← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

غير القفال الصغير المروزي المتكرر في كتب أصحاب الشَّافعي المتأخرين من الخراسانيين-، قال الحليمي: وكان القفال أعلمَ من لقيته من علماء عصره، إنه جمع بين هذه الأحاديث بوجهين: أحدهما: نحو ما ذكرناه أولًا، قال: فإنه قد يقال: خيرُ الأشياءِ كذا، ولا يراد أنه خير جميع الأشياء من جميع الوجوه، وفي جميع الأحوال، والأشخاص، بل في حال دون حال، ونحو ذلك. واستشهد في ذلك بأخبار منها: عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ، قال: "حِجَّةٌ لِمَنْ لم يحجَّ أفضلُ من أربعينَ غزوةً، وغزوةٌ لِمَنْ حَجَّ أفضلُ من أربعين حِجَّةً" (١). الوجه الثاني: أنه يجوز أن يكونَ المرادُ: من أفضل الأعمال كذا، أو: ومن خير هذا، أو: من خيركم من فعل كذا، فحذفت من، وهي مرادة؛ كما يقال: فلان أعقل الناس، وأفضلهم؛ ويراد أنه: من أعقلهم، وأفضلهم. ومن ذلك قوله ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ" (٢)، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خيرَ الناس مطلقًا، ومن ذلك قولهم: أَزْهَدُ النَّاس في عالم جيرانُه، وقد يوجد في غيرهم من هو أزهدُ منهم فيه، هذا كلام القفال. فعلى هذا الوجه: يكون الإيمانُ أفضلَها مطلقًا، والباقياتُ متساويات في كونها من أفضل الأعمال، أو الأحوال، ثم يعرف فضل بعضها على بعض بدلائل عليها، ويختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص. ولا شكَّ أنه جاء في بعض هذه الروايات: أفضلُها كذا، ثم كذا؛ بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب، وهي هنا: للترتيب في الذكر؛ كما قال الله

стр. 282

تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد:١٢ - ١٦]. ومعلوم أنه ليس المراد الترتيب في الفعل؛ وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، ونظائر ذلك كثيرة، ومما أنشدوا فيه: قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدَّهُ وحكى القاضي عياض ﵀ في الجمع بينهما وجهين: أحدهما: نحو الوجه الأول، قال: قيل: اختلف الجواب لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما بهم حاجة إليه، أو بما لم يكملوه من دعائم الإسلام، ولا بلغهم علمه. والثاني: أنه قدم الجهاد على الحج في بعضها؛ لأنه كان أول الإسلام، ومحاربة أعدائه، والجد في إظهاره، وذكر بعضهم: أن "ثم" لا تقتضي ترتيبًا؛ وهو شاذ عند أهل العربية، والأصول، والمراد بالجهاد: الجهاد المتعين وقت الزحف؛ أي: النفير العام؛ فإنه متقدم على الحج؛ لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين، والله أعلم (١). واعلم: أَنَّ العباداتِ على ضربين: منها: ما هو مقصود بنفسه. ومنها: ما هو وسيلة إلى غيره، وفضيلة الوسيلة بحسب مقصودها المتوصَّل إليه؛ فحيث يعظمُ [المقصود، تعظم] الوسيلة، فالجهاد وسيلة إلى إعلان الإيمان ونشره، وإخماد الكفر ودَحْضه؛ فعظمُ فضلهِ بفضل مقصوده؛ وهو الإيمان.

стр. 283

وقوله: "حَدَّثَني بِهِنَّ رسولُ اللهِ ﷺ ، ولو استزَدْتُهُ، لزادَني": هو تأكيد لثبوت ما أخبر به من العلم؛ فإنه أخذه من في رسول الله ﷺ سماعًا من لفظه دون واسطة، وهو أرفع درجات التحمل. ثم أخبر أَنَّه كان بمرتبة الفهم، ووعى ما سمع، وأن رسول الله ﷺ كان منشرحًا لذلك، لو طلبت منه زيادة على ما حدثني، لحدثني، لكني كرهت التطويل عليه؛ لئلا يسأم مني. وفي الحديث: السؤالُ عن العلم، ومراتبه في الأفضلية. وفضلُ الصلاة في الوقت، وأن أوله أفضل، وأن الصلاة أفضلُ العمل. وفيه: فضلُ بر الوالدين، وأنه أفضلُ من الجهاد بشروطه. وفيه: فضلُ الجهاد. وفيه: تقديمُ الأهم فالأهم من الأعمال. وفيه: تنبيهُ الطالب على تحقيق العلم، وكيفية أخذه. وفيه: التنبيه على مرتبته عند الشيوخ وأهلِ الفضل؛ ليؤخذ علمه بقبول، وانشراح، وضبط، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيشهدُ مَعه النِّسَاءُ مِنَ المؤمناتِ، متَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلى بُيُهوتهِنَّ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ (١). قولها: "فيشهدُ معه النساء؛ من المؤمنات":

стр. 284

يحتمل قولها: من المؤمنات؛ أنه بيان لنوع النساء اللاتي تحضرن الصلاة؛ لتخرج الكافرات. ويحتمل أنه بيان لوصفهن؛ لتخرج المنافقات، وهو الأقرب. وقولها: "مُتَلَفِّعاتٍ" -هو بالعين المهملة بعد الفاء-، ووقع في رواية في "الموطأ" و"صحيح مسلم": "متلفِّفات" (١) -بالفاءين-، ومعناهما متقارب؛ أي: متغطيات، أو ملتحفات، أو متجلِّلات، إلَّا أَنَّ التلفُّعَ لا يكون إلا مع تغطية الرأس. وقولها: "بمُرُوطهنَّ"؛ أي: بأكسيتهن، واحدُها: مِرْط -بكسر الميم-، والمرطُ: كساءٌ معلم؛ يكون من خَزٍّ، ومن صوف، ومن كتان، قاله الخليل. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المرطُ إلا درعًا، وهو من خَزٍّ أخضرَ، ولا يسمى المرط إلا الأخضر، ولا يلبسه إلا النساء. وظاهر الحديث يصحِّح قول الخليل، وفي الحديث: مرط من شعرٍ أسود (٢). وقولها: "من الغَلَس"؛ بيان لسبب عدم معرفتهن، ومعناه: ما يُعرفن أنساءٌ هنَّ، أم رجال؟ وقيل: ما تُعرف أعيانُهنَّ، وهذا ضعيف؛ فإن المتلفعة في النهار -أيضًا- لا تُعرف عينُها، فلا يبقى في الكلام فائدة. والغلس -ذكره المصنف-: اختلاطُ ضياء الصبح بظلمة الليل. والغبش -بالباء والشين المعجمة- قيل: الغبس -بالسين المهملة- وبعد

стр. 285

الغلس -باللام-، وهي كلها: في آخر الليل، ويكون الغبس: في أول الليل. وقولها: "يصلِّي الفجرَ"؛ يقال: صلَّى الفَجر، وصلَّى الصبحَ، وصلَّى الغَدَاةَ؛ أي: صلَّى صلاةَ كذا، على حذف المضاف، ولا كراهة في ذلك، فكله ثابت في الصحيح. وكره بعضهم صلاةَ الغداةِ، وهو مرجوحٌ ضعيف. لكن قال الشَّافعيُّ: سماها الله الفجرَ، وسماها رسول الله ﷺ الصبحَ؛ فلا أحب أن تسمى بغيرهما (١). وفي هذا الحديث: دليل على: استحباب التبكير بصلاة الصبح، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، وقال أبو حنيفة: الإسفار أفضل. وجه الدلالة للجمهور: أَنَّ الغلسَ لا يكون إلا مع الظلمة، مع ما ثبت من طول قراءة رسول الله ﷺ في الصبح، حتى إنه كان يقرأ ما بين الستين إلى السبعين مع الترتيل والتدبر. واستدل أبو حنيفة بحديث ضعيف: "أسفروا بالفجرِ؛ فإنَّه أعظمُ للأجرِ" (٢). وتأوله الجمهور -على تقدير ثبوته- على التبكير بالصلاة، لا على غلبة الضياء وظهوره؛ جمعًا بين فعله ﷺ وقوله، والله أعلم. وفيه دليل على: جواز حضور النساء الجماعة بالمسجد مع الرجال، وهو مقيد بما إذا أمنت المفاسد؛ من الافتتان، وغيره، إما عليهنَّ، أو بهنَّ. وليس في الحديث ما يدل على كونهنَّ عجزًا، أو شَوابَّ، وقد كره بعضهم

стр. 286

للشوابِّ ذلك، والذي ينبغي في هذه الأزمان: المنعُ مطلقًا، إلَّا أَنْ يكنَّ عالماتٍ عاملاتٍ، لا يُفْتَن بهنَّ، ولا يَفْتِنَّ غيرَهنَّ بصورة، أو حالة، أو فعل، أو قول، والله أعلم. ولا شك أَنَّ صلاةَ المرأةِ في بيتها أفضلُ من المسجد مطلقًا، وفي مخدع بيتها أفضلُ من بيتها مطلقًا؛ لحديث ثبت في ذلك، والله أعلم. وفيه دليل على: استقرار المرأة في بيتها مطلقًا؛ لحديث ثبت في ذلك، وألَّا تخرجَ منه إلا لمصلحةٍ شرعيةٍ، وأن ترجع إليه بعدَ فراغها منها، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عن جَابِرِ بنِ عبدِ الله ﵄ قال: كَانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بالهَاجِرَةِ، والعَصْرَ والشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، والمَغْرِبَ إذا وَجَبَتْ، والعِشَاءَ أَحْيانًا وأحيانًا؛ إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، والصُّبْحُ كانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ (١). أما جابر: فتقدم. وأما ألفاظه: فالظهر: مشتقة من الظهور؛ لأنها ظاهرة وسط النهار. والهاجرة: نصف النهار، قال الخليل: والهجر، الهجير، والهاجرة: نصف النهار، وأهجر القوم، وهَجَّروا: ساروا في الهاجرة، وقال غيره: هي شدة الحر. والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال.

