الاستثناء في جميع الأشياء، كما أجمعوا عليها في اليمين بالله ، فلا يحنث في طلاق ولا عتق، ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره، ولا غير ذلك فيما يتصل به قوله: إن شاء الله تعالى، وهو مشكل جدًّا.
وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك إلَّا باليمين بالله تعالى، واختلف السلف في أن الاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، هل يشترط اتصاله أم لا؟
ومن قال: لا يشترط اتصاله، اختلفوا في المدة التي يجوز انفصاله إليها؛ فعن ابن عباس ﵄: له الاستثناء أبدًا متى تذكره، وعن بعضهم: له الاستثناء سنة أو سنتين، وروي عن مجاهد، وعن سعيد بن جبير: يجوز بعد أربعة أشهر، وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين: له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حَلْبِه ناقة.
وهذه المذاهب كلها مرجوحة متأولة على جواز التبرك باستحباب قول: إن شاء الله، لمن حلف على فعل مستقبل؛ لقوله : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث.
ومنها: أن الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ، ولا يكفي فيه النية؛ لقوله ﷺ : "لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لم يحنثْ"، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأَحمد، والعلماء كافة.
وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحةُ الاستثناء بالنية من غير لفظ.
ومنها: أن الكناية في اليمين مع النية، كالصريح في حكم اليمين؛ لأن النَّبِيّ ﷺ حكى عن سليمان - ﵇ -: أنَّه قال: "لأطوفنَّ"، وليس فيه التصريح باسم الله ، ولكنه مقدر لأجل اللام التي دخلت على قوله "لأطوفنَّ"، فإن كان قد قيل بذلك، وأن اليمين تنعقد بمثله، فالحديث حجة لمن قاله، وإن لم يكن، فيحتاج إلى تأويله، وتقدير التلفظ باسم الله في المحكي، وإن كان ساقطًا في الحكاية.
стр. 1507
وهذا ليس بمستبشع فيها؛ فإن من قال: والله لأطوفن، فقد قال: لأطوفن؛ فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد.
ومنها: جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على الظن؛ فإن إخبار سليمان ﷺ بقوله: "تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا" لا يجوز أن يكون عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره. والله أعلم.
وأجاز بعض فقهاء الشافعية الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط أَبيه، وجوزوا العمل به واعتماده، في أصح الوجهين عندهم، وجوز بعضهم العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة.
وذكر بعض المالكية ذلك احتمالًا، وترددوا في نقل خلاف في اليمين على الظن، وهو محتمل لوجهين.
وقد يتمسك بالحديث على أن الاستثناء إذا اتصل باليمين في اللفظ: أنَّه يثبت حكمه، وإن لم ينو من أول لفظ اليمين؛ حيث إن الملك قال له: "قل إن شاء الله" بعد فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه، لما أفاد قوله.
لكن يمكن جعلُ قوله تأدبًا، لا لرفع اليمين، فلا يكون حجة. ومتى وجد الاحتمال، سقط الاستدلال، والله أعلم.
ومنها: جواز استعمال "لو" و"لولا"؛ لقوله ﷺ : "لو قالَ: إن شاء الله، لم يحنث" إلى آخره.
وقد ترجم البُخَارِيّ عليه فقال: باب ما يجوزُ من اللَّو، وأدخل فيه قولَ لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود: ٨٠]، وقولَ النَّبِيّ ﷺ : "لو كنتُ راجمًا بغير بينة، لرجمتُ هذه" و"لو مُدَّ لي الشهرُ لواصلتُ"، "ولولا حدثانُ قومِكِ بالكفرِ، لأتممتُ البيتَ على قواعدِ إبراهيم" و"لولا الهجرةُ، لكنت امرأً من الأنصارِ"، وأمثال هذا (١).
стр. 1508
قال القاضي عياض ﵀: والذي ينفهم من ترجمة البُخَارِيّ وما ذكره في الباب من القرآن والآثار: أنَّه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون من الاستقبال مما امتنع من فعله لا متناع غيره، وفيما هو من باب الممتنع فعله لوجود غيره، وهو من باب لولا؛ لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حق صحيح مستيقن؛ كحديث: "لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً من الأَنصار" (١)، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق (٢).
وقد ثبت في الحديث الصحيح قولُه ﷺ : "ولو أصابَكَ شيءٌ فلا تقلْ: لو أَنِّي فعلتُ كذا لكانَ كذا، ولكنْ قلْ: قَدَّرَ اللُّهُ وما شاءَ فعلَ" (٣).
قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب، أنَّه لو كان كذا، لكان كذا من ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، وخفي علمُه علينا، فأما إذا قاله على التسليم، وردَّ الأمرَ إلى المشيئة، فلا كراهة فيه.
قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن (لولا) بخلاف (لو)، قال القاضي: والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يُحط به الإنسانُ علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما؛ مما هو يحكم على الغيب، أو اعتراض على القدر؛ كما نبه عليه في الحديث. ومثل قول المنافقين: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] و ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، و ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فرد الله عليهم باطلهم، فقال: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨]، فمثل هذا هو المنهي عنه، أما هذا الذي نحن فيه، فإنما أخبر النَّبِيّ ﷺ فيه عن يقين نفسه: أن
стр. 1509
سليمان لو قال: "إن شاءَ الله"، لم يحنث، ولجاهدوا؛ إذ ليس فيه مما يدرك بالظن والاجتهاد، وإنما أخبر عن حقيقة أعلمه الله تعالى بها، وهو نحو قوله ﷺ : "لولا بنو إسرائيلَ لم يَخْنَزِ اللحمُ، ولولا حَوَّاءُ لم تَخُنْ أنثى زوجَها" (١)، فلا معارضة بين هذا وبين حديث النهي عن (لو).
وقد قال الله : ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا﴾ [الأنعام:٢٨] وكذا ما جاء من (لولا)؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨]، ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤]؛ لأن الله تعالى مخبر في كل ذلك عما مضى، أو يأتي عن علم خبرًا قطعيًّا، فكل ما يكون من (لو) و (لولا) ما يخبر به الإنسان عن علمه امتناعه من فعله، مما يكون فعله في قدرته، فلا كراهة فيه؛ لأنه إخبار حقيقة عن امتناع شيء لسبب شيء، أو حصول شيء لامتناع شيء.
وتأتي (لولا) غالبًا لبيان السبب الموجب، أو النافي، فلا كراهة في كل ما كان من هذا الأمر، إلَّا أن يكون كاذبًا في ذلك؛ كقول المنافقين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، والله أعلم (٢).
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلفَ عَلَى يَمينٍ صَبْرٍ يَقْتَطعُ بِها مَالَ امْرِيٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ
стр. 1510
غَضْبَانُ"، ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية (١).
أما اليمين الصَّبْر؛ فهي التي يحبسُ الحالفُ نفسَه عن اليمين بها كاذبةً غيرَ مبال بها، وكأنه يحبس نفسه على أمر عظيم، وهي اليمين الحانثة، ويقال لمثلها: اليمين الغَموس -أَيضًا-.
وأما الآية الكريمة؛ فاختلف في سبب نزولها على روايات، أشهرها: ما ذكره المفسرون: أنها نزلت في رؤوس اليهود لما كتموا ما عَهِدَ الله إليهم في التوراة في شأن محمَّد ﷺ ، وبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنَّه من عند الله؛ لئلا يفوتهم المأكل والدعوة والرشا التي كانت عليهم من أتباعهم، وهذا قول عطاء.
ولما كان من حلف على مال الغير، وأكلَه بالباطل ظلمًا وعدوانًا، واستخفافًا بحرمة اليمين بالله تعالى، كان ذلك أبلغَ في الوعيد الشديد لفاعله.
وهذا الحديث بهذا المعنى يترجح به قول من ذهب من المفسرين إلى نزول الآية فيه.
ولا شك أن بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر يحصل للصحابة ﵃ بقرائن تختلف بالقضايا، حتَّى قال بعض العلماء: تفسير الصحابي مرفوع مطلقًا؛ لأنهم أعلم بتنزيل الوحي ومواقعه وأسبابه.
والصحيح: أن ما كان متعلقًا من التفسير بسبب نزول آية، أو تقديم حكم أو تأخيره، فهو مرفوع، وغيره موقوف، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: تعظيم المنع من اليمين الكاذبة والفجور بها، والوعيد الشديد لفاعلها.
وفيه: تعظيم حرمة مال المسلم وإن قل، وعصمته.
стр. 1511
وفيه: تفخيم حرمة المسلم؛ فإن أعراضه إذا كانت بهذه المثابة، فما ظنك بحرمة بدنه ودينه وغير ذلك؟!
