← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الحديث الثاني عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنفَجنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظهرَانِ، فَسَعَى القوم فَلَغَبُوا، وَأَدرَكْتُهَا فَأَخَذتُهَا، فأتيْتُ بِهَا أبا طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخِذِهَا، فَقَبِلَهَا (١). أما أبو طلحة؛ فاسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حَرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عديِّ بن عمرِو بن مالكِ بن النجار، أحدُ النقباء، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو نقيب، روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثًا، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. وروى عنه: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وزيد بن خالد الجهني ﵃، وابنه عبد الله بن أبي طلحة، وابن ابنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وسعيد بن يسار أبو الحباب. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان ﵁، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: توفي بالشام، وغزا البحر، فمات فيه، وعاش بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم، وروى له أصحاب السنن والمساند. وأبو طلحة هذا، هو القائل: أنا أبو طلحةَ، واسمي زيدُ ... في كلِّ يومٍ في سلاحي صَيْدُ وهو ربيب أنسِ بن مالك، خلفَ بعد أبيه مالكِ بن النضر على أمه أمِّ سليم بنت ملحان، فولد له منها عبد الله بن أبي طلحة والد إسحاق وإخوته، والله أعلم (٢).

стр. 1577

ومَرُّ الظهران -بفتح الميم وتشديد الراء-، والظهران: -بفتح الظاء المعجمة؛ مثل تثنية الظهر-، ويقال له: مر ظهران، ويقال له: الظهران من غير إضافة مر إليه: اسم موضع على بريدين من مكة، وقيل: على إحدى وعشرين ميلًا، وقيل: على ستة عشر ميلًا (١). وقوله: "أَنْفَجْنا أرنبًا"؛ يقال: أَنْفَجْتُ الأرنب -بفتح الهمزة وسكون النون، وبفتح الفاء وسكون الجيم-، فنفج؛ أي: أثرته فثار، كأنه يقول: أثرناه، ودعوناه، فعدا (٢). والأرنب؛ حيوان معروف. وقوله: "فسعَوا عليه فَلَغَبوا"؛ معناه: عدوا عليه وطلبوه فَأَعْيوا, ولغبوا؛ بفتح الغين المعجمة على المشهور الفصيح من اللغتين، وحكى الجوهري وغيره كسرها، وهي ضعيفة. وفي الحديث: جواز إثارة الصيد والعدو في طلبه. وفيه: أنه يملك بأخذه ووضع اليد عليه. وفيه: هدية الصيد وقبوله. وفيه: جواز أكل الأرنب وحله؛ حيث إنه ذبح وأهدي، ولو لم يكن حلالًا، لما ذبح، وقيل: هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والعلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى: أنهما كرهاها. ودليل الجمهور هذا الحديث مع أحاديث مثله، ولم يثبت في النهي عنها شيء، والله أعلم.

стр. 1578

الحديث الثالث عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بكْرٍ ﵄ قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ (١). وَفِي رِوَايةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينةِ (٢). أما أسماء بنت أبي بكر؛ فهي أم عبد الله بن الزبير بن العوام، وهي أخت عائشة ﵄ أمِّ المؤمنين لأبيها، وهي أسن من عائشة، وكان عبد الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها، وأمهما قتلة -بفتح القاف وسكون التاء المثناة فوق-، وربما قيل: قتيلة بنتُ عبد العزى بن عبد أسعد بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وتقدم نسبها في مواضعه. أما في ذكر أبيها، أو أخيها عبد الرحمن، أو أختها، فلا حاجة إلى إعادته. واختلف في إسلام أمها، وأكثر الروايات أنها ماتت مشركة. أسلمت أسماء قديمًا بمكة، وقيل: كان إسلامها بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وقيل: كانت حاملًا بابنها عبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء. وقيل غير ذلك. وكانت تسمى: ذاتَ النطاقين، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنها صنعت للنبي ﷺ سفرة حين أراد الهجرة إلى المدينة، فعسر عليها ما تشدُّها به، فشقت خمارها، وشدت السفرة بنصفه، وانتطقت النصف الثاني، فسماها رسول الله ﷺ : ذات النطاقين، وقيل: لأن النبي ﷺ قال لها: "أبدلكِ اللهُ بنطاقِكِ هذا نِطاقَينِ في الجنةِ" (٣). روي لها عن رسول الله ﷺ ستة وخمسون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها.

стр. 1579

وروى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها عبد الله، وعروة، وغيرهم من أنسالها وأقاربها وغيرهم. وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، واختلف في تعيينه، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مئة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء، والله أعلم (١). وأما قولها: "نحرْنا على عهدِ رسول الله ﷺ "، وفي رواية للبخاري: ذبحنا فرسًا (٢). فقد اختلف في ذلك، فمنهم من حمل الروايتين على قضيتين، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، وهو الصحيح المرجح عندهم؛ حيث إنه حملهما على الحقيقة فيهما مع فائدة جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفًا للأفضل، ومنهم من حمل النحر على الذبح؛ جمعًا بين الحقيقة والمجاز. والفرس تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق. وقولها: "ونحن بالمدينة"، إشارة إلى أن النحر كان آخر الأمر لا في أوله، لئلا يدعي المخالف أن هذا كان في أول الأمر، وأنه منسوخ، فذكر المدينة إزالة للشك؛ لأن ما كان فيها كان آخر أمره ﷺ ، والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل: على إباحة نحر الخيل، وأكل لحمها، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف والخلف، لا كراهة فيه، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: عبد الله بن الزبير،

стр. 1580

وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم، وكره ذلك ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، واختلف عن أبي حنيفة، فقال في رواية عنه: يأثم, ولا يسمى حرامًا، وقال بعض أصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، والصحيح عندهم: أنها كراهة تحريم. واعتذر بعضهم عن هذا الحديث بأن قال: فعل الصحابة في زمن النبي ﷺ لا يكون حجة إلا إذا علمه ﷺ ، وهذا مشكوك فيه، مع أنه معارض برواية رواها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد ﵄: أنه غزا مع رسول الله ﷺ خيبر، وأن اليهود شكوا أن الناس قد انتزعوا حظائرهم، وأنه ﷺ قال: "ألا لا تحل أموالُ المعاهدين إلا بحقها، وحرم الله عليهم لحومَ حمرِ الأهليةِ وخيلها وبغالها، وكل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير" (١). وهذا الاعتذار ضعيف أو باطل؛ إذ يبعد فعل مثل هذا في زمنه ﷺ وهو ممنوع ولم يعلم به، إما بإخبار الصحابة ﵁، وإما بوحي من الله تعالى، مع أنهم توقفوا عن أكل أشياء دون هذا هي حلال في الشرع، حتى سألوه ﷺ عنها، أو أذن لهم فيها. وقد نزل الوحي في أشياء دون هذا بالإذن أو المنع. كيف والحديث الآتي من رواية جابر بن عبد الله ﵄ مصرح بالإذن فيها وفي خيبر بالأكل من لحوم الخيل؟

стр. 1581

كيف وحديث خالد بن الوليد ضعيف منكر باتفاقهم؛ وبتقدير صحته يكون منسوخًا، وقال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: هو حديث منكر، وقال الحافظ أبو داود في "سننه": هذا منسوخ، وقال النسائي: حديث جابر: أنه ﷺ أذن في لحوم الخيل أصح من هذا الحديث، قال: ويشبه -إن كان هذا صحيحًا-، أن يكون منسوخًا؛ لأن قوله: أذن ﷺ في لحوم الخيل دليل على ذلك. وقال أيضًا: لا أعلمه رواه غير بقية بن الوليد. وقال البخاري: صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الشامي عن أبيه، فيه نظر. وقال الخطابي: حديث جابر إسناده جيد، قال: وأما حديث خالد بن الوليد، ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده، لا يعرف سماع بعضهم من بعض. وقال الحافظ موسى بن هارون: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده. وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف، وقال أيضًا: وهذا إسناد مضطرب. وقال الواقدي: لا يصح هذا؛ لأن خالدًا أسلم بعد فتح خيبر، وقال البخاري: خالد لم يشهد خيبر. وقال الإِمام أحمد بن حنبل: لم يشهد خيبرًا، إنما أسلم بعد الفتح. وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله ﷺ قبل الفتح. وقال البيهقي: إسناده مضطرب؛ ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات (١). وحديث جابر سيأتي في الكتاب بعد هذا الحديث، ولفظ البخاري: ورخص في لحوم الخيل، والله أعلم.

