← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الرُّعْبُ: الوَجَلُ، والخَوْفُ؛ لتوقع نزول محذور. ثم هذه الخصيصة تنفي وجود الرعب لغيره ﷺ في أكثر من مسيرةِ شهرٍ، ولا ينفي أقل من ذلك، وأمَّا المساواة، فهي -أيضًا- منفية؛ لحصول الاشتراك معه ﷺ في خصوصيته وفضائله، ويجوز أن يحصل ذلك لغيره؛ من أتباعه، على سبيل التبعية له ﷺ ، لا على سبيل الأصالة؛ ككرامات الأولياء، والله أعلم. قوله ﷺ : "وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِدًا": المَسْجِدُ في الأصل: مَوْضِعُ السُّجُودِ. وهو بكسر الجيم، وفتحها، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السجود. وبالكسر: اسم للموضع المتَّخَذ مسجدًا. وحكى غير واحد من أهل اللغة: أنه يقال للمسجد: مَسْيِد -بفتح الميم، وكسر الياء المثناة تحت، بدل الجيم-. ثم يطلق في العرف: على كل مكان مبني للصلاة؛ التي فيها السجود. وكانت الأمم الماضية لا يجوز لها الصلاة إلا في الأماكن المعدَّة لها؛ من البِيَع، والكنائِس، وقيل: كانوا لا يصلون إلا في أرض تيقنوا طهارتها، وخُصت هذه بالصلاة في جميع الأرض، إلا ما تيقنا نجاسته. فأكرم الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ ، وأمته؛ بجعل الأرض كلِّها مسجدًا؛ توسعةً عليها، واستثنيت أماكن تمنع الصلاة فيها؛ لوصفٍ عرضَ لها؛ لنجاسة، أو إيهام تعظيم، أو لشغل قلب المصلي فيها؛ كالسوق، ومعاطن، تتعلق به شيء، من أحكام المساجد الشرعية. وقد يكون تسميتها مسجدًا مجازًا من المكان المبني للصلاة؛ لاشتراكهما في الصلاة فيها؛ فيكون من مجاز التشبيه بجملة الصلاة، لا بعضها؛ وهو السجود فقط. وقوله ﷺ : "وطَهورًا": الطَّهور: هو المطهِّر لغيره؛ لخصوصية التطهير بالتراب بعد الماء.

стр. 247

ولو كان الطهور هو الطاهر، لم تثبتِ الخصوصيةُ؛ فإنَّ طهارةَ الأرض عامةٌ في حق كل الأمم. وقد استدل به مَنْ جَوَّزَ التيممَ بجميع أجزاء الأرض؛ للعموم في قوله: "وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهورًا". وأجاب من خصّ التيممَ بالتراب؛ بتخصيصه به في الحديث الآخر؛ وهو قوله ﷺ : "وجُعِلَتْ تربتُها لنا طهورًا" (١)، والخاصُّ يقضي على العام. واعترض على ذلك بوجوه: منها: أَنَّ تربةَ كلِّ مكانِ: ما فيه من تراب وغيره. ومنها: أَنَّه مفهومُ اللقب، وهو يعلق الحكم بالتربة؛ وهو ضعيف عند الأصوليين، لم يقلْ به إلا الدَّقاق. وأُجِيبَ عن هذا: بأنَّ في الحديث قرينةً زائدة على مجرد تعليق الحكم بالتربة؛ وهو الافتراق في اللفظ: بين جَعْلِ الأرضِ كلِّها مسجدًا، وجَعْلِ تربتها طهورًا؛ بمقتضى الحديثِ الآخر، والافتراقُ في السياق بالعطف يدل على الافتراق في الحكم. ومنها: أنه لو سُلِّمَ أَنَّ الحديثَ الذي خصَّ التربةَ بالطهوريَّة بمفهومه، والحديثَ الذي عمَّ الأرض بها جميع أجزائها بمنطوقه؛ وإذا تعارضت دلالةُ المفهوم التي تنفي الطهورية، عن غيرها من أجزاء الأرض، ودلالةُ المنطوق التي تقتضي طهوريَّة جميع أجزائها؛ لكان المنطوقُ مقدَّمًا على المفهوم هاهنا، والله أعلم. وقال بعض المالكية: لفظُ طَهور يستعمل لا عن حدث، ولا خبث؛ كما سُمِّيَ الصعيد طهورًا، وليس عن حدث، ولا خبث؛ فإن التيمم لا يرفع الحدث. وجعل ذلك جوابًا عن استدلال الشَّافعية على نجاسة فم الكلب، بقوله:

стр. 248

"طَهُورُ إِناءِ أَحَدِكُمْ، إِذا وَلَغَ فيهِ الكلبُ؛ أن يُغْسَلَ سَبْعًا" (١)؛ فقالوا: طهورٌ؛ يستعمل إما عن حدث، أو خبث، ولا حدثَ على الإناء؛ فتعين أَنْ يكونَ عن خبث. فمنع هذا -المجيب المالكي- الحصر، وقال: إنَّ لفظَة طَهور، تستعمل في إباحة الاستعمال؛ كما في التراب؛ إذ لا يرفع الحدث كما قلناه؛ فيكون قوله: "طَهورُ إناء أحدِكم" مستعملًا في إباحة استعماله؛ كما في التيمم. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وفي هذا عندي نظر؛ فإن التيمم، وإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث، لكن الموجب عندي؛ لفعله الحدث، وفرق بين قولنا: إنَّه من حدث، وبين قولنا: إنَّه يرفع الحدث (٢). وقوله ﷺ : "فَأَيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَّاةُ، فَلْيُصلَّ": أيُّما: هذه صيغةُ عموم يدخل تحتها مَنْ لم يجد ماء، ووجدَ ترابًا، ومن لم يجد ماء، ولا ترابًا، ووجدَ غيرهما؛ من أجزاء الأرض. يستدل به على عموم التيمم بأجزائها، ومن خصَّ التيممَ بالتراب، يحتاج إلى دليل؛ يخص هذا العموم، أو يحمل الحديثَ على من لم يجد ماء، ولا ترابًا؛ فإنه يصلي على حسب حاله. ويحتمل أَنْ يكونَ العمومُ بالنسبة إلى جميع حالات الصلاة والمصلي؛ من عدم آلة الطهارة، وغير ذلك، ومما يتعلق بالصلاة، ووقتها، ومكانها. فإنه كانت الأممُ الماضية لا تصلي إلا في المساجد بوضوء؛ على المشهور من قول العلماء: في أنَّ الوضوء لم يكنْ خاصًّا بهذه الأمة، بقوله ﷺ : "هَذَا وُضُوئِي، ووُضُوءُ الأَنْبِياءِ قَبْلي" (٣)، في التثليث، ولا يخرجها عن وقتها؛ مع ضيق الوقت، وتعيينه.

стр. 249

وخُصَّتْ هذه الأمة بالتيمم بدلًا عن الوضوء، والغسل؛ فكأنه ﷺ قال: فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة؛ على أي حال كان، وفي أي مكان، فليصلها، [وخُصَّتْ أنها بسعة الوقت، إلا في المغرب؛ على قول] (١). لكنَّ تعقيبَ الحكمِ بالفاء، في قوله ﷺ : "فأيما رجلٍ من أمتي"، عقب قوله: "جُعلت لي الأرض مسجدًا، وطهورًا" يدل على أن العموم بالنسبة إلى مكان الصلاة، وطهارتها، والله أعلم. قوله ﷺ : "وأُحِلَّتْ ليَ الغَنائِمُ": لا شكَّ أنَّ الغنائمَ كانت محرمةً على الأمم الماضية، فكانوا يجمعونها، فتأتي نار من السماء، فتأكلها، فأحلها الله تعالى لهذه الأمة؛ إكرامًا لها لضعفها، بسبب نبيها ﷺ . ثم إِنَّ المرادَ بإحلالها له ﷺ : تصرُّفُه فيها، بقسمتها لنفقته ولمن يشاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. ويُحْتَملُ أَنَّ المراد به: بعضُ الغنائم؛ كما في بعض الأحاديث: "وأُحِلَّ لنا الخُمسُ" رواه أبو حاتم بنُ حِبَّان في "صحيحه" (٢). والغنائم: ما يؤخذ من الكفار؛ بإيجافِ الخيلِ والرِّكاب بقتال، والله أعلم. قوله ﷺ : "وأعْطِيْتُ الشَّفَاعةَ": الألف واللام تكون للعهد؛ كما في قوله ﷺ : "وأُعطيتُ الشفاعةَ"، وقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]. وتكون للعموم؛ كقوله ﷺ : "المسلمونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهُمْ" (٣).

