل فقال: يُجمع بينهما إن كان شيخًا ثيبًا، فإن كان شابًا ثيبًا، اقتصر على الرجم، وهو مذهب باطل مردود لا أصل له بالأحاديث الصحيحة، ومنها: قصة ماعز والغامدية، وحديث الكتاب: "واغد يا أنيس"، وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ؛ فإنه كان في أول الإسلام، والله أعلم. ومنها: الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك فيها. ومنها: استصحاب الحال والحكم بالأصل في استمرار الأحكام الثابتة، وإن كان يمكن زوالها في حياة النبي ﷺ بالنسخ. ومنها: أن المتعاوضين بالعقد الفاسد إذا أذن كل واحد للآخر في التصرف [في] ملكه لم ينفذ ذلك؛ حيث إنه ﷺ جعل الوليدة والغنم مردودًا. ومنها: أن ما يوجب الحد والتعزير من الألفاظ في محل الاستفتاء يسامح به، لكنه إذا تضمن وجوب حد على الغير، وجب إعلامه به؛ ليقر، أو يطلب إقامة الحد على من تلفظ بما يوجبه، أو يعفو عنه.

стр. 1444

ومنها: عدم الجمع بين الجلد والرجم، وتصريح بحكم الرجم؛ فإنه ﷺ لم يعرِّفْ أنيسًا عدم الجمع بين الجلد والرجم، بل أمره بالرجم بعد الاعتراف بالزنا. ومنها: استنابة الإمام في إقامة الحدود. ومنها: الاكتفاء بالاعتراف بما يوجب الحد مرة واحدة؛ فإنه ﷺ رتب رجمها على مجرد اعترافها، ولم يقيده بعدد. ومنها: أن الحاكم إذا قُذف إنسان معين في مجلسه، وجب عليه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من القذف، وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله تعالى- في وجوب ذلك على الحاكم على وجهين؛ والأصح عندهم: الوجوب. ومنها: أن المحصَن يُرجم ولا يُجلد مع الرجم. ومنها: جواز إيجار الآدمي نفسَه واستئجاره. ومنها: الرجوع إلى كتاب الله في الأحكام، إما بالنص، وإما بالاعتبار والاستنباط، ونحو ذلك؛ لقوله ﷺ : "لأقضينَّ بينكما بكتاب الله". ومنها: القسم على الأمر بفعله تفخيمًا له وتعظيمًا، وقد كثر في الأحاديث قسمهُ ﷺ بالذي نفسي بيده؛ تنبيهًا على تعظيم الرب ، وأن العبد متصرِّف فيه، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، والله أعلم. الحديث الثالث عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ قَالَا: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الأَمَةِ إذَا زنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: "إِنْ زنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِظَفِيرٍ". قَالَ ابنُ شِهَابٍ: ما أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثة أَو الرَّابِعة (١)، وَالظَّفِيرُ: الحَبْلُ.

стр. 1445

تقدم الكلام على عبيد الله في الحديث قبله. الظفير: فعيل بمعنى مفعول. والحكمة في بيعها وكونه بثمن حقير: تنفيرُها وكسرُ نفسها عن الفاحشة، والتنفير عن مثل فعلها بعدم مخالطتها، والله أعلم. وقوله: "ولم تحصن"، ذكر الطحاوي: أن لفظة "ولم تحصن"، تفرد بها مالك، إشارة إلى تضعيفها، وأنكر ذلك الحفاظ عليه، وقالوا: بل روى هذه اللفظة: ابن عيينة، ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما قال مالك: تحصل صحة هذه اللفظة، وليس في ثبوتها حكم مخالف؛ فإن الأمة تجلد على النصف من الحرة، سواء كانت الأمة محصنة بالتزويج، أم لا (١). لكن فيه بيان من لم يحصن، وقول الله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيه بيان من أحصنت، فحصل من الآية الكريمة. والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغيرَ المحصنة تُجلد، وهو معنى ما ثبت في "صحيح مسلم": أن عليا ﵁ خطب، فقال: يا أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحدَّ؛ من أحصنَ منهم ومن لم يحصن (٢). فإن قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، مع أن عليها نصف جلد الحرة، سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟ فالجواب: أن الآية نبهت إلى أن الأمة المزوجة، لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة؛ لأنه الذي يتنصَّف، وأما الرجم فلا يتنصَّف، ولا هو مراد في الآية؛ لإجماعهم على عدم رجمها، وإن كانت متزوجة، وإنما الواجب نصفُ جلد الحرة؛ لهذا الحديث وغيره من الأحاديث المطلقة: "إذا زنت أمةُ أحدِكم فَلْيَجْلِدْها"، وهو يتناول المزوجة وغيرها.

стр. 1446

وبوجوب نصف الجلد عليها، قاله مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير علماء الأمة. وقال جماعة من علماء السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من النساء والعبيد، منهم: ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وأبو عبيد، وهو مفهوم الكتاب العزيز، وهو قوله : ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية. لكن مذهب الجمهور راجح؛ حيث إن هذا الحديث نص في إيجاب الحد على من تحصن، وهو مقدم على المفهوم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن الزنا عيب في الرقيق، يرد به؛ ولذلك حط من قيمته، في الأمر ببيعه ولو بظفير. قال أصحاب الشافعي: لو زنى مرة واحدة، ثم تاب وصار رجلًا صالحًا، وباعه، ثبت الرد به. ولا أعلم فيه خلافًا عندهم. ومنها: أن الزاني إذا حُد، ثم زنى ثانيًا، يلزمه حد آخر، وهكذا كلما زنى وحُد ثم زنى يلزمه حد آخر. فلو زنى مرات، ولم يحُد لواحدة منهن، حُدَّ حدًّا واحدًا للجميع. ومنها: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم. ومنها: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد المرة الثالثة، لكن اختلف العلماء فيه، هل هو أمر ندب أو إيجاب؟ ذهب الشافعي، والجمهور إلى الندب، وذهب داود، وأهل الظاهر إلى الوجوب. ومنها: الأمر بحدها في كل مرة، وهو للوجوب. فإن قيل: كيف يكون الأمر في الحد للوجوب، والأمر بالبيع للندب عند الجمهور، والأصل في المعطوف على الشيء بـ (ثم) أو (بالواو) أن يعطى حكمه وصفته ما لم يدل دليل على مخالفته فيه؟؛!