стр. 1582

قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: ثم لو سلم -يعني: الاعتذار الذي ذكروه- عن المعارض، ولكن لا يصح التعلق به في مقابلة دلالة النص، وهذا إشارة إلى ثلاثة أجوبة: أما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية والرواية الأخرى لجابر، وأما الرواية التي فيها: وأذن في لحوم الخيل، فلا يرد عليها. وأما الثاني: وهو المعارضة بحديث التحريم، فإنما نعرفه بلفظ النهي، لا بلفظ التحريم؛ من حديث خالد بن الوليد، وفي ذلك الحديث كلام ينقص عن هذا الحديث عند بعضهم. قلت: وقد ذكره أبو داود وغيره بلفظ التحريم كما ذكرناه وبينا ضعفه من جميع وجوهه عن جميع الحفاظ المتقنين الذين إليهم المرجع في هذا الشأن، والله أعلم. قال: وأما الثالث: فإنه أراد؛ يعني: الإشار إلى دلالة الكتاب العزيز قوله -تعالي-: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. ووجه الاستدلال: أن الآية خرجت مخرج الامتنان بذكر النعم على ما دل سياق الآيات التي في سورة النحل؛ فذكر الله الامتنان بنعمة الركوب والزينة في الخيل والحمير، وترك الامتنان بنعمة الأكل كما ذكر في الأنعام، ولو كان الأكل ثابتًا، لما ترك الامتنان به؛ لأن نعمة الأكل في جنسها فوق نعمة الركوب والزينة؛ فإنه يتعلق بها البقاء بغير واسطة، ويحسن ترك الامتنان بأعلى النعمتين، وذكر الامتنان بأدناهما بدل الامتنان بترك الأكل على الامتناع منه، لا سيما وقد ذكرت نعمة الأكل في نظائرها من الأنعام. وهذا، وإن كان استدلالًا حسنًا، إلا أنه يجاب عنه من وجهين: أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة. الثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على غير التحريم، فإنما يشعر به ترك الأكل،

стр. 1583

وهو أعم من كونه متروكًا على سبيل الحرمة، أو على سبيل الكراهة. هذا آخر كلامه، والله أعلم (١). وقال شيخنا الإِمام أبو زكريا النووي -رحمه الله تعالى- بعد أن ذكر الكلام على تضعيف حديث تحريم لحوم الخيل، ونسخه، واحتجاجهم بالآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾: وأما الآية، فأجابوا عنها: بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتها مختصة بذلك؛ وإنما خص هذان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فذكر اللحم؛ لأنه معظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، ولم يلزم من هذا تحريم الأثقال على الخيل. هذا آخر كلامه، والله أعلم (٢). * * * الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهلِيةِ، وَأَذِنَ في لحُوُمِ الخَيلِ (٣). وَلِمُسْلِم وَحْدَهُ قَالَ: أكلنَا زَمَنَ خَيْبرَ الخَيلَ وَحُمُرَ الوَحْشِ، وَنَهَى النبِيُّ ﷺ عَنِ الحِمَارِ الأَهْلِيِّ (٤). أما نهيه ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ فلأنها كانت مباحة في أول الأمر، ثم حرمت في آخره.

стр. 1584

وخيبر كانت في السنة السابعة من الهجرة. وقال بعضهم: نسخ الله تعالى القبلة مرتين، ونكاح المتعة مرتين، وتحريم الحمر الأهلية مرتين، ولا أحفظ رابعًا. وقوله: "أكلنا زمنَ خيبرَ الخيلَ وحُمُرَ الوحشِ"؛ هو تنبيه على ما كانت قريش تفعله في الجاهلية من ذبح الخيل وأكلها، فقرر رسول الله ﷺ ذلك بعد أن كان منعه، على ما ذكر نحو هذا الكلام الإِمام الحافظ أبو داود سليمان بن الأشعث، ونبه بذكر حمر الوحش وأكلها على منع الحمر الأهلية بطريق المفهوم. وأما حكم لحوم الخيل والكلام عليه، فتقدم في الحديث قبله. والخيل؛ اسم جنس لا واحد له من لفظه، كالقوم، والنفر، والرهط، والنساء، وواحده من غير لفظه: فرس، يطلق على الذكر والأنثى. وحكى أبو البقاء في "البيان" قولًا شاذًا: أن واحده خائل؛ كطائر وطير، قالوا: والخيل مؤنثة، جمعها خيول، قال السجستاني: تصغيرها: خييل، قال الواحدي: سميت خيلًا؛ لاختيالها في مشيها بطول أذنابها (١). وفي الحديث دليل على تحليل حمر الوحش. وفيه: دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وهو مذهب الجماهير من الصحابة ﵃، والتابعين ومن بعدهم، وقال ابن عباس: ليست بحرام. وعن مالك: ثلاث روايات: أشهرها: أنها مكروهة كراهة تنزيه شديدة. والثانية: حرام. والثالثة: مباحة.

стр. 1585

والصواب: التحريم كما قاله الجمهور. وأما الحديث في إباحته، الذي رواه أبو داود عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة، فلم يكن لي في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! أصابتنا السنة، ولم يكن لي في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: "أطعمْ أهلكَ من سمينِ حمركَ، فإنَّما حرمتها من أجلِ جوال القرية" (١). يعني بالجوال: التي تأكل الجلة: وهي العذرة، فهو حديث اختلف في إسناده اختلافًا كبيرًا. قال البيهقي: إسناده مضطرب، ثم لو صح، لكان محمولًا على حال الاضطرار، والأكل منها للمضطر جائز بالاتفاق، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: أَصَابَتنا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيبرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبرَ، وَقَعنَا في الحُمُرِ الأَهلِيةِ، فنحَرنَاهَا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا القُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُول اللهِ ﷺ أَنِ: اكْفَؤوا القُدُورَ، وَلَا تَأكلُوا مِنْ لُحُوم الحُمُرِ شَيئًا (٢). أما عبد الله بن أبي أوفى؛ فهو أسلميٌّ، كنيته: أبو إبراهيم، وقيل: أبو محمَّد، وقيل: أبو معاوية بن أبي أوفى، علقمةَ بنِ خالدِ بن الحارث بن أبي