وفيه: تعظيم للقسم باللهِ مطلقًا، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنِ الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبينَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، قُلْتُ: إذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ لِيَقْتَطعَ بِهَا مَالَ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (١).
[أما] الأشعثُ بن قيس؛ فكنيته أبو مُحَمَّد بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث الأصغر بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مربع بن معاوية بن ثور بن غفير بن عدي بن مرة بن أدد بن زيد الكندي. وكندة هم ولد ثور بن غفير.
قدم على رسول الله ﷺ سنة عشر في وفد كندة في ستين راكبًا من كندة، وكان رئيسهم، فأسلم وأسلموا، وكان في الجاهلية رئيسًا مطاعًا في كندة، وكان في الإِسلام وجيهًا في قومه.
وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: شهدت جنازة فيها جرير والأشعث، فقدَّم الأشعثُ جريرًا، وقال: إنِّي ارتددت ولم يرتدَّ، وتزوج أم فروة بنةَ أبي قُحافة أختَ أبي بكر الصديق، وهي أم محمَّد بنِ الأشعث الذي كني به، وكان سبب تزوجه بها، أنَّه لما مات النَّبِيّ ﷺ ، ارتد عن الإِسلام، ثم راجعه
стр. 1512
في خلافة أبي بكر الصديق، وأتى به أبو بكر أسيرًا في الحديد، وهو يكلمه، وهو يقول له: فعلت وفعلت، وآخر ما قال الأشعث لأبي بكر: استبقني لحربك، وزوجني أختك، ففعل أبو بكر، وكان من خبره لما قدم هو وقومه على رسول الله ﷺ : أنَّهم قالوا: يَا رسول الله! نحن بنو آكل المراد، وأنت ابنُ آكل المراد، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: "نحن بنو النَّضْرِ بنِ كِنانةَ لا نقفو أمَّنا، ولا ننتفي من أَبينا" (١).
وخرج إلى العراق في خلافة عمر مع سعد، وشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، واختط بالكوفة دارًا في كندة، ونزلها، وشهد تحكيم الحكمين، وكان آخر شهود الكتاب.
روي له عن رسول الله ﷺ تسعةُ أحاديث، اتفق البُخَارِيّ ومسلم على هذا الحديث.
وروى عنه: أبو وائل شقيقُ بن سلمة، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وجمع من التابعين.
وروى له: أصحاب السنن والمساند.
ومات بالكوفة بعد مقتل علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- بأربعين ليلة سنة أربعين، وقيل: مات قبل قتل علي بيسير، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، ودفن بداره بالكوفة.
قال الهيثم بن عدي: صلى عليه الحسن بن عليّ ﵁ (٢).
стр. 1513
وأما الرَّجل الذي بينه وبينه خصومة؛ فاسمه: الجفشيش، بالجيم، وقيل: بالحاء المهملة، وقيل: بالخاء المعجمة، ثم بالفاء ثم بالشينين المعجمتين بينهما ياء مثناة تحت، وبفتح أوله على الأوجه كلها.
وهو صحابي فيما ذكره الطَّبرَانِيّ (١)، وكنيته أبو الخير، فيما ذكره أبو حاتم الرَّازيّ (٢).
وتقدم الكلام في الحديث قبله على ما يتعلق به.
وفي الحديث هذا قول رسول الله ﷺ : "شاهداكَ أو يمينُه"، ولا شك أنَّه يقتضي حصرًا أنَّه ليس للمدعي على المدعى عليه من الإنكار إلَّا اليمين، ولا يستحق عليه بعدها شيئًا إلَّا ببينة يقيمها المدعي، فكأنه ﷺ نفى أن يكون لإثبات الحق طريق غير البينة أو اليمين، فاقتضى حصر الحجة فيهما، إلَّا أن قوله: "شاهداكَ أو يمينُه" يقتضي ذكرهما بأو أن أحد السببين هو المثبت على الانفراد، لا على الاجتماع بالنسبة إلى كل واحد من الخصمين.
وهذا الكلام قليل النفع بالنسبة إلى المناظرة، وفهم مقاصد الكلام قاعدة صحيحة نافعة للناظر في نفسه، غير أن المناظر جدلًا قد ينازع في المفهوم، ويعسر تقريره عليه.
وقد تعلق بهذا الكلام مسألتان:
إحداهما: ترك العمل بالشاهد واليمين، وهو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه.
وخالفهم الشَّافعيّ ومن قال بقوله.
الثَّانية: إذا ادعى على غريمه شيئًا، فأنكره، وأحلفه، ثم أراد إقامة البينة بعد الإحلاف، فله ذلك عند الشافعية، وعند المالكية؛ ليس له ذلك إلَّا أن يأتي بعذر في ترك إقامة البينة يتوجه له، متمسكين بقوله ﷺ : "شاهداكَ أو يمينُه"، وفي
стр. 1514
حديث آخر: "ليسَ لهُ إلَّا ذلكَ، أو يمينُه"، وهو راجع إلى ما ذكرناه.
وفي الحديث دليل؛ على أن الخصم إذا قال في خصمه كلامًا يلزم منه عدم مبالاته بالقسم باللهِ للحاكم، أنَّه لا يُعزر، وإنما يُذكر له عقوبةُ من فعل ما قاله له في الآخرة من غضب الربِّ .
وفيه دليل: على أن أحكام الدنيا المتنازَعَ فيها متعلقُها الظاهر، دون بواطنها، والله أعلم.
وفي دليل: على أن الحاكم أو المفتي إذا ذكر حكمًا من أحكام الشرع الدنيوية والأخروية، أن يستوفي شرائطَ الحكم بذكرها؛ لقوله ﷺ : "من حلفَ على يمينٍ صبرٍ يقتطعُ بها مالَ أمريءٍ مسلمٍ، هو فيها فاجرٌ، لقيَ اللهَ وهو عليه غضبانُ"، فذكر ﷺ في الشروط الاقتطاع بغير حق، وكونه مال معصوم، وكون الحالف فاجرًا في يمينه، ثم ذكر الحكم، وهو غضب الله تعالى، يعني: عليه، نعوذ بالله من غضب الله.
وهذا الحكم مشروط بعدم التوبة الشرعية، أما إذا تاب بشروطها؛ من الندمِ، والإقلاع، والعزمِ على عدمِ العود إلى المعصية، والاستحلالِ منها إن كان صاحبها موجودًا، والكفارةِ إن كان لها كفارة، فإن ذلك كله سبب لرضا الرب ، والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ ﵁: أنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشجَرة، وَأَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غيرِ الإسْلَامِ كَاذِبًا مُتعمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتل نَفسَهُ بشِيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَملِكُهُ (١).
стр. 1515
وَفي رِوَايةٍ: "ولَعنُ المُؤمنِ كَقَتلِهِ" (١).
وَفِي رِوَايةٍ: "مَنِ ادَّعَى دَعوَى كَاذِبةً لِيَتَكثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللهُ بِهَا إلَّا قِلَّةً" (٢).
أما ثابت بن الضحاك؛ فكنيته: أبو زيد، اتفقوا على أنَّه أنصاريُّ من الخزرج، واختلف في نسبه إليهم، فقال أبو عمر النمري في "استيعابه": ثابت بن الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن خيثم بن مالك بن سالم بن عمرو بن عوف بن الخزرج.
وقال أبو حاتم بن حبان: ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل بن خيثم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج.
وقد ذكر أبو عمر ما ذكره ابن حبان، صحابيًّا آخر، فكأنه التبس على ابن حبان؛ لأنهما اتفقا على أنَّه أخو أبي جبيرة بن الضحاك، وأنه من أصحاب الشجرة.
قال أبو عمر: وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعةَ الرِّضوان وهو صغير، وأردفه رسول الله ﷺ يومَ الخندق، وكان دليله إلى حمراءِ الأسد، هذا آخر كلامه.
روي له عن رسول الله ﷺ أربعة عشر حديثًا، اتفقا على حديث واحد، ولمسلم آخر، روى عنه أبو قلابة الجرمي، وعبد الله بن معقل بن مقرن المزني، وكان ممن سكن البصرة، وروى عنه أهلها.
روى له أصحاب السنن والمساند، ومات سنة خمس وأربعين، وقيل: مات في فتنة ابن الزُّبير، وقال الحاكم أبو أَحْمد: إنه قتل بمرج راهط في الفتنة، سنة أربع وستين (٣).
стр. 1516
أما حقيقة الحلف، فهي القسم بالشيء بإدخال بعض حروف القسم عليه؛ كقوله: والرحمنِ، والله أعلم.
