واختلف في تفسيره:
فقال مسلم بن الحجاج: فأما القسط، فثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام فيها شبه.
وقال البخاري: فيها حرير أمثال الأترج.
وقال أهل اللغة وغريب الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس، -بفتح القاف- وهي قرية على ساحل البحر قريبة من "تنيس".
وقيل: هي ثياب كتان مخلوط بحرير.
وقيل: هي ثياب من القز، وأصله القزي بالزاي، منسوب إلى القز، وهي رديء الحرير، فأبدل من الزاي سين (١).
وهذا القسي، إن كان حريره أكثر من الكتان، فالنهي عنه للتحريم، وإلا فلكراهة التنزيه.
وأما الإِستبرق؛ فغليظ الديباج. وتقدم ذكر الديباج في الحديث الثاني من هذا الباب.
والإستبرق والديباج حرام؛ لأنهما من الحرير. وذكر الديباج بعد الإستبرق، إما من باب ذكر العام بعد الخاص؛ ليستفاد بذكر الخاص: فائدة التنصيص، ومن ذكر العام: زيادة إثبات الحكم في النوع الآخر، أو يكون ذكر الديباج من باب التعبير بالعام عن الخاص، ويراد به: ما رقَّ من الديباج ليقابل ما غلظ وهو الإستبرق.
وقد قيل: الإِستبرق لغة فارسية، انتقلت إلى لغة العرب، وذلك الانتقال لضرب من التعبير، كما العادة عند التعريب.
стр. 1647
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: شرعية عيادة المريض، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من تعرفه ومن لا تعرفه، والقريب والأجنبي.
واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منهما.
وقد تجب العيادة؛ حيث يضطر المريض إلى من يتعاهده، وإن لم يُعَدْ، ضاعَ.
وأوجبها الظاهرية من غير هذا القيد؛ لظاهر الأمر.
واختلف الأصوليون في الاعتذار يقول داود الظاهري وأتباعه في الإجماع والخلاف.
والمحققون يقولون: لا يُعتد به؛ لإخلالهم بالقياس، وهو أحد شروط المجتهد الذي يعتد به، والله أعلم.
ومنها: شرعية اتباع الجنائز، وهي سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما.
ويحتمل أن يراد به: اتباعُها للصلاة عليها، فإن كان ذلك هو المراد، فهو من فروض الكفايات عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن الصلاة من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى على الميت ويدفن في محل موته.
ويحتمل أن يراد به: الرواحُ إلى محل الدفن لمواراته، والمواراة -أيضًا- من فروض الكفايات عند الجمهور لا تسقط إلا بمن تتأدى به.
ومنها: شرعية تشميت العاطس؛ وهو قول سامع العاطس: "يرحمك الله"؛ بشرط حمدِ العاطسِ اللهَ تعالى، وإسماعِه المشمتَ حمدَه، وكونِه مسلمًا.
والتشميتُ بالشين المهملة والمعجمة لغتان.
قال الليث: ومعناه: ذكرُ الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك الله.
стр. 1648
وقال: ثعلب: يقال: سَمَّتُّ العاطسَ، وشَمَّتُّهُ: إذا دعوت له بالهدى والطريق المستقيم.
قال: والأصل فيه: السين المهملة، فقلبت شينًا معجمة.
وقال صاحب "المحكم": تشميت العاطس معناه: هداك الله إلى السمت، قال: وذلك لما في العطاس من الانزعاج والقلق.
وقال أبو عبيدة وغيره: الشين المعجمة أعلى اللغتين.
وقال ابن الأنباري: يقال: منه شمَّته، وسمَّتُّ عليه: إذا دعوت له بخير، وكل داع بخير فهو مشمِّت، ومسمِّت (١).
قال العلماء من الشافعية وغيرهم: تشميت العاطس سنة على الكفاية، إذا فعله بعضُ الحاضرين، سقط الأمر عن الباقين.
قالوا: ولكن الأفضل أن يشمته كل واحد من الحاضرين؛ لظاهر قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "كانَ حَقًّا على كُلِّ مسلمٍ سَمِعَهَ أَنْ يقولَ لهُ: يَرْحَمُكَ الله" (٢).
وأوجب ذلك على كل من سمعه: ابن مزين من المالكية. وأجازه ابن العربي المالكي، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم.
ومنها: شرعية إبرار القسم والمقِسم؛ ومعناه: إبراره بالوفاء بمقتضاه وعدم التحنيث فيه.
فالمُقسِم بضم الميم وكسر السين، فيكون في الكلام حذف مضاف تقديره: وإبرار يمين المقسم، والقَسَم بفتح القاف والسين، فيكون قوله: القسم أو المقسم شكًّا من الراوي، ويحتمل أن يكون المَقْسَم بفتح الميم والسين بمعنى،
стр. 1649
القسم، فيكون اللفظان بمعنى كرر لتغاير الألفاظ، فلا تكون "الواو" للشك، وهو سنة مؤكدة، إذا لم يكن على المقسَم عليه ضرر ولا مفسدة في دين ولا دنيا، فإن كان شيء من ذلك، لم يبر قسمه.
كما ثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ لما عبر الرؤيا بحضرة النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا"، فقال: أقسمتُ عليكَ يا رسولَ الله لتخبرني، فقال: "لا تُقْسِمْ" ولم يخبره (١).
ثم القسم يكون تارة على سبيل اليمين؛ كقوله: "والله لتفعلن كذا"، فهو آكد من غيره في إبراره القسم، وتارة يكون على سبيل التحليف؛ كقوله: "بالله افعل كذا"، فهو دون الأول في تأكيد الإبرار للقسم؛ لأن فيه إيجاب الكفارة على المقسم، وهي تغريم المال، وذلك إضرار به، بخلاف الثاني، فإنه عارٍ عن ذلك، والله أعلم.
ومنها: شرعية نصر المظلوم، وهو من الفروض اللازمة لمن علم ظلم المظلوم وقدر على نصره، ولم يخفْ ضررًا؛ لما فيه من فعل المعروف معه، وإزالة المنكر عن ظالمه.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قيل: يا رسول الله! أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؛! قال: "تمنعُه من الظلم، فذاك نَصْرُكَ إياه" (٢)، وذلك دفع الضرر عن المظلوم في الدنيا، والظالم في الآخرة، والله أعلم.
ومنها: شرعية إجابة الداعي؛ وهي عامة، والاستحباب شامل، ما لم يقم مانع.
стр. 1650
وقد توسع الفقهاء من الشافعية وغيرهم في الأعذار المرخصة لتركها، وعدم الإجابة، وجعل بعضها مخصصا لهذا العموم في إجابة الداعي.
ولا شك أن منها ما يجب أن يكون عذرًا، ومنها ما لا ينبغي أن يكون عذرًا؛ كقولهم: لا تجب إجابة من لا يليق بالمدعو مجالسته؛ لما فيه من نقص مرتبته وتبذله بإجابته؛ لفضله، وهذا إن نقص فضله وعدم قبوله، فالأمر كما قالوه، وإن نقص مجرد الرتبة عادة، لكنه حصل خير وتواضع ومزيد خير أخروي للداعي من غير نقص أخروي أو ضرر دنيوي للمدعو، فلا شك أن هذا مشروع مسنون مؤكد، ولا يكون ذلك عذرًا في عدم الإجابة، ولا مخصصًا للعموم، والله أعلم.
وتقدم الاختلاف في وجوب وليمة العرس، وعدد الولائم الإسلامية في النكاح.
ومنها: إفشاء السلام، وهو إشاعته وبذله والإعلان به لكل مسلم. وقد قال ﷺ في الصحيح: "وتقرأُ السلامَ على مَنْ عرفتَ ومن لم تعرف" (١)، وتعلقت بذلك مصلحة المودة المطلوبة للشرع في إشارته ﷺ في الصحيح في قوله: "أولًا أَدُلُّكُمْ على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاَببْتُم؟ أَفْشُوا السلامَ بَيْنَكُمْ" (٢).
والإفشاء يكون: في الابتداء بالسلام ورده، فالابتداء به سنة بالإجماع، والرد فرض بالإجماع، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا، تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة، كان فرضَ كفاية في حقهم، إذا ردَّ أحدُهم، سقط الحرج عن الباقين.