стр. 1447

قلنا: قد عطف غير المندوب على المندوب في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وفي قوله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فالإيتاء في الآيتين واجب، وهو معطوف على غير واجب من الأكل والكتابة، وإذا جاز ذلك، جاز خلافه؛ وهو عطف غير الواجب على الوجوب؛ حيث إن الوجوب أشد وأقوى، فليكن عطف الضعيف، وهو الندب، على الأقوى، وهو الوجوب، أولى، وهذا من باب المناسبات، لا من باب الأدلة الظاهرات. ومنها: جواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير، إذا كان البائع عالمًا به، وهو مجمع عليه. فلو كان جاهلًا به، فكذلك عند الشافعية وجمهور العلماء، ولأصحاب مالك فيه خلاف. واعلم أنه يجب على البائع إذا علم بالمبيع عيبًا خِلقيًّا أو وصفيًّا أن يبينه للمشتري، فيجب على بائع الجارية أو العبد الزانيين أن يبين زناهما للمشتري. وقد يقال: كيف يكره شيئًا ويحبه أو يرتضيه لأخيه المسلم، وقد قال ﷺ : "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" (١)؟ والجواب: أن الحرج في ذلك يزول بإعلام البائع للمشتري بزناها، فلعلها تستعفُّ عند المشتري؛ بأن يعفها بنفسه، أو يصونها؛ لهيبته، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، أو يزوجها، أو غير ذلك. ومنها: أنه لا يجب عليها تعزير ولا تأديب مع الحد؛ لأن ﷺ أمر بالجلد دون غيره، فدل على عدم وجوبه وشرعيته. ومنها: أن السيد يقيم الحد على عبده أو أمته؛ لأمره ﷺ للسادات بفعله بعد ما يوجبه؛ بقوله ﷺ : "إذا زنتْ أمةُ أحدِكم فتبيَّنَ زناها، فليجلدْها الحدَّ،

стр. 1448

ولا يُثَرِّبْ عليها"، رواه مسلم في "صحيحه" (١)، وبقوله ﷺ في حديث الكتاب "إن زنت فاجلدوها". وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة في طائفة: ليس له ذلك في هذه الأحاديث، وغيرُها يصرح بخلاف قوله. ومنها: أنه لا فرق في إيجاب الحد بين أن تكون الأمة أو العبد مزوجين، أم لا؛ لإطلاقه ﷺ بجلدها من غير تفصيل. وتقدم الكلام عليه قبل ذكر الأحكام في هذا الحديث، والله أعلم. ومنها: أن من ارتكب معصية من زِنا وغيره، أن يقام عليه الحد إن كان في معصيته حد، وألَّا يفارق ببيع وهجران ونحوهما إلا بعد تكرار ذلك منه ثلاث مرات، أو مرتين، والله أعلم. الحديث الرابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فنَادَاهُ: يَا رَسُوِلَ اللهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إني زنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ"، قالَ ابنُ شِهاب فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمعَ

стр. 1449

جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كنتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ، هَرَبَ، فَأَدْرَكنُاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ (١). الرجل هو: ماعز بن مالك. وروى قصته: جابرُ بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي ﵃. تقدم الكلام على كل رجاله من الصحابة والتابعين، خلا ماعز بن مالك؛ وجابر بن سمرة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن. أما ماعز بن مالك، فهو أسلمي معدود في المدنيين، كتب له رسول الله ﷺ كتابًا بإسلام قومه، وهو الذي اعترف بالزنا على نفسه، وكان محصنًا، وجاء رسول الله ﷺ تائبًا منيبًا، فرجم ﵀. وروى عنه ابنه عبد الله بن ماعز حديثًا واحدًا (٢). وأما جابر بن سمرة؛ فكنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، واختلف في اسم جده، فقيل: جنادة بن جندب، وقيل: عمرو بن جندب بن حجير بن رباب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر السوائي، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، واسمها خلدة بنت أبي وقاص. ونزل جابر بن سمرة الكوفة، وابتنى بها دارًا في بني سواءة. روي له عن رسول الله ﷺ مئة وسبعة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين.

стр. 1450

روى عنه جماعة من التابعين، ومات سنة ست وستين أيام المختار، وروى له أصحاب السنن والمساند (١). ومن الأحاديث التي رواها في غير "الصحيحين" قوله: رأيت النبي ﷺ في ليلة مقمرة، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فَلَهُوَ في عيني أحسن من القمر (٢)، ومنها قوله ﷺ : "المستشارُ مُؤْتَمَنٌ" (٣). وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ فاسمه: عبد الله، ويقال: إسماعيل، ويقال: لا يعرف له اسم، وهو تابعي قرشي زهري مدني، متفق على توثيقه وأمانته وفقهه وكثرة حديثه. وروى عن جماعة من الصحابة، منهم؛ أبوه عبدُ الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت. وقيل: سمع حسان بن ثابت، وسمع جماعة من الصحابة غيره، وسمع خلقًا من التابعين. وروى عنه جماعة منهم، ومات بالمدينة سنة أربع وتسعين، في خلافة الوليد، ابنَ اثنتين وسبعين سنة. وحديثه مخرج في "الصحيحين"وغيرهما. وكان رجلًا صَبيحًا، كأن وجهه دينار هرقليٌّ -رحمه الله تعالى- (٤). قوله: "حتى ثنَى ذلكَ عليه أربعَ مرات"، هو بتخفيف النون؛ أي: كرره أربع مرات.

стр. 1451

وقوله ﷺ : "أَبِكَ جُنونٌ؟ "؛ إنما قاله تحقيقًا لحالة تبيين العقل؛ فإن الإنسان -غالبًا-، لا يصر على الإقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال، مع أن له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتوبة. وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا، وكل ذلك مبالغة في تحقيق حاله، وفي صيانة دم المسلم. وقوله ﷺ : "فهل أَحصنتَ؟ "؛ أي: تزوجت. وإنما سأله عن ذلك؛ حيث إن حد الزاني متردد بين الجلد والرجم، ولا يمكن الإقدام عليهما إلا بعد تبين سببه. وقد يسأل هنا سؤال فيقال: إن إقرار المجنون غير معتبر، فلو كان مجنونًا لم يفد قوله: إنه ليس به جنون. فأوجه الحكمة في سؤاله عن سؤاله، لو لم يَرِدْ سؤال النبي ﷺ لغيره عنه؛ فإن سؤال غيره عنه مؤثر كما ذكرناه عن "صحيح مسلم". والحكمة في ذلك: أنه يتبين بسؤاله ﷺ له ثبوت عقله ودينه، فينبني الأمر عليه، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون. وقوله: "فلما أَذْلقَتْهُ الحِجارة"؛ هو بالذال المعجمة وبالقاف؛ أي: أصابته بحدها فأوجعته، فبلغ به الجهد، وأوجعته وأوهنته. وفي الحديث أحكام: منها: جواز الإقرار بالزنا عند الحكام؛ لإقامة الحد عليه. ومنها: أن الحدود إذا وصلت إلى الإمام، إما بإقرار المقر على سببها، وإما ببينة، لا يتركها، بل يقيمها، إما بنفسه، أو بنائبه. ومنها: جواز الإقرار والاعتراف بالحقوق عند الحكام في المساجد، بخلاف الخصومات ورفع الأصوات فيها وارتكاب المحذورات، وشغل المصلين وأهل الطاعات عما هم بصدده فيها؛ فإن ذلك محرم، ولا يجوز فعله فيها، والكتاب العزيز والسنة النبوية ناطقان بمنع ذلك، والتحذير منه عمومًا وخصوصًا. ومن