стр. 250

وقد تكونُ لتعريفِ الحقيقة؛ كقولهم: الرجلُ خيرٌ من المرأة، والفرسُ خيرٌ من الحمار. ولا شكَّ أَنَّ رسولَ الله ﷺ له شفاعة عامة؛ وهي: التي تكون في المحشر، يفزع إليه الخلائقُ بسببها ﷺ ؛ في إراحتهم من طول القيام بتعجيل حسابهم، وهذه خاصة به ﷺ ، لا خلاف فيها، ولا تنكرها المعتزلة؛ فعلى هذا تكون الألف واللام في الشفاعة للعهد. قال القاضي عياض: وقيل: المراد بالشفاعة: شفاعةٌ لا تُرَدُّ، قال: وقد تكون شفاعته المذكورة في الحديث لخروج مَنْ في قلبه مثقالُ ذرة من إيمان من النار؛ لأن الشفاعة لغيره إنما جاءت قبل هذا، وهذه مختصة به؛ كشفاعة المحشر (١). واعلم أن شفاعاته الأخروية خمسٌ: إحداها: هي العظمى التي يحمَدُه عليها الأوَّلون والآخرون؛ وهي خاصة به؛ كما ذكرنا. الثانية: الشفاعةُ في إدخالِ قومٍ الجنةَ بغير حساب ولا عقاب؛ وهذه أيضًا ثابتة له ﷺ ، قال شيخنا أبو الفتح القاضي- رحمه الله تعالى-: ولا أعلم الاختصاص فيها، أو عدمه (٢). الثالثة: الشفاعة لقوم قد استوجبوا النار؛ فيشفع في عدم دخولهم النار؛ وهذه غير مختصة. الرابعة: فيمن يدخل النار من المذنبين؛ فيشفع في خروجهم منها، وقد صح فيها: عدم الاختصاص؛ من شفاعة الأنبياء، والملائكة، والإخوان من

стр. 251

المؤمنين، ثم يخرج الله كلَّ مَنْ قال: لا إله إلا الله؛ كما جاء في الحديث، لا يبقى فيها إلا الكافرون. الخامس: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها؛ وهذه لا تنكرها المعتزلة. فيلخص أَنَّ الشفاعةَ: معلومةُ الاختصاصِ به ﷺ ، ومعلومة عدم الاختصاص، ومحتملة الوجهين؛ فلا يكون الألف واللام للعموم. فإن كان قد صدر منه ﷺ الإعلام بالأول للصحابة؛ فالألف واللام للعهد. وإن لم يتقدم ذلك على هذا الحديث؛ فليجعل الألف واللام لتعريف الحقيقة، وينزل على الشفاعة العظمى؛ لأنه كالمطلق حينئذٍ، فيكتفى بتنزيله على فرد. وليس لك أن تقول: لا حاجةَ إلى هذا التكلُّف؛ فإنه ليس في الحديث إلا قوله: "أُعْطِيتُ الشفاعةَ"، وكل الأقسام قد أعطيها ﷺ ؛ فيحمل اللفظ على العموم. لأَنَّا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها ﷺ ؛ فلفظُها -وإن كان مطلقًا- إلا أن ما سبق في صدر هذا الكلام يدل على الخصوصية. ثم اعلم أنه: لا شك أنه قَدْ عُرِفَ بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح ﵃ شفاعةَ نبينا ﷺ ، ورغبتُهم فيها. وعلى هذا لا يُلتفت إلى قول من قال: يكره أن يسأل الله تعالى أَنْ يرزقَه شفاعةَ النبيِّ ﷺ ؛ لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ فإنها قد تكون -كما قدمنا- لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات. ثَمَّ كلُّ عاقلٍ معترف بالتقصير؛ محتاجٌ إلى العفو، غيرُ معتقد في عمله، مشفقٌ أَنْ يكون من الهالكين؛ ويلزم هذا القائل ألا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب؛ وهذا كله خلاف ما عُرف من دعاء السلف، والخلف، والله أعلم.

стр. 252

ثم اعلم أن كيفية شفاعته ﷺ : أنه يشفع أولًا في إراحة الخلق من الموقف، والفصل بين العباد، وهذا هو المقامُ المحمودُ الذي ادَّخره الله تعالى له، وأعلمه أنه يبعثه فيه. ثم بعد ذلك حلَّت الشفاعة في أمته ﷺ ، وفي المذنبين، وحلت شفاعة الأنبياء، والملائكة، وغيرهم -صلوات الله وسلامه عليهم-. ثم تمييز المؤمنين من المنافقين، ثم حلول الشفاعة، ووضع الصراط، وهذه شفاعة في المؤمنين المذنبين على الصراط؛ وهي لنبينا ﷺ ، ولغيره. ثم الشفاعة فيمن دخل النار، وهذا مما تقتضيه مجموع الأحاديث، والله أعلم. قوله ﷺ : "وكانَ النبيُّ يُبعثُ إلى قومِه، وبُعثتُ إلى الناسِ كافَّةً": تقدم الكلام على نوح ﷺ ، والاعتراض به على هذا في كونه بعث إلى أهل الأرض، والجواب عنه. وفي هذه الرواية: أنه ﷺ بُعِثَ إلى الناس كافة، وهي تقتضي: تخصيص البعثة إلى الناس، دونَ غيرهم، وليس الأمر كذلك؛ فإنه ﷺ ذكر ذلك في معرض امتنان الله تعالى عليه، لكنه لا تُنفَى زيادةُ الامتنان ببعثَتِه إلى غيرهم؛ فإنه ﷺ بعث إلى الأبيض والأسود. وروى مسلم في "صحيحه": أنه ﷺ قال: "وبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ" (١). قيل: المراد بالأحمر: البيضُ من العجم، وغيرِهم، وبالأسودِ: العربُ؛ لغلبة السُّمرة فيهم، وغيرهم منَ السودان. وقيل: المراد بالأسود: السودان، وبالأحمر: من عداهم من العرب، وغيرهم.

стр. 253

وقيل: الأحمرُ: الإنس، والأسودُ: الجنُّ، ولا شك أنه ﷺ بُعِثَ إلى الجن، والإنس. ثمَّ إنه ﷺ خُصَّ بهذه الخمسة، وغيرِها؛ من جوامع الكلم، ومفاتيح خزائن الأرض، والآيات من خواتيم سورة البقرة. وجوامعُ كلمهِ ﷺ هي: القرآن، وكلامُه ﷺ ؛ فإنَ كلًّا منهما ألفاظُهُ يسيرةٌ، ومعانيه كثيرةٌ، والله أعلم. وفي هذا الحديث: جواز ذكر ما امتنَّ الله به على عبدِه، وخصَّه به، وعدمُ كتمانه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. وفيه دليل على: جواز الصلاة في جميع البقاع، إلا ما استثناه الشرع؛ من المقبرة، والمزبلة، والمجزرة، وسائر المواضع النجسة، ومواضع الشياطين. وفيه دليل على: أَنَّ الأصلَ في الأرض الطهارةُ. وعلى: تحليل الغنائم بشرطها. وجواز ذكر العلم من غير سؤال، خصوصًا عند الاحتياج إليه. والتعريف بنعم الله تعالى، وعدم الجهل، والله أعلم. وقد يستدل به على: أنَّ رسولَ الله ﷺ أفضلُ الأنبياءِ، وأنه ﷺ فُضِّلَ بأشياءَ على غيره منهم؛ وذلك دليل على أفضليتِه، والله أعلم. ولا شكَّ أنه: يعرف فضل المتبوع بفضل التابعين -أيضًا-؛ فكما أنه ﷺ أفضلُ الأنبياء، فكذلك أمته خيرُ الأمم، وقد ثبتَ: أنه ﷺ قال: "أهلُ الجنَّةِ عشرونَ ومِئَةُ صَفٍّ، أَنْتُمْ ثَمانونَ" (١)، والله أعلم. * * *

стр. 254

باب الحَيْض الحديث الأول عن عائشةَ ﵂: أَن فاطمةَ بِنْتَ أَبي حُبَيْشٍ سَأَلَتْ النبيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ، فلا أَطْهُرُ، أفَأَدعُ الصَّلَّاةَ؟ قالَ: "لا" إِنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ؛ وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَّاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيها، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وصَلِّي (١). وفي رواية: "وَلَيْسَ بالحَيْضَة، فَإذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ؛ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُها؛ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ، وصَلِّي" (٢). أما عائشة: فتقدم ذكرها. وأما فاطمة بنت أبي حبيش: فاسمُ أبيها: قيسُ بنُ المطلب بنِ أسدِ بنِ عبدِ العزَّى بنِ قُصَيٍّ، القرشيةُ، الأسديةُ، وهي غير فاطمةَ بنتِ قيسٍ؛ التي روت قصةَ طلاقها، ولا نعرف لهذه المذكورة في هذا الحديث رواية غيرَ حديث الاستحاضة هذا. وحُبَيش: بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، ثم الياء المثناة تحت، ثم الشين المعجمة، وله في الأسماء مشابهُ خمسة، ذكرها ابن ماكولا (٣).

