← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

من يقول: إنَّ الواو للترتيب؛ وهو مذهب ضعيف. وقد جوز جماعة من الفقهاء: تأخير الاستنجاء على الوضوء؛ إذا كان بحائل يمنع انتقاض الطهارة، لكن الأفضل أن يستنجي قبل الوضوء، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عاصمٍ المازِنيِّ ﵁ قال: شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ في الصَّلاةِ، قالَ: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا" (١). أمَّا عَبَّادُ بنُ تَميمٍ، فهو: ابنُ أخي عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ راوي حديث الوضوء، وحديث الاستسقاء، تقدَّم الكلام عليه: على نسبه، ونسبته، وما يتعلق به من الحديث الثامن من كتاب الطهارة. وعبَّاد هذا: تابعيٌّ، ثقةٌ، متفقٌ على توثيقه. رُوي عنه أنَّه قال: أنا يومَ الخندق ابنُ خمسِ سنين؛ فأذكرُ أشياءَ وأعيها، وكنَّا مع النساء في الآطام، وما كان من أهل الآطام ينامون إلا عقبًا؛ خوفًا من بني قريظة أَنْ يُغِيرُوا عليهم (٢). ومعلوم أن يوم الخندق كان سنةَ خمس من الهجرة، أو قبلَه؛ فمقتضى ذلك أَنْ يُعَدَّ عبَّادٌ في صغار الصحابة، لا في التابعين، ولم أعلم أنَّ أحدًا ذكره فيهم، مع ذكرهم في الصحابة لمحمود بن لبيد، وهو مقاربه، أو أصغر منه، وقد روى عن عباد هذا، وكذلك عبد الله بن الزبير، والنعمانُ بن بشير معدودان في أصاغر

стр. 177

الصحابة، وهما أصغرُ منه، فليتفطَّنْ لذلك!! والله أعلم (١). وأمَّا قوله: "شُكِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ": فهو -بضم الشين، وكسر الكاف- مبني لما لم يسمَّ فاعلُه، والرجل: مرفوع. ولم يذكر هنا الشاكي، وجاء في رواية للبخاري أنَّ السائلَ هو: عبد الله ابن زيدٍ الرَّاوي. قال بعض الحفاظ: وينبغي ألا يتوهمَ بهذا أنَّ شكي مفتوحُ الشين والكاف، ويجعل الشاكي هو: عمه المذكور؛ فإنَّ هذا الوهم غلط، والله أعلم. وقوله: "يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ": المشارُ إليه بالشيء هو: الحركة التي يظن بها أنها حدث، وليس كذلك. ولهذا قال ﷺ : "حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا": معناه: يعلم وجودَ أحدهما، ولا يشترط اجتماعُ السماع والشمِّ بإجماع المسلمين، ومعناه: حتى يتيقن خروجَه. وهذا الحديث: أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ من قواعد الفقه، وهي: أنَّ الأشياءَ يُحكم ببقائها على أصولها، حتى يُتيَقَّنَ خلافُ ذلك، ولا يضرُّ الشكُّ الطارئُ عليها. والعلماء -فيما نعلم- متفقون على هذه القاعدة، لكنَّهم مختلفون في كيفية استعمالها: مثاله: مسألة الباب التي دلَّ عليها الحديث؛ وهي: أنَّ من تيقن الطهارة، وشكَّ في الحديث، حُكم ببقائه على الطهارة، سواء حصل الشك في الصلاة، أو خارجها، وهذا مذهب الشَّافعي، وجمهور علماء السلف والخلف، إعمالًا

стр. 178

للأصل السابق، وهو الطهارة، واطراحًا للشكِّ الطارئ، وأجازوا الصلاة في هذه الحال. وعن مالك ﵀ روايتان: إحداهما: يلزمه الوضوءُ مطلقًا، وهي محكيَّة عن الحسن البصري، ووجه شاذٌّ عن بعض الشافعية؛ نظرًا إلى الأصل قبل الطهارة، وهو ترتب الصلاة في الذمة، فلا تُزال إلا بطهارة متيقَّنَة، ولا يقينَ مع الشكِّ في وجود الحدث. والثانية: إن كان شكُّه في الصلاة، لم يلزمه الوضوءُ وإن كان خارجَها، لزمه، وكأنَّه أخذه من الحديث الَّذي رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "إذا وَجَدَ أَحَدُكُم في بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ لا؟ فلا يَخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ ريحًا" (١). وحمل الحديث على العموم في الصلاة إذا كان في المسجد، وأنَّ المرادَ بالمسجد نفس الصلاة؛ تسمية للصلاة باسم موضعها؛ للزومها إياه. فالشَّافعي: اطَّرح الشكَّ مطلقًا، وألغى كلَّ قيد، واعتبر أصل الطهارة الواردَ بعدَ ترتب الصلاة في الذمة، كيفَ وقد ورد في بعض طرق الحديث: "إِنَّ الشَّيْطَان يَنْفُخُ بَيْنَ إِلْيَتَيِ الرَّجُلِ" (٢) تنبيهًا على إلغاءِ الشكِّ الحاضر؛ لأجل مناسبة سبب؟ قال أصحاب الشَّافعي: ولا فرق في شكه بين تساوي الاحتمالين في وجود

стр. 179

الحديث، وعدمه، أو يرجح أحدهما، ويغلب على ظنه، فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ احتياطًا، وإذا توضأ للاحتياط مع دوام الشك، فذمته بريئة. فلو عدم حدثه بعد ذلك، فهل يجزئه الوضوء المستحب في حال شكه؟ وجهان: أصحهما عندهم: لا يجزئه؛ لتردده في نيته، والله أعلم. أمَّا إذا تيقن الحدث، وشكَّ في الطهارة، فإنَّه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. أمَّا إذا تيقن وجودَهما بعد طلوع الشمس -مثلًا-، ولا يعرف السابق منهما، ولا حاله قبل طلوع الشمس؛ لزمه الوضوء. وإن عرف حاله قبلهما، فأوجه: أظهرُها: أنَّ حكمه الآن بضدِّ ما قبل طلوع الشمس، فإن كان متطهرًا قبلها، فهو الآن محدث، وإن كان محدثًا، فهو الآن متطهر. والثاني: -وهو الصحيح عند جماعة المحققين- أنه يلزمه الوضوء بكل حال. والثالث: يبني الأمرَ على ما يغلب على ظنه. والرابع: يكون كما كان قبل طلوع الشمس، وهو غلط؛ لأنَّه حكم بحالة تيقن بطلانها بما وقع بعدها، والله أعلم. ومن مسائل القاعدة التي اشتمل عليها معنى الحديث: مَنْ شكَّ في طلاق زوجته، أو عتقِ عبده، أو نجاسةِ الماء الطاهر، أو طهارةِ النجس، أو نجاسةِ الثوب، أو غيرِه، أو أنَّه صلى ثلاثًا، أم أربعَ ركعات، أو أنه ركعَ وسجد، أم لا، أو نوى الصوم، أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو في أثناء هذه العبادات، وما أشبه هذه الأمثلة: فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم الحادث، والله أعلم. ومن أحكام الحديث: شرعيةُ سؤال العلماء عمَّا يحدث من الوقائع، وجوابُ السائل، والله أعلم.

стр. 180

الحديث الثالث عن أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الأَسَدِيَّةِ ﵂: أَنَّهَا أَتَتْ بابنٍ لها صَغيرٍ؛ لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ الله ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رسولُ الله ﷺ في حِجْرِهِ، فَبَالَ على ثَوْبِه؛ فنَضَحَهُ بماءٍ، ولم يَغْسِلْهُ (١). وعن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ ﵂، قالتْ: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بصبيٍّ، فَبَالَ على ثَوْبِهِ؛ فَدَعَا بماءٍ، فَأَتبَعَهُ إِيَّاهُ (٢). ولمسلمٍ: فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، ولم يَغْسِلْهُ (٣). أمَّا أُمُّ قيسٍ: فلا اسمَ لها غيرُ كنيتها، وهي: أختُ عُكَّاشَةَ بْنِ محصنِ ابنِ حرثانَ بنِ قيسِ بنِ مرةَ بنِ كثيرِ بنِ غنمِ بن دُودانَ بنِ أسدِ بنِ خزيمةَ. أسلمت قديمًا بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من المبايعات. رُوِيَ لها عن رسول الله ﷺ : أربعةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفقا منها على حديثين. رَوَى عنها من الصحابة: وابِصَةُ بنُ مَعْبَدٍ، وجماعةٌ من التابعين، وروى لها أصحاب السنن، والمساند (٤). وأما قوله: "الأَسَدِيَّةُ"، -بفتح الهمزة، والسين المهملة- فنسبة إلى أسد ابنِ خزيمةَ، وهي نسبة -أيضًا- إلى أسدٍ في قريش: أسدِ بنِ عبد العزى بن قصيِّ بنِ

