← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وأما قريش فهم أولاد النضر بن كنانة، على المشهور، وقيل: أولاد فهو، والله أعلم (١). وأما ما أَهَمَّهم من شأنها؛ فلِما خافوا من لحُوق العار الجاهلي في قطع يدها، وافتضاحهم بين القبائل به، وظنوا أن الشفاعة والسعي في إسقاط الحدود يفيدان فيه، فلما أقسم النبي ﷺ على أنه لو سرقت ابنته فاطمة لقطع يدها، علموا أن ذلك حتم لا مندوحة عنه، والله أعلم. وأما قوله في الرواية الثانية: أنها "كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه" وأن النبي ﷺ أمر بقطع يدها؛ فلا شك أن سياقها عقب هذا الحديث الذي فيه أنها سرقت، يقتضي أن المعبر عنه بالسرقة وجحد المتاع بعد الاستعارة، امرأة واحدة، لكن لا يقتضي أن العارية وجحدها تسمى سرقة موجبة لقطع اليد؛ فإن الإعارة مخرجة لوضع اليد على العين عن السرقة والغصب. ومن جحد شيئًا، لا يجب به القطع. وقد روى مسعود بن الأسود عن النبي ﷺ نحو هذا الخبر فيما قاله أبو داود، قال: سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ، وهذا التعليق قد أخرجه ابن ماجه في "سننه" بإسناد فيه محمد بن إسحاق، وهو متكلم فيه (٢). وروي من حديث جابر: أن امرأة سرقت، فعاذت بزينب بنت رسول الله ﷺ (٣).

стр. 1472

وروى مسلم والنسائي عن جابر -أيضًا-، قال: فعاذت بأم سلمة زوجِ النبي ﷺ (١). فهذا كله يدل على أن هذه المرأة كان لها عادات في التحيُّل على أخذ أموال الناس، وأنها كانت تسرقها مرة، وتستعيرها مرة وتجحدها، وأنها كانت تعوذ ببنت النبي ﷺ تارة، وتارة بزوجته، وأن الرواة كان أحدهم يذكر حالة من حالاتها في أخذ الأموال والتوصل إلى دفع العقوبة فيها. وقد تأول العلماء رواية استعارة المتاع وجحده على أن ذلك إنما ذكر لتعريف المرأة، ووصفها بما ذكر، لا بكونها سببًا للقطع؛ لأن سببه السرقة لا الاستعارة والجحد؛ حيث إن الأحاديث في معظم طرقها مصرحة بالسرقة، وأنها سبب القطع. قالوا: فتعين حمل هذه الرواية عليها؛ جمعًا بين الروايات؛ حيث إن القضية في المرأة وقطع يدها واحدة. ومن أئمة الحديث من جعلها شاذة مخالفة لجماهير الرواة، والشاذ لا يعمل به. قال بعض العلماء: وإنما لم تذكر السرقة فيها؛ حيث إن المقصود عند الراوي: ذكر منع الشفاعة في الحدود، لا الإخبار عن السرقة. ولا شك أن الحديث واحد اختلف فيه، هل كانت المرأة المذكورة فيه سارقة أو جاحدة؟ وقد أوجب أحمد وإسحاق القطع في صورة جحود العارية؛ عملًا بهذه الرواية، وهذا يقتضي أنها عندهما غير شاذة ولا مخالفة، لكن قول جمهور العلماء وفقهاء الأمصار: في أنه لا قطع في جحود العارية؛ لما بينا. فإن أخذناها بما ذكرنا من العمل الصناعي لأهل الحديث من الشذوذ، ضعفت الدلالة منها على مسألة الجحود لمن أوجب القطع فيه قليلًا؛ حيث إنه

стр. 1473

اختلاف في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم في الجحود حتى يتبين ترجيح رواية من روى أنها كانت سارقة، وقد تبين، والله أعلم. وقد يقال: كيف يكون الحديث واحدًا، ويعبر عنه تارة بالسرقة، وتارة بالجحود؟! وكيف يجوز للراوي التعبير بأحدهما عن الآخر؟ قلنا: قد استعمل مثل هذا في قطع النبي ﷺ في ربع دينار فعلًا، واعتمادًا على قطعه فيه قولًا، لكن يخرج عنه صورة التقويم به، ويكون اختلاف الحديث في اللفظ، لا في المعنى، ويتأول أحد اللفظين على الآخر، فكذلك في حديث سرقة المتاع، واستعارته، وجحوده -كما ذكرنا- يتنزل على ذلك، والله أعلم. وقولهم: "ومَنْ يجترىَ عليه إلا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ "؛ الاجتراء: التجاسر بطريق الإدلال، والحِبُّ -بكسر الحاء-؛ هو المحبوب. وقوله ﷺ : "وايم الله"؛ اعلم! أن ايم الله معناها: القسم، ولا تستعمل إلا مضافة إلى الله . وفيها لغات: ايم الله -بفتح الهمزة، وكسرها-، وايمن الله -بفتح الهمزة، وكسرها أيضًا- وزيادة نون في آخرها، وإم الله -بكسر الهمزة وحذف الياء والنون-، وم الله -بحذف الهمزة والياء والنون-، وأومن الله -بضم الهمزة وسكون الواو وضم الميم والنون-، وأيمن الله -بفتح الهمزة وسكون الياء وضم الميم والنون- (١). فهذه ثمان لغات فيها كتبناها عن شيخنا العلامة: أبي عبد اللهِ محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني -رحمه الله تعالى-، وأجاز لنا روايته، وقد نظمها في بيتين من أبيات له في "لغات الألفاظ": همز أيمٍ وأيمنٍ فافتحْ واكسر ... وإم قل أو قل م أو من بالتثليثِ قَدْ شُكِلا وأيمن اختم به والله كلا أضفْ ... إليه في قَسَمٍ تبلغْ بهِ الأَملا

стр. 1474

وفي الحديث أحكام: منها: قطع السارق، رجلًا كان أو امرأة، وتمسك أحمد وإسحاق بالرواية في الكتاب بقطع مجحد المتاع، وقد بسطنا القول فيها أتم بسط. ومنها: منقبة ظاهرة لأسامة ﵁. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب، وقد اختلف العلماء في جواز الحلف به، وهذا الحديث دليل لجوازه. ومنها: المنع من الشفاعة في الحدود، وهو مجمع عليه بعد بلوغه إلى السلطان، فأما قبل بلوغه إليه، فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحبَ شر وأذى للناس، فإن كان، لم يشفع فيه، أما المعاصي التي لا حد فيها، فواجبها التعزير، فتجوز الشفاعة والشفيع فيها، سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون. ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحبَ أذى ونحوه. ومنها: أنه يحرم التشفيع في صاحب الحد. ومنها: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله وحدوده، وأنها سبب للهلاك، وقد نبه ﷺ على ذلك بهلاك من قبلنا من الأمم بذلك بالحصر بـ "إنما"، والظاهر أنها ليست هنا للحصر المطلق، مع احتماله؛ فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصر مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله ، فينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص بـ "لو". ومنها: جواز تعليق القول بـ "لو" بتقدير أمر آخر لا يمتنع، خصوصًا إذا كان فيه تنبيه على أمر شرعي، والتنفير عن مخالفته، وقد شدد قوم في المنع من قول: "لو"، وأنها تفتح عمل الشيطان، وليس المنع على إطلاقه، بل: هو منزل على فعل أمر قد فات، أو فعل محذور ونحوه، والله أعلم.