стр. 287

قيل: سميت هاجرة من الهجر؛ وهو الترك؛ لأن الناس يتركون التصرف حيئنذ لشدة الحر، ويقيلون (١). والعصر: أصله الزمان، والمراد به هنا: طَرَفُه، ومنه قيل لصلاة الصبح، وصلاة العَصْر: العصران، ويقال للعصرين: الغداة، والعشي. وجاء في الحديث: "حافظ على العَصْرَين"، قيلَ: وما العصرانِ؟ قال: "صلاةٌ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وقبلَ غُروبها" (٢)، سماهما العصرين؛ لأنهما يقعان في طرفي العصرين؛ وهما: الليل، والنهار، والأشبه: أنه غَلَّبَ أحدَ الاسمين على الآخر؛ كالعُمَرين: لأبي بكر وعمر، والقَمَرين للشمس والقمر. وقوله: "والشمسُ حَيَّةَ"؛ حياتها: صفاءُ لونها قبل أن تصفرَّ، أو تتغير، وهو مثل قوله: "بيضاءُ نقيَّة"، وقيل: حياتها: وجودُ حرها. وقوله: "والمغربَ إذا وَجَبَتْ"؛ أي: الشمسُ سقطتْ للغروب، والمراد: سقوطُ قُرْصها، ويستدلُّ عليه بطلوع الليل من المشرق، وهو الوقت الذي يفطر فيه الصائم. وتقدم الغلس في الحديث قبله. وأما أحكامه: ففيه دليل على: أوقات الصلاة، وأن أفضلها أولُها، إلا العشاءَ؛ فإن الأفضلَ تأخيرُها لانتظار كثرة الجماعة؛ لهذا الحديث، لكنْ للعلماء قولان؛ في أن الأفضل:

стр. 288

تقديمها: كالصلوات؛ سواء رجاء زيادة الجماعة، أم لا. أم تأخيرها: إلى ثلث الليل، أو نصفِه؛ لأجل مجرد التأخير لقصد ذلك الوقت. وعلى هذا اختلفوا: هل يختلف ذلك باختلاف الأزمنة؛ من الصيف لقصر الليل، فيكون التقديم أفضل، أو الشتاء لطوله، فيكون التأخير أفضل؟ وذهب بعض العلماء؛ إلى أَنَّ تأخير الصلوات إلى آخر الوقت أفضل، إلَّا الصبح يومَ النحر بالمزدلفة؛ فإنه يصليها بغلس. أما الظهر: فتقديمها أفضل؛ لكونه صلاها في الهاجرة؛ وهي شدة الحر وقوته، لكنه معارض بظاهر قوله ﷺ في الحديث الآخر: "إذا اشتدَّ الحرُّ، فَأَبْرِدوا" (١). ويمكن الجمع بينهما: بأَنْ يكونَ أطلق اسمَ الهاجرة على الوقت الذي بعدَ الزوال مطلقًا؛ فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيُطلق على جميع الوقت بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حر شديد؛ وفيه بعد. وقد نقل صاحب "العين" (٢): أن الهجير، والهاجرة: نصفُ النهار، فإن كان مرادُ الحديث هذا؛ كان معناه مطلقًا على الوقت. وقد اختلف الفقهاء من أصحاب الشَّافعيِّ، وغيرهم: أن الإبراد رخصة، أو عزيمة؛ بمعنى: أنه سنة، وفيه وجهان لأصحاب الشَّافعيِّ: أصحهما: أنه عزيمة بشروط. والثاني: أنه أمر إباحة، فيكون تعجيلُها في الهاجرة أخذًا بالأشَقِّ، فيكون التهجير لبيان الجواز، على قول من يرى الإبرادَ سُنَّةً، وفيه بعد؛ لأن قولَ

стр. 289

الراوي: كان، يشعر بالكثرة، والملازمة عرفًا، فلا يكون لبيان الجواز. وأما العصر: فتعجيلُها أفضل؛ لقوله: "والعصرَ والشمسُ نقيةٌ" خلافًا لمن قال: إن أول وقتها ما بعد القامتين، ولا شك أن للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة: وهو أول وقتها. ووقت اختيار: وهو إلى أن يصير ظلُّ الشيء مثليه. ووقت جواز: وهو إلى إصفرار الشمس. ووقت جواز مع الكراهة: وهو حالة الإصفرار إلى الغروب. ووقت عذر: وهو في حق من يجمع بين العصر والظهر بسفر، أو مطر. ويكون العصر في هذه الأوقات أداء، فإذا كانت كلها بغروب الشمس، كانت قضاء. وأما المغرب: فيدخل وقتها بسقوط قرص الشمس، ويختلف ذلك بالأماكن: فما كان منها حائلًا بين الرائي، وبين قرصها: لم يكتف بغيبوبته عن العين؛ بل لا بد من رؤية طلوع الليل من المشرق، وقد قال ﷺ : "إذا غربت الشمسُ من هاهنا، وطلعَ الليلُ من هاهنا، فقد أفطرَ الصائمُ" (١). وإن لم يكن حائل: فقد قال بعض المالكية: يدخل وقتها بغيبوبة الشمس، وشعاعها المستولي عليها، ولا وقتَ لها إلا واحد، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن ويقيم، وثلاث ركعات، وسنتها، وهو أحد قولي الشافعي المشهور في مذهبه، وله استدامتها إلى غيبوبة الشفق، أما ابتداؤها أداء؛ فلا يجوز بعد ذلك، بل يكون قضاء.

стр. 290

والقول الثاني: أَنَّ وقتَها يمتد إلى الشفق، وله فعلُها أداء في كل ذلك الوقت، وهو الصحيح المختار عند المحققين من المتقدمين والمتأخرين من أصحاب الشافعي المحدثين، وغيرهم، ولا يأثم بذلك. وصلاة المغرب في حديث جبريل في اليومين في وقت واحد؛ كان متقدمًا بمكة، وامتدادُ وقتها إلى غروب الشفق متأخرًا بالمدينة، وأحاديثها أصحُّ إسنادًا، فوجب تقديُمها، والعملُ بها. أو يكون فعلها في حديث جبريل ﵇ بيانًا للأفضل، أو الاختيار، ولم يستوعب وقت الجواز، وذلك جارٍ في أكثر الصلوات، والله أعلم. وفي قوله: "في العِشاء أَحْيانًا" دليلٌ على أنّ تأخير الصلاة؛ لانتظار الجماعةِ أفضل، وقد تقدم ذكرُ ذلك بالنسبة إلى العشاء، لكنَّ المسألةَ ذكرها العلماء بالنسبة إلى جميع الصلوات التي لم يتضيق وقتها: أن فعلَها في أول الوقت مع الجماعة أفضلُ، فلو تعارضَ الانفرادُ، أو الوقتُ، أو التأخيرُ مع الجماعة، فوجهان: الصحيح المختار: أن التأخير للجماعة أفضلُ؛ لهذا الحديث. ولأن التشديد في ترك الجماعة مع إمكان التقديم، والترغيب في فعلها موجودٌ في الأحاديث الصحيحة، وفضيلةُ الصلاة في أول الوقت وردَ على وجه الترغيب في الفضيلة. وأما جانب التشديد في التأخير عن أول الوقت، فلم يَرِدْ كما ورد في صلاة الجماعة، وكلُّ ذلك دليل على رجحان الصلاة في الجماعة. نعم إذا صح لفظ: "الصلاةُ في أولِ الوقتِ أفضلُ" (١) كان دليلًا دلالة ظاهرة على خلاف ما ذكرنا من أن التأخير للجماعة أفضل، وقد تقدم ذكرنا لصحته في الحديث الأول من هذا الباب، وإن كان حديث الباب ليس فيه دليل على الصلاة

стр. 291

في أول الوقت؛ لأن لفظه: "الصلاةُ على وقتها" و"الصلاةُ لوقتها"، وليس فيهما دليل لأفضلية الصلاة في أول الوقت، والله أعلم. وأما الصبح: ففعلها في أول الوقت أفضلُ، وحديث: "أَسْفِروا بالفجر؛ فإنَّه أعظمُ للأجر" (١) -بتقدير ثبوته- لا يُعَدُّ معارضًا لأحاديث التبكير بها، مع أنه حمله على التبكير بالصبح، ويكون المراد بالإسفار: تيقنُ طلوعِ الفجر، ووضوحه، لا غلبة الضياء الظلمة. وهو بعيد من حيث إن فعلها فعل تيقن طلوعه لا يجوز، فلا آخر فيه، ولفظةُ أفعل: تقتضي المشاركة في الأجر بقوله: "أعظم" مع رجحان أحد الطرفين حقيقة، وقد يرد أفعلُ التفضيل من غير اشتراك، وهو قليل، لكنه على وجه المجاز، فيُحمل الحديثُ عليه، ويرجح، وإن كان تأويلًا بفعل رسول الله ﷺ في تقديمها مغلِّسًا. * * * الحديث الرابع عن أبي المِنْهَالِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، قالَ: دَخَلْتُ أَنا وأَبِي عَلَى أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ التي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنا إلَى رَحْلِهِ في أَقْصَى المَدِينَة؛ والشَّمْسُ حَيَّةٌ، ونَسِيتُ ما قَالَ في المَغْرِبِ، وكان يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ العِشَاء الَّتي تَدْعُونَها العَتْمَةَ، وكان يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، والحَدِيثَ بَعْدَهَا، وكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَة الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتينَ إلى المِئَة (٢).