стр. 181

مالك، وأسدٍ في مَذْحِجٍ: أسدِ بنِ مسلمةَ بنِ عامرٍ، وأسدِ بنِ عبدِ مناةَ بنِ عائذِ الله بنِ سعدِ العشيرةِ، وفي الأسد -أيضًا-: أسدُ بنو أسدِ بنِ حرب بن عتيك. وتشتبه هذه النسبة بالأَسْدي -بسكون السين، مبدَلَةٍ من الزاي- نسبة إلى أَزْد شنوءة؛ كذا قاله السمعانيُّ، وحكى عن ابنِ السِّكِّيتِ، وغيره؛ أنَّه يُقال فيه: الأَزْدُ -بالزاي، والسين- لغتان، منهم من الصحابة: ابن بحينة، وابنُ اللُّتْبِيَّة. وأمَّا ألفاظه: فقولها: "في حَجْرِهِ": هو بفتح الحاء المهملة، وكسرها؛ لغتان مشهورتان. وأما حقيقة النَّضْحِ: فهو أَنْ يُغْمَرَ الشيءُ الَّذي أصابه البولُ بالماء؛ كسائر النجاسات؛ بحيثُ لو عُصر لا يعصر، قاله أبو محمد الجوينيُّ، والقاضي حسين، والبغويُّ. والذي قاله إمام الحرمين، والمحققون: إنَّ النضحَ أَنْ يُغْمَرَ، ويُكَاثَرَ بالماء مكَاثَرَةً لا تبلغُ جريانَ الماء، وتردُّدَه، وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره؛ فإنه يُشترط فيها: أن يكونَ بحيثُ يجري بعضُ الماء، ويتقاطرُ من المحلِّ، إن لم يشترط عصره (١). ويدل عليه قولُها: "فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ"، وقولُها في رواية في "صحيح مسلم": "فَدَعا بِماءٍ، فَرَشَّهُ" (٢). أمَّا أحكامه ومعانيه: فلا شكَّ أن بولَ الصبيِّ الَّذي لم يَطْعَمْ نجسٌ، وقد نقل بعض أصحاب الشَّافعي الإجماعَ على نجاسته. وقال: لم يخالف فيه إلَّا داودُ الظاهريُّ، ومن جوَّزَ نضحَه؛ فللتخفيف في

стр. 182

إزالته، لا لكونه ليس بنجسٍ، وحكاية ابن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشَّافعي وغيره أنهم قالوا: هو طاهر ويُنَضحُ باطلة قطعًا. ولا خلاف في مذهب الشافعي في جواز نضحه؛ وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، وروي عن أبي حنيفة؛ عملًا بهذا الحديث. والفرق بينه وبين الصبية في الحديث الآخر: "يُغْسَلُ بَوْلُ الجارِيَةِ، ويُنْضَحُ بَوْلُ الغُلامِ؛ ما لَمْ يَطْعَمْ" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من رواية علي ﵁ مرفوعًا، وقال الترمذي: حديث حسن (١). وقد حكى صاحب "التتمة" (٢) من أصحاب الشافعي، ثلاثةَ أوجه فيهما: أحدها: يُغسل منهما. والثاني: يُنضح منهما. والثالث: التفرقةُ بينهما؛ وهو الصحيح، والوجهان الأولان شاذان ضعيفان. وممن قال بوجوب الغسل منهما: مالك، وأبو حنيفة -في المشهور عنهما-، وأهل الكوفة، وكأنهم اتبعوا القياس على سائر النجاسات، ولم يبلغهم الحديث، أو بلغهم، وأوَّلوا الحديث في قوله: "ولم يغسله" على أنَّه: لم يغسله غسلًا مبالَغًا فيه كغيره، فسمِّي الأبلغُ: غسلًا، والأخفُّ: نضحًا؛ وهو خلافُ الظاهر، يحتاج إلى دليل يقاوم هذا الظاهرَ، ويبعده التفرقة بين النضح والغسل في الحديث المذكور؛ وهي تقتضي المغايرة، واعتلَّ بعضهم في هذا: بأنَّ بولَ الصبي يقع في محل واحد، وبول الصبية يقع منتشرًا؛ فيحتاج من صبِّ الماء في

стр. 183

مواضع متعددة ما لا يحتاج إليه في بول الصبي. وربما حمل بعضهم لفظَ النضح في بول الصبي على الغسل، وهو ضعيف؛ لنفي الغسل، والتفرقة بينهما في الحديثين. والمعنى في التفرقة بينهما: أنَّ النفوسَ أعلقُ بالذكور من الإناث؛ فيكثر حمل الذكر؛ فناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح، ودفعًا للعسر والحرج، بخلاف الإناث. وقيل غير ذلك؛ وهو ركيك؛ من حيث إنَّ كثافة النجاسة ورقتها لا أثر لها في عدم الوجوب، ولا التخفيف في الشرع؛ وإنما المعتبر في ذلك: عمومُ الابتلاء به، وعدمُه، والله أعلم. وفي الحديث دليل على: استحباب حمل الأطفال إلى الصالحين؛ ليحنِّكوهم، ويبرِّكوهم، ويدعوا لهم؛ ولا فرق في استحباب حمله إليهم حالَ الولادة، وبعدَها. وفيه: الندبُ إلى اللين، وحسن المعاملة، والمعاشرة، والتواضع، والرفق مع الصغار، والضعفاء. وفيه: التبرُّكُ بأهل الصلاح والفضل (١). وفيه: وجوبُ غسل بول الصبيِّ إذا طَعِم؛ وهذا لا خلاف فيه. وفيه: الندب إلى حمل الأذى، وما يعرض له منه. وفيه: جبرُ قلوب الكبار؛ بإكرامِ أطفالهم، وإجلاسِهم في الحِجْر، وعلى الركبة، ونحو ذلك. وفيه: طلب الماء إذا عرض له حاجة به، والله أعلم. * * *

стр. 184

الحديث الرابع عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: جَاءَ أعرابيٌّ، فَبَالَ في طائفةِ المسجدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النبيُّ ﷺ ، فَلمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النبيُّ ﷺ بذَنُوبٍ مِنَ الماءِ؛ فأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (١). تقدم الكلام على أنس ﵁، في أول باب الاستطابة. وأمَّا الأعرابي: فهو: منسوب إلى الأعراب؛ وهم سكان البوادي، ووقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد؛ لأنَّه جرى مجرى القبيلة؛ كأنمار. ولو نسب إلى المفرد؛ وهو عرب، لقيل: عربي، فيقع فيه الاشتباه بالعربي، وهو كل مولود من ولد إسماعيل ﷺ ؛ سواء كان من أهل البادية، والقرى، وهو غير المعنى الأول. وطائفة المسجد: ناحيته. والمسجِد -بكسر الجيم- كالمجِلس: لموضع السجود، ويجوز بفتحها، وقيل: الفتح لموضع الجبهة فقط، ويقال له في لغة: مَسْيد، بالياء بدل الجيم (٢). [وقال الزهريُّ: المسجدُ -بالكسر-: اسم جامع حيث يسجد عليه، ومنه رحب لا يسجد بعد أن يكون اتخذ لذلك، فأما المسجَد -بالفتح- من الأرض لموضع السجود نفسِه ونحوِ ذلك] (٣). والذَّنُوب -بفتح الذال، وضم النون-، وهي: الدلو المملوءة ماءً.

стр. 185

وإنَّما زَجَرَ النَّاسُ الأعرابيَّ؛ لكونهم اعتقدوه منكرًا، فبادروا إلى منعه لما فيه من تنزيه المسجد عن الأنجاس، لكنَّه فاتهم النظر إلى أنَّ منعه، وقطعه عليه يؤدي إلى الضرر به، وزيادة التنجيس لمكان آخر من المسجد؛ فلهذا نَهاهم ﷺ عن زجره، بخلاف ما إذا تركه حتى يفرغ؛ فإنَّ الرشاش لا ينتشر. وفي هذا الحديث: نجاسةُ بول الآدمي، وهو مجمَعٌ عليه، ولا فرق فيه بين الصغير والكبير؛ لكنَّ بولَ الصغير فيه النضحُ، وتقدم بيانه. وفيه: احترامُ المسجد، وتنزيهُه عن الأقذار. وفيه: أَنَّ الأرضَ تطهُرُ بصبِّ الماء عليها؛ ولا يشترط حفرُها، ونقلُ التراب، وهذا مذهب الشافعي، والجمهور. وقال أبو حنيفة ﵀: لا تطهر إلا بحفرها. وفيه: مكاثرةُ الأرضِ النجسةِ بالماء، وأنَّه لا يتحدَّد بشيء، قيل: إنَّه يكون سبعة أمثال البول. وفيه: أنَّ الماء إذا كان واردًا على النجاسة؛ طهرها، وأنَّه لا يشترط العصر؛ بل يكفي نضوبُ الماء. وفيه: الرفق بالجاهل في التعليم؛ وأنَّه لا يُؤْذَى، ولا يُعَنَّفُ إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا وعنادًا. وفيه: دفعُ أعظمِ الضررين باحتمال أخفِّهما؛ لأنَّ البول في المسجد مفسدة، وزجره؛ لقطعه عليه، وضرره، وتعديد مواضع التنجيس في بدنه، وموضعه؛ مفسدةٌ أكثر من الأولى، فاحتمل النبي ﷺ ذلك؛ ترجيحًا لأخف المفسدتين على أعظمهما، والله أعلم. * * *

