← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وَفِي لَفْظٍ: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيْه أَمْرُنَا، فَهُوَ رَدٌّ" (١). اعلم أن هذا الحديث رواه البخاري ومسلم. وأما قوله: وفي لفظٍ: "من عملَ عملًا ليسَ عليه أمرنا فهو رَدٌّ"؛ فظاهره أنه للبخاري ومسلم -أيضًا-، وقد أضافه شيخنا الحافظ أبو زكريا النواوي ﵀ في "الأربعين" له إلى مسلم خاصة، وأنكر عليه بعض المتأخرين ذلك، وقال: بل رواه -أيضًا- البخاري. ولا شك أن البخاري ذكره في "صحيحه" معلقًا، والمعلق لا يطلق عليه رواية للبخاري؛ لأن الرواية لا تطلق إلا على المتصل، ولهذا قال شيخنا أبو زكريا -رحمه الله تعالى-: وفي رواية لمسلم، ولم يقل: وفي لفظ، ونحوه من العبارات التي تشعر بوجوده فيه من غير رواية متصلة؛ فإن ذكر اللفظ في الشيء غير ذكر الرواية فيه، فصح ما ذكره تحقيقًا, ولا يصح الإنكار، وعبارة الكتاب محررة في ذلك، لكنها غير مبينة للمراد على إصطلاح المحدثين؛ حيث ان المقصود من ذكره لها: الدلالة لإثبات الروايات، والله أعلم. وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، أو هو نصف الإِسلام، أو ثلثه على ما ذكر فيه؛ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام التي لا تنحصر. وقوله ﷺ : "فهو رَدٌّ"؛ هو بمعنى المردود؛ إطلاقًا للمصدر على اسم المفعول؛ كأنه قال: فهو باطل غيرُ معتدّ به. وفي اللفظ الثاني: "من عملَ عملًا" زيادة على مدلول الأول؛ فإنه يشتمل صريحًا على أن إحداث جميع البدع والمخترعات مردود، وهو من جوامع كلمه ﷺ ، فإذا عاند بعض المعاندين بفعل بدعة سبق إليها, لم يكن إثمه كإثم

стр. 1542

من أحدثها، وإن كانا اشتركا في الإثم؛ لأن إثم الأول بالإحداث من غير ذكر عمل، وإثم الثاني بالعمل من غير إحداث؛ حيث إن قوله: أنا ما أحدثت شيئًا، صحيح، فيحتج عليه باللفظ الثاني الذي فيه التصريح برد كل المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سبق بإحداثها. والله أعلم. وفي الحديث دليل: على إبطال جميع العقود الممنوعة، وعدم وجود ثمراتها. وفيه دليل لمن يقول من أهل أصول الفقه: إن النهي يقتضي الفساد، ومن قال منهم: ليس فيه دلالة على ذلك، قال: لأنه خبر واحد، فلا يكفي في إثبات هذه القاعدة المهمة، وهو قول فاسد، نعم، قد يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد؛ فإنه قد يتعارض أمران، فينتقل من أحدهما إلى الآخر، فيكون العمل بالحديث في أحدهما كافيًا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فينبغي أن يتنبه لذلك، والله أعلم. وإنما أدخل المصنف هذا الحديث في باب القضاء؛ حيث إن القضاء في المحاكمات لا ينضبط ولا ينحصر، وهي مردودة إلى الشرع، وفي العادة والغالب لا يجري على مقتضاه، ذنبه بذكره الحديثَ على أن كل ما يجري منها على هذا النحو مردود، إحداثًا وعملًا، والله أعلم. وفيه دليل: على التمسك بشريعته ﷺ وسنته؛ حيث إن ذلك أمره الذي جاء به، وقام به، وما عداه ليس هو أمره، فهو مردود. وفيه دليل: على رد الأعمال الباطلة، وإن لم يقصد فعلها, ولا علم حكمها، والله أعلم. * * *

стр. 1543

الحديث الثاني عَنْ عَائشِةَ ﵂ أَيضًا، قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتبةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ أبا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِيني مِنَ النَّفَقَةِ مَا يكْفِيني وَيكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغيرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالمَعْرُوفِ مَا يكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ" (١). أما هند بنت عتبة؛ فهي أم معاوية، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بن حرب، فأقرهما رسول الله ﷺ على نكاحهما. وهي هند بنت عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبد شمس بن عبد مناف، وكانت امرأة لها ذِكْرٌ ونفسٌ وأنَفَة، شهدت أحدًا كافرة مع زوجها أبي سفيان، ثم ختم الله لها بالإِسلام، فأسلمت يوم الفتح، فلما أخذ رسول الله ﷺ البيعة على النساء -ومن الشرط فيها: ألا يسرقن ولا يزنين-، قالت له هند بنت عتبة: وهل تزني الحرة وتسرق يا رسول الله؟ فلما قال: "ولا تقتلن أولادكن"، قالت: قد ربيناهم صغارًا، وقتلتهم أنت ببدر كبارًا، أو نحو هذا من القول (٢)، وشكت حينئذ إلى رسول الله ﷺ أن زوجها أبا سفيان ... الحديث. توفيت ﵂ في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والدُ أبي بكر الصديق، ومات أبو قحافة في المحرم سنة أربع عشرة، والله أعلم (٣).

стр. 1544

وأما أبو سفيان؛ فاسمه: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويُّ، القرشي، والد معاويةَ ويزيدَ وعتبةَ وإخوتهم، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان تاجرًا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانًا بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب، وكانت لا يحبسها إلا رئيس، فإذا حميت الحرب، اجتمعت قريش فوضعت تلك الراية بيد الرئيس، ويقال: أفضل قريش في الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما أتى الله بالإِسلام، أدبروا في الرأي، وكان أبو سفيان صديق العباس ونديمَهُ في الجاهلية. أسلم أبو سفيان يوم الفتح، وشهد مع رسول الله ﷺ حُنينا، وأعطاه من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية وزنَها له بلال، وأعطى ابنيه يزيدَ ومعاوية، وقال رسول الله ﷺ يوم الفتح: "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمِن" (١). مات أبو سفيان في خلافة عثمان ﵁ سنة ثلاث وثلاثين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه ابنه معاوية، وقيل: بل صلى عليه عثمان بموضع الجنائز، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن بضع وتسعين سنة، وممن قتل من أولاده يوم بدر كافرًا: ابنه أبو حنظلة، وبه كانت كنيته كنية ثانية، والله أعلم (٢).

стр. 1545

قولها: "إن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ" شحيح؛ فعيل: مبالغة في الشح، وهو أشد البخل، وقيل: الشح والبخل سواء. وفي الحديث أحكام: منها: وجوب نفقة الزوجة. ومنها: وجوب نفقة الأولاد الصغار. ومنها: أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد. وقال أصحاب الشافعي: نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما في هذا الحديث، ونفقة الزوجة مقدرة بالأمداد على الموسر، كل يوم مُدانِ، وعلى المعسر مُدٌّ، والمتوسط: مد ونصف. وهذا الحديث يرد عليهم. ومنها: جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما في معنى ذلك. ومنها: ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء والشكوى ونحوهما، وهذا مستثنى من المنع من الغيبة. ومنها: أن من له على غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، وهذا مذهب الشافعي وأصحابه، ومنع ذلك أبو حنيفة ومالك. ومنها: جواز إطلاق الفتوى من غير تعليق بثبوت؛ كما أطلق النبي ﷺ ، ولا يحتاج في فتواه أن يقول المفتي: إن ثبت، كان الحكم كذا وكذا, ولو قاله، فلا بأس، والتحرير: أن يقول: الحكم كذا وكذا، وحكم الحاكم به لصاحبه يتعلق بالثبوت. وقد اختلف أصحاب الشافعي في إذن النبي ﷺ لهند امرأة أبي سفيان هذه هل كان إفتاء أم قضاء؟