واعلم أنه قد وقع الأمر بهذه الأمور السبعة بصيغة واحدة، وبعضها للإيجاب وبعضها للندب.
стр. 1651
ولا شك أن أصل الأمر للإيجاب، وهو حقيقة فيه.
فإذا حملنا بعضه على الندب، وبعضه على الإيجاب، كنا قد استعلمنا اللفظة الواحدة في الحقيقة الواحدة والمجاز معًا، وذلك ممنوع على مذهب من يمنع ذلك، لكنه وقع في الكتاب العزيز عطف الواجب على غير الواجب في غير موضع بصيغتين مختلفتين في لفظهما ومعناهما، وهاهنا اتفق لفظ الأمر، واختلف معنى المأمور به، فتكون الصيغة في الأمر موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب من رجحان الفعل، ومطلق الطلب، ولا يكون دالًا على أحد الخاصتين؛ الوجوب والندب، فتكون اللفظة مستعملة في معنى واحد، والله أعلم.
ومنها: تحريم التختُّم بالذهب على الرجال، وهو مجمع عليه، وكذا لو كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة، فإنه حرام.
قال أصحاب الشافعي ﵏: ولو كان سن الخاتم ذهبًا، أو كان مموهًا بذهب يسير، فهو حرام؛ لعموم قوله ﷺ في الحديث الآخر في الحرير والذهب: "إِن هَذَينِ حرامٌ على ذُكور أُمَّتي" (١).
وقد روى الإمام أحمد ﵀ في "مسنده": أن النبي ﷺ قال: "من
تحلَّى ذهبًا، أو حلَّى ولدَه مثلَ خربصيصة، لم يدخلِ الجنةَ" (٢).
والخربصيصة: هي الجنة التي تتراءى في الرمل، لها بصيصٌ كأنها عينُ جرادة. ومنه الحديث: "إن نعمَ الدنيا أقلُّ وأصغرُ عند اللهِ من خربصيصةٍ" (٣).
стр. 1652
ومنها: تحريم الشرب في إناء الفضة، ولا فرق بين الأكل والشرب وسائر الاستعمال في التحريم، ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك. وأجمع المسلمون على ذلك، إلا ما حكاه بعض أصحاب الشافعي العراقيين عند قول قديم للشافعي: أنه يكره ولا يحرم، إلا ما حكي عن داود الظاهري من تحريم الشرب دون غيره، وهما نقلان باطلان؛ لمخالفتهما الأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك جميعه، وللوعيد عليه بالنار كما بيناه، ولمخالفتهما الإجماع.
وداود الظاهري لا تعد مخالفته خارقة للإجماع عند المحققين من الأصوليين كما قدمنا ذكره.
والقول القديم للشافعي مرجوع عنه، إذا خالفه قوله الجديد، فلا يكون قولًا له، ولا تحل نسبته إليه إلا للبيان. كيف ولم يثبت عنه هذا قولًا قديمًا؟
قال صاحب "التقريب"-وهو من متقدمي الشافعية، وهو أتقنهم لنقل نصوصهم-: سياق كلام الشافعي في القديم يدلُّ على أنه أراد نفس الذهب والفضة الذي اتخذ منه الإناء، وأنه ليس حرامًا، ولهذا لم يحرم الحلي على المرأة. هذا آخر كلامه (١).
والمجتهد لو قال قولًا صريحًا، ثم رجع عنه، لم تحلَّ نسبته إليه، ولا يبقى قولًا له، وإنما يُذكر ويُنسب إليه مجازًا باسم ما كان عليه، لا أنه قول له الآن، فثبت انعقاد الإجماع على تحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الأكل والشرب وسائر الاستعمالات، حتى يحرمُ الأكلُ بملعقة من أحدهما، والتجمُّر بِمْجمرة
стр. 1653
منهما، والبولُ في إناء منهما، والمكحلة، والميل، وظرف الغالية، وغير ذلك، وسواء فيه الإناء الكبير والصغير.
ويستوي في التحريم الرجلُ والمرأة بلا خلاف، وإنما يفترقان في التحلي للمرأة؛ لما يقصد منها؛ مثل التزين للزوج والسيد؛ حيث إن الزينة لها أدعى إلى النكاح المطلوب للشرع.
ويحرم استعمال ماء الورد والادهان من قارورة الذهب والفضة.
فلو ابتلي بطعام في إناء منهما، أو من أحدهما، فليخرجِ الطعامَ إلى شيء آخر، ويأكل منه، ولو ابتلي بدهن في قارورة من فضة، فليصبَّه يزيده اليسرى، ثم يصبه من اليسرى في اليمنى ويستعمله.
ويحرم تزيين الحوانيت والبيوت والمجالس والقبور والمدارس بأواني الذهب والفضة، وقناديلهما، ويحرم الاغتسال والوضوء منهما، ولو فعلهما، عصى، وصح وضوءه واغتساله عند مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والعلماء كافة، إلا رواية عن أحمد، وقال بها داود: لا يصح وضوءه واغتساله.
والصواب: صحتهما، وكذلك: لو أكل أو شرب منهما، عصى بالفعل، ولا يكون المأكول والمشروب حرامًا، وهذا كله في حال الاختيار.
أما إذا اضطر إلى استعمال إناء منهما، ولم يجد غيره، فله استعماله للضرورة؛ بلا خلاف؛ كما يباح أكل الميتة للضرورة.
ويصح بيع إناء الذهب والفضة؛ لأنه عين طاهرة يمكن الانتفاع به بالسبك، ويحرم اتخاذ أواني الذهب والفضة على الأصح من مذهب الشافعي.
ومنهم من قال: يكره، فيستحق صانعه الأجرة، ويجب على كاسره أَرْشُ النقص.
ولا يحرم الإناء من الزجاج النفيس بالإجماع.
وفي الياقوت، والزمرد، والفيروزج وغيرها وجهان:
стр. 1654
أصحهما: يجوز استعمالها.
والثاني: يحرم.
ومنها: تحريم مياثر الحرير على الرجال، سواء كانت على رحل أو سرج أو غيرهما، وإن كانت من غيرهما، فليست بحرام.
ومذهب الشافعي وغيره: لا كراهة فيها، سواء كانت حمراء أم لا؛ فإن الثوب الأحمر لا كراهة فيه، وقد ثبت أنه ﷺ لبس حلة حمراء.
وحكى القاضي عن بعض العلماء كراهتها؛ لئلا يظنه الرائي من بعيد حريرًا.
ومنها: تحريم استعمال القَسِّيِّ إن كان حريرًا، أو أكثر [هـ] حريرًا، وإلا كان مكروهًا كراهة تنزيه.
ومنها: تحريم الإستبرق والديباج، وسائر أنواع ثياب الحرير على الرجال.
والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إنَّهُ جَلَسَ فنَزَعَهُ وَقَالَ: "إني كنتُ أَلْبَسُ هَذَا الخَاتَمَ، وَأَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخلٍ"، فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَاللهِ لَا أَلْبَسُهُ أبدًا"، فنبذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ (١). وفي لفظ: جَعَلَهُ فِي يَدِهِ اليُمْنَى (٢).
أما الخاتم؛ ففيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخيتام، وخاتام.
стр. 1655
وأما الفَصَّ؛ فبفتح الفاء وكسرها.
وجعلُ فصِّ الخاتم مما يلي كفه؛ لأنه أصونُ لفصه، وأسلم له، وأبعد من الزهو والإعجاب.
وقد عمل السلف بالوجهين في خاتم الفضة، فيمن اتخذه في ظاهر الكف: ابن عباس ﵄، قالوا: ولكن الباطن أفضل؛ اقتداء به ﷺ .
وفي الحديث دليل: على تحريم لبس خاتم الذهب على الرجال، وهو مجمع عليه، وقد كان مباحًا في أول الإسلام.
وحكي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه أباحه للرجال، وعن بعضهم: أنه مكروه لا حرام.
وهما نقلان باطلان، ولو صحا، لكان قائلهما محجوجًا بالأحاديث الصحيحة، مع إجماع من قبله على تحريمه على الرجال.
وأجمع المسلمون على إباحته للنساء.
وأما خاتم الفضة؛ فأجمع المسلمون على جواز لبسه للرجال.