стр. 1586

أسيد -بفتح الألف- بن رفاعةَ بن ثعلبةَ بن هوازن بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرِو بن عامر، وهو أخو زيد بن أبي أوفى. شهد الحديبية، وهي بيعة الرضوان، وخيبر، وما بعدها من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قُبض رسول الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، وابتنى بها دارًا في أسلم. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وتسعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. وروى عنه: طلحة بن مصرف، وغير واحد، وروى له أصحاب السنن والمساند. ومات بالكوفة سنة ست، وقيل: سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة ﵃ بالكوفة، وكان قد كف بصره، والله أعلم (١). وأما قوله: "نادى منادي رسول الله ﷺ أن: اكفؤوا القدور"؛ ضبطوا: اكفؤوا بألف وصل، وفتح الفاء، من كفأت، ثلاثي، ومعناه: اقلبوا وكبوا وفرغوا ما فيه، ويصح في اللغة أن يقال بهمزة قطع وكسر الفاء، من أكفأت، رباعي، وهو لغتان بمعنى، عند كثير من أهل اللغة، منهم الخليل، والكسائي، وابن السكيت، وابن قتيبة، وغيرهم، وقال الأصمعي: يقال: كفأت، ولا يقال: أكفأت (٢). وهذه الرواية تشتمل على لفظ التحريم، وهو أبلغ من لفظ النهي. وأمره ﷺ بإكفاء القدور محمول على أنه سبب التحريم لأكل لحومها عند

стр. 1587

جماعة، وهو المشهور السابق إلى الفهم، وقد ورد فيه علتان أخريان: إحداهما: لأنها أخذت قبل المقاسم. والثانية: لأجل كونها من جوال القرية. فإن صحت الروايات عن النبي ﷺ بذلك، تعين الرجوع إليه، والله أعلم. وفي الحديث دليل: على جواز ذبح الحيوان أو نحوه للمجاعة بشرط جواز أكله. وفيه دليل: على أنه ينبغي لأمير الجيش إذا فعل فيه شيء على خلاف الشرع، أن يأمر مناديه أن ينادي بإتلافه والمنع من تعاطيه، وقد كانت للنبي ﷺ في مثل ذلك حالتان: إحداهما: الأمر بالنداء كما ذكرنا. والثانية: جمع الناس يخطبهم، ويذكر ما يحتاجون إليه من حكم الله تعالى في ذلك، والله أعلم. وفيه دليل: على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية قليلًا كان أو كثيرًا. وفيه دليل: على إكفاء القدور المطبوخة فيها. وقد روى مسلم في "صحيحه" في رواية: الأمر بإهراقها وكسرها، وأن رجلًا قال: أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك" (١)، وهذا تصريح بنجاستها وتحريمها، وتؤيده الرواية الأخرى في مسلم: "فإنها رجس" (٢). وفي أخرى: "ركس أو نجس" (٣).

стр. 1588

وتقدم حكم غسل النجاسة وتكرارها في الطهارة. وأمره ﷺ أولًا بكسرها، ويحتمل أنه كان بوحي أو باجتهاد، ثم نسخ وتعين الغسل، ولا يجوز اليوم الكسر؛ لأنه إتلاف مال. وهذه الروايات تدل على أنه إذا غسل الإناء النجس, فلا بأس باستعماله، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ أَبِي ثَعْلَبةَ ﵁ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأَهْلِية (١). أما أبو ثعلبة، فسيأتي ذكره في أول باب الصيد، وفيه: التصريحُ بتحريم لحوم الحمر الأهلية. * * * الحديث السابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بيتَ مَيمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ بَعْضُ النِّسْوَة اللَّاتِي في بيتِ مَيْمُونةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنهُ لَمْ يكُنْ بِأَرْضِ قَوْمي، فَأَجِدُنِي أَعَافُه" فَقَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأكَلْتُهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ (٢).

стр. 1589

المحنوذ: المشويُّ بالرضف، وهي الحجارة المحمَّاة. أما عباس وميمونة، فتقدم ذكرهما، وتقدم ذكر خالد بن الوليد في الزكاة. والذي أتى بالضب إلى رسول الله ﷺ هي أم حُفَيد -بضم الحاء وفتح الفاء-، ويقال: أم حميد -بالميم بدل الفاء-، ويقال: أم حميدة -بزيادة هاء بعد الدال-، ويقال: أم حفيرة، ويقال: أم عفير. والأصوب الأشهر: الأول، واسمها: هزيلة، وهي صحابية (١). وميمونة، وأم خالد لبابةُ الصغرى، وأم ابن عباس لبابةُ الكبرى، وأم حفيد، كلُّهن أخوات، وأبوهم الحارث. وميمونة زوج النبي ﷺ ابن عباس وخالد بن الوليد، والله أعلم. وقوله: "فأجدُني أَعافُهُ": قال أهل اللغة: معنى أعافه: أكرهه تقذُّرًا. والضب: دويبة تشبه الحرذون، لكنه كبير القد، يقال: ضبّ وأَضُبّ؛ مثل: كَفّ وأَكُفّ. ورأيته في الحجاز، وأكلته ضرورة في المحرم سنة ست وسبعين وست مئة. وأكلُ خالد له، والنبيُّ ﷺ ينظر من غير استئذان، هو من باب الإدلال، والأكل من بيت القريب والصديق الذي لا يكره ذلك؛ فإن خالدًا أكله في بيت خالته، وبيت نبيه ﷺ ، وصديقه، فلا يحتاج إلى الاستئذان، لا سيما والمهدية خالته أم حفيد، ولعله أراد جبرَ قلبها؛ حيث إن النبي ﷺ عافه ولم يأكله. وقد فسر المصنف المحنوذ. وفي هذا الحديث دليل على أن: الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكى القاضي عياض عن قوم: أنهم قالوا: هو حرام.

стр. 1590

وما أظن أنه يصح عن أحد، فإن صح عن أحد، فمحجوج بالنصوص وإجماع مَنْ قبلَه. وقد قرر النبي ﷺ على أكله مع العلم به، وتقريره ﷺ أحد الطرق الشرعية، وهي: فعله ﷺ ، وقوله، وتقريره مع العلم. وفيه دليل: على الإعلام بما يشك في أمره؛ ليتضح الحال فيه؛ لأنهم قصدوا ذلك؛ ليكونوا على يقين من إباحته، إن أكله، أو أقر عليه. وفيه دليل: على أن مطلق النفْرة وعدم الاستطابة دليل على التحريم أو أخص منه. وفيه دليل: على جواز دخول أقارب الزوجة بيتها، وتبسُّطهم فيه، إذا علموا أن الزوج لا يكره ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الجَرَادَ (١). تقدم الكلام على عبد الله بن أبي أوفى قريبًا. وفي الحديث دليل: على إباحة أكل الجراد، ونقل الإجماع على إباحته. لكن قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والجماهير: يحل، سواء مات بذكاة، أو باصطياد مسلم أو مجوسي، أو مات حتف أنفه، سواء قطع بعضه، أو أحدث فيه سبب. وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسبب،

стр. 1591

بأن يقطع بعضه، أو يسلق، أو يلقى في النار حيًّا، أو يشوى، فإن مات حتف أنفه، أو في وعاء، لم يحل. وليس في هذا الحديث ما يدل على اشتراط شيء من ذلك ولا عدمه، ولا صيغة للعموم فيه، ولا بيان كيفية أكلهم. وفيه دليل: على جواز ذكر طاعات الإنسان في معرض بيان الأحكام والتأسي، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّب الْجَرْمِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى، فَدَعَا بِمَائِدَتِهِ، وَعَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجٍ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي تَيْمِ اللهِ، أَحْمَرُ، شَبيهٌ بِالمَوَالي، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَتلَكَّأَ، فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ؛ فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهُ (١). تقدم الكلام على أبي موسى، وهو الأشعري، وعلى الجرمي، وأنها نسبة إلى جرم، في الصلاة. أما زَهْدَم -بفتح الزاي، وسكون الهاء، وفتح الدال المهملة ثم الميم- بن مُضَرِّب -بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء المشددة ثم الباء الموحدة-، فكنيته: أبو مسلم، تابعيٌّ، جرميٌّ أزديٌّ بصريٌّ، ثقة. رويا له في "الصحيحين". سمع ابن عباس، وأبا موسى، وعمران بن حصين ﵃. روى عنه جماعة من التابعين وغيرهم (٢). وأما الرجل المبهم، فلا أعرف اسمه.