стр. 1546

والأصح: أنه كان إفتاء، وأن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها، فيجوز. والثاني: كان قضاء، فلا يجوز لغيرها إلا بإذن القاضي، وطريق الثبوت البينة أو الإقرار، أو علمُ الحاكم به على قول من يرى الحكم بالعلم. ومنها: أن للمرأة مدخلًا في كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم. قال أصحاب الشافعي: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير, أو كان غائبا، أذن القاضي لأمه في الأخذ من مال الأب أو الاستقراض عليه، والإنفاق على الصغير بشرط أهليتها، وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على الوجهين اللذين ذكرناهما آنفا في أمر هند امرأة أبي سفيان، هل كان إفتاءً أم قضاءً؟ ومنها: جواز اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. ومنها: جواز خروج المرأة المزوجة من بيتها لحاجتها من المحاكمة والاستفتاء وغير ذلك. ومنها: أن ما يذكر في الاستفتاء لأجل ضرورة معرفة الحكم، إذا تعلق به أذى الغير، لا يوجب تعزيرًا، وقد استدل به جماعة من أصحاب الشافعي على جواز القضاء على الغائب، وفيه ضعف، وربما لا يصح الاستدلال به لذلك؛ من حيث إن القضية كانت بمكة، وكان أبو سفيان حاضرًا بها، وكان السؤال على سبيل الفتوى لا في معرض الدعوى، ولا يقضى على الغائب الحاضر في البلد مع إمكان إحضاره وسماعه للدعوى عليه إلا في وجه ضعيف، فلو كان مستترًا لا يُقدر عليه، أو متعززًا، جاز القضاء عليه، وأبو سفيان لم يوجد في قصته هذه شيء من ذلك. وقد أخذ من الحديث الاستدلال على مسألة الظفر بالحق وأخذه من غير مراجعة من عليه، وليس في الحديث تعرض لجواز الأخذ من الجنس أو من غير الجنس، ومن يستدل بالإطلاق في مثل هذا، يجعله حجة في الجميع، والله أعلم.

стр. 1547

الحديث الثالث عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَن رَسُولَ الله ﷺ سَمعَ جَلَبةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتهِ، فَخَرَجَ إلَيهِمْ فَقَالَ: "أَلاَ إنَّما أَنا بَشَرٌ، وإنَّما يَأتِيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فيحسِبُ أنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإنَّما هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَليَحْمِلَها أَوْ يَذَرْها" (١). أما أم سلمة؛ فتقدم ذكرها. قولها: "سمعَ جَلَبَةَ خصمٍ ببابِ حجرته"؛ الجلبة -بفتح الجيم واللام-، وفي رواية في "صحيح مسلم": لجبة (٢) -بتقديم اللام على الجيم مع فتحهما-، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما: اختلاط الأصوات. والخصم هنا: الجماعة، وهو من الألفاظ التي تقع على الواحد والجمع (٣). وهذه الحجرة، هي بيت أم سلمة ﵂ -كما ثبت في "صحيح مسلم": بباب أم سلمة. وقوله ﷺ : "أَلا إنما أَنا بشرٌ"؛ معناه: التنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئًا، إلا أن يطلعهم الله على شيء من ذلك، وأنه ﷺ يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم، وأنه إنما يحكم بين الناس بما ظهر، والله تعالى متولي السرائر، فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك. لكنه ﷺ إنما كلف بالظاهر، وهذا نحو قوله ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا

стр. 1548

بحقها، وحسابهم على الله تعالى" (١)، وقوله ﷺ في حديث المتلاعنين: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن" (٢). ولو شاء الله لأطلعه ﷺ على باطن أمر الخصمين، فحكم بيقين نفسه، من غير حاجة إلى شهادة ويمين، ولكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه، والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له ﷺ حكمهم في عدم الاطلاع على باطن الأمور؛ ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر الذي يستوي هو وغيره فيه؛ ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن. فإن قيل: هذا الحديث ظاهره أنه يقع منه ﷺ حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق الأصوليون على أنه ﷺ لا يقر على خطأ في الأحكام. فالجواب: أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين؛ لأن مرادهم أنه لا يقر على خطأ فيما حكم فيه باجتهاده، ولهذا اختلفوا: هل يجوز أن يقع منه ﷺ خطأ فيه؟ فالأكثرون على جوازه، لكن قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يُعْلِمه الله به، فيتداركه، ومنهم من منع وقوعه. وأما الذي في الحديث، فالمراد به الحكم بغير الاجتهاد بطريق البينة واليمين إذا وقع فيه ما يخالف باطنه ظاهره، أو عكسه؛ فإن ذلك لا يسمى الحكم به خطأ، بل هو صحيح بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلًا، وإن كانا شاهدي زور ونحو ذلك، فالتقصير منهما، أو من الحاكم؛ حيث لم يحتط في أمرهما، أو ممن ساعدهما، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد؛ فإن الحكم بالخطأ ليس هو حكم الشرع، وإن كان يثاب عليه ويؤجر أجرًا واحدًا لا أجرين، والله أعلم. وقوله ﷺ : "فمن قضيتُ له بحقِّ مسلمٍ": التقييد بحق المسلم خرج على

стр. 1549

الغالب، وليس المراد الاحترازَ من الكافر؛ فإن مال الذمي والمعاهَد والمرتد في هذا كمالِ المسلم. وقوله ﷺ : "فإنما هي قطعةٌ من النار"؛ الضمير في قوله: "هي" عائد إلى القضية، أو الحالة، وفي "صحيح مسلم": "فإنما أقطعُ له قطعةً من النار"؛ معناه: من قضيت له بظاهر يخالف الباطن، فهو حرام يؤول به إلى النار. وقوله ﷺ : "فليحملْها أو يَذَرْها"؛ التخيير هنا للتهديد والوعيد والإنذار؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] و ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وكقوله تعالى فيما صيغته للأمر ومعناه التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٤٠] ونظائره في الكتاب والسنة كثير، وليس المراد التخيير في الفعل والترك؛ لإن حمل الشيء والإعراض عنه لا يستعمل في ذلك. وفي الحديث دليل: على أن حكم الحاكم لا يحيل الباطن ولا يحل حرامًا، فهذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال، فحكم به الحاكم، لم يحل للمحكوم له ذلك المال، ولو شهدا عليه بقتل، لم يحل للولي قتله مع علمه بكذبهما، وإن شهدا بالزور أن زيدًا طلق امرأته، لم يحل لمن علم كذبهما أن يتزوجها بعد حكم القاضي بالطلاق، وقال أبو حنيفة: يُحل حكمُ الحاكم الفروجَ دون الأموال، فقال: يحل نكاح المذكورة. قال صاحب "شرح المختار" للفتوى، على مذهب الإِمام أبي حنيفة ﵀ (١): والقضاء بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنا في العقود والفسوخ؛ كالنكاح والطلاق والبيع، وكذلك الهبة والإرث، وقالا: لا ينفذ باطنًا؛ يعني: محمدًا، وأبا يوسف -رحمهما الله تعالى-. قال: وصورته: شهد شاهدان بالزور بنكاح امرأة لرجل، فقضى بها القاضي، نفذ عنده -يعني: أبا حنيفة- حتى حل للزوج وطؤها؛ خلافًا لهما، ولو شهدا بالزور على رجل أنه طلق امرأته ثانيا، فقضى القاضي بالفرقة، ثم

стр. 1550

تزوجها آخر، جاز، وعندهما: إن جهل الزوج الثاني ذلك، حل له وطؤها اتباعًا للظاهر؛ لأنه لا يكلف علم الباطن، وإن علم بأن كان أحد الشاهدين لا يحل، ولو وطئها الزوج الأول، كان زانيًا ويحد. وقال محمَّد: يحل له وطؤها، وقال أبو يوسف: لا يحل له وطؤها؛ لأن قول أبي حينفة أورث شبهة، فيحرم الوطء احتياطا, ولا ينفذ في معتدة الغير ومنكوحته بالإجماع؛ لأنه لا يمكنه تقديم النكاح على القضاء، وفي الأجنبية أمكن ذلك، فيقدم تصحيحًا له؛ قطعا للمنازعة. وينفذ بيع الأمة عنده، حتى يحل للمشتري وطؤها، وينفذ في الهبة والإرث، حتى يحل للمشهود له أكل الهبة والميراث، وروي عنه -يعني: أبا حنيفة-: أنه لا ينفذ فيهما لهما. قال: وقوله ﷺ : "إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضَكم أَنْ يكونَ ألحنَ بحجَّته من بعض، وإنما أنا بشر" الحديث، وأنه عام، فيعم جميع العقود والفسوخ وغير ذلك، فينبغي أن يكون الحكم في الباطن كهو عند الله، أما الظاهر، فالحكم لازم على ما أنفذه القاضي. قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أقضي بالظاهر، والله يتولى السرائر" (١)، قال: وله -يعني: أبا حنيفة- ما روي أن رجلًا خطب امرأة، وهو دونها في الحسب، فأبت أن تتزوجه، فادعى أنه تزوجها، وأقام شاهدين عند علي -كرم الله وجهه-، فحكم عليها بالنكاح، فقالت: إني لم أتزوجه، وإنهم شهود زور، فزوجني منه، فقال علي -كرم الله وجهه-: شاهداك زَوجاك، وأمضى عليها النكاح، وأنه قضى بأمر الله تعالى بحجة شرعية فيما له ولاية الإنشاء؛ فيجعل