стр. 1452

علم ما يجب لله من التعظيم والخشية، عرف عظمة ما يضاف إليه من بيت أو علم أو اتصاف وغير ذلك. والشيء قد يضاف إلى بعض أهل الدنيا الحسيبين، فيعظم عادة مجردة عن مقصود شرعي، فما ظنك بما أضيف إليه إضافة خاصة تشريفية للعباد مجردة؟!. فينبغي للفقيه أن ينصف من نفسه، ويعرض عن حظها ومغالبتها؛ بعدم اتباع المباحث اللفظية والبقابق الكلامية المذمومة عند علماء الإسلام والفاهمين عن الله تعالى، ورسولِه ﷺ من بين الأنام، إلى الحق وأهله، ولا يخرجه حظ النفس عن سلوك سبله إلى اتباع بطله. ومنها: نداء الكبار من العلماء وأهل الدين بأعلى نعوتهم التي شرفهم الله تعالى بها؛ فإن الرجل نادى رسول الله ﷺ : يا رسول الله! وهي أعظم نعوته ﷺ ، وأقره ﷺ على ذلك، وهي أحد ركني الإسلام، فإن ركنيه: الإقرارُ بالوحدانية له ، وبرسالته ﷺ ، وحكمُ ورَّاثه ﷺ من أهل الدين والعلم في تعظيمهم وتوقيرهم، وحكمه على قدر مرتبتهم من ذلك. ومنها: إعراض الإمام عمن أقر بما يوجب عليه حدًّا؛ ليرجع عن إقراره، أو يثبت على إقراره. ومنها: وجوب استثبات الحاكم الواقعة وشروطها الوجوبية أو الحكمية؛ ليرتب الحكم عليها؛ فإن النبي ﷺ سأل أولًا عن الجنون، ثم عن الإحصان اللذين هما ركنا وجوب الحد. ومنها: أن إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وأنه يحتاط للدماء أكثر من غيرها، وكل ذلك مجمع عليه. ومنها: التعريض للمقر بالزنا بأن يرجع، فيقبل رجوعه بلا خلاف بين العلماء. ومنها: مؤاخذة الإنسان بإقراره، إذا لم يكن مُلْجأً ولا مكرهًا. ومنها: دليل لأبي حنيفة، والكوفيين، وأحمد، أنه: يشترط لوجوب إقامة

стр. 1453

الحد بالإقرار بالزنا: تكراره أربع مرات؛ قالوا: لأن النبي ﷺ إنما أخر إقامة الحد إلى تمام الأربع مرات؛ لكونه لم يجب قبل ذلك؛ لأنه لو وجب قبله، لما أخره ﷺ ، فدل على أنه لا يجب إلا بعدها، ويقوى ذلك بقول الراوي: "فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله ﷺ "، إلى آخره، ففيه إشعار بأن الشهادة أربعًا هي العلة في الحكم. وقال مالك، والشافعي، وموافقوهما، وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة، ويرجم قياسًا على سائر الحقوق. وكأنهم رأوا تأخر الحد إلى تمام الإقرار أربعًا ليس للوجوب كما ذكره الحنفية، بل للاستثبات والتحقيق لوجوب السبب؛ حيث إن الحد مبني على الاحتياط في تركه ودرئه بالشبهات. واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ : "واغدُ يا أُنَيْسُ على امرأةِ هذا، فإنِ اعترفتْ فارجمها"، فلم يشرط عددًا، وحديث الغامدية، ليس فيه إقرارها أربع مرات، واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربعة مجالس. ومنها: تفويض الإمام الرجم إلى غيره؛ فإن قوله ﷺ : "اذهبوا فارجموه" إشعار بعدم حضوره إياه، فيؤخذ منه عدمُ حضورِ الإمام الرجمَ، وإن كان الفقهاء استحبوا بداءة الإمام بالرجم، إذا ثبت الزنا بالإقرار، وبداءة الشهود به، إذا ثبت بالبينة. وكأن الإمام، لما كان عليه التثبت والاحتياط، أمر بالبداءة؛ ليكون ذلك زاجرًا عن التساهل في الحكم بالحدود، وداعيًا إلى غاية التثبت. وأما في الشهود، فظاهر؛ لأن قتله بقولهم. ومنها: عدم الحفر للمرجوم؛ حيث إنه هرب لما أذلقته الحجارة، ولو كان له حفيرة، لم يتمكن من الهرب. وقد اختلف العلماء في الزاني المحصن إذا أقر بالزنا، فشرعوا في رجمه، ثم هرب، هل يترك، أم يتبع فيقام عليه الحد؟ فقال الشافعي، وأحمد وغيرهما: يترك ولا يتبع، لكن يقال له بعد ذلك:

стр. 1454

ارجع، فإن رجع عن الإقرار، ترك، وإن عاد، رجم. وقال مالك في رواية، وغيره: يتبع ويرجم. واحتج الشافعي ومن وافقه بما جاء في رواية في "سنن أبي داود": أن النبي ﷺ قال: "أَلا تركتُموه حتى أنظرَ في شأنِهِ؟ " (١)، وفي رواية: "هَلَّا تركتموه، فلعلَّه يتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه" (٢). واحتج الآخرون؛ بأن النبي ﷺ لم يلزمهم ديته، مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي ﵀ وموافقوه عن هذا، بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره، فلا نتركه حتى يصرح بالرجوع، قالوا: وإنما قلنا: لا يتبع في هربه، لعله يريد الرجوع، ولم نقل: إنه يسقط الرجم بمجرد الهرب، والله أعلم. ومنها: ما استدل به البخاري وغيره من العلماء، على أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يكن قد وقف مسجدًا، لا يثبت له حكم المسجد؛ إذ لو كان له حكم المسجد، لجنب الرجم فيه وتلطخه بالدماء والميتة. قالوا: والمراد بالمصلى في الحديث: مصلى الجنائز، ولهذا قال في رواية "صحيح مسلم": من بقيع الفرقد، وهو موضع الجنائز بالمدينة. وذكر أبو الفرج الدارمي من الشافعية: أن المصلى الذي للعيد ولغيره إذا لم يكن مسجدًا، هل يثبت له حكم المسجد؛ فيه وجهان: أصحهما: ليس له حكم المسجد، والله أعلم. وقاعدة مذهب الحنفية وغيرهم تأبى جعلَه غير مسجد؛ فإن مذهبهم بمجرد الإذن للناس في الصلاة في مكان يصير مسجدًا، سواء قصد جعله مسجدًا، أم لا، والله أعلم.