وكره بعض العلماء المتقدمين من أهل الشام لبسه لغير ذي سلطان، ورووا فيه أثرًا، وهذا شاذ مردود.
قال الخطابي: ويكره للنساء خاتم الفضة؛ لأنه من شعار الرجال. قال: فإن لم تجد خاتم ذهب، فلتصفره بزعفران وشبهه.
قال شيخنا الإمام أبو زكريا النووي ﵀: وهذا الذي قاله ضعيف، أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة (١).
قلت: إلا أن يصير في العادة لبسهن إياه تشبهًا بالرجال، فينبغي أن يكون حرامًا، والله أعلم.
وفيه دليل: على إطلاق لفظة اللبس على التحريم.
стр. 1656
وفيه دليل: على مسألة التأسي بأفعاله ﷺ كما يقوله الأصوليون؛ فإن الناس نبذوا خواتيمهم لما رأوه ﷺ نبذ خاتمه.
قال شيخنا القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وهذا عندي لا يقوى في جميع الصور التي تمكن في هذه المسألة؛ فإن الأفعال التي يطلب فيها التأسي على قسمين:
أحدهما: ما كان الأصل أن يمنع لولا التأسي؛ لقيام المانع فيه، فهذا يقوي الاستدلال به في محله.
والثاني: ما لا يمتنع فعله لولا التأسي كما نحن فيه.
فإن أقصى ما في الباب: أن يكون لبسه حرامًا على رسول الله ﷺ دون الأمة، ولا يمتنع حينئذ أن يطرحه من أبيح له لبسه، فمن أراد أن يستدل بهذا على التأسي، فيما الأصل منعه لولا التأسي لو لم يفعل، لم يكن جيدًا؛ لما ذكرته من الفرق، والله أعلم (١).
وفيه دليل: على التختم في اليد اليمنى، ولا يقال: إنه منسوخ؛ لكونه ﷺ رمى به؛ لأن الرمي نسخ لجواز لبسه لكونه ذهبًا، لا لكون التختم في اليمين بغير الذهب لا يسوغ، فالمنسوخ: الحكم، لا وصف الحكم، وقد ثبت في "صحيح مسلم": أن النبي ﷺ تختم في اليمين واليسار في الخنصر، ونهى عن التختم في الوسطى والتي تليها. وفي غير "مسلم": السبابة والوسطى.
وأجمع المسلمون على أن السنة جعلُ خاتم الرجل في الخنصر؛ وأما المرأة فينها تتخذ خواتيم في أصابع.
قال العلماء: والحكمة في كونه في الخنصر: أنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد؛ لكونه طرفًا، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غير الخنصر، ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها كراهة تنزيه (٢).
стр. 1657
قلت: وينبغي أن يقال: إن غلب في العادة التشبه بالنساء في ذلك أن يكون حراما، والله أعلم.
وأما جعله في اليد اليمنى، فمجمع عليه، وعلى جواز جعله في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما.
واختلف السلف في أيتهما أفضل؟ ففعله كثيرون منهم في اليمين، وكثيرون في اليسار، واستحب مالك ﵀ اليسار، وكره اليمين.
ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان؛ الصحيح: أن اليمين أفضل؛ لأنه زينة، واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطاب ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الحَرِيرِ، إلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إصْبَعَيْهِ: السَّبَّابَةَ وَالوُسْطَى (١).
وَلِمُسْلِم: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ، إلَّا مْوِضعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ (٢).
وهذا الحديث جمع فيه رسول الله ﷺ النهي عن لبس الحرير، وما رخص منه، ومقداره، وفيه: الرد على من توسع فيه بالزيادة على أربع أصابع.
والمراد بالأصابع: أصابع الآدمي، لا أصابع الذراع القاسمي؛ بدليل إشارته ﷺ برفعه إصبعيه: السبابة والوسطى.
стр. 1658
ولا شك أن الرخصة بالإصبعين والثلاث والأربع من الحرير، أعمُّ من كونها سدًى ولحمة، أو بعضها من هذا حريرًا، ومن الآخر غيره مما يصدق عليه اسم الحرير.
وقد توسع الفقهاء فيه باعتباره بالوزن أو الظهور، إذا كانا مختلطين، ونسج منهما، ويحتاجون إلى الاعتذار عن هذا الحديث، إما بتأويل وبعدم معارض.
ويدخل في الإباحة العَلَمُ في الثوب والعِمامة وغيرهما، إذا لم يزد على أربع أصابع، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء.
وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العَلَم بلا تقدير أربع أصابع، بل قالوا: يجوز وإن عظم.
وهما قولان مردودان بصراحة هذا الحديث، والله أعلم.
ويدخل في النهي عن لبوس الحرير: جميعُ الملبوسات من القبع والكلوتة والقباء والجبة والدراعة والفرجية، وسائر وجوه استعماله، إلا فيما استثناه الشرع في محاله وضروراته ورخصه.
وقد ذكرت ذلك جميعه مع أحكام الذهب في كتاب، "الإيضاح"، وبينته أحسن بيان، فمن أراد معرفة شيء من ذلك، فليطلبه منه، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1659
كتاب الجهاد
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، انْتَظَرَ، حَتَّى إِذا مَالَتِ الشَّمْسُ، قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَاسْأَلوا اللهَ العَافِيةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجِنة تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ مُنْزِلُ الكِتَابِ، ومُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ! اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ" (١).
أما عبد الله بن أبي أوفى؛ فتقدم الكلام عليه قريبًا.
وأما انتظاره ﷺ حتى مالت الشمس، وأنه قام فيهم، فقال: "يا أيها الناس ... " وفي رواية في غير هذا الحديث: أنه ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار، انتظر حتى تزول الشمس (٢).
فقال العلماء: سببه أنه أمكنُ للقتال؛ فإنه وقتُ هبوب الرياح ونشاط النفوس، وكلما طالَ ازدادوا نشاطًا وإقدامًا على عدوهم. وفي "صحيح
стр. 1660
البخاري": آخر: حتى تهبَّ الأرواحُ وتحضرَ الصلوات (١)، وذلك لفضيلة أوقات الصلاة والدعاء عندها.
وقوله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية"؛ إنما نهى عن ذلك؛ خشيةَ ألا تكون الأمور المقدرة في النفس، كالأمور المحققة عند التحقيق، فكره تمني لقاء العدو لذلك، ونهى عنه خوفًا من إعجاب النفس والاتكال عليها والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي؛ وقد ضمن الله تعالى لمن بُغي عليه أن ينصره، ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا كله يخالف الاحتياط والحزم.
وقد ثبت في الصحيح النهيُ عن تمني الموت؛ فإن قوله المطلع شديد، وفي الجهاد زيادة على مطلق الموت، وتأول بعضهم النهي عن التمني على صورة خاصة، وهي: إذا شك في المصلحة فيه، وحصول ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة.
والصحيح: الأول؛ ولهذا نبه ﷺ عقب نهيه عن التمني بسؤال العافية؛ فينها لا يعدلها شيء، والسلامة الدنيوية والأخروية مطلوبة للشرع، ولهذا حذر من الفتن والاختلاف ومواضعها ومواقعها؛ طلبًا للسلامة.
فالتمني منهي عنه؛ لما يخشى فيه من عدم الثبات والافتتان. وطلبُ النصر والشهادة مأمور بهما؛ لما فيهما من إعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله تعالى، والجزاء عليهما. وسؤالُ العافية مطلوب من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في الظاهر والباطن، في البدن والدين، والدنيا والآخرة.
وقد سأل رسول الله ﷺ العافية في ذلك جميعه، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "فإذا لقيتموهم فاصبروا"؛ لما كان ملاقاة العدو محلًا للتزلزل، وعدم الثبات على المطلوب، أمر الشرع فيه بالصبر؛ وهو كظم ما يؤلم. والصبر
стр. 1661
المأمور به أن يكون جميلًا، فلا يكون فيه شكوى ولا جزع. وهذا أحد أركان القتال.
وقد جمع الله تعالى آداب القتال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].
وقوله ﷺ : "واعلموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوف"؛ معناه: أن السبب الموصل إلى الجنة ورفع درجاتها: هو الضربُ بالسيوف في سبيل الله، مع المشي إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، فينبغي لكم أن تحضروا فيه بصدق، وتثبتوا.
