← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والنفساء، فيحتمل أنهم راعوا العلة الثانية من العلتين، ويحتمل أنهم لم يراعوها، ورأوا أنَّ أمر الجنب به تعبّد لا يقاس عليه غيره، أمَّا إذا انقطع دم الحائض والنفساء، صارتا كالجنب، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، امْرَأَةُ أَبي طَلْحَةَ إلى رَسولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ! إن اللهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ إذا رَأَتِ الماءَ" (١). أمَّا أم سلمة: فهي أُمُّ المؤمنين هند، وقيل: رَمْلَة، وليس بشيء، بنةُ أبي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ، ويقال: سُهيل بن المغيرة بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ مخزومِ بنِ يقظة بنِ مُرَّةَ، المخزوميَّةُ. كانت قبل النبي ﷺ عند أبي سلمةَ عبدِ الله بنِ عبدِ الأسد. أَمُّها: عاتكةُ بنتُ عامرِ بنِ ربيعة. تزوَّجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث بعد وقعة بدر. هاجرت الهجرتين: هجرةَ الحبشة، والمدينة. رَوي لها عن رسول الله ﷺ : ثلاثُ مئةٍ وثمانيةٌ وسبعون حديثًا؛ اتفقا على ثلاثة عشر حديثًا، ولمسلم مثلها. رَوى عنها: ابنُها عمر، وابنتُها زينبُ، وجماعة من التابعين. ورَوى لها -أيضًا-: أصحابُ السننِ والمسانِد. وتوفيت سنةَ تسعٍ وخمسين، وقيل: سنة ستين؛ لثمانٍ بقين من رجب في

стр. 212

اليوم الذي مات فيه معاوية، ووُلِّي فيه ابنُه يزيد، وقال ابنُ حِبَّان: سنةَ إحدى وستين. وصَلَّى عليها أبو هريرةَ، وقيل: سعيد بن زيد أحدُ العشرة، وهو بعيد جدًّا؛ لأنَّه توفي سنة إحدى وخمسين، وماتت هي سنة إحدى وستين، أو بعدها؛ كما تقدم، والله أعلم. ودُفِنَتْ بالبقيع؛ بلا خلاف، ودخل قبرَها ابناها عمرُ وسلمةُ، وابن أخيها عبد الله بن أبي حذيفة (١). وأمَّا أم سُلَيْم: فهي أُمُّ أنسِ بنِ مالكٍ، وتقدم ذكرها في أول باب الاستطابة في ترجمته، وأنَّ اسمها الغُمَيْصَاء، وقيل غيره، وكانت من فاضلات الصحابة، ومشهوراتهن، وهي أختُ أمِّ حَرَام بنِ مِلْحَان ﵂. رُويَ لها عن رسول الله ﷺ : أربعة عشر حديثًا؛ اتفقا على حديث واحد، وللبخاري آخر، ولمسلم حديثان. روى عنها: ابنُها أنس، وعبدُ الله بن عباس. وروى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي. وأمَّا زوجُها أبو طلحةَ، فاسمه: زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حَرامِ بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ. شهد العقبةَ، وبدرًا، وأحدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وهو نقيب. رُوي له عن رسول الله ﷺ : اثنان وتسعون حديثًا؛ اتفق البخاري، مسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. رَوى عنه: عبدُ الله بن عباس، وأنسُ بن مالك، وزيدُ بن خالد، وابنُه:

стр. 213

عبد الله، وابنُ ابنه: إسحاق بنُ عبدِ الله، وغيرُهم. روى له أصحاب السنن والمساند. مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وسنُّه: سبعون سنة، وصلَّى عليه عثمان بن عفان. وقيل: مات بالشَّام، وعاش بعد النبي ﷺ أربعين سنة يسرد الصوم. ورُوي أنَّه غزا البحر؛ فمات فيه. قال أبو حاتم بن حِبَّان: وكان فارسَ رسولِ الله ﷺ ، وقتَلَ يومَ حنينٍ عشرين رجلًا بيده، وهو القائل: أَنَا أَبُو طَلْحَةَ، واسْمِي زيدُ ... وُكُلَّ يَوْمٍ في سِلاَحِي صَيْدُ (١) وأمَّا لفظه: فقولها: "إنَّ الله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ"، يقال: استحيا -بياء قبل الألف- في الماضي، يستحيي -بياءين- في المضارع، ويقال فيه: يستحي بياء واحدة. ومعناه: أن الله لا يمتنع من بيان الحق، وضربِ المثل بالبعوضة، وبيتِ العنكبوت؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]؛ فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي عمَّا أنا محتاجةٌ إليه. وقيل معناه: إنَّ الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه؛ وإنَّما قالت ذلك بين يدي سؤالها عمَّا دعتها الحاجة إليه في الدِّين؛ ممَّا تستحيي النساء عن السؤال عنه عادةً، وذِكْرِه بحضرةِ الرِّجال؛ فالامتناعُ من ذلك ليس بحياء حقيقي؛ لأنَّ الحياء خيرٌ كله، ولا يأتي إلَّا بخير، وذلك ليس بخير، بل هو شر؛ فلا يكون

стр. 214

حياءً حقيقيًّا؛ بل هو مجازي طبعي، يسمَّى خَوَرًا. وقد قالت عائشة ﵂: نِعْمَ النسَاءُ نساءُ الأنصارِ؛ لم يمنعهُنَّ الحياءُ أَنْ يتفقهنَ في الدِّين (١). وقد يقال: إنها تعتذر من المطلوب -عادة- بالحياء، في الإثباث؛ لا في النفي؛ كما ثبت: "إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ" (٢)، فأمَّا في النفي؛ فالمستحيلات تبقى، ولا يشترط فيه أن يكونَ ممكنًا. وأُجيبَ بأنَّه: لم يردْ على النفي مطلقًا، بل على أحيا من الحق؛ فمن حيث المفهوم يقتضي: أنَّه يستحيي من غير الحق؛ فيعود من جنبه إلى جانب الإثبات. والذي يحسنُ العذر: أن يأتيَ رافعًا للمعتذر عنه إذا كان متأخرًا، مستقبلًا للنفس، متأثرة بقبحه. أمَّا أن يكون دافعًا له، فلا؛ بأن يكونَ متقدمًا على المعتذَر منه، مدركًا للنفس، صافيًا من العتب، والذي في الحديث من الثاني؛ لكنَّه بالنسبة إلى العادة، لا بالنسبة إلى مطلوب الحق، والله أعلم. ثم في الكلام حذف؛ تقديره: إن الله لا يستحيي من ذكر الحق، وبيانه كما تقدم شرحه. والحق -هنا-، خلافُ الباطل، والمقصود: الاقتداء بفعل الله تعالى في ذلك بذكر الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. وقولها: "هلْ على المرأةِ من غُسْلٍ إذا هي احتلمَتْ؟ ". لفظة هي؛ تأكيد وتحقيق، لو أُسقطت من الكلام، لتمَّ أصل المعنى. والاحتلام -في الوضع-: افتعال من الحُلْم -بضم الحاء، وسكون اللام-،

стр. 215

وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلَم بفتح اللام، واحتلَم، واحتَلَمْتُ به، واحتَلَمْتُه (١). وقد خص هذا الموضع اللغوي ببعض ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزالُ الماء، فلو رأى غير ذلك؛ لصحَّ أن يقال له: احتلم وضعًا، ولم يصح عرفًا. وقوله ﷺ : "نَعَم؛ إذَا رَأَتِ الماءَ". لما كان الاحتلام مستعملًا في رؤية المنام من غير إنزال، وتارة يستعمل مع الإنزال؛ حسن السؤال مستعملًا عن حكمه الشرعي؛ ليتبين من أصل وضعه الذي هو في أصل اللغة. وحسُن الجوابُ مقيدًا بالإنزال؛ وهو قوله: "إذا رأتِ الماءَ"، ووصف الإنزالِ بالرؤية يحتمل النزولَ من الصلبِ، أو الترائبِ إلى باطن الفرج من غير خروج إلى ظاهره. لكنه يعكر على البِكْر في عدم وجوب الغسل عليها بذلك. ولا يعكر على الثيِّبِ؛ فإنه يجب عليها بخروجه إلى باطن فرجها؛ وهو الموضع الذي يجب عليها غسلُه في الجنابة، والاستنجاء، الذي يظهر حالَ قعودها لقضاء الحاجة، وإن لم يبرز إلى ظاهره. فعلى هذا تكون الرؤية بمعنى: العِلْم؛ كأنَّه يقول: إذا علمتِ خروجَ الماء، فيجب عليكِ الغسل، والله أعلم. ثم اعلم أنَّه: يجب الغسل على المرأة بالإنزال؛ وكذلك الرجل، والدليل على ذلك؛ قوله ﷺ : "إِنَّما الماءُ منَ الماءِ" (٢). فيُحتَمَل أنَّ أمَّ سُلَيم ﵂ لم تسمع ذلك، فسألت عن ذلك؛