стр. 1592

وقوله: "هلم": معناه: تعال، وهو استدعاء، وأصله: ثُمَّ؛ أي: ثُمَّ بنا، والهاء في أوله هي: هاء التنبيه، وحذفت الألف منها للتركيب طلبًا للتخفيف. وتستعمل للواحد والجماعة والذكر بصيغة واحدة. وقوله: "فتلكَّأ": معناه: تردد وتوقَّف، والدجاجُ يقع على الذكر والأنثى، وهو بفتح الدال وكسرها، والفتح أفصح باتفاقهم، الواحد دجاجة. وفي الحديث دليل: على استحباب الدعاء بالمائدة للضيفان والأصحاب. وفيه دليل: على إباحة أكل الدجاج، وكرهه جماعة، وهذا الحديث يرد عليهم. وفيه دليل: على أن المرجع في الأحكام كلها، الظاهرة والباطنة، إلى رسول الله ﷺ . وفيه دليل: على البناء على الأصل؛ لأن الرجل المذكور الداخل؛ إما أن تكون علة تأخره؛ لأنه رآهم يأكلون شيئًا، فقذره بناء على الأصل في أن ما يستقذر يكون مكروهًا، فيكون الدجاج الذي يأكل القذر مكروهًا. ويحتمل أن يكون دليلًا: على أنه لا اعتبار بأكل النجاسة، لكنه قد جاء النهي عن أكل الجلَّالة. وقد كره الفقهاء أكل لحم الجلالة إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها" (١). أما يلعقها الأول، فهو -بفتح الياء- فعل لازم، وأما الثاني، فهو -بضم الياء- فعلٌ متعدّ.

стр. 1593

وهو معلل في الحديث الصحيح: أنه ﷺ قال: "فَإِنَّهُ لا يَدْري في أَيِّ طَعامِهِ البَرَكَةُ" (١). وقد علله بعضهم بأنه زيادة تلويث لما يمسح يده به قبل اللعق مع الاستغناء عنه بالريق. وإذا صح الحديث بتعليل شيء، لم يعدل عنه. وفي الحديث دليل: على استعمال التواضع. وفيه دليل: على استحباب لعق الأصابع بعد الأكل قبل مسحها أو غسلها. وفيه دليل: على استعمال السنة، والأمر بها في كل شيء حتى ما يعده الناس في العرف دناءة. وفبه دليل: على عدم إهمال شيء من فضل الله تعالى مأكولًا أو مشروبًا كان أو غيرهما، وإن كان تافهًا حقيرًا في العرف، والله أعلم. * * *

стр. 1594

باب الصيد الحديث الأول عَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: أتيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أفنَأْكُلُ في آنِيَتِهم؟ وَفِي أَرْضٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِيَ المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ -يَعْنِي: مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الكِتَابِ-، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا، فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُل، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمِ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ" (١). أما أبو ثعلبة: فاختلف في اسمه وفي اسم أبيه اختلافًا كبيرًا، فقيك: اسمه جرثوم، وقيل: جرهم، وقيل: جرثومة، وقيل: عمرو، وقيل: لاشر، وقيل: الأشق، وقيل غير ذلك. وأما أبوه، فقيل: اسمه ناشر، وقيل: اسمه ناشب، وقيل: ناشم، وقيل: لاشر، وقيل: جرثوم، وقيل: جرهم، وقيل: ناشج، وقيل: جرثومة، لم يختلف في صحبته.

стр. 1595

وهو ممن غلبت عليه كنيته، وكان ممن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الشام ومات أيام معاوية، وقيل: إنه توفي سنة خمس وسبعين، ومات في ولاية عبد الملك بن مروان. قال ابن الكلبي: بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وضرب له بسهم يوم حنين، وأرسله رسول الله ﷺ إلى قومه فأسلموا، وأخوه عمرو بن جرهم أسلم على عهد النبي ﷺ ، وهما من ولد ليوان بن مر بن خشين بن النمر بن وبرة. وروى عنه: أبو إدريس الخولاني، ومسلم بن مشكم. وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. وأما الخُشني -بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين، ثم النون ثم ياء النسب-، فنسبة إلى خشين: بطن من قضاعة. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا في نسبه إلى خشين، وهو وائل بن النمر بن وبرة بن ثعلب بن خلوان بن عمران بن الحارث بن قضاعة. وهكذا ذكر نسبته إلى خشين: بطنٍ من قضاعة: البيهقي، وعبد الغني بن سعيد، وابن ماكولا، والسمعاني، والحازمي، وغيرهم. وقال البيهقي: روي عن ابن عمر: أن نفرًا من خشين قدموا على النبي ﷺ بمكة. وقال غيره: إن نفرًا من خيشان، في رواية جابر بن عبد الله. هذا آخر كلام البيهقي. وذكر نحوه السمعاني، وقال: قال ابن حبيب: في قضاعة: خشين بن النمر بن وبرة، وفي فزارة: خشين بن عصيم ابن لأبي شمخ بن فزارة. وذكر ابن الأثير الجزري في كتابه "معرفة الصحابة" ﵃ في حرف الجيم منه: جرثوم بن ناشب، وقيل: ناشم: أبو ثعلبة الخشني منسوب إلى خشين بطن من قضاعة، كما ذكره الحفاظ. وقال في آخر الكتاب في الكنى منه: لم يختلفوا في نسبه إلى خشينة.

стр. 1596

قال: واسمه وائل بن النمر بن وبرة بن ثعلب. وهذا مناقض لما ذكره هو في أول كتابه في الأسماء، ومخالف لما ذكره الأئمة والحفاظ في الأنساب الذين قدمنا ذكرهم. وإنما بسطت الكلام في ذلك، واعتنيت به؛ لأن شيخنا الحافظ أبا زكريا النووي ﵀ ذكره في آخر "كتاب الأربعين" له في: مباني الإسلام، وقال: هو منسوب إلى خشينة؛ كجهينة، وهم قبيلة من قضاعة. وكان ﵀ أَذِنَ لي في إصلاح ما أجده في مصنفاته، فأصلحته على الصواب على ما ذكره الجماعة وابن الأثير في "الأسماء". والذي ذكره الشيخ ﵀ أخذه من كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح ﵀. ونقله أبو عمرو عن الحافظ أبي محمد بن عطاء الإبراهيمي، قال: وقال: وخشينةُ: بطنٌ من قضاعة، وكذا نقله الحاكم أبو أحمد في "الأسماء والكنى". لكن لا يقاوم ذلك قولَ من ذكرنا من الأئمة والحفاظ، والله أعلم (١). وأما قوله: "يا رسولَ اللهِ! إنا بأرضِ قومٍ أهلِ كتابٍ، أفنأكلُ في آنيتهم؟ ". أما أهل كتاب: فقد يراد بهم: كلُّ من دان بدين الله بكتاب منزل على نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه- عليهم، وقد يراد بهم: اليهود أو النصارى، أو هما فقط، وهو الظاهر. وأما الآنية: جمع إناء؛ كسقاء وأسقية، ورداء وأردية. وجمع الآنية:

стр. 1597

الأواني، ولا يصح إطلاق الآنية على المفرد، وإطلاقه ليس بصحيح. وقوله ﷺ : "فإنْ وجدتُم غيرَها، فلا تأكلوا فيها، فإنْ لم تجدوا غيرَها، فاغْسِلوها، وكلوا فيها"؛ اعلم أن الفقهاء أطلقوا القول بجواز استعمال أواني المشركين إذا غُسلت، ولا كراهة فيها بعد الغسل، سواء وجد غيرها أم لا، وسواء كانوا يتدينون باستعمال النجاسة أم لا. وللشافعي قول: إنه لا يجوز استعمال أوانيهم إذا كانوا ممن يتدين باستعمالها من المشركين، وأهل الكتاب كذلك؛ فإن منهم من يتدين باستعمال الخمر. ومن النصارى من لا يجتنب النجاسات، ومنهم من يتدين بملابستها؛ كالرهبان، فحينئذ لا وجه للتفرقة بين من يتدين بها ومن لا يتدين. وهذا الحديث يقتضي التعطيل في استعمالها وكراهته بين أن يجد غيرها وبين أن لا يجده، ويغسلها ويستعملها إذا لم يجد غيرها. ولا منافاة بين قول الفقهاء والحديث؛ فإن الاستعمال قد يكون كراهية في الأكل فيها خاصة؛ لأجل الاستقذار والعيافة لا للنجاسة. وقد صرح بذلك في رواية أبي داود قال: وإنما نهى عن الأكل فيها بعد الغسل؛ للاستقذار، وكونها معتادة للنجاسة. وقد قال الفقهاء: يكره الأكل في المحجمة المغسولة. وقد تكون كراهته لكون الآنية مضافة إلى الكفار من غير استعمال منهم لها قبل غسلها، لكن إذا غسلت، فلا يكره استعمالها؛ لأنها طاهرة، وليس فيها استقذار. ولم يرد الفقهاء نفي الكراهة عن آنيتهم المستعملة في الخنزير وغيره من النجاسات، ولا شك أن آنيتهم قد تعارض فيها الأصل والغالب. والحديث جار على مقتضى غلبة الظن؛ فإن الظن المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل. وقوله ﷺ : "وما صِدْتَ بقوسِكَ، فذكرتَ اسمَ اللهِ، فَكُلْ، وما صِدْتَ بكلبِك المعلَّمِ، فذكرتَ اسمَ اللهِ، فكلْ".

стр. 1598

قد ساوى بين الاصطياد بالقوس والكلب المعلم، من غير تبيين التعليم المشترط في هذا الحديث ولا غيره. وقد تكلم الفقهاء في معرفة الكلب المعلم من غيره، فقالوا: المعلم: ما ينزجرُ بالانزجار، وينبعث بالإشلاء، وإذا أخذ الصيد، أمسكه على صاحبه، وخلى بينه وبينه. وقد يستنبط ما ذكروه أو بعضه من ألفاظ هذا الحديث، إذا جمعت ألفاظه. والقاعدة تقتضي أن ما رتب عليه الشارع حكمًا، ولم يجد فيه حدًّا: أن يحتاط فيه، خصوصًا المأكولات بالتذكية ونحوها، والله أعلم. وقوله ﷺ : "وما صدتَ بكلبكَ غيِر المعلم، فأدركتَ ذكاتَه، فكلْ" قد شرط ﷺ في الكلب غير المعلَّم إذا صادَ أن يدرك ذكاة الصيد. وهذا الإدراك يتعلق بأمرين: أحدهما: الزمن الذي فيه الذبح، فإن أدركه ولم يمكن ذبحه، فهو ميتة. ولو كان كذلك لأجل عجزه عما يذبحه به، لم يكن ذلك عذرًا في إباحته. والثاني: أن يكون فيه حياة مستقرة، فلو أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة؛ بأن أخرج حشوته، أو أصاب نابه مقتلًا، ونحو ذلك، فلا اعتبار بالذكاة حينئذ، هكذا قاله الفقهاء. والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: السؤال عما يحتاج إليه من الأمور المستقبلة. ومنها: جمع المسائل والسؤال عنها دفعة واحدة. ومنها: تفصيل الجواب بأما وما. وفي الكتاب العزيز: في قصة ذي القرنين في آخر الكهف قوله تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨] الآية.

стр. 1599

وقد تفصل الجواب بأما وما، كما في الحديث. ومنها: كراهة الأكل من آنية أهل الكتاب من غير غسل، وجواز استعمالها مع الغسل، وإن كان الأولى تركها عند عدم الضرورة إلى استعمالها. ومنها: إباحة الاصطياد بالقوس، والكلب المعلم، وهو مجمع عليه، ودل الكتاب العزيز عليه أيضًا إذا اصطاد للاكتساب والحاجة، والانتفاع به بالأكل وثمنه. واختلف العلماء فيمن اصطاد للهو واللعب، لكن قصد تذكيته والانتفاع. فقال مالك: يكره، وأجاز ذلك ابن عبد الحكم. قال مالك: فإن فعله بغير نية التذكية، فهو حرام؛ لأنه فساد في الأرض، وإتلاف نفس عبثًا. قال القفال المروزي من الشافعية: والحكمة في تحريم الصيد البري على المحرم دون البحري: أن الصيد البري إنما يفعل غالبًا للتنزه والتفرج، فحرم في حالة الإحرام صيده، وتعاطيه؛ لأن الإحرام حالة تنافي ذلك، بخلاف صيد البحر؛ فإنه يصطاد غالبًا للاضطرار والمسكنة، فأحل مطلقًا. ومنها: الأمر بالتسمية عند إرسال السهم والكلب المعلم، وفي معناه عند إرسال الجوارح من الطير، وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال على الصيد وعند الذبح والنحر. واختلف العلماء في أنها واجبة أم سنة. فمذهب الشافعي، وطائفة، ورواية عن أحمد، ومالك: أنها سنة، لو تركها سهوًا أو عمدًا، حل الصيد والذبيحة. وقال أهل الظاهر: إن تركها عمدًا أو سهوًا، لم يحل، وهو الصحيح عند أحمد في صيد الجوارح، وهو مروي عن ابن سيرين، وأبي ثور، قالوا: لأنها علق وصف الجواز للأكل عليها، والمعلق بالوصف ينتفي عند انتفائه، عند القائلين بالمفهوم.

стр. 1600

وفيه هاهنا زيادة على كونه مفهومًا مجردًا، وهو أن الأصل تحريم أكل الميتة وما أخرج الإذن فيها إلا ما هو موصوف بكونه مسمى عليه، فغير المسمى عليه يبقى على أصل التحريم داخلًا تحت النص المحرم للميتة. وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وجماهير العلماء: إن تركها سهوًا، حلت الذبيحة والصيد، وإن تركها عمدًا، فلا. قال الشافعية: إن تركها عمدًا، ففيه ثلاثة أوجه: يكره، وهو الصحيح، ولا يكره، والثالث: خلاف الأولى. واحتج من أوجبها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وبهذا الحديث وأمثاله. واحتج الشافعية ومن وافقهم بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فأباح ذلك بالتذكية من غير اشتراط التسمية، ولا وجوبها، فإن قيل: التذكية لا تكون إلا بالتسمية، قلنا: التذكبة في اللغة: الفتح والشق. وقد أحل الله تعالى طعام الذين أوتوا الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهم لا يسمون، وثبت في "صحيح البخاري" من حديث عائشة ﵂: أنهم قالوا: يا رسول الله! إن قومًا حديث عهد بالجاهلية يأتون بلحمان، لا ندري أذكروا اسم الله، أم لم يذكروا، أفنأكل منها؟ فقال رسول الله ﷺ : "سَمَّوا وكُلوا" (١). فهذه التسمية هي المأمور بها عند أكل الطعام والشرب، لا التسمية عند التذكية والإرسال. وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]: أن المراد به ما ذبح للأصنام؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]؛