стр. 1455

الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ امْرَأةً مِنْهُمْ وَرَجُلًا زَنَيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟ "، فَقَالُوا: نَفْضَحُهُم، وَيُجْلَدُونَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلام: كَذَبْتُمْ، إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتوْا بِالتَّوْرَاةِ، فنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأ مَا فِيهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيةُ الرَّجْم، فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبيُّ ﷺ ، فَرُجِمَا، قَالَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى المَرْأَةِ يَقِيهَا الحِجَارَةَ (١). الذي وضع يده على آية الرجم: عبد الله بن صوريا. أما عبد الله بن عمر، فتقدم الكلام عليه. وأما عبدُ الله بن سَلام -بتخفيف اللام-، فكنيته: أبو يوسف، واسم جده: عبد الله بن الحارث، وهو من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﷺ ، وهو أنصاري، حليف القواقلة من بني عوف بن الخزرج، وكان اسمه في الجاهلية حصينًا، فلما أسلم، سماه رسول الله ﷺ : عبد الله بن سلام، وكان إسلامه عند قدوم النبي ﷺ المدينة. قال عبد الله بن سلام: خرجت في جماعة من أهل المدينة لننظر إلى رسول الله ﷺ حين دخوله المدينة، فنظرت إليه وتأملت وجهه، فعلمت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته منه: "يا أيها الناس! أَفْشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناسُ نِيام، تدخُلوا الجنةَ بسلام" (٢). شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، عن معاذ بن جبل ﵁

стр. 1456

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعبد الله بن سلام: إنه عاشرُ عشرة في الجنة (١). قال أبو عمر النمري: حديث حسن الإسناد صحيح. وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام (٢)، قال النمري: وهذا حديث صحيح ثابت لا مقال فيه لأحد. وأنزل الله فيه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وأنكر ذلك بعض المفسرين، مستندًا إلى أن كل واحدة من سورتي الرعد والأحقاف مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بعد ذلك بالمدينة، لكن وإن كانت السورتان مكيتين، فقد شهد لمعنى الآيتين في الرعد والأحقاف بالاعتبار، قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقد تكون السورة مدنية وفيها آيات مكية مدنية، كالأنعام وغيرها. وقد رجعت الصحابة إلى معرفة عبد الله بن سلام في معرفة أشياء ماضيات مستقبلات؛ واعتمادًا على علمه ومعرفته. وروى عنه من الصحابة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن معفَّل المزني، وعبد الله بن حنظلة بن الراهب، وابناه: محمد، ويوسف، وجماعة من

стр. 1457

كبار التابعين، وشهد مع عمر بن الخطاب ﵁ فتح بيت المقدس والجابية، وروى له البخاري، ومسلم، وأهل السنن والمساند. وروي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخاري بآخر، ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين في خلافة معاوية (١). وأما الرجل الزاني من اليهود؛ فلا أعلم اسمه. وأما المرأة الزانية؛ فاسمها: بسرة، فيما نقله الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي في "أعلام المبهم" عن شيخه الإمام أبي بكر بن العربي في "أحكام القرآن" له، فيما أخبره به. وأما اليهود؛ فسموا أنفسهم بذلك، نسبة إلى يهود بن يعقوب، انتسبوا إليه عند بعض الملوك، ثم عربته العرب بالدال، وقيل: سموا به لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا؛ أي: تابوا عن عبادة العجل، وقيل: لأنهم مالوا عن الإسلام وعن دين موسى ﷺ ، وقيل: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة. وأما عبد الله بن صوريا؛ فيقال له: ابن صوري، بحذف الألف، وكان أعور، والله أعلم.

стр. 1458

وقوله: "فقالوا: نفضحُهم"؛ أي: نكشف مساوئهم. والاسم: الفضيحة والفضيح. وقوله: "فرأيت الرجلَ يَجْنَأُ عليها"؛ القائل الرائي: هو عبد الله بن عمر ﵄. ويجنأ: رويت هذه اللفظة على أوجه في "الصحيحين" وغيرهما: الأول: يجنأ -بفتح الياء المثناة تحت وسكون الجيم وبعدها نون مفتوحة وهمزة- يقال: جنأ الرجل على الشيء، وجانأ عليه، وتجانأ عليه: إذا أكبَّ عليه. والثاني: يُجْني -بضم الياء أوله، وبالجيم الساكنة وكسر النون، وبالياء-، يقال: أجنى يُجني إجناءً: إذا كب عليه يقيه شيئًا. الثالث: يُجانئ عليها، مفاعلة من جانأ يجانئ. الرابع: يَحْني -بفتح الياء المثناة تحت، وسكون الحاء المهملة-؛ أي: يكبُّ عليها. الخامس: يَجْبَأُ -بفتح الياء وسكون الجيم وبالباء الموحدة وبالهمزة-؛ أي: يركع عليها. السادس: يُحَني عليها -بضم الياء وفتح الحاء المهملة وتشديد النون مكسورة ثم الياء-. ومعناها كلها: وقايتها الحجارة، كما فسره ابن عمر ﵁، والله أعلم. والرواية الأولى هي المشهورة الراجحة (١). وفي هذا الحديث أحكام: منها: علو الإسلام على غيره من الأديان؛ حيث إن الله جعل