стр. 186

الحديث الخامس عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظَافِرِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ" (١). أمَّا أبو هريرة: فتقدم. وأمَّا قوله: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ"، فظاهره الحصر في الخمس؛ كما يقال: العالمُ في البلد زيدٌ، إلا أنَّ الحصر في مثل هذا تارة يكون حقيقيًّا، وتارة يكون مجازيًّا. فالحقيقي: ما ذكرناه، إذا لم يكن في البلد غيره. والمجازي: مثل قوله ﷺ : "الدين النصيحة" (٢)؛ كأنَّه بُولِغَ في النصيحة إلى أن جُعِل الدينُ إِيَّاها، وإن كان في الدين خصالٌ أخرى غيرُها. وقد ثبت عدمُ الحصرِ لخصال الفطرة في غير هذه الرواية؛ وهي: قوله ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ"، وفي "صحيح مسلم"، وغيره: "عَشْرٌ من الفِطْرةِ" (٣)؛ وذلك أدل دليل، وأصرح في عدم الانحصار في الخمس والعشر، والله أعلم. وأمَّا الفِطْرَةُ؛ فالمرادُ بها هنا: السُّنَّةُ؛ لأنَّها جاءت مفسرة في "صحيح البخاري" من رواية ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مِنَ السُّنَّةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَتَقلِيمُ الأَظَافِرِ" (٤).

стр. 187

وأصحُّ ما فُسر به الحديث بما ثبت في رواية أخرى؛ لا سيَّما في "صحيح البخاري". وقال الماوردي، والشيخ أبو إسحقَ الشيرازيُّ ﵀: المرادُ بالفطرة هنا: الدِّين. الأول: هو الصحيح، ثمَّ إنَّ معنى الحديث: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين يُقتدى بهم - عليهم الصلاة والتسليم -. قال الخطابي ﵀: وأول من أمر بها من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -: إبراهيم ﷺ ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال ابن عباس ﵄: بهؤلاء الخصال، فلمَّا فعلهنَّ، قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]؛ أي: يُقتدى بك، ويُستَنُّ بسُنَّتِك (١). والفطرةُ تنصرفُ في كلام العرب على وجوه: أحدها: الفطرة: مصدرُ فطرَ اللهُ الخلقَ؛ أنشأه، والله فاطرُ السماوات والأرض؛ أي: خالقُها. والفطرة: بمعنى الجِبِلَّة التي خلق الله الناسَ عليها، وجبلَهم على فعلها. وأمَّا الفطرة، في قوله ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢)، فقال أهل اللغة: هي خلقه لهم، وقيل: الإيمان بالله الَّذي كان أقر به لمَّا أخرجه من ظهر آدم.

стр. 188

والفطرة: زكاةُ الفطر. ذكر هذه الوجوهَ أبو عبد الله محمدُ بنُ جعفرٍ التميميُّ المعروف بالقزَّاز، في كتاب "تفسير غريب البخاري" (١). قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وأَوْلى الوجوه أن تكون الفطرةُ ما جَبَلَ اللهُ الخلقَ عليه، وجبل طاعتهم على فعله؛ وهي: كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته (٢). والختان: قطعُ الجلدة التي تُغَطِّي الحَشَفَةَ؛ وهي: كمرةٌ للذَّكر من الصبيِّ، ومن الجارية قطعُ جزء يسير من الجلدةِ التي في أعلى فرجِها. يقال: خَتَنَ الصبيَّ، يَخْتِنُه -بكسر التاء، وضمها-، خَتْنًا -بإسكان التاء-. وهو واجب عند معظم العلماء، ولا يمتنع عطف غير الواجب على الواجب؛ كعكسه في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ فالإيتاء واجب، والأكل ليس بواجب. والاسْتِحْدادُ: استِفْعالٌ من الحديد؛ وهو: إزالةُ شعر العانةِ؛ وهو آلة منه، يسمَّى الموسى، ويجوز إزالتُه بغير ذلك من القصِّ، والنتف، والنورةِ، لكن السنةَ حلقُه، هو الَّذي دل عليه هذا الحديث. ثُمَّ العانة: الشعرُ فوقَ ذَكَرَ الرجل، وحواليه، وكذلك الشعرُ حول فرجِ المرأة. ونقل عن أبي العباس بن سريج ﵀: أنَّه الشعرُ النابت حول حلقة الدبر. فيحصل من مجموع هذا: حلقُ جميع ما على القبل، والدبر، وحولهما. وأمَّا وقتُ حلقه، فالمختار: أنَّه يُضْبَطُ بالحاجةِ وطوله، فإذا طال، حُلِقَ،

стр. 189

وكذلك الضبطُ في قصِّ الشارب، وتقليمِ الأظافر، ونتفِ الإبط، وحلقِ العانة. ويُستحبُّ ألا يتجاوز بتركه أكثرَ من أربعين ليلة؛ لحديث أنس ﵁ قال: وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشَّارِبِ، وتقليمِ الأظافرِ، ونتفِ الإبطِ، وحَلْقِ العَانةِ؛ أَنْ لا نَتْرُكَ أكثرَ من أربعينَ ليلةً، رواه مسلم في "صحيحه" (١). وقصُّ الشاربِ: سُنَّةٌ؛ وهو مخير بين القصِّ بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيرَه؛ لحصول المقصودِ من غير هتك مروءة، ولا حرمةٍ؛ بخلاف العانة. ويُستحب البداءة بقصِّ الجانبِ الأيمن. والقصُّ في الحديثِ مطلَقٌ؛ ينطلق على إحفائِه، وعلى ما دونَ ذلك. واستحب بعضُ العلماء إزالةَ ما زاد على الشفة، قالوا: وهو المختار، ولا يحفُّه من أصله، وفسروا به قوله ﵇: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ" (٢). وقوم يرون: إنهاك الشفة، وإزالة جميع الشعر، ويفسرون به الإحفاء، فاللفظ يدل على الاستقصاء، ومنه: إحفاء المسألة، وفي بعض الروايات: "أَنْهِكوا الشَّوارِبَ" (٣). والأصل في الأمر بقصها، وإحفائها: مخالفةُ زيِّ الأعاجم، وورد ذلك منصوصًا في "الصحيح". وزوالُها أبلغُ في النظافة في مدخل الطعام والشراب، وأنزهُ من وَضَرَ الطعام. وتقْلِيمُ الأظافرِ: قطعُ ما طالَ على اللَّحمِ منها.

стр. 190

وهو تفعيل من: القَلْم، والفعلُ منه: قَلَّم -مشدّدًا-، والقُلامَة: ما يُقطع من الظفر (١). وله معنيان: أحدهما: تحسينُ الهيئة، والزينةُ، وإزالةُ القباحة في طول الأظافر. والثاني: أنَّه أقربُ إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا إنما يكون: إذا طالت طولًا فاحشًا، أما إذا لم تطل طولًا فاحشًا؛ فإنَّها لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، ويُعفى عن يسير الوسخ تحتها. وتقليم الأظافر ليس بواجب؛ ويُستحَبُّ أَنْ يبدأَ باليمين، وباليدين قبل الرجلين: فيبدأ بمسبِّحة يده اليمنى، ثم الوسطى، [ثم البنصر]، ثم الخنصر، ثم الإبهام. ثم يعود إلى اليسرى، فيبدأ بخنصرها، ثم بنصرها، إلى آخرها. ثم يعود إلى الرجل اليمنى، فيبدأ بخنصرها، ويختم بخنصر اليسرى. والقَلْمُ معناه: القطعُ، ويحصل بأي آلة؛ من مِقَصٍّ، وسكين، ويُكره بالأسنان. ويُستحبُّ دفنُ قُلامَة الظفر، وشعر الإبط، والعانة، اتفق عليه أصحاب الشافعي، ونقلوه عن ابن عمر ﵄. وأمَّا نتفُ الإِبِطِ، فهو: إزالةُ شعرِها بالنتف، ويحصل أيضًا بالحلق، والنورة؛ لكنَّ الأفضلَ: ما دلَّت عليه السنة، وهو النتفُ؛ ولعل السبب فيه: أن الشعرَ يقوى أصلُه بحلقه، ويغلُظ جرمُه.