وقد أطلق الفقهاء اليمين على التعليق بالشيء؛ كقولهم: حلف بالطلاق على كذا، ومرادهم: تعليق الطلاق به، وهو مجاز؛ لشبهة اليمين في اقتضاء الحنث أو المنع، فلما كان التعليق باليمين مقتضيًا ذلك، أطلق عليه قوله ﷺ : "من حلفَ على يمينٍ بملةٍ غيرِ الإِسلامِ كاذبًا متعمدًا فهو كما قالَ".
فقوله: "بملةٍ غيرِ الإِسلام" يحتمل الإنشاء؛ كقوله: واليهودية، والنصرانية! ويحتمل التعليق؛ كقوله: إن فعلت كذا، فأنا يهودي أو نصراني، وهو الظاهر؛ لقوله: "كاذبًا متعمدًا"؛ إذ الكذب يدخل تحته القضية الإخبارية التي قد يقع مقتضاها وقد لا يقع. وأما الإنشائية؛ كقوله: والله!، وما أشبهه، فلا يتعلق بها كذب سوى تعظيم اليهودية أو النصرانية مثلًا بإنشاء الحلف بهما.
وتقدم الكلام على ذلك في الحديث الثالث من هذا الباب في النهي عن الحلف بالآباء مفصلًا، والله أعلم.
قوله ﷺ : "ومن قتلَ نفسَه بشيءٍ، عُذِّبَ بهِ يومَ القيامةِ".
أعلم أن الله لا تقاس أفعالُ العباد على أفعاله، ولا أحكامهم على أحكامه الخاصة به ، والله له حكمان:
أحدهما: تعلق العباد بذلك الحكم أمرًا ونهيًا، طلبًا ومنعًا.
والثاني: إيجادًا وتوقيفًا وقضاء وقدرًا.
فالأول متعلق بالمكلفين. والثاني: خاص برب المكلفين.
إذا ثبت هذا، فالخاص باللهِ لا مدخل لأحدٍ فيه، والمتعلق بالمكلفين لا مدخل لهم فيه سوى الوقوف عنده.
стр. 1517
ثم المتعلق بالمكلفين الذي يجب الوقوف عنده من الأمر والنهي، إنما تعلقه بهم في الدنيا، لا مدخل له في الآخرة سوى الجزاء عليه والمقابلة به، أو العفو عنه.
وقد يسمى المتعلق بالدنيا دينًا بالنسبة إلى وجوده فيها، بالنسبة إلى كونه غير طاعة، ولا يثاب عليه، وهو الذي قال فيه الصَّحَابَة ﵃ في حق أبي بكر الصديق ﵁ لما ارتضوه من الخلافة: من ارتضاه رسول الله ﷺ لديننا، وهو التقديم في الصلاة، أحرى أن نرتضيه لدنيانا، وهو الخلافة والقيام بأعباء الأمة وسياستها.
وقد يسمى المتعلق بالدنيا دينًا أخرويًّا بالنسبة إلى كونه طاعة مثابًا عليه صاحبه.
فهذا النوع تقاس عليه أمور الدنيا كما فعل الصَّحَابَة ﵃ في استخلاف الصديق؛ قياسًا على التقديم في الصلاة.
أما ما كان من أمور الآخرة محضًا؛ كالعذاب والثواب، والمقابلة والعفو، ونحو ذلك، فلا مدخل للقياس فيه، وإنما يجب الوقوف عنده على مورد النصوص والتوقيف.
إذا عرفت ذلك جميعه، فقوله ﷺ : "ومن قتلَ نفسَه بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيامة" هو من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية، لا من باب القياس للأمور الأخروية على الدنيوية؛ لأن أفعال الله تعالى المتعلقة بأحكامه في الأخرى تباين أفعالنا المتعلقة بأحكامه في الدنيا، فلا تشرع لنا في الدنيا أن نفعلها في الدنيا؛ كالتحريق بالنيران، والعذاب بالسباع والعقارب والحيات، وسقي الحميم المقطِّع للأمعاء، والذي يشرع لنا في الدنيا، إنما هو بطريق النصوص التي تدل عليها أحكامها، أو القياس على النصوص عند العلماء بالقياس الذي من شرطه أن يكون حكمًا مقيسًا عليه أصلًا، أما ما كان فعلًا لله في الدنيا، فلا يباح لنا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء بعبادة،
стр. 1518
ولا يحكم عليه، وليس لنا أن نفعل بهم إلَّا ما أذن لنا فيه بواسطة، أو بغير واسطة، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "وليسَ على رجلٍ نذرٌ فيما لا يملكُ": عدم الملك تارة يكون لعدم تصور (١) دخوله في الملك شرعًا، وتارة يكون لعدم تصور دخوله في الملك الآن حسًّا.
فالأول: لا يتعلق به النذر اتفاقًا؛ لأن الملك لا يتصرف فيه في وقت من الأوقات، ولا في حال من الحالات.
والثاني: مختلف فيه؛ نظرًا إلى وجود النذر وعدم الملك في تعلق النذر به وعدمه.
مثال الأول: لله عليَّ أن أتصدق بثمن خمر أو ميتة بيده، أو ما ربحته بسبب الربا، ونحو ذلك، فهذا لا يصح نذره، ولا يتعلق بالمنذور به وجوب؛ حيث نفى الشارع أن يكون على الرَّجل نذر فيما لا يملك، فيحمل النفي على عدم الصحة في النذر؛ لكونه لا يملك؛ ذلك لعدم دخوله في الملك شرعًا.
ومثال الثاني: في التصرفات الواقعة قبل الملك: كما لو نذر نذرًا متعلقًا بما لا يملكه في الحال، كما لو نذر عتق عبدِ غيرِه، أو باعه مثلَا قبل ملكه، فهذا لاغٍ بالاتفاق.
وحكي عن بعض العلماء أنَّه يصح في العتق إذا كان موسرًا، ويقوَّمُ عليه، ويعتق عليه، وقيل: إنه رجع عنه.
وبنى العلماء على هذه التصرفات المتعلقة بالملك؛ كتعليق الطلاق بالنكاح مثلًا قبل وجود النكاح، فالشافعي يلغي ذلك كالأول، ومالك وأبو حنيفة يعتبرانه.
وقد يستدل للشافعي بهذا الحديث وما يقاربه، ومخالفوه يحملونه على
стр. 1519
التخيير، أو يقولون بموجب الحديث؛ فإن التقييد إنما يقع بعد الملك، فالطلاق -مثلًا- لم يقع قبل الملك، فمن ها هنا يجيء القول بالموجب.
ولا شك أن الوفاء بالنذر قربة يجب الوفاء به عند وجود المعلق عليه، وهو الشرط؛ بخلاف الطلاق المعلق بالنكاح، وغير المعلق؛ فإنَّه في أصله غير قربة، بل هو مكروه، وتعليقه قبل النكاح أشد كراهة، ولهذا قال ﷺ : "أبغضُ الحلالِ إلى الله تعالى الطلاقُ" (١)، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "ولعنُ المؤمنِ كقتلِهِ" اللعنُ: هو دعاء بالقطع عن رحمة الله تعالى، والقتلُ: هو موتٌ وقطعٌ عن التصرفات، فقوله: "كقتله"، إما أن يراد به في أحكام الدنيا؛ من حيث إن القتل يوجب القصاص، وليس الأمر في لعنه المؤمنَ موجبًا للقصاص، فيحمل على أنَّه كقتله في الإثم، وهو من أحكام الآخرة، فإن أريد به التساوي في الإثم أو العقوبة، لم يتجه؛ لأن الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إذهاب الروح في المفسدة كمفسدة الأذى باللعنة، وكذلك العقاب بحسب الجرائم. قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وذلك دليل على التفاوت في العقاب والثواب، بحسب التفاوت في المصالح والمفاسد، فالخيور مصالح، والشرور مفاسد.
وإن أريد باللعن قطعَ منافعه الأخروية عنه، وبعدَه منها بإجابة لعنته، فهو مثل من قُتل في الدنيا وقُطعت عنه منافعه فيها، وإن أريد استواء اللعن بالقتل في أصل التحريم والإثم، [فهو يحتاج إلى تلخيص ونظر. ولا شك أن التحريم والإثم] (٢) متقاربان في المعنى؛ من حيث إن الإثم مترتب على فعل التحريم، فإن أريد الاستواء في أصل التحريم والإثم، فكل معصية قلت أو عظمت، مستويةٌ مع القتل فيه.
стр. 1520
لكن المفهوم من الحديث تعظيم أمر اللعنة؛ بتشبيهها بالقتل؛ للزجر عنها، وإن أريد الاستواء في المقدار، فقد تبين امتناعه؛ بدليل التفاوت في العقاب والثواب.
