الحديث الثامن
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّون، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ: أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتى تَغْرُبَ (١).
عَنْ أَبي سَعيدِ الخُدْرِي ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قال: "لا صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حتَّى تَرْتَفعَ الشمْسُ، ولاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حتى تَغِيبَ الشمْسُ" (٢).
وفي الباب: عن علي بنِ أبي طالبِ، وعبدِ الله بنِ مسعودِ، وعبدِ الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب، وعبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ بنِ جندب، وسلمةَ بنِ الأكوعِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، ومُعاذِ بنِ عفراءَ، وكعبِ بنِ مُرَّةَ، وأبي أمامةَ الباهلي، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ السلمي، وعائشةَ، والصُّنابِحِي، ولم يسمع من النبي ﷺ ﵃.
أما ابنُ عباسِ، وعليٌّ، وابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عَمْرِو، وأبو هريرةَ، وعائشةُ؛ فتقدم ذكرهم.
وأما أبو سعيدِ:
فاسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانَ بنِ عبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيدِ بنِ الأَبْجَر وهو خدرةُ بنُ عوفِ بنِ الحارثِ بنِ الخزرجِ، الأنصاري، وهو وأبوه صحابيان.
استشهد أبوهُ مالك يومَ أُحد، وكان يقال له: سعدُ بنُ الشهيد؛ إشارة إلى جده سنان، استُصْغِر يومَ أُحدٍ فَرُدَّ، وغزا بعدَ ذلك مع رسول الله ﷺ اثنتي عشرةَ غزوةً.
стр. 317
وهو من أكثر الصحابة حديثًا، رُوي له عن رسول الله ﷺ : ألف حديثٍ ومئةُ حديثٍ وسبعون حديثًا؛ اتفق البخاري ومسلم على: ستة وأربعين حديثًا، وانفرد البخاري: بستةَ عشرَ حديثًا، ومسلمٌ: باثنين وخمسين حديثًا.
وروى عنه من الصحابة: عبدُ الله بنُ عمر، وجابرُ بنُ عبد الله، وزيدُ بنُ ثابت، وعبدُ الله بنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ سهلُ بنُ حُنيفٍ، وخلقٌ كثير من التابعين.
وكان ممن بايع النبي ﷺ هو وخمسة على: ألا تأخذهم في الله لومة لائم، منهم: أبو ذر، وسهل بن سعد، وعبادة بن الصامت.
وروى حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجمحيُّ، عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله ﷺ أفقهَ من أبي سعيد، وفي رواية: أعلم.
وروى له: أصحاب السنن والمساند.
مات بالمدينة يومَ جمعة، سنةَ أربعٍ وستين، وقيل: وسبعين؛ وهو ضعيف، ابنَ أربعٍ وسبعين سنة، ودفن بالبقيع.
وأما الخُدْرِيُّ -بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، وبالراء، ثم ياء النسب-، فنسبة: إلى خُدرة جد من أجداده، وخدرة، وخدارة: أخوان بطنان من الأنصار، أبو مسعود الأنصاري: من خدارة، وأبو سعيد: من خدرة؛ وهما: ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج.
قال أبو عمر بن عبد البر: كان أبو سعيد من الحفاظ، المكثرين، العلماء، الفضلاء، العقلاء (١).
стр. 318
وأما سمرة بن جندب: فاختلف في كنيته؛ فقيل: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، ويقال: جندب -بضم الجيم، وبضم الدال، وفتحها-. وهو سمرةُ بنُ جندبِ بنِ هلالِ بنِ خديجِ بنِ مُرَّةَ بنِ حزمِ بنِ عمرِو بنِ جابرِ بنِ ذي الرئاستين الفزاري، حليف الأنصار. رُويَ له عن رسول الله ﷺ : مئةُ حديثٍ وثلاثةٌ وعشرون حديثًا؛ اتفق البخاري، ومسلم: على حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بأربعة، روى عنه: عمران بنُ حُصين، وجماعةٌ من التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. وكان يسكن البصرة، ومات بها سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، سقط في قدر مملوءٍ ماءً حارًا؛ كان يتعالج بالقعود عليها من كراز شديد أصابه؛ فسقط في القدر الحارِّ، فمات؛ فكان ذلك تصديقًا لقول رسول الله ﷺ له، ولأبي هريرة، وثالثٍ معهما: "آخرُكم موتًا في النار" (١). وقال محمد بن سيرين: كان سمرة -ما علمت- عظيمَ الأمانة، صدوقَ الحديث، يحب الإسلام وأهلَه (٢).
وقال [أبو] عمر بن عبد البر: وكان سمرةُ من الحفاظ المكثرين عن رسول الله ﷺ .