стр. 191

ولهذا يصف الأطباء: تكرارَ الحلق للشعر الَّذي تزداد قوته في مواضعه، فالإبطُ إذا قويَ شعره، وغَلُظ؛ كان أفوحَ للرائحة الكريهةِ منه، بخلاف العانة؛ فإنها لا يظهر فيها ما يظهر في الإبط مما ذكرنا، والاستحداد فيها: أيسر، وأخف على الإنسان، من غير معارض. ودخل يونس بن عبد الأعلى على الشافعي ﵀، وعنده المزيِّنُ يحلق إبطَه، فقال الشَّافعيُّ: عَلِمْتُ أَن السنةَ النتفُ؛ ولكِنْ لا أقوى على الوجع (١). ويُستحبُّ أن يبدأ بالإبط الأيمن، والله أعلم. أمَّا الأحكام: فالختان: واجبٌ عند الشافعي، وكثيرٍ من العلماء. وسنةٌ عند مالك، وأكثرِ العلماء، وتمسكوا في ذلك: بأنَّ الفطرةَ مفسَّرةٌ بالسُّنَّة، وهي صريحة في غير الواجب؛ لأنها تذكر في مقابلته. وبأنَّ قرائن الختان مستحبان؛ فكذلك هو. لكن كون السنة تذكر في مقابلة الواجب وضعٌ اصطلاحي؛ لأجل الفقه، وهي في الوضع اللغوي: الطريقة، وهي في ذلك تكون واجبة، أو مندوبة. ويجوز عطف غير الواجب على الواجب، وعكسه؛ كما تقدم. كيف، والأدلة فيه قوية؛ من حيث عمومُ الكتاب العزيز، بالأمر باتِّبَاع إبراهيم ﷺ ، وقد ثَبَتَ أَنَّه ﷺ اختتن بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة (٢).

стр. 192

والأصل في الأمر الوجوب، ولا يلزم من استعمال اللفظ عند اقترانه بالمندوب، ألا يفيد الوجوب في بعض مدلولاته؛ خصوصًا إذا قوي بدليل من خارج. كيف ودلالةُ الاقترانِ ضعيفةٌ؟ خصوصًا إذا استقلت الجمل، ولا يلزم من استمرار استعماله في الندب في هذا الزمن، أن يكون الماضي كذلك؛ لكون الأصل عدم التغيير. كيف ومن قال بأنَّه سنة معارض، بقول مَنْ قَالَ: إِنَّه واجبٌ؟ والأصل عدم التغيير، فتعود الحالُ إلى الأصل، وهو الأمرُ بالاتباع، وهو للوجوب، فلا يكون للندب إلا بدليل من خارج، ولا دليل، والله أعلم. ثم هو واجب على الرجال والنساء جميعًا، وهو في حال الصغر جائز، وليس بواجب. وقيل: يجب على الولي أن يختن الصغيرَ قبل بلوغه. وقيل: يحرم ختانُه قبل عشر سنين. لكن الصحيح: أنَّه يُستحبُّ للولي ختانُه يومَ سابعِه، وهل يُحسب يوم ولادته من السبعة، أم لا؟ وجهان: أصحهما: يحسب، ولو كان خنثى مشكلًا، لم يجز ختانُه في فرجه حتى يتبين، على الأظهر. وقيل: يجب فيهما بعد البلوغ. ولو كان له ذَكَران عاملان، وجب ختانُهما، واعتبارُ العمل فيهما بالبول والجِماع وجهان. ولو كان أحدهما عاملًا دون الآخر، إمَّا بالبول، أو الجماع: ختن العامل. ولو مات غيرَ مختون، لم يختن، على الصحيح، صغيرًا كان أو كبيرًا. وقيل: يختنان، وقيل: يختن الكبير دون الصغير، والله أعلم. وفيه: وجوب نقل ما سُمِع من النبي ﷺ ، وضبطه، وألَّا يتجاوزَه، وأنَّ ذلك

стр. 193

لا يمنع رواية ما سمعه غيره، وضبطه زيادةً على ما رواه هو، بل الزيادة من الثقة مقبولة؛ إذا لم تخالف ما رواه. فإنَّه رُوي: خمس من الفطرة، وعشرٌ من الفطرة؛ وعملَ العلماءُ بها من غير اختلاف، ولا إنكار، والله أعلم. وفيه: تبين العلم، وهل هو مجتهد فيه، أو منقول عن غيره؟ فإنَّ النبي ﷺ قال في بعض طرقه: "عَشْرٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ" (١). وتقدَّم باقي أحكامِه في ألفاظِه ومعانيه. * * *

стр. 194

باب الجنابة الحديث الأول عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بَعْضِ طُرِقِ المَدِينَةِ، وهو جُنُبٌ: فانْخَنَسْتُ مِنْه، فَذَهَبْتُ، فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ، فقالَ: "أينَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟ " قال: كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أَن أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، قَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! إنَّ المُؤمِنَ لا يَنْجُسُ" (١). الجنابة: دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وعن الشَّافعيِّ ﵁: أنه إنَّما سُمِّيَ جُنُبًا، من المخَالَطة. ومن كلام العرب: أَجْنَبَ: إذا خالَطَ امرأته. فعلى هذا يكون من الأضداد، وهو أَنَّ اللفظَ يُستعمل في الضدين في المعنى؛ كالقربِ والبعد، ولأنَّ مخالطتَها يلزم منها حصولُ الجنابة، أو مؤدِّية إليها، التي معناها البعدُ (٢). وأما المدينة: فهي مدينةُ النبي ﷺ .

стр. 195

ولها أسماء: المدينةُ، والدار؛ لأَمْنِهَا والاستقرار بها. وطَيْبَة، وطَابةُ؛ من الطِّيب؛ وهي الرائحةُ الحسنة، والطابُ، والطيبُ: لغتان. وقيل: من الطيب، وهو الطاهر؛ لخلوصها من الشرك، وطهارتها. وقيل: من طيب العيش بها. وفي "صحيح مسلم": أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تعالى سَمَّى المدينةَ طابة" (١). ويقال لها: يَثْرِبُ، والعذراءُ، وجابرةُ، والمجبورةُ، والمحبةُ، والمحبوبةُ، والقاصمةُ؛ لأنها قصمتِ الجبابرةَ، ولم تزلْ عزيزةً في الجاهلية، تمنَّعت على الملوك السالفة، وغيرهم، أعزَّها الله تعالى برسوله ﷺ ، وقيل: لم يُعْبَد بها صنم قط. ثم اعلم: أَنَّ كثرةَ الأسماءِ تدل على شرف المسمَّى؛ ولهذا كثرت أسماء الله تعالى، وأسماء رسوله ﷺ . واعلم أنَّ الأصوليين اختلفوا في أنَّ: الاسمَ غيرُ المسمى، أو هو هو، وذلك في غير اسم الله تعالى، وأمَّا الله ، فلا يجوز إطلاقُ ذلك عليه؛ بل هو -سبحانه- واحدٌ في ذاته، وصفاته، ومخلوقاته، وذاته. وأسماؤه قديمة، لا يقال: هذا هذا، ولا هذا غير هذا؛ بل نطلقه كما أطلقه سبحانه، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. وقوله: "فَانْخَنَسْتُ"؛ أي: انقبضتُ راجعًا. والانْخِنَاسُ: الانقباضُ، والرجوعُ، يقال: خَنَسَ، لازمًا ومتعديًا، فمن

стр. 196

اللازم: ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان: "فإذا ذُكِرَ اللهُ خَنَسَ" (١)، ومن المتعدي: ما جاء في الحديث أيضًا: "وخَنَسَ إِبْهَامَه" (٢)؛ أي: قبضها. وقيل: يقال: أَخْنَسَه في المتعدِّي، ذكره صاحب "مجمع البحرين" (٣). ورُويت هذه اللفظة: "فانْبَجَسْتُ" (٤)؛ من الانبجاس -بالجيم-: وهو الاندفاع؛ أي: اندفعتُ عنه، ويؤيده ما جاء في حديث آخر، وهو قوله: "فانْسَلَلْتُ مِنْهُ" (٥). وروي -أيضًا-: "فانبَخَسْتُ" (٦) -بالخاء-؛ من البَخْس، وهو: النقص؛ كأنه ﵁ اعتقدَ نقصانَ نفسه بجنابته، عن مجالسة رسول الله ﷺ ، أو مصاحبته؛ لاعتقاد نجاسة نفسه. وفي لفظ البخاري: "فانسَلْتُ" (٧)، وفي لفظ مسلم: "فانْسَلَّ" (٨). وروي: "فانْبَجَسْتُ" -بالجيم، والشين المعجمة-، وهو: الإسراع (٩). وقوله: "كُنْتُ جُنُبًا"؛ أي: ذا جنابة. وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع بلفظ