стр. 292

وأما سيَّار: فهو -بتقديم السين على الياء المشددة-، وقد يشتبه بيسار -بتقديم الياء على السين-. وهو تابعيٌّ بصريٌّ رياحيٌّ، من بني رِياح -بكسر الراء، والياء المثناة- ابنِ يربوعِ بنِ حنظلةَ. روى عنه: جماعة من التابعين، وغيرهم، وثَّقه ابنُ معين، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث، روى له: البخاري، ومسلم. مات سنة تسعٍ وعشرين ومئة، ذكر وفاته وتبعيته ابن حِبَّان في "ثقاته" (١). وأما أبو بَرْزَة: فهو -بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء، وفتح الزاي، ثم الهاء الملفوظ بها تاء، في الوصل-، وقد يشتبه بأبي بُرْدَة صورة لا لفظًا -بضم الموحدة، وبالدال المهملة-. ولهم في الأسماء: بُرْزة مثل الأول، إلا أنه بضم الباء؛ جد شيخ دمشقي، سمع من ابن ماكولا، اسمه: عبد الجبار بن عبد الله بن برزة أردسقاني، مولده سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة بالرَّي. واسم أبي برزة: نَضْلةُ بنُ عبيد -بفتح النون، وسكون الضاد-، هذا المشهور في اسمه، واسم أبيه، وقيل عكسه: عبيد بن نضلة، وقيل: نضلة بن عبد الله. وحكى الحاكم أبو عبد الله في "التاريخ" عكسه: عبد الله بن نضلة، وقال: وقيل: كان اسمه نضلة بن نيار؛ فسماه رسول الله ﷺ : عبد الله، وقال: "نيار شيطان".

стр. 293

أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة. رُويَ له عن رسول الله ﷺ : ستةٌ وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة. روى عنه جماعة من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند. نزل البصرة، وغزا خراسان، وعاد إليها، واختلف في تاريخ وفاته، فالذي عليه الأكثر: أنه مات سنة ستين قبل موت معاوية، وقيل: سنة أربع وستين، واختلف في مكان وفاته؛ فالمشهور: بالبصرة، وقيل: بخراسان، وقيل: بنيسابور، وقيل: في مفازة بين سجستان وهَراة. وأما نسبته: الأسلميُّ، فإلى جد من أجداده اسمه أسلم. واسم جد أبي برزة: الحارثُ بن حبال بن أنس بن جَزِيمة -بفتح الجيم، وكسر الزاي- بنِ مالك بنِ سلامان بن أسلمَ بنِ أَفْصى -بالفاء- بن حارثة، والله أعلم (١). وأما الهجير: فهو اسم من أسماء الظهر. ويسمَّى: الأُولى؛ كما ذكر في الحديث، سميت أولى؛ لأنها أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ من الخمس المكتوبة في إمامة جبريل ﷺ كما ثبت في الصحيح. وتسميتها الهجير؛ لكونها تصلى -غالبًا- في وقت الهجير، والهاجرة؛ وهو شدَّة الحر وقوَّته كما تقدَّم، فتكون تسميتها به من باب حذف المضاف، وإقامة

стр. 294

المضاف إليه مقامه، تقديره: كان يصلي صلاة الهجير، ولا شك أن "كان" تقتضي الدوام -عرفًا-، وتشعر بالتكرار كما يقال: كان فلان يكرم الضيف، ويقاتل العدو: إذا كان ذلك دأبه وعادته. والألف واللام في "المكتوبة"؛ للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ لأنه فهم من السائل العموم. وقوله: "حِينَ تَدْحَضُ الشَّمسُ"؛ أي: تزول وتدحضُ -بفتح التاء، والحاء- يقال: دَحَضَتِ الشَّمسُ، تدحض: إذا زالت، وظاهر اللفظ يقتضي: وقوعَ صلاته ﷺ للظهر عند الزوال؛ فلا بدَّ من تأويله. وقد يتمسك به مَنْ يقول من أصحاب الشَّافعيِّ: إنَّ فضيلَة أول الوقت إنما تحصل بأن تقع شروط الصلاة متقدمة على دخول الوقت، وتكون الصلاة واقعة في أوله؛ بهذا الحديث، وهو ضعيف؛ إذ لا يمكن وقوع جميع الصلاة حين الزوال؛ لتعذره [ولانضاف أول جزء من الصلاة على أول جزء من الوقت عند الزوال لعسره] (١). ولهذا كان الصحيح في المذهب: أنه إذا اشتغل عقب دخول الوقت بأسباب الصلاة، وسعى إلى المسجد، وانتظر الجماعة، ولم يشتغل إلا بما يتعلق بالصلاة؛ كان مدركًا للفضيلة أولَ الوقت، ويشهد له فعل السلف، والخلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان يُشدد في إدراك فضيلة أول الوقت هذا التشديد العسر. ومنهم من قال: تمتدُّ فضيلة أول الوقت إلى نصف وقت الاختيار؛ فإن النصفَ السابقَ من الشيء يُطلق عليه: أولُ بالنسبة إلى المتأخر. وقوله: "والشَّمسُ حَيَّةٌ" فهو مجاز عن نقاء بياضها، وعدم مخالطة الصفرة لها، وتقدم في الحديث قبله. وقوله: "وكانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ العِشاءِ"، لفظة "من" هنا: للتبعيض الذي حقيقته راجعة إلى الوقت، أو الفعل المتعلق بالوقت.

стр. 295

وقوله: "الَّتي يَدْعونَها العَتْمَةَ" هو إشارة إلى اختيار تسميتها بالعشاء؛ لموافقة الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وقد ثبت النهي عن تسميتها بالعتمة، وثبت في "الصحيح" تسميتها بالعتمة، في قوله: "ولو يعلَمونَ ما في النداء والعَتْمَةِ" (١)، وثبت النهي: "لا تغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ عَلى تَسْمِيَتِها العِشاءَ، يَقُولونَ: العَتْمَةَ" (٢). فلعل تسميتها بها؛ لبيان الجواز، أو لعل المكروه: أن يغلب عليها اسم العتمة؛ بحيث يكون اسم العشاء لها مهجورًا، أو كالمهجور، وقد أباح تسمية العشاء بالعتمة: أبو بكر، وابن عباس ﵃. والمعنى في النهي عن تسميتها بالعتمة؛ تنزيهًا لهذه الصلاة الشريفة الدينية، وأن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية؛ وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمةَ؛ ويشهدُ لهذا قوله ﷺ : "وَإِنَّها تُعْتِمُ بِحِلابِ الإِبِلِ" (٣). والمقصود من النهي في قوله ﷺ : "لا تَغْلبنكم الأعرابُ على اسمِ صلاتكم العشاء" في "صحيح مسلم" (٤). و"لا تَغلبنكم الأعرابُ على اسم صلاتكم المغرب"، في "صحيح البخاري" (٥)؛ لأنهم كانوا يطلقون العشاء على المغرب.