وقال سمرة: لقد كنتُ على عهد رسول الله ﷺ ، وكنتُ أحفظ عنه، وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني، ولقد صليت مع
стр. 319
رسول الله ﷺ على امرأة في نفاسها؛ فقام عليها للصلاة وسطَها (١).
وأما سَلَمَةُ بنُ الأكَوَعِ:
فكنيته: أبو إِياس، بابنه إياس؛ وهو الأكثر، وقيل: أبو مسلم؛ وهو مرجَّح عند جماعة، ويقال: أبو عامر.
والأكوع: جدُّه، وهو لقبٌ له، وهو سلمةُ بنُ عمرِو بنِ سنانَ، وهو اسمُ الأكوعِ بنِ عبدِ الله بنِ قشيرِ بنِ خزيمةَ بنِ مالكِ بنِ سَلامان بنِ أفصى بنِ خارجةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ الأسلمي.
شهد معه الرضوان تحت الشجرة، وبايع رسولَ الله ﷺ يومئذٍ ثلاث مرات: في أول الناس، وأوسطهم، وآخرهم، وبايعه يومئذ على الموت.
وقال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمةَ بنِ الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله ﷺ يومَ الحديبية؟ قال: على الموت (٢).
وقال سلمةُ: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبعَ غزواتٍ، وخرجت فيما بعث من البعوث سبعَ غزواتٍ.
ويقال: إنه شهد مؤتة، وكانت سبب إسلامه؛ فيما ذكره ابن إسحاق: أنه كلمه الذئب.
قال سلمة: رأيت الذئب أخذَ ظبيًا، فطلبتُه حتى نزعتُه منه، فقال: ويحكَ ما لي ولك؟! عمدت إلى رزق رزقنيه اللهُ ليس من مالك، فنزعته مني، قال: قلتُ: يا عبادَ الله! إن هذا لعجب! ذئبٌ يتكلم! فقال الذئب: أعجبُ من هذا أن
стр. 320
النبي ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله، وتأبَوْن إلا عبادة الأوثان! قال: فلحقتُ برسول الله ﷺ ، وأسلمت (١).
وقد كلم الذئب رافع بن عميرة، الصحابي -أيضًا-، والله أعلم.
روى سلمةُ عن رسول الله ﷺ : سبعةً وسبعين حديثًا؛ اتفقا على: ستةَ عشرَ، وانفردالبخاري: بخمسةٍ، ومسلم: بتسعةٍ.
روى عنه: ابنه إِياس، ومولاه يزيدُ بنُ أبي عبيد، وأبو سلمةَ بنُ عبد الرحمن، وغيرُهم من التابعين.
سكن الرَّبذة، وكان شجاعًا، راميًا، محسنًا، خيرًا، قال ابنه إياس: ما كذب أبي قطُّ، وروى عن أبيه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "خَيْرُ رَجَّالَتِنَا: سَلَمَةُ ابنُ الأَكْوَعِ" (٢).
مات ﵀ سنةَ أربع وسبعين، بالمدينة، وهو ابنُ ثمانين سنة.
روى له: أصحابُ السنن والمساند (٣).
وأما زيدُ بنُ ثابتٍ:
فكنيته: أبو سعيد، وقيل: أبو خارجة؛ بابنهِ، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن.
وهو زيدُ بنُ ثابتِ بنِ الضحَّاكِ بنِ زيدِ بنِ لوذانَ بنِ عمرِو بنِ عبدِ عوفِ ابنِ غنيمِ بنِ مالكِ بنِ النجَّارِ، أنصاريٌّ نجاريٌّ، وقال ابن حِبان: هو من بني سلمة، أحدِ بني الحارث بن الخزرج؛ وهو أخو يزيدَ بنِ ثابتٍ.
стр. 321
قدم إلى رسول الله ﷺ المدينة، وهو ابنُ إحدى عشرةَ سنةً، وكان يكتب الوحي للنبي ﷺ ، وكان -أيضًا-كاتبًا لأبي بكر الصديق، وعمرَ بنِ الخطاب.
وكان عمرُ يستخلفه إذا حجَّ، استخلفه ثلاثَ مراتٍ: مرتين في حجتين، ومرةً في خروجه إلى الشام، وكتب إليه من الشام: إلى زيد بن ثابت، من عمر بن الخطاب، وكان معه لمَّا قَدِمَ من الشام، وخطب بالجابية عند خروجه لفتح بيت المقدس.
وهو الذي تولى قسمةَ غنائم اليرموك، وقُتل أبوه ثابت، يومَ بُعاث: وقعةٍ كانت بين الأوس والخزرج، وعمرُه يومئذٍ ستُّ سنين، وكانت قبل هجرة رسول الله ﷺ بخمسِ سنين، وأُتي به إلى رسول الله ﷺ وهو غلام قد قرأ ستَّ عشرةَ سورةً.