стр. 197

واحد، قال تعالى في الجمع: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال بعض أزواج النبي ﷺ : "إنِّي كُنْتُ جُنُبًا" (١). وقد يقال: جُنُبَان، وجُنُبُون، وأَجْنَاب. قوله: "فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ، وَأَنا عَلَى غَيْرِ طَهارَةٍ"، إنما كره ذلك؛ لاعتقاده نجاسةَ الجُنُبِ؛ ولهذا قال له النبي ﷺ : "سُبْحانَ اللهِ! إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ"؛ تعجبًا من اعتقاده، وإعلامه بالحكم في عدم نجاسة الجنب، وإِنْ كان المستحبُّ أن يكونَ الإنسانُ على طهارة في ملابسة الأمور المعظمة، لكنَّ اعتقادَ النَّجَاسة أعظمُ مفسدةً من مراعاة لمصلحةٍ مستحبةٍ. وقوله ﷺ : "سبحانَ اللهِ"؛ تنزيهٌ لله تعالى، منصوب نصب المصدر، أريد به هنا، وأمثاله: التعجبُ. وقوله ﷺ : "إنَّ المسلمَ لا يَنْجُسُ"؛ هو -بضم الجيم، وفتحِها- لغتان، فيقال في الماضي: نَجِسَ، و [نَجُسَ]-بكسر الجيم، وضمها-، فمن كسرها في الماضي، فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي، ضمها في المضارع -أيضًا-؛ وهو قياس يطرد عند أهل العربية، إلَّا أحرفًا مستثناة، من ذلك (٢). وأمَّا الأحكام: ففيه: دليل على طهارة المسلم حيًّا، أو ميْتًا: وأمَّا الحي: فهو طاهر بإجماع المسلمين. حتى الجنينُ إذا ألقته أمُّه، وعليه رطوبةُ فرجِها، قال بعض أصحاب الشَّافعي: هو طاهرٌ بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف

стр. 198

في نجاسة رطوبة فرح المرأة، والخلاف في كتب الشَّافعية في نَجَاسةِ بيضِ الدَّجاج، ونحوه؛ فإنَّ فيه وجهين؛ بناء على رطوبة الفرج. وأمَّا الميْتُ المسلم: فاختلف العلماء فيه، وللشَّافعي قولان؛ الصحيح: أنَّه طاهر، ولهذا غسل؛ ولقوله ﷺ : "إنَّ المسلمَ لا يَنْجُسُ". ذكره البخاري في "صحيحه"، عن ابن عباس ﵄ تعليقًا: "المسلمُ لا يَنْجُسُ حَيًّا، ولا مَيْتًا" (١). وأمَّا الآدميُّ الكافرُ: فحكمُه في الطهارة والنجاسة حكمُ المسلم، وهو مذهب جمهور العلماء. وبعض أهل الظاهر يرى: أنَّ المشركَ نَجِسٌ في حال حياته؛ أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. ويقال للشيء: نجَسٌ؛ بمعنى أنَّ: عينَه نجس، ويقال: نجس: بإضافة النجاسة له، ويجب حمله على المعنى الأول؛ هو: أنَّ عينه لا تصير نَجِسَة؛ لإمكان نجاسته بإصابة النجاسة. ويجاب عن الآية الكريمة: بأنَّ المرادَ نجاسةُ الاعتقاد، والاستقذار؛ لا أنَّ أعضاءهم نجسة؛ كنجاسة البول والغائط، ونحوهما. فإذا ثبت طهارةُ الآدمي، مسلمًا كان أو كافرًا، فعرقه، ولعابه، ودمعه طاهرات، سواء كان: محدِثًا، أو جُنبًا، أو حائِضًا ونفساءَ؛ وهذا كلُّه بإجماع المسلمين، كما تقدم. وكذلك الصبيان: أبدانُهم، وثيابُهم، ولعابُهم؛ محمولةٌ على الطهارة، حتى

стр. 199

تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاةُ في ثيابهم، والأكلُ معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، والله أعلم. وفيه: دليل على احترام أهل الفضل، وتوقيرهم في مجالستهم، ومصاحبتهم، وأن يكون على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات. ويُستَحبُّ لطالب العلم: أَنْ يحسِّنَ حالَه مع شيخه في المجالسة؛ بأن يكون متطهرًا، متنظفًا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظافر، وإزالة الروائح الكريهة، والملابس المكروهة، وغير ذلك؛ فإنَّ ذلك من إجلال العلم والعلماء. وفيه: أنَّ العالم إذا رأى مِنْ تابعِه أمرًا يخالف الشرع؛ من قول، أو فعل، أو اعتقاد؛ أَنْ يرشِدَه إليه، ويبينَ له الصواب. وفيه: جواز التعجب، بسبحان الله! وأنَّ ذلك لا يعدُّ سوءَ أدب مع التنزيه؛ وكأنَّه في المعنى: تذكيرٌ لمن يعجب من فعلِه المخالفِ؛ بالرجوع إلى الله تعالى، وتنزيهه، والله تعالى أعلم. * * * الحديث الثاني والثالث عن عائشةَ ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسلَ من الجنابة، غسلَ يديه، وتوضَّأَ وُضُوءَهُ للصلاة، ثمَّ اغتسلَ، ثمَّ يُخَلِّلُ بيديهِ شعرَه، حتى إذا ظنَّ أنه قد أَرْوى بَشَرَتَهُ؛ أَفاضَ عليهِ الماءَ ثلاثَ مراتٍ، ثمَّ غسلَ سائرَ جسده. وقالت: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءِ واحد، نغترفُ منه جميعًا (١).

стр. 200

وعن ميمونةَ بنتِ الحارثِ زوجِ النبيِّ ﷺ ، قالت: وَضَعَ رسولُ الله ﷺ وَضُوءَ الجَنابَةِ؛ فَأَكْفَأ بِيمينِهِ على يَسَاِرِهِ مَرَّتَينِ، أو ثَلاثًا، ثم غَسَلَ فَرْجَه، ثم ضَرَبَ يدَهُ بالأرْضِ، أو بالحائطِ مَرَّتَينِ، أو ثَلاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وغَسَلَ وجهَه، وذراعَيه، ثمَّ أَفَاضَ على رأسِه الماءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَّحَى فَغَسَلَ رِجْلَيْه؛ فَأَتَيْتُه بِخِرقَةٍ، فلم يُرِدْهَا؛ فجَعلَ يَنْفُضُ الماءَ بيدَيهِ (١). تقدم الكلام على عائشة ﵂. وأمَّا ميمونة: فهي أمُّ المؤمنين بنتُ الحارثِ بنِ حَزْنِ بنِ بجيرِ بنِ الهزمِ بنِ ذؤيبةَ بنِ عبدِ الله بنِ هلالِ بنِ عامرِ بْنِ صعصعةَ، الهلاليةُ، أختُ أمِّ الفضلِ امرأةِ العباسِ بنِ عبدِ المطلب، أمِّ عبد الله بن عباس. تزوجها رسول الله ﷺ سنة ست من الهجرة، وكان اسمها برَّة، فسماها رسول الله ﷺ ميمونةَ. رَويَ لها عن رسول الله ﷺ : ستةٌ وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على سبعة، وانفرد البخاريُّ بحديثٍ، ومسلمٌ بخمسةٍ. رَوى عنها عبدُ الله بنُ عباسٍ، وجماعةٌ من التابعين، وروى لها أصحاب السنن والمساند المشهورة. وماتت سنة إحدى وخمسين في ولاية معاوية -على المشهور-، وقيل غيره. وصَلَّى عليها ابنُ عباسٍ، ودخل قبرَها هو وغيره من أبناء أخواتها، وغيرهم، ودفنت بِسَرِف على أميال مختلَف فيها من مكة، أشهرها: عشرة أميال (٢).

стр. 201

أمَّا ألفاظ حديث عائشة ﵂: فقولها: "كانَ إذا اغتسلَ من الجنابةِ"؛ وصيغةُ (كان) تقتضي تكرار فعله؛ أي: وكان عادته؛ كقول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس بالخير (١)، ويقال: كان فلان يَقْرِي الضيفَ. وقد تستعمل؛ لإفادة مجرد الفعل ووقوعه دون الدلالة على التكرار. والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حملُ قول عائشة ﵂. وقولها: "إذا اغتسلَ منَ الجنابةِ"؛ يحتمل أن تقدر له الإرادة؛ فيكون من باب التعبير بالفعل عن ارادته؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]. ويحتمل أن تريد به ملابسة الفعل بالشروع فيه؛ فإنه يقال: فعل كذا؛ إذا شرع فيه، وإذا فرغ منه؛ فيكون حمله على الشروع صحيحًا، ويكون وقتًا للبداءة بغسل اليدين. بخلاف قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ فإنَّه لا يمكن وقت الشروع في القرآن أن يكون وقت الاستعاذة، فلا يكون حمله عليه صحيحًا؛ فيتعين حمله على الإرادة دون الشروع، والله أعلم. وقولها: "منَ الجنابةِ"؛ في من -هَاهُنا- معنى: السببية، مجاز عن ابتداء الغاية من حيث إن السبب مصدر المسبب، ومنشِئًا له. وتكون الجنابة -هاهنا- بمعنى: الأمر الحكمي الذي ينشأ عن التقاء الختانين، أو الإنزال.