واعلم أن اللعنة قد تطلق على نفس الإبعاد، الذي هو فعل الله ، وهو الذي تقع به السُّبَّة، وقد يطلق على فعل اللاعن، وهو طلبه لإبعاد الله للشخص المسلم بقوله: لعنه الله -مثلًا-، أو بوصفه له بالإبعاد، بقوله: لعنه الله -مثلًا-، أو فلان ملعون.
وكل هذا ليس يقطع عن الرحمة بنفسه ما لم تتصل به الإجابة، فتكون تسببًا إلى قطع التصرف، فيكون نظير التسبب إلى القتل، فمباشرة القتل بالسبب الغامض؛ كالحز وغيره من مقدمات القتل، مفضٍ إلى القتل بمطرد العادة، فلو كان مباشرة اللعن مفضيًا إلى الإبعاد الذي هو اللعن دائمًا، لا يستوي اللعن مع مباشرة مقدمات القتل، أو زاد عليه، وليس كذلك، فافترقا.
وقد يقتضي اللعن له قصده إخراجه عن جماعة المسلمين؛ فإن الجماعة رحمة؛ كما لو قتله، فإن قصدَه إخراجه لا يستلزم إخراجه كما تستلزم مقدمات القتل، وذلك يقتضي قطعَ منافعه الأخروية عنه بإجابة دعوته؛ فإن ذلك لا يحصل إلَّا بها، وقد لا يجاب في كثير من الأوقات، فلا يحصل انقطاعه عن منافعه كما يحصل بها، ولا يستوي القصد إلى القطع بطلب الإجابة مع مباشرة مقدمات القتل المفضية إليه في مطرد العادة، لكن الممكن في تقرير الحديث ظاهرًا واستوائهما في الإثم: أن مجرد أذاه باللعنة مع قصد إجابة الدعاء فيه؛ بموافقة ساعة الإجابة؛ لقوله ﷺ : "لا تَدْعُوا على أنفسِكم، ولا تَدْعوا على أموالِكم، ولا تَدْعوا على أولادِكْم، لا توافِقوا ساعة" (١) الحديث هو المساوي للقتل أو أعظم منه؛ لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا، والإبعاد من رحمة الله
стр. 1521
تعالى أعظمُ ضررًا بما لا يحصى، وقد يكون أعظمُ الضررين -على سبيل الاحتمال- مساويًا أو مقاربًا لأخفهما على -سبيل التحقيق-، ومقادير المصالح والمفاسد، وأعدادهما أمرٌ لا سبيل إلى البشر إلى الاطلاع على حقائقه.
وقوله ﷺ : "من ادَّعى دَعْوى كاذبةً ليتكثَّرَ بها لم يزدْهُ اللهُ إلَّا قِلَّةً":
أعلم أن الادعاء لغير حاجة دينية صادقًا لا يُفعل؛ لأنه عبث لا مصلحة فيه، ويؤدي إلى التكثر، وهو ممنوع شرعًا؛ لأن التكثر لا يُشرع إلَّا على الكفار والمنافقين والمعاندين بالحق أو للحق، وما شاكل ذلك، فإن كان كاذبًا في دعواه متكثرًا، كان إثمه حرامًا شديد التحريم، وإثمه أشد، وكان مع ذلك سببًا لقلة فاعله، مراغمة لقصده وكذبه وتكثره، وقد تكون القلة لمجرد الإثم الحاصل له بسبب دعواه كذبًا وتكثرًا، وقد يكون أمرًا زائدًا على ذلك؛ حيث إن النفس حقيرة مزدولة مقامها ذلك، فهذا قصدت ضد ذلك، حصل لها الإثم المترتب على التحريم بالكذب والتكثر الموجبين للقلة الشرعية، وحصلت الزيادة عليها في القلة بقصد ذلك، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: تحريم الحلف بملة غير الإِسلام؛ كاليهودية والنصرانية ونحوهما مطلقًا، وكذلك تعليق الحلف بهما.
وتقدم ذكر الكفارة فيه وعدمها، وسواء في التعليق بهما تعليقه بالمستقبل أو الماضي في التحريم.
وأما الكفارة، فإن كان مستقبلًا، لم تتعلق به كفارة عند المالكية والشافعية، ويتعلق به عند الحنفية.
وأما في الكفر، فإن قصد الحلف بها تعظيمًا، فهو كفر عندهم؛ حيث أقدم على الحلف بها، وذلك متضمن الرضا بالكفر فيكون كفرًا.
وقد اختلف الحنفية في الكفر بالحلف معلقًا على الماضي، فقيل: لا يكفر
стр. 1522
اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يكفر؛ لأنه يتخير معنى، فصار كما لو قال: هو يهودي أو نصراني.
والصحيح عندهم: أنَّه لا يكفر فيما قاله بعضهم فيهما: إن كان يعلم أنَّه يمين، وإن كان عنده أنَّه يكفر بالحلف به، كفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر؛ حيث أقدم على الفعل، والله أعلم.
ومنها: تحريم الجناية على نفسه بالقتل، وأنه يأثم بذلك؛ حيث إنها ليست ملكًا [له] وإنما هي ملك لله لا يتصرف فيها إلَّا بما أذن له فيه.
وقد تعلق المالكية بهذا الحديث على المماثلة في القصاص، فيُقتل بما قُتل به، محددًا كان أو غيره، خلافًا للحنفية، اقتداء بعقاب الله تعالى يوم القيامة لقاتل نفسه. وقد تقدم تقرير ما يتعلق بذلك قريبًا.
ومنها: منع النذر فيما لا يملك، لكن هل تجب عليه فيه كفارة يمين؛ فيه خلاف للعلماء:
قال الشَّافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وداود، وجمهور العلماء: لا تلزمه كفارة يمين ولا غيرها.
وقد روى مسلم في "صحيحه": أن النَّبِيّ ﷺ قال: "لا وفَاء لنذرٍ في معصيةٍ،
ولا فيما لا يملكُ العبدُ" (١)، وهو محمول على ما إذا أضاف النذرَ إلى معين ولا يملكه، بأن قال: [إن] شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق عبد فلان، أو أتصدق بثوبه، أو بداره، أو نحو ذلك.
فأما إذا التزم في الذمة شيئًا لا يملكه، فيصح نذره، بأن قال: [إن] شفى الله مريضي، فلله علي عتق رقبة، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإذا شفى مريضه، ثبت العتق في ذمته.
وقال أَحْمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها كفارةُ يمين؛ لحديث روي
стр. 1523
عن عمران بن الحصين وعائشةَ ﵃ عن النَّبِيّ ﷺ : أنَّه قال: "لا نذرَ في معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ يمين" (١)، وهو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وتقدم عدم الملك في النذر، والكلام عليه قريبًا، والله أعلم.
وفي "صحيح مسلم": أن النَّبِيّ ﷺ : قال: "كفارةُ النذرِ كفارةُ اليمينِ" (٢). وهذا مطلق في كل نذر، ولم يقل به أحد فيما روي عنه، وهو محمول عنده، وعند بعض أصحاب الشَّافعيّ على نذر المعصية.
وحمله جمهور الشافعية على نذر اللِّجاج، وهو أن يقول: إن كلمتُ زيدًا -مثلًا- فلله على كذا، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه.
وحمله مالك وكثيرون أو أكثرون، وجماعة من فقهاء أصحاب الحديث على النذر المطلق، فيدخل فيه جميع أنواع النذر، وقالوا: هو غير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزمه، ويين كفارة يمين، وهذا هو الراجح المختار، والله أعلم.
ومنها: تغليظ التحريم في لعن المؤمن ووجوب احترامه ورعايته؛ حيث إن الأيمان سبب للقرب من الله تعالى، وتقريب المؤمن هو سبب إيمانه، فمن قصد بعده من الله ، أو دعا به عليه، فقد راغم ما جعله الله تعالى سببًا لقربه. ومن راغم جعل الله ، فأقلُّ درجاته أن يكون فعلُه محرَّمًا، وإن لم يكن كفرًا مطلقًا، فهو مقيد، والله أعلم.
ومنها: تحريم الدعوى تكثرًا كاذبًا، وذمُّ التكثر والكذب، وتحريم تعاطي أسباب القلة المعنوية؛ حيث إن من لم يفعل ذلك، يزيده الله بسبب فعله القلة؛ مراغمة لقصده الكثرةَ غيرَ المأذون فيها، والله أعلم.
стр. 1524
باب النذر
النذر: واحد النذور، يقال: نذرت أنذِر وأنذُر -بكسر الذال وضمها - (١).
* * *
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي كنتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيّةِ أَنْ أَعْتكفَ لَيْلَةً -وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا- في المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٢).
تقدم أن الجاهلية ما قبل الإِسلام.
وقوله: "نذرتُ ليلة، وفي رواية: يومًا" لا اختلاف بينهما، فإن العرب تعبر بالليلة عن اليوم، لا سيما وقد ثبت التعبير بها في هذه الرواية.