ولم يجزْهُ رسول الله ﷺ في بدر، ولا أحد، وأُجيز في الخندق، وكان ينقل الترابَ يومئذٍ مع المسلمين، وقال أبو عمر بنُ عبد البر: ردَّ رسولُ الله ﷺ يومَ بدر جماعةً، منهم: زيدُ بن ثابت، ثم شهدَ أُحدًا، وما بعدها من المشاهد، ورُمِيَ يومَ اليمامة بسهم؛ فلم يضرَّه.
وكان أحد فقهاء الصحابة الجِلَّةِ الفُراضِ، قال رسول الله ﷺ : "أَفْرَضُ أُمَّتِي: زَيْدُ بنُ ثابِتٍ" (١).
وكان أبو بكر الصديق ﵁ قد أمره بجمع القرآن في الصحف، فكتبه فيها، فلما اختلف الناس في القراءة زمنَ عثمان، واتفق رأيه ورأي الصحابة أن يردَّ القرآن إلى حرف واحد، وقع اختيارهُ على حرف زيد، فأمره أن يُملَّ المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه، فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس، والأخبارُ بذلك متواترة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها.
وكانوا يقولون: غلبَ زيدُ بن ثابت الناسَ على اثنين: القرآنِ، والفرائضِ.
стр. 322
وقال مسروق: قدمتُ المدينة، فوجدت زيدَ بن ثابت من الراسخين في العلم (١).
وقال مالكُ بنُ أنس: كان إمامَ الناس عندنا بعدَ عمرَ بنِ الخطاب: زيدُ بن ثابت؛ يعني: بالمدينة (٢).
قال أبو عمر بن عبد البر: كان عثمانُ يحب زيدَ بن ثابت، وكانَ زيدٌ عثمانيًّا، ولم يكن فيمن شهدَ شيئًا من مشاهد علي مع الأنصار، وكان مع ذلك يفضِّل عليًّا، ويظهر حبَّهُ.
رَويَ له عن رسول الله ﷺ : اثنان وسبعون حديثًا؛ اتفقا منها على: خمسةِ أحاديثَ، وانفرد البخاري: بأربعة، ومسلم: بحديث.
ورَوى عنه من الصحابة: عبدُ الله بن عمر، وأنسٌ، وأبو هريرةَ، وعبدُ الله ابن يزيدَ الخطمي، وسهل بنُ أبي خثمةَ، وسهلُ بنُ سعدِ الساعدي، وسهل ابن حُنيفٍ، وأبو سعيدِ الخدري، وخلقٌ من التابعين، وروى له: أصحابُ السنن والمساند.
ومات بالمدينة سنةَ أربعٍ وخمسين، وقيل: ست، وقيلَ: خمسٍ، وقيل: إحدى، أو اثنتين وخمسين، وقيل: سنةَ خمسٍ وأربعين، وقيل: ثلاثٍ، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: ابنَ ستٍّ وخمسين، وقيل: أربع وخمسين، وصَلَّى عليه مروان؛ وله بالمدينة عقب، وقُتل يومَ الحرة سبعةٌ من الأَولاد من صلبه (٣).
стр. 323
وأما مُعاذُ بن عَفراءَ:
فهو منسوب إلى أُمه عفراءَ بِنْتِ عبيدِ بنِ ثعلبةَ بنِ عبيد بن ثعلبة بنِ غنم بن مالك بن النجار.
وهو معاذ بنُ الحارث بن رفاعةَ بن الحارث بن سواد بن مالكِ بنِ غنمِ ابن النجار، الأنصاري؛ وهو داخل في نوع المنسوبينَ إلى غير آبائهم.
شهد بدرًا، والمشاهدَ كلها، ويقال: إنه جرح يوم بدر، فمات منها بالمدينة، وشهد أخواه: معوذ، وعوذ، -ويقال: عوف- بدرًا، وقُتلا شهيدين، وكلهم بنو عفراء، وأبوهم الحارثُ، وقال أبو إسحاق إبراهيمُ بن محمد بنِ الحارثِ الفزاري: يقال: إنه أولُ من أسلم من الأنصار هو ورافع بن مالك الزرقي.
قال الواقدي: وآخى رسولُ الله ﷺ بين معاذ بن الحارث ومعمر بن الحارث، ومعاذ وأخوه هما ضربا أبا جهل ببدر حتى برد، وأجهز عليه ابنُ مسعود ﵁ بسيفه؛ يعني: سيفَ أبي جهل، فنفَّلَه رسولُ الله ﷺ إياه، ولمعاذ بن عفراء.