стр. 296

ألا تتبع الأعراب في تسميتهم هاتين الصلاتين بذلك؛ لأنهم لم يقيدوا بتسميتها، لا بما جاء في كتاب الله تعالى، ولا بما جاء في السنة كما ثبت في حديث جبريل ﵇، وغيره تسميتها بالمغرب، والله أعلم. وقوله: "وكان يَكْرَهُ النَّوْمَ قبلَها"؛ لأنه قد يكون سببًا لنسيانها، أو تأخيرها عن وقتها المختار، وغيره. وقد كرهه: عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف، وبه قال مالك، وأصحاب الشَّافعيِّ. وقال الطحاوي: يُرَخَّصُ فيهِ بشرط: أن يكون معه من يوقظه، وروي عن ابن عمر: مثلُه، والله أعلم (١). وقوله: "والحديثَ بعدَها"؛ لأنه قد يقع فيه من اللغو واللغط ما لا ينبغي ختمُ اليقظةِ به، ولهذا شرع من الذكر عند النوم ما لا يشرع في غيره من الحالات. وهذا إذا كان الحديث لا يتعلق بمصلحة شرعية؛ كالحديث في مصالح المسلمين، ومع الضيفان، ومؤانسة الضعفاء، والإخوان، ومذاكرة العلم، وقد بوب البخاري عليه: "باب: السمر بالعلم" (٢)، وكذلك الحديث فيما تدعو إليه حاجة الناس، وقد صح: أن النبي ﷺ حدث أصحابه بعد العشاء (٣). ثم المراد بكراهة الحديث بعد العشاء: بعدَ فعلها، لا بعدَ دخولِ وقتها، واتفق العلماء على كراهته، إلا ما كان في خير. وقد تكون الحكمة في كراهة الحديث بعدها: ما جعله الله من كون الليل

стр. 297

سكنًا ليسكن فيه، فإذا نحدث فيه، فقد جعله كالنهار الذي هو متصرف المعاش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله التي أجرى عليها وجوده. وقيل: الحكمة فيه إراحةُ الكتبةِ، ولهذا كان بعض السلف يقول لأصحابه إذا أرادوا الحديث بعدها: أَريحوا الكتبةَ، والله أعلم. وقوله: "وكَانَ يَنْفَتِلُ من صَلاَةِ الغَداةِ حيَن يَعْرِفُ الرَّجُل جَلِيسَه"؛ تقدم أنه يقال لصلاة الصبح: صلاة الغداة، بلا كراهة، ونقل عن بعض السلف: كراهته، وهذا الحديث يرد عليه. ومعرفة الرجل جليسَه حين يسلم: هو نظره إلى وجهه، ولهذا قال في رواية في "صحيح مسلم": وكان ينصرف حين يعرف بعضُنا وجهَ بعض (١)، وهذا كله ظاهر في شدة التبكير. وليس فيه مخالفةٌ لقوله في النساء في الحديث الثاني: "ما يعرفهن أحدٌ من الغَلَس" (٢)؛ لأن هذا إخبارٌ عن رؤية جليسه، وذاك إخبار عن رؤية النساء عن بُعد، وقد تقدم أن الغلسَ قبل الغَبَش، فيمكن رؤيةُ الجليسِ مع الغبش في أوله، ولا يمكن مع الغلس. وأما انفتاله ﷺ ، فيحتمل أن يكون مراد الراوي به: السلام؛ أي: انفتل بوجهه للسلام، ويحتمل أن مراده: انفتل بجميع بدنه، وأقبل على المأمومين، ولا شك أن كِلاَ الأمرين جائز، لكن اختلف العلماء أيهما أفضل؟ فَذهب الشَّافعيُّ، ومن وافقه، وتبعه: إلى أَنَّ بقاءَه مستقبلَ القبلة إن لم يرد الانصراف أفضلُ، خصوصًا إن جلس للذكر، والدعاء؛ لقوله ﷺ : "خيرُ المجالسِ ما اسْتُقْبِلَ به القبلةُ" (٣).

стр. 298

ولحثِّه ﷺ على نوع من الذكر بعدَ الصبح وهو ثانٍ رجلَيه على هيئة الجلوس في الصلاة قبل أن يقوم، ولأنه أجمعُ للقلب، وأبعدُ عن شغله. فيكون انفتالهُ ﷺ أحدَ الاحتمالين؛ لبيان الجواز، أو محمولًا على حالة دعت إليه مصلحتها متعدية عامة. وذهب أحمد بن حنبل، ومن وافقه: إلى أن انفتال الإمام إلى المأمومين بجميع بدنه عقب السلام أفضل، واستدل بأحاديث أخرى قال فيها: فلما سَلَّمَ، انْفتلَ، وأَقَبلَ على جُلَسَائِه. والذي يقتضيه الجمعُ بين الأدلة أنه إن كانت المصلحة الشرعية في الاستقبال أكثر، كان أفضل، [وإن كانت في الانفتال إلى المأمومين أكثرَ، كانَ أفضلَ] (١)، والله أعلم. وقوله: "وكانَ يقرأ بالستينَ إلى المئةِ"؛ معناه: يقرأ قراءة مرتلة بالستين من الآيات إلى المئة منها، وفي ذلك مبالغة في التقديم في أول الوقت، والتطويل، لا سيما مع ترتيل قراءة رسول الله ﷺ . وليس هذا الحكم خاصًّا به ﷺ ، وبصحابته الذين كانوا يصلون وراءه، بل هو عام في جميع أمته، إمامُهم، ومأمومُهم، ومنفردُهم، إذا لم يكن عذر من مرض، أو كبر، أو ضعف، أو حاجة، أو صغر. ولهذا ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: "إِذا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فإن منهم الكبيرَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ" (٢)، وقال النبي ﷺ : "إِني أَدْخلُ في الصلاة، وإني أُريدُ إطالَتَها، فَأسمعُ بكاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ في صَلاتي كراهيةَ أَنْ أَشُقَّ على أُمه" (٣). وأحكام الحديث معلومة من شرحه، والله تعالى أعلم.

стр. 299

الحديث الخامس عن عَلِيٍّ ﵁: أَن النبي ﷺ قَالَ يومَ الخَنْدَقِ: "مَلأ اللهُ قُبُورَهُمْ وبيوتَهُمُ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصلاةِ الوُسْطَى حَتى غَابَتِ الشمْسُ" (١). وفي لفظ لمسلم: "شَغَلُونَا عنِ الصلاةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ"، ثُمَّ صَلاهَا بينَ المَغْرب والعِشَاء (٢). وله: عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قَالَ: حَبَس المُشرِكُون رسولَ اللهِ ﷺ عن صَلاَةِ العَصْرِ؛ حتى احْمَرَّتِ الشمسُ، أوِ اصْفَرتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "شَغلُوَنا عَنِ الصلاَةِ الوُسْطَى؛ صَلاَةِ العَصْرِ، مَلأ اللهُ أَجْوَافَهُمْ وقُبُورَهُم نَارًا، أو: حَشَا اللهُ أَجْوَافَهُم وقبورَهُم نَارًا" (٣). أما علي، وابنُ مسعود، فتقدم ذكرُهما. وأمَّا يوم الخندق: فكان في شوال سنة خمس من الهجرة، وقيل: أربع، وهو يوم الأحزاب، وكان الذي أشار على النبي ﷺ بحفر الخندق سلمان، وهو أول غزوة غزاها سلمان مع رسول الله ﷺ ، فخندَقَ على المدينة فيها، بين المدام إلى ناحية رائح، وجعل رسول الله ﷺ سَلْعًا وراءَ ظهره، والخندقَ بينه وبين القوم، والله أعلم. [أما قوله ﷺ : "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا"، في رواية علي]، (٤)، وفي

стр. 300

رواية ابن مسعود: "مَلأَ اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نارًا، أو: حَشَا اللهُ أجوافَهم وقبورَهم نَارًا"، فقد يُستدلُّ بالحديثِ الثاني من رواية ابن مسعود: على منع الرواية بالمعنى؛ حيث تردد بين اللفظيين: ملأَ، وحشا، ولم يقتصر على أحدهما، مع تقاربهما في المعنى، لكن بينهما تفاوتًا، فإن قوله: "حَشَا الله"؛ يقتضي: التراكمَ، وكثرةَ أجزاء المحشو ما لا يقتضيه: ملأ. وقد قيل: إن شرطَ الرواية بالمعنى: أن يكون اللفظان مترادفين، لا ينقص أحدُهما عن الآخر، لكن الأولى الروايةُ باللفظ، وإن جَوَّزْنا الرواية بالمعنى؛ فلعل ابنَ مسعود قصدَ الأفضلَ الأولى متحريًا له. وقوله: "ثُمَّ صَلَّاهَا بينَ المَغْرِبِ والعِشَاء"؛ فيه كلامان: أحدهما: أن تأخيره للعصر، وإخراجها عن وقتها، هل كان عمدًا أو سهوًا؟ فيه احتمالان: فمن قال: عمدًا؛ جعل شغل العدو لهم عذرًا في تأخيرها عن وقتها، وقال: كان هذا قبل نزول صلاة الخوف، وأما بعد نزولها، وإلى الآن؛ فلا يجوز تأخيرها، بل تُصلى على حسب حالة شدة الخوف على ما هو معروف من أنواعها عند العلماء. ثم الذي وقع في "الصحيحين": أَن المؤخرَ صلاةُ العصرِ، وظاهرُه أنَّه لم يفتْ غيرُها. وفي "الموطأ": أنها صلاةُ الظهرِ، والعصرِ (١). وفي غيره: أَنَّه أَخَّرَ أَربعَ صلواتٍ: الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاء، حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل. وطريق الجمع بين هذه الروايات: أن وقعة الخندق بقيت أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، والله أعلم.