стр. 255

ووقع في "صحيح مسلم"، في أكثر النسخ: فاطمة بنت أبي حُبيش بن عبد المطلب؛ وهو وهم، والصواب: ما ذكرناه، بحذف لفظة عبد (١). وأمَّا لفظه: فالحَيْضُ، والاسْتِحَاضَةُ؛ أصله: السيلان؛ فالحائض تسمى حائضًا عند سيلان الدم منها، والاستحاضة عند سيلانه مستمرًا. يقال: حَاضَتِ المرأةُ، تَحِيضُ، حَيْضًا، ومَحِيضًا ومحاضًا؛ فهي حَائِضٌ: إذا سال الدم منها، في نُوَبٍ معلومة معتادة، وإذا سال في غير نوبه؛ قيل: استُحيضت، وهي مُستحاضة، والاسم الاستحاضة. وللحيض ستةُ أسماءٍ: الحيضُ، والطمْثُ، والضحك، والعراك، والإكبارُ، والإعصارُ. وهو دمٌ يُرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة، يخرج من قعر الرحم، والاستحاضة في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم، ويسمى: العاذل -بالذال المعجمة مكسورة-، وجعل ابن عرفة المحيض والحيض من ذوات الواو، قال: هو اجتماع الدم إلى ذلك المكان، ومنه تسمى الحوض؛ لاجتماع الماء فيه، وهو خطأ لفظًا ومعنى، أما لفظه، فجعله إياه من ذات الواو؛ وهو من ذوات الياء (٢). وأما معنى: فلكونه جعله من الاجتماع؛ وهو اجتماع الدم في فرجها، لا من

стр. 256

السيلان؛ إما دائمًا، أو في أوقات؛ كما ذكرنا، لكنه يمكن أن يطلق عليهما من حيث المعنى لفظ الاجتماع في بعض الأحوال. وقولها: "أُسْتَحَاضُ"؛ وهو مبني للمفعول، ولم يبن للفاعل؛ كما في قولهم: نُفِسَت المرأة، نُتِجَت الناقة، والكلمة من الحيض كما تقدم لفظها، ومعناها، والزوائد التي لحقتها للمبالغة؛ كما يقال: أعشبَ المكانُ، ثم يبالغ، فيقال: اعشَوْشَبَ، وكثيرًا ما تجيء الزوائد لهذا المعنى. وقولها: "فلا أَطْهُرُ"؛ يحتمل أن مرادها: نفي الطهارة اللغوية؛ وهي النظافة، وكَنَّتْ بذلك على عدم النظافة من الدم؛ لأنها لم تكن عالمةً بالحكم الشرعي، ولا هي مستعملة للمطهِّر في ذلك الوقت، بل جاءت سائلة عنه؛ فتعين حملُه على الوضع اللغوي. ثم حقيقته: استمرار الدم؛ وعليه حمله بعضُهم، ويمكن حملُه على: المبالغة، ومجاز العرب، وكثرة تواليه، وقرب بعضه من بعض. ولا شكَّ أن الطهارةَ تطلق بإزاء النظافة؛ كما ذكرنا. وتطلق بإزاء استعمال المطهِّر، فيقال: الوضوء طهارة صغرى، والغسل طهارة كبرى. وتطلق على الأمر المرتب على استعمال المطهِّر شرعًا؛ فيقال لمن ارتفع مانع الحدث عنه: هو على طهارة، ولمن لم يرتفع عنه المانع: هو على غير طهارة. وقولها: "أَفَأَدعُ الصَّلاةَ؟ "؛ هو سؤالٌ عن استمرار حكم الحيض حالةَ دوامِ الدم، أو عدمه، ممن تقرر عنده أَنَّ الحائضَ ممنوعةٌ من الصلاة. قوله ﷺ : "لا، إِنَّ ذلكَ عِرْقٌ"؛ عرق -بكسر العين، وسكون الراء- وهو المسمى: بالعاذِل؛ كما تقدم. وظاهره: انبثاق الدم من العِرْق، وقد جاء في الحديث: "عِرْقٌ انفجرَ" (١).

стр. 257

ويحتمل أَنْ يكونَ: من مجاز التشبيه؛ إِنْ كانَت سببُ الاستحاضة كثرةٌ مادة الدم، وخروجه من مجاري الحيض المعتادة. قوله ﷺ : "دَعِي الصَّلاة قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتي كنتِ تَحيضِينَ فيها": دل بلفظه على أن هذه المرأة كانت معتادة؛ وهذا يقتضي: أنها كانت لها أيام تحيض فيها. وليس في لفظ الحديث ما يدل أنها كانت مميزة، أو غير مميزة، فقد يستدل به من يرى الرد إلى أيام العادة؛ سواء كانت مميزة، أو غير مميزة؛ وهو اختيار أبي حنيفة، وأحدُ قولي الشَّافعي. ولا شكَّ أَنَّ المستحاضة تكون مبتدأةً، أو معتادةً، وكلُّ واحدةٍ منهما تكون مميزة، وغير مميزة؛ فتصير أربعة. والتمسك بهذا الحديث على ردِّها إلى العادة؛ سواءٌ كانت مميزة، أو غير مميزة، ينبني على قاعدة أصولية؛ وهي منقولةٌ عن الشَّافعي ﵀: تركُ الاستفصال في حكاية الحال ينزلُ منزلةَ العموم في المقال؛ كقوله ﷺ لفيروز، وقد أسلم على أختين: "اِخْتَرْ أَيَّهمَا شِئْتَ" (١)، ولم يستفصله، هل وقع العقد عليهما مرتبًا، أو متفاوتًا؟ وكذا نقول هاهنا، لما سألت هذه المرأة عن حكمها في الاستحاضة، ولم يستفصلها ﷺ عن كونها مميزة، أو غير مميزة؛ كان دليلًا على أَنَّ الحكمَ عامٌّ في المميزة، وغيرها؛ كما قالوا في قصة فيروز، والذي يقال عليه؛ من أن النبيَّ ﷺ يجوز أَنْ يكونَ عَلِمَ حالَ الواقعة كيف وقعت، وأجاب على ما علم؛ يقال هاهنا: يجوز أن يكون علم حال الواقعة في التمييز، وعدمه. وقوله في رواية: "لَيْسَ بالحِيضَةِ"؛ هي بكسر الحاء؛ أي: الحالة؛ وهو مذهب الخطابي.

стр. 258

والأظهر فتحُها؛ أي: المرَّةُ من الحيض، ونقله الخطابي عن أكثر المحدِّثين، أو كلِّهم؛ وهو في هذا الحديث متعيِّنُ، أو قريب منه؛ لاقتضاء المعنى إياه؛ فإنه ﷺ أراد نفي الحيض، وإثبات الاستحاضة. وأما ما يقع في كثير من كتب الفقه: "إِئما ذَلِكَ عِرْقٌ انقطع، أو انفجرَ، وليسَ بالحيضةِ"؛ فهي زيادة لا تُعرف في الحديث، وإن كان لها معنى. وقوله: "فَإذا أَقْبَلَتِ الحيضةُ، فَدَعي الصَّلاةَ": في الحيضة -هنا- الوجهان؛ في فتح الحاء، وكسرها جوازًا حسنًا. وهو تعليق الحكم بالإقبال، والإدبار؛ فلا بد أَنْ يكونَ معلومًا للحيضة، بعلامة تعرفها: فإن كانت مميزة، ورُدَّتْ إلى التمييز؛ فإقبالها: بدوُّ الدم الأسود، وإدبارُها: إدبارُ ما هو بصفة الحيض، وإن كانت معتادة، ورُدَّتْ إلى العادة؛ فإقبالها: وجودُ الدم في أولِ أيامِ العادة، وإدبارُها: انقضاءُ أيام العادة. وقد ورد في حديث فاطمةَ بنتِ أبي حُبيش ما يقتضي الردَّ إلى التمييز، وقالوا: إنَّ حديثَها هذا في المميزة، وحُمل قولُه: "فإذا أقبلتِ الحيضةُ" على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم المعتاد. وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز، الروايةُ التي فيها: "دمُ الحيضِ أسودُ يُعْرفُ؛ فإذا كانَ ذلكَ، فَأَمْسِكي عن الصلاة" (١). وقد يشير إلى الردِّ إلى العادة في هذا الحديث: قوله ﷺ : "فَإذا ذهبَ قَدْرُها"؛ يعني: قدرُ أيامِها، وصَحَّفَ بعض الطلبة هذه اللفظةَ، فقال: "فإذا ذَهب قَذَرُها؛ -بالذال المعجمة المفتوحة-، وإنما هو: قَدْرُها -بالدال المهملة الساكنة-؛ أي: قَدْرُ وقتِها.