стр. 1475

ومنها: مساواة الشريف والمشروف في أحكام الله وحدوده. ومنها: أن من راعى الشريف فيها مذمومٌ يُخشى عليه الهلاك. ومنها: عدم مراعاة الأهل والأقارب والأصحاب في مخالفة الدين. وقد أمر الله تعالى المؤمنين بالكون والحث على ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] وقال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. * * *

стр. 1476

باب حَدّ الخمر الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ. قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن: أَخَفَّ الحُدُودِ؛ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (١). أما الرجل المجلود في الخمر، فلا أعلم اسمه. وأما "جلدُه بجريدٍ نحوَ أربعينَ"؛ فهكذا هو في الكتاب: بجريد نحو أربعين، وفي "صحيح مسلم": جلده بجريدتين نحو أربعين. وفي رواية: جلد النبي ﷺ في الخمر بالجريد والنعال (٢). وفي رواية: كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين (٣). وهذه الرواية الأخيرة مبينة للروايات كلها من أن الأربعين هو حد الخمر من رسول الله ﷺ ، خلافًا لمن تأول ضربه بالجريدتين على أنهما كانتا مفردتين، وأنه

стр. 1477

جُلد بكل واحدة أربعون، أو أقل أو أكثر حتى كمل مبلغهما ضربًا ثمانين. والأحاديث الصحيحة مصرحة بخلاف هذا التأويل، وظاهر رواية الكتاب: أن الأربعين للتقريب، حتى لو كانت تسعة وثلاثين، جاز بقوله: نحو أربعين، فإن مقتضاه: التقريب لا التحديد، وهو خلاف الإجماع؛ فإن الحدود والتقديرات الشرعية كلها للتحديد، فحينئذ لا بد من تأويل قوله: نحو أربعين على عدم التساوي في الضرب والآلة المضروب بها، والله أعلم. وقوله: "فلما كانَ عمرُ، استشار الناسَ، فقال عبدُ الرحمن: أَخَفَّ الحدودِ ثمانين". أما عبد الرحمن؛ فهو ابن عوف، أحد العشرة ﵃، وهكذا هو في الصحيح: أنه الذي أشار على عمر بالثمانين، ووقع في "الموطأ": أنَّ الذي أشار بها علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه - (١)، والجمع بينهما صحيح ممكن، فلعلهما أشارا به، والذي بدر بالمشورة أولًا عبد الرحمن، فنسبت إليه؛ لسبقه بها، ونسبت في رواية إلى علي ﵁؛ لفضيلته وكثرة علمه ورجحانه على عبد الرحمن ﵄. لكن رواية من قال: إنه علي منقطعة؛ فإنها من رواية ثور بن زيد الديلي عن عمر، وثور لم يدرك عمر، والله أعلم. وقوله: "أَخَفَّ الحدودِ"، هو منصوب بفعل محذوف تقديره: فقال عبد الرحمن: اجلده، أو: حده أخفَّ الحدود المنصوص عليها في القرآن؛ فإن الحدود في القرآن: حد السرقة بالقطع، وحد الزنا بمئة جلدة، وحد القذف بثمانين جلدة، فاجعل حد الخمر ثمانين كأخف الحدود. وإنما استشار عمرُ الناسَ في ذلك؛ لأن في زمنه ﵁ فتح الشام والعراق، وسكن الناس في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار، وأكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر ﵁ في حدها؛ زجرًا

стр. 1478

لشاربيها، وتغليظًا عليهم، وكان ذلك سُنَّةً ماضية؛ فإنه موافق للعمل بقوله ﷺ : "فعليكُمْ بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّيينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ" (١) وقوله ﷺ : "اقْتَدُوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ" (٢)؛ أي: بكل واحد منهما. ولهذا عمل عثمان ﵁ بفعل كل واحد منهما، فجلده مرة ثمانين، ومرة أربعين. وقال علي ﵁: كُلٌّ سُنَّةٌ (٣)؛ حيث إن الأربعين فعلُ النبي ﷺ ، وأبي بكر، والثمانين فعلُ عمر بإجماع الصحابة ﵃، وإن اعتقاده ﵁ أنهما كانا خليفتين، وأن فعلهما سنة، وأمرَهما حق، خلاف ما يكذب عليه ﵁. وروي عن علي ﵁: أنه ضرب في الخمر ثمانين، وهو المعروف من مذهبه، والله أعلم. واعلم أنه وقع في لفظ الكتاب: أن الضرب كان بالجريد فقط، وفي غيره: بالجريد والنعال كما ذكرنا. وفي رواية الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر: أن النبي ﷺ قال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (٤). وفي حديث قال: فلما كان أبو بكر، سأل عن ذلك من حضر ذلك المضروب، فقومه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين (٥)، ففسر بعضهم

стр. 1479

التقويم بالتقدير؛ أي: قدر الضرب الذي ضربه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فبلغ قدره أربعين عصًا. وهو بعيد؛ لقوله: كان ﷺ يجلد في الخمر أربعين؛ فإنه لا ينطلق على عدد كثير من الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، لا على التقويم بمعنى التقدير؛ فإن قوله: أربعين أقربُ صدقًا حقيقة من التقدير الذي هو معنى التقويم. ولهذا قال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، وجعل بعضهم: أن رواية قول عبد الرحمن: أخفُّ الحدود ثمانون، على أنه مبتدأ وخبر، فيكونان مرفوعين، وما أعلمه منقولًا رواية، والله أعلم. وفي الحديث أحكام: منها: تحريم شرب الخمر، وهو إجماع المسلمين، والحد لا يكون إلا على محرّم كبيرة. ومنها: وجوب الحد على شاربها، سواء شرب قليلًا أو كثيرًا. وأجمع العلماء على أنه لا يقتل بشربها، وإن تكرر منه، وممن حكى الإجماع على ذلك: الترمذي في "جامعه"، وخلائق من العلماء. وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة: أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات؛ للأحاديث الواردة في ذلك، وهو قول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمَنْ بعدهم في أنه لا يقتل، وإن تكرر منه أربع مرات، والأحاديث المروية في قتله منسوخة؛ بدلالة الإجماع على نسخها؛ حيث إن الإجماع إنما استقر بعد وفاته ﷺ ، فلا يكون بذاته ناسخًا ولا منسوخًا. ومنهم من قال: هي منسوخة بقوله ﷺ : "لا يحل دمُ امرىٍ مسلم إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ النفسُ بالنفسِ، والثَّيِّبُ الزاني، والتاركُ لديِنِهِ المفارِقُ للجماعةِ" (١). وأجمع العلماء على أن شارب الخمر يجلد، سواء سكر أم لا.

стр. 1480

واختلف العلماء على أن شارب النبيذ، وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام، يُجلد فيه كجلد شارب الخمر الذي هو عصير العنب، سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه. وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم، ولا يحد شاربه. وهذا الذي قاله أبو حنيفة وموافقوه، إن أرادوا عدم تحريم الأنبذة؛ لكونها غير مسكرة، فمسلَّم، وإن أرادوا به لكونها مسكرة، فممنوع؛ فإن جماعة من العلماء نقلوا الإجماع على أن المسكر حرام؛ بأي شيء كان، من عصير عنب، أو نبيذ زبيب، أو تمر، أو مزر؛ وهو ما يعمل مسكرًا من لبن الخيل، مع أن لبن الخيل حرام عندهم مطلقًا، سواء إن أسكر أم لا؛ حيث إنه عندهم تبع للحم الخيل في تحريمه؛ فلبن الخيل كلحمه في الحل والحرمة. وقال أبو ثور: النبيذ المسكر حرام، يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته، والله أعلم. ومنها: أن قدر حد الخمر أربعون، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وداود، وأهل الظاهر، وغيرهم. وقال الشافعي ﵀: وللإمام أن يبلغ به ثمانين؛ لفعل عمر والصحابة ﵃. قال: والزيادة على الأربعين تقريرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك. وقال القاضي عياض ﵀، وجمهور العلماء والفقهاء من السلف والخلف، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق: أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة ﵃، وفعل النبي ﷺ لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية التي في الكتاب: نحو أربعين.