وهذا اللفظ الذي قاله رسول الله ﷺ ، هو من باب البلاغة وحسن المجاز، فيكون من باب التشبيه مع حذف المضاف؛ فإن الظل لما كان ملازمًا للشيء القائم، جعل ثواب الجنة واستحقاقها عن الجهاد وإعمال السيوف لازمًا لذلك؛ كما يلزم الظل.
وقوله ﷺ : "اللهمَّ منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، وهازمَ الأحزاب! اهزمْهم وانصرْنا عليهم!؛ هذا الدعاء إشارة إلى ثلاثة أسباب تطلب بها الإجابة؛ وهي: الإنزال، والقدرة بالإجراء، والهزم، وفي كل شيء سبب معنى يصلح السؤال به، فكأنه طلب النصر للكتاب المنزل بقوله: "منزل الكتاب"، فكما أنزلته، فانصره وأَعْلِه، وطلبَ بالقدرة على إجراء السحاب وهزم الأحزاب هزمَ الأعداء والنصرَ عليهم، وذلك إشارة إلى تفرده بالفعل، وتجريد التوكل واطراح الأسباب، واعتقاد أن الله هو الفاعل، وهذه الأسباب توسل بالنعمة السابقة إلى نعمه اللاحقة، وقد ضمن الله ذلك في كتابه العزيز حكاية عن يحيى ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]، وعن إبراهيم ﷺ قوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤٧].
стр. 1662
وقال الشاعر:
لقدْ أحسنَ اللهُ فيما مَضَى ... كذلكَ يحسنُ فيما بقي (١)
وقال آخر:
لا والذي قد مَنَّ بالإسلام ... يثلج في فؤادي
ما كانَ يختمُ بالإساءةِ ... وهو بالإحسانِ بادي
وفي هذا الحديث دليل: على كراهة تمني الموت [و] لقاء العدو.
وفيه دليل: على الصبر عند اللقاء.
وفيه: استحباب القتال بعد زوال الشمس، واستحباب أن الإمام يعلم الناس ما يحتاجون إليه وقت حاجتهم.
وفيه: سؤال الله تعالى العافية.
وفيه: التنبيه على أسباب الجنة بالضرب بالسيوف.
وفيه: التحريض على القتال.
وفيه: سؤال الله تعالى بنعمته السابقة؛ لطلب نعمته اللاحقة.
وفيه: استحباب الدعاء عند القتال والاستنصار عند اللقاء.
وفيه: مراعاة انشراح النفوس وانبساطها لفعل الطاعات، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبيلِ اللهِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِبلِ اللهِ أَوْ الغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (٢).
стр. 1663
أما الرباط؛ فهو المقام في الثغور المتاخمة لبلاد العدو، وهي في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وقد يطلق الرباط على كل مقيم على طاعة؛ كالطهارة والصلاة وغيرهما من العبادات. ومنه قوله ﷺ في إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة: "فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباط".
والرباط؛ مصدر رابطت؛ أي: لازمت.
وقيل: هو اسم لما يُربط به الشيء؛ أي: يُشد.
فكأن المرابط في الثغور وغيرها، ربطَ نفسه عن الاشتغال بغيرها من المخالفات، وحظوظ النفس.
وقوله ﷺ : "رِباطُ يومٍ في سبيل الله"؛ السبيلُ في الأصل: الطريق، وتؤنث وتذكر، والتأنيث فيها أغلب، وسبيل الله يقع على كل عمل خالص سلك به طريق التقريب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات، وإذا أطلق، فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه. والله أعلم.
وقوله ﷺ : "خيرٌ من الدنيا وما فيها"؛ هذا تنزيل للمغيَّب منزلةَ المحسوس المحقَّق، تحقيقًا وتثبيتًا في النفوس؛ فإن نعم الدنيا وملكها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، محقق عندها: أن ثواب اليوم الواحد في الرباط -وهو من المغيبات- خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا.
وقد استبعد بعضهم أن يوازى شيء من نعيم الآخرة بالدنيا كلها، فحمل الحديث على الثواب المرتب على اليوم في الرباط في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها موازنة بين ثوابين أخرويين؛ لاستحقاره الدنيا في مقابلة شيء من الأخرى، ولو على سبيل التفضيل.
стр. 1664
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والأول عندي أوجبُ وأظهر، والله أعلم (١).
وقوله ﷺ : "وموضعُ سوطِ أحدِكم في الجنة، خيرٌ من الدنيا وما عليها"؛ لما كان جزاء أعمال الناس الصالحة في الدنيا الجنةَ ونعيمها، نبه ﷺ أن موضع السوط وقلةَ مساحته مما عقلتموه في الدنيا، أنه قليل جدًّا، ومع هذا؛ فهو من الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ تنبيهًا على عظم الجنة التي هي ثواب الله تعالى، وحقارةِ الدنيا وخساستها واجتناب حظوظها ولذاتها، وعدم الاغترار بها؛ فإن كل عاقل يقدم الباقي الآجل على الفاني العاجل، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "والروحةُ يروحُها العبدُ في سبيلِ الله، أو الغدوةُ، خيرٌ من الدنيا وما عليها":
الرَّوحة بفتح الراء: المرة من الرواح؛ أيَّ وقت كان. والمراد به هاهنا: مرة في وقت الزوال إلى غروب الشمس.
والغَدوة بفتح الغين: المرة من الغدو، وهو: من أول النهار إلى الزوال.
و"أو" للتقسيم لا للشك.
ويقع الفعل من الغدو والرواح على اليسير والكثير من الفعل الواقع في الوقتين من أول النهار إلى الزوال، ومنه إلى غروب الشمس. وفي ذلك زيادة ترغيب وفضل وتعظيم، والله أعلم.
ولا تختص الغدوة والروحة بالذهاب من بلدته، بل يحصل الثواب المذكور بكل واحدة منهما في طريقه إلى الغزو، وفي موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله.
وفي هذا الحديث: حث على الرباط في سبيل الله، وتنبيه على فضله.
وفيه: تنبيه على فضل الله تعالى، وما أعده للطائعين في الجهاد وغيره في الجنة وإن قل.
стр. 1665
وفيه: حث على الغدو والرواح في سبيل الله.
وفيه: التصريح بحقارة الدنيا ونعيمها وما فيها.
وفيه: التنبيه على فناء الدنيا وزوالها، وبقاء الآخرة ودوامها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "انْتَدَبَ اللهُ" (١)، وَلِمُسْلِم: "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وإيمَانٌ بي وَتَصْدِيقُ رَسُولي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ أُرْجِعهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (٢).
ولمسلم: "مَثَلُ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ -واللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجاهِدُ في سَبيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القائِمِ، وتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِهِ بِأن تَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّة، أَوْ يَرْجِعَهَ سالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (٣).
قوله ﷺ : "انتدبَ اللهُ لمن خرجَ في سبيله"؛ معناه: سارع بثوابه وحُسن جزائه، وقيل: أجاب. وقيل: تكفل.
وقوله ﷺ عن الله تعالى: "لا يخرجُه إلا جهادٌ في سبيلي وإيمانٌ بي وتصديقُ رسولي"؛ معناه: حصر حصول الثواب المسارع به فيمن صحت نيته وخلصت من شوائب الأغراض الدنيوية؛ فإنه ذكر بصيغة النفي والإثبات المقتضية للحصر، كأنه قال: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى وتصديق
стр. 1666
رسول الله ﷺ فيما أخبر عن الله تعالى في الحث على الجهاد والإخلاص، والجزاء على ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى: "فهو عليَّ ضامنٌ"؛ فيه وجهان:
أحدهما: أنه فاعل بمعنى مفعول؛ أي: مضمون؛ كماءٍ دافقٍ؛ أي: مدفوق، وعيشة راضية، أي: مَرْضِيَّة.
والثاني: أنه بمعنى ذو؛ أي: صاحب ضمان. كَلابِنٍ وتامرٍ؛ أي: صاحب لبنٍ وتمرٍ. ويكون الضمانُ ليسَ منه، وإنما نُسب إليه؛ لتعلقه به؛ والعربُ تضيف بأدنى ملابسة.