стр. 301

الكلام الثاني: هل صلاتُه ﷺ لها بين وقت المغرب والعشاء، أم بين فعلِهما؟ فإن قلنا: بينَ وقتهما؛ لزمَه منهُ الترتيبُ في الفوائت، وفيه مذاهب للعلماء، أوجبه بعضهم، مع اتفاقهم على استحبابه. وإن قلنا: بينَ فعلِهما؛ لزم منه أن تكون العصر الفائتة بعدَ صلاة المغرب الحاضرة، وذلك لا يراه من يوجب الترتيبَ، وفي ذلك احتمالان، لكن يحتاج أحدهما إلى مرجح، إما لوجوب الترتيب في الفوائت، أو لاستحبابه. وقد ورد في "صحيح مسلم": أَن النبي ﷺ بدأَ بالعصرِ، ثُم صَلَّى المغربَ (١)، فتَرَجَّحَ أنه صَلى العصرَ بين وقتِهما، لا بينَ فعلِهما: إما وجوبًا، وإما استحبابًا. أما تحتُّمُ الوجوب، فلا، وحديثُ: "لا صَلاَةَ لِمَنْ عليهِ صلاةٌ" (٢) ضعيفٌ، ولو صحَّ، لحمل على: نفي الكمال، لا الصحة، ولا نقول: إنَّ الأصلَ أَنْ يحكيَ القضاءُ الأداءَ، وفعله ﷺ يعين الوجوب فيه؛ لمعارضة أن الأصل عدمُ الوجوب فيه، والله أعلم. وقولُه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: "حَبَسَ المشركونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، حَتى احْمَرَّتِ الشمْس، أَوِ اصْفَرَّتْ": اعلم أَن اصْفِرَارَ الشمس، واحمرارَها: وقتُ كراهةِ الصلاةِ، ومعلومٌ أَن وقتَ الفضيلةِ، والاختيار، والجواز بلا كراهة: قبلَه. فيكون فعلُها عندَ اصفرارها في وقت الكراهة، لكنَّه كان قبلَ نزول قوله تعالى: ﴿فإن خِفْتُم فرجالًا أَو رُكبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ لأنه لو كانت نزلت، لأُقيمت في حال الخوف.

стр. 302

وظاهره يوهم مخالفةَ الحديث قبلَه، وفعلها بين المغرب والعشاء، وليس كذلك، بل حبسُ المشركين إياه انتهى إلى اصفرار الشمس، ولم يقع فعلُها إلا بعد المغرب؛ لاشتغاله ﷺ ناسيًا لها، أو غيرِها؛ مما اقتضى جوازَ تأخيرها إذ ذاك، والله أعلم. وأما أحكام الحديث: ففيه دليل على: جوازِ الدعاءِ على الكفار بمثل هذا الدعاء، وعلى الإخبار بسبب الدعاء؛ لإقامة العذر. وفي ظاهره دليل على: إِنْ فاتَتْهُ الفريضة تُقضَى في جماعة؛ وبه قال العلماء كافة. إلا ما حُكي عن الليث بن سعد: أنه منعَ ذلك، فإن صحَّ؛ فهو مردود بظاهر هذا الحديث، وبصريح أن النبي ﷺ صَلَّى الصبحَ بأصحابه جماعة حين ناموا عنها بعد طلوعِ الشمس؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" (١). وفيه دليل على: أن من فاتته صلاة، وصلاها في وقت آخر؛ أنه يبدأ بالفائتة، ثم يصلِّي الحاضرة، وهو مجمَع عليه، لكنَّه عندَ الشَّافعي، وطائفة: على الاستحباب، فلو صلى الحاضرة، ثم الفائتة، جاز. وعند مالك، وأبي حنيفة، وآخرين: على الإيجاب، فلو قدم الحاضرة، لم يصح، وتقدم دليلهما مبينًا. وقد يحتج بفعله ﷺ العصرَ مقدمة على المغرب بعدَ غروب الشمس؛ مَنْ يقول: إن وقت المغرب متسعٌ إلى غروب الشَّفَق؛ لأنه لو كان ضيقًا، لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتُها، فدلَّ على أنه متسع. لكن لا يمشي ذلك عند من يقول: إنه ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا؛ لأن المختار اتساعه؛ كما بيناه فيما تقدم، والله أعلم.

стр. 303

وفيه دليل على: أنَّ الصلاةَ الوسطى؛ هي العصرُ، وقد اختلف العلماء من الصحابة، فمَنْ بعدَهم فيها في المراد بها في القرآن العزيز. لكنَّ صريحَ هذه الأحاديث يعين أنها العصر، وبه قال: عليُّ بنُ أبي طالب، وابنُ مسعود، وأبو أيُوب، وابنُ عمر، وابنُ عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعَبيدة السلماني، والحسنُ البصري، والنَّخَعِي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود بن المنذر، وغيرهم، قال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة، فمَنْ بعدَهم (١). وقاله الماوردي عن مذهب الشافعي؛ لصحة الأحاديث فيه، قال: وإنما نصَّ على أنها الصبح؛ لأنه لم تَبلغْه الأحاديث الصحيحة في العصر، ومذهبه اتباع الحديث، وهذا هو المذهب الصحيح في المسألة. وقالت طائفة: هي الصبح؛ وهو منقولٌ عن عمرَ، وابنِه، وابنِ عباس، ومعاذٍ، وجابرٍ، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، والربيعِ بنِ أنسٍ، ومالكِ بنِ أنسٍ، والشَّافعيِّ، وجمهورِ أصحابِه، وغيرِهم، وأجاب هؤلاء عن الحديث على طريق المعارضة له، وللفظه، ومعناه. أما المعارضة له: فعُورِضَ بحديث رواه مالك، من حديث أبي يونس، مولى عائشة: أنه قال: أمرتني عائشةُ أن أكتبَ لها مُصحفًا، ثم قالت: إذا بلغْتَ هذه الآية، فآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلما بلغْتُها، آذَنتُها، فأمْلَتْ عليَّ: حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين، ثم قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (٢). ونحوه روي -أيضًا- عن زيد بن أسلم، عن عمر بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصةَ أُم المؤمنين، فذكر عنها مثلَ ما ذكر عن عائشة (٣).

стр. 304

والمعطوف يغاير المعطوف عليه، وهذا ينبني على خبر الآحاد، هل يثبت به قرآنٌ؟ وإذا لم يثبت به، هل تنزل منزلة خبرِ الآحاد في العمل به؟ اختلف الأصوليون فيه: فالمنقول عن أبي حنيفة: تنزيله منزلته، ولهذا أوجب التتابع في صوم الكفارة للقراءة الشاذة: (فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعاتٍ) (١). والمختار عندهم: أنه لا يجوز إثبات القرآن بالآحاد؛ لأنه لم يُروَ على أنه خبرٌ. لكنَّه قد يعطف الشيء على نفسه، أو يكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض مع اتحاد الشخص، ومنه قول الشاعر (٢): إِلَى (٣) المَلكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثِ الكَتَيبةِ في المُزْدَحَمْ ومنهم من تمسك في إثبات أنها الصبح؛ بقرينة قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ لأن القنوت في الصبح، وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: أَنَّ القنوتَ مشتركٌ بين القيام، والسكوت، والدعاء، وكثرة العبادة، فلا يتعين حملُه على قنوت صلاة الصبح. الثاني: أَنَّ الحكمَ قد يُعطَفُ على مثله، وإن لم يكونا مجتمعين في موضعٍ واحدٍ مختصين به، فتضعف القرينة. ومنهم من تمسك بأنها الصبح بالتأكيد فيها في الأحاديث الصحيحة؛

стр. 305

كقوله ﷺ : "لو يَعْلَمُونَ مَا في الصُّبْحِ والعَتْمَةِ؛ لأتوْهُما ولَوْ حَبْوًا" (١)؛ لكنه إنما سِيْقَ في مَعْرِضِ ذم المنافقين بتأخرهم عنها. مع أنه معارضٌ بالتأكيداتِ في صلاة العصر؛ كقوله ﷺ : "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ" (٢)، وقوله ﷺ : "فإِنِ اسْتَطَعْتُمُ ألا تُغْلَبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وقَبْلَ غُرُوبِها" (٣)، وحمل المفسرون قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق: ٣٩] على صلاة الصبح، وصلاة العصر. مع ما ثبت من التشديد في ترك صلاة العصر، ما لا يعلم ثبوته في ترك الصبح؛ كقوله ﷺ : "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ، حَبِطَ عَمَلُهُ" (٤)، وَ"مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فكأَنَّما وُتِرَ أَهْلَهُ، ومَالَهُ" (٥). وأما المعنى: فهو أَنَّ تخصيصَ الصلاةِ الوسطى بالمحافظة؛ لأجل المشقة، والمشقة في الصبح أكثر؛ لكونها تكون في حال طيب النوم، ولذته؛ حتى قيل: إِنَّ ألذَّ النومِ، إغفاءَةُ الصبح؛ فناسب ذلك أن تكون هي المخصوصة بالمحافظة عليها. لكنَّه معارضٌ بما في صلاة العصر من مشقة تركِ مَعَاشِ الناس وتكسبهم، مع أنه لو لم يعارض بذلك، لكان ساقطَ الاعتبار بالنص على أنها العصر، مع أن للفضائل والمصالح مراتبَ لا يحيط بها البشر، فالواجبُ: اتباعُ النصوصِ فيها.