стр. 259

وقوله ﷺ : "فاغْسِلي عنكِ الدمَ، وصلِّي": هذا الحديث مشكل في ظاهره؛ حيثُ لم يذكر الغسلَ، ولا بدَّ بعد انقضاء الحيض من الغسل. وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار: انقضاء أيام الحيض؛ فالاغتسال .... ، وجعل قوله: "فاغسلي عنكِ الدمَ" محمولًا على دم يأتي بعد الغسل. والجواب الصحيح: أَنَّ الغُسلَ إِنْ لم يُذكرْ في هذه الرواية، فقد ذُكِرَ في رواية أخرى صحيحة قال فيها: "واغتسلي". وأما أحكامه: ففيه دليل على: أن المستحاضة لا تصلي إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض؛ وهو مجمع عليه، ولم يخالف فيه الخوارج. وفيه: استفتاء من وقعت له مسألة، وجواز استفتاء المرأة بنفسها، ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة، وأحداث النساء، وجواز استماع صوتها عند الحاجة. وفيه: النهيُ لها عن الصلاة في زمن الحيض؛ وهو نهي تحريم، ويقتضي فساد الصلاة بإجماع المسلمين، وسواء في هذه الصلاة المفروضة، والنافلة؛ لظاهر الحديث؛ وكذلك يحرم عليها: الطواف، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وكل هذا متفق عليه. وقد أجمع العلماء على: أنها ليست مكلفة بالصلاة، وعلى أَنَّه لا قضاءَ عليها، نعم، استحب بعضُ السلف، وبعض أصحاب الشَّافعي للحائض إذا دخل وقت الصلاة: أَنْ تتوضَّأ، وتستقبلَ القبلة، وتذكرَ الله تعالى، وأنكر ذلك بعضهم. وفيه دليل على: نجاسةِ دم الحيض، والأمر بإزالته، وأنَّ الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض. واعلم: أن المستحاضة لها حكم الطاهرات في معظم الأحكام؛ فيجوز

стр. 260

لزوجها وطؤها في حال جريان الدم عند الشَّافعي، وجمهورِ العلماء، وبه قال ابن المنذر، وحكاه في "الإشراف" (١)؛ عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. ورُوِيَ عن عائشة أنها قالت: لا يأتيها زوجها (٢)؛ وبه قال النخعي، والحَكَم، وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها، إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه: أنه لا يجوز وطؤها، إلا أن يخاف العَنَتَ، والمختار: قولُ الجمهور. روى عكرمة عن حمنة بنتِ جَحْش ﵂: أنها كانت مستحاضةً، وكان زوجُها يجامعها، رويناه في سنن أبي داود، والبيهقي، وغيرهما بهذا اللفظ بإسناد حسن (٣). وقال البخاري في "صحيحه": قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاةُ أعظم (٤)، ولأن المستحاضة؛ كالطاهرة في الصلاة، والصوم؛ وكذا في الجماع؛ ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد بتحريمه. وأما الصلاة، والصيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، وحمله، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ووجوب العبادات عليها؛ فهي [في] كل ذلك كالطاهر؛ وهذا مجمع عليه. وإذا أرادت المستحاضة الصلاة؛ فإنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث

стр. 261

والنجس؛ فتغسل فرجها قبل الوضوء، أو التيمم إن كانت تتيمم، وتحشو فرجَها بقطنة أو خرقة؛ دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها. فإن كان دمها قليلًا، يندفع بذلك وحده؛ فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع بذلك؛ سدت مع ذلك على فرجها، وتَلَجَّمَتْ؛ وهو أن تشدَّ على وسطها خِرْقة أخرى مشقوقةَ الطرفين، فتدخِلُها بين فَخِذيها، وإِليتيها، وتشدُّ الطرفين بالخرقة التي في وسطها، إحداهما: قدامها عند سُرَّتها، والأخرى: خلفَها، وتُحكِمُ ذلك، وتُلصق هذه الخرقةَ بين الفخذين بالقطنة التي على الفرج إلصاقًا جيدًا؛ وهذا الفعل يسمى: تلجُّمًا، واستثفارًا، وتعصيبًا. قال أصحابنا: وهذا الشد، والتلجُّم واجب، إلا في موضعين: أحدهما: أن تتأذى بالشدِّ، ويحرقَها اجتماعُ الدم؛ فلا يلزمُها؛ لما فيه من الضرر. والثاني: أن تكون صائمةً؛ فتترك الحشوَ بالنهار، وتقتصرُ على الشدِّ. قالوا: ويجب تقديم الشدِّ والتلجُّم على الوضوء، وتتوضأ عقب الشد من غير إمهال، فإن شدت، وتلجمت، وأخرت الوضوء، وتطاول الزمان؛ ففي صحة وضوئها وجهان: الأصح: أنه لا يصح. وإذا استوثقت بالشد على الصفة التي ذكرناها، ثم خرج منه دم من غير تفريط: لم تبطلْ طهارتُها، ولا صلاتُها، ولها أَنْ تصليَ بعد فرضها ما تشاء من النوافل؛ لعدم تفريطها، ولتعذر الاحتراز عن ذلك. أما إذا خرج الدم؛ لتقصيرها في الشد، وزالت العصابة عن موضعها؛ لضعف الشد، فزاد خروجُ الدم بسببه؛ فإنه يبطل طهرُها، فإن كان ذلك في أثناءِ صلاةٍ، بطلت، وإن كان بعد فريضة، لم تستبح النافلة؛ لتقصيرها. وأما تجديد غسل الفرج، وحشوه، وشده لكل فريضة: فتنظر؛ إن زالت العصابة عن موضعها زوالًا له تأثيرٌ، وظهر الدم على جوانب العصابة، وجب التجديد.

стр. 262

وإن لم تزل العصابة عن موضعها، ولا ظهر الدم؛ ففيه وجهان لأصحابنا: أصحُّهما: يجب التجديد؛ كما يجب تجديد الوضوء، والله أعلم. وتتعلق بالمستحاضة أحكام وفروع تحتمل كراريس، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عائشةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ حبيبةَ ﵂ استُحِيضَتْ سَبْعَ سِنينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاَةٍ (١). أما عائشة ﵂؛ فتقدمت. وأما أمُّ حبيبة هذه؛ فيقال فيها: أُمُّ حبيب، بلا هاءٍ، قال الدارقطني: قال إبراهيم الحربي: هو الصحيح، قال الدارقطني: وقول الحربي هو الصحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن، واسمها: حبيبة. قال الحميدي عن سفيان، وصححه أبو علي الغساني، وجعل ابن الأثير: أن أم حبيبة فيها أكثر، وأنها كانت مستحاضة، قال: وأهلُ السيرِ يقولون: المستحاضة أختها؛ حَمْنَةُ بنتُ جحش، قال ابن عبد البر: الصحيح؛ أنهما كانتا مُستحاضتين. وهي: أم حبيبة بنت جحش بن رباب الأسدي (٢).

стр. 263

قال الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري ﵀: المستحاضات على عهد رسول الله ﷺ ، خمس: الأولى: حَمْنة بنتُ جحش، أختُ زينبَ بنتِ جحش زوجِ رسول الله ﷺ . الثانية: أختُها أم حبيبة، ويقال: أم حبيب، بغير هاءٍ. الثالثة: فاطمةُ بنتُ أبي حُبيش، القرشيةُ، الأسديةُ. الرابعة: سَهْلَةُ بنتُ سُهيل، القرشيةُ، العامريةُ. الخامسة: سَودة بنت زمعة، زوجُ رسول الله ﷺ . وقد ذكر بعضهم: أن زينب بنت جحش استحيضت، والمشهور: خِلافُه؛ وإنما المستحاضة أختاها، والله أعلم (١). وهذا الحديث وقع في نسخ هذا الكتاب: "فأمرَها أَنْ تغتسلَ لكلِّ صلاة"، وليس في "الصحيحين"، ولا أحدهما: أن النبي ﷺ أمرها بذلك. ولا شكَّ أَنَّه قد وردَ الأمرُ بالغسل لكل صلاة خارج الصحيح من رواية ابن إسحاق، وغيره، بروايات كثيرة، وليس فيها شيء ثابت، وقد ضعفها كلها البيهقي، ومن قوله: والذي صح في هذا: ما رواه البخاري، ومسلم في "صحيحيهما": أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما ذلك عرق، فاغتسلي"، فكانت تغتسل عند كل صلاة. قال الشَّافعيُّ ﵀: إنما أمرها رسول الله ﷺ أن تغتسلَ، وتصليَ، وليس فيه: أنه أمرها بالغُسل لكل صلاة، قال: ولا شك -إن شاء الله تعالى-: أَنَّ غُسلَها كان تطوعًا، غير ما أُمِرَت به؛ وذلك واسع لها؛ هذا كلام الشَّافعيِّ بلفظه (٢)، وقاله قبله -بعبارة مقاربة لمعنى قوله- سفيانُ بنُ عيينةَ شيخُه، والليثُ بن سعد، والله أعلم. وحمل بعضهم معنى حديث الكتاب؛ بالأمر بالغسل لكل صلاة: على

стр. 264

مستحاضة ناسيةِ التوقيت، والعدد؛ يجوز في مثلها: أَنْ ينقطعَ الدمُ عنها في وقت كل صلاة. وقد اختلف العلماء من السلف، والخلف في وجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة، فقال الجمهور من السلف والخلف: لا يجب الغسلُ عليها لشيء من الصلوات، ولا في وقت من الأوقات، إلا مرةً واحدة في وقتِ انقطاعِ حيضها؛ وهو مرويٌّ عن عليٍّ، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃؛ وهو قول عروةَ بنِ الزبير، وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمن، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ. ورُوي عن ابنِ عمرَ، وابن الزبير، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ: أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة. ورُوي عن عائشةَ: أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلًا واحدًا. وعن المسيب، والحسن، قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر، دائمًا، والله أعلم. ودليل الجمهور: أن الأصل عدم الوجوب؛ فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصح عن النبي ﷺ أنه أمرها بالغسل إلا مرةً واحدةً عند انقطاع حيضها؛ وهو قوله ﷺ : "إذا أقبلتِ الحيضةُ؛ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرت؛ فاغتسلي" (١)، وليس في هذا ما يقتضي تكرارَ الغسل، والله أعلم. وفي حديث عائشة: ردُّ على من قال: يُجمع بين كل صلاتين بغسل واحد. وفيه: ما كانت الصحابة ﵃ في الرجوع؛ فيما يحدث لهم من أمورهم كلها إلى رسول الله ﷺ ، والسؤال عن الأحكام، والجواب عنها، والله أعلم. وفيه دليل على: إثبات الاستحاضة، وأن حكم دمها غير دم الحيض.