стр. 1481

وحجة الشافعي ﵀: أن النبي ﷺ جلد أربعين؛ كما صرح به في "صحيح مسلم" وغيره. وزيادة عمر تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام، إن شاء فعله، وإن شاء تركه؛ بحسب المصلحة في فعله وتركه، فرآه عمر، ففعله، ولم يره أبو بكر ولا علي ﵄، فتركاه، ولو كانت الزيادة حدًّا، لم يتركها النبي ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا تركها علي بعد فعل عمر، ولهذا قال علي: وكُلٌّ سنة؛ أي: الاقتصار على الأربعين والبلوغ إلى الثمانين. وهذا الحد هو حدٌّ الحر، وأما العبد، فهو على النصف من الحر في الخمر والزنا والقذف. والله أعلم (١). ومنها: حصول الحد في الخمر بالجلد بالجريد والنعال وأطراف الثياب، وهو مجمع عليه، لكنه بحيث يسمى ضربًا، فلا يكتفى بالوضع المجرد، بل برفع ذراعه رفعًا معتدلًا، ولا يبالغ في الضرب؛ بأن يرفع يده فوق رأسه. قال الشافعية: إذا ضربه بالسوط، فليكن متوسطا معتدلًا في الحجم بين القضيب والعصا، فإن ضربه بجريدة، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، واختلفوا في جوازه بالسوط على وجهين؛ أصحهما: الجواز، وهما مذهبان للعلماء. وشذ بعض الشافعية، فشرط فيه السوط، وقال: لا يجوز فيه الضرب بالثياب والنعال، وهو غلط فاحش مردود على قائله؛ لمنابذته صريح الأحاديث الصحيحة، ومخالفتها، والله أعلم. ومنها: مشاورة الإمام والقاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام. ومنها: أن قول العلماء بالاجتهاد يجوز إطلاقُ السنة عليه، وأنه يجب العمل به. ومنها: جواز القياس والعمل به، وبالاستحسان عند الحاجة إليه. والله أعلم.

стр. 1482

الحديث الثاني عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، هَانِئِ بْنِ نِيارٍ البَلَويِّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْواطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ" (١). أما أبو بردة هذا؛ فهو ممن غلبت عليه كنيته. واختلف في اسمه على أقوال؛ أصحها ما ذكره في الكتاب: هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد، وقيل: الحارث بن عمرو، ويقال: مالك بن هبيرة بن عبيد، وهو حليف للأنصار، مدني، كان حليفًا لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وهو خال البراء بن عازب. شهد العقبةَ وبدرًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وكانت معه راية بني حارثة في غزوة الفتح. اتفق البخاري ومسلم على الرواية له، رويا له حديثًا واحدًا، وروى له أصحاب السنن والمساند. وروى عنه جابر بن عبد الله، وجماعة من التابعين. وتوفي أوائل خلافة معاوية سنة خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، لا عقب له بعد شهوده مع علي -كرم الله وجهه- حروبه كلها. وأما البلوي، بفتح الباء الموحدة واللام وكسر الواو ثم ياء النسب، فلم يختلفوا أنه نسبة إلى بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة. قال أبو عمر النمري: يقولون: أبو بردة هانئ بن نيار بن عبيد بن كلاب بن غنيم بن هبيرة بن ذهل بن هانئ بن بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة.

стр. 1483

قلت: وكون اسمه هانئ بن نيار، هو قول أهل الحديث، وقيل فيه: هانئ بن عمرو، وهذا قول ابن إسحاق. وذكر النمري الأقوال التي ذكرناها فيه، وأضافها إلى قائلها، والله أعلم (١). واعلم أن حديث أبي بردة هذا، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة (٢). أما البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فذكروا رواية عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة. وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فذكروا روايته عن أبيه عن أبي بردة، فيدخل في رواية المزيد في متصل الأسانيد؛ لزيادة جابر بن عبد الله بين أبيه عبد الرحمن، وأبي بردة، ويحتمل أن عبد الرحمن سمعه من أبي بردة، ثم سمعه من أبيه عن أبيه، ويحتمل عكسه، فيكون متصلًا، ولا يكون منقطعًا في إحدى الروايتين. وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن المتذر قال: إن في إسناد هذا الحديث مقالًا، وقال الأصيلي: اضطرب إسناد حديث عبد الرحمن بن جابر، فوجب تركه؛ لاضطرابه. وقول ابن المنذر يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من الاضطراب؛ فإن رجال إسناد هذا الحديث ثقات. كيف وقد رواه البخاري ومسلم والأئمة؟ والاضطراب الذي ذكره الأصيلي

стр. 1484

هو ما ذكرناه من زيادة رواية جابر بن عبد الله بين أبيه عبد الرحمن، وأبي بردة، وروي -أيضًا- عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع عن النبي ﷺ ، ولا يضر ذلك جميعه كما بيناه، ولا تضر جهالة الصحابي. كيف وقد ذكر الصحابي في بعض طرقه، وكلها في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد؟ وروي -أيضًا- عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ . وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم؛ لما بيناه أولًا من احتمال أن يكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد، واحتمال سماعه من كل واحد منهما، ويكون الذي سمع النبي ﷺ ، والرجل من الأنصار واحدًا، وهو أبو بردة؛ فإنه وإن كان قضاعيًّا، فإنه أنصاري بالحلف، فنسب إليهم، وهو مشهور بذلك. وذكر الحافظ أبو الحسن الدارقطني: أن حديث عمر بن الحارث المقري الذي قال فيه: عن أبيه، صحيح؛ لأنه ثقة، وقد زاد رجلًا، وتابعه أسامة بن زيد. فهذا الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوعه على الاختلاف، وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الصحيح -رحمهما الله- والله أعلم (١). وقوله ﷺ : "إلَّا في حَدٍّ من حدودِ الله "؛ الحدُّ في اللغة: المنع مطلقًا. وسميت الحدود المقدرة في الشرع بذلك؛ لأنه يمنع من معاودة معاصيها؛ ولأنه مقدر محدود. واختلف في تفسيره في هذا الحديث: فقيل: المراد به حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة وحدودها؛ لأن المحرمات كلها من حدود الله تعالى، وهذا أولًا: خروج عن العرف في لفظ الحد، وثانيًا: أن ما ليس بمحرم يقتضي جواز الزيادة على العشرة

стр. 1485

أسواط، وأن الزيادة مختصة به؛ إذ لم يبق لنا شيء غيره مما تجوز فيه الزيادة، وأصل التعزير ممنوع فيه، ولا تبقى لخصوصية منع الزيادة معنى، والذي تقتضيه الأدلة: أن المراد به فعل الماضي الذي لا حد فيها ولا كفارة. وقد قال بظاهر هذا الحديث في عدد الزيادة على العشرة الأسواط: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وإليه ذهب من الشافعية صاحب "التقريب"، وأشهب من المالكية؛ فإن الحديث متعرض للمنع من الزيادة عليها، وما دونها لا تعارض للمنع فيه. وفي هذا الحديث دليل: على إثبات التعزير، ومعناه في اللغة: التأديب، وأما في الشرع، فقال الماوردي: هو تأديب على ذنب ليس فيه حد (١)، فتوافق الحد في أنه زجر وتأديب للصلاح، يختلف بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعزير أهل الهيبات أخف من تعزير غيرهم، ويستوون في الحد. والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، دون الحد. والثالث: لو تلف من التعزير، ضُمن، ولو تلف من الحد، فهدر. وفيه: تقدير الضرب فيه بعدم الزيادة على العشرة، وأما بالنقص عنها، فلا. وقد ذكرنا من قال به قريبًا. وقد اختلف العلماء فيه، فالمنقول عن مالك ﵀: أنه لا يتقدر بعشرة ولا غيرها، ويُجيز العقوبات فوق العشرة وفوق الحدود على قدر الجريمة وصاحبها، ويجعل ذلك موكولًا إلى رأي الإمام واجتهاده، فحينئذ يحتاج من قال بجواز الزيادة على العشرة، وإن لم تبلغ أدنى الحدود، إلى العذر عن الحديث، فبعضهم طعن فيه بما ذكرنا، وقد بينا بطلانه، وبعضهم ادعى نسخه بعمل الصحابة ﵃ على خلافه، وأن عمر ﵁ ضرب

стр. 1486

صَبِيغًا، -بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة تحت، وبالعين المعجمة آخره- أكثر من الحد، أو من مئة. وفعلُ بعضهم أو فتواه لا يدل على النسخ، إلا أن يقع الإجماع عليه، فيدل على وجود ناسخ، فيكون نسخًا، ولا إجماع. وتأوله بعض المالكية على أنه مقصور على زمن النبي ﷺ ؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص والمناسبة التي ذكرها ضعيفة -أيضًا-؛ لأنها لا تصلح لإثبات التخصيص. واعلم أن العلماء حيث جعلوا التخيير إلى رأي للإمام؛ في شيء من الأشياء، ليس المراد به تخيير نسبة، بل لا بد عليه من الاجتهاد الشرعي. وقد نقل عن بعض المالكية: أن مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة أسواط، فإن زاد، اقتص منه. وهذا -أيضًا- بعيد بتعدد إقامة الدليل عليه، ولعله أخذه من أن الثلاث اعتبرت في مواضع كثيرة من الشرع، وأنها حد الكثرة، وهو ضعيف. وظاهر مذهب الشافعي ﵀ جوازُ الزيادة على العشرة، إلا أنه لا يبلغ بالتعزير الحد. وقال بعض الشافعية: الأظهر جواز الزيادة على العشرة. واختلف أصحابه على هذا في المعتبر على وجهين: أدنى الحدود في حق المعزر، فلا يزاد في تعزير الحر على تسع وثلاثين ضربة؛ ليكون دون حد الأحرار، ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطًا. الثاني: يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد في تعزير الحر -أيضًا- على تسعة عشر سوطًا -أيضًا-. وفيه وجه ثالث: أن الاعتبار فيه بعد الأحرار مطلقًا، فيجوز أن يزاد تعزير العبد على عشرين.