стр. 306

ثم قد سَلَكَ المخالِفُ للنص في أنها العصر مسلكَ النظر في كونها وُسْطى من حيث العدد؛ فلا بُدَّ من تعيين ابتدائها فيه بحيث يقع به معرفة الوسط، وبه يقع التعارض. فمن قال: إنَّها الصبحُ، يقول: سبقَها المغرب، والعشاء ليلًا، وأخر عنها الظهر، والعصر نهارًا، فكانت وسطًا. ومن قال: إنها المغربُ، يقول: سبقها الظهر والعصر -كيفَ وقد سُمِّيت الظهرُ أولى-، وتأخر عنها العشاء والصبح، فكانت هي الوسطى؛ وهو قول قَبِيصَةَ بنِ ذؤيب. ومن قال: هي العشاء، يقول: سبقها صلاة نهار، وصلاة ليل، وتأخر عنها صلاة بينهما، وصلاة نهار، مع أن الصبح قد اختُلِفَ فيها؛ هل هي نهارية، أو ليلية، أو لا يوصف بهما؟ على ثلاثة مذاهب للسلف. ومن قال: الظهر هي عكس القول في العشاء في التقديم، والتأخير. وهذا لا يتعين، بل ينبغي أن يكون مسلك النظر من حيث الفضل؛ كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عدلًا. ومع ذلك كله، فأقوى دليل لمن قال: إنها الصبح، ومنع أنها العصر، قضية العطف الذي قدمناه، وهي قاصرةٌ عن النص: في أنها العصر، وقد أقسم الله تعالى بها؛ تعظيمًا لها في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١)﴾ [العصر: ١] قال مقاتل: أقسم بصلاة العصر؛ وهي الصلاة الوسطى. والاعتقاد منه أقوى من الاعتقاد المستفاد من العطف، والواجب على الناظر المحقق: أَنْ يزيلَ الضعيف، ويعمل بالأرجح منها، والله أعلم. ثم حكى القاضي عياض ﵀ في الصلاة الوسطى قولين آخرين، غير ما ذكرنا، أحدهما": أنها مبهمةٌ في الخمس، والثاني: أنها الجمعةُ، وقيل: إن الوسطى جميعُ الخمسِ. وكلُّها أقوال ضعيفة جدًّا، خصوصًا في الجمعة؛ لأن المفهوم بالإيصاء

стр. 307

بالمحافظة عليها، إنما كان كونها معرضة للضياع؛ وهو غير لائق بالجمعة، فإن الناس -في العادة- يحافظون عليها أكثر من غيرها، فإنها تأتي في الأسبوع مرة، بخلاف غيرها. وأما من قال: هي جميع الخمس؛ فهو ضعيف، أو غلط؛ لأن العرب لا تذكر الشيء مفصلًا، ثم تجمله، وإنما تذكره مجملًا ثم تفصله، أو تفصل بعضَه تنبيهًا على فضيلته، وقد تجمله جميعه من غير تفصيل؛ تنبيهًا على المحافظة على جميعه، فيكون القول بإبهامها في الخمس من هذا الأخير، والله أعلم. ثم أصحُّ الأقوال في الصلاة الوسطى: الصبح، والعصر، وأصحهما: العصر، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عباسٍ ﵄، قالَ: أَعْتَمَ النبيُّ ﷺ ، بالعِشَاءِ، فَخَرَجَ عُمرُ ﵁ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! رَقَدَ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ وَرَأْسُه يقْطُرُ، يقولُ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي -أَوْ عَلَى الناسِ-، لأَمَرْتُهُمْ بِهَذِهِ الصَّلاَةِ، هَذه السَّاعَةَ" (١). أما ابن عباس، فتقدم ذكره. وأما قوله: "أَعْتَمَ"، فمعناه: أَخَّر الصلاة حتى اشتدت عتمةُ الليل؛ وهي ظلمتُه، يقال: عَتَم بالليل، يَعْتِم -بكسر التاء-: إذا أظلم، والعتمة: الظلمة، ونقل عن الخليل: أنها اسمٌ لثُلثِ الليل الأول بعد غروب الشفق. وقد يستعمل أعتم بمعنى: دخل في العتمة؛ كما يقال: أصبح، وأمسى،

стр. 308

وأظهر؛ أي: دخل فيها (١)، قال الله تعالى: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]، وقال: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. واستدل بعضهم بقوله: أَعْتَمَ، على جواز تسمية هذه الصلاة: بالعتمة، وليس فيه دليل؛ لأنَّا فسرنا أعتم؛ بمعنى: تأخير الصلاة، أو الدخول في وقت العتمة، ولا يلزم من ذلك جوازُ تسمية العشاء بذلك، وقد تقدَّم في الحديث الرابع من هذا الباب الكلامُ على ذلك، والاختلافُ فيه. لَكنْ قال الشَّافعي: وأحب ألا تُسَمَّى صلاة العشاء: بالعتمة (٢)، وإنما قال ذلك؛ لما في الحديث من النهي في قوله ﷺ : "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعرابُ على اسمِ صلاتِكم، أَلا وإنها العِشاءُ" (٣) عن غلبة التسمية، والتنفير عنها؛ لأنفة النفوس من الغلبة. وإضافة الاسم إليهم في قوله: "عَلَى اسْمِ صلاتِكُم" قال: فيه زيادة، ألا ترى أنا لو قلنا: لا تُغَلبَنَّ على مالك، كان أشدَّ تنفيرًا من قولنا: لا يغلبنَّ على مال، أو على المال؛ لدلالة الإضافة على الاختصاص به. ولا شَكَّ أَن الأَوْلَى عدمُ تسميتها بالعتمة؛ وهو مقتضى كلام الشَّافعيِّ، أما الكراهة فلا؛ لأن قوله: لا أحبُّ، أقربُ إلى الأولوية، أو نقول: النهي راجع إلى الغلبة؛ كما ذكرنا. ولا شك أنها مكروهةٌ دائمًا، أو أكثر، ولا يناقضه أن يستعمل قليلًا؛ جمعًا بين استعماله ﷺ لفظ العتمة في قوله: "ولو يعلمون ما في الصُّبحِ، والعتمة" (٤)، والنهي عن تسميتها عتمة، والله أعلم. ثم على قول من قال: إنَّ العتمةَ اسمُ الثلث الأول بعدَ غيبوبة الشفق لا يحمل

стр. 309

على أول أجزاء هذا الوقت؛ بل على آخره، أو ما يقاربه؛ لتظهر فائدته بمخالفة العادة، وفائدة قول عمر ﵁: "رقدَ النساءُ والصبيانُ"، وقوله ﷺ : "لولا أَنْ أَشُقَّ على الناسِ، أو على أُمَّتي؛ لأمرتُهم بهذه الصلاةِ هذهِ الساعَةَ". ثُم كلمة "لولا" تدل على: انتفاء الشيء؛ لوجود غيره، وقد تقدم ذلك في السواك في قوله ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي؛ لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ"؛ (١) وأَن مطلقَ الأمرِ للوجوب؛ فهل يتساوى لفظ الحديثين في ذلك، أم لا؟ فلك أَنْ تمنعَ التساويَ فيهما، وتقولَ: الذي اقتضاه لفظُ الحديث هنا: انتفاءُ الأمر؛ لوجودِ المشقة، والمنفي أمرُ الوجوب؛ لثبوتِ الاستحباب في تأخيرها عند من يراه. فأما من يرى أَن تقدَيمها أفضلُ؛ لما دل عليه الدليل عنده، فيتعارضان، ويرجح دليلُ التأخير من خارج، وتكون مقدمة لذلك، ويصيرُ مجموع الحديثين دليلًا على أن الأمر للوجوب بهذه المقدمة. وقولُ عُمرَ ﵁: "يا رسولَ اللهِ! رَقَدَ النِّسَاءُ والصِّبيانُ". يحتمل أنه قاله لطلب فائدة يسمعها من النبي ﷺ في ذلك، أو لظن الغفلة عن التقديم، ثم طلب الفائدة قد يكون راجعًا إلى المسجد؛ لقلة احتمال النساء والصبيان المشقة في حضورهم الصلاة في الجماعة، أو انتظارهم في البيوت؛ لمن يصليها في المسجد ممن حضر المسجد؛ إشفاقًا عليهم، أو إشفاقًا على المصلين؛ لشغل قلوبهم بمن في البيوت من النساء والصبيان؛ لانتظارهم إياهم في العادة. وأما الصبيان، فهو جمع صبي، وهو الغلامُ من حينِ يولد إلى أن يبلغَ -وهو بكسر الصاد، وضمها-؛ كقضيب، وقضبان.

стр. 310

واعلم أنه ﷺ إنما أخرها قصدًا؛ لتطويل مدة الانتظار؛ فإن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة. وقوله: "فَخَرجَ ورَأْسُهُ تقْطُرُ"؛ أي: شَعْرُ رَأْسه يَقْطُرُ؛ لكون القطر إنما يكون من الشَّعْر لا من الرأس، فعبر عنه مجازًا لنيابة فيه، وكان ذلك من أثر اغتساله ﷺ ، ويحتمل أنه من أثر الوضوء، وهو بعيد، والله أعلم. وأما أحكامه: ففيه دليل على: تتبع أفعال النبي ﷺ ، وأحواله، وأقواله، ونقلها إلى أمته، وأنها كلها شرع يُقْتَدى به. وفيه: تأخيرُ صلاة العشاء، وأنه مستحبٌّ، لكن هل هو أفضل، أم التقديم، أم يختلف باختلاف الأحوال والأزمان؟ فيه أقوال للعلماء تقدمت. ظاهر هذا الحديث: أَن التأخيرَ أفضلُ؛ لأنه ﷺ عليه بهذا اللفظ، وأن الغالب كان تقديمها. وبه استدلَّ من قال بتفضيل التقديم، وقال: لو كان التأخير أفضل؛ لواظَبَ عليه، وإن كان فيه مشقة، والحكمة في تركه: خشيةَ أَنْ يُفْرضَ عليهم، أو يتوهموا إيجابه؛ كتركه ﷺ صلاة التراويح، وتعليله إياه: بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، فيكون التأخير الآن أفضل. وفيه: تنبيهُ التابعِ المتبوعَ على أمرٍ يجري على خلاف المعتاد؛ ليتعرف حكمته، أو أنه غفل عنه، ونحو ذلك. وفيه: أنه يستحب للعالم، أو الإمام: أن يعتذر إلى أصحابه إذا تأخر عنهم، أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم، ويقول لهم وجه المصلحة فيه. وفيه دليل على: أن الأمر للوجوب. وفيه: شرعية النظر في أمر الضعفاء؛ كالنساء، والصبيان، ونحوِهم أكثرَ من غيرهم.