وقوله ﷺ : "أَوْفِ بنذركَ"؛ استدل به على صحة نذر الكافر، وهو قول في مذهب الشَّافعيّ، والمشهور: أنَّه لا يصح؛ لأن الكافر ليس من أهل التزام القربة. ويتأول هذا القائل الحديث على أنَّه إنما أمره أن يأتي بعبادة مشابهة لما لزم في الصورة، وهو اعتكاف يوم، فأطلق عليها وفاء النذر؛ لمشابهتها إياه، ولأن المقصود قد حصل، وهو الإتيان بهذه العبادة.
стр. 1525
وفي هذا التأويل نظر؛ من حيث إن لفظ الشارع يحمل على الحقيقة الشرعية، لا على ما يشبهها في الصورة؛ فإن قوله ﷺ : "أَوْفِ بنذركَ"؛ المراد به: نذرك السابق، والوفاء أن يكون فيما شرع أو لزم.
وتقدم الكلام على هذا الحديث وتأويله وأحكامه وما يتعلق به في الاعتكاف مبسوطًا واضحًا.
واعلم أن أَبا داود، والنَّسائيّ رويا في هذا الحديث الأمر بالاعتكاف والصوم (١)، وذكر الصوم فيه ضعيف باتفاق الحفاظ والأئمة.
قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن بديل، وهو ضعيف الحديث، وقال: سمعت أَبا بكر النَّيْسَابُورِيّ يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثِّقات لم يذكروا الصوم، وابن بديل ضعيف (٢).
ويدل على صحة هذا الذي قالوه واتفقوا عليه: أن البُخَارِيّ ومسلما روياه في "صحيحيهما"، وليس فيه: وصوم، والله أعلم.
وفي الحديث: الوفاء بالنذر.
واعلم أن النذر على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة، فوجد ذلك، فيلزم الوفاء به.
والثاني: ما علق على شيء لقصد المنع أو الحث؛ كقوله: إن دخلت الدار، فعلي كذا.
وقد اختلفوا فيه، والشافعي يقول: إنه غير بين الوفاء بما نذر، وبين كفارة يمين، وهذا الذي يسمى: نذرَ اللجاج والغضب.
الثالث: ما ينذر من الطاعة من غير تعليق بشيء؛ كقوله: علي كذا، فالمشهور: وجوب الوفاء به، وهو المراد بقولهم: النذر المطلق، كقوله: لله
стр. 1526
علي نذر، وهو الذي يقول فيه مالك وكثيرون وبعض الفقهاء المحدثين: إنه مخير بين الوفاء بما يعينه، وبين كفارة يمين.
وفيه دليل على: أن الاعتكاف قُربة تلزم بالنذر، وفقهاء الشافعية تصرفوا فيما يلزم بالنذر المطلق من العبادات، وليس كل ما هو عبادة مثاب عليه، لازما بالنذر عندهم، ففائدة هذا الحديث من هذا الوجه: أن الاعتكاف من القسم الذي يلزم بالنذر.
وفيه دليل على: عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف؛ حيث قال: نذرت أن أعتكف ليلة.
وقد تقدم أنَّه مذهب الشَّافعيّ، وأن مالكًا وأبا حنيفة خالفاه فيه، وقالا باشتراطه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النبِي ﷺ : أنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: "إنَّهُ لا يَأتِي بِخَيْرِ، وإنَّما يُستَخرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (١).
نص الشَّافعيّ ﵀ على كراهة ابتداء النذر في الطاعة، وعلى وجوب الوفاء به.
أما كراهته؛ فللنهي عنه في هذا الحديث وغيره، وهو مذهب المالكية أَيضًا؛ لعموم النهي، ولأن النذر التزام إيجاب على نفسه من غير إيجاب الشرع، فكره؛ حيث إنه لا إيجاب إلَّا بالشرع، ولا التزام إلَّا به، فالالتزام نهى الشرع عنه، والوفاء وجب بالشرع؛ حيث قال ﷺ : "مَنْ نذرَ أن يطيعَ اللهَ فليطِعْهُ" (٢).
стр. 1527
وحمل بعضهم النهي على نذر يُقصد به تحصيل غرض، أو دفع مكروه؛ حيث إنه قال ﷺ في سياق الحديث: "وإنَّما يُستخرجُ به من البخيل"؛ نظرًا إلى أن المنذورات ودفعها إلى مواضعها إنما يكون لقصد ابتداء الشرع بها، وفي إخراجها، لا لما للناذر فيه حظ؛ فإن الذي يستخرج منه الشيء لإلزامه نفسه إياه بسبب هو أنشأه ليس هو كمن كان ابتداؤه وانتهاؤه أمر الشرع.
ولا شك أن القواعد التي ذكرها العلماء تُشْكل على هذا؛ حيث قالوا: إن وسيلة الطاعة طاعة، ووسيلة المعصية معصية، ويعظم قبح الوسيلة بحسب عظم المفسدة، وكذلك تعظم فضيلة الوسيلة بحسب عظم المصلحة.
ولما كان النذر وسيلة إلى التزام قربة، اقتضى أن يكون قربة، إلَّا أن الحديث دل على خلافه، لكن لما دلت القواعد على أن الوسائل تُعطى حكمَ المقاصد، اقتضى النهي في الحديث أن يكون مكروهًا لا محرمًا؛ لأنه إذا اجتمع في الوسائل والمقاصد الطاعة المحضة، اقتضى الطلب المحض؛ إما للوجوب، وإما للندب؛ على حسب موارد الشرع فيه، وإذا كان في الوسائل منع، وفي المقاصد طلب، اقتضى الكراهة في الوسائل دون المقاصد، وإذا كان فيها كلها المنع، اقتضى التحريم، فلا إشكال في القواعد، ولا في الحديث.
وفي الشرع كذلك نظائر في المناهي التي يترتب عليها الوجوب من الكفارات والغرامات، ونحو ذلك، وقد كان ﷺ إذا عمل عملًا، أثبته؛ حيث إن عمله كان بالشرع لا بالالتزام؛ لأن ما كان لله تعالى، ثبت، وشرع ثبوته، وما كان للحظ والنفس، لم يثبت، ولم يشرع ثبوته، وما كان بعضه بالحظ الشرعي، وبعضه بالنفس، كان مطلوبًا من حيث الحظ الشرعي، ممنوعًا من حيث النفس، فافهم ما حققته لك تجدْ ثمرته -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم.
وقد ذكر المازري في سبب النهي عن النذر احتمالين:
أحدهما: كون الناذر يصير ملتزمًا له، فيأتي به على سبيل التكلف من غير نشاط.
стр. 1528
الثاني: إتيانه به على سبيل المعاوضة، لا على سبيل القربة، فينتقص أجره للأمر الذي طلبه؛ فإن العبادة شأنها أن تكون لله متمحضة.
وذكر القاضي عياض احتمالًا ثالثًا؛ من حيث إن بعض الجهلة قد يظن أن النذر يرد القدر، ويمنع من حصول المقدَر، فنهى عنه؛ خوفًا من اعتقاد جاهل ذلك، وهذا يؤيده سياق الحديث الذي في "صحيح مسلم" في بعض طرقه: أنَّه ﷺ نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يردُّ من القدر شيئًا"، وفي رواية: "فإنَّ النذَر لا يُغني من القدر، وإنما يُستخرجُ به من البخيل" (١)، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "أنَّه لا يأتي بخير"؛ الباء في قوله: "بخير،: يحتمل أن تكون باء السببية؛ كأنه قال: لا يأتي بسبب خير في نفس الناذر وطبعه؛ فإن طلب القربة والطاعة من غير عوض، يحصل له وإن ترتب عليه خير، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير: حصول غرضه.
وقوله ﷺ : "إنما يُستخرجُ به من البخيل"، معناه: أنَّه لا يأتي بهذه القربة التي هي الوفاء بالنذر تطوعًا محضًا مبتدأَ به، وإنما يأتي به في مقابلة ما قصده؛ من طلب حاجته مما علق النذر عليها، وهذه صفة البخلاء أنَّهم لا يعوضون إلَّا في مقابلة معوض دنيوي، بخلاف الكرماء: فإنهم لا يفعلون أمرًا من إعطاء ومنع، إلَّا لمعوض أخروي، وقد جعل الشارع مقام ذلك الصدقات أمام الحاجات، والاستشفاء بالصدقات والرقى والدعوات، ومعلوم أن ذلك لا يكون معاوضة لله على مطلوب فاعله، وإنما يكون تقربًا بطريقة في طلب حاجته، نعم يجوز التعويض للآدميين في الرقى المشروعة ونحوها، وليس هذا من النذر في شيء، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل: على كراهة النذور، وأنها للتنزيه.