стр. 1487

ولا شك أن التعزيرات فرع الحدود؛ ولهذا سماها غير واحد: حدودًا؛ كما أن نوافل الصلاة فرع فرائضها، وهي تبع لها في أحكامها وهيئاتها، وقد جعلها الشارع ﵇ جوابر لما نقصَ من الفرائض، وكذلك التعزيرات مع الحدود، لكنها لا ترتفع عليها، وكذلك الكرامات مع المعجزات فرعها، فلا ترتفع عليها، والله أعلم. * * *

стр. 1488

كتاب الأيمان والنذور الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ! لَا تَسْأَلِ الإِمَارَة؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ، وُكِلْت إلَيْها، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ، أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فكَفِّر عَنْ يَمِينِكَ، وَائتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١). أما عبد الرحمن بن سمرة؛ فكنيته: أبو سعيد بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، قرشيٌّ عبشميٌّ، أسلم يوم الفتح، وصحب النبيَّ ﷺ ، وروى عنه، ثم غزا خراسان في زمن عثمان بن عفان ﵁، وهو الذي افتتح سجستان، وكابل، وكان اسمه: عبدَ كلاب، فسماه رسول الله ﷺ : عبد الرحمن. روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على هذا الحديث، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه: عبدُ الله بن عباس، والحسنُ، ومحمدُ بنُ سيرين، وسعيدُ بن

стр. 1489

المسيب، وجماعة من التابعين، ومات بالبصرة سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين. وقال الحاكم أبو عبد الله حكاية عن بعضهم: إنه توفي، ودفن بمرو، وإنه أول من توفي من أصحاب النبي ﷺ بمرو. وروى له أصحاب السنن والمساند (١). أما "الإمارة"؛ فهي تعمُّ كلَّ ولاية عامة أو خاصة. والحكمة في ألَّا يُولاها من سألها، أنه يوكَل إليها، ولا تكونُ له من الله إعانة، وإذا كان كذلك، لا يكون كفؤًا، وغير الكفؤ لا يُولى، وإنما تحصل الإعانة لمن أعطيها عن غير مسألة؛ لأنه لا يسأل عن الولاية إلا من أجمعت القلوب على أهليته، واعترفت بالعجز عن القيام برتبته، فصار ذلك باعثًا لهم على تسديده وإعانته، ويلزم من حاله وعدم تعرضه إليها اعترافُه بالعجز والتقصير، وذلك سببٌ حامل على الاجتهاد والتشمير، بخلاف من سألها؛ فإنه لا يفعل ذلك إلا وقد حدثته نفسه بالأهلية والرجحان، وذلك سبب لعدم الإعانة والنقصان؛ فإن النفوس مجبولة بطبعها على عدم إعانة من هذا وصفُه، وإيكاله إلى نفسه وولايته؛ لنقصه عندهم، فاعتماده على حديث نفسه، ولهذا قال ﷺ : "لا نُوَلِّي عَمَلَنا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ" (٢)؛ حيث إن التهمة متطرقة إلى الطالب الحريص، والله أعلم.

стр. 1490

وقوله: "وُكِلْتَ إلَيْها"؛ هو بالواو؛ ومعناه: أُسْلِمْتَ إليها، ولم يكن معك إعانة، بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة. ووقعت الرواية في "صحيح مسلم" للفظة: أُوكلت -بالهمزة والواو-، [وجهان، قال القاضي عياض: هو في أكثرها بالهمزة، والصواب بالواو] (١)، والله أعلم (٢). وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن من تعاطى أمرًا، وسولت له نفسه أنه أهل له، قائم به: أنه يغلب فيه في أغلب الأحوال؛ لأن من سال الإمارة لم يسألها إلا وهو يرى نفسه أهلًا لها (٣)، فيوكل إليها؛ حيث إنه تعاطاها، والمتعاطي أبدًا مخذول، بخلاف من لم يحدث نفسه بشيء من ذلك؛ فإنه لم يسأله لرؤيته نفسه بالعجز والتقصير عنه؛ حيث إنه تواضع، واعترف بوصفه، وهو النقصان أبدًا، ومن تواضع لله، رفعه الله. ومنها: كراهة طلب الولاية مطلقًا، وقد ثبتت أحاديث في المنع، منها قوله ﷺ لأبي ذر: "لا تأمرنَّ على اثنين" (٤)، ومنها: قوله ﷺ : "الولايةُ حَسْرَةٌ ونَدامة" (٥)، ومنها: حديث الكتاب: "لا تسألِ الإمارةَ". وقد تصرف الفقهاء في هذه المسألة بالقواعد الكلية، والذي تقتضيه الأدلة من الأحاديث الصحيحة وفعل الصحابة ﵃: أنه من تعين عليه أمر من الأمور، وعلم من نفسه القيام به على ما يقدر عليه من الاستطاعة فيه، أو

стр. 1491

كان يرتزق به، أو علم تضييع القائم بها حقوقها، أو حصولها في غير مستوجبها، ونيته إقامة الحق فيها، جاز له الدخول فيها، ووجب عليه قبولها إذا عُرضت عليه، وطلبها إن لم تُعرض؛ لأنه فرض كفاية لا يتادى إلا به، فتعين عليه القيام به. وكذا إن لم يتعين عليه، وكان أفضل من غيره. ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه، ولم يمنع تولية المفضول مع وجود الفاضل، فهاهنا يكره له الدخول في الولاية، وأن يسألها. وجوز بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه، انعقدت ولايته، وقد خطئ في ذلك؛ لقوله ﷺ : "مَن وَلَّى رَجُلًا مِن عِصابَةٍ، وفي تلكَ العصابةِ مَن هو لله أَرْضى منهُ، فقدْ خانَ اللهَ، وخانَ رسولَه، وخانَ المؤمنين"، ورواه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (١). وكره بعض العلماء تولية القضاء مطلقا؛ لأحاديث وردت فيه؛ منها: قوله ﷺ : "القُضاةُ ثلاثة؛ واحدٌ في الجنةِ، واثنانِ في النار" (٢) ومنها: قوله ﷺ : "مَنْ وليَ القضاءَ، فقدْ ذُبِحَ بغيرِ سِكِّين" (٣). مع أن بعض العلماء تأوله على المدح، وقال: لاجتهاده في طلب الحق، وبعضُهم على الذم؛ لعجزه غالبًا عن القيام به، وعدمِ المعين له على الحق.