стр. 1601

لأن الله تعالى قال فيه: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية ليس بفاسق، فوجب حملها على ما ذكرناه؛ ليجمع بينها وبين الآيات السابقات وحديث عائشة. وحملها بعض الشافعية على كراهة التنزيه، وأجابوا عن أحاديث التسمية بأنها للاستحباب. ومنها: إباحة الاصطياد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماهير العلماء. وقال الحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق: لا يحل صيد الكلب الأسود؛ لأنه شيطان. ومنها: اشتراط كون الكلب الذي يُصطاد به أن يكون معلمًا؛ ليحل أكل ما صاده، وإنه شرط في إرساله أيضًا، فلو أرسل غير معلم، أو استرسل المعلم بلا إرسال، لم يحل ما قتله، وهذا مجمع عليه. أما المعلم إذا استرسل من غير إرسال، فلا يحل أكل ما قتله عند جميع العلماء؛ إلا ما حكي عن الأصم من إباحته، وإلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء، والأوزاعي: أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد. ومنها: حل ما اصطاده بالكلب المعلم من غير ذكاة؛ حيث إنه ﷺ فرق في إدراك الذكاة بين غير المعلم والمعلم، فإذا قتل الصيد بظفره أو نابه، حل، وإن قتله بثقله، ففيه قولان للشافعي: أصحهما: أنه حلال، وقد يؤخذ ذلك من إطلاق الحديث بقوله؛ فإنه ﷺ قال: "وما صدتَ بكلبك المعلم"، ولم يذكر كيفيةً من قتلٍ بظفر أو ناب أو ثقل. وقيل: في الاستدلال بلفظ الحديث على هذا الحكم ضعف. ومنها: حل ما أدرك ذكاته إذا كان الكلب غير معلم، وهذا مجمع عليه، وما نقل مخالفًا لذلك عن الحسن، والنخعي، فباطل، وما أظنه يصح عنهما.

стр. 1602

الحديث الثاني عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أُرْسِلُ الكِلاَبَ المُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكنَ عَلَيَّ، وَأَذكُرُ اسْمَ اللهِ، فَقَالَ: "إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُل مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ"، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: "وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكهَا كَلْبٌ لَيْسَ منها"، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمي بالمِعْرَاضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبُ، فَقَالَ: "إِذَا رَمَيْتَ بالمِعْرَاضِ، فَخَزَقَ، فَكُلْهُ، وَإِنْ أصَابَهُ بِعَرْضٍ، فَلَا تَأْكُلْهُ" (١). وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: "إلا أن يأكل الكلبُ، فإن أكلَ، فلا تأكلْ؛ فإني أخاف أن يكونَ إنما أمسك على نفسه، وإن خالطَها كلابٌ من غيرها، فلا تأكلْ؛ فإنما سميت على كلبك، ولم تسمِّ على غيره" (٢). وفيه: "إذا أرسلت كلبك المكلَّبَ، فاذكرِ اسمَ الله، فإن أمسكَ عليك، فأدركته حيًّا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكلْ منه، فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته" (٣). وفيه أيضًا: "إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله" (٤). وفيه أيضًا: "وإن غابَ عنك يومًا أو يومين"، وفي رواية: "اليومين والثلاثة، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، فإن وجدته غريقًا في الماء، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري الماءُ قتلَه أو سهمُك" (٥).

стр. 1603

أما هَمَّامُ بنُ الحارث، فهو تابعيٌّ نخعيٌّ كوفيٌّ، ثقة، وثَّقه ابن معين، وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. سمع: عمر بن الخطاب ﵁، وعبدَ الله بن مسعود، والمقداد بن الأسود، وعمارَ بن ياسر، وحذيفةَ بن اليمان، وعائشةَ أم المؤمنين ﵃. روى عنه: سليمانُ بن يسار، وإبراهيمُ النخعي، وغيرهما (١). وأما عَدِيُّ بن حاتمِ: فكنيته أبو طريف بنُ حاتم بنِ عبدِ الله الطائي، مهاجريٌّ، وهو منسوب إلى طيِّيء بن أدد بن زيد بن كهلان، ويختلفون في بعض الأسماء من جده عبد الله إلى طيِّئ، فيما بينهما. قدم على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع من الهجرة، وقيل: في شعبان سنة عشر. قال أبو عمر بن عبد البر: وخبره في قدومه على النبي ﷺ في شعبان خبر عجيب، وهو حسن صحيح من رواية قتادة عن ابن سيرين. ثم قدم على أبي بكر بصدقات قومه في حين الردة، ومنع قومه وطائفة معهم من الردة بثبوته على الإسلام وحسن رأيه. وكان سريًّا شريفًا في قومه، خطيبًا، حاضر الجواب، فاضلًا، كريمًا. روي عنه أنه قال: ما دخل وقت صلاة قط، إلا وأنا أشتاق إليها (٢). وقال: ما دخلت على النبي ﷺ قَطُّ إلا وَسَّع لي أو تحرَّك، ودخلت عليه يومًا

стр. 1604

في بيته، وقد امتلأ من أصحابه، فوسع لي حتى جلست إلى جنبه (١). وقال له عمر ﵁ لما قدم عليه: ما أظنك تعرفني، أعرفك آمنت إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفيتَ إذ غدروا (٢). ونزل عديٌّ الكوفة وسكنها، وشهد مع على يوم الجمل، وفُقئت عينه يومئذ، ثم شهد معه صِفِّين والنهروان. روي له عن رسول الله ﷺ ستة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث، وانفرد مسلم بحديثين، وروى له جماعة من كبار التابعين. ومات بالكوفة زمن المختار سنة تسع، وقيل: ثمان وستين، وقيل: سنة سبع وستين، وهو ابن مئة وعشرين سنة، وروى له أصحاب السنن والمساند (٣). وأما الشَّعْبي -بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وباء موحدة، ثم ياء النسب-، فنسبة إلى شعب همذان، واشتهر بها، واسمه عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل بن عبد بن أخي قيس بن عبد، أبو عمرو، تابعي، كوفي، ثقة، جليل، فقيه، عالم. روى عن علي بن أبي طالب، وابنيه: الحسن والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جعفر، والعبادلة، وخلق كثير من الصحابة ﵃.

стр. 1605

روي عنه أنه قال: أدركت خمس مئة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: علي وطلحةُ والزبير في الجنة (١). وقال أحمد بن عبد الله العجلي: سمع الشعبي من ثمانية وأربعين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومرسله صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحًا. وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، وكان كثير العلم والحفظ والفقه، في أعلى طبقة من ذلك جميعه. وقال الحسن -أعني: البصري- لما نعاه: وكان واللهِ كثير العلم، عظيمَ الحلم، قديم السلم، من الإسلام بمكان (٢). وقال ابن عمر ﵄ وقد مرَّ علي الشعبي: هو أعلم بالمغازي وأحفظ لها. ووثقه أبو زرعة، وابن معين، وغيرهما، وروى له البخاري، ومسلم، والأئمة. وولد لست سنين مضين من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، ومات بعد المئة بثلاث سنين، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس، وقيل: بست، وقال بعضهم: بلغ اثنتين وثمانين سنة (٣). وأما المعراض -بكسر الميم، وسكون العين المهملة، وبالراء ثم الضاد