واعلم أن الضمان والكفالة هاهنا عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله ؛ فإن الضمان والكفالة والوكالة مؤكدة لما تضمن وتكفل وتوكل به، وتحقيق ذلك من لوازمها.
وقوله تعالى: "أَنْ أدْخِلَهُ الجنَّةَ، أو أَرْجِعَهُ"، أما قوله: "أَنْ أدخلَه الجنةَ"، فهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، ويحتمل إدخاله الجنة عند موته، كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وفي الحديث: "أرواحُ الشهداءِ في الجنةِ" (١)، ويحتمل أن يكون المراد: دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وبكون الشهادةِ مكفرةً لذنوبه، كما صرح [به] (٢) في الحديث الصحيح.
وأما قوله: "أَرْجِعَه"؛ فهو بفتح الهمزة وكسر الجيم، من رجع ثلاثيًّا متعديًا،
стр. 1667
ولازمه ومتعديه واحد، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣].
وقوله: "إلى مسكنِه نائِلًا ما نالَ من أجرٍ أو غَنيمةٍ"؛ أما المسكن؛ فهو بفتح الكاف وكسرها.
وأما قوله: "نائلًا ما نالَ"؛ فهو اسم فاعل من نال. والنيل: العطاء. وقد فسره في الحديث بالأجر والغنيمة.
وأما قوله: "من أجرٍ أو غنيمةٍ"؛ "أو" هنا للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون معناه: أنه يرجع إلى مسكنه مع نيل الأجر إن لم يغنموا، أو معه إن غنموا.
وقيل: "أو" هنا بمعنى الواو؛ أي: مع أجر وغنيمة. وقد روى مسلم في "كتابه" من رواية يحيى بن يحيى، وأبو داود في "سننه": بالواو دون أو (١).
ومعنى الحديث: أن الخارج للجهاد ينال خيرًا بكل حال؛ فإما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر وغنيمة.
وقد عورض هذا الحديث بحديث آخر، وهو قوله ﷺ : وإما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم، إلا كانوا قد تَعَجَّلوا ثُلثي أجرهم"، و"ما من غازية أو سَرِيَّةٍ تخفقُ أو تُصاب، إلا تَمَّ لهم أجرُهم" (٢). والإخفاق: أن يغزو فلا يغنم شيئًا.
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وهذه [المعارضة] (٣) ذكر القاضي -يعني به: عياضًا- معناها عن غير واحد، وعندي:
стр. 1668
أنه أقرب إلى موافقته منه إلى معارضته، ويبعد جدًّا أن يقال بتعارضهما.
نعم كلاهما مشكل؛ أما ذلك الحديث، فلتصريحه بنقصان الأجر بسبب الغنيمة.
وأما هذا، فلأن "أو" تقتضي أحد الشيئين، لا مجموعهما، فيقتضي إما حصول الأجر، أو الغنيمة.
وقد قالوا: لا يصح أن تنقص الغنيمة من أجر أهل بدر، وكانوا أفضل المجاهدين، وأفضلهم غنيمة.
ويؤكد هذا، تتابعُ فعل النبي ﷺ والصحابة من بعده على أخذ الغنيمة وعدم التوقف عنها.
وقد اختلفوا بسبب هذا الإشكال في الجواب: فمنهم من جنح إلى الطعن في ذلك الحديث، وقال: إنه لا يصح، وزعم أن بعض رواته ليس بمشهور. وهذا ضعيف؛ لأن مسلمًا أخرجه في "كتابه".
ومنهم من قال: إن الذي يعجل من أجره بالغنيمة: هو في غنيمة أخذت على غير وجهها.
قال بعضهم: وهذا بعيد لا يحتمله الحديث.
وقد قيل: إن هذا الحديث -أعني: الذي نحن في شرحه- شرط فيه: ما لا يقتضي الإخلاص. والحديث في نقصان الأجر يحمل على من قصد مع الجهاد طلب المغنم، فهذا شرك بما لا يجوز له التشريك فيه، وانقسمت نيته بين الوجهين، فنقص أجره، والأول أخلص، فكمل أجره.
قال القاضي: وأوجه من هذا عندي في استعمال الحديثين على وجههما أيضًا: أن نقص أجر الغانم بما فتح الله عليه من الدنيا، وحساب ذلك عليه بتمتعه من الدنيا، وذهاب شظف عيشه في غزوه وبعده إذا قوبل بمن أخفق ولم يصب منها شيئًا، وبقي على شظف، وصبر على حاله في غزوه وجد أجر هذا أبدًا في ذلك وافيًا مطردًا، بخلاف الأول. ومثله قوله في الحديث
стр. 1669
الآخر: فَمِنَّا مَنْ ماتَ ولم يأكلْ من أجرهِ شيئًا، ومِنَّا مَنْ أينعتْ له ثمرتُه، فهو يهديها (١).
وأقول: أما التعارض بين الحديثين، فقد نبهنا على بعده، وأما الإشكال في الحديث الثاني، فظاهره جارٍ على القياس؛ لأن الأجور قد تتفاوت بحسب زيادة المشقات، لا سيما ما كان أجره بحسب مشقته، أو بمشقته دخل في الأجر، وإنما يشكل عليه العمل المتصل يأخذ الغنائم.
فلعل هذا من باب تقديم بعض المصالح على بعض؛ فإن ذلك الزمان كان الإسلام فيه غريبًا -أعني: ابتداء زمن النبوة-، وكان أخذ الغنائم عونًا على علو الدين وقوة للمسلمين وضعفاء المهاجرين. وهذه مصلحة عظمى قد يغتفر بها النقص في الأجر من حيث هو هو.
وأما ما قيل في أهل بدر، فقد يفهم منه أن النقصان بالنسبة إلى الغير، وليس ينبغي أن يكون كذلك، بل ينبغي أن يكون التقابل بين كمال أجر الغازي نفسه إذا لم يغنم، وأجره إذا غنم؛ فيقتضي هذا أن يكون حالهم عند عدم الغنيمة أفضلَ من حالهم عند وجودها، لا أفضلَ من حال غيرهم، وإن كان أفضل من حال غيرهم قطعًا من وجه آخر.
لكن لا بد مع هذا من اعتبار المعارض الذي ذكرناه، فلعله مع اعتذاره لا يكون ناقصًا، ويستثنى حالهم من العموم الذي في الحد الثاني، أو حال من يفارقهم في المعنى.
وأما هذا الحديث الذي نحن فيه، [فإشكاله من كلمة "أو" أقوى من ذلك الحديث] (٢)؛ فإنه يشعر بأن الحاصل إما أجر، وإما غنيمة، فيقتضي أنه إذا حصلت الغنيمة يكتفى بها له، وليس كذلك.
وقيل في الجواب عن هذا: بأن "أو" بمعنى الواو، وكأن التقدير: بأجر وغنيمة.
стр. 1670
وهذا وإن كان فيه ضعف من جهة العربية، ففيه إشكال؛ من حيث إنه إذا كان المعنى يقتضي اجتماع الأمرين، كان ذلك داخلًا في الضمان، فيقتضي: أنه لا بد من حصول أمرين لهذا المجاهد، إذا رجع مع رجوعه، وقد لا يتفق ذلك بتلف ما حصل من الغنيمة، اللهم إلا أن يجوز في لفظه الرجوع إلى الأهل.
ومنهم من أجاب: بأن التقدير: أو يرجعه إلى أهله مع ما نال من أجر وحده، أو غنيمة وأجر، فحذف الأجر من الثاني. هذا آخر كلامه بحروفه، والله أعلم (١).
وفي هذا الحديث دليل: على فضل الجهاد والحث عليه.
وفيه دليل: على الإخلاص فيه.
وفيه: بيان وجوه الإخلاص فيه.
وفيه دليل: على أن الجهاد يعدل درجة الصيام والقيام.
وفيه: بيان تولي الله جزاءه كيف شاء.
وفيه: إشارة إلى أن الإخلاص في الجهاد وغيره، هو قصد امتثال أمر الله تعالى فيه، وتصديق ما وعد به عليه على لسان محمد ﷺ من غير قصد شيء آخر، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
وعَنْهُ ﵁ أيضًا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرَّيحُ رِيحُ مِسْكٍ" (٢).
