← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. قال العلماء: وليس قول سالم توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًّا فيها. وقد ذكر مسلم ﵀ هذه الرواية من اتخاذ الكلب للزرع، من رواية غيره من الصحابة ﵃ من رواية ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير عن النبي ﷺ ، ورواها أيضًا في "صحيحه" من رواية أبي الحكم، واسمه: عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن ابن عمر، فيحتمل أن سالمًا سمعها من أبي هريرة، وتحققها عن النبي ﷺ ، ورواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي ﷺ ، فرواها، ونسيها في وقت، فتركها، فحصل مما ذكرنا جميعه: أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الرواية، بل وافقه غيره من الصحابة في روايتها عن النبي ﷺ ، ولو انفرد بها، كانت مقبولة، مرضية، مكرمة. وقوله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلا كلبَ صيدٍ أو ماشية"، فاعلم أن الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر النبي ﷺ بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم. ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره. وهذا الذي ذكرته ثبت في الصحيح من رواية ابن المغفل، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالُهم وَبال الكلاب؟ "، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (١). وأجمع العلماء: على قتل الكلب الكَلِب، والكلب العقور، ثم اختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض ﵀: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره.

стр. 1612

قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد [من] وجوه: هل هو منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب؟ وأن القتل كان عامًّا في الجميع، أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك؟ قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها إلا الأسود البهيم. قال القاضي عياض: وعندي أن النهي أولًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية (١). وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، ويخص حديث ابن المغفل الذي ذكرته بما سوى الأسود؛ فإنه عام، فيخص بالحديث الآخر لما نهى عن قتلها. قال: "عليكم بالأسودِ البهيمِ ذي النقطتين؛ فإنه شيطان" (٢). إذا ثبت ما ذكرناه، فاعلم أن سبب المنع من اقتنائها غير المذكور في الأحاديث من الصيد والماشية والحرث، هو ما فيها من الترويع، وإيذاء المار، ومجانبة الملائكة لمحلها. ولا شك أن مجانبتهم أمر شديد؛ لما في مخالطتهم من البركات من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه. ولهذا حذر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من الأمكنة والأزمنة والأفعال والأقوال؛ لما فيها من مجانبة الملائكة وبركتهم. وقوله ﷺ : "فإنه ينقصُ من أجره كلَّ يوم قيراطان"؛ أما النقصان: فذى الروياني في في "البحر": أنهم اختلفوا في المراد بما ينقص منه، قال: فقيل: ينقص مما مضى من عمله. وقيل: من مستقبله. وقال: واختلفوا في محل نقص

стр. 1613

القيراطين، فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل. وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، والله أعلم (١). واعلم أنه ثبت في الصحيح في روايات: "نقص من عمله كلَّ يوم قيراطان" كما في الكتاب. وفي روايات: "قيراط" (٢). ولا شك أن المراد من النقصان نقصان الأجر، لا نقصان نفس العمل؛ فإنه وجد واستقر، ويحتمل أنه يعاقب بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمل من الخير، فيكون النقص من العمل على حقيقته، ويلزم من تركه ترك الأجر الذي عليه، والله أعلم. وأما اختلاف الروايات في قيراطين وقيراط، فيحتمل أنه يختلف باختلاف اقتناء الكلاب من شدة الأذى وخفته. ويحتمل أنه يختلف باختلاف البقاع وفضلها، فيكون اقتناؤها في المدينة خاصة يوجب نقص قيراطين، وفي غيره قيراط، والقيراطين في المدن ونحوها من القرى، والقيراط في البوادي. أو يكون ذكر ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولًا، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين، والله أعلم. واعلم أن سبب نقص الأجر أو العمل: إنما هو عقوبة لمن اقتناها، إما لارتكابه المنهي عنه وعصيانه به، أولما يبتلى به من ولوغها في غفلة صاحبها، وعدم غسل ما ولغت فيه بالماء والتراب، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم اقتناء الكلب لغير حاجة. ومنها: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية.

стр. 1614

وهل: يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك على وجهين: أحدهما: المنع؛ حيث إن الأصل فيها المنع، ورفعت الرخصة في المذكورات، فلا يتعدى. وأصحهما: الإذن؛ حيث إن العلة في الرخصة معقولة، فتعدى. ولهذا قال العلماء: الرخصة إذا عرفت، عمت، وإذا وقعت، عمت، فعمومها يكون في حكمها ومعناها، والله أعلم. ومنها: جواز اقتناء جرو الكلاب المذكورات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة بها لها؛ كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع به في المآل. وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵀ في هذه المسألة على وجهين: أصحهما: الجواز؛ لدخوله تحت اسم الكلب، فإنه يقال: كلب كبير وكلب صغير، وإن كان مخصوصًا باسم الجرو، والله أعلم. واستدل المالكية بجواز اتخاذه للمذكورات على طهارته، قالوا: فإن ملابسته مع الاحتراز منه وعن شيء منه شاق، والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودهِ، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه. وقد يستدل بإطلاق لفظ الكلب على أن الأسود كغيره في الرخصة. وبه قال مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولو ولغ في إناء وغيره، وجب غسله؛ كما يغسل من ولوغ غيره من الكلاب؛ كالأبيض وغيره. وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحل صيده، ولا يحل أكله إذا قتله؛ لأنه شيطان، وإنما أحل صيد الكلب، والله أعلم. ومنها: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها، والتنبيه على أسباب الزيادة والنقص؛ لتجتنب أو لترتكب لأجل زيادتها، والله أعلم.

стр. 1615

ومنها: بيان لطف اللهِ تعالى بخلقه في ترخيصه لهم ما منعهم منه لحاجتهم إليه في أموالهم ومواشيهم ومنافعهم، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأُكْفِئَت، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَنَمِ ببِعِيرٍ، فنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُم، وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللهُ؛ فَقَالَ: "إِنَّ لِهَذهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّا لاَقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَت مَعَنَا مُدًى، أفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ، فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ، فَمُدَى الحَبَشَةِ" (١). أوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس. يقال: قد أبدت تأبدُ أبودًا. أما رافع بن خديج؛ فتقدم الكلام عليه في أثناء البيوع. وأما قوله: "كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة من تهامة": أما ذو الحُلَيفة هذه: وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام، وبالفاء بعد الياء المثناة تحت، ثم هاء التأنيث، قال الداودي: هذه ليست المهل الذي بقرب بالمدينة. وقال الحازمي في كتابه "المؤتلف في أسماء الأماكن": الحليفة: مكان من تهامة بين حاذة وذات عرق، وليست بذي الحليفة التي هي ميقات أهل

стр. 1616

المدينة، وذكرها بغير لفظة "ذي" الذي في "صحيح البخاري ومسلم". وذكره صاحب الكتاب عنهما بذي الحليفة، فكأنه يقال بالوجهين، والله أعلم (١). وقوله: "فأصابَ الناسَ جوعٌ، فأصابوا إبلًا وغنمًا، وكان النبي ﷺ في أُخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبيُّ ﷺ بالقدور فأكفئت": معنى أكفئت؛ أي: قلبت وأريق ما فيها. واختلف في سبب الأمر بإكفاء القدور: فالذي قاله الجمهور: لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة؛ حيث إن الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح لهم في دار الحرب. وقال المهلب بن أبي صفرة المالكي: إنما أمروا بإكفائها عقوبة لهم لاستعجالهم في السير وتركهم النبي ﷺ في أخريات القوم متعرضًا لمن يقصده من عدو ونحوه. وهذا ليس بظاهر، ولا يقتضيه سياق الحديث، بل الصحيح والصواب: الأول. ثم إن المأمور به من إكفاء القدور إنما هو إتلاف لنفس المرق، عقوبة لهم في استعجالهم أخذ المال المشترك بين الغنائم. ومن جملة من يستحق من الغنيمة أصحاب الخمس، ومن الغانمين من لم يطبخ، وأما نفس اللحم، فلم يتلفوه، بل يجب حمل الحديث على أنهم جمعوه وردوه إلى المغنم، ولا يظن أنه ﷺ أمر بإتلافه؛ لما ذكرنا. فإن قيل: فلم ينقل أنهم حملوا اللحم إلى المغنم، قلنا: ولا نقول: إنهم أحرقوه وأتلفوه، وإذا لم يأت فيه نقل صريح، وجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، وهو ما ذكرناه.