стр. 216

لمسيس حاجتها إليه، ويُحتمل أَنْ تكونَ سمعته، ولكنها سألت عن حال المرأة؛ لقيام مانع فيها يخرجها عن العموم؛ وهو ندرة بروز الماء منها. أمَّا أحكام الحديث: ففيه: السؤال عن العلم؛ إذا جهله، أو علمه، أو احتاج إلى زيادة إيضاح. وفيه: تقديمُ الاعتذار قبل المعتذَر منه، وإن كان واجب الفعل؛ لأجل العادة. وفيه: الاحتياط لعدم سوء الظن بالشخص بعدم الأدب العادي، وإن لم يكن سوء أدب شرعًا. وفيه: أن بيان المطلوب؛ إنما هو فيما وافق الشرع، لا العادة. وفيه: السؤال في الاستفتاء: بهل؛ تنبيهًا على عدم معرفة السائل؛ فلا يقول هكذا قلت أنا، ولا كنت أعلم ذلك من غيرك، أو قال فلان: بخلاف قولك. وفيه: أنَّ لفظة (على) مقتضاها: الوجوب. وفيه: جواب المفتي: بنعم، مع قيد في الحكم؛ إذا كان. وفيه: أنَّ المرأة يجب عليها الغسل بخروج المني سواء النوم، واليقظة؛ كما يجب على الرجل بخروجه؛ وهو مجمع عليه. وكذلك أجمعوا على أنه: يجب بإيلاج الحشفة في الفرج. وكذلك أجمعوا على إيجابه بالحيض، والنفاس. واختلفوا في إيجابه على من ولدت ولدًا، ولم تر ماءً أصلًا، أو ألقت مضغة أو علقة، والأصح عند أصحاب الشَّافعي: وجوب الغسل، ومن لا يوجبه أوجب الوضوء. ومذهب الشَّافعي ﵀: أنَّه يجب الغسل بخروج المني، سواء كان بشهوة، أو دفق، أم بنظر في النوم، أو في اليقظة؛ وسواء أحسَّ بخروجه، أم لا، وسواء خرج من العاقل، أو من المجنون.

стр. 217

ثم المراد بخروج المني: أن يخرج إلى الظاهر، أمَّا ما لم يخرج؛ فلا يجب الغسل؛ وذلك بأن يرى النائم، أنَّه يجامع وأنه قد أنزل، ثم يستيقظ، فلا يرى شيئًا، فلا غسل عليه بإجماع المسلمين. وكذلك لو اضطرب بدنه لمبادئ خروج المني، فلم يخرج؛ وكذا لو نزل المني إلى أصل الذكر، ثم لم يخرج؛ فلا غسل، وكذا لو صار المني في وسط الذكر، وهو في صلاة، فأمسك بيده على ذكره، فوقَ حائل، فلم يخرج المني حتى سلَّم من صلاته، صحت صلاتُه، فإنه ما زال متطهرًا حتى خرج. والمرأة كالرجل في هذا؛ إلَّا إذا كانت ثيبًا، فنزل المني إلى فرجها، فإنه يجب الغسل، كما تقدم ذكره، وإن كانت بكرًا؛ لم يلزمها، ما لم يخرج من فرجها، لأنَّ داخل فرجها كداخل إحليل الرجل، والله أعلم. وفيه: جواز استفتاء المرأة بنفسها. وفيه: قبول خبرها؛ وهو مجمع عليه. وفيه: استحباب حكاية الحال في الوقائع الشرعية مع الحكم، والله أعلم. وفيه: رد على من يزعم أنَّ ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها؛ لقوله ﷺ : "نعمْ؛ إذا رأتِ الماءَ". * * * الحديث السادس عن عائشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاَةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الماءِ في ثَوْبهِ (١). وفي لفظِ مسلمٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكًا؛ فَيُصَلِّي فِيهِ (٢).

стр. 218

اعلم أن تسمية الجنابة باسم المني: من باب تسمية الشيء باسم سببه؛ فإنَّ خروج المني، ووجودَه: سبب لاجتناب الصلاة، وما في معناها، وبعده عنها. ثمَّ إنَّ غَسْلَ عائشة ﵂ للمني، من ثوب النبيِّ ﷺ لم يكن لاعتقاد نجاسته، ووجوب غسله؛ وإنما كان لمجرد التنظيف؛ لقولها في الرواية الثانية: "كنتُ أفرُكه من ثوبهِ ﷺ فركًا فيصلِّي فيه". فلو كان نجسًا، لم يتركْه النبي ﷺ ، ولم يكتفِ بفركه، أو حكه. وقد اختلف العلماء؛ في طهارة مني الآدمي، ونجاسته: فقال الشافعي، وأحمد في أصح روايتيه، وأصحابُ الحديث: بطهارته، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وبه قال داود -أيضًا-. واستدلوا بما تقدم من فركه، وحمل حديث غسله على الاستحباب، والتنزه، واختيار النظافة. وقال مالك، وأبو حنيفة، والليث، والحسن بن صالح: بنجاسته؛ حتى قال مالك: لا بدَّ من غسله، رطبًا ويابسًا. وقال أبو حنيفة: يكفي في تطهيره فركُه إذا كان يابسًا، ويجب غسله إذا كان رطبًا؛ عملًا بالحديث في فركه، وبالقياس في غسل الرطب. ولم يرَ الاكتفاءَ بالفرك دليلًا على الطهارة، وشبهه بعض أصحابه: بما جاء في الحديث من دلك النعل من الأذى؛ في قوله ﷺ : "إذا وَطِئَ أحدُكم الأذى بنعلِه، أو خُفِّه، فطهورُهما الترابُ" رواه الطحاوي، من حديث أبي هريرة (١)؛ فإنَّ الاكتفاء فيه بالدلك لا يدل على طهارة الأذى.

стр. 219

وأمَّا مالك: فعملَ بالقياس في نجاسته رطبًا، ويابسًا، وإزالته، ووجه القياس فيه من وجوه: أحدها: أنَّ الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في محل يجتمع نَجِسةٌ، والمني منها، فليكن نجسًا. وثانيها: أنَّ الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والمني من الأحداث الموجبة للطهارة. وثالثها: أنه يجري على مجرى البول، فيتنجس. وهذا غير مقبول؛ فإنَّ مجرى المني غير مجرى البول. ولهذا قال أصحاب الشَّافعي: يجب غسل المني إذا استجمر بالحجر؛ لأنه يجتمع هو والبول في رأس الذكر، وهو نجس معفو عنه بالنسبة إلى الصلاة، غير معفو عنه بالنسبة إلى ما يلاقيه من الرطوبات، فلو كان يجري في مجرى البول، لما كان لقولهم فائدة، ولقالوا: بوجوب غسله؛ لتنجسه. وأمَّا في إزالته بالماء؛ فكسائر النجاسات، إلَّا ما عفي عنه، والفرد يلحق بالأعم الأغلب. وأمَّا الليث فقال: نجسٌ تعاد الصلاة منه. وأمَّا الحسن بن صالح فقال: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه في الجسد وإن كان قليلًا. وأمَّا الشَّافعي ﵀: فاتبع الحديث في فركه؛ كما تقدم، ورآه دليلًا على طهارته، فلو كان نجسًا، لما اكتفى فيه إلَّا بالغسل؛ قياسًا على سائر النجاسات. فلو اكتفى بالفرك مع كونه نجسًا؛ لزم خلاف القياس، والأصل عدم ذلك. وهذا الحديث يخالف ظاهره لما ذهب إليه مالك، وقد اعتذر عنه بأشياء فيها بعد نقلًا وتأويلًا، والله أعلم.