стр. 311

وفيه: أنه يجوز لغير المؤذن الراتب أن يُعْلِمَ الإمامَ بالصلاة، خصوصًا إذا كان في إعلامه مصلحةٌ ظنها، أو تحقَّقها. وفيه: ذكر المصلحة مبينة غير مجملة، والله أعلم. * * * الحديث السابع عن عائشِةَ ﵂، عَنِ النبي ﷺ ، قَالَ: "إذَا أقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وحَضَرَ العَشَاءُ، فابْدَؤوا بِالعَشَاءِ" (١)، وعن ابنِ عمرَ: نحوُه (٢). ولمسلمٍ عَنْها، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، ولا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ" (٣). أمَّا عائشةُ، وابنُ عمر؛ فتقدَّم ذكرهما. اعلم: أن الألف واللام في قوله ﷺ : "إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ"؛ يحتمل الاستغراقَ بجميع الصلوات، ويحتمل أن يكونَ لتعريف الماهية، ويحتمل أن يكون للعهد؛ لصلاة معينة للشرع. لا جائز أن يكون للاستغراق للأمر بالبداءة بالعشاء لحضور العشاء؛ فخرج به صلاة النهار، وتبين أنها غير مرادة، فبقي الترددُ بين صلاة الليل؛ وهي: المغرب، والعشاء، وانتفى تعريف الماهية، وترجحَ حملُها على معهود الشرع معين عنده؛ وهي: المغرب؛ لما صح في بعض الروايات: "إذا وُضِعَ العَشَاءُ،

стр. 312

وأَحَدُكُم صَائِمٌ، فابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا" (١)، وفي رواية صحيحة: "فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاَةَ المَغْرِبِ" (٢). والحديث يفسر بعضه بعضًا، فأما أهل القياس والنظر، ففهموا المعنى في الحديث: في تقدم الطعام على الصلاة؛ لعدم التشويش بالتشوف إلى الطعام؛ لتنبيهه ﷺ بقوله في الرواية المفسرة: "وأَحَدُكُمْ صَائِمٌ"؛ فإنه مؤدٍّ إلى عدمِ الحضورِ في الصلاة. لكن هل يقتصر على ما يكسر سَوْرَةَ الجوع، أو يأكل ما يشبعه؛ بحيث لا يؤدي إلى خروج الصلاة عن وقتها، ولا يذهب حضوره فيها؟ نُقِلَ عن الإمام مالك ﵀: البَدَاءَةُ بالصلاة، إلا أن يكون طعامًا خفيفًا، واستدل بالحديث المفسر، وعلى أَن وقتَ المغرب فيه توسعة. لكن إن أراد التوسعة بالنسبة إلى الطعام للصائم، فمقبول، وإن أراد التوسعة إلى غروب الشفَق، ففيه نظر بالنسبة إلى من يقول بضيقِ وقتِها، وتقديره بزمان معين يدخل فيه ما يكسر سَوْرة الجوع بلقيمات. وأما الظاهريَّة فقالوا: بتقديم الطعام على الصلاة مطلقًا، وزاد بعضهم، فقال: وإن صلى، فصلاتُه باطلة، والله أعلم. وقوله ﷺ : "لا صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعامِ، ولا وَهُوَ يُدافعُهُ الأخبثان": الأخبثان: البولُ، والغائط، وقد ورد التصريحُ بهما في بعض الأحاديث. وهذا الحديث عام في كل صلاة، ومنعها مع حضور الطعام، ومدافعة الأخبثين؛ لأن (لا) لنفي الجنس مع النكرة تعم، وصلاة نكرة مع لا؛ فكان ذلك عامًّا في كل صلاة.

стр. 313

وقد تقدم الكلام بالنسبة إلى اللفظ قبله، وأنه خاص بالمغرب، لا بالنسبة إلى المعنى؛ فإن هذا دال على: المعنى والتعميم، وفيهما دليل على: تقديم حضور القلب، وفضيلته في الصلاة على فضيلة أول الوقت؛ فإنهما لمَّا تَزَاحَمَا قَدمَ صاحبُ الشرع الوسيلةَ إلى حضورِ القلب على أداء الصلاةِ في أولِ الوقت. وقد يمنع أصحابُ المعاني في هذا الحديث: الحكمَ بتأخير الصلاة بمجرد حضور الطعام، بل يقولون: لا يدفع حضوره التشوف إليه. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: والتحقيق في هذا: أن الطعام إذا لم يحضر؛ فإما أن يكون متيسرَ الحضور عن قرب حتى يكون كالحاضر، أو لا. فإن كان الأول: فلا يبعد أن يكون كالحاضر، وان كان الثاني: وهو ما يتراخى حضوره، فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإن حضور الطعام يُوجب زيادةَ تشوُّفٍ، وتطلُّعٍ إليه. وهذه الزيادة يمكن أن تكون اعتبرها الشارع في تقديم الطعام على الصلاة، فلا ينبغي أن يُلحقَ بها ما لا يساويها؛ للقاعدة الأصولية: إن محل النص إذا اشتمل على وصفٍ يمكن أن يكون معتبرًا، لم يُلْغَ، هذا آخر كلامه، وهو نفيس، والله أعلم (١). ثم اعلم أن مدافعة الأخبثين لا تخلو من أحوال: أحدها: أن يكون بحيث لا يعقل بسببه الصلاة، وضبط حدودها، فهذا لا تحل له الصلاة، ولا الدخول فيها إجماعًا. الثاني: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية، ومذهب جمهور الأمة: أَنه لا تبطلُ صلاتُه. ونقل عبد الله بن خفيف ﵀ عن الشَّافعيِّ ﵀ قولًا: أَنَّ ذهابَ الخشوعِ يُبطِلُ الصلاَة، وهو غريب جدًّا.

стр. 314

أما الدخول فيها مع فقدان الخشوع، فقد يقال: يمنعه على هذا القول، والذي يتعين: أنه مكروهٌ. الثالث: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن، أو شرطٍ امتنع الدخول في الصلاة معه، وان دخل، واختل الركن، أو الشرط، فسدت الصلاة به. وان لم يؤدِّ إلى ذلك، فالمشهورُ من مذاهب العلماء: الكراهة. ونقل عن مالك في ذلك: أنَّه يؤثرُ في الصلاة بشرط شغله عنها، وأنه يعيد في الوقت، وبعدَه، وتأولَه بعضُ أصحابه: على شغل لا يدري كيف صلى معه، وأما الشغلُ الخفيف الذي لا يمنعُ إقامةَ حدودها مع ضَمِّ وركيه، فهو الذي يعيدُ معه في الوقت. والذي يقتضيه التحقيق: أنه إن منع ركنًا، أو شرطًا، منع الدخول، وقيل: فسدت الصلاة به، وإن لم يمنع: فهو مكروه نظرًا إلى المعنى، وإلا: فهو مانع الدخول، أو الاستمرار؛ نظرًا إلى أصل النهي، لكن فعلها مع النهي لا يقتضي الإعادة عند الشافعي، فإنها لا تجب إلا بأمر مجدد. الرابع: أن يكون بحيث يؤدي به إلى الشك في شيء من الأركان، فحكمُه حكمُ مَنْ شكَّ فيها بغير هذا السبب، وهو البناء على اليقين بأنه لم يفعله، فيأتي به، ويكون ذلك مكروهًا -أيضًا-. وقد جعل بعضُهم مدافعة الأخبثين ناقضًا للطهارة، أو قائمًا مقام الناقض؛ لخروج الخبث عن محله ومقره، فيجعله مانعًا للدخول في الصلاة، وهذا بعيد؛ لأنه إحداثُ سببٍ في نواقض الوضوء من غير دليل لم يذكره أحد من العلماء، وليس في الحديث صراحة به، وإن كان فيه مناسبة، لكنها لا تثبت بها الأحكام، والله أعلم. وأما أحكامه: ففيه دليل على: أن شهود الصلاة في الجماعة ليس بواجب؛ لأن النداء