قال أبو حاتم بن حِبَّان: قُتل معاذ بالحرَّة، سنةَ ثلاث وستين، وقيل: قُتل مع علي بن أبي طالب.
وقال الواقدي: توفي معاذ بعد قتل عثمان أيامَ حرب علي، ومعاوية، وهو معنى قول ابن عبد البر: مات معاذ في خلافة علي.
روى له من أصحاب السنن: النسائي (١).
стр. 324
وأما كعبُ بنُ مُرَّةَ:
فهو السلمي البهزيُّ، والأكثرون على أنه: كعب بن مرة، وقيل: مرةُ ابن كعب؛ وهو من بهز بن الحارث بن سليم بن منصور، نزل البصرة، ثم سكن الأردن من الشام.
روى عنه: جماعة من التابعين، وروى له: جماعة من أصحاب السنن والمساند.
ومات بالأردن سنةَ سبعٍ، وقيل: سنة تسعٍ وخمسين (١).
وأما أبو أُمامَةَ البَاهِليُّ:
فاسمه صُدَيُّ بنُ عَجلان، ويقال فيه: الصُّدَيُّ -بالألف واللام؛ كالعباس، وعباس-، ولم يذكر الحاكم أبو أحمد في كتابه "الكنى" غيره.
وهو صديُّ بن عجلانَ بنِ والبةَ بنِ رباحِ بنِ الحارثِ بنِ معنِ بنِ مالكِ ابنِ أعصر بنِ سعدِ بن قيسٍ عيلان بن مضر، وقيل في نسبه غير هذا.
وأما الباهلي: فنسبه إلى باهلة، واسمه: مالك بن يعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، واتفقوا على أن نسبته باهليٌّ؛ والأكثر على أنه منسوب إلى مالك بن يعصر كما ذكرنا، وقال بعضهم: نسبة إلى باهلة في بني سهم.
سكن أبو أمامة مصر، ثم انتقل إلى حمص، وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأكثر حديثه عند الشاميين.
رُوي له عن رسول الله ﷺ : مئتا حديثٍ وخمسون حديثًا؛ روى له البخاريُّ: خمسةَ أحاديثٍ، ومسلم: ثلاثةً.
روى عنه: جماعة من التابعين الشاميين، وروى له: أصحاب السنن والمساند.
стр. 325
ومات بحمصَ من الشام: سنة إحدى وثمانين، وقال أبو حاتم بن حِبَّان: سنة ست وثمانين؛ وهو ابنُ إحدى وتسعين سنة، وكان يُصَفِّرُ لحيته، وكان مع عليٍّ بصفِّين.
قال أبو عمر النمري: وأكثرُ حديثه عندَ الشاميين، وهو آخرُ من مات بالشام من أصحاب رسول الله ﷺ قول بعضهم (١).
وأما عَمْرُو بن عَبَسَةَ السلميُّ:
فكنيته: أبو نجيح في قول الأكثرين، ويقال: أبو شعيب، وينسبونه: عمرو بن عَبَسَةَ بن عامر بن خالد بن عاصرة بن عتاب بن امرئ القيس بن بُهْثة -بضم الباء، وسكون الهاء، وبالثاء المثلثة- بن سليم بن منصور بن عكرمةَ ابن حفصةَ بن قيس بن عيلانَ بنِ مضرَ.
وقال أبو حاتم بن حِبَّان: عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة بن عمرو ابن خلف بن مازن بن عامر.
أسلم قديمًا في أول الإسلام، قدم على النبي ﷺ ، ثم قدم المدينة مهاجرًا، وكان رابع أربعة في الإسلام: النبي ﷺ ، وأبي بكر، وبلال؛ وهو، وقصته في "الصحيح" مشهورة، وأنه قال للنبي ﷺ : من معك على هذا؟ يعني: ما ذُكر له من توحيد الله تعالى، وأن لا يشرك به شيء، وتكسير الأوثان، وحقن الدماء قال ﷺ : "حرٌّ وعبدٌ"؛ يعني: أبا بكر، وبلالًا، قلت: ابسطْ يَدَك، أُبايِعك؛ فبايعتُه على الإسلام، قال: فلقد رأيتني، وأنا ربعُ الإسلام (٢).
стр. 326
واستأذن النبي ﷺ في المكث معه، أو اللحوق بقومه، فأذن له في الرجوع إلى قومه، فخرج، ثم أتى النبي ﷺ قبل فتح مكة، فسكن الشام، وقدم على رسول الله ﷺ بعد الحديبية، وكان يسكن صُفَّتَه من أرض بني سليم.
وهو أخو أبي ذر الغفاري لأمه، وأمُّهما: رملةُ بنتُ الوقيعة بن حَرام بن غفار.