стр. 220

وهذا الكلام كله في مني الآدمي. وللشافعي قول شاذ ضعيف: أنَّ مني المرأة نجس، دون مني الرجل. وقول أشذ منه: أنَّ مني المرأةِ والرجلِ نجسٌ. لكنَّ الصوابَ: أنهما طاهران؛ فعلى القول الصواب بطهارته، هل يحل أكله؟ وجهان: أظهرهما: لا؛ لاستقذاره، فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة علينا. وأمَّا مني باقي الحيوانات: فإن كان كلبًا، أو خنزيرًا، أو متولدًا من أحدهما؛ فمنيها: نجس بلا خلاف. وإن كان غيرهما؛ ففيه ثلاثة أوجه: أصحها: أنَّها كلَّها طاهرة. والثاني: أنَّها كلها نجسة. والثالث: مني مأكول اللحم: طاهر، وغيره: نجس، والله أعلم. وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث: على طهارة رطوبة فرج المرأة. وفيها خلاف مشهور لأصحاب الشافعي، وغيرهم، والأظهر: طهارتها. ووجه الاستدلال بأن قالوا: الاحتلام مستحيل في حق النبي ﷺ ؛ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني الذي على ثوبه ﷺ إلَّا من الجماع. ويلزم منه مرور المني على موضع أصاب رطوبة فرج المرأة، فلو كانت نجسة، لتنجس بها المني، ولما تركه في ثوبه، ولما اكتفى فيه بالفرك. وأجاب من قال: بنجاسة رطوبة فرجها بجوابين: أحدهما: منع استحالة الاحتلام منه ﷺ الذي هو فيض من غير تلاعب الشيطان، بخلاف الاحتلام الذي هو تلاعبه؛ فإنه ممنوع عنه ﷺ . والثاني: جواز أَنْ يكونَ ذلك المني من مقدمات الجماع؛ فيسقط منه شيء

стр. 221

على الثوب، وأمَّا المتلطخ بالرطوبة؛ فلم يكن على الثوب، فسقط استدلالهم بالحديث على طهارته. لكن الظاهر منه الأول، والله أعلم. وفي الحديث دليل على: جواز الصلاة في الثوب الرطب، وإن أصابه شيء من الأوساخ الطاهرة؛ كالتراب، والطين، ونحوهما؛ لا ينجسه. وفيه: أنه ينبغي للمرأة أن تتفقَّد ثياب زوجها بالتنظيف، والغسل، ونحوهما، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها. وفيه: أنَّه ينبغي للمقتدي أن ينقل أحوال المقتدى به -وإن كان يستحيا من ذكرها في العادة- إلى الناس؛ ليقتدى بها، والله أعلم. * * * الحديث السابع عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَع، ثُمَّ جَهَدَها؛ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (١)، وفي لفظ: "وَإنَ لَمْ يُنْزِلْ" (٢). تقدم الكلام على أبي هريرة. واختلف العلماء في المراد بالشُّعَبِ: فقيل: هي يداها، ورجلاها. وقيل: رجلاها، وفخذاها. وقيل: فخذاها، وشُفْراها، وقيل: إِسْكتاها؛ وهما: حرفان بشق فرجها. قال الأزهري: ويفترق الإِسكتان، والشفران؛ في أنَّ الإِسكتين: ناحيتا الفرج، والشُّفران: طرفًا الناحيتين.

стр. 222

وقيل: الشُّعَبُ الأربع: نواحي الفرج الأربع؛ وهو اختيار القاضي عياض ﵀. والشعب: النواحي، واحدتها: شُعْبة، وأمَّا من قال: أَشْعُبها؛ فهو جمع شُعَبْ (١). قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وكان التفسير للشعبِ بالنواحي تحويم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل، قال: والأقرب عندي أَنْ يكونَ المرادُ: اليدين، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنيًا عنه بذلك، ويكتفى بما ذكر عن التصريح. وإنَّما رجَّحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة من الجلوس بالكناية عن التصريح؛ لا سيما في أمثال هذا المكان التي يستحيا من التصريح فيها به. وأيضًا، فقد نقل عن بعضهم أنه قال: الجَهْدُ: من أسماء النكاح؛ ذكر عن الخطابي. وعلى هذا: فلا يحتاج أن يجعل قوله: "جلسَ بينَ شُعبِها الأربعِ" كناية عن الجماع بالجماع؛ فإنه صرّح [به] بعد ذلك (٢). وقوله: "ثم جَهَدَها" هو -بفتح الجيم، والهاء-؛ ومعناه: بلغ مشقتها. وقال الخطابي: حفزها (٣). قال أهل اللغة: يقال: جَهَدْتُه، وأَجْهَدْتُه: بلغت مشقته. وهذا -أيضًا- لا يراد حقيقته، وإنما المقصود منه: وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يُنزل، وكل هذه كنايات يُكتفى بفهم المعنى منها عن التصريح.

стр. 223

قال القاضي عياض ﵀: الأولى أن يكون جَهَدَ؛ بمعنى: بلغ جهده في عملِه فيها (١). والجُهْدُ: الطاقة؛ وهو إشارة إلى الحركة، وتمكن صورة العمل؛ وهو نحو قول من قال: حَفَزَها؛ أي: كَدَّها بحركته؛ وإلَّا فأي مشقة بلغ بها في ذلك؟ وقوله في أول الحديث: "بينَ شُعَبِها"؛ كناية عن المرأة، وإن لم يجر لها ذكر؛ اكتفي بفهم المعنى من السياق؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وأمَّا ما يتعلق بأحكام الحديث: ففيه: بيان عدم انحصار وجوب الغسل بالإنزال، بل يجب به، وبالتقاء الختانين؛ وهو تغييب الحشفة، أو قدرِها في الفرج، فعلى هذا يكون الحديث خرج مخرج الغالب؛ لا أن الجلوس بين شعبها، وجهدها شرط لوجوب الغسل. ولا شك أَنَّ وجوبَ الغسل كان في أول الإسلام منحصرًا في الإنزال؛ لقوله ﷺ : "إِنَّما الماءُ من الماءِ" (٢)، ثم نُسخ ذلك بهذا الحديث، وغيرِه؛ كحديث: "إِذا التَقَى الخِتانانِ" (٣)، وفي رواية: "إذا مَسَّ الخِتانُ الخِتانَ" (٤)، وفي رواية أبي داود: "وأُلْزِقَ الخِتانُ بالخِتانِ، فقد وجبَ الغسلُ" (٥). ولا شك أنَّ هذا الحكم مجمَعٌ عليه، ولم يقل أحد بخلافه؛ إلَّا ما روي عن

стр. 224

عثمان، وأُبَيٍّ: أنهما لم يريا غسلًا إلَّا من الإنزال، وقد روي رجوعُهما عنه، مع أن المسنَد إليهما في أنه لا يجب إلَّا بالإنزال ضعيف. قال الإمام أبو بكر بن العربي: وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحدُ أئمةِ الدين، وأجلُّ علماءِ المسلمين معرفةً، وعدلًا. وما بهذه المسألة خفاء؛ فإن الصحابة اختلفوا فيها، ثم رجعوا عنها، وأجمعوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يكن إنزال (١). وقد نقل عن البخاري أنه قال: الغسلُ منه أحوط في الدين من باب حديثين تعارضا. فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، لا أنه قال بعدم الوجوب؛ وهو الأشبه بإمامة البخاري، وعلمه، والله أعلم. وخالفَ في عدم الإيجاب به: داودُ الظاهري، وبعضُ أصحابه، وخالفه بعضُ الظاهرية، ووافق الجماعة. ومستند الظاهري، ومن وافقه: قوله ﷺ : "إنَّما الماءُ من الماءِ". ثم إنَّه قال في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ من رواية أُبَيِّ بن كعبٍ (٢) ﵁: إنَّما كان الماءُ من الماء رخصةً في أول الإسلام، ثم نُسخ بعد. قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣)؛ فزال ما استندوا إليه، والله أعلم. واعلم أنَّ الأحكام كلها من وجوب الغسل، والمهر، وغيرهما: متعلقة

стр. 225

بتغييب الحشفة، بالاتفاق، ولا يشترط تغييب جميع الذكر. فلو غَيَّبَ بعضَ الحشفة؛ لم يتعلق به شيء من الأحكام بالاتفاق أيضًا إلَّا وجهًا شاذًّا منكرًا مردودًا لبعض أصحاب الشَّافعي ﵀: أن حكمَ بعضِها حكمُ جميعِها، وهو غلط، والله أعلم. ثم إنه يجب الغسلُ على الرجلِ والمرأة؛ لإطلاقه ﷺ إيجابه من غير تقييد بواحد منهما. وحكم الإيلاج في الدبرِ كذلك في وجوب الغسل، أيَّ دبر كان. قال أصحاب الشَّافعي: وسواء كان ذلك عن قصد، أو نسيان، وسواء كان ذلك، مختارًا، أو مكرهًا، وسواء كان ذلك مختونًا، أو أغلف؛ فيجب الغسل في كل هذه الصور على الفاعل، والمفعول به. إلَّا [إذا] كان الفاعل والمفعول به صبيًّا، أو ميتة؛ فإنه لا يقال: وجب عليه؛ [لأنه] ليس مكلفًا، لكن يقال: صار جنبًا. فإن كان مميزًا، وجب على الولي أن يأمره بالغسل؛ كما يأمره بالوضوء. فإن صلَّى من غير غسل، لم تصحَّ صلاتُه، وإن لم يغتسل حتى بلغ؛ وجب عليه الغسل. وإن اغتسل في الصبا، ثم بلغ؛ لم يلزمه إعادة الغسل، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب ﵃: أنه كان هو وأبوه عند جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وعندَه قومُه؛ فسألوه عن الغُسلِ؛ فقال: يَكْفِيكَ صَاعٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: ما يَكْفِيني، فَقَالَ جابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وخَيْرًا مِنْكَ - يريدُ: النبيَّ ﷺ ، ثُمَّ أَمَّنا في ثَوْبٍ (١).