стр. 202

قولها: "غسلَ يديهِ"؛ هذا الغسلُ قبل إدخال اليدين في الإناء، وقد بين ذلك مصَّرحًا به من رواية سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقولها: "ثم توضَّأَ وضوءَهُ للصلاةِ"؛ ظاهره أنه وضوء كامل، ولمَّا كان وضوء الصلاة له صورة معنوية في الذهن؛ شبه هذا الوضوء به؛ ليطابقه به في الفعل، لكنَّه مقيد بابتداء غسل الجنابة، ولا يلزم منه كونه وضوءًا للصلاة حقيقة. وقولها: "ثمَّ اغتسلَ"؛ يعني: على ما هو مشروع معلوم عندكم، ثم ذكرت بعض صفاته؛ فقالت: "ثم يخلِّلُ بيديه شعرَهُ"؛ فحقيقة التخليل: إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، لكن هل يكون مع بلل الأصابع بغير نقل ماء، أو بنقل ماء؟ الراجح: أنَّه مع نقل الماء؛ للرواية الواردة في "صحيح مسلم": "ثم يأخذُ الماءَ، فيُدْخِلُ أصابِعَهُ في أُصولِ شعرِهِ" (١). وفي "سنن النسائي" في حديث عائشة ما يبين أنه يخلل شعره بالماء، وبوب عليه: باب تخليل الجنب رأسه، فقالت فيه: "كانَ رسولُ الله ﷺ يُشَرِّبُ رَأسَهُ، ثم يَحْثي عليهِ ثلاثًا" (٢). وهاتان الروايتان: ردٌّ على من قال: يخلل شعره بيديه مبلولة دون ماء، فلا يقال: شرَّبت بدون ماء. وقولها: "حتى ظنَّ أنَّه أَرْوى بشرتَهُ" الظن يكون بمعنى: العلم، وبمعنى: رجحانِ أحد الطرفين على الآخر مع الاحتمال. لكن قولها فيما بعد ذلك: "أفاضَ عليهِ الماءَ ثلاثًا"؛ يمنع القطع بأن يكون بمعنى العلم -هنا-؛ لأنَّه كان يكتفي بريِّ البشرة الذي لزم منه وصول الماء إلى جميع الشعر؛ فيخرج به عن العهد في الإتيان بالواجب.

стр. 203

مع أنه يكتفى بالظن في هذا الباب، وما شابهه؛ وهو قائم في الحكم مقام القطع؛ لأنَّا لو تعبدنا بالقطع في ذلك؛ لأدى إلى الحرج والمشقة، ثم إلى ترك المأمور. وأَرْوى: مأخوذ من الريِّ؛ الذي هو: ضدّ العطش، وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء. يقول: رَوِيتُ من الماء -بالكسر- أَرْوَى -بالفتح- رَيًّا، ورِيًّا، ورَوِيَ، وأرويتُه أنا (١). والبشرةُ: ظاهر الجلد؛ والمراد بإروائها: إيصالُ الماء إلى جميع الجلد، والغالبُ أنه لا يصل إليه إلَّا وقد ابتلت أصول الشعر، أو كله. وقولها: "أفاضَ الماءَ ثلاثَ مراتٍ، ثم غسلَ سائرَ جسدِه"؛ إفاضة الماء على الشيء: إفراغُه عليه، يقال: فاض الماء: إذا جرى، وفاض الدمعُ: إذا سال. سائر -هنا-؛ بمعنى: البقية؛ وهي الأصل في استعمالها، وقد تستعمل بمعنى: الجميع، لكن البقية هنا متعينة؛ لذكرها الرأس أولًا، وهو مأخوذ من السؤر. وأمَّا أحكامه: ففيه دليل على: أَنَّ أفعَاله ﷺ حجةٌ؛ كأقواله. وفيه دليل على: استحباب غسل اليدين قبل وضوء الاغتسال، ثم الوضوء بعده كاملًا، ثم الاغتسال بعده، يبدأ فيه برأسه، ويخلله بأصابعه العشر دون الخمس، ثم باقي جسده. وفيه: التثليث في الاغتسال؛ كالوضوء. وفيه: جواز اغتسال الرجل والمرأة جميعًا من إناء واحد، وأن اغترافهما من الإناء يكون على التعاقب؛ لغلبة صغر أوانيهم، وتعذر تساويهما في الاغتراف

стр. 204

من غير تعاقب؛ فيقتضي جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة؛ لتأخر اغتراف الرجل عن امرأته في بعض الاغترافات، وإن كان لفظ الحديث محتملًا لشروعهما في الاغتسال دفعة واحدة، لكن ليس فيه عموم، والله أعلم. وأمَّا حديث ميمونة ﵂: فقولها: "وضعَ رسولُ الله ﷺ وَضُوءَ الجنابةِ"؛ أي: كما في الجنابة، وقد تقدم أن الوَضوء -بفتح الواو- اسم لمطلق الماء، أو للماء المضاف إلى الوضوء، لكن هذا اللفظ يدل على أنه: اسم لمطلق الماء؛ لإضافته إلى الجنابة. قولها: "فَأَكْفَأَ"؛ أي: قَلَبَ، يقال: كَفَأْتُ الإناء، وَأَكْفَأْتُه -ثلاثيًّا، ورباعيًّا-: إذا قَلَبْتُه. وحكى القاضي عياض ﵀ في "المشارق"، عن بعضهم: إنكار أن يكونا بمعنى واحد؛ وإنَّما يقال في قلبت: كفأت -ثلاثي-، وأمَّا أكفأت -رباعيًّا-، فمعناه: أملت؛ وهو مذهب الكسائي (١). وقولها: "ثُمَّ غسلَ فرجَه"؛ يعني به: القُبُلَ، وغسله؛ لإزالة ما علق به من الأذى. وينبغي أَنْ يفعلَ ذلك في الابتداء قبل الوضوء؛ لئلا يغسله بعد ذلك؛ فيحتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء؛ لتحصيل سننه للغسل. ثم المعنى في غسله: هل هو للأذى المحكوم عليه بالنجاسة؟ أم بمجرد الأذى الذي هو الاستقذار؟ ينبني ذلك على: أنَّ المني نجس، وفيه خلاف للعلماء: مذهب الشَّافعي ﵀، وجماعة: طهارته، ومذهب غيرهم: نجاسته. ثمَّ إذا قلنا بطهارته، هل الغالب سبق إنزاله بمذي، فيتنجس به، أم ليس الغالب ذلك؟

стр. 205

ثمَّ إذا لم يكن الغالب سبقه بمذي، فهل يتنجس برطوبة فرج المرأة؟ إن قلنا: إنَّها نجسة، نُجِّس؛ وإلَّا: فلا. وحيث حكمنا بالنجاسة، وغسله لإزالة النجاسة، والغسل عن الجنابة: مرة واحدة؛ هل يكتفى بها، أم لا بُدَّ من مرتين؛ إحداهما: للنجاسة، والأخرى: للجنابة؟ فيه خلاف لأصحاب الشَّافعي - رحمه الله تعالى -، لكن الحديث مطلق لا يدل إلَّا على الغسل من غير تكرار؛ فيؤخذ منه الاكتفاء بغسلةٍ واحدةٍ من حيث إنَّ الأصل عدمُ غسله ثانيًا، والله أعلم. وقولها: "ثمَّ ضربَ يَدهُ بالأرض، أو الحائطِ مرتين، أو ثلاثًا"؛ إنَّما فعل ذلك ﷺ ؛ لإزالة ما لعلَّه عَلِقَ باليد من رائحة؛ زيادةً في التنظيف. وقد اختلف أصحابُ الشَّافعي في أنَّ النجاسة إذا زالت عينُها، وبقيت رائحتُها، هل تضرُّ؟ على وجهين، أصحهما: لا تضر، وهو قول كثير من الفقهاء. فإذا استقصى في إزالة العين، فقد يؤخذ من هذا الحديث العفو عنها؛ لأنَّ ضربه ﷺ يده بالأرض، أو بالحائط، لا بدَّ أَنْ يكونَ لفائدة: لا جائز أن يكون: لإزالة العين؛ لحصولها قبله، وإلَّا لتنجست الأرض، أو الحائط؛ بملاقاتها. ولا يكون: لإزالة الطعم؛ لأنَّه دليل على بقاء العين. ولا يكون: لبقاء اللون؛ لبعده بالإنزال، أو المجامعة؛ لكون ذلك لا يقتضي لونًا يلصق باليد، وإن وجد؛ فنادر جدًّا. فتعين أن يكون: لإزالة الرائحة، وحكمها: ما تقدم. فتعين أن يكون فعله ﷺ استظهارًا في زيادة التنظيف، وإزالة احتمال وجود رائحة، مع الاكتفاء بالظن في زوالها.