أما المكلوم؛ فهو المجروح. والكَلْم: الجرح، وهو بفتح الكاف وإسكان اللام. ويُكْلَم بإسكان الكاف؛ أي: يُجرح.
стр. 1671
ومجيئه يوم القيامة وهو يدمى؛ ليشهد على ظالمه بالقتل، وليظهر شرفه لأهل المشهد والموقف بما فيه من رائحة المسك المشاهدة بالطيب.
وفي هذا الحديث دليل: على فضل الجراحة في سبيل الله.
وفيه دليل: على أن الشهيد لا يزال عنه الدم بغسل ولا غيره؛ للحكمة التي ذكرناها.
وفيه دليل: على أن أحكام القيامة وصفاتها، غيرُ أحكام الدنيا وذواتها؛ فإن الدم في الآخرة يتغير حكمه من النجاسة والرائحة الخبيثة التي في الدنيا، إلى الطهارة والرائحة الطيبة يوم القيامة، وبذلك يقع الإكرام له والتشريف.
ولا يلزم من قوله ﷺ : "اللونُ لونُ دم" أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، كما لا يلزم من كونِ ريحِه ريحَ مسك أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعله الله تعالى شيئًا يشبه هذا، ويشبه هذا، ناشئًا عما فارق الدنيا عليه، كما أن إعادة الأجسام مما كانت عليه في الدنيا، وإن اتصفت بصفات أخر من البقاء والدوام بعد أن كانت غير دائمة ولا باقية، ولهذا يأتون طولًا واحدًا، وسنًّا واحدًا، جُرْدًا مُرْدًا غيرَ مختونين. فعلمنا أن الإعادة حق مما انتقلت عليه، وإن اكتسب أوصافًا لم تكن، فكذلك دم الشهيد يعاد للحكمة التي ذكرناها، وإن اكتسبت أوصافًا لم تكن، ليس حكمه حكمها، ولا فضله فضلها.
وكذلك أهل الوضوء، يبعثون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء؛ إكرامًا لهم، وشهادة لهم في الموقف لأهل المشهد بما كان يعمل في الدنيا من التطهر في تلك الأعضاء، والله أعلم.
وقد يستنبط منه: أن الماء المتغير بالنجاسة وغيرها، إذا زال تغيره بنفسه، انتقل من حكمه حالَ تغيره إلى حكمه حالَ زواله، فينتقل من القذارة إلى الطيب، ومن النجاسة إلى الطهارة، وحُكم له بحكم المسك والطيب للشهيد، بخلاف ما إذا زال بغيره بوضع شيء ومعالجة، والله أعلم.
* * *
стр. 1672
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي أَيوبٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشمْسُ وَغَرَبَتْ". أخرجه مسلم (١).
* * *
الحديث السادس
عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا". أخرجه البخاري (٢).
تقدم الكلام على معنى هذين الحديثين في الحديث الثاني من كتاب الجهاد هذا.
* * *
الحديث السابع
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى حُنَيْنٍ، وَذَكَر قِصَّة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بيِّنَة، فَلَهُ سَلَبُهُ" قالها ثلاثًا (٣).
أما أبو قتادة؛ فتقدم الكلام عليه، وأن اسمه الحارثُ بن رِبْعي.
واعلم أن هذا الحديث قاله النبي ﷺ بعد فراغه من غزوة حنين، وهو وادٍ قريبٌ من الطائف، بينَه وبين مكة بضعةَ عشر ميلًا، وكانت بينها وبين فتح مكة خمسَ عشرة ليلة، تقصر الصلاة فيها، وكانت في خامس شوال سنة ثمان من
стр. 1673
الهجرة؛ لأن الفتح كان في اليوم العشرين من شهر رمضان، والله أعلم.
وروى مسلم في "صحيحه" تصريحًا بأن قوله ﷺ : "مَنْ قتلَ قتيلًا لهُ عليه بينة فله سَلَبُهُ"، كان بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "له عليه بينةٌ"؛ البينة في الأصل: العلامة. والمراد هنا: علامة توضح أنه القاتل؛ إما إخبار واحد، أو ظن راجح برؤية سهم القاتل أو سيفه، أو معرفة ضربه في القتل، أو نحو ذلك يرجح جانبه فيما يدعيه من استحقاق السلب، والله أعلم.
واعلم أن السَّلَبَ منسوب إلى جميع الجيش، فلا يُقبل إقرار مَنْ هو في يده أنه للقاتل على الباقين إلا إذا كان مختصًا به، فيؤاخذ بإقراره، والله أعلم.
واعلم أن تصرفات الرسول ﷺ في مثل هذه الواقعة، هل هي من باب التشريع، أو من باب تصرفات الإمام؛ نظرًا لقوله ﷺ بعدما أمر أن يعطى السلب قائلًا: "يا خالد! لا تعطِه إياهُ" بسبب كلام جرى بين القاتل وبين خالد؟ (١)
والأغلب: حملُه على التشريع العام، ويكون إعطاؤه ذلك في ذلك الوقت لغير القاتل لمصلحة أو شرط فائت اقتضى منعَ القاتل إياه، ونَفَّله خالدًا؛ عقوبةً للقاتل، ويكون واقعةَ عين لا تقتضي العموم. والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: أن السلب للقاتل؛ لعموم قوله ﷺ : "من قتل قتيلًا، فله سلبه"، ولا ينفي هذا أن يكون السلب للجيش أولًا، ثم أعلم ﷺ أنه للقاتل تنفيلًا.
واختلف العلماء فيه: فقال الشافعي، والأوزاعي، والليث، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن جرير، وغيرهم: يستحق القاتل سلبَ القتيل في جميع الحروب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتلَ قتيلًا فله سلبه، أم لم يقل ذلك.
стр. 1674
قالوا: وهذا الحديث فتوى من النبي ﷺ ، وإخبار عن حكم الشرع، فلا يتوقف على قول واحد.
وقال أبو حنيفة، ومالك، ومن تابعهما: لا يستحق القاتل ذلك بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة، إلا أن يقول قبل القتال: من قتل قتيلًا، فله سلبه، وحملوا الحديث على هذا، وقد بينا ضعفه آنفًا.
واشترط الشافعي في استحقاق السلب للقاتل: أن يغرر بنفسه في قتل كافر ممتنع في حال القتال، حتى لو كان الكافر ممن رضخ، فلا سهم له؛ كالمرأة والصبي والعبد، استحق السلب في الأصح.
وقال مالك: لا يستحقه إلا المقاتل، وقال الأوزاعي والشاميون: لا يستحق السلب إلا في قتل قتله قبل التحام الحرب، فأما من قتل في حال التحام الحرب، فلا يستحقه.
واختلف العلماء في تخميس السلب:
فقال الشافعي في الصحيح من قوليه، وأحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وآخرون: لا يخمس.
وقال مكحول، ومالك، والأوزاعي، والشافعي في أضعف قوليه: يخمس.
وقال عمر بن الخطاب، وإسحاق بن راهويه: يخمس إذا كثر.
وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي: أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه، وألا يخمس.
ومنها: أن السلب لا يعطى إلا لمن بينه بأنه قتل، ولا يقبل قوله بغير بينة.
وهو مذهب الشافعي، والليث، ومن وافقهما من المالكية وغيرهم.
وقال مالك والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة، قالا: لأن النبي ﷺ أعطى السلب بقولِ واحدٍ في بعض روايات هذا الحديث، ولم يحلِّفه، والجواب: أن هذا محمول على أن النبي ﷺ علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وقد صرح بالبينة، فلا تلغى.
стр. 1675
وقد يقول من يعطى السلب بغير بينة: إن هذا مفهوم لا حجة فيه.
وقد يجاب عنه: بأن النبي ﷺ سماها بينة، وعمل بها في السلب، مع قوله ﷺ : "لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لكن البينة على المدعي" الحديث (١). والله أعلم.
ومنها: استحباب إعادة المفتي أو العالم قولَه ثلاثًا؛ لقصد البيان والإبلاغ، وتأكيد القول وفهمه عنه، والله أعلم.
ومنها: جواز تقطيع الحديث الواحد من العارف باللفظ والمعنى، إذا لم يكن للجملة المقطوعة تعلق بما قبلها، واستقل الفهم بها في مدلولها.
وقد فعل هذا البخاري وغيره من العلماء المحققين، والله أعلم.