стр. 226

وفي لفظٍ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُفْرِغُ على رَأسِه ثَلاثًا (١). الرجل الذي قال: ما يكفيني؛ هو: الحسنُ بنُ محمدِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أبوه هو ابنُ الحنفية. أمَّا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ: فهو: قرشيٌّ، هاشميٌّ، مدنيٌّ، تابعيٌّ جليل، يعرف بالباقر. قال الواقدي: سُمِّي به؛ لأنه بَقَرَ العلمَ، وعرفَ أصلَه؛ أي: شقَّه، وفتحَه. وكان ﵀ خيرَ محمدٍ على وجه الأرض في زمنه؛ متفق على إمامته، وجلالته، وتوثيقه. روى له الأئمة، منهم: البخاري، ومسلم (٢). وأمَّا أبوه عليُّ بنُ الحسينِ: فكنيته: أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد؛ تابعيٌّ جليل، يعرف بزين العابدين، وكان ثقةً، مأمونًا، كثيرَ الحديث، عاليًا، رفيعًا. قال يحيى بنُ سعيد: كان أفضلَ هاشميٍّ أدركته؛ يقول: يا أيها الناس! أَحِبُّونا حُبَّ الإسلام؛ فما بَرِحَ حُبُّكم حتى صار علينا عارًا! وقال شيبةُ بنُ نعامةَ: كان عليُّ بنُ الحسين يُبَخَّلُ؛ فلما مات، وجدوه يقوت مئةَ أهلِ بيتٍ بالمدينة في السرِّ. مات سنةَ أربعٍ وتسعين بالمدينة، وكان يقال لهذه السنة: سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها منهم. روى له: الأئمة، والبخاري، ومسلم (٣).

стр. 227

وأمَّا الحسين: فكنيته: أبو عبد الله، وهو سبطُ رسول الله ﷺ ، ورَيحانتهُ. روى عن رسول الله ﷺ : ثمانيةَ أحاديثٍ؛ رويا له عن أبيه. وَوُلِدَ لخمسٍ خَلَوْنَ من شعبان، سنة أربعٍ، وقيل: ثلاث. وقُتِلَ يومَ عاشوراءَ يوم السبت، وقيل: يوم الجمعة بكربلاء من أرض العراق، سنة إحدى وستين؛ وهو ابنُ ثمانٍ وخمسين سنةً، وقيل غيره؛ قتَلَه: سِنَانُ بنُ أنس النَّخَعِي. قال أبو حاتم بنُ حِبَّان ﵀: وجثَّته بكربلاء، واختلف في موضع رأسه: فمنهم من زعم: أنَّ رأسهَ على رأس عمود في مسجد جامع دمشق على يمين القبلة؛ وقد رأيت ذلك العمود. ومنهم من زعم: أَنَّ رأسَه في البرج الثالث من السور على باب الفراديس بدمشق. ومنهم من زعم: أَنَّ رأسه في قبر معاوية؛ وذلك أَنَّ يزيدَ دفن رأسه في قبر أبيه، وقال: أحصنه بعد الممات، هذا آخر كلامه. وأمَّا ما يقوله أهل مصر: إنَّه بها مدفون؛ فباطل، لا أصل له، ولا خلاف في بطلانه عند العلماء، والله أعلم (١). وكان بينه وبين الحسن طُهْرٌ واحد.

стр. 228

وأمُّهما: فاطمة الزهراء بنة رسول الله ﷺ ، وكان النبيُّ ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهما؛ فَأَحِبَّهما" (١). وقال ﷺ : "حُسَيْنٌ مِنِّي، وأَنا من حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَينًا؛ حسينٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاط" (٢). وقال ﷺ : "ابْنايَ هذان سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ، إلَّا ابْنَيِ الخَالَةِ؛ عيسى، ويحيى" (٣). وأما الرجل الذي قال: ما يكفيني: فكنيته: أبو محمدٍ الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الحنفيَّةِ؛ وهو أخو عبد الله بنِ محمد بنِ الحنفيَّة، وكان الحسنُ هذا يقدَّمُ على أخيه في الفضل. وهو: تابعيٌّ، مدنيٌّ، ثقةٌ من أوثق الناس، كان الزهري يُعَدُّ من غِلمانه؛ يعني: في العلم. مات سنة مئة، أو تسع وتسعين. روى له الأئمة، منهم: البخاري، ومسلم (٤). وأمَّا أبوه محمدُ بنُ عليِّ بن أبي طالب: فكنيته: أبو القاسم، ويقال: أبو عبد الله، يُعرف: بابن الحنفية؛ واسمها:

стр. 229

خَوْلَةُ بنتُ جعفرِ بنِ قيسِ بنِ مسلمِ بنِ ثعلبةَ بنِ يربوعِ بنِ ثعلبةَ بنِ الدؤلِ بنِ حنيفةَ؛ كانت من سبي اليمامة. وروت عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁، قال: قلت للنبيِّ ﷺ : إِنْ وُلدَ لي بَعْدك ولد، أُسميه باسمك، وأُكَنِّيه بكنيتك؟ قال: "نعم" (١). وقال إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بنِ الجنيدِ الخَتْلِيُّ: لا نعلم أحدًا أسندَ عن علي عن النبي ﷺ أكثرَ، ولا أصحَّ، مما أَسندَ محمدُ بن الحنفية. روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من الأئمة. قال أبو نعيم، وعمرو بن علي: مات سنةَ أربعَ عشرةَ ومئة، وقال البخاري: قال أبو نعيم: مات سنة ثمانين، وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى وثمانين (٢). وأما جابرُ بنُ عبد الله: فكنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، أنصاريٌّ؛ خزرجيٌّ، سُلَمي، مدنيٌّ. وهو: ابنُ عبدِ الله بنِ عمرِو بن حَرامِ بنِ عمرِو بنِ سَوادِ بنِ سلمةَ، وهو من بني جُشمِ بنِ الخزرج. وهو من أكثر الصحابة حديثًا؛ رُوي له عن رسول الله ﷺ : ألفُ حديث، وخمسُ مئة حديث، وأربعون حديثًا. أخرج له البخاري، ومسلم منها: مئتين وعشرة أحاديث؛ اتفقا على: ثمانية

стр. 230

وخمسين، وانفرد البخاري: بستة وعشرين، ومسلم: بمئة وستة وعشرين. وروى -أيضًا- عن: أبي بكر، وعمر، وعلي، وجماعة من الصحابة. روى عنه: خلقٌ من التابعين. وغزا رسولُ الله ﷺ بنفسه: إحدى وعشرين غزوة؛ شهد جابرٌ منها معه: تسعَ عشرةَ. استغفر له رسول الله ﷺ خمسةً وعشرين مرةً ليلةَ العقبة. مات سنةَ ثمانٍ، أو تسعٍ وسبعين؛ بعد أن عَمِي، وكان يخطب بالجمرة، وسنه يوم مات: أربع وتسعون سنة، وصلى عليه: أَبَانُ بنُ عثمانَ؛ وهو والي المدينة يومئذٍ. وروى له: أصحاب المساند والسنن (١). أمَّا لفظه: فالصَّاعُ: مكيال معروف -يُذَكَّر، ويؤنث-، ويقال فيه أيضًا: صوع، وصُواع؛ ثلاثُ لغات؛ وهو: أربعةُ أمدادٍ بِمُدِّ النبيِّ ﷺ ؛ وهو هنا: خمسةُ أرطال وثلثٌ بغدادية؛ كما في الفطرة، وفدية الحج، وغيرها، وقيل: ثمانية أرطال. والمدُّ: ربعُ صاع؛ وهو رطلٌ وثلثٌ، وهو معتبر على التقريب، لا على التحديد؛ هذا هو الصواب المشهور، وذكر بعض أصحابنا وجهًا: أنَّ المدَّ رِطْلان (٢).