رُوي له عن رسول الله ﷺ : ثمانية وثلاثون حديثًا، روى له مسلم: حديثًا واحدًا، وروى عنه: جماعة من الصحابة، منهم: عبد الله بن مسعود، وأبو أمامة الباهلي، وسهلُ بن سعد الساعديُّ، وأبو الظبية الكلاعيُّ -بالظاء المعجمة-، وغيرُهم من الصحابة والتابعين.
نزل الشام، ثم سكن حمص إلى أن مات، روى له: أصحاب السنن والمساند.
وأما السُّلَمي: -بضمِّ السين المهملة، وفتح اللام- فهي نسبة إلى سُلَيم، قبيلة؛ وهي سليم بن منصور بن عكرمة، المذكور في نسبه منهم: عمرو بن عبسة، وجماعة من الصحابة، والتابعين، وغيرهم (١).
وأما الصُّنابحيُّ:
-بضم الصاد المهملة، وفتح النون، ثم ألف، ثم باء موحدة، ثم حاء مهملة، ثم ياء النسب- فنسبة إلى الصُّنابحِ: بطنٍ من مراد، واشتُهر بها دون الاسم: عبد الرحمن بن عسيلةَ بن عسل بن عسال، أبو عبد الله الصنابحي المرادي؛ تابعي جليل، إمامٌ مخضرمٌ؛ رحل إلى النبي ﷺ ، فُقبض النبي ﷺ
стр. 327
وهو في الطريق بالجحفة قبل أن يصل لخمسٍ، أو ستٍّ.
ثم نزل بالشام، وسمع أبا بكر الصديق، وعبادةَ بن الصامت، وبلالَ بن رباح، ومعاذَ بن جبل، وشدادَ بنَ أوس، وعمرَو بن عبسة، وعائشةَ أمَّ المؤمنين.
وروى عنه: جماعة كثيرة من تابعي أهل الشام، وغيرهم.
وثَّقه ابنُ سعيد، وقال: قليلُ الحديث.
وقال عمر بنُ عبد العزيز في حديث نقله الصنابحي [فقال: إمامٌ أخذ عن إمام، وقال يعقوبُ بن شيبة: وذكر الصنابحي عن أبي بكر الصديق] (١)، فقال: يروي عن أهل الحجاز والشام، دخل المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ، يروي عن النبي ﷺ أحاديث يرسلها عنه.
وقد قلب بعضهم اسمه فجعله كنية، وبعضهم قلب كنيته فجعلها اسمًا، وكله خطأ، والصواب: ما ذكرناه أولًا.
روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن (٢).
وأما ألفاظه:
فقوله: "شهدَ عندي رجالٌ مَرْضيُّون، وأرضاهُم عندي عمرُ":
لا شَكَّ أن الشهادةَ عند ابنِ عباسٍ؛ بمعنى: الإخبار، والرواية له عن رسول الله ﷺ ، والتبليغ عنه؛ لا بمعنى الشهادة عندَ الحكام.
كيف، وعمر ﵁ كان قاضيًا لأبي بكر ﵁، وأميرَ
стр. 328
المؤمنين بعده، ومات وهو أميرُ المؤمنين، ولم يكن ابن عباس قاضيًا له، ولا نائبًا في الإمارة؟! فدل على ما ذكرناه.
وفيه: استحبابُ الثناء على الشيوخ والعلماء، وإن لم يكونوا متهمين، وتبيين مراتبهم في الفضل، وغيره؛ حيث قال ابنُ عبَّاس ﵄: "وأرضاهُمْ عندي عمرُ".
[وفي (١) بعض النسخ "حتى تطلعَ الشمسُ" ولا شك أنهما صحيحان.
فأمّا "تُشرِق" فضبط -بضم التاء وكسر الراء-، وضُبط -بفتح التاء وضم الراء- وهو الأكثر عند رواة المشارقة، وأشار القاضي عياض إلى الترجيح الأول في "شرح صحيح مسلم"، وذكر الثاني في "المشارق" (٢)، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع، فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها.
قال أهل اللغة: يقال: شَرَقَت الشمس تَشْرُق؛ أي: طَلَعَت، على وزن طلعت تَطْلُع، وغَرَبَتْ تَغْرُب، ويقال: أشرقت تشرق؛ أي: ارتفعت وأضآت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ﴾ [الزمر: ٦٩] أي: أضاءت (٣)، فمن قال: إن الرواية من: أشرقت تشرق، واحتج لها بالأحاديث الأخرى في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، والنهي عن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز، وحديث: "ثلاث ساعات: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع" (٤)، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع ارتفاعها، وإشراقها وإضاءتها، لا مجرد ظهور قرصها، والله أعلم.