стр. 1551

إنشاء تحرزًا عن الحرام، وحديثهما صريح في المال، قال: ونحن نقول به؛ فإن قضاء القاضي في الأملاك المرسلة لا ينفذ بشهادة الزور؛ بهذا الحديث، ولقوله : ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] , وروي أنها نزلت فيه؛ ولأن القاضي لا يملك إثبات الملك بدون السبب، فإنه لا يملك دفع مال زيد إلى عمرو، وأما العقود والفسوخ، فإنه يملك إنشاءها، فإنه يملك بيع أمة زيد وغيرها من عمرو حال غيبته، وخوف الهلاك؛ فإنه يبيعه للحفظ، وكذلك لو مات ولا وصي له، ويملك إنشاء النكاح على الصغير, وعلى الصغيرة، والفرقة في العنين، وغير ذلك، فثبت أن له ولاية الإنشاء في العقود والفسوخ، فيجعل القضاء إنشاء؛ احترازًا عن الحرام، ولا يملك ذلك في الأملاك المرسلة بغير أسباب، فتعذر جعله إنشاء، فبطل. ثم نقول: لو لم ينفذ باطنًا، فلو قضى القاضي بالطلاق، لبقيت حلالًا للزوج الأول باطنًا, وللثاني ظاهرًا، ولو ابتلي الثاني بمثل ما ابتلي الأول به، حلت للثالث -أيضًا-، وهكذا رابع وخامس، فتحل للكل في زمان واحد، وفيه من الفحش ما لا يخفى. ولو قلنا بنفاذه باطنًا، لا تحل إلا لواحد، ولا فحش فيه. هذا آخر كلام صاحب "شرح المختارا للفتوى في مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-. ولا شك أن قول أبي حنيفة مخالف؛ لهذا الحديث الصحيح، ولإجماع من قبله، ولقاعدة وافق هو وغيره عليها، وهي: أن الأبضاع أولى بالاحتياط من الأموال، والقول بأن حكم الحاكم لا يحيل الباطن، ولا يحل حراما، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير علماء الإِسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والله أعلم. وفيه دليل: على إجراء الأحكام على الظاهر. وفيه دليل: على إعلام الناس بأن النبي ﷺ في الحكم بالظاهر كغيره، وإن كان يفترق مع الغير في اطلاعه على ما يطلعه الله عليه من الغيوب الباطنة، وذلك

стр. 1552

في أمور مخصوصة، لا في الأحكام العامة. وعلى هذا دل قوله ﷺ : "إنما أنا بشر"، ولا شك أن الحصر يكون عامًّا وخاصًّا، وهذا من الخاص الذي يتعلق بالحكم بالنسبة إلى الحجج الظاهرة. وفيه: أن الحاكم لا يحكم إلا بالظاهر؛ مما طريقه الثبوت بالبينة أو الإقرار، ولا يحكم بما يعلمه في الباطن مخالفًا لما ثبت في الظاهر، ولا عكسه، وقد نقل الإجماع فيه، فلو علم شيئًا بطريقه الشرعي خبرًا يقينًا أو ظنًّا راجحًا، أو شاهده من غير بينة، أو إقراره في حال الدعوى أو قبلها، فهل يحكم بعلمه؟ فيه أوجه في مذهب الشافعي: رجح مرجحون أنه يحكم بعلمه في غير حدود الله دونها، وقيل: يحكم، ورجح آخرون: أنه لا يحكم بعلمه أصلًا، وهذا مما عمل فيه بالظن مع وجود القطع فيه، وله نظائر؛ منها: إن كان معه ماء طاهر بيقين، ومعه إناء [فيه ماء نجس]، إن اشتبه الطاهر بالنجس منهما، جاز له الاجتهاد، والطهارة بما أدى إليه اجتهاده، وهو ظني مع وجود الطاهر بيقين توسعةً، إلا أن حكم الحاكم بعلمه مفسدة زائدة، وهي بطريق الظنون الفاسدة إلى غرضه، وقد تنجر المفسدة إلى تشبيه غير المتيقن به، وكلاهما تطلع الشرع إلى تركها، فلهذا جوز الحكم بالظن مع وجود القطع، بخلاف ما إذا كان الظن مخالفًا للعلم، فإنه لا يحكم إجماعًا، والله أعلم. واعلم أن لله أحكامًا شرعية في ظاهرك، وأحكامًا شرعية في باطنك، وأحكاما مشتركة في ظاهرك وباطنك. فاليهود نفت الأحكام الباطنة، فضلوا، والنصارى نفت الأحكام الظاهرة، فضلوا، والمسلمون أثبتوا الأحكام كلها جمعًا وإفرادًا، فاهتدوا، فما كان في ظاهرك أثبتوه في محله، وما كان في باطنك أثبتوه في محله، وما كان فيهما أثبتوه فيهما. مثاله: العدالة لا تثبت إلا ظاهرًا وباطنا، فلا يكون عدلًا إلا من اتصف بها ظاهرًا وباطنا، فمن اتصف بها في ظاهره دون باطنه، وعكسه، لا يكون عدلًا، وقد نبه ﷺ على هذه القاعدة بقوله ﷺ : "فلعل بعضَكم أن يكونَ أبلغَ من بعضٍ فأحسبُ أنه صادقٌ فأقضي له" إلى آخره.

стр. 1553

ومثال الأحكام في الباطن: المأمور بها والمنهي عنها وجوبا وندبا وتحريما وكراهة: النيات والعرفان والاعتقادات والإيمان والكفر والطغيان والكبر والعجب والحسد ونحو ذلك. ومثال الأحكام في الظاهر: آثار الأحكام الباطنة، وما يتعلق ببصرك ومنطقك، وبطشك وفعلك بيدك ورجلك وفرجك منها، والله أعلم. وقد ذكر أصحاب الشافعي: أن القاضي الحنفي إذا حكم بشفعة الجار: أنه ينفذ في الظاهر، واختلفوا في نفوذه وحكمه في الباطن على وجهين. وهذا الحديث عام بالنسبة إلى سائر الحقوق، والذي اتفق عليه أصحاب الشافعي: أن الحجج إذا كانت باطلة في نفس الأمر؛ بحيث لو اطلع عليها القاضي لم يجز له الحكم بها: أن ذلك لا يؤثر في منع الحكم بها، بخلاف الأمور الاجتهادية، إذا خالف اعتقاد القاضي اعتقاد المحكوم له؛ كما في شفعة الجار، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي بكْرَةَ ﵁ قَالَ: كَتَبَ إلَيَّ، وكَتبتُ لَهُ -إلَى ابْنِهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِستانَ-: أَنْ لَا تَحْكُمْ بينَ اثْنينِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَا يحكُمْ أَحَدٌ بينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضبَانُ". وَفي رواية: "لَا يقْضِيَنَّ حَكَمٌ بينَ اثنيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" (١). أما عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ فكنيته: أبو عمرو بن نفيع بن الحارث، ثقفيٌّ بصريٌّ تابعيٌّ ثقة، وهو أول مولود في الإِسلام بالبصرة، وله إخوة خمسة: عبيد الله، ومسلم، ووزاد، ويزيد، وعبد العزيز.