стр. 231

وأمَّا حكمُ الحديث: فاعلم أنه: ليس الصاع؛ مذكورًا لبيان أقل ما يكفي من الماء في الغسل. وقد أجمع العلماء على أن الماء المجرى في الوضوء، والغسل، غير مقدر؛ بل يكفي فيه القليل، والكثير؛ ممَّا يسمى غسلًا، ووضوءًا، إذا وجد الإسباغ بجريانِ الماء على الأعضاء؛ فمتى حصل ذلك، تأدَّى الواجب؛ وإن لم يَبُلُّ الثرى. قال الشَّافعي ﵀: وقد يُرْفَق بالقليل؛ فيكفي، ويُخْرَق بالكثير؛ فلا يكفي (١). لكن قال العلماء: والمستحبُّ ألا يَنْقُصَ ماءُ الغسلِ عن صاعٍ، ولا ماءُ الوضوء عن مُدٍّ، وقد تقدم مقدارهما، والاختلاف فيه. وهذا الحديث أحدُ ما يدلُّ على الصاع، وقد دلت الأحاديث في "سنن أبي داود"، وغيره على مقادير مختلفة، وذلك - والله أعلم -؛ لاختلاف الأوقات، والحالات؛ وهو دليل على عدم التحديد فيه. وأجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء؛ لو كان على شاطئ البحر، وهل النهي للتحريم، أو لكراهة التنزيه؟ وجهان لأصحاب الشافعي، أظهرهما: للتنزيه، والثاني: للتحريم، والله أعلم. وفي الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة، وغيرُهم من العلماء من رجوعهم إلى أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وحالاته؛ فإنَّ جابرًا ﵁ لما كان عنده آلُ عليِّ بن أبي طالب، وسألوه عن الغسل، وأجابهم بالصاع؛ فأجابه أحدهم بعدم الكفاية، فردَّ عليه جابر بفعل النبي ﷺ ، وحاله، [وأنه ﷺ -أوفى منه شعرًا، فأفحمه، ورجع إليه.

стр. 232

وفيه: جواز الصلاة] (١) في ثوب واحد؛ وإن كان المصلي إمامًا. وفيه: المباحثة في العلم، والسؤال عنه؛ وإن كان السائل أشرف نسبًا. وفيه: جواز الرد بعنف؛ إذا كان حقًّا وصوابًا في إبلاغ الحق، وإيصاله إلى المردود عليه. وفيه: وجوب الوقوف عند الحق من غير ممانعة، وجدال، والله أعلم. ° ° °

стр. 233

باب التيمم الحديث الأول عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ في القَوْمِ، فقالَ: "يا فُلانُ! ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ في القَوْمِ؟ "، فقال: يا رَسُولَ الله! أصَابَتْني جَنَابَةٌ، ولا ماءَ، قال: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ؛ فَإنَّه يَكْفِيكَ" (١). أمَّا عمرانُ بنُ حُصين: فهو صحابيٌّ ابنُ صحابي، وكنيتُه: أبو نُجيد -بضم النون-؛ وهو عمرانْ بنِ الحصينِ بنِ عبيدِ بنِ خلفِ بنِ عبدِ فهم بنِ سالمِ بنِ عاصرةَ بنِ سلولَ بنِ حبسيةَ بنِ سلولِ بنِ كعبِ بنِ عَمْرِو بنِ ربيعةَ؛ وهو لُحَيُّ بنُ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرِ بنِ حارثةَ بنِ امرئ القيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ مازنِ بنِ الأزدِ بنِ الغوثِ بنِ ثبتِ بنِ مالكِ بنِ زيدِ بنِ هلالِ الخزاعيُّ. وممن ذكر صحبةَ أبيهِ: أبو حاتمِ بنُ حِبَّان، وقال فيه: حُصينُ بن عبيد الخزاعيُّ: والدُ عمرانَ، له صحبة. أسلم أبو هريرة، وعمرانُ عامَ خيبر. وكان لعمرانَ ابنٌ اسمه نُجيد، كُنِّي به.

стр. 234

رُوي له عن رسول الله ﷺ : مئةُ حديثٍ، وثمانون حديثًا؛ اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة. روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. ونزل البصرة، وكان قاضيًا بها؛ استقضاه عبد الله بنُ عامرٍ، فأقامَ أيامًا، ثم استعفاه فأعفاه. وكان الحسن البصري يحلِفُ بالله ما قَدِمَهَا -يعني: البصرة- رَاكبٌ، أنفعُ لهم؛ من عمران بن حصين. ومات بها سنة اثنتين وخمسين (١). واعلم أنَّ آية التيمم نزلت في شعبان، سنة خمسٍ من الهجرة، في غزوة المريسيع: قصد رسول الله ﷺ بني المصطلق من خزاعة على مائهم، قريب من الفرع؛ فقتل منهم رجالهم، وسبا نساءهم، وكان فيمن سبى؛ جويريةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرارٍ، تزوجها رسول الله ﷺ ، وجعل صَداقَها أربعين أسيرًا من قومها. وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة؛ فأقام رسول الله ﷺ بالناس على التِماسِهِ، وليسوا على ماء؛ فنزلت آية التيمم. أمَّا التيمُّم لغةً، فهو: القصد. قال الإمام أبو منصور الأزهري: التيمم في كلام العرب: القصد، يقال: تَيَمَّمْتُ فلانًا، ويَمَّمْتُهُ، وتأَمَّمْتُهُ؛ وأَمَّمْتُهُ؛ أي: قصدتُه (٢). ثم إن التيمُّمَ خَصيصة خص الله تعالى به هذه الأمة -زادها الله شرفًا-.

стр. 235

وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. وأمَّا الصَّعيد، فالمراد به: التراب، وهو مذهب الأكثرين. وقيل: هو جميع ما صَعِدَ على الأرض. واعلم أن: اعتزالَ الرجل -المذكور في الحديث- الناسَ، وتركَ الصلاة فيهم، لا يخلو؛ إمَّا أن يكون في المسجد؛ وهو الظاهر، أو خارجه: فإن كان خارجه، فيكون الرجل قد لزمَ الأدب والسنة في ترك جلوسه عند المصلين إذ لم يصلِّ معهم. وإن كان في المسجد، فقد قال رسول الله ﷺ لمن رآه جالسًا في المسجد، والناس يصلون: "ما مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟! " (١)؛ وهذا الإنكار؛ لشدة قبح الصورة في ترك الصلاة جالسًا، والناس يصلون. أمَّا أن يترك الصلاةَ جنبًا، لابثًا في المسجد، عالمًا بتحريمه، مع تقرير عليه من غير إنكار، وتبيين الحكم له؛ فلا يجوز ذلك على مذهب جماهير العلماء؛ استدلالًا بقوله ﷺ : "لا أُحِلَّ المسجِدَ لجُنُبٍ، ولا حَائِضٍ" (٢). وجوز أحمد: المكثَ فيه للجنب، وضعَّف هذا الحديثَ؛ لجهالة رواته، وبه قال المزني. لكنه مخالف لظاهر القرآن العزيز، في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]؛ بمعنى: لا تقربوا الصلاة، ولا مواضعَها المعدَّةَ لها، إلا عابري سبيل مجتازين، غيرَ لابثين، للخروج من المساجد؛ إذا كنتم جنبًا، فقد أبيح العبور فيها من غير لُبْث.

стр. 236

وهو قول الحسن، ومالك، والشافعي، ومنع العبور فيها مطلقًا أبو حنيفة، وأصحابه، وقال بعض أصحابه: يتيمم للمرور فيها. وأمَّا الصلاة: فلم يبحْ أحدٌ الدخولَ فيها جنبًا للقادر على الماء، أو التراب، وعند عدمهما يجوز الدخول فيها؛ للضرورة. فعلى قول الجمهور يكون معنى الحديث: أنَّ الرجل اعتزلَ المصلَّى، والصلاة، في غيرِ سفر: فلو كان في حضر؛ بأن كان في قرية انقطع ماؤها، فإنه يتيمم، ويصلي، ولا إعادة عليه عند مالك، والأوزاعي، ويعيد عند الشَّافعي؛ إذا قدر على الماء في الوقت، ويقضي خارجه؛ لندرة إعواز الماء في الحضر، وعند أبي حنيفة: يؤخر الصلاة حتى يجد الماء. وهذا الحديث حجة عليه، وعلى من أوجب الإعادة؛ لإطلاقه كفاية التيمم من غير إعادة، فإنها لا تجب إلَّا بأمر محدد، ولا أمر؛ فإنه ﷺ لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف! وهو متأخر عن الأمر بالتيمم؛ فإنه في سنة خمس، وهذا بعد إسلام عمران بن الحصين ﵄، وهو بعد عام خيبر، سنة سبع، والله أعلم. وقوله: "أَصابتني جَنابةٌ، ولا ماءَ"؛ يحتمل أنه لم يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أنه علمه، لكن اعتقد أَنَّ الجنبَ لا يتيمم، ورجح هذا الاحتمال؛ لسبق مشروعية التيمم على إسلام عمران راوي الحديث. وقوله: "ولا ماءَ"؛ نفيٌ لوجود الماء بالكلية؛ بحيث لا يوجد بسبب، ولا سعي؛ ليكون أبلغ في النفي، وإقامة العذر. وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة، تقديرهم في قوله: لا إله إلا الله؛ لنا، أو في الوجود، وقال: نفي الحقيقة مطلقةً أعمُّ من نفيها مقيدةً؛ لأنَّ إبقاءها مقيدة؛ دليلٌ على سلب الماهية مقيدة.