وأما نهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فهو نهي عن الصلاة بعد
стр. 329
فعلهما، لا بعد دخول وقتهما، لأنه لو أخرهما لم تكن الصلاة قبلهما، وإن تقدم فعلهما في أول الوقت، كرهت، فدل على ما ذكرنا، وأن عدم الكراهة بدخول وقتهما يختلف بتطويل النافلة وتخفيفها؛ فإنه ربما طول المُصلي النافلة قبل فعلهما إلى آخر وقتهما، فيكون ذلك مكروهًا، وهذا كله بخلاف كراهة الصلاة عند الطلوع، والاستواء، والغروب بالحمرة والصفرة؛ فإن الكراهة فيها متعلقة بالوقت، وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وإن اختلف بعض المتقدمين فيه من بعض الوجوه.
واعلم أن صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، كان حملها على نفي الفعل الشرعي أولى من نفي الفعل الوجودي، لتكون نفيًا للحكم الشرعي لا للفعل الحسي؛ لأن الشارع إنما يطلق لفظه على عرفه وهو الشرعي، ونفي الحسي منتفٍ لوجود الفعل حسًّا، ويحتاج فيه إلى إضمارٍ لتصحيح اللفظ، وهو المسمى بدلالة الاقتضاء، وينشأ منه النظر في كون اللفظ عامًّا، أو مجملًا، وظاهرًا في بعض محامله، وحمله على نفي الحقيقة الشرعية أولى؛ لعدم الإضمار.
فمن ذلك قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري هذا: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفعَ الشمسُ"، وفيه زيادة على نفي الفعل، وهي مَدُّ الكراهة إلى ارتفاع الشمس، وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول عنه صفرة الشمس، أو حمرتها، وهو مقدر برمح أو رمحين.
وقوله: "لا صلاة" عام في كل صلاة، وخصّه الشافعي ومالك: بالنوافل، ولم يقولا به في الفرائض والفوائت، فهي جائزة في سائر الأوقات، وأبو حنيفة يقول بامتناعها، وهو أدخل في العموم، إلا أنه قد يعارض بقوله ﷺ : "من نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها، فَلْيُصَلِّها إذا ذكرها" (١)، وكونه جعل ذلك وقتًا لها،
стр. 330
وفي بعض الروايات: "لا وقتَ لها إلا ذلك" (١).
لكن بين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فحديث النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر خاص في الوقت، عام في الصلاة، وحديث النوم والنسيان خاص بالصلاة الفائتة، عام في الوقت، فكل منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه، خاص من وجه.
ومنه قوله ﷺ : "لا صيامَ لمنْ لم يُبيِّتِ الصيامَ من الليل" (٢)؛ فإنه نفيٌ للصومِ الشرعي لا الحسي.
ومنه قوله ﷺ : "لا نكاحَ إلا بوليٍّ" (٣)، فإن حمله على الحقيقة الشرعية ينفي الاحتياجَ إلى الإضمار، وحمله على الحقيقة الحسية، يضمر بعضهم الصحة، وبعضهم الكمال، وكذلك ما شاكل ذلك.
واعلم أنه أجمعت الأمة على كراهة صلاةٍ لا سببَ لها في هذه الأوقات.
واتفق العلماء على جواز الفرائض المؤداة فيها.
واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت.
ومذهب الشافعية وطائفة: جواز ذلك كله، ومذهب أبي حنيفة وآخرين: أنه داخل في النهي، بعموم الأحاديث.
стр. 331
واحتج الشافعي وموافقوه: بأنه ثبت أن النبي ﷺ قضى سُنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضر أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذلك الجنازة، والله أعلم].
وفي الحديث فوائد:
من جملتها: ما في الحديث الأول من قول ابن عباس: شهد عندي رجالٌ إلى آخره، وهو الردُّ على الروافض فيما يدعونه من مباينة أهل البيت، وأكابر الصحابة.
ومنها: أن الكراهة في الصلاة بعدَ الصبح وبعدَ العصر، التي لا سبب لها: كراهةُ تحريم؛ لأن الأصل في النهي التحريم، وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵀، في ذلك على وجهين:
أصحهما: أن الكراهة للتحريم؛ ولو صلاها، لم تنعقد؛ على أصح الوجهين، ويكون آثمًا.
ومنها: أنه لا تكره الصلاة قبل الصبح؛ لأن التخصيص بالنهي بعدها، يفيد عدمَ النهي قبلَها، وقد كره جماعة من السلف: الصلاة قبلها، ما عدا سنةَ الفجر؛ والذي عليه الجمهور خلافُه.
ومنها: كراهةُ الصلاة عند طلوع الشمس، حتى ترتفعَ الشمس قيدَ رمح.