стр. 265

واعلم أن الاستحاضة على ضربين: أحدهما: ألَّا يكونَ حيضًا، ولا مختلطًا به؛ بأن يكونَ دونَ يومٍ وليلة غير متكرر؛ فحكمُه: أَنْ تتوضأَ لكل صلاة. والضرب الثاني: أن يكونَ بعضُه حيضًا، وبعضه ليس بحيض؛ بأن يكون دمًا متصلًا دائمًا، مجاوزًا لأكثر الحيض؛ وصاحبة هذا الضرب، لها ثلاثة أحوال: أحدها: أَنْ تكونَ مبتدأَةً؛ وهي التي لم ترَ الدم قبل ذلك؛ وفيها قولان للشَّافعي، أصحهما: تُرَدُّ إلى يوم وليلة، والثاني: إلى ستٍّ، أو سبع. الثاني: أن تكون معتادةً؛ فترد إلى قَدْرِ عادتها في الشهر الذي قبل شهر استحاضتها. الثالث: أن تكون مميزةً، ترى بعض الأيام دمًا قويًّا، وبعضها دمًا ضعيفًا؛ كالأسود، والأحمر؛ فتكون حيضتها أيامَ الأسود، بشرط: ألَّا يَنْقُصَ الأسودُ عن يومٍ وليلة، ولا يزيدَ على خمسة عشرَ يومًا، ولا ينقصَ الأحمر عن خمسةَ عشرَ يومًا. ولهذا كله تفاصيلُ في كتب المذهب مبسوطة، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن عائشةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا ورَسُولُ الله ﷺ من إنَاءٍ واحدٍ؛ وكِلانا جُنُبٌ، وكَان يَأْمُرُني، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُني؛ وَأَنا حَائِضٌ، وكانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إليَّ؛ وهُوَ مُعْتكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ؛ وأنا حائِضٌ (١). تقدم الكلام على لفظ الجنب، ومعناه، واغتسال الرجل والمرأة من إناءٍ واحدٍ.

стр. 266

وقولها: "وكان يأمرُني، فَأَتَّزِرُ"؛ معناه: أشدُّ إزارًا، أسترُ به سُرَّتي، وما تحتَها إلى الركبة. وقولها: "فيباشرُني؛ وأنا حائضٌ"، معناه: يباشرني بجميع أنواع الاستمتاع من القبلة، والمعانقة، وبالذَّكَر فيما فوق الإزار فوق السرَّة، وتحت الركبة وهو حلالٌ باتفاق العلماء، ونقل جماعةٌ الإجماعَ عليه، منهم: الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وغيره. ولا يغتر بما حكي عن عبيدة السلماني، وغيره: مِنْ أَنَّه لا يباشرُ شيئًا منها بشيء منه؛ فإنه منكرٌ غيرُ مقبولٍ، ولو صحَّ، لكان مردودًا بالأحاديث الصحيحة في مباشرة النبي ﷺ فوقَ الإزار، [بفعله] وإذنه: أما فعلُه: ففي هذا الحديث، وغيره. وأما إذنه: ففي قوله ﷺ في "صحيح مسلم"، عن أنس ﵁: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكاحَ" (١)؛ يعني: الوطْءَ في الفرج، أو فيما دون السرة، وفوق الركبة. ولو تركنا، وفعل النبي ﷺ بمجرده؛ لم يكن فيه دليل على الإباحة، أو المنع؛ لما تقرر أن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، على المختار عند الأصوليين، وغيرهم من العلماء. وأمَّا المباشرة بالجماع للحائض في الفرج، فهو حرام بنص القرآن العزيز، والسنة الصحيحة، وإجماع المسلمين: فلو فعله معتقدًا حِلَّه، صار كافرًا مرتدًا. ولو فعله غيرَ معتقدٍ حله، فإن كان ناسيًا، أو جاهلًا وجوده، أو تحريمَه، أو مكرَهًا: فلا إثم عليه، ولا كفارة. وإن وطئها عالمًا بالحيض والتحريم مختارًا، فقد ارتكب معصية كبيرة؛ نص

стр. 267

الشَّافعيُّ ﵀: على أنها كبيرة، ويجب عليه التوبة. ولا كفارة -على الصحيح الجديد من قولَي الشَّافعيِّ-، وهو مذهبُ مالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمدَ في إحدى الروايتين، وجماهير السلف؛ كعطاءٍ، وابن أبي مليكة، والشعبي، والنخعي، ومكحول، والزهري، وأبي الزناد، وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، والليث بن سعد -رحمهم الله تعالى-. وللشَّافعيُّ قولٌ قديمٌ ضعيف: أنه يجب عليه الكفارة؛ وهو مروي عن ابن عباس، وجماعة من التابعين، والأوزاعي، وإسحاق، وأحمد في الرواية الثانية. واختلفوا فيها: فقال الحسن البصري، وسعيد بن جبير: عتق رقبة. وقال الباقون: دينارًا ونصف دينار، على اختلاف منهم فيه؛ هل يجب الدينار في أوله وجِدَّته، أو في زمن الدَّفْق، والنصفُ في آخره، أو بعد انقطاعه؟ والأحاديث في ذلك كلها ضعيفة؛ فالصواب: عدم الوجوب، واستحبابُ التصدق بشيء، والله أعلم. وأما المباشرةُ فيما دون السرَّة، وفوقَ الركبة؛ ففيها أوجهٌ لأصحاب الشافعي: وأشهرها في المذهب: التحريم؛ وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأكثر العلماء؛ منهم سعيدُ بن المسيب، وشُريح، وطاوس، وعطاء، وسليمان بن يسار، وقتادة. والوجه الثاني: الجوازُ مع الكراهة؛ وهو قويٌّ من حيثُ الدليل، وهو المختار؛ لحديث أنس ﵁ الذي رواه مسلم: أن النبي ﷺ قال: "اصنعوا كلَّ شيءٍ، إلا النكاحَ" (١)؛ فاقتصاره ﷺ في مباشرته على ما فوق الإزار محمولٌ على الاستحباب؛ وبه قال عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والنخعي،

стр. 268

والحكم، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو المنذر، وداود. والوجه الثالث: إن كان المباشر يضبط نفسه؛ لضعف شهوته، أو لشدة ورعه: جاز، وإلا: فلا؛ وهو حسن، قاله أبو الفياض البصري؛ من أصحابنا. ثم تحريم المباشرة والوطء إنما هو في مدة الحيض، وبعدَ انقطاعه إلى أن تغتسل، أو تتيمم؛ إن عدمت الماء بشرطه؛ وهذا قول الجمهور من العلماء. وقال أبو حنيفة: إذا قطع الدم لأكثر الحيض؛ حل وطؤها في الحال. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والله أعلم. وحيث جوزنا المباشرة فيما عدا الفرج مما يستمتع به، فلا فرق فيه بين أن يكون عليه دم، أم لا، على المشهور الذي قطع به جماهير العلماء من أصحاب الشَّافعيِّ، وغيرهم؛ للأحاديث المطلقة، وينبغي اجتنابه خروجًا من الخلاف، ومن معنى تحريم وطء الحائض في الفرج، والوطء في الدبر، والله أعلم. وقولها: "وكان يُخرجُ رأسَهُ إليَّ وهو معتكفٌ، فأغسِلُه وأنا حائضٌ": أما الحائض: فهو اسم فاعل من الحيض يطلق على المؤنث، بلا هاءٍ، وحُكي في لغة قليلة: حائضة، بالهاء. وفي هذه الجملة: جواز إخراج المعتكِفِ بعضَ بدنِه من المسجد، ولا يبطلُ اعتكافهُ. وجواز غسلِ رأس المعتكف حالَ اعتكافه، وترجيلِه، وما في معناه، بشرط: ألا يقذر المسجد. وجواز مخالطة المعتكف بالحائض إذا لم يخرج من المسجد، ولا تدخل هي المسجد، ومحادثتها، وما في معنى ذلك. وجواز استخدام الرجل امرأته فيما خفَّ من الشغل، واقتضته العادة.