стр. 1492

ولا شك أن معظم السلف في الصدر الأول لم يمتنعوا منه، وإنما كان ذلك لعلمهم يقينًا أو ظنًّا بالقيام به، ووجودِ المعين للحق في الحق. ومعظم السلف من الصدر الثاني والثالث امتنعوا منه، وتحيلوا على الامتناع منه، حتَّى بأسباب توهم الجنون أو قلة المروءة؛ لما علموا في توليته من الخطر العظيم، وعدم براءة الذمة فيه، فارتكبوا أمرًا مباحًا، وخلاف الأولى؛ للخلاص من المحرم أو المكروه. وقد اعتمد الفقهاء مثل ذلك في أحكام كثيرة في أبواب من العلم يطول ذكرها، والله أعلم. والسلامة لا يعدلها شيء في الدنيا والآخرة، وثنيات الطرق لا تسلك، فإنَّها مفضية إلى الهلاك حسًّا، والله أعلم. ومنها: لطف الله بالعبد فيما قضاه وقدره وأوجبه عليه بالإعانة على إصابة الصواب في فعله وقوله: لطفا وتفضلًا زائدًا على مجرد التكليف والهداية، وتحديد ذلك له. فإنَّه لما كان خطر الولايات عظيمًا بسبب أمور خارجة عنه، كان طلبها تكلفًا ودخولًا في غرر عظيم، فهو جدير بعدم العون. ولما كانت إذا أتت عن غير مسألة، ولم يكن فيها تكلف، كانت جديرة بالعون على أعبائها وأثقالها، دل ذلك جميعه على لطف الله تعالى بالعبد وفضله عليه في كل أمره، والله أعلم. فهذا ما يتعلق به الحديث من ذلك، وهذا الكلام داخل في علم الأصول، ويكفي ما أشرنا إليه فيه. واعلم أن من نظر إلى ما تعلق به من أوامر الشرع ونواهيه في الولاية وغيرها، وعلم أنَّه مسؤول عن الفتيل، والكثير والقليل، وأنه يؤتى يوم القيامة بمثقال حبَّة من خردل، علم أن ترك الولاية وقطع العلائق أولى به، واقتصر على ما لا بد منه ضرورة.

стр. 1493

ودخول السادات من الصدر الأول في الولايات إنما كان دينًا محضًا، لا يشوبه شيء من الحظوظ. ولهذا كان الولاة منهم أفضلهم وأقواهم دينًا لذلك، ومع هذا كان خوفهم شديدًا، حتَّى نقل عن عمر ﵁: أنَّه قال: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْه (١). وأقوال السلف في ذلك كثيرة؛ ومنها: أن من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، من فعل أو ترك؛ بأن كان التمادي على اليمين مرجوحًا في نظر الشرع، والحنث خير منه: أنَّه يستحب له الحنث، وتجب الكفارة، وقد يكون الحنث واجبًا، وهذا متفق عليه. وأجمعوا على أنَّه لا تجب عليه كفارة قبل الحنث، وعلى أنَّه يجوز تأخيرها عن الحنث، وعلى أنَّه لا يجوز تقديمها قبل اليمين. ولا شك أن قوله لجمنم في هذا الحديث: "فكَفِّر عن يمينِكَ وائْتِ الذي هو خيرٌ" ما يقتضي تقديم التكفير على الحنث؛ من حيث الاهتمامُ بذكره. وقد اختلف العلماء في جواز ذلك، فقال مالك والشافعي: يجوز، ونقل عن أربعة عشر صحابيًّا، وجماعات من التابعين، وبه قال الأَوْزَاعِيّ، والثوري، وجماهير العلماء، لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث. واستثنى الشَّافعيّ التكفير بالصوم، فقال: لا يجوز قبل الحنث؛ لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها على وقتها؛ كالصلاة وصوم رمضان، وأما التكفير بالمال، فيجوز تقديمه، كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض أصحابه حنث المعصية، فقال: لا يجوز تقديمه على كفارته؛ لأن فيه إعانة على المعصية، والجمهور على إجزائها لغير المعصية.

стр. 1494

وقال أبو حنيفة وأصحابه، وأشهب المالكي: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث بكل حال. وتعلق من قال بالبداءة بالتكفير قبل الحنث بهذا الحديث؛ حيث قدمه عليه، وهو ضعيف من حيث إن الواولا تقتضي الترتيب، والمعطوف والمعطوف عليه بها كالجملة الواحدة، وليس بالجيد طريقة من يقول في مثل هذا: إن الفاء تقتضي الترتيب والتعقيب، فيقتضي ذلك أن يكون التكفير مستعقبًا؛ لرواية الخبر في الحنث، وإذا استعقبه التكفير، تأخر الحنث ضرورة. وإنما قيل: ليس بجيد؛ لما بُين في حكم الواو، فلا فرق بين قولنا: فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير، وبين قولنا: فافعلْ هذين، ولو قال كذلك، ولم يقتض ترتيبًا ولا تقديما، فكذلك إذا أتى بالواو. وقد ذكرت هذه الطريقة عن بعض الفقهاء في اشتراط الترتيب في الوضوء، وقال: إن هذه الآية تقتضي تقديم غسل الوجه بسبب الفاء، وإذا وجب غسل الوجه، وجب الترتيب في بقية الأعضاء اتفاقًا، وهو ضعيف لما بُيِّن. ومنها: أنَّه إذا لم هي الحنث خيرًا، اقتضى تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى اليمين؛ فإن الحديث علق الحنث على رؤية غيرها خيرًا منها، وذلك مطلوب. والآية الكريمة في قوله : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: ٢٢٤] تأبى التأخير عن مصلحة الوفاء، وقد حملها بعضهم على ما دل عليه الحديث، فقال: ﴿عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: مانعًا، و ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ بتقدير: من ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾. ومنها: بيان كرم الله تعالى على عبادة في عدم الوقوف عند الأيمان، وبأنه يحنث فيها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى المنع من الخير وترك البر، والله أعلم. * * *

стр. 1495

الحديث الثاني عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنِّي وَاللهِ إنْ شَاءَ اللهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأرَى غَيْرَها خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتيْتُ الَّذِي هُوَ خيرٌ وَتَحَللْتُهَا" (١). تقدم الكلام على أبي موسى، وأنه عبد الله بن قيس الأَشْعريّ. وهذا الحديث ورد على سبب، وهو أنَّه ﷺ الحِمْلانَ، فحلف ألا يحملهم، ثم حملهم، فكرهوا تحلُّلَ رسولِ الله ﷺ ، وخافوا عقوبةَ ذلك، فقال ذلك، ولا شك أن معناه ما تقدم في الحديث قبله. وقوله ﷺ : "إني واللهِ إنْ شاءَ الله"؛ تنبيه على تأكيد ما يخبر به الإنسان عن نفسه في المستقبل بالقسم، وبالاستثناء بـ "إن شاء الله"، تبركًا وأدبًا؛ فإنَّه ﷺ قال: "لا أحلفُ على يمينٍ"، وذلك لا يكون إلَّا مستقبلًا. وقوله ﷺ : "وتحللتُها"؛ يعني: تحللتها بالتكفير عنها، ويحتمل أنَّه إتيان ما يقتضي الحنث؛ فإن التحلل يقتضي العقد، والعقد هو ما دلت عليه اليمين من موافقة مقتضاها، فيكون التحللُ الإتيانَ بخلاف مقتضاها، وهذا مستفاد من قوله ﷺ : "إلَّا أتيتُ الذي هو خيرٌ"؛ يعني: ما كان خلافَ مقتضى اليمين، فلا يبقى لهذا الاحتمال فائدة زائدة عليه من حيث مقتضاه، اللهمَّ إلَّا أن تكون الفائدة بقوله ﷺ : "وتحللتها"، التنصيصَ والتصريح بما يناسب الجواز والحلَّ صريحًا؛ فإنَّه أبلغ مما إذا أتى به بطريق الاستلزام. كيف وقد أكد ﷺ الحكمَ المذكور باليمين بالله تعالى عليه، وهو يقتضي المبالغةَ في ترجيح الحِنْث على الوفاء بما حلف عليه، وذلك يرجع إلى مصالح

стр. 1496

الحنث المتعلقة بالمفعول المحلوفِ على تركه مثلًا، وسببُ الحديث الذي ذكرناه يبينه، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَن تَحْلِفُوا بآبَائِكُم". وَلِمُسلِمٍ: "فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَليَحْلِفْ باللهِ أَوْ لِيَصُمت" (١). وَفِي رِوَاية: قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا حَلَفتُ بهَا مُذ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا (٢)؛ يَعنِي: حَاكِيًا عَنْ غَيرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا. واعلم أن سبب النهي: أن قريشًا كانت تحلف بآبائها، وأدرك ﷺ عمرَ ﵁ في ركب وهو يحلفُ بأبيه، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ ينهاكم"، الحديث. والحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى: أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقةُ العظمةِ لله تعالى، لا يشاركه فيها أحد، ولهذا قال في الأحاديث الصحيحة المروية عنه -سبحانه-: "العَظَمَةُ إِزاري، والكِبْرِياءُ رِدائي، فَمَنْ نازَعَني فيها، عَذَّبْتُهُ" (٣)، وإذا كان كذلك، فلا يضاهى بالتعظيم غيرُه . وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: لأَنْ أحلفَ بالله مئة مرة فآثم، خيرٌ من أن أحلفَ بغيره فَأَبَرَّ (٤).