стр. 206

وقولها: "ثمَّ تمضمضَ، واستنشقَ، وغسلَ وجهَهُ، وذراعيهِ"؛ ففيه دليل على: شرعية هذه الأفعال في الغسل، لكن اختلف الفقهاء في المضمضة، والاستنشاق فيه: فأوجبها أبو حنيفة، ونفى الوجوبَ: مالك، والشَّافعي، وغيرهما، وقالوا: هما مستحبَّان فيه، وفي الوضوء، وليس في الحديث ما يدل على الوجوب [إلا أن يقال: إن مطلق أفعاله ﷺ تفيد الوجوب] (١). غير أنَّ المختار عند الأصوليين: أنَّ الفعل لا يدل على الوجوب إلَّا إذا كان بيانًا لمجمل يعلق به الوجوب، وذلك في الطهارة ليس من قبيل المجملات. وقولها: "ثمَّ أفاضَ على رأسِه الماءَ"؛ قد يحتج بظاهره من يقول من أصحاب مالك: بتأخير مسح الرأس مع الرجلين عن الغسل، وفيه خلاف لأصحاب مالك، ويحتمل أن إفاضته الماء على رأسه؛ لكون فيه معنى المسح، وزيادة. وقد اختلف أصحاب الشَّافعي في أنَّ غسل الرأس يقوم مقامه مسحه؟ الصحيح من أوجه ثلاثة: التفرقة فيما بينهما؛ فيجري في الرأس، ولا يجري في الخف، والله أعلم. قولها: "ثمَّ تنحَّى، فغسلَ رِجْليه"؛ يقتضي: تأخير غسل الرجلين إلى ما بعد الغسل، وهو أحد القولين للشَّافعي، واختيار أبي حنيفة. ومذهب عائشة -قبله- يقتضي: إكمال الوضوء قبل الغسل، وهو الصحيح من مذهب الشَّافعي، وغيره من العلماء. وفرَّق بعضهم بين أن يكونَ موضعُ الغسل وسخًا، أو يكون الماءُ قليلًا، فيؤخر غسلهما، وبين أن لا يكونا كذلك؛ فيكمل وضوءه؛ جمعًا بين الأحاديث، وهذا في كتب المالكية، وغيرهم من العلماء. وقولها: "فأتيتُه بخرقةٍ؛ فلم يُرِدْها"؛ الخرقة المذكورة: جاءت مسماةً في

стр. 207

هذا الحديث: بالمنديل (١)، ورَدُّه إيِّاها: إمَّا لأمرٍ يتعلق بها من وسخ، أو صبغٍ من زعفران، ونحوه. [وإما أن يكون لعدم حاجته إليها لكي لا يتنشف] (٢). ولهذا "جعل ينفض الماء بيديه". وقد اختلف أصحاب الشَّافعي في التنشيف، ونفضِ الأعضاء من الوضوء والغسل على أوجه: أظهرها: أن المستحب تركُهما، ولا يقال: إنهما مكروهان. والثاني: أنهما مكروهان. والثالث: أنهما مباحان، يستوي فعلهما وتركهما، وهو المختار عند جماعة من المحققين. والرابع: يستحب التنشيف؛ لما فيه من الاحتراز عن الأوساخ. والخامس: يكره التنشيف في الصيف دون الشتاء. وأمَّا السلف من الصحابة، وغيرهم من العلماء: فقال أنس بن مالك، والثوري: لا بأس به فيهما. وقال ابن عمرو بن أبي ليلى: مكروه فيهما. وقال ابن عباس: يكره في الوضوء دون الغسل. وقد روى التنشيف عن رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة ﵃، قال التِّرمذيُّ: ولا يصح فيه شيء عن النبي ﷺ (٣). وقد ثبت النفض في حديث ميمونة هذا؛ فاقتضى الإباحة، ولم نعلم أحدًا من العلماء قال باستحبابه، فإذا كان النفضُ مباحًا، كان التنشيفُ مثلَه، وأولى؛ لاشتراكهما في إزالة الماء.

стр. 208

وقد استدل بعض العلماء على كراهة النفض بحديث ضعيف عن النبي ﷺ : "لا تَنْفِضُوا أيديكم؛ فإنَّها مَراوِحُ الشَّيطانِ" (١)؛ فإنَّه لا يقاوم هذا الحديث الصحيح، والله أعلم. وفي الحديث فوائد: منها: إعداد ماء الغسل؛ كالوضوء. ومنها: استحباب الصب باليمين على اليسار. ومنها: استحباب التكرار في الغسل مرتين، وثلاثًا؛ وكذلك الوضوء. ومنها: استحباب تقديم غسل الفرج، ثمَّ الوضوء بعده، ثمَّ إفاضة الماء على الرأس، ثمَّ على سائر الجسد. ومنها: استحباب التنحي من المغتسل إن كان وسخًا؛ لغسل القدمين؛ سواء أكمل وضوءه قبل الغسل، أم لا. ومنها: إباحة التنشيف، والنفض، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّاب ﵁: قال: يا رسولَ اللهِ! أَيَرْقُدُ أَحَدُنا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قال: "نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ" (٢). وقد تقدم الكلام على عبد الله بن عمر في الحديث الثالث من باب الاستطابة. وعلى عمر في أول الكتاب.

стр. 209

واعلم أنَّ مدلول حقيقة لفظ هذا الحديث؛ إباحةُ النوم وهو جنب، لكنها متوقفة على الوضوء، وهو مأمور به، واختلف العلماء في الأمر به، هل هو للاستحباب، أم للوجوب؟ فمذهب الشافعيِّ، وأبي يوسف، والجمهور: إلى أنَّه للاستحباب. ونقل ابن العربي، عن الشافعيِّ: أنَّه لا يجوز للجنب أن ينامَ إلَّا على وضوء، وهو غريب ضعيف، لا يعرفه أصحاب الشَّافعي؛ بل قالوا كلهم بخلافه. وعن مالك في وجوبه قولان: أحدهما: وهو قوله في "المجموعة"، وبه قال ابن حبيب، وأهل الظاهر: الوجوب، فلو تركه، قال مالك: فليستغفر الله. وقال بعض أشياخ المالكية: لا تسقط العدالةُ بتركه؛ لاختلاف العلماء فيه. ثمَّ المراد بالوضوء: الوضوء المشروع، ولم نعلم أحدًا قال: بأنه الوضوء اللغوي؛ الذي هو مجرد النظافة، ويؤيد ذلك: ما رواه مسلم، في "صحيحه"، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ يتوضأ وضوءه للصلاة (١). واستدل من قال بوجوبه: بأنَّه ثبت في لفظ الحديث في "الصحيحين"، وغيرهما: أنَّ الوضوء ورد بصيغة الأمر، وهو قوله ﷺ : "تَوَضَّأْ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ؛ ثُمْ نَمْ" (٢)، ومطلق الأمر للوجوب. لكنَّه وقع الإجماع على أنَّه: لا يجب على الجنب الوضوء؛ وإنَّما يجب عليه الغسل.

стр. 210

واختلف أصحاب الشَّافعي في وقت وجوبه؛ هل هو حصول الجنابة بالتقاء الختانين، أم بإنزال المني، أم بهما؟ أم لا يجب إلَّا عند القيام إلى الصلاة؟ على أوجه. ومن قال: يجب الغسل بحصول الجنابة، قال: يجب وجوبًا موسعًا. واستدل من لم يوجب الوضوء بحديث الأسود، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء، وهو حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (١). وضعَّفه بعضهم، واختلفوا في تأويله على تقدير صحته على وجهين: أحدهما: ما ذكره ابنُ سُريج، والبيهقي: أنَّ المراد أنَّه لا يمس ماءً للغسل. والثاني: وهو الراجح عند جماعة: أنَّ المراد أنَّه كان في بعض الأوقات لا يمس ماءً أصلًا؛ لبيان الجواز، إذ لو واظب عليه؛ لتوهم وجوبه. واختلف العلماء في علة شرعية الوضوء للجنب قبل أن ينام؟ فقال أصحاب الشافعي: لتخفيف الحدث؛ فإنَّه يرفعه عن أعضاء الوضوء. وقال غيرهم: علته أن يثبت على إحدى الطهارتين؛ خشية الموت في منامه. وقيل: بل لعلة أَنْ ينشطَ إلى الغسل؛ إذ نال الماء أعضاءه. وبنوا على هاتين: وضوء الحائض إذا أرادت النوم: فَمَنْ عَلَّلَ بالنوم على إحدى الطهارتين: استحبه لها. ومن عَلَّلَ بحصول النشاط: لم يستحبه؛ لعدم حصول رفع الحيض، فلا يؤثر في حدثها. وقد نصَّ الشَّافعي، وأصحابه: على أنَّه لا يستحب الوضوء للحائض،