стр. 269

وأَنَّ بدنَ الحائض طاهرٌ غيرُ نجسٍ إذا لم يلاقِ نجاسة. وقد استدل به بعضهم على أن من حلف ألا يخرج من بيت، أو غيره، فخرج ببعض بدنه، لم يحنث، ووجه الاستدلال: أَنَّ الحديث دل على: أن خروج بعض البدن لا يكون كخروج كله من المكان المعين الكون فيه فيما يعتبر فيه، وإذا كان كذلك، لم يحنث بخروج ذلك البعض منه؛ لأن اليمين إنما تعلقت بخروجه، وحقيقته في البدن، لا بعضه، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عن عائشِةَ ﵂، قالَتْ: "كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ في حِجْرِي، فَيَقْرَأُ القُرْآنَ؛ وأَنا حَائِضٌ" (١). الحجر: معروف، وهو بفتح الحاء، وكسرها، ومعنى "يتكئ في حِجْري"؛ أي: يميل بإحدى شِقَّيه في حجري، ولا شكَّ أن قراءة القرآن ممتنعة على الحائض، وقد يوهم ذلك أنه لا يجوز مخالطتها، والاتكاء في حجرها بقراءة القرآن؛ تعظيمًا للقرآن، فأرادت عائشة ﵂ نفيَ هذا التوهُّم، ونفيَ ما كانت اليهودُ عليه من عدم مخالطة الحاثض، ومجانبتهم إياها في الأكل، والشرب، والمضاجعة، فكيف بالتلاوة، والعبادة؟! وقد اختلف العلماء في قراءة القرآن للحائض: فمنعه الشَّافعيُّ، وأصحابه، وجمهور العلماء. وللشَّافعيِّ قولٌ: أَنَّه يجوز لها القراءة إذا خافت نسيانه، أو لم تجد ماءً، ولا ترابًا، وأمرناها بالصلاة، فإنها تقرأ الفاتحة على وجه لأصحاب الشافعي.

стр. 270

ومذهب مالك: جواز القراءة لها مطلقًا. وفي الحديث: تبليغ العلم، والابتداء به، والإخبار بأحواله ﷺ ؛ للتأسي به، والإخبار بما يُسَتْحَيا من ذكره عادة إذا ترتبت دونه مصلحة من تبيين حكم، وغيره، وقراءة القرآن في حجر الحائض، وبقرب موضع النجاسة، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عن مُعاذَةَ قالَتْ: سَأَلْتُ عَائشِةَ ﵂، فقلت: ما بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّومَ، ولا تَقْضِي الصَّلاَةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟! فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحرورِيَّةٍ، ولَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ (١). أما معاذة: فكنيتُها: أمُّ الصهباء بنة عبد الله، العدويةُ، البصريةُ، التابعيةُ، امرأة صلة بن أشيم، كانت من العابدات، اتفقوا على أنَّها ثِقَةٌ حُجَّةٌ. رَوى عنها: جماعة من التابعين، وغيرهم. روى لها: البخاريُّ، ومسلم، وأصحاب السنن (٢). أما الحَرورِيُّ: فمن يُنسب إلى حروراءَ: قرية بقرب الكوفة على ميلين منها -وهي بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى، وبالمد-، اجتمع فيها أوائلُ

стр. 271

الخوارج، ثم كثر استعمالهُ في كلِّ خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: "أحروريةٌ أنت؟! "؛ أي: خارجية. وإنما قالت لها ذلك؛ لأن مذهب الخوارج: أَنَّ الحائضَ تقضي الصلاة، وهو خلافُ إجماع المسلمين. ولأن مُعاذةَ أوردت السؤال على غير صفته المجردة، بل قد تُشْعِرُ صيغتها بتعجبٍ، وإنكار؛ حيث قالت: ما بالُ الحائض تقضي الصوم إلى آخره؟ فأجابتها معاذة بأن قالت: ولَكِنِّي أَسْأَلُ؛ أي: أسأل سؤالًا مجردًا عن الإنكار، أو التعجب، بطلب مجرد العلم بالحكم. وأما إجابة عائشة بالنص دون المعنى؛ فلأنه أبلغ وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطعُ لمن يعارض بخلاف المعنى المناسب؛ فإنه عرضة للمعارضة. والمعنى في وجوبِ قضاءِ الصَّومِ دونَ الصلاة عليها: عدمُ المشقة في الصوم، ووجودُها في الصلاة؛ فإنها متكررة، فيشق قضاؤها، والصوم غير متكرر، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وربما كان الحيض يومًا، أو يومين. وقول عائشةَ ﵂: "كان يُصيبنا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نؤمرُ بقضاءِ الصلاةِ". هذا حكمه حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ ؛ فإنه قول صحابية، والأمر والنهي إذا بُني لما لم يُسَمَّ فاعلُه من الصحابي، لم يحمل على غير النبي ﷺ ؛ فيكون بمنزلة قوله: قال، أو: سمعت رسول الله ﷺ ، ونحوهما من صيغ الرفع، والاتصال. وقد أجمع المسلمون على: أَنَّ الحائضَ والنفساءَ، لا يجب عليهما الصلاة، ولا الصوم، وأجمعوا على: أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وعلى: أنه يجب عليهما قضاء الصوم. قال الجمهور من العلماء: وليست الحائضُ مخاطَبة بالصيام في زمن الحيض، وإنما يجب عليها القضاء بأمرٍ جديد.

стр. 272

وذكر بعض أصحاب الشَّافعيِّ وجها: أنَّها مخاطبةٌ بالصيام في حال الحيض، وتؤمر بتأخيره كما يخاطب المحدِثُ بالصلاة، وإن كانت لا تصح منه في زمن الحدث. وهذا الوجه ليس بشيء، فكيف يكون الصومُ واجبًا عليها بسببٍ لا قدرة لها على إزالته؟! بخلاف المحدِث؛ فإنه قادر على إزالة الحدث، والله أعلم. وقد اكتفت عائشة ﵂ في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونها لم تؤمر به، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون أخذت إسقاطَ القضاء من سقوط الأداء، ويكون مجرد سقوط الأداء دليلًا على سقوط القضاء، إلَّا أَنْ يُوجدَ معارض، وهو الأمر بالقضاء؛ كما في الصوم. الثاني: وهو الأقرب: أن يكون السببُ في ذلك أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فلو وجب قضاء الصلاة فيه، لوجب بيانه، وحيث لم يتبين، دل على ما يقوله أرباب الأصول من أن قول الصحابي: كنا نُؤمر، ونُنهى، في المرفوع إلى النبي ﷺ ، وإلا لم تقم الحجة به، والله أعلم. وفي الحديث دليل على: السؤال عن العلم، وأن المسؤول إذا فهم من لفظ السائل شيئًا، يذكره له، ويبين ذلك له، وإن كان مقصود السائل خلافه، فيجب. وفيه: بيان السائل مراده من لفظه. وفيه: أن أمر النبي ﷺ ونهيه حجة بمجرده، ولا يفتقر إلى معرفة سره، أو حكمته، أو علته. وفيه دليل على: أن الحائض لا تصوم، ولا تصلي، وأنها تقضي الصوم دون الصلاة. وتقدم نقلُ الإجماع على الأربعة الأحكام منها، والله أعلم، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة. * * *

стр. 273

كتاب الصلاة باب المواقيت الحديث الأول عن أبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، واسمُه: سعدُ بنُ إِياسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صاحبُ هذهِ الدَّارِ -وأَشَارَ بيدِهِ إلى دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ-، قَالَ: سَأَلْتُ النبيَّ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قَالَ: "الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: "الجِهَادُ في سَبِيلِ الله"، حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ، لَزَادَني (١). أما أبو عمرٍو الشَّيباني: فقد ذكر اسمه وكنيته. وأما الشَّيبانيُّ: فهو بالشين المعجمة، نسبةً إلى شيبانَ بنِ ثعلبةَ بن عكابةَ. أدرك سعدٌ زمانَ النَّبيِّ ﷺ ، ولم يَره، وقال: بُعِثَ النبيُّ ﷺ ، وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظم (٢)، فهو تابعيٌّ مخضرمٌ. وقد عدَّ مسلم ﵀ التابعين المخضرمين عشرين نفسًا، وهم أكثر من ذلك، وممن لم يذكره منهم: أبو مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس.

стр. 274

سمعَ عليَّ بنَ أبي طالب، وابنَ مسعودٍ، وحذيفةَ، وأبا مسعودٍ البدريَّ، وغيرَهم من الصحابة. روى عنه: جماعة من التابعين، وهو مجمَع على ثقته، وروى له: البخاري، ومسلم (١). وتشتبه نسبته بالسيباني -بالسين المهملة-، وهو أبو عمرو زرعة والد يحيى أبي زرعة، عدادُه في الشاميين، تابعي يروي عن: عقبةَ بن عامر، وابنُه يحيى متفق على توثيقه. قال محمد بن حبيب: كلُّ شيءٍ من العرب: شيبان، إلا في حِمْيَر؛ فإن فيها: سيبان؛ يعني: -بالسين المهملة- بنَ الغوثِ بنِ سعدِ بنِ عوفِ بنِ مالكِ ابنِ زيدِ بنِ سهلِ بنِ عمرِو بنِ قيسِ بنِ معاويةَ بنِ جشمَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ الغوثِ بنِ قطنِ بنِ عرنب بنِ زهيرِ بنِ أيمن بنِ الهميسعِ بنِ حِمْيَرٍ (٢)، والله أعلم. وأما عبدُ الله بنُ مسعود: فكنيته: أبو عبد الرحمن، واسمُ جدِّه أبي أَبيه: غافل -بالغين المعجمة والفاء- بنُ حبيبِ بنِ شمخِ بنِ مخزومٍ، ويقال: شمخُ بنُ فارس بنِ مخزومِ بنِ صاهلةَ بنِ كاهلِ بنِ الحارث بنِ تميمِ بنِ سعدِ بنِ هذيلِ بنِ مُدْركةَ بنِ إلياسَ ابنِ مضرَ، الهذليُّ، حليفُ بني زُهْرَة. كان أبوه مسعودُ بنُ غافلٍ قد -حالفَ في الجاهلية- عَبْدَ الحارثِ بنَ زهرةَ. أمُّه: أمُّ عَبْدٍ بنتُ عَبْد ودِّ بنِ سواءَ بنِ هُذيل -أيضًا-. أسلم عبدُ الله بمكة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد

стр. 275

بدرًا والمشاهد مع رسول الله ﷺ ، وهو صاحب نَعْل رسول الله ﷺ ، كان يُلبسه إياها إذا قام، فإذا جلسَ، أدخلَها في ذراعه، وكان كثيرَ الولوج على رسول الله ﷺ ، وقال له رسول الله ﷺ : "آذَنُكَ عَلَيَّ أن تَرْفَعَ الحِجَابَ، وتَسْمَعَ سوادي، حَتى أنْهاكَ" (١)، والسواد -بكسر السين-: السرار. روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ ستةٍ، ما على الأرضِ مسلمٌ غيرُنا (٢). وشهد له رسولُ الله ﷺ بالجنة مع العشرة في حديث حسن، رواه أبو عمرَ بنُ عبد البر، في "استيعابه" بإسناده إلى سعيد بن زيد أحد العشرة، قال: كنا مع النبي ﷺ حِراء، فذكرَ العشرةَ، وعبدَ الله بنَ مسعود (٣)، وكان ممن صلى للقبلتين. وقال ﷺ : "رَضِيتُ لأُمَّتي ما رَضِيَ لها ابنُ أُمِّ عَبْدٍ، وسَخِطْتُ لأُمَّتي ما سَخِطَ لها ابنُ أمِّ عَبْدٍ" (٤)، وقال ﷺ : "اهْدُوا هَدْيَ عَمَّارٍ، وتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابنِ أُمِّ عبدٍ" (٥)، وقال ﷺ : "رِجْلُ -أَوْ رِجْلَا- عبدِ اللهِ في الميزانِ أَثقَلُ مِنْ أُحُدٍ" (٦).

стр. 276

وهو ممن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وأحد الأربعة الذين أمر رسول الله ﷺ بأخذ القرآن منهم: ابنُ أُمِّ عبد، ومُعاذٌ، وأُبَيٌّ، وسالمٌ مولى أبي حُذيفةَ، وقال ﷺ : "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ" (١). وكان ﵁ رجلًا قصيرًا نحيفًا يكاد طُوالُ الرجالِ يوازيه جلوسًا وهو قائم، وكان شعره يبلغُ شحمةَ أذنيه، وكان لا يغير شيبه، وقَتَل أبا جهلٍ يومَ بدر بسيفه، فنفَّله رسولُ الله ﷺ إياه. وقال حذيفةُ وهو يحلف بالله: ما أعلمُ أحدًا أشبَه دلًّا وهَدْيًا برسول الله ﷺ ، من حينِ يَخْرُجُ من بيته إلى أَنْ يرجعَ إليه، من عبدِ الله بنِ مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ : أنَّه من أقربهم وسيلةً إلى الله يوم القيامة (٢). وقال ابن مسعود ﵁: إني لأعلمُهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورةٌ، ولا آية، إلا وأنا أعلمُ فيما نزلت، ومتى نزلت (٣)، ولم ينكر هذا القولَ عليه أحد. رُوي له عن رسول الله ﷺ : ثمان مئة حديثٍ وثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا منه على: أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلمٌ بخمسةٍ وثلاثين.

стр. 277

روى عنه جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وأبو موسى الأشعري، وعمرُو بنُ حُريث، وغيرُهم، ومن التابعين خلقٌ كثير، وروى له: أصحابُ السنن والمساند. ولما مات، قال أبو الدرداء: ما ترك بعده مثله. مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وثلاثين؛ ابنَ بضعٍ وستين سنةً، والأكثرون على: أنه مات بالمدينة، ودفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير؛ وكان آخى رسول الله ﷺ بينه وبين الزبير، وكان أوصى إليه، وأوصى أن يدفن بجنب عثمان بن مظعون، وقيل: مات بالكوفة، والله أعلم (١). وأما قوله: "حَدَّثني صاحبُ هذهِ الدارِ -وأشارَ إلى دارِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ-": لا شك أنَّ الإشارةَ إلى الشيء قد تكون أبلغَ في التفهيم من التصريح باسمه، وذكره؛ لما فيه من نفي أنواع المجاز، وحينئذ يجوز للراوي التحديثُ من غير ذكر اسم المرويِّ عنه إذا كان السامعُ عارفًا به بإشارة، أو علمٍ سابق به يقع التمييز به من غير اشتباه. وقوله: "سألتُ النبيَّ ﷺ : أَيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ ": اعلم أن العبد مأمور بتنزيلِ الأشياء منازلَهَا، فيقدم الأفضلَ على الفاضل، فيعمل عليه، ويسأل عنه طلبًا للدرجة العليا، وتحريضًا على تأكيد القصد إليه، والمحافظة؛ فإن المخالفة في الشرع تقع بارتكاب المحرم، وترك الأفضل. ولا شكَّ أَنَّ العمل يطلق على: عمل القلب، والجوارح؛ والمراد في هذا

стр. 278

الحديث: عمل البدن والجوارح؛ حيث وقع الجواب: بالصلاة على وقتها، وتكون النيةُ مطلوبةً فيه باللازم، لا بمراد الحديث، وفي أعمال القلوب: فاضلٌ، وأفضلُ؛ كالإيمان، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، فثبت أن الأعمال في الشرع يُرادُ بها عمل الجوارح والقلوب، والله أعلم. وقوله ﷺ : "الصَّلاةُ على وَقْتِها": ليس فيه ما يقتضي الصلاة أول الوقت، أو آخره، وكأنَّ المقصودَ به: الاحترازُ عن إخراج الصلاة عن وقتها المشروع؛ لئلا تصيرَ قضاءً، لكِنَّه قد ثَبَتَ في بعض روايات هذا الحديث: "الصلاةُ لوقتها". وروى أبو داود في "سننه" من حديث أُمِّ فروةَ أختِ أبي بكرٍ الصديقِ لأبيه ﵄ قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: "الصلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِها" ولم يتكلمْ عليه بشيء؛ فهو حسن عنده. وأخرجه الترمذي، وقال: حديث أم فروة لا يُروى إِلَّا من حديث عبد الله بن عمر العمريِّ، وليس بالقوي عند أهل الحديث، واضطربوا في هذا الحديث. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من رواية ابن مسعود، قال: سَأَلْتُ رسولَ الله ﷺ ، بلفظِ حديثِ أم فروة. ورواه الحاكم في "مستدركه" كذلك من طريقين، ثم قال: فقد تقوى لفظه: "الصلاةُ في أَوَّلِ وقتِها" باتفاق الثبتين: بندارِ بنِ بشار، والحسنِ بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخْرِجَاه، وله شواهدُ في هذا الباب (١) -. فحينئذ؛ يُحمل حديث الكتاب، ويستدلُّ به على: تقدم الصلاة في أول

стр. 279

الوقت من لفظه ببيان رواية أبي داود، والترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، والله أعلم. واعلمْ أَنَّ الأحاديثَ قد اختلفت في أفضل الأعمال، وتقديم بعضها على بعض، والذي قيل في الجمع بينها: أَنَّها أجوبةٌ مخصوصةٌ، لسائلٍ مخصوصٍ بالنسبة إلى حاله، أو وقته، أو بالنسبة إلى عموم ذلك الحال والوقت، أو بالنسبة إلى المخاطبين بذلك، أو من هو في مثل حالهم. ولو خُوطِبَ بذلك الشجاعُ الباسلُ المتأهلُ للنفعِ الأكبرِ في القتال لقيل له: الجهاد. ولو خُوطِبَ صاحبُ المالِ ذو الثروة، لقيل له: الصدقة. وهذا في حق جميع أحوال الناس، قد يكون الأفضلُ في حقِّ قوم، أو شخص، مخالفًا للأفضل في حق آخرين؛ بحسب المصلحة اللائقة بالوقت، أو الحال، أو الشخص. وقد تقدم -في هذا الحديث- بِرُّ الوالدبن على الجهاد، وهو دليل على تعظيم بِرِّهما، ولا شكَّ أنَّ أذاهما بغير موجب محرمٌ، وممنوع منه، وأما ما يجب من البر، ففي ضبطه إشكال، وكلام طويل. والجهادُ ينقسم إلى: فرضِ عينٍ، وفرضِ كفايةٍ؛ فالعينُ: مقدَّمٌ على حق الوالدين، والكفايةُ: لا يجوز إلا بإذنهما إذا تعطلت مصلحتُهما الواجبة به، وكل حق متعين وكفاية كذلك حكمه بالنسبة إليهما، والله أعلم. وبِرُّهما: الإحسانُ إليهما، وفعلُ الجميل معهما، وفعلُ ما يسرُّهما، ويدخل فيه: الإحسانُ إلى صديقِهما؛ كما ثبت في الصحيح: "إنَّ مِنْ أَبَرَّ البرَّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" (١). قال أهلُ اللغة: يُقالُ: بَرِرْتُ والدي، أَبَرُّهُ -بكسر الراء في الماضي،