стр. 237

وانتفاؤها غيرَ مقيدة دليلٌ على نفي الحقيقة، فتنتفي مع كلِّ قيد، وإذا انتفت مع كل القيد؛ لا يلزم نفيُها مع قيد آخر، والله أعلم. وفي الحديث: دليل على: أن العالم إذا رأى أمرًا يخالف الشرع، أن يسأل عنه المخالفَ قصدًا؛ لتعليمه ما جهله. وفيه دليل على: وجوب تبيين الحكم والصواب على الفور من غير تأخير. وفيه دليل على: أن التيمم قائمٌ مقامَ الغسل عند عدم الماء، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ ﵄ قال: بَعَثَني النَّبِيُّ ﷺ في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فلمِ أجِدِ الماءَ؛ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَما تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النبيَّ ﷺ ، فَذكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "إنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِين، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ، وَوَجْهَهُ (١). أما عمَّارُ بنُ ياسرٍ: فهو صحابيٌّ ابنُ صحابيِّ، وأمُّه سُمَيَّةُ أيضًا صحابيَّة، وكنيته: أبو اليقظانِ بنُ ياسرِ بنِ مالكِ بنِ الحصينِ بنِ قيسِ بنِ ثعلبةَ بنِ عَنْسِ بالنون [بنِ عوفِ بنِ يلمِ] (٢) بنِ زيدِ بن مالك بنِ أددِ بنِ زيدِ بنِ يشجبَ ابنِ عوف بنِ زيد بنِ كهلانَ بنِ سبأ بنِ يَشْجُبَ بنِ يعربَ بنِ قحطانَ. وأمُّه سميةُ بنتُ خياط، كانت أمةً لأبي حذيفةَ بنِ المغيرةِ بنِ عبد الله بن عمرِو بنِ مخزوم، وكان ياسرٌ قدم [منَ اليمنِ] (٣) إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة؛ فزوجه إياها، فولدت عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة.

стр. 238

أسلم ياسرٌ وسميةُ، وكان إسلامُهما ورسولُ الله ﷺ في دار الأرقم؛ هو وصُهيبُ بنُ سنانَ في وقتٍ واحد بعدَ بضعةٍ وثلاثين رجلًا. قال مجاهد: أولُ مَنْ أظهر إسلامه: أبو بكر، وبلال، وخَبَّاب، وصُهيب، وعمارٌ، وأمُّه سميةُ. وكان ممن يعذَّب في الله؛ هو، وأبوه، وأمه، فمرَّ بهم النبي ﷺ وهم يعذبون، فقال: "صَبْرًا آلَ ياسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ" (١). وقتل أبو جهلٍ سميةَ؛ وكانت أولَ شهيدةٍ في الإسلام، ولمَّا أعطى عمار المشركين بلسانه ما أرادوا، واطمأنَّ بالإيمان قلبه؛ أنزل الله فيه: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، أجمع على ذلك أهل التفسير. وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرًا، والمشاهدَ كلها مع رسول الله ﷺ ، وأبلى ببدر بلاءً حسنًا. وكان عمارٌ أولَ من بنى مسجدًا في الإسلام؛ وهو مسجدُ قُباء، ذكره ابن الأثير. وقال ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: عمار بن ياسر، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قال: أبو جهل بن هشام (٢). وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إِيمانًا إِلَى مُشَاشِهِ"؛ ويُرْوَى: "إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْه" (٣).

стр. 239

وقال خالدُ بنُ الوليد، قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا، أَبْغَضَهُ الله"؛ قال خالد: فما زلتُ أحبُّه من يومِئِذٍ (١). وروى أنس ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "اِشْتَاقَتِ الجَنَّةُ إِلَى: عَليٍّ، وعَمَّارٍ، وسَلْمانَ، وبِلالٍ" (٢). واسْتَأْذَنَ عمَّارٌ على النبيِّ ﷺ يومًا، فعرفَ صوتَه، فقال: "مَرْحَبًا بِالطّيِّبِ المُطَيَّبِ؛ ائْذَنُوا لَهُ" (٣). وعن عليٍّ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّه لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ، إلَّا أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَباءَ، ووُزَراءَ، ورُفَقاءَ؛ وَإِنِّي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: حمزةَ، وجعفرًا، وأبا بكر، وعُمَرَ، وعليًّا، والحسنَ، والحسينَ، وعبدَ الله بنَ مسعود، وسَلْمَانَ، وعَمَّارًا، وأبا ذرٍّ، وحذيفةَ، والمقدادَ، وبلالًا" (٤). وتواترت الآثار عن النبي ﷺ : أنه قال: "تَقْتُلُ عَمَّارًا الفِئَةُ الباغِيَةُ" (٥)؛ وهذا

стр. 240

من إخباره بالغيب، وأعلام نبوته ﷺ . وعن عَمْرِو بنِ سلمةَ قال: لَكَأَنِّي أنظرُ إلى عمَّارٍ يومَ صِفِّينَ، واستسقى، فأُتي بشربةٍ من لبن، فشرب، فقال: اليومَ أَلْقى الأحبة، إنَّ رسولَ الله ﷺ عَهِدَ إليَّ أَنَّ آخِرَ شربةٍ أشربها من الدنيا، شربةُ لبنٍ"، ثم قاتل حتى قتل ﵁ (١). رُويَ له عن رسول الله ﷺ : اثنان وستون حديثًا؛ اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. وروى عنه: عليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ عباس، وأبو موسى الأشعريُّ، وأبو أمامةَ الباهليُّ، وجابرُ بنُ عبدِ الله، وعبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ أبي طالب، وأبو الطفيل عامرُ بنُ واثلةَ، وأبو لاسٍ الخزاعيُّ -وهؤلاء صحابة-، وغيرُهم من التابعين. وروى له: أصحاب السنن والمساند. وقُتل بصفينَ سنة سبع وثلاثين، ودفنه عليٌّ في ثيابه؛ ولم يغسلْه، وهو ابنُ ثلاثٍ وتسعين سنة، وقيل: إحدى وتسعين، والله أعلم (٢). وأمَّا ما يتعلق بالحديث من الألفاظ، والمعاني، والأحكام: فقوله: "فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيد؛ كما تَمَرَّغُ الدَّابةُ": وهو استعمال لقياس تقدم العلم بمشروعية التيمم عليه.

стр. 241

وكأن عمارًا لما رأى الوضوء خاصًّا ببعض الأعضاء، وبدله؛ وهو التيمم خاصًّا -أيضًا-؛ وَجَبَ أَنْ يكونَ بدلُ الغسلِ الذي يعمُّ جميعَ البدن عامًّا لجميعه. وقد استدل أبو محمدِ بنُ حزمٍ الظَّاهريُّ بهذا الحديث على إبطال القياس؛ لأن عمارًا قَدَّرَ: أن المسكوتَ عنه؛ من التيمم للجنابة، حكمُه حكمُ الغسل من الجنابة؛ إذ هو بدل منه، فأبطل رسولُ الله ﷺ ذلك، وأعلمه أَن لكلِّ شيءٍ حكمَ المنصوص عليه فقط. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: والجواب عن استدلاله بهذا الحديث على بطلان هذا القياس الخاص: أنه لا يلزمُ من بطلانِ الخاصِّ، بطلانُ العامِّ، والقائسون لا يعتقدون صحةَ كلِّ قياسٍ. ثم في هذا القياس شيء آخر؛ وهو أن الأصل -الذي هو الوضوء- قد نفي فيه مساواة البدل؛ فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء؛ فصار مساواة البدل للأصل ملغًى في محلِّ النص؛ وذلك لا يقتضي المساواةَ في الفرع. بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلًا على صحة أصل القياس، وأَنَّ قولَه ﷺ : "إنَّما كانَ يكفيكَ كَذا وكَذا"؛ يدل أنه: لو كان فعله، لكفاه. وذلك دليلٌ على صحة قولنا: لو كان فَعَلَهُ؛ لكان مصيبًا، ولو كان فَعَلَهُ؛ لكان قائسًا التيممَ للجنابة، على التيمم للوضوء؛ على تقدير أَنْ يكونَ اللمسُ -المذكورُ في الآية- ليسَ هو الجماعَ. لأنه لو كان عند عمار هو الجماع، لكان حكمُ التيممِ مبينًا في الآية؛ فلم يكن يحتاج إلى أَنْ يتمرغَ؛ فإن فِعْلَه ذلك لا يتضمن اعتقاد كونِه ليس عاملًا بالنص، بل بالقياس. وحكمُ النبيِّ ﷺ بأَنَّه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما بيَّن من