стр. 211

والنفساء، فيحتمل أنهم راعوا العلة الثانية من العلتين، ويحتمل أنهم لم يراعوها، ورأوا أنَّ أمر الجنب به تعبّد لا يقاس عليه غيره، أمَّا إذا انقطع دم الحائض والنفساء، صارتا كالجنب، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، امْرَأَةُ أَبي طَلْحَةَ إلى رَسولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ! إن اللهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ إذا رَأَتِ الماءَ" (١). أمَّا أم سلمة: فهي أُمُّ المؤمنين هند، وقيل: رَمْلَة، وليس بشيء، بنةُ أبي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ، ويقال: سُهيل بن المغيرة بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ مخزومِ بنِ يقظة بنِ مُرَّةَ، المخزوميَّةُ. كانت قبل النبي ﷺ عند أبي سلمةَ عبدِ الله بنِ عبدِ الأسد. أَمُّها: عاتكةُ بنتُ عامرِ بنِ ربيعة. تزوَّجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث بعد وقعة بدر. هاجرت الهجرتين: هجرةَ الحبشة، والمدينة. رَوي لها عن رسول الله ﷺ : ثلاثُ مئةٍ وثمانيةٌ وسبعون حديثًا؛ اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها. رَوى عنها: ابنُها عمر، وابنتُها زينبُ، وجماعة من التابعين. ورَوى لها -أيضًا-: أصحابُ السننِ والمسانِد. وتوفيت سنةَ تسعٍ وخمسين، وقيل: سنة ستين؛ لثمانٍ بقين من رجب في

стр. 212

اليوم الذي مات فيه معاوية، ووُلِّي فيه ابنُه يزيد، وقال ابنُ حِبَّان: سنةَ إحدى وستين. وصَلَّى عليها أبو هريرةَ، وقيل: سعيد بن زيد أحدُ العشرة، وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّه توفي سنة إحدى وخمسين، وماتت هي سنة إحدى وستين، أو بعدها؛ كما تقدم، والله أعلم. ودُفِنَتْ بالبقيع؛ بلا خلاف، ودخل قبرَها ابناها عمرُ وسلمةُ، وابن أخيها عبد الله بن أبي حذيفة (١). وأمَّا أم سُلَيْم: فهي أُمُّ أنسِ بنِ مالكٍ، وتقدم ذكرها في أول باب الاستطابة في ترجمته، وأنَّ اسمها الغُمَيْصَاء، وقيل غيره، وكانت من فاضلات الصحابة، ومشهوراتهن، وهي أختُ أمِّ حَرَام بنِ مِلْحَان ﵂. رُويَ لها عن رسول الله ﷺ : أربعة عشر حديثًا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري آخر، ولمسلم حديثان. روى عنها: ابنُها أنس، وعبدُ الله بن عباس. وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وأمَّا زوجُها أبو طلحةَ، فاسمه: زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حَرامِ بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ. شهد العقبةَ، وبدرًا، وأحدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وهو نقيب. رُوي له عن رسول الله ﷺ : اثنان وتسعون حديثًا؛ اتفق البخاري، مسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. رَوى عنه: عبدُ الله بن عباس، وأنسُ بن مالك، وزيدُ بن خالد، وابنُه:

стр. 213

عبد الله، وابنُ ابنه: إسحاق بنُ عبدِ الله، وغيرُهم. روى له أصحاب السنن والمساند. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وسنُّه: سبعون سنة، وصلَّى عليه عثمان بن عفان. وقيل: مات بالشَّام، وعاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم. ورُوي أنَّه غزا البحر؛ فمات فيه. قال أبو حاتم بن حِبَّان: وكان فارسَ رسولِ الله ﷺ ، وقتَلَ يومَ حنينٍ عشرين رجلًا بيده، وهو القائل: أَنَا أَبُو طَلْحَةَ، واسْمِي زيدُ ... وُكُلَّ يَوْمٍ في سِلاَحِي صَيْدُ (١) وأمَّا لفظه: فقولها: "إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ"، يقال: استحيا -بياء قبل الألف- في الماضي، يستحيي -بياءين- في المضارع، ويقال فيه: يستحي بياء واحدة. ومعناه: أن الله لا يمتنع من بيان الحق، وضربِ المثل بالبعوضة، وبيتِ العنكبوت؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]؛ فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عمَّا أنا محتاجةٌ إليه. وقيل معناه: إنَّ الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه؛ وإنَّما قالت ذلك بين يدي سؤالها عمَّا دعتها الحاجة إليه في الدِّين؛ ممَّا تستحيي النساء عن السؤال عنه عادةً، وذِكْرِه بحضرةِ الرِّجال؛ فالامتناعُ من ذلك ليس بحياء حقيقي؛ لأنَّ الحياء خيرٌ كله، ولا يأتي إلَّا بخير، وذلك ليس بخير، بل هو شر؛ فلا يكون

стр. 214

حياءً حقيقيًّا؛ بل هو مجازي طبعي، يسمَّى خَوَرًا. وقد قالت عائشة ﵂: نِعْمَ النسَاءُ نساءُ الأنصارِ؛ لم يمنعهُنَّ الحياءُ أَنْ يتفقهنَ في الدِّين (١). وقد يقال: إنها تعتذر من المطلوب -عادة- بالحياء، في الإثباث؛ لا في النفي؛ كما ثبت: "إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ" (٢)، فأمَّا في النفي؛ فالمستحيلات تبقى، ولا يشترط فيه أن يكونَ ممكنًا. وأُجيبَ بأنَّه: لم يردْ على النفي مطلقًا، بل على أحيا من الحق؛ فمن حيث المفهوم يقتضي: أنَّه يستحيي من غير الحق؛ فيعود من جنبه إلى جانب الإثبات. والذي يحسنُ العذر: أن يأتيَ رافعًا للمعتذر عنه إذا كان متأخرًا، مستقبلًا للنفس، متأثرة بقبحه. أمَّا أن يكون دافعًا له، فلا؛ بأن يكونَ متقدمًا على المعتذَر منه، مدركًا للنفس، صافيًا من العتب، والذي في الحديث من الثاني؛ لكنَّه بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى مطلوب الحق، والله أعلم. ثم في الكلام حذف؛ تقديره: إن الله لا يستحيي من ذكر الحق، وبيانه كما تقدم شرحه. والحق -هنا-، خلافُ الباطل، والمقصود: الاقتداء بفعل الله تعالى في ذلك بذكر الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. وقولها: "هلْ على المرأةِ من غُسْلٍ إذا هي احتلمَتْ؟ ". لفظة هي؛ تأكيد وتحقيق، لو أُسقطت من الكلام، لتمَّ أصل المعنى. والاحتلام -في الوضع-: افتعال من الحُلْم -بضم الحاء، وسكون اللام-،

стр. 215

وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلَم بفتح اللام، واحتلَم، واحتَلَمْتُ به، واحتَلَمْتُه (١). وقد خص هذا الموضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزالُ الماء، فلو رأى غير ذلك؛ لصحَّ أن يقال له: احتلم وضعًا، ولم يصح عرفًا. وقوله ﷺ : "نَعَم؛ إذَا رَأَتِ الماءَ". لما كان الاحتلام مستعملًا في رؤية المنام من غير إنزال، وتارة يستعمل مع الإنزال؛ حسن السؤال مستعملًا عن حكمه الشرعي؛ ليتبين من أصل وضعه الذي هو في أصل اللغة. وحسُن الجوابُ مقيدًا بالإنزال؛ وهو قوله: "إذا رأتِ الماءَ"، ووصف الإنزالِ بالرؤية يحتمل النزولَ من الصلبِ، أو الترائبِ إلى باطن الفرج من غير خروج إلى ظاهره. لكنه يعكر على البِكْر في عدم وجوب الغسل عليها بذلك. ولا يعكر على الثيِّبِ؛ فإنه يجب عليها بخروجه إلى باطن فرجها؛ وهو الموضع الذي يجب عليها غسلُه في الجنابة، والاستنجاء، الذي يظهر حالَ قعودها لقضاء الحاجة، وإن لم يبرز إلى ظاهره. فعلى هذا تكون الرؤية بمعنى: العِلْم؛ كأنَّه يقول: إذا علمتِ خروجَ الماء، فيجب عليكِ الغسل، والله أعلم. ثم اعلم أنَّه: يجب الغسل على المرأة بالإنزال؛ وكذلك الرجل، والدليل على ذلك؛ قوله ﷺ : "إِنَّما الماءُ منَ الماءِ" (٢). فيُحتَمَل أنَّ أمَّ سُلَيم ﵂ لم تسمع ذلك، فسألت عن ذلك؛
следующие страницы →