стр. 1459

جميعهم يرجعون إليه في وقائعهم، ويتحاكمون إلى حاكمهم، ويلتزمون بها، وتنفذ عليهم، وذلك من أعظم الآيات الباهرات له ﷺ . ومنها: منقبة ظاهرة لعبد الله بن سلام، وحث على إظهار العلم وبيانه، وتحريم كتمانه، وتوبيخ مبدليه ومحرفيه. ومنها: الرجوع إلى النصوص قبل الاجتهاد. ومنها: إقامة الدليل على الخصم من قبل نفسه. ومنها: المبادرة إلى قبول الحق وتصديقه. ومنها: وجوب إقامة حد الزنا على الكافر، وأنه يصح نكاحه؛ لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن؛ فلو لو يصح نكاحه، لم يثبت إحصانه، ولم يرجم. ومنها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع، وهو الصحيح، وقيل: لا يخاطبون، وقيل: يخاطبون بالنهي دون الأمر. ومنها: أن الكفار إذا تحاكموا إلينا، حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا؛ لأنه ﷺ رجمهما. وقد اختلف العلماء في أن الإسلام، هل هو شرط في الإحصان، أم لا؟ فمذهب الشافعي وأصحابه: أنه ليس بشرط، فإذا حكم الحاكم علي الذمي المحصن، رجمه، ومذهب أبي حنيفة: أن الإسلام شرط في الإحصان، وقال مالك: لا يصح إحصان الكافر. واستدل الشافعية بهذا الحديث برجم النبي ﷺ اليهوديين. واعتذر الحنفية عنه؛ بمن قالوا: رجمهما بحكم التوراة؛ فإنه ﷺ سألهم عن ذلك عند قدومه المدينة، وادعوا أن آية حد الزنا نزلت بعد ذلك، فكان ذلك الحديث منسوخًا. وهذا الذي ذكروه من النسخ يحتاج إلى تحقيق للتاريخ.

стр. 1460

وادعى مالك -رحمه الله تعالى-: أن رجمهما لكونهما أنهما ليسا أهل ذمة، وهو تأويل باطل؛ لأنهما كانا أهل عهد؛ فإنه رجم المرأة، والنساءُ لا يجوز قتلهن مطلقًا. وسؤاله ﷺ اليهودَ بحضور ابن سلام ليس ليعرف الحكم منهم، ولا ليقلدهم فيه، وإنما هو لإلزامهم ما يعتقدونه في كتابهم الموافق لحكم الإسلام؛ تركيبًا للحجة عليهم، وإظهارًا لما كتموه وغيروه وبدلوه منه، إما بوحي من الله إليه؛ في أنه موجود فيما بأيديهم من التوراة لم يغير كما غير أشياء، وإما بإخبار من أسلم منهم، ولهذا يخفَ ذلك عليه ﷺ حين كتموه. وقد يقال: كيف رجمهما ﷺ ، أببينة أم بإقرار؟ فإن كان ببينة، فلا يخلو إما أن يكون الشهود كفارًا أو مسلمين، فإن كانوا كفارًا، فلا اعتبار بشهادتهم، وإن كانوا مسلمين، فهو ظاهر. وقد جاء في "سنن أبي داود" وغيره أنه شهد عليها أربعة بالزنا، وأنهم رأوا ذكره في فرجها (١). فإن صح هذا، حمل على أن الشهود كانوا مسلمين، وإلا يتعين أنهما أقرا بالزنا، اللهم إلا أن يكون قبول شهادتهم بعضهم على بعض مذهبًا، كما نقل عن رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، فيحمل الحديث عليه إن صح، ولا يكون رجمهما بإقرارهما؛ لصحة الحديث، والله أعلم. ويكون ترك بيان صفة الشهود بالإسلام أو الكفر من باب ترك الاستفصال في حكاية الأحوال، فإنه ينزل منزلة العموم في المقال، والله أعلم. * * *

стр. 1461

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَن امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ" (١). اعلم أن دفع الصائل جائز بالإجماع مطلقًا، ويجب عن الحريم بالإجماع، بخلاف النفس والمال؛ فإن العلماء اختلفوا في جواز الاستسلام في النفس، واختلفوا في أن الأفضل الاستسلام فيهما، أم تركه، أم يحرم، أم يفرق بين من للمسلمين به نفع؟ على أوجه للشافعية -رحمهم الله تعالى-. وأما المال، فلا يجب الدفع عنه إجماعًا، لكن يجوز. إذا ثبت هذا، فاعلم أن لفظ الحديث شامل للاطلاع عليك في بيتك، وهو يقتضي أن يكون فيه أنت أو حريمك غير المحارم، على المطلع عليك. وقد أخذ الشافعي -رحمه الله تعالى- بظاهر الحديث، وحكمته الاحتياط للحريم والعورات بالستر وعدم الاطلاع عليها، لكن في قوله ﷺ : "فحذفته بحصاة" ما يقتضي أنه لا يعدل إلى الدفع بالأشد مع وجود الدفع بالأخف من غير إنذار ونهي. ومنعت المالكية ذلك، وقالوا: لا يجوز قصدُ عينه ولا غيرها؛ حتى قيل عندهم: إنه يجب القود فيه، وهو مخالف للحديث، وقالوا في تعليل المنع: المعصية لا تدفع بالمعصية. وهو ضعيف جدًّا، فإنه والحالة هذه لا تكون معصية، ويلحق بدفع الصائل، فإن أرادوا مجرد المعصية بالتعدي بالحذف مع قطع النظر عن النظر في بيته بغير إذن، فهو صحيح، لكنه لا يفيدهم، والله أعلم.

стр. 1462

وقد أوجب الشارع بسبب الحريم أحكامًا وتكاليف لم توجد في غيرهن من متعلقات المتكلفين: منها: الدفع عنهن بالقتال وغيره. ومنها: فقء العين بالنظر في بيوتهن. ومنها: الإنفاق عليهن، وإسكانهن، وكسوتهن، ومعاشرتهن بالمعروف، والوصية بهن، إلى غير ذلك. وما ذاك كله إلا لعظم حقهن؛ لما يترتب من مصالحهن الدنيوية والأخروية، من جزيل الثواب ورفع الدرجات في المآب. وقد تصرف الفقهاء في حكم هذا الحديث بأنواع من التصرفات، وذكروا فيها أحكامًا كثيرة: منها: أنه لا يجوز النظر إلى حريم الناس، سواء كان الناظر واقفًا في الشارع، أو في ملك المنظور إليه، أو في سكة منسدة الطريق. ويجوز فقء عين من فعل ذلك برميه بشيء؛ لإشعار الحديث به. ولأصحاب الشافعي وجه: أنه لا يقصد فقء العين بالنظر، إلا لمن وقف في ملك المنظور إليه. ومنها: أنه يجوز رميه قبل نهيه وإنذاره؛ لإطلاق الحديث، وللشافعية في ذلك وجهان: أحدهما: يشترط نهيه وإنذاره قبل رميه. والثاني: لا يشترط. وقد ثبت في "الصحيح" ما يدل على عدم الاشتراط، وأقوى من إطلاق هذا الحديث: وهو أن النبي ﷺ كان في يده مِدرى، ورجل ينظر في بيته، فقال النبي عنه: "لو أعلمُ أنكَ تنظرُ نجنا لفقأتُ بهِ عينَكَ" (١)، وذلك دليل على عدم