стр. 242

كونه لو فعل ذلك لفعله بالقياس عنده لا بالنص (١). قوله: "ثم ضربَ بيديهِ الأرضَ ضربةً واحدةً": استدلَّ به مَنْ قال: الواجبُ في التيمم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفين؛ وهو مذهب عطاءٍ، ومكحولٍ، والأوزاعيِّ، وأحمدَ، وإِسحاق، وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث، وهو قول قديم للشافعي، ورواية عن مالك. وحكى أصحاب الشَّافعي عن الزهري: أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين. وقال الخطابي: لم يختلف أحد في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين. ومذهبُ مالك ترجع حقيقته إلى الاكتفاء بضربة واحدة للوجه واليدين، فإنه إذا فعل ذلك، يعيد في الوقت؛ والإعادة تتضمن إجزاءه ظاهرًا. ومذهب الشافعي والأكثرين: أَنَّه لا بُدَّ من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وقد ورد في حديث لا يقاوم هذا الحديثَ في الصحة، ولا يعارض بمثله. وبمثل قول الشَّافعي، قال علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والحسن البصري، والشَّعْبِي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسفيان الثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأصحاب الرأي، وآخرون. وحكى أصحاب الشافعي -أيضًا-، عن ابن سيرين: أنه قال: لا يجزئه أقلُّ من ثلاث ضربات؛ ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه. لكنَّ الأولَ قويٌّ جدًّا؛ وقَوَّاهُ بعضُ المشايخ المحققين الذين أدركناهم، وأُفْتِيَ به، والله أعلم. قوله: "ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيه، ووَجْهَهُ": قدَّمَ في لفظ الحديث مسحَ اليدين على مسح الوجه، لكن بحرف الواو؛ وهو

стр. 243

لا يقتضي الترتيب، وفي غير هذا الحديث: ثم مسح وجهه، بلفظ (ثم)، وهي تقتضي الترتيب. فاستدل به على أن: ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في التيمم، ثبت في الوضوء، ولا قائل بالفرق. قوله: "وظاهرَ كَفَّيْهِ": يقتضي الاكتفاء بمسح الكف في التيمم؛ وهو مذهب أحمد. وحكى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه إذا مسح أكثرَ وجهه، وأكثرَ يديه أجزأَه، ومذهبُ الشافعي وأبي حنيفة -في المشهور عنه-: أَنَّ التيمُّمَ إلى المرفقين، واستدل على ذلك: بتقييده اليد، بالغاية إلى المرفقين في الوضوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وأطلقت في التيمم؛ بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فلو كانت الغاية في التيمم مغايرةً للوضوء، لبينها؛ فدلَّ على أن الغاية في التيمم كالغاية في الوضوء. وبحديث أبي الجهم عبدِ الله بن الحارث بن الصَّمة الأنصاري النجَّاري: أَنَّ النبيَّ ﷺ تَيَّمَّمَ عَلَى الجِدَارِ؛ فَمَسَحَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ" (١). ولا شك أَنَّ اليدَ تطلق لفظًا: على رؤوس الأصابع إلى الإبط، وتطلق شرعًا، ولفظًا: على الكفِّ، وتطلق كذلك: على الكف والذراع. وهذه الإطلاقات الثلاثة مذاهبُ للعلماء، تقدَّم نقلُها، لكن أقواها: أن المراد باليدين: الكفَّان؛ لظاهر حديث عمار؛ ولآية السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والمراد: كفّاهما إجماعًا. وقد ورد في بعض روايات حديث أبي الجهم: أَنَّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ وَجْهَهُ،

стр. 244

وذِرَاعَيْهِ"، والذي في "الصحيح": "ويَدَيْهِ". وفي هذا الحديث فوائد: منها: جواز الاجتهاد في زمن ﷺ ، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: أصحها: الجواز؛ فإن عمارًا اجتهد في صفة التيمم ﵁، والقائلون بذلك يجوزونه بحضرته -أيضًا-. والثاني: لا يجوز بحال. والثالث: يجوز في غير حضرته، ولا يجوز فيها، والله أعلم. ومنه: مراجعة العلماء في العلم والاجتهاد؛ فإن عمارًا ﵁ راجع النبي ﷺ فيما اجتهد فيه. ومنها: ذكرُ العلماء لمن راجعهم وجهَ الصواب، وتبيينه. ومنها: البيانُ بالفعل، وأَنَّه أبلغُ في التفهيم من القول. ومنها: أَنَّ التيممَ ضربةٌ واحدةٌ؛ وأنه في الوجه، والكفين، وتقدم بيانه. ومنها: جوازُ إطلاقِ القولِ على الفعل؛ بقوله ﷺ : "إنما يكفيك أن تقول بيديك". ومنها: أَنَّ الجُنُبَ، إذا لم يجدِ الماءَ، تيمم، وفي حكمه الحائض والنفساء إذا طهرتا وعدمتا الماء. وذهب عمر وابن مسعود: إلى أَنَّ الجنب لا يصلي بالتيمم، بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء، فيغتسل، وحَمَلَ قولَهُ تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ على اللمس باليد، دون الجماع. وحديث عمار هذا حجة؛ وكان عمر نسي قصة عمار، وُرويَ أَنَّ ابنَ مسعودِ رجع عن قوله، وجوزه للجنب. * * *

стр. 245

الحديث الثالث عن جابرِ بنِ عبدِ الله ﵁: أَن النبيَّ ﷺ قال: "أُعْطِيْتُ خَمْسًا، لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبياءِ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيَرةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ ليَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا؛ فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي، أَدْرَكَتْه الصَّلاةُ؛ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ ليَ الغَنَائِمُ، ولم تَحِلَّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ، وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١). أما جابر بن عبد الله؛ فتقدم ذكره قريبًا، قبل باب التيمم. وأما قوله ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا"، فهو تعديد لفضائله التي خُصَّ بها، دون سائر الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-. ثم ظاهر الحديث: أن كل واحدة من الخمس لم تكن لأحد من الأنبياء قبله، وقد يعترض على ذلك: بأن نوحًا ﷺ كان مبعوثًا إلى كل أهل الأرض بعد خروجه من الفلك. وأجيب عنه: بأنَّ ذلكَ من لزوم الوجود؛ لأنه لم يبقَ إلا من كان معه من المؤمنين؛ فكان مرسَلًا إليهم، لا لعموم أصل بعثته؛ لانحصار الخلق في الموجودين بسبب ذلك الحادث. بخلاف نبينا ﷺ ؛ فإنَّ عمومَ رسالتِه في أصلِ البعثة، وهو موجب قبولها عمومًا في الأصول والفروع. ثم تمحيض العبادة لله تعالى هو التوحيد؛ فيجوز أَنْ تكونَ الدعوةُ إليه عامةً، لكن على ألسنة أنبياء متعددة؛ ليَثْبُتَ التكليفُ به لسائرِ الخلق، وإن لم تُعُمَّ الدعوة به، بالنسبة إلى نبيٍّ واحدٍ. وقوله ﷺ : "نُصِرْتُ بالرُّعْبِ، مَسيرَةَ شَهْرٍ":

стр. 246

الرُّعْبُ: الوَجَلُ، والخَوْفُ؛ لتوقع نزول محذور. ثم هذه الخصيصة تنفي وجود الرعب لغيره ﷺ في أكثر من مسيرةِ شهرٍ، ولا ينفي أقل من ذلك، وأمَّا المساواة، فهي -أيضًا- منفية؛ لحصول الاشتراك معه ﷺ في خصوصيته وفضائله، ويجوز أن يحصل ذلك لغيره؛ من أتباعه، على سبيل التبعية له ﷺ ، لا على سبيل الأصالة؛ ككرامات الأولياء، والله أعلم. قوله ﷺ : "وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِدًا": المَسْجِدُ في الأصل: مَوْضِعُ السُّجُودِ. وهو بكسر الجيم، وفتحها، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السجود. وبالكسر: اسم للموضع المتَّخَذ مسجدًا. وحكى غير واحد من أهل اللغة: أنه يقال للمسجد: مَسْيِد -بفتح الميم، وكسر الياء المثناة تحت، بدل الجيم-. ثم يطلق في العرف: على كل مكان مبني للصلاة؛ التي فيها السجود. وكانت الأمم الماضية لا يجوز لها الصلاة إلا في الأماكن المعدَّة لها؛ من البِيَع، والكنائِس، وقيل: كانوا لا يصلون إلا في أرض تيقنوا طهارتها، وخُصت هذه بالصلاة في جميع الأرض، إلا ما تيقنا نجاسته. فأكرم الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ ، وأمته؛ بجعل الأرض كلِّها مسجدًا؛ توسعةً عليها، واستثنيت أماكن تمنع الصلاة فيها؛ لوصفٍ عرضَ لها؛ لنجاسة، أو إيهام تعظيم، أو لشغل قلب المصلي فيها؛ كالسوق، ومعاطن، تتعلق به شيء، من أحكام المساجد الشرعية. وقد يكون تسميتها مسجدًا مجازًا من المكان المبني للصلاة؛ لاشتراكهما في الصلاة فيها؛ فيكون من مجاز التشبيه بجملة الصلاة، لا بعضها؛ وهو السجود فقط. وقوله ﷺ : "وطَهورًا": الطَّهور: هو المطهِّر لغيره؛ لخصوصية التطهير بالتراب بعد الماء.