стр. 1554

سمع أباه، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص. وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمساند (١). وأما أخوه عبيد الله؛ فكنيته: أبو حاتم، تابعي، وثقه أحمد بن عبد الله، كان أحدَ الكرام المذكورين، والسمحاء المشهورين، وكان قليل الحديث، وكان عبد الرحمن أكبر منه، وولي القضاء بالبصرة، وإمرة سجستان، روى عن أبيه، وعن علي بن أبي طالب. روى عنه: ابنه زياد بن عبيد الله، ومحمدُ بن سيرين، وغيرهما، ومات في سنة سبع وسبعين (٢). وأما أبوهما؛ فاسمه: نفيع بن الحارث بن كَلَدة، ويقال: نفيع بن مسروح، وقيل: كان ابن عبد الحارث بن كلدة، وإنما بني أبا بكرة؛ لأنه تدلَّى إلى النبي ﷺ ببكرة، فكني بها، وأعتقه رسول الله ﷺ ، وكان من الفضلاء الصالحين، وما زال على كثرة العبادة حتى مات ﵁، وكانت أولاده أشرافًا بالبصرة؛ في كثرة الصلة والمال والولايات. قال الحسن البصري: لم يسكن البصرة من الصحابة ﵃ أفضلُ من عمرانَ بن حُصَين، وأبي بكرة. رُوي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث، روى عنه: ابناه:

стр. 1555

عبد الرحمن، ومسلم، والحسن البصري، وغيره، وروى له أصحاب السنن والمساند. كان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وصلى عليه أبو برزة الأسلمي (١). وأما سجستان؛ فهي بفتح السين المهملة، قاله "صاحب المطالع" (٢)، وقال السمعاني في "أنسابه" (٣): بكسر السين والجيم وسكون السين الأخرى بعدها تاء مثناة فوق مفتوحة: إحدى البلاد المعروفة بكابل، كان بها ومنها جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين، والله أعلم. وهذا الحديث نص في المنع من القضاء حالة الغضب؛ وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر، وعدم حصوله على الوجه المطلوب، وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر واستقامة الحال؛ كالشبع المفرط، والجوع المقلق، والهم والفرح البالغ، ومدافعة الحدث، وتعلق القلب بأمر، ونحو ذلك، فكل واحد مما ذكر مشوش للذهن، حامل على الغلط، ولو قضى مع واحد من الجوع والغضب، نفذ إذا ساق الحق، وكان مكروهًا؛ للنهي. وقد قضى رسول الله ﷺ في شراج الحرة، وقال في اللقطة في ضالة الإبل: "ما لَكَ ولها؟ " (٤) في حال الغضب، وكأنه ﷺ إنما خص الغضب بالنهي عن

стр. 1556

القضاء فيه؛ لشدة استيلائه على النفس وصعوبة مقاومته. وفيه دليل: على العمل بالكتابة. وفيه دليل: على أن الكتابة بالحديث؛ كالسماع من الشيخ؛ في وجوب العمل، وأما في الرواية, فقد اختلفوا فيه. والصواب الذي عليه المحققون، وقاله المتقنون: أنه يجوز إذا أداه في الرواية بعبارة مطابقة للواقع؛ كقوله: كتب إلى فلان بكذا وكذا، وأخبرني مكاتبة أو كتابة، ونحو ذلك. وفيه: نشر العلم للعمل به والابتداء به من غير سؤال. وفيه: ذكر الحكم مع دليله في الفتوى والتعليم. وفيه: تعدية الحكم إلى ما في معناه، وأنه معمول به، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أَبِي بكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "أَلاَ أُنَبِّئكُمْ بِأكبَرِ الكَبَائِرِ؟ " ثَلاَثًا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "الإِشْرَاكُ بالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ"، وكَانَ مُتكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزورِ" فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا؛ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (١). تقدم الكلام على أبي بكرة آنفًا، في الحديث قبله. قوله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا"؛ معناه: أنه ﷺ قال هذا الكلام ثلاث مرات؛ تنبيهًا للسامعين على حضور قلوبهم وأفهامهم، لما يخبرهم به مما استفتحه ﷺ لهم من التعليم والبيان؛ لئلا يغفلوا عن ذلك، فيهلكوا؛ لتشبههم في ذلك بالكفار والمنافقين، أو اللائمين واللاعنين.

стр. 1557

وأما قوله ﷺ : "بأكبرِ الكبائر"؛ فهو قال على عظم الذنوب، وأنها تنقسم في ذلك إلى كبير وأكبر، ويلزم من ذلك انقسامها إلى صغائر وكبائر؛ فإن (أفعل) التفضيل يدل على وجود مفضول غالبًا، وهو قسمان؛ فعيل، وفعيل يدل على ما دونه، وهو الصغائر، وهو القسم الثاني، ويدل على ذلك قوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. ولا شك أن الكلام في ذلك على نوعين: أحدهما: في درجاتها. والثاني: في انحصارها في أعدادها وعدم قسيم لها. أما الأول، فلا شك في وجوده في السنة، وقد ذكره العلماء. قالوا: أكبر المعاصي: الشرك بالله تعالى، ويليه: قتل النفس بغير حق، ولهذا قال ﷺ : "لا يزالُ ابنُ آدمَ في فسحةٍ من دينه، ما لم يُصِبْ دمًا حراما" (١). قال الشافعي ﵀ في "مختصر المزني": أكبر الكبائر بعد الشرك: القتل، واتفق أصحابه على ذلك، وأما ما سواها من الزنا واللواط وعقوق الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر، فلها تفاصيل وأحكام تعرف بها مراتبها، ويختلف أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المترتبة عليها. وعلى هذا، يقال في كل واحدة منها: هي من أكبر الكبائر، وإن جاء في موضع: هي أكبر الكبائر؛ كقوله في هذا الحديث: "وعقوق الوالدين"، كأن المراد: من أكبر الكبائر؛ كما يقال في أفضل الأعمال (٢). وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: كل ما نهى الله عنه، فهو كبيرة (٣).

стр. 1558

وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإِمام في علم الأصول والفقه وغيره. وحكى القاضي عياض ﵀ هذا المذهب عن المحققين، واحتج القائلون بهذا؛ فإن كل مخالفة، فهي بالنسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة، ولهذا قال السلف ﵏: لا تنظر إلى الذنب، ولكن انظر إلى مَنْ عصيت، وهذا كله يدل على عدم قسيم الكبائر من الصغائر، وقد بينا دليل وجودها: وأما الثاني: فهو انحصارها في عدد. ولا شك أنه ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: "الكبائر سبع" (١)، وهذه الصيغة، وإن كانت تقتضي الحصر، فهو غير مراد بلا شك. وإنما وقع الاقتصار على السبع في هذا الحديث، وفي رواية في "صحيح مسلم": أن النبي ﷺ قال: "الكبائر ثلاث"، وفي أخرى: "أربع" (٢)؛ لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها, لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية، ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى، وذلك يدل على أن المراد: البعض، ويكون التقدير: من الكبائر. ولهذا ثبت في الصحيح: "من الكبائر شتم الرجل والديه"، وثبت في عدم الاستبراء من البول، وفي النميمة: أنهما من الكبائر. وجاء في غير الصحيح من الكبائر: اليمين الغموس، واستحلال بيت الله الحرام. وتقدم مذهب ابن عباس وأبي إسحاق وغيرهما: أن الكبائر كل ما نهى الله عنه. وروي عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن الكبائر، أسبع هي؟ فقال: هي إلى .............................................................

стр. 1559

السبعين (١)، ويروى: إلى سبع مئة أقرب (٢)، والله أعلم. [وقد بين ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه: أنه لو أعطي بها، لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح ذلك، ولا يمكن للمدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي؛ فيمكنه صيانتها بالبنية. وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وجمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها: أن اليمين على المدعي] (٣). إذا ثبت هذا، فاعلم أنه لا بد من معرفة الكبيرة وتمييزها, ولا بد من ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة. أما تعريف الكبيرة؛ فروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: الكبائر: كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب (٤)، ونحو هذا عن الحسن البصري، وقال آخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار، أو حَدٍّ في الدنيا. وقال أبو حامد الغزالي ﵀ في "البسيط": والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف وحذار ندم، كالمتهاون بارتكابها، والمستجرئ عليها اعتيادًا، فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة، وما يحمل على فلتات النفس وفترة مراقبة التقوى، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية، فهذا لا يمنع العدالة، وليس هو بكبيرة. وقال الشيخ الإِمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في "فتاويه": الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق اسم الكبيرة، ووصف بكونه عظيما على الإطلاق، قال: فهذا حد الكبيرة (٥).