стр. 1463

اشتراط الإنذار، ويدل على اشتراط النظر لقصد مفسدة. ومنها: أنه لا يلحق غير النظر بحكمه، كالتسمع، وفيه خلاف. ومنها: أنه لا يُرمى الناظر إلا بشيء خفيف؛ كمدرى، وبندقة، وحصاة، ولفظ الحديث يشعر بذلك؛ حيث قال النبي ﷺ : "فخذفته"، والخذف لا يكون إلا بشيء خفيف، فلو رماه بحجر ثقيل، أو رشقه بنشاب فقتله، تعلق برميه القصاص أو الدية. ومنها: أن الناظر لو كان له في الدار محرم أو زوجة أو متاع، لم يجز قصد عينه؛ لأن له شبهة في النظر. وقيل: لا يمتنع قصد عينه إلا إذا كان جميع من في الدار محارمه. ومنها: أنه لو كان في الدار صاحبها فقط، وهو مكشوف العورة، فنظر إليه، فهل يلحق الحكم فيه بالنظر إلى المحارم؛ وجهان للشافعية؛ أظهرهما: أنه لا يجوز رميه. ومنها: أن المحارم لو كن في الدار مستترات، أو في بيت منها، لم يجز قصد عينه بالرمي في وجه؛ لأنه لا يطلع على شيء. والأظهر عند جماعة من الفقهاء الجواز؛ لإطلاق الأحاديث، ولأن أوقات التستر والكشف لا تنضبط، فالاحتياط حسم الباب. ومنها: اشتراط عدم تقصير صاحب الدار في كف نظر الناظر، فإن جعل بابه مفتوحًا، أو كانت كوة واسعة في الدار، أو ثلمة مفتوحة لم يسدهما، والناظر مجتاز، فإنه لا يجوز قصد رميه، فلو تعمد النظر، ووقف له، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز قصده بالرمي؛ لتفريط صاحب الدار بفتح الباب وتوسع الكوة. والثاني: يجوز؛ لتعديه بالنظر.

стр. 1464

وأجري هذا الخلاف فيما لو نظر من سطح نفسه، أو نظر المؤذن من المئذنة. والأظهر هنا: جواز الرمي؛ لأنه لا تقصير من صاحب الدار. وهذه الأحكام كلها، إن كانت داخلة تحت إطلاق الأحاديث، كانت مأخوذة منها، وإن لم تكن داخلة، كان بعضها مأخوذًا من فهم المعنى المقصود بالأحاديث، وبعضها مأخوذًا بالقياس، وهو قليل فيها، والله أعلم. * * *

стр. 1465

باب حد السرقة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُهُ -وفي لَفظٍ: ثمنُهُ- ثَلاثَةُ دراهِمَ (١). اعلم أن الله صان الأموال بإيجاب قطع السارق؛ حرمةً لها، ولم يجعل ذلك في غير السرقة؛ كالاختلاس والانتهاب والغصب؛ لأن ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة؛ ولأنه يمكن استرجاع ذلك بالاستعداء إلى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة؛ فإنه يندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها؛ لتكون أبلغ في الزجر عنها. وقد أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة، وإن اختلفوا في فروع منه. أما المجن -بكسر الميم وفتح الجيم وبالنون-، فهو: الترس، مِفْعَل من الاجتنان، وهو الاستتار والاختفاء ونحو ذلك. ومنه: الجن. وكسرت ميم المجن؛ لأنه آلة من الاجتنان، كأن صاحبه يستتر به عما يحاذره (٢).

стр. 1466

قال الشاعر (١): فكانَ مِجَنِّي دونَ مَن كنتُ أَتَّقي ... ثلاثُ شُخوصٍ كاعبان ومُعْصِرُ وأما القيمة والثمن؛ فلأنهما مختلفان في الحقيقة، لكن المعتبر: القيمة، وذكر الثمن في بعض روايات الحديث، إما لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت، أو في ظن الراوي، أو باعتبار الغلبة، وإلا فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه، لم تعتبر إلا القيمة، وتقدم الإجماع على قطع السارق، واختلف العلماء في اشتراط النصاب وقدره، فالجمهور على اشتراط النصاب في القطع. وقال أهل الظاهر، وابن بنت الشافعي من الشافعية، وحكي عن الحسن البصري والخوارج: لا يشترط النصاب، بل يقطع في القليل والكثير. والاستدلال لاشتراطه بهذا الحديث فيه ضعف؛ فإنه حكاية فعل لا يلزم به وجوب القطع في هذا المقدار، فضلًا عما دونه نطقًا. وأما قدر النصاب: فقال الشافعي: النصاب ربع دينار، أو ما قيمته ربع دينار، سواء كانت قيمته ثلاثة دراهم، أو أقل أو أكثر، ولا تقطع في أقل منه. وهو قول كثير من العلماء والصحابة والتابعين وغيرهم، منهم: عائشة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والليث، وأبو ثور، وإسحاق، وروي عن داود. ودليلهم حديث عائشة ﵂ الآتي، ويقوَّم ما عدا الذهب بالذهب. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق في رواية عنه: يقطع في ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم، أو ما قيمته أحدهما، ولا قطع فيما دون ذلك. وجعل هؤلاء كل واحد قدر من الذهب والفضة المذكورين أصلًا لوجوب

стр. 1467

القطع، زاد أبو حنيفة وقال: يقوم ما عداهما بالدراهم، وكلا حديثي الكتاب وعائشة يدلان على خلاف ذلك. أما حديث الكتاب، فقال الشافعي ﵀: بين أنه لا يخالف حديث عائشة؛ فإن الدينار كان اثني عشر درهمًا، وربعه ثلاثة دراهم مصروفاتها، وبها قومت الدية اثني عشر ألفًا من الوَرِق بألف دينار من الذهب. وبهذا الحديث استدل المالكية على أن الفضة أصل في التقويم دون الذهب، قالوا: فإن المسروق لما كان غير الذهب والفضة، وقوم بالفضة دون الذهب، قالوا: دل على أنها أصل في التقويم، وإلا كان الرجوع إلى الذهب الذي هو أصل التقويم أولى وأوجب عند من يرى التقويم به. والحنفية ومن قال بقولهم، قالوا في هذا الحديث وحديث عائشة: إن القطع في ربع دينار فعلًا، تأولوه على أن التقويم أمر ظني تخميني، فيجوز أن تكون قيمته عند عائشة ﵂ ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، ويكون عند غيرها أكثر. وضعف هذا التأويل غيرهم؛ بأن عائشة ﵂ لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه إلا عن تحقيق؛ لعظم أمر القطع. وقال سليمان بن يسار، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، والحسن في رواية عنه: لا يقطع إلا في خمسة دراهم. وهو مروي عن عمر بن الخطاب ﵁. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا قطع إلا في عشرة دراهم، أو ما قيمته ذلك، وحكى القاضي عياض عن بعض الصحابة: أن النصاب أربعة دراهم، وعن النخعي: أربعون درهمًا، أو أربعة دنانير. وحديث عائشة: أن النبي ﷺ قال: "لا تُقطع يدُ السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (١).