стр. 1617

وهذا بخلاف إكفاء قدور لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، فإنها أتلف ما فيها من لحوم ومرق؛ لأنها صارت نجسة، ولهذا قال ﷺ فيها: "وإنها رجسٌ أو نجس" كما سبق في بابه. وأما هذه اللحوم، فكانت طاهرة منتفعة بها بلا شك، ولا يظن إتلافها. كيف وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال؟ مع أن الجناية بطبخ اللحم لم تقع من جميع مستحقي الغنيمة كما ذكرنا، والله أعلم. قوله: "ثم قسم فعدل عشرةً من الغنم ببعير" لا شك أن الشرع عدل في باب الأضحية كلَّ سبعة من الغنم ببدنة، بعيرًا كان أو غيره، وهاهنا جاء التعديل عشرة من الغنم ببعير، فلا بد من حمله على معنى يليق به: وهو أن الإبل كانت نفيسة دون الغنم؛ بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه في هذه الواقعة، فتكون قضية عين؛ بخلاف الغالب فيها في نظر الشرع؛ فإنه السبع ببعير. وقوله: "فنَدَّ منها بعير"؛ أي: شرد وذهب نافرًا. وقد ذكر المصنف ﵀ الأوابد، ونزيد الكلام عليها، ولا شك أن معناها النفور والتوحش، وهي جمع آبدة بالمد وكسر الباء المخففة، يقال منه: أبدت بفتح الباء تأبُدُ بضمها، وتأبِد بكسرها، وتأبدت، معناه: نفرت من الإنس وتوحشت، ويقال: جاء فلان بأبدة؛ أي: بكلمة، أو بخصلة منفرة للنفوس عنها. والكلمة لازمة، وقد تأتي فاعلة بمعنى مفعولة (١). قوله: "قلتُ: يا رسولَ الله! إنا لاقو العدوِّ غدًا، وليست معنا مُدًى، أفنذبح بالقَصَب؟ ". وفي رواية مسلم: "فَنُذَكِّي باللِّيط" باللام المكسورة، والياء المثناة تحت الساكنة ثم الطاء المهملة، وهي قشور القصب. وليطُ كلِّ شيء: قشوره، والواحدة ليطة؛ وهي معنى: أفنذبح بالقصب؛ على تقدير حذف المضاف في اللفظ.

стр. 1618

وفي رواية "سنن أبي داود" وغيره: "أفنذبح بالمروة؟ " (١). وهذه الروايات محمولة على أنهم قالوا هذا وهذا وهذا، فأجابهم ﷺ بجواب جامع لما سألوه كله ولغيره نفيًا وإثباتًا، فقال: "كلُّ ما أنهرَ الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه، ليسَ السنَّ والظفرَ". والمُدَى -بضم الميم وفتح الدال المهملة-: جمع مدية -بضم الميم وكسرها وفتحها، ثلاثُ لغات-؛ وهي السكين، وهي مشتقة من المدى، وهو الغاية؛ لأن بها مدى الأجل (٢). وقوله ﷺ : "ما أنهرَ الدمَ وذُكر اسمُ الله عليه فكلوه، ليسَ السنَّ والظفرَ". أما "أنهر" فمعناه: أسال وصبَّ بكثرة، وهو مشبه بجري الماء في النهر. يقال: نهرَ الدمُ أو أنهرتهُ. ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن أنهز -بالزاي-، والنهز: بمعنى الدفع. قال: وهو غريب. والمشهور الذي ذكره العلماء كافة، منهم الحربي: أنه بالراء، والله أعلم (٣). والحكمة في إنهار الدم في الذبح تمييزُ حلال اللحم والشحم من حرامهما. أما السنن والظفر؛ فهما منصوبان بالاستثناء بـ (ليس). وقوله ﷺ : "أما السنُّ، فعظمٌ"؛ أي: فهو عظم، وهو زادُ إخوانِكم من الجنِّ، وقد نُهيتم عن الاستنجاء بالعظام لذلكَ؛ لئلَّا يتنجَّسَ بالاستنجاءِ، فلذلكَ ينجُس بدمِ المذبوح، فلا تذبحوا به.

стр. 1619

وقوله ﷺ : "وأما الظُّفرُ، فمُدى الحبشةِ"؛ فمعناه: أن الذبح بالظفر شعار لهم، وهم كفار، وقد نُهيتم عن التشبه بالكفار. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم التصرف في الأموال المشتركة؛ كالغنيمة وغيرها من غير إذن أربابها، وإن قلَّت، ووقع الاحتياج إليها. ومنها: بيان مرتبة الصحابة ﵃، وما كانوا عليه من الرجوع إلى النبي ﷺ وتقيدهم بأمره وقبوله في كل حالة، حتى في ترك مصالحهم؛ تقربًا إلى الله تعالى. ومنها: أن للإمام عقوبة الرعية بما فيه مضرتهم؛ من إتلاف منفعة ونحوها، إذا كان فيه مصلحة شرعية. ومنها: أن قسمة الغنيمة لا يُشترط فيها قسمةُ كل نوع على حدة. ومنها: مقابلة كل عشرة من الغنم ببعير في قسمة الغنيمة وغيرها تعديلًا بالقيمة، وأنه لا يلزم الرجوع في ذلك إلى تعديل الشرع كما في البدنة أنها عن سبعة. ومن الناس من أوجب حمله على ذلك، وهذا الحديث يرد عليه. ومنها: أن ما توحَّش من المستأنس يكون حكمُه حكمَ الوحش، كما أن ما تأنس من الوحش حكمُه حكم المستأنس. ومنها: جواز الذبح بكل ما يحصل به المقصود من غير توقف على كونه حديدًا بعد أن يكون محددًا. ومنها: اشتراط التسمية في ذلك أيضًا؛ حيث إنه ﷺ علق الإذن بمجموع أمرين: إنهار الدم، والتسمية، والمعلق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما. ومنها: جواز عقر الحيوان النادِّ إذا عجز عن ذبحه ونحوه. قال أصحاب الشافعي وغيرهم: الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان: مقدور على ذبحه، ومتوحش.