стр. 1560

ثم لها أمارات: منها: إيجاب الحد. ومنها: الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة. ومنها: وصف فاعلها بالفسق. ومنها: اللعن؛ كلعنِ الله مَنْ غيَّرَ مَنارَ الأرض، وقال غيره: تغيير منار الأرض كبيرة؛ لاقتران اللعن به، وكذا قتل المؤمن؛ لاقتران الوعيد به، والمحاربة، والزنا، والسرقة، والقذف كبائر؛ لاقتران الحدود بها، واللعنة ببعضها، فهذا ما يتعلق بتعريف الكبيرة وحَدِّها. وأما الفرق بينها وبين الصغيرة: فقال الغزالي في "البسيط" في المذهب: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقه، وقد فهما من مدارك الشرع. قال شيخنا أبو زكريا النووي ﵀: وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جدًّا بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض، وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس أو صوم رمضان، أو الحج، أو العمرة، أو الوضوء، أو صوم عرفة، أو صوم عاشوراء، أو فعل الحسنة، أو غير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة, إلى ما لا يكفره ذلك، كما ثبت في الصحيح، في قوله ﷺ : "ما لم تُغشَ كبيرةٌ" (١). فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها: صغائر، وما لا تكفره: كبائر، ولا شك في حسن هذا, ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى، فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها, لكنها أقل قبحًا, ولكونها متيسرة التكفير، والله أعلم، هذا آخر كلامه (٢).

стр. 1561

فإن قيل: اجتناب الكبائر مكفر للصغائر في قوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١]، فإن اجتنبت الكبائر، وكفرت الصغائر، فما تكفر الصلوات الخمس ورمضان والحج والعمرة والوضوء وغير ذلك مما ذكر؟ قلنا: إنما جعلت مكفرة إن وجدت ما تكفره، فإذا لم تجد ما تكفره، كانت رفع درجات لصاحبها، والله أعلم. وقال الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام ﵀ في كتابه "القواعد": إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر، فهي صغيرة من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر، أو ربت عليه، فهي من الكبائر، فمن شتم الرب ، أو رسوله ﷺ ، أو استهان بالرسل، أو كذب واحدًا منهم، أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات، فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة (١). قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي ﵀: وهذا الذي قاله عندي داخل فيما نص عليه الشرع بالكفر، إن جعلنا المراد بالاشراك بالله تعالى مطلقَ الكفر على ما سنبينه عليه، ولا بد مع هذا من أمرين: أحدهما: أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر، فإنه قد يقع الغلط في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن: أن مفسدة الخمر السكر وتشويش العقل؟ فإن أخذنا هذا بمجرده، لزم منه ألَّا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة؛ لخلائها عن المفسدة المذكورة، لكنها كبيرة؛ لأنها، وإن خلت عن المفسدة المذكورة، إلا أنه تقترن بها مفسدة التجرؤ على شرب الخمر الكثير الموقع في المفسدة، فبهذا الاقتران يصير كبيرة. الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك، فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى

стр. 1562

بعض الكبائر، مساويًا لبعض الكبائر، أو زائدًا عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلمًا معصومًا لمن يقتله، فهو كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم، وأكل مال اليتيم منصوص عليه، وكذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، كان ذلك أعظم من فراره من الزحف، والفرار من الزحف منصوص عليه دون هذه. وكذلك يفعل على ذلك القول الذي حكيناه، من أن الكبيرة: ما رتب عليه اللعن أو الحد أو الوعيد، فتعتبر المفاسد بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك، فما ساوى أقلها، فهو كبيرة، وما نقص عن ذلك، فليس بكبيرة. هذا آخر كلامه، والله أعلم (١). قال أبو محمَّد بن عبد السلام ﵀: أما إذا كذب عليه كذبا يوجد منه بسببه ثمرة، فليس كذبه من الكبائر، قال: وقد نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر؛ فإن وقعا في مال خطير، فهذا ظاهر، وإن وقعا في حقير، فيجوز أن يجعلا من الكبائر؛ فطامًا عن هذه المفاسد؛ كما جعل شرب قطرة من خمر من الكبائر، وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة. قال: والحكم بغير الحق كبيرة؛ فإن شاهد الزور متسبب، والحاكم مباشر، فهذا جعل السبب كبيرة، فالمباشرة أولى. قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر: بأنها كل ذنب قُرن به وعيد أو حد أو لعن، فعلى هذا، كل ذنب علم أن مفسدته كمفسدة ما قُرن به الوعيد أو الحد أو اللعن، أو أكبر من مفسدته، فهو كبيرة، ثم قال: الأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في ذنبه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها، والله أعلم (٢).

стр. 1563

وقال الإِمام أبو الحسن الواحدي المفسر، وغيره: الصحيح: أن حد الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم توصف، وهي مشتملة على كبائر وصغائر. والحكمة في عدم بيانها: أن يكون العبد ممتنعًا من جميعها؛ مخافة أن تكون من الكبائر. قال العلماء: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر، وساعة يوم الجمعة، وساعة إجابة الدعاء في الليل، واسم الله الأعظم، ونحو ذلك مما أُخفي، والله أعلم. قالوا: والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة (١). وروي عن عمر، وابن عباس، وغيرهما ﵃: لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار (٢)؛ ومعناه: أن الكبيرة تُمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار. قال أبو محمَّد بن عبد السلام ﵀: الإصرار هو أن تتكرر منه الصغيرة تكررًا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعارَ ارتكاب الكبيرة بذلك. قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع؛ بحيث يشعر مجموعها ما تشعر به أصغر الكبائر (٣). وقال أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله تعالى-: المصرُّ: مَنْ تلبس من أضداد التوبة باستمرار العزم على المعاودة، أو باستدامة الفعل؛ بحيث يدخل به ذنبه في حيز ما يطلق عليه الوصف، بصيرورته كبيرًا عظيمًا, وليس لزمان ذلك وعدده حصر، والله أعلم (٤).

стр. 1564

وقوله ﷺ : "الإشراكُ بالله"؛ يحتمل أن يراد به مطلقُ الكفر، وخصص الإشراك بالذكر؛ لغلبته في الوجود، لا سيما في بلاد العرب؛ تنبيهًا على غيره، ويحتمل أن يراد به: خصوصية الإشراك، لكنه بعيد؛ لكون بعض الكفر أعظمَ قبحًا من الإشراك؛ كالكفر بالتعطيل؛ فإنه نفي مطلق، والإشراك إثبات مقيد، فهو أخف قبحًا من التعطيل، فحينئذ يكون ذكر الإشراك على الاحتمال الثاني من باب التنبيه بالقبيح على الأقبح، والله أعلم. وقوله ﷺ : "وعقوقُ الوالدين"؛ العقوقُ مأخوذ من العَقّ، وهو القطع، وذكر الأزهري: أنه يقال: عن والده يعُقه -بضم العين- عقًّا، وعقوقا: إذا قطعه، ولم يصل رحمه، وجمع العاق: عَقَقَة -بفتح الحروف كلها-، وعُقُق -بضم العين والقاف-. وقال صاحب "المحكم": رجل عقق وعقق وعق وعاق: بمعنى واحد، وهو الذي شق عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة (١). ولا شك أن حق الوالدين عظيم، فعقوقهما عظيم، ورتبة مختلفة، لكن ضبط المحرم والواجب من الطاعة لهما فيه عسر؛ ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه، باتفاق العلماء، بل طاعتهما تبع لطاعة الشرع، ولهذا قال ﷺ : "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق" (٢)، وقال ﷺ : "إنما الطاعةُ في المعروفِ" (٣). وقد حرم على الولد السفرَ الذي لا يتعين شرعًا

стр. 1565

إذا توقع فيه قتله أو هلاكه، أو قطع عضو من أعضائه؛ لشدة تفجعهما عليه، إلا إذا أذنا فيه. وقد ساوى الوالدان الرقيق في النفقة والكسوة والسكنى بشرطها. قال بعض المتأخرين: ولم أقف في عقوق الوالدين، ولا فيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، لكن ما يحرم في حق الأجانب، فهو أشد تحريمًا في حقهما، وما يجب للأجانب، فهو أشد وجوبا لهما. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في "فتاويه": العقوق المحرم: كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه، تأذيًا ليس بالهين، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل: طاعة الوالدين في كل ما ليس بمعصية واجب، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات، قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما، مخالفًا لما ذكرته؛ فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم (١). وقال شيخنا الإِمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والفقهاء قد ذكروا صورًا جزئية، وتكلموا فيها منثورة لا يحصل منها ضابط كلي، فليس يبعد أن يسلك في ذلك من أن تقاس المصالح في طرق الثبوت بالمصالح التي وجبت لأجلها، والمفاسد في طرق العلم بالمفاسد التي حرمت لأجلها. هذا آخر كلامه، والله أعلم (٢). وقوله: وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور" إلى آخره: أما جلوسه ﷺ ؛ فللاهتمام بهذا الأمر، وهو يفيد تأكيد تحريم شهادة الزور وعظم قبحها، وقبح كل قول زور.