стр. 1606

المعجمة بعد الألف-، فهو عصا محدد رأسُها بحديدة، وقد يكون بغير حديدة، هذا هو الصحيح المشهور في تفسيره. وقال الهروي: هو سهم لا ريش فيه ولا نصل. وقال ابن دريد: هو سهم طويل، له أربع قذذ رقاق، فإذا رمي به، اعترض، وهو منقول عن الخليل ونحوه عن الأصمعي. وقيل: هو عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، إذا رُمي به، ذهب مستويًا (١). وقوله: "فخزق": هو بالخاء المعجمة، والزاي، ومعناه: نفذ. وتقدم الكلام في الحديث قبله على اشتراط التسمية، والخلاف في وجوبها، لكن هذا الحديث أقوى في الدلالة على اشتراطها من الأول؛ حيث إنه مفهوم وصف، ودلالته على حل مصيد الكلب إذا قتل صريحة، بخلاف الحديث الماضي؛ فإنه إنما يؤخذ هذا الحكم منه بطريق المفهوم، وكذلك دلالته على أكل ما قتله الجارح بثقله؛ فإنه أصرح دلالة من الأول. وفي هذا الحديث [من] (٢) جميع طرقه أحكام: منها: أنه لا يحل كل ما شاركه كلب آخر في اصطياده إذا استرسل بنفسه، أو أرسله من ليس هو من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك، فإن تحققنا أنه إنما شاركه كلب، أو أرسله من هو من أهل الذكاة على ذلك الصيد، حلَّ. وذلك معلل في الرواية التي في بعض طرق هذا الحديث التي في الكتاب، وهو قوله ﷺ : "فإِنَّما سَمَّيْتَ على كلبِك، ولم تُسَمِّ على غيرِه"، وهو ظاهر في اشتراط التسمية. ومنها: أنه إذا اصطاد بالمعراض، فقتل الصيد بحدهِّ، حل؛ لأنه كالسهم، وإن قتله بعرضه، لم يحل، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء.

стр. 1607

وقد علل ما قتل بعرضه بأنه وقيذ في الحديث الصحيح، وذلك لأنه ليس في معنى السهم، بل هو في معنى الحجر وغيره من المثقلات. وقال الأوزاعي، ومكحول، وغيرهما من فقهاء الشام: يحل مطلقًا، حتى قالا وابن أبي ليلى: يحل ما قتله بالبندقة، وهو محكي عن سعيد بن المسيب. وجمهور العلماء على أنه لا يحل صيد البندقة مطلقًا؛ لحديث المعراض هذا؛ لأنه كله رض ووقذ، وهو معنى قوله: "فإنه وقيذ"؛ أي: مقتول بغير محدد. والموقوذة: المقتولة بالعصا ونحوها، وأصله من الكسر والرضِّ. ومنها: تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب المعلَّم منه؛ لتصريح المنع منه في هذا الحديث، وتعليله بخوف الإمساك على نفسه بأكله منه. وبهذا قال أكثر العلماء، منهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وقتادة، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود، وبه قال الشافعي في أصح قوليه، محتجين بحديث عدي هذا، وبقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا لم يمسك علينا، بل على نفسه. وقال سعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وابن عمر، ومالك: يحل، وهو قول ضعيف للشافعي، واحتجوا برواية في "سنن أبي داود" وحَسَّنه، عن أبي ثعلبة الخشني: أن النبي ﷺ قال له: "كلْ وإن أكلَ الكلبُ" (١). وحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، وربما عللوه على أنه كان من المياسير. فاختير له الحمل على التنزيه، بخلاف أبي ثعلبة؛ فإنه كان بخلاف ذلك، فأخذ له بالرخصة، وذلك ضعيف؛ فإنه قد علل في الحديث بأنه إنما أمسك على نفسه، وهي علة تناسب التحريم، لكنه قد قيده بخوف الإمساك لا بحقيقته.

стр. 1608

والجواب: أن الأصل التحريم فيه، وقد شككنا في السبب المبيح له، فيرجع إلى الأصل. وتأولوا حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه، وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر. وأما جوارح الطير إذا أكلت مما صادته، فالأصح عند الشافعية من قولين للشافعي ﵀: تحريمه، وقال سائر العلماء بإباحته؛ لأنه لا يمكن تعليمها ذلك، بخلاف السباع، وأصحاب الشافعي يمنعون هذا الدليل. ومنها: أن أخذ الكلب الصيد وقتله إياه ذكاةٌ شرعية، بمنزلة ذبح الحيوان الإنسي، وهذا مجمع عليه. ولو لم يقتله الكلب، ولكن تركه، ولم يُبق فيه حياة مستقرة، أو بقيت ولم يبق زمان يمكن صاحبه لحاقه وذبحه، فمات، حل؛ لهذا الحديث: "فإنَّ أخذَ الكلبِ ذَكاتهُ". ومنها: إذا جرحه بالسهم، فغاب عنه فوجده ميتًا، وليس فيه أثر غير سهمه، حلَّ؛ لقوله ﷺ : "فإذا غابَ عنك يومًا أو يومين، فلم تجدْ فيه إلا أثرَ سهمِك، فكلْ إن شئت". وفي هذه اختلاف مذهب مالك والشافعي في أحد الأقوال: أنه يحل في الصيد والسهم، وهو أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، وما ورد من الأحاديث المخالفة لها الآثار، فكلها ضعيفة ومحمولة على كراهة التنزيه. ومنها: التنبيه على قاعدة مهمة، وهي: أنه إذا حصل الشك في الذكاة المبيحة للحيوان، لم يحل؛ لأن الأصل تحريمه، وهذا لا خلاف فيه؛ فإن قوله ﷺ : "وإن قتلنَ، ما لم يشرَكْها كلب ليسَ منها" ما يدل على ذلك، وقد ثبت في "صحيح مسلم" زيادة على هذا: "فلا تأكلْ؛ فإنك لا تدري أَيُّهما قتله". وفي ذلك تنبيه أيضًا على أنه لو وجده حيًّا وفيه حياة مستقرة، فذكَّاه، حلَّ، ولا يضر كونُه اشترك في إمساكه كلبه وكلب غيره، ولأن الاعتماد حينئذ في الإباحة على تذكية الآدمي، لا على إمساك الكلب، وإنما تقع الإباحة بإمساك الكلب إذا قتله.

стр. 1609

ومنها: أن لحوم الصيود وغيرها من اللحوم والأطعمة إذا بقيت يومًا أو يومين أو ثلاثة يحل أكلها. وقد ثبت في "صحيح مسلم!: أن النبي ﷺ قال: "إذا رميتَ بسهمكَ فغابَ عنك فأدركتَه ما لم ينتنْ" (١). وفي رواية تقييد الأكل بعد الثلاث ما لم ينتن، فرواية الكتاب مطلقة في الأكل إذا وجد أثر سهمه وشاء أكله بعد الثلاث من غير تقييد. فحمل الشافعيون التقيد بعدم النتن على التنزيه لا على التحريم، وقالوا: يجوز أكل جميع اللحوم المذكاة والأطعمة المنتنة، ولا يحرم إلا أن يخاف منها الضرر خوفًا معتمدًا. وقال بعض أصحاب الشافعي: يحرم اللحم المنتن، وهو ضعيف عندهم. ومنها: أنه إذا وجد الصيد غريقًا، أو كان طائرًا وخبط على الأرض، وجوز أن يكون غرقه أو تردي الصيد من جبل وموته من سبب آخر، لم يحل أكله، فإنه لا يدري ما مات بسببه من التردي والغرق أو بالاصطياد، ومتى لم يتحقق سبب الإباحة، فإنه يحرم. وهذا داخل تحت القاعدة المستنبطة من الحديث، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبيه ﵃ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ". قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلبَ حرثٍ، وكانَ صاحبَ حرثٍ (٢).