стр. 1497

ولا شك أن الله له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته؛ تنبيهًا على شرفها، فقد أقسم الله بعمر النَّبِيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، وأقسم بالعصر، وبالشمس وضحاها، وبالقمر، وبغير ذلك مما في الكتاب العزيز؛ وذلك لأنه العظيم المطلق، يحكم ولا يُحكم عليه، فله أن يقسم بما شاء، والعباد متصرَّفٌ فيهم مقيدون، فلا يقسمون إلَّا بما أذن لهم فيه، وهو الحلف بأسماء الذات والصفات العلية كما قاله العلماء. فإن قيل: هذا الحديث مخالف لقوله ﷺ : "أَفْلَحَ وَأَبِيهِ" (١) فقد أقسم بأبيه. والجواب: أن هذه كلمة تجري على اللسان لا يُقصد بها اليمين. وأما معنى قول عمر ﵁: فوالله ما حلفت بها بعد النهي ذاكرًا؛ أي: قائلًا لها من قبل نفسي، ولا آثرًا -بمد الهمزة-؛ أي: أروي عن غيري أنَّه فعله. وقوله ﷺ : "فمنْ كانَ حالِفًا، فليحلف بالله أو ليصمُتْ"؛ معناه: أن الحلف لا يكون إلَّا بالله، فمن أقسم، فليقسم به ، وإلا فليصمت. وظاهر الأمر بالصُّمات: الوجوب، ومخالفته التحريم، ويؤيد ذلك ما رواه التِّرْمِذِيّ وغيره: أن النَّبِيّ ﷺ : قال: "من حلفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أشركَ" (٢)، لكن قال أصحاب الشَّافعيّ وغيره: هو مكروه، ليس بحرام، وقال غيرهم: هو حرام، والخلاف في ذلك موجود عند المالكية، والله أعلم.

стр. 1498

وفي هذا الحديث أحكام: منها: المنع من الحلف بغير الله ، واليمينُ منعقدة عند الفقهاء باسم الذات والصفات العلية. ومنها: إباحة الحلف بالله تعالى. قال العلماء: إلَّا أن يقترن به مقصود شرعي؛ من تفخيم لأمر، أو تنبيه عليه بفهم أو معرفة رتبة، أو نحو ذلك، فيكون مستحبا، وعلى هذا ينزل ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الحلف، والله أعلم. ومنها: منع الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، وكلٌّ مجمع عليه، والله أعلم. واعلم أن الأقسام ثلاثة أنواع: الأول: ما يباح به اليمين من أسماء الله وصفاته، كما ذكرنا. الثاني: ما يحرم به اليمين بالاتفاق؛ كالأنصاب، والأزلام، واللات، والعزى، وكذلك الحلف بنعمة السلطان، وحياتك، وتربة الشَّهيد، وكذلك إذا حلف بالنبي ﷺ ، والكعبة، قاصدًا بذلك التعظيم، كله حرام. وقال بعض المالكية في اللات والعزى والأنصاب والأزلام: إن قصد تعظيمها، فهو كفر، وإلا فحرام، ولا شك أن القسم بالشيء تعظيم له، وسيأتي حديث يدل على إطلاقه على الكفر، وهو قوله ﷺ : "من حلفَ على يمينٍ بملَّةٍ غيرِ الإِسلامِ كاذبًا متعمَّدًا، فهو كما قالَ" (١). وقد روى مسلم في "صحيحه": أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من حلفَ فقالَ في حلفِه: باللَّاتِ والعزَّى، فليقلْ: لا إلهَ إلَّا الله" (٢).

стр. 1499

وإنما أمر بقوله: إلَّا إله إلَّا الله"؛ لأنه تعاطى بحلفه صورة تعظيم الأصنام حتَّى حلف بها. قال أصحاب الشَّافعيّ: إذا حلف باللات والعزى، أو غيرها من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا، فأنا يهودي أو نصراني، أو بريء من الإِسلام، أو بريء من النَّبِيّ ﷺ ، أو نحو ذلك، لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلَّا الله، ولا كفارةَ عليه، سواءٌ فعله أم لا. وبعدم الكفارة في ذلك قال الشَّافعيّ ومالك وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك، إلَّا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من النَّبِيّ ﷺ ، أو حلف باليهودية. واحتج بأن الله -أوجب على المظُاهِرِ الكفارةَ؛ لأنه منكَر من القول وزور، والحلفُ بهذه الأشياء منكَر وزور. واحتج الشافعية والجمهور بقوله ﷺ الحديث: "فليقلْ: لا إله إلَّا الله"، ولم يذكر كفارة، والأصلُ عدمُها حتَّى يثبت بها شرع. وأما قياسه على الظاهِر، فهو منتقض بما استثناه من قوله: أنا مبتدع، أو أنا بريء من النَّبِيّ ﷺ ، أو حلف باليهودية، فإنَّه لم توجب فيها كفارة، والله أعلم. النوع الثالث: ما يختلف فيه التحريم والكراهة، وهو ما عدا ذلك؛ مما لا يقتضي تعظيمه كفرًا، والله أعلم. ومنها: المبالغة في الاحتياط في الكلام، بألَّا يحكي قول الغير الذي منع الشرع منه؛ لئلا يجري على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعًا، ومن هذا حكاية المذاهب الباطلة من غير ذكر الدليل على بطلانها، وتقبيح قولها واعتقادها، خصوصًا إذا هجرت ونسيت وماتت، فلا تحكى؛ فإنَّها تنبه أهل الباطل على مضاهاتهم لأهل الحق، وأن لهم صورة ومقابلة، فليتفطن لما نبهت عليه؛ فإنَّه جليل عزيز. ومن عرف الأشياء وأضدادها، وما يترتب عليها من الفساد، ودخول الشبه

стр. 1500

والتشعيبات والتشغيبات، تحقق ما ذكرته! واتضح بما نبه عليه أمير المُؤْمنين ﵁ فيما أوضحته، والله يرشدنا إلى الصواب في القول والعمل، ويحمينا من الخطأ والزلل. * * * الحديث الرابع عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: لأَطُوفَنَّ الليلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأةً تَلِدُ كُل امْرَأَةِ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إنْسَانٍ"، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ" (١). قوله: "قيلَ له: قلْ: إنْ شاءَ اللهُ" يعني: قالَ لهُ الملَكُ. أما سليمان ﵇؛ فهو أحد المؤمنينِ اللذينِ ملكهما الله تعالى الدنيا كلها -فيما نقل-. قال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن خالويه ﵀: وقد قيل: إن الدنيا ملكها الله أربعةً؛ مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر. والله أعلم. وقال أبو عبد الله بن محمَّد بن سلامة بن جعفر القضاعي -رحمه الله تعالى-: إن سليمان بن داود -عليه ما السلام - ملك بعد أَبيه، وله اثنتا عشرة سنة من عمره، وسخر الله تعالى معه الجن والإنس والطير والرياح، وآتاه النبوة، وكان إذا جلس في مجلسه، عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، وكان إذا أراد سفرًا لغزو، أمر، فنُصب له خشب، وحُمل عليه ما يريد