стр. 1566

وأما قولهم: "ليته سكت"؛ فإنما قالوه وتمنوه شفقة على رسول الله ﷺ ، وكراهة لما يزعجه ويغضبه، والله أعلم. وأما اهتمامه ﷺ بقول الزور وشهادة الزور؛ فلأن وقوعهما على الناس أسهل، والتهاون بهما أكثر، والحوامل على فعلهما كثيرة؛ من العداوة والبغضاء والحسد وغيرها، فاحتيج إلى الاهتمام بها لذلك، وتعظيم أمرهما، بخلاف الإشراك بالله ؛ فإنه لا يقع فيه مسلم، وعقوق الوالدين؛ فإن الطبع صارف عنه، وليس العقوق وقول الزور مساويًا للإشراك باللهِ قطعًا، إلا إذا فعل ذلك معتقدا حله، فإنه يصير كافرًا، ومعلوم أن الكافر شاهد بالزور وقائل به، وقد تقدم حمل ذلك على أنه من أكبر الكبائر لا أكبرها، وهو الظاهر، وضعف غيره من التأويلات، وقد تقدم أن المراد بشهادة الزور: إنما هو في الحقوق الكبيرة والعظيمة والحقيرة، لا فرق بينهما؛ لانجرار الشهادة بالحقير إلى العظيم؛ كما في تحريم الخمر، ونقلنا الاحتمال فيه عن أبي محمد بن عبد السلام في كل ثمرة من مال يتيم، والله أعلم. وأما قوله ﷺ : "وقولُ الزور وشهادةُ الزور"؛ فيحتمل أو يحمل قول الزور على شهادة الزور؛ حيث إنه لو حمل على الإطلاق في كل قول زور، لكان كبيرة، وليس كذلك؛ فإن الفقهاء نصوا على أن الكذبة الواحدة وما يقاربها لا تسقط العدالة، ولو كانت كبيرة، لأسقطت، وقد نص الله على عظم بعض الكذب، فقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]. وعظم الكذب ومراتبه تتفاوت بحسب تفاوت مفاسده، وقد نص في الحديث على أن الغيبة بالقذف كبيرة؛ لإيجابها الحد، ولا تساويها الغيبة بقبح الخلقة مثلًا، أو قبح بعض الهيئة في الناس مثلًا، والله أعلم. وفي الحديث: إثبات الكبائر، وأن منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر. وفيه: تحريم الإشراك بالله ، وهو كفر بالإجماع.

стр. 1567

وفيه: تحريم عقوق الوالدين في محاله. وفيه: الاهتمام بذكر الشيء للتنبيه على وعيه ومنعه. وفيه: تحريم شهادة الزور، وفي معناها كل ما كان زورًا؛ من لبس وتبع وتعاطي أمر ليس هو له أهلًا. وفيه: الشفقة على الكبار من أهل العلم والدين، وتمني عدم غضبهم وتعبهم. وفيه: التحريض على مجانبة الذنوب، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "وَلَوْ يُعْطَى الناسُ بدَعوَاهُم، لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَال وَأَموَالَهُمْ، وَلَكِن اليَمِينَ عَلَى المُدعَى عَلَيه" (١). هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد أحكام الشرع، وهو حديث مرفوع إلى النبي ﷺ كما جاء في الكتاب، وهكذا ذكره أصحاب كتب السنن, وقال بعضهم: لا يصح مرفوعًا، إنما هو قول ابن عباس، والصحيح أنه مرفوع. وروى البيهقي وغيره بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى قومٌ دماءَ قوم وأموالهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٢)، وهذا الحديث يدل على أن الحكم لا يجوز إلا بالقانون الشرعي الذي رتب من الدعوى، وإقامه بينة، أو

стр. 1568

تصديق المدعى عليه. وإن طلب يمين المدعى عليه، فله ذلك، وإن غلب على الظن صدق المدعي، وقد بيَّن ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه أنه لو أعطي بها, لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، واستبيح ذلك، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما المدعي: فيمكنه صيانتها بالبينة. وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وجمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها أن اليمين على المدعى عليه مطلقا في كل حق، سواء كان بينه وبين المدعي اختلاط، أم لا. وقال مالك وجمهور أصحابه وفقهاء المدينة السبعة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبينه خلطة؛ لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل بتحليفهم إياهم مرارًا في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة؛ دفعًا لهذه المفسدة. واختلفوا في تفسير الخلطة؛ فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، وقيل: تكفي التشبهة، وقيل: هي أن تليق به الدعوى أن يعامله بمثلها على مثله، وقيل: أن تليق به أن يعامله بمثلها. وهذا كله من التصرفات بالتخصيصات لعموم الحديث، ولا أصل لاشترطها في كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن تصرفاتهم أيضًا: أن من ادعى شيئًا من أسباب القصاص، لم تجب به اليمين إلا أن يقيم على ذلك شاهدًا، فيجب اليمين. ومنها: إذا ادعى الرجل على امرأته نكاحا، لم يجب له عليها اليمين في ذلك. ومنها: أن بعض الأمناء ممن يجعل القول قوله، لا يوجبون عليه يمينًا. ومنها: دعوى المرأة الطلاق على الزوج لا تجب عليه اليمين، وكل من خالفهم في شيء من ذلك يستدل عليهم بعموم هذا الحديث، والله أعلم. * * *

стр. 1569

كتاب الأطعمة الحديث الأول عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ -وَأَهوَى النُّعْمانُ بِإصْبَعَيهِ إلَى أُذُنيْهِ-: "إن الحَلاَلَ بينٌ، وَإن الحَرَامَ بينٌ، وَبينَهُمَا أمُورٌ مُشتَبِهَات، لَا يَعلَمُهُن كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتقَى الشُبُهَاتِ، استبَرَأَ لِدِينهِ وَعِرضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرْتَع فِيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ وإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إذَا صَلحَتْ، صلَحَ الجَسَدُ كُلهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" (١). تقدم الكلام على النعمان بن بشير. قوله: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-" إنما قال ذلك ردًّا على من لم يصحح سماع النعمان من النبي ﷺ من أهل المدينة؛ حيث إنه كان صغيرًا، ولا شك أن عمره يوم مات النبي ﷺ كان ثماني سنين، ومن كان في هذا السن كان مميزًا صحيح السماع. وكذا من هو أصغر سنًّا منه، ولهذا صرح بالسماع من النبي ﷺ ، وأكده بإشارته بإصبعيه إلى أذنيه، وهو مذهب أهل العراق وجماهير العلماء، وهو الصواب.

стр. 1570

وحكاية القول عن أهل المدينة بعدم صحة سماعه من النبي ﷺ ضعيفة أو باطلة، والله أعلم. وهذا الحديث عظيم الموقع كثير الفوائد، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام، وقد وصفه العلماء بأنه ثلث الإِسلام أو ربعه، ويمتاز عليها بأنه أصل كبير في الورع وترك المتشابهات. وللشبهات مثارات؛ منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحامل أو التحريم وتعارض الإمارات والحجج؛ ولهذا قال ﷺ : "لا يعلمها كثير من الناس" إشارة إلى ما ذكرنا، مع أنه يحتمل أنه لا يعلم عينها، وإن علم حكمها أصلًا في التحليل والتحريم، وهذا -أيضًا- من مثار الشبهات. وقد نبه ﷺ على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها، وأنها ينبغي أن تكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك الشبهات؛ فإنه سبب لحماية دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور، وهو مراعاة القلب؛ فقال ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة ... " إلى آخره، فتبين أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. وقوله ﷺ : "الحلالُ بينٌ"؛ معناه: "بيِّنٌ حلُّه في عينه ووصفه، واضحٌ لا يخفى على أحد؛ كالمأكولات من الفواكله والحبوب والزيت والعسل والأسمان والألبان من مأكول اللحم والبيض وغير ذلك، وكالكلام والنظر والمشي والتصرفات الحلال التي لا شك فيها، وكالأكساب بالعقود الصحيحة الواضحة شرعًا، وبالتبرعات المأذون فيها شرعًا، ونحو ذلك. وقوله ﷺ : "وإن الحرامَ بين"؛ يعني: في عينه ووصفه بين واضحٌ؛ كالخمر والميتة والخنزير والبول والدم المسفوح، وكذلك المأخوذ بعقد نهى الشرع عنه على عينه، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية، وشبه ذلك.