стр. 315

بالإقامة إذا سمعه وهو في بيته، وقد حضر طعامه، لم يجبه، وبدأ به، وإن فاتته الصلاة في الجماعة. وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن الجماعة لا يسقط أصل وجوبها به، لكن حضورَ الطعام عذرٌ في تركها، ووجود العذر رخصة في ترك الواجب، لا أنه يرفعه بمعنى عدم تعلق الخطاب به. وفيه دليل على: أنه يبدأ بالأكل، ويأكل حاجته بكاملها بحيث يسمى عشاء، ويؤيد ذلك قوله ﷺ في رواية في "صحيح مسلم: "فابْدَؤوا بِالعَشاء" ولا تعجلَنَّ حتى تفرغَ منه". وهذا يضعف تأويلَ من تأوله على أكل ما يكسر سورةَ الجوع، ويبطله؛ لكن شرطَه: ألا تخرجَ الصلاة عن وقتها، وتصيرَ قضاءً، هذا هو المذهب الصحيح عند الشافعي، وجمهور أصحابه، وغيرهم. وحكى أبو سعيد المتولي من أصحاب الشافعي وجهًا لبعض الأصحاب: أنه لا يصلِّي، بل يأكلُ، ويتوضأ، وإن خرج الوقتُ؛ لأن مقصودَ الصلاة الخشوعُ، فلا يفوته، وهو ضعيف؛ لما يلزم منه من ترك واجب لأجل المحافظة على فعل مندوب. مع أن العلماء من أصحاب الشَّافعي، وغيرهم قالوا: وإن ترك الطعام، وصلى على حاله، وفي الوقت سعة، فصلاته صحيحة، وكان فعلها مكروهًا، ويُستحب له إعادتها. وفيه دليل على: أنه ينبغي ألا يدخلَ في الصلاة إلا وقلبه فارغٌ من كل ما يشغله، ويُذهب خشوعَه؛ لأنه إذا نُهي عنها لأمر لازم ليس وجوده بتعاطيه؛ فغيره مما يتعاطاه أولى. وفيه دليل على: فضيلةِ هذه الأمة، وما منحها الله تعالى من مراعاة حظوظ البشرية، وتقديمها على الفضائل الشرعية، ووضع الشديدات عنها، وتوفير ثوابها على ذلك، خصوصًا إذا قصده للمتابعة؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.

стр. 316

الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّون، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتى تَغْرُبَ (١). عَنْ أَبي سَعيدِ الخُدْرِي ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قال: "لا صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَرْتَفعَ الشمْسُ، ولاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حتى تَغِيبَ الشمْسُ" (٢). وفي الباب: عن علي بنِ أبي طالبِ، وعبدِ الله بنِ مسعودِ، وعبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جندب، وسلمةَ بنِ الأكوعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومُعاذِ بنِ عفراءَ، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأبي أمامةَ الباهلي، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ السلمي، وعائشةَ، والصُّنابِحِي، ولم يسمع من النبي ﷺ ﵃. أما ابنُ عباسِ، وعليٌّ، وابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عَمْرِو، وأبو هريرةَ، وعائشةُ؛ فتقدم ذكرهم. وأما أبو سعيدِ: فاسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانَ بنِ عبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيدِ بنِ الأَبْجَر وهو خدرةُ بنُ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الأنصاري، وهو وأبوه صحابيان. استشهد أبوهُ مالك يومَ أُحد، وكان يقال له: سعدُ بنُ الشهيد؛ إشارة إلى جده سنان، استُصْغِر يومَ أُحدٍ فَرُدَّ، وغزا بعدَ ذلك مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرةَ غزوةً.

стр. 317

وهو من أكثر الصحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله ﷺ : ألف حديثٍ ومئةُ حديثٍ وسبعون حديثًا؛ اتفق البخاري ومسلم على: ستة وأربعين حديثًا، وانفرد البخاري: بستةَ عشرَ حديثًا، ومسلمٌ: باثنين وخمسين حديثًا. وروى عنه من الصحابة: عبدُ الله بنُ عمر، وجابرُ بنُ عبد الله، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ الله بنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ سهلُ بنُ حُنيفٍ، وخلقٌ كثير من التابعين. وكان ممن بايع النبي ﷺ هو وخمسة على: ألا تأخذهم في الله لومة لائم، منهم: أبو ذر، وسهل بن سعد، وعبادة بن الصامت. وروى حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجمحيُّ، عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقهَ من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم. وروى له: أصحاب السنن والمساند. مات بالمدينة يومَ جمعة، سنةَ أربعٍ وستين، وقيل: وسبعين؛ وهو ضعيف، ابنَ أربعٍ وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. وأما الخُدْرِيُّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، وبالراء، ثم ياء النسب-، فنسبة: إلى خُدرة جد من أجداده، وخدرة، وخدارة: أخوان بطنان من الأنصار، أبو مسعود الأنصاري: من خدارة، وأبو سعيد: من خدرة؛ وهما: ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج. قال أبو عمر بن عبد البر: كان أبو سعيد من الحفاظ، المكثرين، العلماء، الفضلاء، العقلاء (١).

стр. 318

وأما سمرة بن جندب: فاختلف في كنيته؛ فقيل: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، ويقال: جندب -بضم الجيم، وبضم الدال، وفتحها-. وهو سمرةُ بنُ جندبِ بنِ هلالِ بنِ خديجِ بنِ مُرَّةَ بنِ حزمِ بنِ عمرِو بنِ جابرِ بنِ ذي الرئاستين الفزاري، حليف الأنصار. رُويَ له عن رسول الله ﷺ : مئةُ حديثٍ وثلاثةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفق البخاري، ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة، روى عنه: عمران بنُ حُصين، وجماعةٌ من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. وكان يسكن البصرة، ومات بها سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، سقط في قدر مملوءٍ ماءً حارًا؛ كان يتعالج بالقعود عليها من كراز شديد أصابه؛ فسقط في القدر الحارِّ، فمات؛ فكان ذلك تصديقًا لقول رسول الله ﷺ له، ولأبي هريرة، وثالثٍ معهما: "آخرُكم موتًا في النار" (١). وقال محمد بن سيرين: كان سمرة -ما علمت- عظيمَ الأمانة، صدوقَ الحديث، يحب الإسلام وأهلَه (٢). وقال [أبو] عمر بن عبد البر: وكان سمرةُ من الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ . وقال سمرة: لقد كنتُ على عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني، ولقد صليت مع

стр. 319

رسول الله ﷺ على امرأة في نفاسها؛ فقام عليها للصلاة وسطَها (١). وأما سَلَمَةُ بنُ الأكَوَعِ: فكنيته: أبو إِياس، بابنه إياس؛ وهو الأكثر، وقيل: أبو مسلم؛ وهو مرجَّح عند جماعة، ويقال: أبو عامر. والأكوع: جدُّه، وهو لقبٌ له، وهو سلمةُ بنُ عمرِو بنِ سنانَ، وهو اسمُ الأكوعِ بنِ عبدِ الله بنِ قشيرِ بنِ خزيمةَ بنِ مالكِ بنِ سَلامان بنِ أفصى بنِ خارجةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ الأسلمي. شهد معه الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسولَ الله ﷺ يومئذٍ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت. وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمةَ بنِ الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله ﷺ يومَ الحديبية؟ قال: على الموت (٢). وقال سلمةُ: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبعَ غزواتٍ، وخرجت فيما بعث من البعوث سبعَ غزواتٍ. ويقال: إنه شهد مؤتة، وكانت سبب إسلامه؛ فيما ذكره ابن إسحاق: أنه كلمه الذئب. قال سلمة: رأيت الذئب أخذَ ظبيًا، فطلبتُه حتى نزعتُه منه، فقال: ويحكَ ما لي ولك؟! عمدت إلى رزق رزقنيه اللهُ ليس من مالك، فنزعته مني، قال: قلتُ: يا عبادَ الله! إن هذا لعجب! ذئبٌ يتكلم! فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن

стр. 320

النبي ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله، وتأبَوْن إلا عبادة الأوثان! قال: فلحقتُ برسول الله ﷺ ، وأسلمت (١). وقد كلم الذئب رافع بن عميرة، الصحابي -أيضًا-، والله أعلم. روى سلمةُ عن رسول الله ﷺ : سبعةً وسبعين حديثًا؛ اتفقا على: ستةَ عشرَ، وانفردالبخاري: بخمسةٍ، ومسلم: بتسعةٍ. روى عنه: ابنه إِياس، ومولاه يزيدُ بنُ أبي عبيد، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، وغيرُهم من التابعين. سكن الرَّبذة، وكان شجاعًا، راميًا، محسنًا، خيرًا، قال ابنه إياس: ما كذب أبي قطُّ، وروى عن أبيه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "خَيْرُ رَجَّالَتِنَا: سَلَمَةُ ابنُ الأَكْوَعِ" (٢). مات ﵀ سنةَ أربع وسبعين، بالمدينة، وهو ابنُ ثمانين سنة. روى له: أصحابُ السنن والمساند (٣). وأما زيدُ بنُ ثابتٍ: فكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة؛ بابنهِ، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن. وهو زيدُ بنُ ثابتِ بنِ الضحَّاكِ بنِ زيدِ بنِ لوذانَ بنِ عمرِو بنِ عبدِ عوفِ ابنِ غنيمِ بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ، أنصاريٌّ نجاريٌّ، وقال ابن حِبان: هو من بني سلمة، أحدِ بني الحارث بن الخزرج؛ وهو أخو يزيدَ بنِ ثابتٍ.
следующие страницы →