стр. 1501

من النَّاس والدواب وآلة الحرب، ثم يأمر العاصفَ من الريح، فيدخل تحت ذلك الخشب، فتحمله، فهذا استقل، أمر الرخاء فمدته شهرًا في غدوةٍ، وشهرًا في روحة إلى حيث شاء. ولما مضى من ملكه أربع سنين، بدأ ببناء بيت المقدس، وفرغ منه في سبع سنين، ولما مضى من ملكه خمس وعشرون سنة، جاءته ملكة سبأ، وهي بلقيس، وكان من قصته معها ما قصه الله في كتابه. وروي عن ابن عباس ﵄: أنَّه قال: إن سليمان ﵇ تزوجهًا. وقال وهب: زوَّجها ذا تبع ملكَ همذان، وردها إلى اليمن، وسلَّط زوجَها على اليمن. قال السدي: إن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه أربعين صباحًا، وخرج سليمان هاربًا على وجهه يستطعم النَّاس، فكانت هذه فتنته التي ذكرها الله ، ثم إن الشيطان هرب وطرح الخاتم في البحر، وتُصدق على سليمان بحوت، فشق بطنه، فوجد الخاتم فيه، فرده الله إلى ملكه (١). وروى ابن عباس ﵄، عن النَّبِيّ ﷺ وقال: "بينما سليمان يصلي ذات يوم، رأى شجرة، فقال: ما اسمك؟ فقالت: الخرُّوب، فقال: لأي شيء أَنْتَ؟ قالت: لخرابِ هذا البيت، فقال سليمان: اللهمَّ عَمِّ على الجنِّ موتي، حتَّى تعلم الإنس أنَّهم لا يعلمون الغيب، ونحتَ من الخروب عصًا، وتوكأ عليها حَوْلًا وهو ميت، والجن لا تعلم، فأكلتها الأَرَضَة، فسقط" (٢)، وكان جميع عمره اثنين وخمسين سنة، وملك بعده ابنه رخيعم سبع عشرة سنة، ثم افترقت ممالك بني إسرائيل، فملك بعده ابنه إيثائر بعض بني إسرائيل ثلاث

стр. 1502

سنين، وملك بعده ابنه امنا إحدى وأربعين سنة، وكان رجلًا صالحًا، وكان أعرج من عرق النساء، ولم يزل الملك في ولده إلى صاحب شعيا، واسمه صديقة، فيما قاله ابن إسحاق، وقال غيره: حزقيا (١). وأما أبوه داود ﵇؛ فهو ابن آشي بن عويد من ولد يهوذ ابن يعقوب ﵇. قال وهب بن منبه: كان قصيرًا أزرق قليل الشعر، طاهر القلب، نقيه، ورثه الله ملكَ طالوت، ونبوةَ شموئيل، وأطاعه بنو إسرائيل، وفتح لهم الفتوحات الكثيرة، وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح، وأعطاه من حسن الصوت ما لم يعطه أحدًا من خلقه، وكان له تسعة وتسعون زوجة، ولما بلغ ثمانيًا وخمسين سنة من عمره، ابتلي بقصة أوريا، وتزوج زوجة أوريا وولدت له سليمان، وبكى على خطيئته أربعين صباحًا حتَّى نبت العشب من دموع عينيه، فتاب الله عليه. وقيل: إنه أخذ في عُدة بناء بيت المقدس، ومات ولم يبنهِ، وقيل: إنه شرع في بعض بنائه، ومات ولم يتم، وكان عمره مئة سنة. ويزعم أهل الكتاب أنَّه عاش سبعًا وسبعين سنة، وقيل: سبعين سنة، ويقال: إن جنازته شيعها أربعون أَلْف واهب، وأن ملكه كان أربعين سنة (٢). وأما قوله ﷺ : "لأَطوفَنَّ الليلةَ"، فهكذا هو في الروايات كلها "لأَطوفنَّ"، ووقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": "لأطيفنَّ الليلة"، وهما لغتان فصيحتان. يقال: طاف بالشيء، وأطاف به: إذا دار حوله، وتكرر عليه، فهو طائف ومُطيف. وهو هنا كناية عن الجِماع (٣).

стр. 1503

واللام في قوله: "لأطوفن" يحتمل أن تكون جوابًا لقسم تقديره: والله لأطوفن، وهو الظاهر؛ لقوله ﷺ : "لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ لم يحنَثْ"؛ لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلَّا عن قسم. ويحتمل أن يكون حكاية عن قول سليمان من غير قسم، فتكون اللام ابتدائية، وهو خلاف الظاهر. وقوله: "على سبعين امرأةً" وقد روى مسلم: كان لسليمان ستون امرأة (١)، وفي رواية: له سبعون (٢)، وفي رواية: تسعون (٣)، وفي غير "صحيح مسلم": تسع وتسعون، وفي رواية: مئة (٤). وكل ذلك ليس بمتعارض؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، كيف وهو من مفهوم العدد، وهو غير معمول به عند جماهير الأصوليين (٥)؟ قوله: "تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا يقاتلُ في سبيل الله"؛ هذا إنما قاله على سبيل التمني للخير، وقصد به الآخرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، لا لعرض الدنيا، ولا يجوز أن يكون قاله عن وحي، وإلا لوجب وقوعُ مخبره، والله -سبحانه- أعلم. وقوله: "فقيلَ له: قلْ: إنْ شاءَ اللهُ"؛ وقال المصنف: يعني: قال له الملَكُ؛ فهكذا هو الظاهر على ما رواه مسلم في ""صحيحه" مرفوعًا: "فقال له صاحبه أو الملك"، وقيل: المراد به: القرين، وقيل: المراد: صاحبٌ له آدمي.

стр. 1504

وقوله: "فلم تلد منهن إلَّا امرأةٌ واحدةٌ نصفَ إنسان"؛ قيل: هو الجسد الذي ذكره الله أنَّه ألقي على كرسيه. وقوله ﷺ : "لو قالَ: إن شاءَ اللهُ، لم يحنثْ، وكان دَرَكًا لحاجته"؛ هذا محمول على أن النَّبِيّ ﷺ -أوحي إليه بذلك في حق سليمان ﵇؛ لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا. وقوله: "وكانَ دَرَكًا لحاجته"؛ هو بفتح الراء: اسمٌ من الإدراك؛ أي: لحاقًا، قال الله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] والمعنى: أنَّه كان يحصل له ما أراد. وفي هذا الحديث أحكام: منها: قصد للخيرات وأسبابها. ومنها: أن السنة لمن قال: سأفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله، والكتاب العزيز يدل على ذلك، -أَيضًا - في قوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. ومنها: ما خص به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة، وكان نبينا ﷺ يطوف على إحدى عشرة في الساعة الواحدة، كما ثبت في "الصحيح" (١)، وهذا كله من زيادة القوة. ومنها: أن إتباعَ المشيئةِ لليمين بالله يرفعُ حكمها؛ لقوله ﷺ : "لم يحنث". قال القاضي عياض ﵀: أجمع المسلمون على أن "إن شاء الله" تمنع انعقاد اليمين؛ بشرط كونِه متصلًا، قال: ولو جاز منفصلًا كما روي عن بعض السلف، لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في الاتصال: فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والجمهور: هو أن

стр. 1505

يكون قوله: "إن شاء الله" متصلًا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة التنفس (١). وشرط أصحاب الشَّافعيّ مع الاتصال نيةَ قولِ المشيئة قبلَ الفراغ من اليمين، وبعضهم شرط أن ينوي قولَها من أول اليمين، وما أعلم وَجْههما؛ من حيث إن النَّبِيّ ﷺ لم يقيد قولها بنية ولا غيرها، بل لولا المعنى في انفصالها عن اليمين ولو بعد مدة أنَّه يوجب عدم عقد الأيمان ووجوب الكفارة، وإلا لما كان اتصالها بها يشترط من حيث الحديث؛ فإنَّه لم يقيده بالاتصال لفظًا -أَيضًا-. وقد تمسك به من قال بجواز تأخير المشيئة أبدًا، ومن قال: ما لم يقم من المجلس، ومن قال: أربعة أشهر، لكنها مذاهب مرجوحة، والله أعلم. واعلم أن المشيئة ترد على أحوال: الأول: أن ترد إلى الفعل المحلوف عليه؛ كقوله مثلًا: لأدخلنَّ الدار إن شاء الله، وأراد تعليق المشيئة بالدخول؛ أي: إن شاء الله دخولها، فهذا الذي ينفعه الاستثناء بالمشيئة، ولا يحنث إن لم يفعل. الثاني: أن يرد الاستثناء بالمشيئة إلى نفس اليمين، ولا ينفعه؛ لوقوع اليمين، وتبين مشيئة الله تعالى. الثالث: أن يذكر على سبيل الأدب في تفويض الأمور إلى مشيئة الله ، وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، لا على قصد معنى التعليق، وهذا لا يرفع حكم اليمين، ولا تعلق للحديث بتعليق الطلاق بالمشيئة. والفقهاء مختلفون فيه، قالوا: فلو قال: أَنْتَ طالق إن شاء الله، أو: أَنْتَ حر إن شاء الله، أو: أنتِ علي كظهر أمي إن شاء الله، أو: لزيد في ذمتي أَلْف درهم إن شاء الله، أو: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ صوم شهر إن شاء الله، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الشَّافعيّ، والكوفيين، وأبي ثور، وغيرهم: صحةُ