стр. 280

وبضمها مع فتح الباء في المضارع- برًّا، وأنا بَرٌّ به -بفتح الباء-، وبَارٌّ، وجمع البَر: الأبْرَار، وجمع البارَّ: البَرَرَةُ (١). وقد ذكر في حديث أبي هريرة: الأفضل الإيمان، ثم الجهاد، ثم الحج (٢). وفي حديث أبي ذر: الإيمان، والجهاد (٣). وفي حديث ابن مسعود هذا: الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد؛ كما ترى. وفي حديث عبد الله بن عمرو: أيٌّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: "تُطعمُ الطعامَ، وتقرأُ السلامَ على من عَرَفْتَ، ومَنْ لم تعرفْ" (٤). وفي حديث أبي موسى، وعبد الله بن عمرو: أيُّ المسلمين خيرٌ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المسلمون مِنْ لِسَانِهِ، ويَدِهِ" (٥). وصح في حديث عثمان ﵁: "خَيرُكم مَنْ تَعلَّمَ القُرْآنَ، وعلَّمَه" (٦). وأمثالُ هذا في الصحيح كثيرةٌ، وقد ذكر الإمام الجليل أبو عبد الله الحليمي الشَّافعي، عن شيخه الإمام العلامة المتقن أبي بكر القفال الشَّاشي الكبير -وهو

стр. 281

غير القفال الصغير المروزي المتكرر في كتب أصحاب الشَّافعي المتأخرين من الخراسانيين-، قال الحليمي: وكان القفال أعلمَ من لقيته من علماء عصره، إنه جمع بين هذه الأحاديث بوجهين: أحدهما: نحو ما ذكرناه أولًا، قال: فإنه قد يقال: خيرُ الأشياءِ كذا، ولا يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل في حال دون حال، ونحو ذلك. واستشهد في ذلك بأخبار منها: عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: "حِجَّةٌ لِمَنْ لم يحجَّ أفضلُ من أربعينَ غزوةً، وغزوةٌ لِمَنْ حَجَّ أفضلُ من أربعين حِجَّةً" (١). الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكونَ المرادُ: من أفضل الأعمال كذا، أو: ومن خير هذا، أو: من خيركم من فعل كذا، فحذفت من، وهي مرادة؛ كما يقال: فلان أعقل الناس، وأفضلهم؛ ويراد أنه: من أعقلهم، وأفضلهم. ومن ذلك قوله ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ" (٢)، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خيرَ الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أَزْهَدُ النَّاس في عالم جيرانُه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهدُ منهم فيه، هذا كلام القفال. فعلى هذا الوجه: يكون الإيمانُ أفضلَها مطلقًا، والباقياتُ متساويات في كونها من أفضل الأعمال، أو الأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، ويختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص. ولا شكَّ أنه جاء في بعض هذه الروايات: أفضلُها كذا، ثم كذا؛ بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب، وهي هنا: للترتيب في الذكر؛ كما قال الله

стр. 282

تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد:١٢ - ١٦]. ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل؛ وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، ونظائر ذلك كثيرة، ومما أنشدوا فيه: قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدَّهُ وحكى القاضي عياض ﵀ في الجمع بينهما وجهين: أحدهما: نحو الوجه الأول، قال: قيل: اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكملوه من دعائم الإسلام، ولا بلغهم علمه. والثاني: أنه قدم الجهاد على الحج في بعضها؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه، والجد في إظهاره، وذكر بعضهم: أن "ثم" لا تقتضي ترتيبًا؛ وهو شاذ عند أهل العربية، والأصول، والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف؛ أي: النفير العام؛ فإنه متقدم على الحج؛ لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، والله أعلم (١). واعلم: أَنَّ العباداتِ على ضربين: منها: ما هو مقصود بنفسه. ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوصَّل إليه؛ فحيث يعظمُ [المقصود، تعظم] الوسيلة، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخماد الكفر ودَحْضه؛ فعظمُ فضلهِ بفضل مقصوده؛ وهو الإيمان.

стр. 283

وقوله: "حَدَّثَني بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ ، ولو استزَدْتُهُ، لزادَني": هو تأكيد لثبوت ما أخبر به من العلم؛ فإنه أخذه من في رسول الله ﷺ سماعًا من لفظه دون واسطة، وهو أرفع درجات التحمل. ثم أخبر أَنَّه كان بمرتبة الفهم، ووعى ما سمع، وأن رسول الله ﷺ كان منشرحًا لذلك، لو طلبت منه زيادة على ما حدثني، لحدثني، لكني كرهت التطويل عليه؛ لئلا يسأم مني. وفي الحديث: السؤالُ عن العلم، ومراتبه في الأفضلية. وفضلُ الصلاة في الوقت، وأن أوله أفضل، وأن الصلاة أفضلُ العمل. وفيه: فضلُ بر الوالدين، وأنه أفضلُ من الجهاد بشروطه. وفيه: فضلُ الجهاد. وفيه: تقديمُ الأهم فالأهم من الأعمال. وفيه: تنبيهُ الطالب على تحقيق العلم، وكيفية أخذه. وفيه: التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهلِ الفضل؛ ليؤخذ علمه بقبول، وانشراح، وضبط، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيشهدُ مَعه النِّسَاءُ مِنَ المؤمناتِ، متَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلى بُيُهوتهِنَّ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ (١). قولها: "فيشهدُ معه النساء؛ من المؤمنات":

стр. 284

يحتمل قولها: من المؤمنات؛ أنه بيان لنوع النساء اللاتي تحضرن الصلاة؛ لتخرج الكافرات. ويحتمل أنه بيان لوصفهن؛ لتخرج المنافقات، وهو الأقرب. وقولها: "مُتَلَفِّعاتٍ" -هو بالعين المهملة بعد الفاء-، ووقع في رواية في "الموطأ" و"صحيح مسلم": "متلفِّفات" (١) -بالفاءين-، ومعناهما متقارب؛ أي: متغطيات، أو ملتحفات، أو متجلِّلات، إلَّا أَنَّ التلفُّعَ لا يكون إلا مع تغطية الرأس. وقولها: "بمُرُوطهنَّ"؛ أي: بأكسيتهن، واحدُها: مِرْط -بكسر الميم-، والمرطُ: كساءٌ معلم؛ يكون من خَزٍّ، ومن صوف، ومن كتان، قاله الخليل. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المرطُ إلا درعًا، وهو من خَزٍّ أخضرَ، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء. وظاهر الحديث يصحِّح قول الخليل، وفي الحديث: مرط من شعرٍ أسود (٢). وقولها: "من الغَلَس"؛ بيان لسبب عدم معرفتهن، ومعناه: ما يُعرفن أنساءٌ هنَّ، أم رجال؟ وقيل: ما تُعرف أعيانُهنَّ، وهذا ضعيف؛ فإن المتلفعة في النهار -أيضًا- لا تُعرف عينُها، فلا يبقى في الكلام فائدة. والغلس -ذكره المصنف-: اختلاطُ ضياء الصبح بظلمة الليل. والغبش -بالباء والشين المعجمة- قيل: الغبس -بالسين المهملة- وبعد

стр. 285

الغلس -باللام-، وهي كلها: في آخر الليل، ويكون الغبس: في أول الليل. وقولها: "يصلِّي الفجرَ"؛ يقال: صلَّى الفَجر، وصلَّى الصبحَ، وصلَّى الغَدَاةَ؛ أي: صلَّى صلاةَ كذا، على حذف المضاف، ولا كراهة في ذلك، فكله ثابت في الصحيح. وكره بعضهم صلاةَ الغداةِ، وهو مرجوحٌ ضعيف. لكن قال الشَّافعيُّ: سماها الله الفجرَ، وسماها رسول الله ﷺ الصبحَ؛ فلا أحب أن تسمى بغيرهما (١). وفي هذا الحديث: دليل على: استحباب التبكير بصلاة الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة: الإسفار أفضل. وجه الدلالة للجمهور: أَنَّ الغلسَ لا يكون إلا مع الظلمة، مع ما ثبت من طول قراءة رسول الله ﷺ في الصبح، حتى إنه كان يقرأ ما بين الستين إلى السبعين مع الترتيل والتدبر. واستدل أبو حنيفة بحديث ضعيف: "أسفروا بالفجرِ؛ فإنَّه أعظمُ للأجرِ" (٢). وتأوله الجمهور -على تقدير ثبوته- على التبكير بالصلاة، لا على غلبة الضياء وظهوره؛ جمعًا بين فعله ﷺ وقوله، والله أعلم. وفيه دليل على: جواز حضور النساء الجماعة بالمسجد مع الرجال، وهو مقيد بما إذا أمنت المفاسد؛ من الافتتان، وغيره، إما عليهنَّ، أو بهنَّ. وليس في الحديث ما يدل على كونهنَّ عجزًا، أو شَوابَّ، وقد كره بعضهم
следующие страницы →