стр. 247

ولو كان الطهور هو الطاهر، لم تثبتِ الخصوصيةُ؛ فإنَّ طهارةَ الأرض عامةٌ في حق كل الأمم. وقد استدل به مَنْ جَوَّزَ التيممَ بجميع أجزاء الأرض؛ للعموم في قوله: "وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا". وأجاب من خصّ التيممَ بالتراب؛ بتخصيصه به في الحديث الآخر؛ وهو قوله ﷺ : "وجُعِلَتْ تربتُها لنا طهورًا" (١)، والخاصُّ يقضي على العام. واعترض على ذلك بوجوه: منها: أَنَّ تربةَ كلِّ مكانِ: ما فيه من تراب وغيره. ومنها: أَنَّه مفهومُ اللقب، وهو يعلق الحكم بالتربة؛ وهو ضعيف عند الأصوليين، لم يقلْ به إلا الدَّقاق. وأُجِيبَ عن هذا: بأنَّ في الحديث قرينةً زائدة على مجرد تعليق الحكم بالتربة؛ وهو الافتراق في اللفظ: بين جَعْلِ الأرضِ كلِّها مسجدًا، وجَعْلِ تربتها طهورًا؛ بمقتضى الحديثِ الآخر، والافتراقُ في السياق بالعطف يدل على الافتراق في الحكم. ومنها: أنه لو سُلِّمَ أَنَّ الحديثَ الذي خصَّ التربةَ بالطهوريَّة بمفهومه، والحديثَ الذي عمَّ الأرض بها جميع أجزائها بمنطوقه؛ وإذا تعارضت دلالةُ المفهوم التي تنفي الطهورية، عن غيرها من أجزاء الأرض، ودلالةُ المنطوق التي تقتضي طهوريَّة جميع أجزائها؛ لكان المنطوقُ مقدَّمًا على المفهوم هاهنا، والله أعلم. وقال بعض المالكية: لفظُ طَهور يستعمل لا عن حدث، ولا خبث؛ كما سُمِّيَ الصعيد طهورًا، وليس عن حدث، ولا خبث؛ فإن التيمم لا يرفع الحدث. وجعل ذلك جوابًا عن استدلال الشَّافعية على نجاسة فم الكلب، بقوله:

стр. 248

"طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكُمْ، إِذا وَلَغَ فيهِ الكلبُ؛ أن يُغْسَلَ سَبْعًا" (١)؛ فقالوا: طهورٌ؛ يستعمل إما عن حدث، أو خبث، ولا حدثَ على الإناء؛ فتعين أَنْ يكونَ عن خبث. فمنع هذا -المجيب المالكي- الحصر، وقال: إنَّ لفظَة طَهور، تستعمل في إباحة الاستعمال؛ كما في التراب؛ إذ لا يرفع الحدث كما قلناه؛ فيكون قوله: "طَهورُ إناء أحدِكم" مستعملًا في إباحة استعماله؛ كما في التيمم. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وفي هذا عندي نظر؛ فإن التيمم، وإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث، لكن الموجب عندي؛ لفعله الحدث، وفرق بين قولنا: إنَّه من حدث، وبين قولنا: إنَّه يرفع الحدث (٢). وقوله ﷺ : "فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَّاةُ، فَلْيُصلَّ": أيُّما: هذه صيغةُ عموم يدخل تحتها مَنْ لم يجد ماء، ووجدَ ترابًا، ومن لم يجد ماء، ولا ترابًا، ووجدَ غيرهما؛ من أجزاء الأرض. يستدل به على عموم التيمم بأجزائها، ومن خصَّ التيممَ بالتراب، يحتاج إلى دليل؛ يخص هذا العموم، أو يحمل الحديثَ على من لم يجد ماء، ولا ترابًا؛ فإنه يصلي على حسب حاله. ويحتمل أَنْ يكونَ العمومُ بالنسبة إلى جميع حالات الصلاة والمصلي؛ من عدم آلة الطهارة، وغير ذلك، ومما يتعلق بالصلاة، ووقتها، ومكانها. فإنه كانت الأممُ الماضية لا تصلي إلا في المساجد بوضوء؛ على المشهور من قول العلماء: في أنَّ الوضوء لم يكنْ خاصًّا بهذه الأمة، بقوله ﷺ : "هَذَا وُضُوئِي، ووُضُوءُ الأَنْبِياءِ قَبْلي" (٣)، في التثليث، ولا يخرجها عن وقتها؛ مع ضيق الوقت، وتعيينه.

стр. 249

وخُصَّتْ هذه الأمة بالتيمم بدلًا عن الوضوء، والغسل؛ فكأنه ﷺ قال: فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ على أي حال كان، وفي أي مكان، فليصلها، [وخُصَّتْ أنها بسعة الوقت، إلا في المغرب؛ على قول] (١). لكنَّ تعقيبَ الحكمِ بالفاء، في قوله ﷺ : "فأيما رجلٍ من أمتي"، عقب قوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا" يدل على أن العموم بالنسبة إلى مكان الصلاة، وطهارتها، والله أعلم. قوله ﷺ : "وأُحِلَّتْ ليَ الغَنائِمُ": لا شكَّ أنَّ الغنائمَ كانت محرمةً على الأمم الماضية، فكانوا يجمعونها، فتأتي نار من السماء، فتأكلها، فأحلها الله تعالى لهذه الأمة؛ إكرامًا لها لضعفها، بسبب نبيها ﷺ . ثم إِنَّ المرادَ بإحلالها له ﷺ : تصرُّفُه فيها، بقسمتها لنفقته ولمن يشاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ويُحْتَملُ أَنَّ المراد به: بعضُ الغنائم؛ كما في بعض الأحاديث: "وأُحِلَّ لنا الخُمسُ" رواه أبو حاتم بنُ حِبَّان في "صحيحه" (٢). والغنائم: ما يؤخذ من الكفار؛ بإيجافِ الخيلِ والرِّكاب بقتال، والله أعلم. قوله ﷺ : "وأعْطِيْتُ الشَّفَاعةَ": الألف واللام تكون للعهد؛ كما في قوله ﷺ : "وأُعطيتُ الشفاعةَ"، وقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]. وتكون للعموم؛ كقوله ﷺ : "المسلمونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ" (٣).

стр. 250

وقد تكونُ لتعريفِ الحقيقة؛ كقولهم: الرجلُ خيرٌ من المرأة، والفرسُ خيرٌ من الحمار. ولا شكَّ أَنَّ رسولَ الله ﷺ له شفاعة عامة؛ وهي: التي تكون في المحشر، يفزع إليه الخلائقُ بسببها ﷺ ؛ في إراحتهم من طول القيام بتعجيل حسابهم، وهذه خاصة به ﷺ ، لا خلاف فيها، ولا تنكرها المعتزلة؛ فعلى هذا تكون الألف واللام في الشفاعة للعهد. قال القاضي عياض: وقيل: المراد بالشفاعة: شفاعةٌ لا تُرَدُّ، قال: وقد تكون شفاعته المذكورة في الحديث لخروج مَنْ في قلبه مثقالُ ذرة من إيمان من النار؛ لأن الشفاعة لغيره إنما جاءت قبل هذا، وهذه مختصة به؛ كشفاعة المحشر (١). واعلم أن شفاعاته الأخروية خمسٌ: إحداها: هي العظمى التي يحمَدُه عليها الأوَّلون والآخرون؛ وهي خاصة به؛ كما ذكرنا. الثانية: الشفاعةُ في إدخالِ قومٍ الجنةَ بغير حساب ولا عقاب؛ وهذه أيضًا ثابتة له ﷺ ، قال شيخنا أبو الفتح القاضي- رحمه الله تعالى-: ولا أعلم الاختصاص فيها، أو عدمه (٢). الثالثة: الشفاعة لقوم قد استوجبوا النار؛ فيشفع في عدم دخولهم النار؛ وهذه غير مختصة. الرابعة: فيمن يدخل النار من المذنبين؛ فيشفع في خروجهم منها، وقد صح فيها: عدم الاختصاص؛ من شفاعة الأنبياء، والملائكة، والإخوان من
следующие страницы →