стр. 1468

الصحيح ما قاله الشافعي وموافقوه؛ حيث إنه ﷺ حصر عدم القطع إلا في ربع دينار. وحديث المجن الذي قيمته أو ثمنه ثلاثة دراهم محمول على ربع دينار كما ذكرنا. وهي قضيّة عين لا عموم لها، فلا يجوز ترك صريح لفظه ﷺ في تحديد النصاب لهذه الرواية المحتملة، بل يجب حملها على موافقة لفظه ﷺ . وانظر إلى كرم الله تعالى على المكلفين من عباده، ونوعهم؛ حيث جعل في قطع اليد إذا لم يقتص منها نصف الدية؛ تعظيمًا لقدرها، وجعل للسارق قدر ربع دينار، أو ربع دينار بقطع يده؛ تحقيرًا لها بسبب المعصية المتعلقة بحق الله تعالى في المخالفة وحق المسلم في ماله، والله أعلم. والروايات المروية في التقديرات الزائدة على ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار، كلها ضعيفة لا يعمل بها، لو انفردت، كيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة، مع أنه يمكن تأويلها عليها؛ بأن ما زاد على التقديرين المذكورين، كان قيمة لهما، والله أعلم. الحديث الثاني عَنْ عَائشِةَ ﵂: أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تُقْطَعُ اليَدُ فِي ربع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (١). أما ما تقطع فيه اليدُ من المال المسروق، فقد ذكرناه في الحديث قبله، لكن يشترط أن تكون السرقة من حِرْز، عند جميع العلماء، إلا داود الظاهري، فلم يشترطه.

стр. 1469

والمعتبر في الحرز الذي يقطع بالسرقة منه: ما عدَّه أهلُ العرف حِرزًا لذلك الشيء. ويشترط للقطع -أيضًا-، ألَّا يكون للسارق شبهة في المسروق؛ فإن كانت شبهة، لم يقطع. ويشترط -أيضًا- مطالبة المسروق منه بالمال. واعلم أن هذا الحديث هو اعتماد الشافعي في مقدار النصاب، وقد ثبت ذلك من فعله؛ لأنه لا يلزم من قطع السارق في مقدار معين وقع على سبيل الاتفاق ألَّا يقطع فيما دونه، بخلاف القول، فإنه دال على اعتبار معين في القطع، وذلك يدل على عدم اعتبار ما زاد عليه في إباحة القطع. ولو اعتبر في الزيادة عليه، لاعتبر فيما دونه، و -أيضًا- فإن دلالة الفعل هي باب الظن في المقصود، فأشبهت المتقومات، والله أعلم. وهذا الحديث قوي في الدلالة على أصحاب أبي حنيفة؛ فإنه صريح بمقتضاه في القطع في هذا المقدار الذي لا يقولون بجواز القطع به. وأما دلالته على الظاهرية ومن قال بقولهم؛ في أنه يقطع في كل قليل وكثير، فليست من حيث النطق، بل من حيث المفهوم، وهو داخل في مفهوم العدد، ومرتبته أقوى من مفهوم اللقب. وقوله ﷺ : "تقطع اليد"؛ المراد بها: القطع من الرسغ؛ وهو المفصل بين الكف والذراع، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء، وقال بعض السلف: تقطع اليد من المرفق، وقال بعضهم: من المنكب؛ والمراد به اليد اليمنى، وكذلك هو في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]؛ أي: أيمانهما، وهو موجود في مصحف ابن مسعود ﵁. * * *

стр. 1470

الحديث الثالث عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَن قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَخْزُوميَّة الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَن يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىَ عَلَيهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: "أتشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ "، ثُمَّ قامَ فَاختَطَبَ فَقَالَ: "إنَّما أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ. وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (١). وَفِي لَفظٍ: كَانَتِ امْرَأَةٌ [مَخْزُوميَّةٌ] تَسْتَعيرُ المَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا (٢). أما المرأة المخزومية السارقة؛ فاسمها فاطمةُ بنتُ أبي الأسد بنِ عبد الأسد، بنت أخي أبي سلمةَ زوجِ أُمِّ سلمةَ المخزومية. وكانت سرقتها هذه في غزوة الفتح، على ما ذكره ابن وهب في "موطئه" عن مالك، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. وقال أبو القاسم بن بشكوال: وقيل: هي أم عمرو بنت أبي الأسد بن عبد الأسد. وذكر ذلك عن عبد الرزاق عن ابن جريج، والله أعلم (٣). وأما المخزومية، فنسبة إلى بني مخزوم بن يقظة بن مرة -يقظة وتيم وكلاب إخوة- بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة.

стр. 1471

وأما قريش فهم أولاد النضر بن كنانة، على المشهور، وقيل: أولاد فهو، والله أعلم (١). وأما ما أَهَمَّهم من شأنها؛ فلِما خافوا من لحُوق العار الجاهلي في قطع يدها، وافتضاحهم بين القبائل به، وظنوا أن الشفاعة والسعي في إسقاط الحدود يفيدان فيه، فلما أقسم النبي ﷺ على أنه لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها، علموا أن ذلك حتم لا مندوحة عنه، والله أعلم. وأما قوله في الرواية الثانية: أنها "كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه" وأن النبي ﷺ أمر بقطع يدها؛ فلا شك أن سياقها عقب هذا الحديث الذي فيه أنها سرقت، يقتضي أن المعبر عنه بالسرقة وجحد المتاع بعد الاستعارة، امرأة واحدة، لكن لا يقتضي أن العارية وجحدها تسمى سرقة موجبة لقطع اليد؛ فإن الإعارة مخرجة لوضع اليد على العين عن السرقة والغصب. ومن جحد شيئًا، لا يجب به القطع. وقد روى مسعود بن الأسود عن النبي ﷺ نحو هذا الخبر فيما قاله أبو داود، قال: سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، وهذا التعليق قد أخرجه ابن ماجه في "سننه" بإسناد فيه محمد بن إسحاق، وهو متكلم فيه (٢). وروي من حديث جابر: أن امرأة سرقت، فعاذت بزينب بنت رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1472