стр. 1620

فالمقدور عليه: لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللَّبَّة، وهذا مجمع عليه، وسواء فيه الإنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه؛ بأن أمسك الصيد، أو كان مستأنسًا. وأما الوحشي؛ كالصيود والنادِّ من الإنسي، فجميع أجزائها مذبَحٌ ما دامت متوحشة، فإذا رماها بسهم، أو أرسل عليها جارحة فأصاب شيئًا منها ومات، حلَّ بالإجماع، وكذا لو تردَّى منها شيء في بئر، ولم يكن قطع حلقومه ومريُه، فهو كالنادِّ في حله بالرمي بلا خلاف في مذهب الشافعي. وفي حله بإرسال الكلب وجهان: أصحهما: لا يحل. واعلم أنه ليس المراد بالتوحش مجردَ الإفلات، بل تيسر لُحوقه بِعَدْوٍ، أو استعانة بمن يمسكه، ونحو ذلك. فإذا كان كذلك، جاز رميه. ولا يكلف الصبر على القدرة عليه، سواء كانت الجراحة في فخذه، أو خاصرته، أو أي موضع كان من بدنه. وممن قال بجواز عقر النادِّ: علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-، وابن مسعود، وابن عمر، والحكم، وحماد، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود، والجمهور. وقال سعيد بن المسيب، وربيعة، والليث، ومالك: لا يحل إلا بذكاته في حلقه؛ كغيره، وحديثُ رافع حجة عليهم، والله أعلم. ومنها: جواز ذبح المنحور ونحر المذبوح، وقد منعه داود، وعن مالك ثلاث روايات: يكره، ويحرم، ويجوز ذبح المنحور دون نحر المذبوح. وأجمع العلماء على أن السنة في الإبل النحرُ، وفي الغنم الذبحُ، وفي البقر كالغنم عندنا وعند الجمهور، وقيل: يتخير بين ذبحها ونحرها. ومنها: التنبيه على أن تحريم الميتة إنما هو لبقاء دمها. ومنها: التصريح بمنع الذبح بالسن والظفر مطلقًا، ويجوز الذبح بكل ما له حد يقطع غيرهما؛ كالسيف والسكين والسنان والحجر والخشب والزجاج

стр. 1621

والخزف والنحاس، وسائر الأشياء المحددة. ولا يجوز بظفر الآدمي وغيره من الحيوانات، سواء المتصل والمنفصل، والطاهر والنجس. وكذلك لا يجوز بسن الآدمي وغيره الطاهر والنجس والمتصل والمنفصل. وقد نبه ﷺ على العلة فيهما وبينهما، فكل ما صدق عليه اسمهما لا تجوز الذكاة به. وبهذا قال جمهور العلماء، وبه قال فقهاء الحديث، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول النخعي، والحسن بن صالح، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين. وعن مالك روايات: أشهرها: جوازه بالعظم دون السنن كيف كانا. والثانية: كمذهب الجمهور. والثالثة: كمذهب أبي حنيفة. والرابعة: حكاها عنه ابن المنذر: يجوز بكل شيء حتى بالسن والظفر. وعن ابن جريح، جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد، وهذا مع ما قبله باطلان منابذان للسنة. واعلم أن الذكاة في المذبوح لا تحصل إلا بقطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ويستحب قطع الودجين، ولا يشترط، وهذا أصح الروايتين عن أحمد. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه إذا قطع الحلقوم والمريء والودجين، وأسال الدم، حصلت الذكاة. قال: واختلفوا في قطع بعض هذا،

стр. 1622

فقال الشافعي: يشترط قطع الحلقوم والمريء، ويستحب الوَدَجان، وقال الليث، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: يشترط الجميع. وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة، أجزأه. وقال مالك: يجب قطع الحلقوم والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن الليث أيضًا، وعن مالك رواية: أنه يكفي قطع الودجين، وعنه: اشتراط قطع الأربعة، كما قال الليث، وأبو ثور. وعن أبي يوسف ثلاث روايات: إحداها: كأبي حنيفة. والثانية: إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية، حلَّت، وإلا فلا. والثالثة: يشترط قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وقال محمد بن الحسن: إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره، حلَّ، وإلا فلا. وكل هذه المذاهب داخلة تحت قوله ﷺ : "ما أنهرَ الدمَ فكلْ"، والله أعلم. ومنها: التصريح بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويُجري الدم، ولا يكفي رضُّها ولا دَمْغُها بما لا يُجري الدم. * * *

стр. 1623

باب الأضاحي هو جمع أضحية -بضم الهمزة وكسرها-، لغتان. ويقال لها: ضحية -بلا همز-، وجمعها: ضحايا، ويقال: أَضحاة؛ وجمعها أضحى؛ كأَرطاة وأرطى. ففي المفرد أربع لغات، وفي الجمع ثلاث لغات على لغات المفرد. وباللغة الثالثة من الجمع سمي يوم الأضحى (١). * * * عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بكَبْشَبْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَينِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (٢). الأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. هذا الذي ذكره المصنف ﵀ في تفسير الأملح هو قول الكسائي، إلا أنه زاد فيه: والبياض أكثر، وزاد المصنف فيه على قول الكسائي: الأغبر، ولم أره لغيره. وقال ابن الأعرابي وغيره: الأملح: هو الأبيض الخالص البياض.

стр. 1624

وقال الأصمعي: هو الأبيض، ويشوبه شيء من السواد. وهذا الذي قاله كأنه معنى قول المصنف: الأغبر. وقال أبو حاتم: هو الذي يعلو بياضه حمرة. وقال بعضهم: هو الأسود تعلوه حمرة. وقال الخطابي: هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات سود. قال الداودي: هو المتغير الشعر ببياض وسواد (١). وكأن المعنى في الأضحية الجامع لها: أن تكون مليحة في المنظر، وطيبِ اللحم، وكثرته. وقوله: "أقرنين"؛ أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان. وقوله: "ووضعَ رجلَه على صِفاحِهما"؛ أي: صفحة عنقِ كل واحد منهما، وهي جانبه. وإنما فعل هذا؛ ليكون أثبت له وأمكن؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه من إكمال الذبح، أو تؤذيه. وورد النهي في بعض الأحاديث عن هذا، لكن حديث الكتاب أصح منه، والعمل عليه. وفي هذا الحديث أحكام: منها: شرعية الضحية، ولا خلاف أنها من شرائع الدين، وهي سنة مؤكدة، وهي مذهب الشافعي وأصحابه، وبه قال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة: هي واجبة على المقيمين من أهل الأمصار، ويعتبر في وجوبها النصابُ، وهو قول مالك، والثوري، ولم يعتبر مالكٌ الإقامةَ.

стр. 1625

والمالكية يقدمون فيها الغنم على الإبل، بخلاف الهدايا؛ فإن الإبل فيها مقدمة. والشافعية تقدم الإبل فيها. وقد يستدل المالكية باختيار النبي ﷺ للغنم في الأضاحي، وباختيار الله تعالى الغنم في فداء الذبيح. ومنها: استحباب تعداد الأضحية؛ فإنه ﷺ ضحى بكبشين. ومنها: استحباب التضحية بالأقرن، وأجمع العلماء على جوازها بالأَجَمِّ الذي لم يخلق له قرنان. واختلفوا في مكسور القرن: فجوزه الشافعي، وأبو حنيفة، والجمهور، سواء كان يَدْمى أم لا. وكرهه مالك إذا كان يدمى، وجعله عيبًا. ومنها: استحباب أحسنها وأكملها، واختيار ذلك لها، وهو مجمع عليه، وعلى عدم إجزاء المعيبة منها بالعيوب الأربعة الثابتة في الحديث الصحيح في "سنن أبي داود"، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من حديث البراء ﵁، وهي: المرض، والعجف، والعور والعرج البينان (١)، وكذا ما كان في معناها. ومنها: استحباب استحسان لون الأضحية، وهو مجمع عليه. وقد [قال] أصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: وأفضلها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء: وهي غير الصافية البياض، ثم البلقاء، وهي ما كان بعضها أبيض، وبعضها أسود، ثم السوداء. وقوله ﷺ في الصحيح في وصف الكبش المضحّى به: "يَطَأُ في سَوادٍ وَيبْرُكُ