стр. 1571

وقوله ﷺ : "وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس" معناه: ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، لا يعلم كثير من الناس حكمها، وأما العلماء، فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب ونحو ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة، ولم يكن فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه بأحدهما، صار حلالًا. وقد يكون دليله غيرَ خالٍ عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه، فيكون داخلًا في قوله ﷺ : "فمنِ اتقى الشبهاتِ، فقد استبرأ لدينه وعرضه"، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء؛ فهو مشتبه، فهل يوجد بحل هذا أم بحرمته أم يتوقف فيه؛ فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض ﵀، وغيره. قال شيخنا الإِمام أبو زكريا النووي ﵀: والظاهر، أنها مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وفيه أربعة مذاهب: الأصح: أنه لا حكم بحل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. والثاني: أن حكمها التحريم. والثالث: الإباحة. والرابع: التوقف، والله أعلم (١). وقوله ﷺ : "فمنِ اتقى الشبهاتِ فقدِ استبرأَ لدينه وعرضه"؛ ويعني: اتقى الشبهات على الوصف الذي ذكرنا من التوقف عن الأشياء حتى يعلم حلها وحرمتها، فيعمل بها، أو يمسك عنها، فقد صان نفسه عن الذم الشرعي المتعلق بدينه في أولاه وعقباه، وعرضه عن كلام الناس فيه من دنياه. وقوله ﷺ : "ألا وإن لكل ملكٍ حِمًى، ألا وإن حمى الله محارمُه" معناه: أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل منهم حمى يحميه عن الناس، ويمنعهم دخوله، فمن دخله منهم، أوقع به العقوبة، ومن احتاط لنفسه، لا يقارب ذلك

стр. 1572

الحمى؛ خوفًا من الوقوع في عقوبته، فكذلك لله تعالى حمى، وهو محارمه التي حرمها، التي هي المعاصي؛ كالقتل والزنا والسرقة والقذف والخمر والكذب والغيبة والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه هذا، فكل هذا حمى الله تعالى، من دخله باعتقاد حله، أو ارتكابه من غير اعتقاد حله، استحق العقوبة، ومن قارب، أوشك أن يقع فيه. ومن احتاط لنفسه بعدم المقاربة لشيء من الاعتقاد أو أسباب المعصية، لم يدخل في شيء من الشبهات، ويسمى هذا العدم: عدم الاستدراج. ولا شك أن النفس مركز الشيطان وميدان الأحزان، فتستدرج الإنسان من المباحات إلى المكروهات، ومن المكروهات إلى المحرمات، استدراجا لطيفا على حسب قوة الإنسان وضعفه في إيمانه ويقينه وشهوته، فينبغي للعبد أن يراقب ذلك، ويقطع الأسباب الحاملة عليه، ونسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والإعانة، ولا بد في ذلك جميعه من توقفٍ تقي يؤمن باللهِ واليوم الآخر، وهذا معنى قوله ﷺ : "ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام". وقد ذكروا فيه احتمالين، وهما وجهان ذكرهما العلماء: أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات، فإنه يصادف الوقوع في الحرام، وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا نسب إلى تقصير في المراقبة للخلاص منه. والثاني: أنه من كثر تعاطيه الشبهات، اعتاد التساهل، وتمرن عليه، فيجسُرُ بفعل الشبهة على فعل شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا حتى يقع في الحرام عمدًا، وهذا نحو قول السلف: المعاصي بريد الكفر؛ أي: تسوق إليه، عافانا الله أجمعين من الشر. وقوله ﷺ : "يوشك أن يرتع فيه"؛ يقال: أوشك يوشك -بضم الياء وكسر الشين-؛ أي: يشرع ويقرب. وقوله ﷺ : "كالراعي يرعى حول الحمى"؛ هذا من باب التمثيل والتشبيه. والحمى: المحمي: أطلق المصدر على اسم المفعول، والمحارم تطلق على

стр. 1573

المبهمات قصدًا، وعلى ترك المأمورات استلزامًا، وإطلاقها على الأول أشهر. قوله ﷺ : "ألا إن في الجسد مضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ"؛ المضغة: القطعة من اللحم، سميت بذلك؛ لأنها تمضع في الفم لصغرها، والمراد: تصغير جرم القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب، وقد عظم الشارع أمر القلب؛ لصدور الأفعال الاختيارية عنه، وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم، ورتب الأمر فيه على المضغة، والمراد: المتعلق بها، فلا شك أن صلاح الأعمال باعتبار العلم والاعتقاد بالمفاسد، فيتعين حماية مركزهما من الفساد وإصلاحه، وهو القلب. وقد اختلف العلماء من المتكلمين وغيرهم في العقل، هل هو في القلب، أو في الرأس؟ مذهب الشافعي وجماهير المتكلمين أنه في القلب، ومذهب أبي حنيفة: أنه في الدماغ، وقد يقال: في الرأس، والأول محكي عن الفلاسفة، والثاني: عن الأطباء. واستدل القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. وبهذا الحديث، فإنه ﷺ جعل صلاح الجسد وفساده تابعين للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد، فيكون صلاحه وفساده تابعًا للقلب، فعلم أنه ليس محلًا للعقل. واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ، فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك؛ لأن الله -سبحانه- أجرى العادة بفساد العقل عند فساد الدماغ، مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك، لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي بين الدماغ والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا، والله أعلم.

стр. 1574

وفي هذا الحديث أحكام: منها: الحث على الحلال وتبينه. ومنها: الحث على اجتناب الحرام وتبينه. ومنها: الإمساك عن الشبهات. ومنها: الاحتياط للدين والعرض، وعدم تعاطي الأمور الموجبة لسوء الظن بالإنسان؛ لما فيها من تأذية وجر الأذى إلى الناس بوقوعهم فيه بسبب عدم احتياطه لنفسه. ومنها: الأخذ بالورع والعمل به، وهذا الحديث أصل فيه. وقد روى الترمذي حديثًا حسنًا من رواية عائذ بن عمرو الصحابي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لا يبلُغ أحدٌ أن يكونَ من المتقين حَتَّى يدع ما لا بأسَ بهِ، حذرًا لِما به بَأسٌ" (١). وهذا الحديث -أيضًا- أصل أصيل في الورع وترك الشبهات، قال شيخنا الإِمام أبو الفتح بن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: وكان في عصر شيوخنا بينهم اختلاف في هذه المسألة، وصنفوا فيها تصانيف، وكان بعضهم سلك طريقا من الورع، فخالفهم بعض أهل عصره، وقال: إن كان هذا الشيء مباحا؛ والمباح ما استوى طرفاه، فلا ورع فيه؛ فإن الورع ترجيح لجانب الترك، والترجيح لأحد الجانبين مع التساوي محال، وجمع بين المتناقضين، وبنى ذلك تصنيفًا. قال: والجواب عندي من وجهين: أحدهما: أن المباح قد يطلق على ما لا حرج في فعله، وإن لم يتساو طرفاه، وهذا أعم من المباح المتساوي الطرفين، فهذا الذي رد فيه القول. وقال: إما أن يكون مباحا أو لا؛ فإن كان مباحًا، فهو مستوي الطرفين، فنمنعه؛ فإن المباح قد