وروى مسلم والنسائي عن جابر -أيضًا-، قال: فعاذت بأم سلمة زوجِ النبي ﷺ (١). فهذا كله يدل على أن هذه المرأة كان لها عادات في التحيُّل على أخذ أموال الناس، وأنها كانت تسرقها مرة، وتستعيرها مرة وتجحدها، وأنها كانت تعوذ ببنت النبي ﷺ تارة، وتارة بزوجته، وأن الرواة كان أحدهم يذكر حالة من حالاتها في أخذ الأموال والتوصل إلى دفع العقوبة فيها. وقد تأول العلماء رواية استعارة المتاع وجحده على أن ذلك إنما ذكر لتعريف المرأة، ووصفها بما ذكر، لا بكونها سببًا للقطع؛ لأن سببه السرقة لا الاستعارة والجحد؛ حيث إن الأحاديث في معظم طرقها مصرحة بالسرقة، وأنها سبب القطع. قالوا: فتعين حمل هذه الرواية عليها؛ جمعًا بين الروايات؛ حيث إن القضية في المرأة وقطع يدها واحدة. ومن أئمة الحديث من جعلها شاذة مخالفة لجماهير الرواة، والشاذ لا يعمل به. قال بعض العلماء: وإنما لم تذكر السرقة فيها؛ حيث إن المقصود عند الراوي: ذكر منع الشفاعة في الحدود، لا الإخبار عن السرقة. ولا شك أن الحديث واحد اختلف فيه، هل كانت المرأة المذكورة فيه سارقة أو جاحدة؟ وقد أوجب أحمد وإسحاق القطع في صورة جحود العارية؛ عملًا بهذه الرواية، وهذا يقتضي أنها عندهما غير شاذة ولا مخالفة، لكن قول جمهور العلماء وفقهاء الأمصار: في أنه لا قطع في جحود العارية؛ لما بينا. فإن أخذناها بما ذكرنا من العمل الصناعي لأهل الحديث من الشذوذ، ضعفت الدلالة منها على مسألة الجحود لمن أوجب القطع فيه قليلًا؛ حيث إنه

стр. 1473

اختلاف في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم في الجحود حتى يتبين ترجيح رواية من روى أنها كانت سارقة، وقد تبين، والله أعلم. وقد يقال: كيف يكون الحديث واحدًا، ويعبر عنه تارة بالسرقة، وتارة بالجحود؟! وكيف يجوز للراوي التعبير بأحدهما عن الآخر؟ قلنا: قد استعمل مثل هذا في قطع النبي ﷺ في ربع دينار فعلًا، واعتمادًا على قطعه فيه قولًا، لكن يخرج عنه صورة التقويم به، ويكون اختلاف الحديث في اللفظ، لا في المعنى، ويتأول أحد اللفظين على الآخر، فكذلك في حديث سرقة المتاع، واستعارته، وجحوده -كما ذكرنا- يتنزل على ذلك، والله أعلم. وقولهم: "ومَنْ يجترىَ عليه إلا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ "؛ الاجتراء: التجاسر بطريق الإدلال، والحِبُّ -بكسر الحاء-؛ هو المحبوب. وقوله ﷺ : "وايم الله"؛ اعلم! أن ايم الله معناها: القسم، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الله . وفيها لغات: ايم الله -بفتح الهمزة، وكسرها-، وايمن الله -بفتح الهمزة، وكسرها أيضًا- وزيادة نون في آخرها، وإم الله -بكسر الهمزة وحذف الياء والنون-، وم الله -بحذف الهمزة والياء والنون-، وأومن الله -بضم الهمزة وسكون الواو وضم الميم والنون-، وأيمن الله -بفتح الهمزة وسكون الياء وضم الميم والنون- (١). فهذه ثمان لغات فيها كتبناها عن شيخنا العلامة: أبي عبد اللهِ محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني -رحمه الله تعالى-، وأجاز لنا روايته، وقد نظمها في بيتين من أبيات له في "لغات الألفاظ": همز أيمٍ وأيمنٍ فافتحْ واكسر ... وإم قل أو قل م أو من بالتثليثِ قَدْ شُكِلا وأيمن اختم به والله كلا أضفْ ... إليه في قَسَمٍ تبلغْ بهِ الأَملا

стр. 1474

وفي الحديث أحكام: منها: قطع السارق، رجلًا كان أو امرأة، وتمسك أحمد وإسحاق بالرواية في الكتاب بقطع مجحد المتاع، وقد بسطنا القول فيها أتم بسط. ومنها: منقبة ظاهرة لأسامة ﵁. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به، وهذا الحديث دليل لجوازه. ومنها: المنع من الشفاعة في الحدود، وهو مجمع عليه بعد بلوغه إلى السلطان، فأما قبل بلوغه إليه، فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحبَ شر وأذى للناس، فإن كان، لم يشفع فيه، أما المعاصي التي لا حد فيها، فواجبها التعزير، فتجوز الشفاعة والشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون. ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحبَ أذى ونحوه. ومنها: أنه يحرم التشفيع في صاحب الحد. ومنها: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله وحدوده، وأنها سبب للهلاك، وقد نبه ﷺ على ذلك بهلاك من قبلنا من الأمم بذلك بالحصر بـ "إنما"، والظاهر أنها ليست هنا للحصر المطلق، مع احتماله؛ فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله ، فينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص بـ "لو". ومنها: جواز تعليق القول بـ "لو" بتقدير أمر آخر لا يمتنع، خصوصًا إذا كان فيه تنبيه على أمر شرعي، والتنفير عن مخالفته، وقد شدد قوم في المنع من قول: "لو"، وأنها تفتح عمل الشيطان، وليس المنع على إطلاقه، بل: هو منزل على فعل أمر قد فات، أو فعل محذور ونحوه، والله أعلم.

стр. 1475

ومنها: مساواة الشريف والمشروف في أحكام الله وحدوده. ومنها: أن من راعى الشريف فيها مذمومٌ يُخشى عليه الهلاك. ومنها: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة الدين. وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالكون والحث على ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وقال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. * * *
следующие страницы →