وفيه دليل: على إخلاص العمل وأسبابه لله تعالى، سواء كان بدنيًّا أو ماليًّا.
стр. 1529
وفيه دليل: على أن العمل الذي ليس بمخلص لله تعالى لا يأتي بخير مطلقًا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
وفيه دليل: على ذم البخل والبخلاء.
وفيه دليل: على أن من توقف مع الشرع في أعماله ونياته لا يسمى بخيلًا، بل هو الكريم حقيقة وشريعة، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عُقبةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: نَذَرَت أُختِي أَنَّ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ حَافِيةً، فَأَمَرَتنِي أَن أَسْتَفتيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلتَرْكَبْ" (١).
أما عقبة بن عامر؛ فتقدم ذكره.
وأما أخته؛ فهي: أم حِبان -بكسر الحاء المهملة-، بنتُ عامر بن نابي، وأسلمت وبايعت، ذكر ذلك الأمير أبو نصر علي بن ماكولا في "المختلف والمؤتلف" عن مُحَمَّد بن سعد، وحكاه عنه أبو القاسم بن بشكوال في "مبهماته"، قال: ولم يذكرها أبو عمر بن عبد البر في الصَّحَابَة، وهي من شرطه، والله أعلم (٢).
أما قوله ﷺ : "لِتمشِ ولتركبْ"؛ فمعناه: تمشي في وقت قدرتها على المشي، وتركب إذا عجزت عن المشي، ولحقتها مشقة ظاهرة، فتركب، وعليها دم، وقد روى أبو داود في "سننه" من رواية عكرمة عن ابن عباس: أن أخت
стр. 1530
عقبة بن عامر ﵃ نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النَّبِيّ ﷺ أن تركب وتهدي هديًا (١).
وفي رواية في "سنن أبي داود" -أَيضًا-، عن عقبة بن عامر قال: إن أختي نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ لغنيٌّ عن مشيِ أختِكَ، فلتركبْ ولِتُهْدِ بَدَنَةً" (٢).
وفي الحديث أحكام:
منها: صحة النذر إلى الذهاب إلى بيت الله الحرام، فإن نذره ماشيًا، لزمه الذهاب ماشيًا، لكن هل يلزمه الذهاب ماشيًا من المكان الذي نذر منه، أو من الميقات؛ فيه وجهان:
أحدهما: من المكان الذي نذر منه، إذا كان أبعد من الميقات؛ لأنه من نذر الذهاب إليه، لزمه قصده بحج أو عمرة بلا خلاف، فيلزمه الإحرام من ميقاته.
والثاني: يلزمه الذهاب ماشيًا من الميقات، إن لم يحرم قبله، وهو الأصح، فيحرم -أَيضًا- منه، إما بحج أو عمرة، ولا يجوز -على الوجهين- أن يترك المشي إلى أن يرمي في الحج ويفرغ من العمرة.
ومذهب مالك: أن نذر المشي إلى بيت الله الحرام لازم، سواء أطلقه أو علقه، فيحتاج إلى تأويل قوله ﷺ : "ولتركبْ"، فيمكن أن يحمل على حالة العجز عن المشي؛ فإنَّها تركب، فلو ركب من غير عذر، فقد أساء، وعليه دم، لأن كان لعذر، جاز.
وهل يلزمه دم؟ فيه قولان: أصحهما: يلزمه، والثاني: لا يلزمه، بل يستحب الدم.
стр. 1531
وأما نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ ، أو إلى المسجد الأقصى، فلا ينعقد على أصح القولين في مذهب الشَّافعيّ.
ولو نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد، لم يلزمه، بلا خلاف.
وأما المشي حافيا، فلا يصح نذره، ولا يلزم، اتفاقًا؛ حيث لم يقع التعبد به، والله أعلم.
ومنها: جواز النيابة والاستنابة في الاستفتاء، خصوصًا إذا كان المستنيب معذورًا؛ لعدم بروزه للنَّاس، أو مخالطته لهم، ونحو ذلك.
ومنها: أن من نذر الحج ماشيًا، فلم يطقه في بعض الأحوال: أنَّه يركب، وعليه دم؛ للحديث الذي ذكرناه عن أبي داود.
وأما البدنة؛ فإنَّها تطلق في اللغة على البعير والبقرة والواحد من الغنم، ولهذا؛ لو نذر أن يهدي شيئًا، لزمه ما يجزئ في الأضحية.
أما إذا نذر المشي إلى بيت الله، ولم يقل: الحرام، فإنَّه لا يلزمه المشي على المذهب، وقيل: يلزمه، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّهُ قَالَ: استَفتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أمِّهِ، تُوُفِّيَت قَبْلَ أَنْ تَقْضِيهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَاقضِهِ عَنْهَا" (١).
أما أم سعد بن عبادة؛ فاسمها: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وكانت من المبايعات، توفيت
стр. 1532
- ﵂ في سنة خمس من الهجرة (١).
وأما ابنها سعد بن عبادة؛ فكنيته: أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، ويقال: أبو الحباب: أنصاريٌّ خزرجيٌّ ساعديٌّ، وهو سيد بني الخزرج، ويقال له: سعد الخزرج، ابن عُبادة -بضم العين وتخفيف الباء- ابنِ دُليم -بضم الدال المهملة وفتح اللام ثم ياء مثناة تحت ساكنة ثم ميم- بنِ حارثة- بالحاء المهملة والثاء المثلثة- بن أبي حَزِيمة -بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي-، ويقال: أبي حليمة -باللام بدل الزاي- بنِ ثعلبةَ بنِ طريف بنِ الخزرج بن ساعدة بن كعبِ بنِ الخزرج أكبر.
كان ﵁ عفيفًا تقيًّا سيدًا جوادًا، وكان في الْأَنصار مقدمًا وجيهًا ذا سيادة ورئاسة، يعترف قومه له بها، ولم يكن في الخزرج والأوس أربعة مطعمون متوالدون يتوارثون في بيت واحد إلَّا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.
شهد سعدٌ العقبةَ وبدرًا في قول الأكثرين، وقيل: لم يشهدها، وشهد المشاهد كلها، وكان صاحب راية الْأَنصار في مشاهده كلها، وكان رسول الله ﷺ يزوره، ويدعو له، ويأكل طعامه.
روى عنه من الصَّحَابَة ﵃: ابنه قيس، وعبد الله بن عباس، وابنه سعيد -على قول من جعله صحابيًّا، وهو المشهور-، وأبو أُمامة أسعد بن سهل بن حنيف، ومن التابعين: سعيد بن المسيّب، والحسن البَصْرِيّ، وروايتهما عنه منقطعة؛ لتقدم وفاته، وتأخر مولدهما.
وروى له: الإِمام أَحْمد في "مسنده"، وأبو داود، والتِّرمذيّ، والنَّسائيّ، وابن ماجه.
وأجمعوا على أنَّه مات بالشَّام بحوران، واختلفوا في تاريخ وفاته:
فالمشهور: أنَّه مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: إحدى
стр. 1533
عشرة من الهجرة، في خلافة الصديق ﵁، وأجمع أهل دمشق الآن على أن قبره بغوطة دمشق بقرية يقال لها: المنيحة، وزرته مرارًا لقصد زيارة الموتى من الصَّحَابَة ﵃ اقتداءً بزيارة قبر الرسول ﷺ لأصحابه المدفونين ببقيع الغرقد وأحد، ولم يعرف أحد بحوران قبرًا لسعد بن عبادة، فيحتمل أنَّه مات بحوران، ودفن في المنيحة المذكورة، ويحتمل أن المنيحة كانت قديمًا داخلة في حدود حوران، ثم هجرت تلك الحدود، وصارت اليوم هذه الناحية مسماة بالغوطة؛ كالجولان والسواد من أرض حوران (١).
وذكر لي شيخنا العارف القدوة: أبو إسحاق إبراهيمُ بن الشيخ العارف أبي إبراهيم بن عبد الله المعروف والده بابن الأرمني -رحمهما الله تعالى-: أنَّه زار سعدًا مرارًا، وأنه اختلج في نفسه بعض المرات: هل هذا قبر سعد أم لا؟ فأخذته سِنَة، فإذا القبر قد انشقَّ من أعلاه، وإذا برجل طُوالٍ بدويٍّ ملثَّمٍ على كتفه رمحٌ، قد طلع من أعلاه وهو يقول: أنا سعد، قال: فأفقت، وعلمت أنَّه قبره، فقرأت شيئًا من القرآن العظيم، ودعوت وانصرفت، والله أعلم.