стр. 1575

صار مطلقًا على ما هو أعم من المتساوي الطرفين، فلا بد أن اللفظين على غير التساوي؛ إذ الدال على العام لا يدل على الخاص بعينه. الثاني: أنه قد يكون متساوي الطرفين باعتبار أنه لا يتناقض حينئذ الحكمان، وعلى الجملة، فلا يخلو هذا الموضع من نظر؛ فإنه إن لم يكن فعل هذا المشتبه موجبًا لضرر ما في الآخرة، وإلا فيتعين ترجيح تركه، إلا أن يقال: إن تركه محصل لثواب، أو زيادة درجات، وهو على خلاف ما نفهم من أفعال الورعين؛ فإنهم يتركون ذلك تحرجا وتخوفا، وبه يشعر لفظ الحديث، والله أعلم (١). ومنها: ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العلمية. ومنها: التنبيه على عظمة الله ، واجتناب محارمه التي مصالحها ونفعها عائد علينا؛ لأنه الغني المطلق، ولهذا قال : ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧]. ومنها: التنبيه بما يشاهده العبد على ما غاب عنه لتقريب المعاني إلى ذهنه. ومنها: التنبيه على مرتبة العلم والعلماء وشرفهما. ومنها: إلحاق المشتبه بالممنوع منه، إلى أن يستبين أمره. ومنها: أن ارتكابه سبب للوقوع في الممنوع منه. ومنها: تبيين مرتبة القلب من الجسد، وأن بصلاحه يصلح الجسد، وبفساده يفسد؛ فهو كالملك إذا صلح صلحت الرعية، وإذا فسد فسدت الرعية. ومنها: أن الأعمال القلبية أفضل من الأعمال البدنية، وأنها لا تصلح الأعمال البدنية إلا بالقلبية. ومنها: أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، فيما كان العمل مقيدًا بهما؛ فإنه قد يختص بأحدهما أحكام دون الآخر، وقد يلزم عن أحدهما أعمال بسبب الآخر، والله أعلم.

стр. 1576

الحديث الثاني عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنفَجنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظهرَانِ، فَسَعَى القوم فَلَغَبُوا، وَأَدرَكْتُهَا فَأَخَذتُهَا، فأتيْتُ بِهَا أبا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذِهَا، فَقَبِلَهَا (١). أما أبو طلحة؛ فاسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حَرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عديِّ بن عمرِو بن مالكِ بن النجار، أحدُ النقباء، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو نقيب، روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. وروى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد الجهني ﵃، وابنه عبد الله بن أبي طلحة، وابن ابنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وسعيد بن يسار أبو الحباب. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: توفي بالشام، وغزا البحر، فمات فيه، وعاش بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم، وروى له أصحاب السنن والمساند. وأبو طلحة هذا، هو القائل: أنا أبو طلحةَ، واسمي زيدُ ... في كلِّ يومٍ في سلاحي صَيْدُ وهو ربيب أنسِ بن مالك، خلفَ بعد أبيه مالكِ بن النضر على أمه أمِّ سليم بنت ملحان، فولد له منها عبد الله بن أبي طلحة والد إسحاق وإخوته، والله أعلم (٢).

стр. 1577

ومَرُّ الظهران -بفتح الميم وتشديد الراء-، والظهران: -بفتح الظاء المعجمة؛ مثل تثنية الظهر-، ويقال له: مر ظهران، ويقال له: الظهران من غير إضافة مر إليه: اسم موضع على بريدين من مكة، وقيل: على إحدى وعشرين ميلًا، وقيل: على ستة عشر ميلًا (١). وقوله: "أَنْفَجْنا أرنبًا"؛ يقال: أَنْفَجْتُ الأرنب -بفتح الهمزة وسكون النون، وبفتح الفاء وسكون الجيم-، فنفج؛ أي: أثرته فثار، كأنه يقول: أثرناه، ودعوناه، فعدا (٢). والأرنب؛ حيوان معروف. وقوله: "فسعَوا عليه فَلَغَبوا"؛ معناه: عدوا عليه وطلبوه فَأَعْيوا, ولغبوا؛ بفتح الغين المعجمة على المشهور الفصيح من اللغتين، وحكى الجوهري وغيره كسرها، وهي ضعيفة. وفي الحديث: جواز إثارة الصيد والعدو في طلبه. وفيه: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه. وفيه: هدية الصيد وقبوله. وفيه: جواز أكل الأرنب وحله؛ حيث إنه ذبح وأهدي، ولو لم يكن حلالًا، لما ذبح، وقيل: هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى: أنهما كرهاها. ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء، والله أعلم.

стр. 1578

الحديث الثالث عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ (١). وَفِي رِوَايةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينةِ (٢). أما أسماء بنت أبي بكر؛ فهي أم عبد الله بن الزبير بن العوام، وهي أخت عائشة ﵄ أمِّ المؤمنين لأبيها، وهي أسن من عائشة، وكان عبد الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها، وأمهما قتلة -بفتح القاف وسكون التاء المثناة فوق-، وربما قيل: قتيلة بنتُ عبد العزى بن عبد أسعد بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وتقدم نسبها في مواضعه. أما في ذكر أبيها، أو أخيها عبد الرحمن، أو أختها، فلا حاجة إلى إعادته. واختلف في إسلام أمها، وأكثر الروايات أنها ماتت مشركة. أسلمت أسماء قديمًا بمكة، وقيل: كان إسلامها بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وقيل: كانت حاملًا بابنها عبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء. وقيل غير ذلك. وكانت تسمى: ذاتَ النطاقين، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنها صنعت للنبي ﷺ سفرة حين أراد الهجرة إلى المدينة، فعسر عليها ما تشدُّها به، فشقت خمارها، وشدت السفرة بنصفه، وانتطقت النصف الثاني، فسماها رسول الله ﷺ : ذات النطاقين، وقيل: لأن النبي ﷺ قال لها: "أبدلكِ اللهُ بنطاقِكِ هذا نِطاقَينِ في الجنةِ" (٣). روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها.

стр. 1579

وروى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها عبد الله، وعروة، وغيرهم من أنسالها وأقاربها وغيرهم. وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، واختلف في تعيينه، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مئة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء، والله أعلم (١). وأما قولها: "نحرْنا على عهدِ رسول الله ﷺ "، وفي رواية للبخاري: ذبحنا فرسًا (٢). فقد اختلف في ذلك، فمنهم من حمل الروايتين على قضيتين، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، وهو الصحيح المرجح عندهم؛ حيث إنه حملهما على الحقيقة فيهما مع فائدة جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفًا للأفضل، ومنهم من حمل النحر على الذبح؛ جمعًا بين الحقيقة والمجاز. والفرس تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق. وقولها: "ونحن بالمدينة"، إشارة إلى أن النحر كان آخر الأمر لا في أوله، لئلا يدعي المخالف أن هذا كان في أول الأمر، وأنه منسوخ، فذكر المدينة إزالة للشك؛ لأن ما كان فيها كان آخر أمره ﷺ ، والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل: على إباحة نحر الخيل، وأكل لحمها، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف والخلف، لا كراهة فيه، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: عبد الله بن الزبير،

стр. 1580

وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم، وكره ذلك ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، واختلف عن أبي حنيفة، فقال في رواية عنه: يأثم, ولا يسمى حرامًا، وقال بعض أصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، والصحيح عندهم: أنها كراهة تحريم. واعتذر بعضهم عن هذا الحديث بأن قال: فعل الصحابة في زمن النبي ﷺ لا يكون حجة إلا إذا علمه ﷺ ، وهذا مشكوك فيه، مع أنه معارض برواية رواها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد ﵄: أنه غزا مع رسول الله ﷺ خيبر، وأن اليهود شكوا أن الناس قد انتزعوا حظائرهم، وأنه ﷺ قال: "ألا لا تحل أموالُ المعاهدين إلا بحقها، وحرم الله عليهم لحومَ حمرِ الأهليةِ وخيلها وبغالها، وكل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير" (١). وهذا الاعتذار ضعيف أو باطل؛ إذ يبعد فعل مثل هذا في زمنه ﷺ وهو ممنوع ولم يعلم به، إما بإخبار الصحابة ﵁، وإما بوحي من الله تعالى، مع أنهم توقفوا عن أكل أشياء دون هذا هي حلال في الشرع، حتى سألوه ﷺ عنها، أو أذن لهم فيها. وقد نزل الوحي في أشياء دون هذا بالإذن أو المنع. كيف والحديث الآتي من رواية جابر بن عبد الله ﵄ مصرح بالإذن فيها وفي خيبر بالأكل من لحوم الخيل؟
следующие страницы →