стр. 1626

في سَوادٍ، وينظرُ في سوادٍ" (١)؛ معناه: أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. ومنها: استحباب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه، ولا يوكّل فيها إلا لعذر، وحينئذ يستحب أن يشهد ذبحها. وإن استناب فيها مسلمًا، جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابيًّا، كره كراهة تنزيه، وأجزأه، ووقعت التضحية عن الموكِّل. وبهذا قال الشافعي والعلماء كافة، إلا مالكًا في إحدى الروايتين عنه، فإنه لم يجوزها، ويجوز أن يستنيب صبيًّا، وامرأة حائضًا، لكن يكره توكيل الصبي. وفي كراهة توكيل الحائض وجهان، لكنها أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي. والأفضل أن يوكِّل مسلمًا فقيهًا بباب الذبائح والضحايا؛ لأنه أعرف بشروطها وسننها. ومنها: شرعية التسمية عليها، وكذا على سائر الذبائح، وهو مجمع عليه، لكن الخلاف وقع في أنها شرط أم مستحبة، وتقدم ذلك ودليله في الصيد. ومنها: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح، فيقول: باسم الله والله أكبر. ومنها: استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية اليمنى (٢). واتفق العلماء وعمل المسلمين على أن إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، وإذا كان كذلك، كان وضع الرجل على الجانب الأيمن. قالوا: لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين وإمساك رأسها باليسار. ويستحب للإنسان أن يضحي عن نفسه وعن أهل بيته، وإشراكهم معه في الثواب.

стр. 1627

وبهذا قال الشافعي، وجمهور العلماء، وكرهه الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وزعم الطحاوي أن الحديث المروي في جواز الإشراك في النية فيها منسوخ أو مخصوص. وغلطه العلماء في ذلك، وقالوا: إن النسخ والتخصيص لا يثبتان بمجرد الدعوى، والله أعلم. * * *

стр. 1628

كتاب الأشربة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ؛ مِنَ العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقْلَ، وَثَلاثٌ -أَيُّها النَّاسُ-، وَدِدْتُ أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا ننتَهِي إلَيْهِ: الجَدُّ، والكَلاَلَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنَ أَبْوابِ الرِّبَا (١). اعلم أن الخمر نزل تحريمها بعد نزول سورة الأحزاب، في سورة المائدة. ولما قدم الدارميون من لخْمٍ عشرة أنفس في ربيع الأول سنة تسع من الهجرة: هانئ بن حبيب، والفاكه بن النعمان، وجبلة بن مالك، والوهيد بن برة، وأخوه الطيب بن برة، وتميم بن أوس، ونعيم بن أوس، وزيد بن قيس، وعروة بن مالك، وأخوه برة بن مالك، وأهدوا إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله قد حرم الخمر"، فأَمروا ببيعها، فقال النبي ﷺ : "إنَّ الذي حرَّمَ شُربها حَرَّمَ بيعَها" (٢).

стр. 1629

ولما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، وكان سبب نزولها سؤال عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وجماعة من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! أَفْتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الآية (١). قال المفسرون: أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات نزلت بمكة: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧]، فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ. ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ ﵄: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله يقدم في تحريم الخمر" (٢)، فتركها قوم لقوله تعالى: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وشربها قوم لقوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾. إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأتاهم بخمر، فشربوا وسكروا، فحضرت صلاةُ المغرب، فقدَّموا بعضَهم ليصلي بهم، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. .، هكذا إلى آخر السورة، بحذف "لا"، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فحرم المسكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية، تركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة (٣)، فتركها قوم في أوقات الصلاة، وشربوها في غير حين الصلاة، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء، فيصبح وقد زال منه السكر، ويشرب بعد الصبح، فيصحو إذا جاءت الظهر. واتخذ عينان بن مالك ضيفًا، ودعا له رجالًا من المسلمين فيهم سعد بن أبي

стр. 1630

وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا، وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار، وفخر لقومه، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَ البعير فضربَ بها رأس سعد، فشجه موضِحَةً، فانطلق به سعد إلى رسول الله ﷺ ، وشكا إليه الأنصاري، فقال عمر؛ اللهم بَيِّنْ لنا رأيك في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام، فقال عمر: انتهينا يا رب (١). قال أنس: حرمت الخمر، ولم يكن للعرب عيشٌ أعجبُ منها، وما حرم عليهم شيء أشدّ من الخمر، والله أعلم. واعلم أن الآية في تحريمها فيها عشرة أوجه من الأدلة على تحريمها: الأول: وصفُها بأنها رجس من عمل الشيطان. الثاني: ضمها إلى الميسر والأنصاب والأزلام. الثالث: ترجي الفلاح لمُجتنبها. الرابع: إرادة الشيطان إيقاع العداوة بين المؤمنين بسببها. الخامس: إرادته إيقاع البغضاء فيها. السادس: صدها عن ذكر الله تعالى. السابع: صدها عن الصلاة. الثامن: كونها من عمل الشيطان. التاسع: إرادة الشيطان لما يترتب عليها بمجرده يقتضي تحريمها. العاشر: استفهام الانتهاء عنها بهل، يقتضي أمرين: أحدهما: البلاغة في النهي.

стр. 1631

الثاني: اللطف في طلب النهي، ويتضمن ذلك فضل ربنا علينا من جميع الوجوه، اللهم أوزعنا شكر نعمتك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، والله أعلم. قوله: "نزلَ تحريمُ الخمرِ وهي من خمسةٍ؛ من العنبِ، والتمرِ، والعسلِ، والحنطةِ، والشعيرِ"؛ هذا إشارة من عمر ﵁ إلى أن القرآن نزل أمره ونهيه على وفق اصطلاح الناس فيما يفعلونه ويجتنبونه؛ فإن الخمر كانت حينئذ من هذه الأشياء، فلا يحملونها على واحد متخذ من هذه الخمسة، بل منها ومن غيرها، ولهذا قال عمر ﵁: والخمرُ: ما خامرَ العقل، وقال ذلك في خطبته بمشهد من الصحابة ﵃ وغيرهم، ولم يردَّ ذلك عليه أحد، بل أقروه، ونقلوه، وعملوا به، وصار ذلك إجماعًا. وإنما حمل عمرَ ﵁ على ذلك، وقوله في الخطبة: فإن أهل الحجاز قالوا: الخمر ما اعتصر من العنب فقط، وخَصُّوه به، فأراد ﵁ أن يعرفهم أن القرآن إنما نزل على وَفْق العادة فيما يتخذ منه، لا بالنسبة إلى لغتكم يا أهل الحجاز. وقوله: "وهي من خمسة"، وذكرَها، هي جملة في موضع الحال. وقوله: "والخمرُ: ما خامرَ العقلَ" ثلاث مجاز تشبيه، وهو من باب تشبيه المعنى بالمحسوس. واعلم أن العقل معنى قائم بإدراك الموجودات، وهو في الإنسان قائم ببدنه ونفسه وروحه، فإذا سكر واحد من هذه الثلاثة، سكر الباقيان، وزال العقل المدرك. والإدراك هو مطلوب لله تعالى من العباد؛ ليقوموا بسببه بالعبودية، وإذا كان ذلك كذلك، كان فقدُ العقل سببًا لفقد الإدراك المطلوب، فلذلك حرم ما خامره مخامرة محاله؛ وهي البدنُ والنفسُ والروحُ، فجميع المشروبات المسكرات تخامر بدن الإنسان، فتخامر نفسه وروحه، وجميعُ الشهوات؛ كالعشقِ واللهو