ومنها: التنبيه على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ يدل عليه؛ كقوله: وذكر قصة، أو حديثًا قال فيه كذا، ونحو ذلك، فيجمع بين الاختصار والتنبيه على أنه بعض حديث، والله أعلم.
* * *
الحديث الثامن
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ: أتى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انتقَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اطْلُبُوهُ وَاقْتلُوهُ"، فَقَتَلْتُهُ، فنفَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَبَهُ (٢). وَفِي رِوَاية فَقَالَ: "مَنْ قَتلَ الرَّجُلَ؟ "، فَقَالُوا: ابنُ الأكَوَعِ، فَقَالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" (٣).
أما سلمة بن الأكوع؛ فتقدم الكلام عليه في الصلاة، وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع، منسوب إلى جده، وتقدم.
стр. 1676
وأما العين؛ فهو الجاسوس ونحوه.
والسَّلَبُ؛ هو الشيء المسلوب، سمي به؛ لأنه يسلب كالخيطة بمعنى المخيوط.
وأما التنفيل؛ فهو مصدر نَفَّل. والأنفال: العطايا من الغنيمة، غير السهم المستحق بالقسمة، واحدها نَفَل؛ بفتح الفاء على المشهور، وحُكي إسكانها (١).
وفي الحديث أحكام:
منها: أنه يستحب للإمام الجلوس عند أصحابه لإيناسهم بالحديث وتعليم العلم، خصوصًا في الأسفار، ووقت الحاجة إلى ذلك.
ومنها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله. وأجمع المسلمون على ذلك.
واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد والذمي، هل ينتقض عهده ويقتل؟
فقال مالك، والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه، أرقه، ويجوز قتله.
وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، وقال أصحاب الشافعي: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
أما الجاسوس المسلم، فقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وبعض المالكية، وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله.
وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد.
قال القاضي عياض ﵀: قال كبار أصحابه: يقتل. قال: واختلفوا
стр. 1677
في تركه بالتوبة. وقال الماجشون: إن عرف بذلك، قتل، وإلا، عزر (١).
ومنها: دلالة ظاهرة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن القاتل يستحق السلب، وأنه لا يخمس، وتقدم ذلك، والكلام عليه.
ومنها: استحباب سؤال الإمام عمن فعل فعلًا جميلًا؛ ليثني عليه، ويعطيه ما يستحق عليه.
ومنها: استحباب مجانسة الكلام، إذا لم يكن فيه تكلف ولا فوات مصلحة، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إبلًا وَغَنَمًا، فَبَلَغَتْ سُهْمانُنا اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا (٢).
أما نجد؛ فهو ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحَدُّهُ مما يلي المغرب: الحجاز، وعن يسار الكعبة: اليمن. ونجد كلها من عمل اليمامة، هكذا ذكره صاحب "مطالع الأنوار".
وقال ابن الأثير الجزري في "الغريب": والنجد: ما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق (٣).
قلت: والمراد به في هذا الحديث: مكانٌ من هذه الناحية معين، والله أعلم.
стр. 1678
ولا شك أن رسول الله ﷺ ، بعث جيشًا فيهم عبد الله بن عمر قبل نجد، وانبعثت سرية من ذلك الجيش إلى جهة أخرى، فكان التنفيل لتلك السرية قبل قدومهم جميعهم على رسول الله ﷺ من جميع الغنيمة، هكذا جاء مبينًا في روايات أبي داود لهذا الحديث (١)، وأن الذي أصاب كل واحد من السرية المنبعثة من الجيش المبعوث ثلاثة عشر بعيرًا: بعير نفلًا، واثنا عشر مع قسم عامة الجيش من أصل الغنيمة، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: أنه إذا فعل أمير الجيش شيئًا من المصالح التي تتعلق بالجيش من نفل؛ غنيمة ونحوها، أن يمضيه الإمام ولا يغيره، بل يزيده إن أمكنه ذلك.
ومنها: أن السرية إذا انفصلت من الجيش، فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة بينها وبين الجيش؛ لأنهم ردءٌ لهم.
ومنها: إثبات النفل، وهو مجمع عليه.
واختلف العلماء في هذه الزيادة التي هي النفل أين محلها من الغنيمة؟ فقال سعيد بن المسيب: إنما أعطاهم النبي ﷺ إياها من الخمس من سهمه من الغنيمة، وهو خمس الخمس منها. وهو قول أبي عبيد، ومالك، وأبي حنيفة، والطبري وآخرين، وهو أصح أقوال الشافعي ﵀.
وقيل: إنما كان ينفلهم النبي ﷺ من أصل الغنيمة التي يغنمونها كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة، وهو قول الشافعي، وبه قال الحسن البصري، وأبو ثور، وآخرون، وهي رواية عن الأوزاعي، وأحمد.
قال أصحاب الشافعي: ولو نفلهم الإمام من أموال بيت المال العتيدة دون الغنيمة، جاز.
وقيل: هي من أربعة أخماس، وهو مذهب الأوزاعي، والشاميين، وأحمد، وإسحاق. وهو أيضًا قول للشافعي.
стр. 1679
وأجاز النخعي وبعض العلماء أن تنفل السرية جميعَ ما غنمت دون باقي الجيش، وهو مخالف لما قاله كافة العلماء.
وقال بعضهم: يحتمل أن جميع الغنيمة كانت اثني عشر. وهو بعيد جدًّا؛ لأنه لو كان هذا جملة السهام غير الخمس، كان خمسها ثلاثة أبعرة. وقد قال في الحديث: ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا. فيأتي من هذا الاحتمال أن السرية من الجيش كانت ثلاثة بعد استيفاء الخمس في النفل. وهذا بعيد أن تكون سرية النبي ﷺ إلى نجد هذا العدد.
وقد قال في بعض طرق الحديث: فأصبنا إبلًا كثيرة، ولا يقال في خمسة عشر: كثيرة، وأيضًا: فإن هذه السرية إنما توجهت من جيش، وإنما كانت الاثنا عشر بعيرًا سهمًا لكل واحد من أهل الجيش، ونفل أصحاب السرية بعيرًا بعيرًا كما بيناه، والله أعلم.
واعلم أن التنفيل إنما يكون لمن صنع صنعًا جميلًا في دار الحرب انفرد به، ولهذا قال ابن عمر ﵄ في بعض طرق الحديث: فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيرًا، بعد الخمس، وما حاسبنا ببعير النفل، فيكون النفل لسرية الجيش، لا لكل واحد من الجيش كما بيناه آنفًا، والله أعلم.
ومنها: استحباب بعث السرايا من الجيوش المرسلة للجهاد، ومشاركة الجيش لها فيما غنمت. أما إذا كان الجيش في البلد، فتختص الغنمية بالسرية، ولا يشاركها الجيش فيها.
ومنها: إثبات التنفيل للترغيب في تحصيل مصالح القتال، وبعدم ذكر الإجماع فيه آنفًا، ثم الجمهور على أن التنفيل يكون في كل غنيمة، سواء كانت أول غنيمة، أو غيرها، وسواء كانت الغنيمة ذهبًا أو فضة، أو غيرهما.
وقال الأوزاعي: لا تنفيل في أول غنيمة، ولا في ذهب ولا فضة.
ومنها: وجوب القسمة في الغنائم، وهو إجماع، والله أعلم.
* * *
стр. 1680
الحديث العاشر
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيضًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إذَا جَمَعَ اللهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ , فَيُقَالُ: هَذه غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ" (١).
أما اللواء؛ فهو الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحبُ جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعًا.
ومعنى: "يُرفع لكلِّ غادر لواءٌ، فيقال: هذه غدرةُ فلانِ بنِ فلانٍ"؛ أي: تجعل علامة يُشهَرُ بها في الناس يوم القيامة في مجمع يظهر ذلك فيه للأولين والآخرين؛ مقابلةً للذنب بما يناسب ضدَّه في العقوبة؛ حيث إن الغادر أخفى جهة غدره ومكره، فعوقب بنقيضه، وهو شهرته على رؤوس الأشهاد.
وعبر برفع اللواء؛ حيث إن موضوعه لشهرة مكان الرئيس علامة. وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة (٢) لغدرة الغادر؛ لتشهره بذلك، فعومل الغادر في الآخرة بمثل معاملة العرب الغادرَ في الدنيا، والله أعلم.