قوله: "في نذرٍ كانَ على أُمه"؛ هو نكرة في الإثبات، وهو لا يعم، ولم يبين في هذه الرواية ما كان النذر؟ ولا شك أن العبادات مالية وبدنية؛ فالمالية؛ كالزكاة والكفارة والنذر، والبدنية؛ كالصلاة والصوم، ومشترك بين البدنية والمالية؛ كالحج والجهاد، فاعلم أن المالية يجب قضاؤها من مال الميت، وتدخلها النيابة إجماعًا، وأما البدنية، ففيها خلاف، وهو مشكل دخول النيابة فيها.
стр. 1534
قال القاضي عياض ﵀: واختلفوا في نذر أم سعد هذا، فقيل: كان نذرًا مطلقًا، وقيل: كان صومًا، وقيل: كان عتقًا، وقيل: صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث جاءت في قصة أم سعد، قال: والأظهر أنَّه كان نذرًا في المال، أو نذرًا مبهمًا، ويعضده ما رواه الدارقطني من حديث مالك، فقال له: -يعني النَّبِيّ ﷺ : "اسق عنها الماء" (١).
وحديث الصوم معلل بالاختلاف في سنده ومتنه وكثرة اضطرابه، وذلك موجب ضعفه، وحديث من روى: "فاعتق عنها" (٢) موافق -أَيضًا -؛ لأن العتق من الأموال ليس فيه قطع بأنه كان عليها عتق، والله أعلم.
ووقع الإجماع على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن نذر معصية، أو مباحًا؛ كدخول السوق، لم ينعقد نذره، ولا كفارة عليه، وعند الشَّافعيّ وجمهور العلماء كما تقدم. وقال أَحْمد وطائفة: فيه كفارة يمين.
وفي هذا الحديث دليل لقضاء الحقوق الواجبة عن الميت، فإن كانت مالية، وجبت بلا خلاف عند الشافعية وطائفة. وتقدم ذلك، سواء أوصى بها أم لا؛ كديون الآدمي، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجب قضاء شيء من ذلك، إلَّا أن يوصي به، ولأصحاب مالك خلاف في الزكاة إذا لم يوص بها، والله أعلم.
واستدل أهل الظاهر بحديث سعد هذا: على أن الوارث يلزمه قضاء النذر والواجب على الميت إذا كان غير مالي، وإذا كان ماليًّا، ولم يخلف تركة.
ومذهب الشَّافعيّ وجمهور العلماء: أنَّه لا يلزمه ذلك، لكن يستحب، وأن الوارث لا يلزمه ذلك إلَّا بالتزامه، وحديث سعد محتمل لقضائه به متبرعًا، أو من
стр. 1535
تركتها، أو على طريق الاستحباب في برها، وليس فيه تصريح بالتزامه ذلك، فلا يبقى فيه دليل للوجوب، والله أعلم.
وفيه دليل: على بر الوالدين والأقارب بعد وفاتهم، والتوصل إلى إبراء ذممهم.
وفيه دليل: على سؤال أهل العلم عما يجهله الإنسان، أو لا يجهله، فيسأل للاستثبات، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ مِنْ تَوْبَتي أَنْ أَنْخِلَعَ من مَالِي صَدَقَةً إلَى اللهِ وَإِلى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيرٌ لَكَ" (١).
أما كعب بن مالك؛ فكنيته: أبو عبد الرَّحْمَن، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمَّد، ويقال: أبو بشير بنُ مالك بنِ أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأَنْصَارِيّ السلمي، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، وأنزل فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
شهد العقبة، واختلف في شهوده بدرًا، والصحيح: أنَّه لم يشهدها، وشهد أحدًا والمشاهد كلها، حاشا تبوك؛ فإنَّه تخلف عنها، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، آخى بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأَنْصار، وكان أحد شعراء رسول الله ﷺ الذين يردون الأذى عنه، وكان مجودًا مطبوعًا، قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، وعرف به، ثم أسلم، وهو معدود في المدنيين.
стр. 1536
ولما قال كعب بن مالك ﵁:
جاءتْ سخينةُ كي تغالبَ ربَّها ... ليغلبنَّ مغالبُ الغَلَّابِ
قال رسول الله ﷺ : "لقد شكركَ اللهُ يَا كعبُ على قولكَ" (١).
وكان شعراء المسلمين ثلاثة: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكان كعب يخوف الكفارَ الحرب، وعبدُ الله يعيرهم بالكفر، وكان حسان يقبل على الأنساب، فيما روي عن ابن سيرين، قال ابن سيرين: وأما شعراء المشركين، فعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزِّبَعْرَى، وأبو سفيان بن الحارث.
وروي لكعب عن رسول الله ﷺ ثمانون حديثًا، اتفق البُخَارِيّ ومسلم على ثلاثة أحاديث، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم حديثان، روى عنه من الصَّحَابَة: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو أُمامة الباهليّ، وروى عنه: بنوه: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرَّحْمَن، ومحمَّد؛ بنو كعب، وجماعة من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، وكان قد عمي في آخر عمره، مات بالمدينة في خلافة معاوية سنة خمسين، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن سبع وسبعين، وقيل: مات قبل الأربعين، والله أعلم (٢).
أعلم أن هذا الحديث مختصر من قصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة
стр. 1537
تبوك وتوبة الله عليه، وأنه قال للنبي ﷺ ذلك، وهذا القول من كعب إخبار عن نية قصد سيفعله ولم يقع بعد، فمنعه رسول الله ﷺ من ذلك قبل إيقاع ما عزم عليه بإمساك بعض ماله مبهمًا، على ما ثبت في "الصحيحين" في الكتاب وغيره، وروى أبو داود في "سننه" تعيين ذلك البعض بالثلث (١)، لكن في إسناده محمَّد بن إسحاق، وهو متكلم فيه، والأكثرون على ضعفه.
ولا شك أن الصدقة برهان لصاحبها في الوثوق بالله ، والتقرب إليه، والتعين بالحلف، ويترتب عليها هو الذنوب، ولهذا شرعت الكفارات المالية؛ لما فيها من صلاحية هو الذنوب، ويترتب عليها الثواب الحاصل بسببها، وقد تحصل الموازنة بامتحاء أثر الذنب، ودعاء من يتصدق عليه؛ فقد يكون دعاؤه سببًا لمحو الذنب.
ثم اعلم أن المأثور في الصدقات بالأموال على أنحاء: أقر كل واحد من الصَّحَابَة ﵃ على نحو قدر صبره ووثوقه بما يطلبه ويتعلق به، فكان الصديق ﵁ يأتي بجميع ماله، فيقبل منه، ولا يمنع من ذلك، وكان الفاروق ﵁ يؤمر بإمساك بعض ماله وإخراج بعضه، وكذلك كعب بن مالك فيما عزم عليه وقصده، وكذلك صاحب الحديقة والسحابة، اسقِ حديقة فلان، وأنه كان يتصدق بثلث ما يخرج منها، وينفق ثلثًا على نفسه وعياله، ويرد ثلثًا في أرضه، وقد فعل سعيد بن المسيّب ذلك فيما كان يأخذه من عطائه، لكنه قال في الثلث الثالث: وهذا أحفظ به مروءتي، أقامه مقام الثلث الذي رده صاحب الحديقة في أرضه، وكان رسول الله- ﷺ لا يدخر لغد شيئًا، فلما كثر العيال، ادخر لهم قوت سنة طمأنينة لهم وسكونًا لقلوبهم، وما ذاك جميعه إلَّا لاختلاف الأحوال والمقاصد في الإنفاق والإمساك، والله أعلم.
стр. 1538
وفي هذا الحديث دليل لقصد الخيرات والتصدق بجميع المال.
وفيه دليل: على المشاورة في النيات والمقاصد لأهل العلم والدين، والشفقة.
وفيه دليل: على أن التقريب إلى الله بمتابعة الرسول ﷺ تجوز إضافته إليهما، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩].
وفي الحديث: "مَنْ يطعِ اللهَ ورسولَه فقدْ رَشَد" (١)، وقول كعب في هذا الحديث: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله.
وفيه دليل: على أن إمساك ما يحتاج إليه من ماله أولى من إخراجه كله في الصدقة، وقد قسم العلماء ذلك بحسب اختلاف حال الإنسان في صبره، وما يجب عليه من نفقة العيال وغيرهم فيه، فإن كان لا يصبر على الإضاقة، كره له أن يتصدق بكل ماله، وإن كان ممن يصبر، لم يكره، وكذلك إن كان له عيال أو غيرهم ممن تجب نفقتهم، حرم عليه الصدقة بجميع ماله وإضاعتهم، وإلا فلا يحرم.
وفيه دليل: على أن الصدقة محبوبة في محو الذنوب، وقد كان رسول الله ﷺ يأمر بعض أصحاب الذنوب التي لا حد فيها ولا كفارة بالصدقة، وقال ﷺ : "والصدقةُ تطفىَ الخطيئةَ كما يطفىَ الماءُ النارَ" (٢).
واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن من نذر التصدق بكل ماله: أنَّه يكتفى منه بالثلث، والاستدلال به على هذا صعب؛ حيث إن اللفظ الذي أتى به
стр. 1539
كعب ليس فيه نذر، ولا تقييد لما يخرجه بثلث ولا غيره، بل قاله له ﷺ : "أمسك عليكَ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك"، ومجرد القصد إلى فعل الخير لا يوجب شيئًا، ولا يصير نذرًا، ولا هو تنجيز صدقة ولا إطلاق لحكم، ولا تعليق على أمر، كيف والتقيد بالثلث في الإذن في الحديث الذي ذكرناه ضعيف؛ كما بيناه؟ والله أعلم.
* * *
стр. 1540
باب القضاء
القضاء في أصل اللغة: إحكام الشيء، والفراغ منه. ويكون القضاء إمضاء الحكم، ومنه قوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤]. وسمي الحاكم: قاضيًا؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها، ويكون قضى بمعنى: أوجب، فيجوز أن يكون سمي قاضيًا؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه، وسمي حاكمًا؛ لمنعه الظلماء من الظلم.
والقضاء -بالمد-: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية؛ كغطاء وأغطية، واستقضي فلان: جُعل قاضيًا، وقَضَّى السلطانُ قاضيًا؛ أي: ولاه؛ كما يقال: أَمَّرَ أميرًا (١).
* * *
الحديث الأول
مَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ" (٢).
стр. 1541
وَفِي لَفْظٍ: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيْه أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ" (١).
اعلم أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
وأما قوله: وفي لفظٍ: "من عملَ عملًا ليسَ عليه أمرنا فهو رَدٌّ"؛ فظاهره أنه للبخاري ومسلم -أيضًا-، وقد أضافه شيخنا الحافظ أبو زكريا النواوي ﵀ في "الأربعين" له إلى مسلم خاصة، وأنكر عليه بعض المتأخرين ذلك، وقال: بل رواه -أيضًا- البخاري.
ولا شك أن البخاري ذكره في "صحيحه" معلقًا، والمعلق لا يطلق عليه رواية للبخاري؛ لأن الرواية لا تطلق إلا على المتصل، ولهذا قال شيخنا أبو زكريا -رحمه الله تعالى-: وفي رواية لمسلم، ولم يقل: وفي لفظ، ونحوه من العبارات التي تشعر بوجوده فيه من غير رواية متصلة؛ فإن ذكر اللفظ في الشيء غير ذكر الرواية فيه، فصح ما ذكره تحقيقًا, ولا يصح الإنكار، وعبارة الكتاب محررة في ذلك، لكنها غير مبينة للمراد على إصطلاح المحدثين؛ حيث ان المقصود من ذكره لها: الدلالة لإثبات الروايات، والله أعلم.
وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، أو هو نصف الإِسلام، أو ثلثه على ما ذكر فيه؛ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام التي لا تنحصر.
وقوله ﷺ : "فهو رَدٌّ"؛ هو بمعنى المردود؛ إطلاقًا للمصدر على اسم المفعول؛ كأنه قال: فهو باطل غيرُ معتدّ به.
وفي اللفظ الثاني: "من عملَ عملًا" زيادة على مدلول الأول؛ فإنه يشتمل صريحًا على أن إحداث جميع البدع والمخترعات مردود، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، فإذا عاند بعض المعاندين بفعل بدعة سبق إليها, لم يكن إثمه كإثم
стр. 1542
من أحدثها، وإن كانا اشتركا في الإثم؛ لأن إثم الأول بالإحداث من غير ذكر عمل، وإثم الثاني بالعمل من غير إحداث؛ حيث إن قوله: أنا ما أحدثت شيئًا، صحيح، فيحتج عليه باللفظ الثاني الذي فيه التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سبق بإحداثها. والله أعلم.
وفي الحديث دليل: على إبطال جميع العقود الممنوعة، وعدم وجود ثمراتها.
وفيه دليل لمن يقول من أهل أصول الفقه: إن النهي يقتضي الفساد، ومن قال منهم: ليس فيه دلالة على ذلك، قال: لأنه خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة، وهو قول فاسد، نعم، قد يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد؛ فإنه قد يتعارض أمران، فينتقل من أحدهما إلى الآخر، فيكون العمل بالحديث في أحدهما كافيًا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فينبغي أن يتنبه لذلك، والله أعلم.
وإنما أدخل المصنف هذا الحديث في باب القضاء؛ حيث إن القضاء في المحاكمات لا ينضبط ولا ينحصر، وهي مردودة إلى الشرع، وفي العادة والغالب لا يجري على مقتضاه، ذنبه بذكره الحديثَ على أن كل ما يجري منها على هذا النحو مردود، إحداثًا وعملًا، والله أعلم.
وفيه دليل: على التمسك بشريعته ﷺ وسنته؛ حيث إن ذلك أمره الذي جاء به، وقام به، وما عداه ليس هو أمره، فهو مردود.
وفيه دليل: على رد الأعمال الباطلة، وإن لم يقصد فعلها, ولا علم حكمها، والله أعلم.
* * *
стр. 1543
الحديث الثاني
عَنْ عَائشِةَ ﵂ أَيضًا، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتبةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ أبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يكْفِيني وَيكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغيرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (١).
أما هند بنت عتبة؛ فهي أم معاوية، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بن حرب، فأقرهما رسول الله ﷺ على نكاحهما.
وهي هند بنت عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس بن عبد مناف، وكانت امرأة لها ذِكْرٌ ونفسٌ وأنَفَة، شهدت أحدًا كافرة مع زوجها أبي سفيان، ثم ختم الله لها بالإِسلام، فأسلمت يوم الفتح، فلما أخذ رسول الله ﷺ البيعة على النساء -ومن الشرط فيها: ألا يسرقن ولا يزنين-، قالت له هند بنت عتبة: وهل تزني الحرة وتسرق يا رسول الله؟ فلما قال: "ولا تقتلن أولادكن"، قالت: قد ربيناهم صغارًا، وقتلتهم أنت ببدر كبارًا، أو نحو هذا من القول (٢)، وشكت حينئذ إلى رسول الله ﷺ أن زوجها أبا سفيان ... الحديث.
توفيت ﵂ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والدُ أبي بكر الصديق، ومات أبو قحافة في المحرم سنة أربع عشرة، والله أعلم (٣).
стр. 1544
وأما أبو سفيان؛ فاسمه: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويُّ، القرشي، والد معاويةَ ويزيدَ وعتبةَ وإخوتهم، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان تاجرًا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانًا بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يحبسها إلا رئيس، فإذا حميت الحرب، اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس، ويقال: أفضل قريش في الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما أتى الله بالإِسلام، أدبروا في الرأي، وكان أبو سفيان صديق العباس ونديمَهُ في الجاهلية.
أسلم أبو سفيان يوم الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ حُنينا، وأعطاه من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية وزنَها له بلال، وأعطى ابنيه يزيدَ ومعاوية، وقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِن" (١).
مات أبو سفيان في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه ابنه معاوية، وقيل: بل صلى عليه عثمان بموضع الجنائز، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن بضع وتسعين سنة، وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرًا: ابنه أبو حنظلة، وبه كانت كنيته كنية ثانية، والله أعلم (٢).
стр. 1545
قولها: "إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ" شحيح؛ فعيل: مبالغة في الشح، وهو أشد البخل، وقيل: الشح والبخل سواء.
وفي الحديث أحكام:
منها: وجوب نفقة الزوجة.
ومنها: وجوب نفقة الأولاد الصغار.
ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد.
وقال أصحاب الشافعي: نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما في هذا الحديث، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر، كل يوم مُدانِ، وعلى المعسر مُدٌّ، والمتوسط: مد ونصف. وهذا الحديث يرد عليهم.
ومنها: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك.
ومنها: ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما، وهذا مستثنى من المنع من الغيبة.
ومنها: أن من له على غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، وهذا مذهب الشافعي وأصحابه، ومنع ذلك أبو حنيفة ومالك.
ومنها: جواز إطلاق الفتوى من غير تعليق بثبوت؛ كما أطلق النبي ﷺ ، ولا يحتاج في فتواه أن يقول المفتي: إن ثبت، كان الحكم كذا وكذا, ولو قاله، فلا بأس، والتحرير: أن يقول: الحكم كذا وكذا، وحكم الحاكم به لصاحبه يتعلق بالثبوت.
وقد اختلف أصحاب الشافعي في إذن النبي ﷺ لهند امرأة أبي سفيان هذه هل كان إفتاء أم قضاء؟