стр. 1506

الاستثناء في جميع الأشياء، كما أجمعوا عليها في اليمين بالله ، فلا يحنث في طلاق ولا عتق، ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره، ولا غير ذلك فيما يتصل به قوله: إن شاء الله تعالى، وهو مشكل جدًّا. وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك إلَّا باليمين بالله تعالى، واختلف السلف في أن الاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، هل يشترط اتصاله أم لا؟ ومن قال: لا يشترط اتصاله، اختلفوا في المدة التي يجوز انفصاله إليها؛ فعن ابن عباس ﵄: له الاستثناء أبدًا متى تذكره، وعن بعضهم: له الاستثناء سنة أو سنتين، وروي عن مجاهد، وعن سعيد بن جبير: يجوز بعد أربعة أشهر، وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين: له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حَلْبِه ناقة. وهذه المذاهب كلها مرجوحة متأولة على جواز التبرك باستحباب قول: إن شاء الله، لمن حلف على فعل مستقبل؛ لقوله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. ومنها: أن الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ، ولا يكفي فيه النية؛ لقوله ﷺ : "لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لم يحنثْ"، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأَحمد، والعلماء كافة. وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحةُ الاستثناء بالنية من غير لفظ. ومنها: أن الكناية في اليمين مع النية، كالصريح في حكم اليمين؛ لأن النَّبِيّ ﷺ حكى عن سليمان - ﵇ -: أنَّه قال: "لأطوفنَّ"، وليس فيه التصريح باسم الله ، ولكنه مقدر لأجل اللام التي دخلت على قوله "لأطوفنَّ"، فإن كان قد قيل بذلك، وأن اليمين تنعقد بمثله، فالحديث حجة لمن قاله، وإن لم يكن، فيحتاج إلى تأويله، وتقدير التلفظ باسم الله في المحكي، وإن كان ساقطًا في الحكاية.

стр. 1507

وهذا ليس بمستبشع فيها؛ فإن من قال: والله لأطوفن، فقد قال: لأطوفن؛ فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد. ومنها: جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على الظن؛ فإن إخبار سليمان ﷺ بقوله: "تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا" لا يجوز أن يكون عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره. والله أعلم. وأجاز بعض فقهاء الشافعية الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط أَبيه، وجوزوا العمل به واعتماده، في أصح الوجهين عندهم، وجوز بعضهم العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة. وذكر بعض المالكية ذلك احتمالًا، وترددوا في نقل خلاف في اليمين على الظن، وهو محتمل لوجهين. وقد يتمسك بالحديث على أن الاستثناء إذا اتصل باليمين في اللفظ: أنَّه يثبت حكمه، وإن لم ينو من أول لفظ اليمين؛ حيث إن الملك قال له: "قل إن شاء الله" بعد فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه، لما أفاد قوله. لكن يمكن جعلُ قوله تأدبًا، لا لرفع اليمين، فلا يكون حجة. ومتى وجد الاحتمال، سقط الاستدلال، والله أعلم. ومنها: جواز استعمال "لو" و"لولا"؛ لقوله ﷺ : "لو قالَ: إن شاء الله، لم يحنث" إلى آخره. وقد ترجم البُخَارِيّ عليه فقال: باب ما يجوزُ من اللَّو، وأدخل فيه قولَ لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]، وقولَ النَّبِيّ ﷺ : "لو كنتُ راجمًا بغير بينة، لرجمتُ هذه" و"لو مُدَّ لي الشهرُ لواصلتُ"، "ولولا حدثانُ قومِكِ بالكفرِ، لأتممتُ البيتَ على قواعدِ إبراهيم" و"لولا الهجرةُ، لكنت امرأً من الأنصارِ"، وأمثال هذا (١).

стр. 1508

قال القاضي عياض ﵀: والذي ينفهم من ترجمة البُخَارِيّ وما ذكره في الباب من القرآن والآثار: أنَّه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون من الاستقبال مما امتنع من فعله لا متناع غيره، وفيما هو من باب الممتنع فعله لوجود غيره، وهو من باب لولا؛ لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حق صحيح مستيقن؛ كحديث: "لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً من الأَنصار" (١)، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق (٢). وقد ثبت في الحديث الصحيح قولُه ﷺ : "ولو أصابَكَ شيءٌ فلا تقلْ: لو أَنِّي فعلتُ كذا لكانَ كذا، ولكنْ قلْ: قَدَّرَ اللُّهُ وما شاءَ فعلَ" (٣). قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب، أنَّه لو كان كذا، لكان كذا من ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، وخفي علمُه علينا، فأما إذا قاله على التسليم، وردَّ الأمرَ إلى المشيئة، فلا كراهة فيه. قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن (لولا) بخلاف (لو)، قال القاضي: والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يُحط به الإنسانُ علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما؛ مما هو يحكم على الغيب، أو اعتراض على القدر؛ كما نبه عليه في الحديث. ومثل قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] و ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، و ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فرد الله عليهم باطلهم، فقال: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، فمثل هذا هو المنهي عنه، أما هذا الذي نحن فيه، فإنما أخبر النَّبِيّ ﷺ فيه عن يقين نفسه: أن

стр. 1509

سليمان لو قال: "إن شاءَ الله"، لم يحنث، ولجاهدوا؛ إذ ليس فيه مما يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها، وهو نحو قوله ﷺ : "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخْنَزِ اللحمُ، ولولا حَوَّاءُ لم تَخُنْ أنثى زوجَها" (١)، فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن (لو). وقد قال الله : ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا﴾ [الأنعام:٢٨] وكذا ما جاء من (لولا)؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو يأتي عن علم خبرًا قطعيًّا، فكل ما يكون من (لو) و (لولا) ما يخبر به الإنسان عن علمه امتناعه من فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء، أو حصول شيء لامتناع شيء. وتأتي (لولا) غالبًا لبيان السبب الموجب، أو النافي، فلا كراهة في كل ما كان من هذا الأمر، إلَّا أن يكون كاذبًا في ذلك؛ كقول المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، والله أعلم (٢). * * * الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلفَ عَلَى يَمينٍ صَبْرٍ يَقْتَطعُ بِها مَالَ امْرِيٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ

стр. 1510

غَضْبَانُ"، ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية (١). أما اليمين الصَّبْر؛ فهي التي يحبسُ الحالفُ نفسَه عن اليمين بها كاذبةً غيرَ مبال بها، وكأنه يحبس نفسه على أمر عظيم، وهي اليمين الحانثة، ويقال لمثلها: اليمين الغَموس -أَيضًا-. وأما الآية الكريمة؛ فاختلف في سبب نزولها على روايات، أشهرها: ما ذكره المفسرون: أنها نزلت في رؤوس اليهود لما كتموا ما عَهِدَ الله إليهم في التوراة في شأن محمَّد ﷺ ، وبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنَّه من عند الله؛ لئلا يفوتهم المأكل والدعوة والرشا التي كانت عليهم من أتباعهم، وهذا قول عطاء. ولما كان من حلف على مال الغير، وأكلَه بالباطل ظلمًا وعدوانًا، واستخفافًا بحرمة اليمين بالله تعالى، كان ذلك أبلغَ في الوعيد الشديد لفاعله. وهذا الحديث بهذا المعنى يترجح به قول من ذهب من المفسرين إلى نزول الآية فيه. ولا شك أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر يحصل للصحابة ﵃ بقرائن تختلف بالقضايا، حتَّى قال بعض العلماء: تفسير الصحابي مرفوع مطلقًا؛ لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه. والصحيح: أن ما كان متعلقًا من التفسير بسبب نزول آية، أو تقديم حكم أو تأخيره، فهو مرفوع، وغيره موقوف، والله أعلم. وفي هذا الحديث: تعظيم المنع من اليمين الكاذبة والفجور بها، والوعيد الشديد لفاعلها. وفيه: تعظيم حرمة مال المسلم وإن قل، وعصمته.
следующие страницы →