стр. 1632

والطرب وغيرِها تخامر النفس، فتخامر البدنَ والروح، وجميعُ النغمات تخامر الروح، فتخامر النفس والبدن. فإن كان مأذونًا فيها؛ كطيب الصوت بالقرآن والذكر، والنظم الذي فيه معنى يناسبهما، كان [ذلك] (١) سببًا لإنعاش العقل ومزيد إدراكه، وإن كان غير مأذون فيه؛ كالشعر بغير الحكمة، وبالهجاء والغزل ووصف المحرمات والشهوات والملهيات؛ حيث إنه ﷺ قال في الشعر: "إنه نفثُ الشيطان" (٢)، كان سببًا لإنعاش الروح والنفس، لكنه بسبب غير مأذون فيه، فتسكر الروح به، وتستلذ به، فيحصل لها السكون، فيظن أن ذلك السكون هو المشاهدات والمكاشفات، فتسكن إليه إلى ظنها، فيفوتها المقصود، وذلك عين الجنون، فلذلك جميعِه حرم الشرعُ جميعَ أنواع السكر. ومن هاهنا رحل الشيطان على المتقفرة والمتصوفة؛ حيث سكنت أرواحهم ونفوسهم إلى طيب الأنغام المضافة إلى المعاني الشعرية، فاشتغلت به عن المعاني الذكرية والحكمية بواسطة الملاهي والمطربات، والله أعلم. وقولُه ﵁: "ثلاث وددتُ أن رسولَ الله ﷺ عهدَ إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه": إنما ودَّ ذلك؛ حيث إنه أبعد عن الشبهة بالاجتهاد وعدم الإصابة، وإن كان مأجورًا عليه أجرًا واحدًا، بخلاف النص فيه؛ فإنه إصابة محضة لا مدخل للاجتهاد فيه، بل هو عبودية محضة، وانقياد، وعدم تقلد، بل هو تقليد، والله أعلم. وقوله: "الجدُّ" يريد: ميراثَه؛ وقد كان للسلف المتقدمين فيه خلاف كثير، ومذهب أبي بكر الصديق ﵁: أنه بمنزلة الأب عند عدم الأب. وقوله: "والكَلالةُ"؛ هي من لا أب له ولا ولد له عند الجمهور، وآية الكلالة

стр. 1633

نزلت على النبي ﷺ وهو في طريق مكة في حجة الوداع، وتسمى: آيةَ الصيف. وقوله: "وأبوابٌ من أبواب الربا"؛ حيث إن تفاصيله كثيرة، والاشتباه يقع بينه وبين البيع كثير، فيحتاج العالم والحاكم في النظر والفصل بينهما إلى تعب وكلفة. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أن الخطب مشروعة لتبيين الأحكام للناس، خصوصًا إذا وقع الاشتباه والاختلاف فيها من الإمام والعالم ونحوهما. ومنها: استحباب قول: "أما بعد" في الخطبة بعد الثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ ، وقبل الكلام في المقصود. ومنها: التنبيه للناس بالنداء، وأيها. ومنها: ذكر الدليل على المقصود فيها. ومنها: تحريم الخمر. ومنها: التصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأنها كلها تسمى خمرًا، وسواء في ذلك نبيذ التمر والزبيب والعسل والحبوب وأنواع ذلك جميعه ممّا ينبذ، فكلها محرمة، وتسمى خمرًا. وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف. وقال قوم من أهل البصرة: إنما يحرم عصير العنب ونقيع الزبيب النِّيء، فأما المطبوخ منهما، والنيء، والمطبوخ مما سواهما، فحلال، ما لم يشرب ويُسكر. وقال أبو حنيفة: إنما يحرم عصير ثمرات النخل والعنب، قال: فسلاقة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها. قال: وأما نقيع التمر، فقال: يحل مطبوخها، وإن مسته النار شيئًا من غير

стр. 1634

اعتبار لحد، كما اعتبر في سلاقة العنب. قال: والنِّيء منه حرام، قال: ولكن لا يحد شاربه. هذا كله ما لم يشرب ويسكر، فإن سكر، فهو حرام بإجماع المسلمين. واحتج الجمهور بالقرآن والسنة. أما القرآن: فهو أن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر كونُها تصدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات البدنية والنفسية والروحية، فوجب طردُ الحكم في الجميع من المسكر في جميع محاله. فإن قيل: إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار، وهو مجمع عليه. قلنا: وقد أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر، وقد علل تحريمه بما سبق، فإذا كان ما سواه في معناه، وجب طرد الحكم في الجميع، ويكون التحريم للجنس المسكر، وعلل بما يحصل من الجنس في العادة. وهذا إنما يقع التحريم فيه إذا عصر لقصد الخمرية، أما إذا عصر لقصد الخَلِّيَّة، فالتحريم فيه حالَ كونه خمرًا، أما في حال عصره، فلا يحرم؛ حيث لم يسكر، ولم يقصد بعصره الخمرية، وأما في حال كونه يصير خلًّا؛ فلأنه قصد بعصره له دون الخمرية. وقد قال ﷺ : "نِعْمَ الإدامُ الخلُّ"، ولو كان حرامًا، لم يقل ذلك؛ حيث إنه لا يتصور وجود خل إلا بعد تخميره. ولما كان الأمر كما ذكرنا، وأن كان الأحكام تتبدل بحسب الصفات والمقاصد، قام ذلك مقام التصريح بالنطق وأبلغ، وجب أن يجعل الإسكار هو علة التحريم. وأما السنة: فهذا الحديث في خطبة عمر ﵁، والحديث الآتي: "كُلُّ شَرابٍ أَسْكَرَ فَهوَ حَرامٌ" (١)، وقوله ﷺ في الصحيح: "كلُّ مُسْكِرٍ حرام" (٢)،

стр. 1635

ونهيُه عن كلِّ مسكر، وكلُّ مسكرٍ حَرامٌ، "وكُلُّ مسكرٍ خَمْرٌ" (١)، وقوله ﷺ عن كل مسكر أسكر عن الصلاة (٢)، والله أعلم. ومنها: التنبيه على شرف العقل وفضله. ومنها: استحباب أن يود الإنسان الخيرَ وعدمَ الاشتباه، والبيانَ الواضح؛ لعدم وقوع الاختلاف، ولإرادة الوفاق. ومنها: إبراز ذلك وإيضاحه للناس. ومنها: أن المعتبر في الأحكام الشرعية مفاهيم الصحابة -رضوان الله عليهم- ولغاتهم وحالهم؛ حيث إن القرآن العزيز نزل عليهم بلغتهم وفَهْمهم، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ عَائشِةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أُنَّهُ سُئِلَ عَنِ البِتْعِ، فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ، فَهُوَ حَرَامٌ" (٣). البِتْعُ: نَبِيذُ العَسَلِ. البتع -بكسر الباء الموحدة بلا خلاف، وسكون التاء المثناة فوق، ويقال بفتحها أيضًا؛ كقِمْع وقِمَع-. وقد فسره المصنف بنبيذ العسل، وكذا قاله غيره.