стр. 1610

أما سالم: فكنيته: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشيُّ العدويُّ، المدنيُّ، التابعيُّ، الجليل، المتفق على علمه وصلاحه وزهده وفضله وورعه. سمع: أباه، وأبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وعائشة زوج النبي ﷺ ، وغيرهم من التابعين. وروى عنه جماعة منهم ومن أتباعهم. وكان أشبهَ ولدِ عبد الله به. وقال مالك بن أنس: ولم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين (١). ووثقه الإمام أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها: الزهريُّ عن سالم عن أبيه. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، عال من الرجال، ورع، مات سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: ثمان ومئة. روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند (٢). وتقدم الكلام على أبيه أوائل الكتاب. وأما قول سالم: "وكان أبو هريرة يقول: أو كلبَ حرث، وكان صاحب حرث"؛ فليس معناه أنه قاله بالاجتهاد والرأي، ولكنه لما؛ من صاحب حرث وزرع، اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، ورواه؛ حيث إن العادة أن المبتلى بشيء

стр. 1611

يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. قال العلماء: وليس قول سالم توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًّا فيها. وقد ذكر مسلم ﵀ هذه الرواية من اتخاذ الكلب للزرع، من رواية غيره من الصحابة ﵃ من رواية ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير عن النبي ﷺ ، ورواها أيضًا في "صحيحه" من رواية أبي الحكم، واسمه: عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن ابن عمر، فيحتمل أن سالمًا سمعها من أبي هريرة، وتحققها عن النبي ﷺ ، ورواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي ﷺ ، فرواها، ونسيها في وقت، فتركها، فحصل مما ذكرنا جميعه: أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الرواية، بل وافقه غيره من الصحابة في روايتها عن النبي ﷺ ، ولو انفرد بها، كانت مقبولة، مرضية، مكرمة. وقوله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلا كلبَ صيدٍ أو ماشية"، فاعلم أن الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر النبي ﷺ بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. وهذا الذي ذكرته ثبت في الصحيح من رواية ابن المغفل، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالُهم وَبال الكلاب؟ "، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (١). وأجمع العلماء: على قتل الكلب الكَلِب، والكلب العقور، ثم اختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض ﵀: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره.

стр. 1612

قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد [من] وجوه: هل هو منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب؟ وأن القتل كان عامًّا في الجميع، أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها إلا الأسود البهيم. قال القاضي عياض: وعندي أن النهي أولًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية (١). وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، ويخص حديث ابن المغفل الذي ذكرته بما سوى الأسود؛ فإنه عام، فيخص بالحديث الآخر لما نهى عن قتلها. قال: "عليكم بالأسودِ البهيمِ ذي النقطتين؛ فإنه شيطان" (٢). إذا ثبت ما ذكرناه، فاعلم أن سبب المنع من اقتنائها غير المذكور في الأحاديث من الصيد والماشية والحرث، هو ما فيها من الترويع، وإيذاء المار، ومجانبة الملائكة لمحلها. ولا شك أن مجانبتهم أمر شديد؛ لما في مخالطتهم من البركات من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه. ولهذا حذر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من الأمكنة والأزمنة والأفعال والأقوال؛ لما فيها من مجانبة الملائكة وبركتهم. وقوله ﷺ : "فإنه ينقصُ من أجره كلَّ يوم قيراطان"؛ أما النقصان: فذى الروياني في في "البحر": أنهم اختلفوا في المراد بما ينقص منه، قال: فقيل: ينقص مما مضى من عمله. وقيل: من مستقبله. وقال: واختلفوا في محل نقص

стр. 1613

القيراطين، فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل. وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، والله أعلم (١). واعلم أنه ثبت في الصحيح في روايات: "نقص من عمله كلَّ يوم قيراطان" كما في الكتاب. وفي روايات: "قيراط" (٢). ولا شك أن المراد من النقصان نقصان الأجر، لا نقصان نفس العمل؛ فإنه وجد واستقر، ويحتمل أنه يعاقب بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمل من الخير، فيكون النقص من العمل على حقيقته، ويلزم من تركه ترك الأجر الذي عليه، والله أعلم. وأما اختلاف الروايات في قيراطين وقيراط، فيحتمل أنه يختلف باختلاف اقتناء الكلاب من شدة الأذى وخفته. ويحتمل أنه يختلف باختلاف البقاع وفضلها، فيكون اقتناؤها في المدينة خاصة يوجب نقص قيراطين، وفي غيره قيراط، والقيراطين في المدن ونحوها من القرى، والقيراط في البوادي. أو يكون ذكر ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولًا، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين، والله أعلم. واعلم أن سبب نقص الأجر أو العمل: إنما هو عقوبة لمن اقتناها، إما لارتكابه المنهي عنه وعصيانه به، أولما يبتلى به من ولوغها في غفلة صاحبها، وعدم غسل ما ولغت فيه بالماء والتراب، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم اقتناء الكلب لغير حاجة. ومنها: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية.

стр. 1614

وهل: يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك على وجهين: أحدهما: المنع؛ حيث إن الأصل فيها المنع، ورفعت الرخصة في المذكورات، فلا يتعدى. وأصحهما: الإذن؛ حيث إن العلة في الرخصة معقولة، فتعدى. ولهذا قال العلماء: الرخصة إذا عرفت، عمت، وإذا وقعت، عمت، فعمومها يكون في حكمها ومعناها، والله أعلم. ومنها: جواز اقتناء جرو الكلاب المذكورات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة بها لها؛ كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع به في المآل. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵀ في هذه المسألة على وجهين: أصحهما: الجواز؛ لدخوله تحت اسم الكلب، فإنه يقال: كلب كبير وكلب صغير، وإن كان مخصوصًا باسم الجرو، والله أعلم. واستدل المالكية بجواز اتخاذه للمذكورات على طهارته، قالوا: فإن ملابسته مع الاحتراز منه وعن شيء منه شاق، والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودهِ، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه. وقد يستدل بإطلاق لفظ الكلب على أن الأسود كغيره في الرخصة. وبه قال مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولو ولغ في إناء وغيره، وجب غسله؛ كما يغسل من ولوغ غيره من الكلاب؛ كالأبيض وغيره. وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحل صيده، ولا يحل أكله إذا قتله؛ لأنه شيطان، وإنما أحل صيد الكلب، والله أعلم. ومنها: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها، والتنبيه على أسباب الزيادة والنقص؛ لتجتنب أو لترتكب لأجل زيادتها، والله أعلم.

стр. 1615

ومنها: بيان لطف اللهِ تعالى بخلقه في ترخيصه لهم ما منعهم منه لحاجتهم إليه في أموالهم ومواشيهم ومنافعهم، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأُكْفِئَت، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَنَمِ ببِعِيرٍ، فنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُم، وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللهُ؛ فَقَالَ: "إِنَّ لِهَذهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَت مَعَنَا مُدًى، أفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ، فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ، فَمُدَى الحَبَشَةِ" (١). أوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس. يقال: قد أبدت تأبدُ أبودًا. أما رافع بن خديج؛ فتقدم الكلام عليه في أثناء البيوع. وأما قوله: "كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة من تهامة": أما ذو الحُلَيفة هذه: وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام، وبالفاء بعد الياء المثناة تحت، ثم هاء التأنيث، قال الداودي: هذه ليست المهل الذي بقرب بالمدينة. وقال الحازمي في كتابه "المؤتلف في أسماء الأماكن": الحليفة: مكان من تهامة بين حاذة وذات عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات أهل
следующие страницы →