وأما الغادر؛ فهو الذي يواعد على أمر ولا يفي به. يقال: غدَرَ يغدِر: بكسر الدال في المضارع.
وهذا الحديث ونحوه، وارد في نهي الإمام عن الغدر في عهوده لرعيته، أو للكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته، والتزم القيام بها والمحافظة عليها؛ حيث أنزل الله تعالى في حق الإمام وغيره من ولاة الأمور: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
فمتى خانهم، أو ترك الشفقة عليهم، أو الرفق بهم، فقد غدر بعهده، ولم
стр. 1681
يؤد الأمانة المأمور بها؛ ولهذا قال ﷺ في "صحيح مسلم" في رواية من هذا الحديث: "ولا غادِرَ أعظمُ غدْرًا من أميرِ عامَّةٍ" (١).
ويحتمل أنه ورد في نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا، ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، وإذا صدر من الأئمة والولاة ما يشق عليهم، صبروا عليهم ما أقاموا الصلاة فيهم، كما ثبت في الصحيح. ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، والله أعلم.
وفي الحديث دليل: على غلظ تحريم الغدر من صاحب الولاية العامة وغيره؛ لأنه غدره يتعدَّى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنه ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامة ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليم: ملكٌ كذاب، وشيخٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبِرٌ" (٢).
ولا شك أن الغدر في الحروب والاغتيال فيها وغيرها، ممنوع شرعًا، خصوصًا إن تقدم ذلك عهد أو أمان، وقلنا: إن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القتال، وذلك كله متعلق بالإمام.
ولفظ الحديث عام في الإمام وغيره، لكن غدر الإمام أعظم، ولهذا عوقب الغادر بالفضيحة العظمى.
وفيه دليل: على شهر الناس، والتعريف بهم في القيامة، لكنه بالنسبة إلى أمهاتهم.
стр. 1682
وفيه: تنبيه على اجتناب الأخفِّ خوفًا من الأشدِّ؛ فإن فضيحة القيامة أشدُّ فضيحة من فضيحة الدنيا؛ حيث إن الأمر يشهده الأولون والآخرون فيها، والله أعلم.
* * *
الحديث الحادي عشر
عَنْهُ أيضًا: أَنَّ امْرَأةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأنكرَ النَّبِيُّ ﷺ قَتْلَ النِّسَاء وَالصِّبْيَانَ (١).
أعلم أن النساء جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، وكذلك النسوان والنسوة.
وأما الصِّبيان؛ فبكسر الصاد وضمها؛ جمع صَبِيّ، ومثل الصبيان في اللفظ: قضيب وقضبان، ورغيف ورُغفان. وفيهما اللغتان.
ولا شك أن النساء والصبيان ليس في نفوسهم من إحداث الضرر والميل إليه ما في نفوس الرجال المقاتلين، والأصل عدمُ إتلاف النفوس، إنما أبيح من إتلافها ما يقتضيه رفع المفسدة، والغالب عدم القتال من النساء والصبيان، فرفع عنهم القتل؛ لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر، ورجاء هدايتهم عند بقائهم، ولعدم ميل نفوسهم إلى التشبث الشديد بما يكون عليه الرجال كثيرًا وغالبًا من المنع والممانعة حال المقاتلة، والله أعلم.
وأجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فلو قاتلوا، قال جماهير العلماء: يُقتلون.
وأما شيوخ الكفار؛ فإن كان فيهم رأي، قُتلوا، وإلا، ففيهم وفي الرهبان خلاف:
стр. 1683
والأصح عند الشافعية: قتلُهم؛ لما رواه أبو داود وغيره: أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا شيوخَ المشركينَ واسَتْبقُوا شَرْخَهُمْ" (١).
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقتلون، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني عشر
عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، شَكَيَا القَمْلَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في غزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الحَرِيرِ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا (٢).
أعلم أن الرخصة في الشيء تدل على المنع منه، ولا شك أن الأصل في الشرع تحريمُ الحرير على الرجال؛ كما تقدم في كتاب اللباس، وثبتت الرخصة في إصبعين منه وثلاث وأربع. وجوز العلماء لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح.
وهذا الحديث يدل على الرخصة فيه؛ لدفع القمل، وثبتت الرخصة فيه أيضًا لابن عوف، والزبير؛ للحكة -بكسر الحاء المهملة وتشديد الكاف-؛ وهي: الجرب أو نحوه. وكذلك يجوز لبسه لمن خاف من حر أو برد، ولم يجد غيره، وكذلك يجوز لمن فاجأته الحرب ولم يجد غيره.
أما لبسه للقمل والحكة؛ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبه قال الشافعي وموافقوه.
стр. 1684
والحكمة في جوازه: ما فيه من البرودة، والبرودة تدفع القمل، وتمنع من الحكة، فالرخصة وقعت للمداواة؛ بخلاف غيرهما؛ فإنها وقعت للضرورة.
وقال مالك: لا يجوز لبسه للحكة والقمل، والأحاديث في الكتاب وغيره حجة عليه، حتى عدوها إلى غيرهما.
ولا شك أن الراوي سمى لبس الحرير رخصة في هذا الحال مع قيام دليل الحظر.
واختلف أصحاب الشافعي في جواز لبس الحرير للحكة ونحوها في السفر والحضر جميعًا، وعدم جوازه، فجمهورهم على الجواز، وقال بعضهم: يختص بالسفر، وهو ضعيف؛ حيث إن الرخصة معقولة متعدية عند العلماء، وصادف السؤال عنها والترخيص في السفر والغزو, لا لتقييدها بهما، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث عشر
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطابِ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَني النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَالِصًا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْزِلُ نَفَقَةَ أهْلِهِ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلاَحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ (١).
كانت غزوة بني النضير في سنة أربع من الهجرة.
وقريظة والنضير: قبيلتان من اليهود، وكان صاحب عهد بني قريظة كعب بن أسد، وكان حيي بن أخطب من سادات بني النضير، ونقض العهد مع رسول الله ﷺ ، فكبر رسول الله ﷺ المسلمون، وقال: "حاربَتْ يَهودُ" في قصة طويلة (٢).
стр. 1685
وقوله: "مما لم يُوجِفِ المسلمونَ عليه بخيلٍ ولا رِكاب"؛ الإيجاف: الإسراع. يقال: وجفَ الفرسُ والبعير، بجف وَجِيفًا: أسرع. وأوجفه صاحبه: إذا حمله على السير (١).
والركاب: الإبل خاصة.
وقوله: "وكانتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خالصًا"؛ معناه: أن أموال بني النضير كان معظمها لرسول الله ﷺ ، لا كلها؛ حيث إن له ﷺ مما أفاء الله عليه أربعة أخماسه، وخمس الخمس الباقي، فيكون له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا، والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وقوله: "كان رسولُ الله ﷺ يعزلُ نفقةَ أهلِه سنةً"؛ يعني أنه ﷺ لما كانت أموال بني النضير له خالصًا، واتسع عليه الحال، ادخر لعياله قوت سنة، أو نفقة سنة؛ تطييبًا لقلوبهم، ولاتساع الحال عليه وعلى المسلمين في سنة أربع من الهجرة. وإلا فقد كان حاله ﷺ قبل ذلك أنه لا يدخر لغد شيئًا؛ ثقة بالله ، وتوكلًا عليه، ولضيق الحال عليه وعلى المسلمين.
وهذا كله دليل على مراقبته ﷺ لأمر ربه في خلقه، من العيال الأقارب والأتباع الأجانب.
وكان حال رسول الله ﷺ الغنى الصوري المعنوي، وكان صابرًا لأحكام الله تعالى غنيًّا به ﷺ ، [شاكرًا] (٢) حامدًا له على البأساء والضراء، والشدة والرخاء، ولهذا كان يحمد ربه على كل حال، لما علم أنه ملطوف به مختار له مربوب، وأن اختيار الحق له ﷺ خير من اختياره لنفسه، مع أنه ﷺ عُرضت عليه كنوزُ الأرض فأباها، فكان فقره ﷺ اختيارًا لا اضطرارًا أصليًّا، بل اضطرارٌ عن اختيار.