стр. 1636

وقال غيره: هو شراب العسل، وهو خمر أهل اليمن (١). وفي الحديث دليل: على تحريمه، وتحريم كل مسكر. وأهل الحجاز يرون أن المراد بالشراب: الجنس والعين، والكوفيون يحملونه على القدر المسكر. وعلى قول الأكثرين الأولين؛ يكون المراد بكونه أنه مسكر بالقوة؛ أي: فيه صلاحية ذلك، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ ﵁: أَن فُلاَنًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلاَنًا! ألَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ! حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا" (٢). جملوها: أذابوها. فلان المبهم في هذا الحديث الذي باع الخمر، وقال عمر ﵁: قاتله الله؛ هو: سمرةُ بنُ جندب. قاله الخطيب البغدادي في "مبهماته"، وابن بشكوال، والله أعلم (٣). وتقدم الكلام على الشحوم وأحكامها وما يتعلق بذلك من الأدهان في آخر باب: العرايا، من كتاب: البيوع.

стр. 1637

وفي الحديث دليل: على تحريم الخمر وبيعها. وفيه دليل: على تحريم بيع ما حرمت عينه مطلقًا. وفيه دليل: على استعمال الصحابة ﵃ القياسَ في الأمور من غير نكير؛ لأن عمر ﵁ قاس بيعَ الخمر عند تحريم عينها على بيع الشحوم عند تحريمها، وهو قياس من غير شك. وفيه دليل: على تأكيد جواز استعمال القياس؛ حيث دعا عمر ﵁ على مَنْ خالفه فباعها بقوله: قاتل الله فلانًا. وفيه دليل على تحريم الحيل المحرمة، والدعاء على فاعلها، والله أعلم. * * *

стр. 1638

كتاب اللباس الحديث الأول عَن عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ؛ فَإنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَة" (١). أما الحرير؛ فهو اسم جنس، واحدته هريرة، ذكره الجوهري. وقال أبو هلال العسكري: ويقال له: الدِّمَقْسُ، والسَّرَقُ، والسيَراء. [وقيل: السيراء] (٢): ضربٌ من البرود مسير مخطط، وهو عربي، وقيل: فارسي معرب، وهو ضعيف. وإنما سمي حريرًا؛ لأنه من خالص الإبْرِيسَم. وأصل هذه الكلمة الخلوص، ومنه قولهم: طين حر؛ لأنه لم يخالطه رمل أو حمأة. وقيل للحر خلاف العبد: حر؛ لأنه خالص لنفسه، وحررتُ الكتاب: خَلَّصته من التسويد. هذا آخر كلامه، والله أعلم. وقوله ﷺ : "لا تلبَسُوا الحريرَ"؛ هذا خطاب للذكور، فلا يدخل فيه الإناث، كما قال عبد الله بن الزبير في خطبته: لا تُلْبِسوا نساءكم الحرير، مستدلًا بهذا الحديث على تحريمه عليهن، وهو مذهبه.

стр. 1639

لكنه وقع الإجماع على إباحته لهن، وخطاب الذكور لا يتناول النساء عند الإطلاق عند محققي الأصوليين، والأحاديث الصحيحة في "صحيح مسلم" مصرحة بإباحته لهن؛ فإن النبي ﷺ أمر عليًّا وأسامة أن يكسوا الحرير نساءهما، والحديث مشهور أن النبي ﷺ قال في الحرير والذهب: "إن هَذَيْنِ حَرامٌ على ذُكور أُمَّتي، حِلٌّ لإنِاثها" (١)، والله أعلم. وقوله ﷺ : "فإنه من لبسَه في الدنيا، لم يلبسْهُ في الآخرة"؛ هذا علَّة منه ﷺ للمنع من لبسه، وكأنه إشارة إلى ما فيه من التنعم والتزيين، فقوبل من لبسه في الدنيا بمنعه إياه في الآخرة؛ كما مُنع مَنْ شرب الخمر في الدنيا، [بمنعِه] (٢) شربَها في الآخرة، وكذلك من طرب في الدنيا بغير مأذون فيه صورة ومعنى، لم يطرب في الآخرة؛ فالطرب في الشرع: هو عبارة عن فكر يطرأ عند التدبر فيما يسمعه، والمأذون فيه: هو القرآن، والحديث النبوي، وغيرهما من الأحكام والحكم والمواعظ، نثرًا ونظمًا، فمن طرب بغير ذلك بغير صورة الطرب شرعًا، لم يطرب في الآخرة. ولفظ هذا الحديث بذكر هذه العلة، عامٌّ في الرجال والنساء، لكنه مخصوص في النساء بأحاديثِ الإذن لهن في لبسه، فيبقى على منعه في الرجال. ولا نقول: إن عموم هذا الحديث ناسخ؛ لخصوص الإذن في النساء؛ لعدم معرفة التاريخ، والمتقدم منها والمتأخر. نعم، لو قيل بكراهته لهن، لم يبعد، لكني لا أعلم من قال به الآن، فإنهم قالوا: هو مباح لهن بالإجماع، وهو مستوي الطرفين، والكراهة ترجيحُ جانب

стр. 1640

المنع على الإباحة، لكنه قد يكون الشيء مكروهًا بالنسبة إلى تنقيص الثواب في الآخرة، لا للإذن فيه في الدنيا. ومثل هذا في أحكام الدنيا امتناعُ الملائكة من دخول البيت الذي فيه صورة، مع الإذن في جواز افتراش الذي فيه الصورة؛ جلوسًا ونومًا وحذاء. وكذلك من يُجوِّز شرب الخمر للتداوي؛ فإن مقتضى الحديث منعُ من شربها في الآخرة مطلقًا، له ولغيره. وبالجملة، فالكراهة لهن غير بعيدة، ولو لم تكن لشيء إلا لكون الخلاف قد حكي في تحريمه عليهن قبل الإباحة. كيف وقد روى النَّسائيُّ بإسناد حسن عن عقبة بن عامر ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: "إن كنتم تحبون حِلْيَةَ الجنةِ وحريرَها، فلا تَلْبَسوها في الدنيا" (١). وهذا يقوي ما فهمه ابن الزبير من المنع، والإجماع مع الأحاديث الصحيحة يمنع التحريم عليهن، فيحملى حديث عقبة بن عامر، ومنعُ ابن الزبير وغيره: على كراهة التنزيه؛ جمعًا بين الأدلة، والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل: على تحريم مطلق الحرير، وهو محمول عند جمهور العلماء على الخالص منه في حق الرجال، والنهي عندهم للتحريم. والممتزج بغيره اختلف الفقهاء فيه اختلافًا كثيرًا: فمنهم: من منعه مطلقًا للرجال؛ لأجل مسمى الحرير، إلا فيما خرج عنه بالإجماع، فيحل، ويبقى فيما عداه على التحريم. ومنهم: من اعتبر في التحريم الغلبة، فمنهم من اعتبرها بالظهور وفي الرؤية؛ كالعتابي؛ فإن الظهور فيه أغلب من الوزن، والله أعلم.

стр. 1641

الحديث الثاني عَن حُذَيفَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ، وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشرَبُوا فِي آنِية الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَة" (١). تقدم الكلام على حذيفة. وأما الديباج؛ فهو بكسر الدال وفتحها عجمي معرب، جمعه ديابيج ودبابيج؛ وهو ما غَلُظَ وثَخُنَ من ثياب الحرير. وذكره بعد الحرير، وإن كان نوعًا منه، هو من باب ذكر الخاص بعد العام. وقوله ﷺ : "ولا تأكلوا في صحافِها". الصِّحافُ: جمع صَحْفَة، وهي دون القصعة، قال الجوهري: قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنةُ، ثم القصعةُ تليها تشبع العشرة، ثم الصحفة تشبع الخمسة، ثم المُكيلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة تشبع الرجل (٢). وقوله ﷺ : "فإنها لهم في الدنيا"؛ أي: للكفار، ومعناه: أن الكفار إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، وأما الآخرة، فما لهم فيها من نصيب، وأما المسلمون، فلهم في الجنة الحرير والذهب، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وليس في الحديث حجة لمن يقول: الكفار غير مخاطبين بفروع الشرع؛ لأنه لم يصرح بإباحتها لهم، وإنما أخبر عن الواقع في العادة أنهم هم الذين يستعملونه في الدنيا، وإن كان حرامًا عليهم كما هو حرام على المسلمين، وإنما

стр. 1642

ذكر ذلك تنبيهًا على تحريم التشبه بهم فيما يعانونه من أمور الدنيا؛ تأكيدًا للمنع منه. وقوله ﷺ : "ولكم في الآخرة"؛ أي: يوم القيامة، وإنما ذكر ذلك؛ لئلا يظن أنه يحصل ذلك بمجرد الموت، وأنه يصير في أحكام الآخرة في هذا الإكرام، فبين ﷺ أنما ذلك في يوم القيامة وبعده في الجنة أبدًا، فتكون لهم يوم القيامة حكمًا، وتستمر في الجنة أبدًا، والله أعلم. وفي هذا الحديث دليل: على تحريم لبس الحرير والديباج مطلقًا. وذكر أصحاب الشافعي أنه يجوز لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح حالة القتال، وكأنهم يجعلون ذلك من الأمور المحتاج إليها أنها كإذنه ﷺ في لبس الحرير للحكة، والله أعلم. وفيه دليل: على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة مطلقًا، وتخصيص الشرب والأكل بالنهي دون غيرهما من الحالات؛ لكونهما الغالب في الاستعمال، لا لتقييده بهما. وللشافعي قول ضعيف: أن المنع منهما للتنزيه، وهو متفق على ضعفه. واختلف في تعليل المنع منهما، فقيل: للسرف والخيلاء. وقيل: لتعليل النقدين؛ حيث إن الحكمة اقتضت الانتفاع بهما في المعاملات، فلا يُضيَّق على الناس في ذلك؛ بجعلهما في غيره، والله أعلم. وفيه: التنبيه على منع التشبه بالكفار. وفيه: التحضيض على الصبر عن ذلك احتسابًا لنيله في الآخرة؛ حيث إنها الباقية، وما عداها فانٍ، والتعلق بالباقي خير من التعلق بالزائل الفاني، والله أعلم. * * *

стр. 1643

الحديث الثالث عَنِ البرَاء بْنِ عَازِب ﵄ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنكبَيْهِ، بَعِيد ما بينَ المَنكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ (١). تقدم الكلام على البراء بن عازب. وأما اللِّمَّة -بكسر اللام وتشديد الميم وتاء التأنيث المكتوبة هاء-، وهي من شعر الرأس دون الجمة، سميت بذلك؛ لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت، فهي الجمة (٢). وأما الحلة؛ فهي ثوبان غير لفقين، رداءٌ وإزارٌ، سميا بذلك حلة؛ لأن كل واحد منهما يحل على الآخر، والحلة واحدُ الحلل. قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، وقال بعضهم: ولا يقال لها حلة حتى تكون جديدة؛ لحلها عن طيها (٣). وفي الحديث: أنه رأى رجلًا عليه حلة؛ اتزر بأحدهما، وارتدى بالأخرى (٤)، وهذا يدل على أنهما ثوبان. وقوله: "وله شعرٌ يضربُ مَنكِبيه"؛ المنكب: ما بين الكتف والعنق، والمراد: أن شعره ﷺ مسترسل غير مضفور ولا مكفوف. وفي الحديث دليل: على جواز لبس الأحمر.

стр. 1644

وأما الأحاديث الواردة في المنع من الثياب الحمر للرجال في "سنن أبي داود" وغيره (١)، ففي أسانيدها مقال، ولو ثبتت، لكانت محمولة على خلاف الأولى، والله أعلم. وفيه دليل: على اعتناء الصحابة ﵃ بضبط أحواله ﷺ وهيئاته، ونقلِها إلى الناس تبركًا وتأسيًا. وفيه: استحبابُ إرسال شعر الرأس للرجل. وكان لشعر رسول الله ﷺ حالان؛ أحدهما: إلى المنكبين إذا طال. والثاني: إلى شحمة أذنيه إذا قصره، والله أعلم. ويستحب الاقتداء به في هيئاته، وأموره الخلقية، وما كان منها ضروريًّا لم يتعلق به استحباب على وضعه. والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنِ البرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ أيضًا، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَازةِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإبْرَارِ القَسَمِ أوِ المُقْسِم، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِجَابةِ الدَّاعِي، وَإفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ أَوْ تَخَتُّم بالذهَبِ، وَعَنِ الشُّرْبِ بِالفِضَّةِ، وَعَنِ المَيَاثِرِ، وَعنِ القَسِّيِّ، وَلُبْسِ الحَرِيرِ وَالإسْتبرَقِ وَالدِّيبَاجِ (٢). قوله: "وعن المياثر"؛ هي جمع مئثرة بكسر الميم، والمياثر بكسر الثاء

стр. 1645

المثلثة، قبل الراء، وهي أوطية كانت النساء تضعها لأزواجهن على السُّرج، وكانت من مراكب المعجم، وتتخذ من الحرير ومن الصوف وغيرهما. وقيل: هي أغشية للسروج تتخذ من الحرير، وقيل: هي سروج من الديباج. وقيل: هي شيء كالفراش الصغير تتخذ من حرير يحشى بقطن أو صوف، ويجعلها الراكب تحته فوق الرجل. والمئثرة، مهموزة، وهي مِفْعلة من الوثارة. ويقال: وثر: بضم الثاء، وثارة بفتح الواو، فهو وثير؛ أي: وطيء لين. وأصلها: مؤثرة، فقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، كما في ميزان وميقات وميعاد؛ من الوزن، والوقت، والوعد، وأصله: مِوْزان، ومِوْقات، ومِوْعاد (١). فالمئثرة إن كانت من الحرير؛ كما هو الغالب فيما كان من عادتهم، فهي حرام؛ لأنه جلوس على حرير، والجلوس على الحرير حرام على الرجال. وفي "صحيح البخاري" عن يزيد بن رومان: أن المراد بالمئثرة: جلود السباع (٢)، وهو قول باطل مخالف لما أطبق عليه أهل اللغة والحديث وسائر العلماء (٣)، والله أعلم. وأما القَسِّي؛ فهو بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، قال أبو عبيد: أهل الحديث يكسرون القاف، وأهل مصر يفتحونها. وهذا الذكره قاله هو قول بعض أهل الحديث. والصحيح المشهور فتحها.

стр. 1646

واختلف في تفسيره: فقال مسلم بن الحجاج: فأما القسط، فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شبه. وقال البخاري: فيها حرير أمثال الأترج. وقال أهل اللغة وغريب الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، -بفتح القاف- وهي قرية على ساحل البحر قريبة من "تنيس". وقيل: هي ثياب كتان مخلوط بحرير. وقيل: هي ثياب من القز، وأصله القزي بالزاي، منسوب إلى القز، وهي رديء الحرير، فأبدل من الزاي سين (١). وهذا القسي، إن كان حريره أكثر من الكتان، فالنهي عنه للتحريم، وإلا فلكراهة التنزيه. وأما الإِستبرق؛ فغليظ الديباج. وتقدم ذكر الديباج في الحديث الثاني من هذا الباب. والإستبرق والديباج حرام؛ لأنهما من الحرير. وذكر الديباج بعد الإستبرق، إما من باب ذكر العام بعد الخاص؛ ليستفاد بذكر الخاص: فائدة التنصيص، ومن ذكر العام: زيادة إثبات الحكم في النوع الآخر، أو يكون ذكر الديباج من باب التعبير بالعام عن الخاص، ويراد به: ما رقَّ من الديباج ليقابل ما غلظ وهو الإستبرق. وقد قيل: الإِستبرق لغة فارسية، انتقلت إلى لغة العرب، وذلك الانتقال لضرب من التعبير، كما العادة عند التعريب.

стр. 1647

وفي هذا الحديث أحكام: منها: شرعية عيادة المريض، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من تعرفه ومن لا تعرفه، والقريب والأجنبي. واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما. وقد تجب العيادة؛ حيث يضطر المريض إلى من يتعاهده، وإن لم يُعَدْ، ضاعَ. وأوجبها الظاهرية من غير هذا القيد؛ لظاهر الأمر. واختلف الأصوليون في الاعتذار يقول داود الظاهري وأتباعه في الإجماع والخلاف. والمحققون يقولون: لا يُعتد به؛ لإخلالهم بالقياس، وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به، والله أعلم. ومنها: شرعية اتباع الجنائز، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما. ويحتمل أن يراد به: اتباعُها للصلاة عليها، فإن كان ذلك هو المراد، فهو من فروض الكفايات عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت ويدفن في محل موته. ويحتمل أن يراد به: الرواحُ إلى محل الدفن لمواراته، والمواراة -أيضًا- من فروض الكفايات عند الجمهور لا تسقط إلا بمن تتأدى به. ومنها: شرعية تشميت العاطس؛ وهو قول سامع العاطس: "يرحمك الله"؛ بشرط حمدِ العاطسِ اللهَ تعالى، وإسماعِه المشمتَ حمدَه، وكونِه مسلمًا. والتشميتُ بالشين المهملة والمعجمة لغتان. قال الليث: ومعناه: ذكرُ الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك الله.

стр. 1648

وقال: ثعلب: يقال: سَمَّتُّ العاطسَ، وشَمَّتُّهُ: إذا دعوت له بالهدى والطريق المستقيم. قال: والأصل فيه: السين المهملة، فقلبت شينًا معجمة. وقال صاحب "المحكم": تشميت العاطس معناه: هداك الله إلى السمت، قال: وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق. وقال أبو عبيدة وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين. وقال ابن الأنباري: يقال: منه شمَّته، وسمَّتُّ عليه: إذا دعوت له بخير، وكل داع بخير فهو مشمِّت، ومسمِّت (١). قال العلماء من الشافعية وغيرهم: تشميت العاطس سنة على الكفاية، إذا فعله بعضُ الحاضرين، سقط الأمر عن الباقين. قالوا: ولكن الأفضل أن يشمته كل واحد من الحاضرين؛ لظاهر قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "كانَ حَقًّا على كُلِّ مسلمٍ سَمِعَهَ أَنْ يقولَ لهُ: يَرْحَمُكَ الله" (٢). وأوجب ذلك على كل من سمعه: ابن مزين من المالكية. وأجازه ابن العربي المالكي، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم. ومنها: شرعية إبرار القسم والمقِسم؛ ومعناه: إبراره بالوفاء بمقتضاه وعدم التحنيث فيه. فالمُقسِم بضم الميم وكسر السين، فيكون في الكلام حذف مضاف تقديره: وإبرار يمين المقسم، والقَسَم بفتح القاف والسين، فيكون قوله: القسم أو المقسم شكًّا من الراوي، ويحتمل أن يكون المَقْسَم بفتح الميم والسين بمعنى،

стр. 1649

القسم، فيكون اللفظان بمعنى كرر لتغاير الألفاظ، فلا تكون "الواو" للشك، وهو سنة مؤكدة، إذا لم يكن على المقسَم عليه ضرر ولا مفسدة في دين ولا دنيا، فإن كان شيء من ذلك، لم يبر قسمه. كما ثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا"، فقال: أقسمتُ عليكَ يا رسولَ الله لتخبرني، فقال: "لا تُقْسِمْ" ولم يخبره (١). ثم القسم يكون تارة على سبيل اليمين؛ كقوله: "والله لتفعلن كذا"، فهو آكد من غيره في إبراره القسم، وتارة يكون على سبيل التحليف؛ كقوله: "بالله افعل كذا"، فهو دون الأول في تأكيد الإبرار للقسم؛ لأن فيه إيجاب الكفارة على المقسم، وهي تغريم المال، وذلك إضرار به، بخلاف الثاني، فإنه عارٍ عن ذلك، والله أعلم. ومنها: شرعية نصر المظلوم، وهو من الفروض اللازمة لمن علم ظلم المظلوم وقدر على نصره، ولم يخفْ ضررًا؛ لما فيه من فعل المعروف معه، وإزالة المنكر عن ظالمه. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؛! قال: "تمنعُه من الظلم، فذاك نَصْرُكَ إياه" (٢)، وذلك دفع الضرر عن المظلوم في الدنيا، والظالم في الآخرة، والله أعلم. ومنها: شرعية إجابة الداعي؛ وهي عامة، والاستحباب شامل، ما لم يقم مانع.

стр. 1650

وقد توسع الفقهاء من الشافعية وغيرهم في الأعذار المرخصة لتركها، وعدم الإجابة، وجعل بعضها مخصصا لهذا العموم في إجابة الداعي. ولا شك أن منها ما يجب أن يكون عذرًا، ومنها ما لا ينبغي أن يكون عذرًا؛ كقولهم: لا تجب إجابة من لا يليق بالمدعو مجالسته؛ لما فيه من نقص مرتبته وتبذله بإجابته؛ لفضله، وهذا إن نقص فضله وعدم قبوله، فالأمر كما قالوه، وإن نقص مجرد الرتبة عادة، لكنه حصل خير وتواضع ومزيد خير أخروي للداعي من غير نقص أخروي أو ضرر دنيوي للمدعو، فلا شك أن هذا مشروع مسنون مؤكد، ولا يكون ذلك عذرًا في عدم الإجابة، ولا مخصصًا للعموم، والله أعلم. وتقدم الاختلاف في وجوب وليمة العرس، وعدد الولائم الإسلامية في النكاح. ومنها: إفشاء السلام، وهو إشاعته وبذله والإعلان به لكل مسلم. وقد قال ﷺ في الصحيح: "وتقرأُ السلامَ على مَنْ عرفتَ ومن لم تعرف" (١)، وتعلقت بذلك مصلحة المودة المطلوبة للشرع في إشارته ﷺ في الصحيح في قوله: "أولًا أَدُلُّكُمْ على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاَببْتُم؟ أَفْشُوا السلامَ بَيْنَكُمْ" (٢). والإفشاء يكون: في الابتداء بالسلام ورده، فالابتداء به سنة بالإجماع، والرد فرض بالإجماع، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا، تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة، كان فرضَ كفاية في حقهم، إذا ردَّ أحدُهم، سقط الحرج عن الباقين. واعلم أنه قد وقع الأمر بهذه الأمور السبعة بصيغة واحدة، وبعضها للإيجاب وبعضها للندب.
следующие страницы →