ومنها: أن الكراهة بعد فعل العصر، ممتدَّة إلى غيبوبة قرص الشمس؛ وبغيبوبته تزول الكراهة، وتجوز الصلاة؛ ولهذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا غابت الشمس، ابتدروا السواري، قبل المغرب بالصلاة، قد يظن الظان؛ أن المغرب قد صليت؛ لكثرة المصلين، والله أعلم.
* * *
стр. 332
الحديث التاسع
عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: أَن عُمَرَ بْنَ الخَطَابِ ﵁، جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وقَالَ النَّبي ﷺ : "واللهِ مَا صلَّيْتُها"، قَالَ: فَقُمْنَا إلى بُطْحَانَ، فَتوَضَّأ للصَّلاَةِ، وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَها المَغْرِبَ (١).
أما جابر، وعمر: فتقدم ذكرهما.
وتقدم ذكر: يوم الخندق -أيضًا-، والجمع بين هذا الحديث، وبين أحاديث صلاة الوسطى؛ في الخامس من هذا الباب، وأحكامها.
وأما ما يختصُّ بهذا الحديث؛ من شرحِ الألفاظ، وغيرها:
فقولُ عمرَ ﵁: "يا رَسُولَ اللهِ! مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ؛ حَتى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ"، لا شك أنَّ (كاد) من أفعال المقاربة؛ ويجوز حذف أَنْ مع الفعل، في خبرها؛ وهذا الحديث يدل عليه، ويجوز إثباتها معه؛ وهو الأكثر، وثبت في هذا الحديث إثباتها في "صحيح مسلم".
وقوله: فَقالَ النبي ﷺ : "واللهِ مَا صَلَّيْتُها"؛ وإنما حلف النبي ﷺ ، تطييبًا لقلب عمر ﵁؛ فإنه شقَّ عليه تأخيرُ العصر إلى قريب من الغروب، فأخبره ﷺ : أنه لم يصلِّها بعدُ؛ ليكون لعمرَ أسوةً، ولا يشقَّ عليه ما جرى، وتطيبَ نفسُه، وأكد ذلك الخبرَ باليمين.
قوله: فَقُمْنَا الى بُطْحَانَ"؛ هو -بضم الباء الموحدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين-؛ هكذا هو عند المحدثين، في رواياتهم، وفي ضبطهم، وتقييدهم.
стр. 333
وقال أهل اللغة: هو -بفتح الباء، وكسر الطاء-، ولم يخبروا غير هذا؛ وكذا نقله صاحب "البارع"، وأبو عبيد البكري؛ وهو واد بالمدينة (١).
وقوله: "فَتَوَضَّأ للصَّلاَةِ، وَتَوضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعدَمَا غَرَبَتِ الشمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغرِبَ"؛ هذا ظاهر أنه صلاهما في جماعة؛ فيكون فيه دليل: بجواز صلاة الفريضة الفائتة جماعة؛ وبه قال العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض، عن الليث بن سعد: أنه منع ذلك؛ وهو مردود بهذا، وبأنه ﷺ : "صلى الصبح في جماعة، حين ناموا عنها"، رواه مسلم في "صحيحه" (٢).
وقد ذكر أصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أن من فاتته الجمعة لعذر، وغيره؛ أنه يصلِّي الظهر، لكنه هل يصلِّيها في جماعة؟ الأصحُّ: أنه تُشرع في جماعة، لكنْ لا تكون مشتهرة؛ لما يلزم من شهرتها سوء الظن بالإمام.
ولأصحابنا وجهٌ: أنها لا تُشرع في جماعة، بل تصلَّى فرادى.
وفي الحديث فوائد:
منها: جواز سبِّ المشركين؛ لتقرير النبي ﷺ على ذلك، من غير إنكار؛ وهو سبٌّ مطلق من غير تعيين، فينبغي أن يُحمل على ما ليس بفحش.
وفيه: تقديم الفائتة على المؤدَّاة؛ لقول عمر ﵁: "ما كدت أصلي العصر"؛ لأن (كاد) إذا دخل عليه النفي؛ اِقتضى وقوع الفعل، في الأكثر؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وصلاته ﷺ العصرَ قبلَ المغرب؛ تدل على ذلك -أيضًا-.
ومذهب مالك: وجوبُه في القليل من الفوائت؛ وهي ما دون الخمس، وفي الخمس خلاف.
стр. 334
ومستحب عند الشافعي مطلقًا.
فإذا ضُمَّ إلى هذا الحديث الدليلُ على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم يكن في هذا الحديث دليلٌ على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، وسيأتي إيضاحه.
وفيه دليل على: جواز القسم، من غير استحلاف، واستحبابه إذا كان فيه مصلحة؛ من توكيد أمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهُّم نسيان، أو إشفاق، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة؛ لأن القسم توكيدٌ للمقسَم عليه.
وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع المقسَم عليه؛ حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه؛ وهو يقتضي تعظيم الترك، وهو مقتضى الاشتفاق منه، أو ما يقارب معناه.
وقد كثر القسم في الأحاديث عنه ﷺ ؛ وهكذا القسمُ من الله تعالى، في الكتاب العزيز، لكن حكمنا في المقسم به، مخالف له ؛ فإنه له أن يحلف بعظيم مخلوقاته؛ تنبيهًا على عظمها عنده، وتشريفها؛ كقوله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، ﴿وَالطُّورِ﴾، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، ﴿وَالْعَصْرِ﴾، ونظائرها؛ فكل هذا لما ذكرناه، ولتفخيم المقسم عليه، وتوكيده.
وأما حكمنا: فلا يجوز لنا أن نحلف إلا بالله تعالى، أو باسم من أسمائه ﵎ لا يشاركه فيه غيره، أو بصفة من صفاته؛ وقد ثبت أنه ﷺ ، قال: "مَنْ كانَ حالِفًا؛ فلا يحلفْ إلا بِالله" (١)، وفي رواية: "فَلْيَحْلِفْ بالله، أَوْ لِيَسْكُتْ" (٢)، وورد
стр. 335
في حديث عنه ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله، فَقَدْ أَشْرَكَ" (١).
وفيه دليل على: عدمِ كراهةِ قول القائل: ما صَلَّينا؛ خلاف ما تَوهمه قوم من كراهته.
وقد تمسَّك بهذا الحديث، وبحديث: "شَغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى" (٢) بعضُ المتقدمين؛ في تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى حالة الأمن.
والفقهاء كلُّهم على خلافه؛ وإقامةِ الصلاةِ في حالة الخوف، وأجابوا عن هذين الحديثين: بأنهما كانا في غزوة الخندق، وصلاةُ الخوف شُرعت، في غزوة ذاتِ الرقاع؛ وهي بعدَ ذلك، وتقدَّم ذكر ذلك.
ومن الناس من سلك في الجواب طريقًا آخر، وهو أن الشغل أوجب نسيان الصلاة؛ فتركها للنسيان، قال: وهو ظاهر فيه، وليس كذلك؛ بل الظاهر: تعليقُ الحكم بالشغل المذكور لفظًا.
وقد تقدَّم الكلام على: وجوب الترتيب في الفوائت، في حديث: الصلاة الوسطى، والاختلاف فيه؛ ولا شكَّ أن الفعل بمجرده لا يدل على وجوب الترتيب في قضائها؛ على المختار عند الأصولين.
وإن ضم إليه الدليل على تضييق وقت المغرب؛ كان فيه دليل على تقديم الفائتة على الحاضرة، عند ضيق الوقت؛ لأنه لو لم يجب، لم يخرج الصلاة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب؟!
فالدلالة من هذا الحديث على حكم الترتيب؛ تنبني على ترجيح أحد الدليلين على الآخر؛ في امتداد وقت المغرب، والله أعلم.
стр. 336
باب فضل الجماعة ووجوبها
فيه أحاديث.
الحديث الأول
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صلاَةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (١).
تقدم الكلام على ابن عمر.
وأما الفَذُّ: فهو المنفردُ، ومعناه: المصلِّي وحدَه، قال صاحب "المطالع": ولغةُ عبدِ القيس: الفَنْذ -بالنون-، وهي غُنَّة لا نونٌ حقيقة، قال: وكذلك يقوله أهل الشام، قلت: لعلَّ لغةَ عبد القيس الأصلُ؛ فأدغم نون الغنة في الذال، فشدِّدت، ومعنى الفاذَّة: المنفردة القليلة المثل في بابها (٢).
وقوله ﷺ : "أَفْضَلُ مِنْ صلاَةِ الفَذِّ":
اعلم أن صيغة أَفْعَلِ التفضيل؛ تقتضي الاشتراك -غالبًا-؛ حيث لا مانعَ منه، وقد لا تقتضيه؛ لمانع؛ كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛
стр. 337
فإنه لا يجوز حملُها هنا على الاشتراك، إجماعًا.
إذا ثبت هذا؛ فأفضلُ -هاهنا-، تقتضي: الاشتراك، وزيادة الفضل بالجماعة، ويدل عليه؛ ما رواه أبو داود بإسناد حسن: أن النبي ﷺ قال: "صلاةُ الرجلِ مع الرجلِ؛ أزكى من صلاتهِ وحدَه، وصلاتُه مع الرجلين؛ أزكى من صلاتِه مع الرجل، وما زادَ؛ فهو أحبُّ إلى الله" (١).
وما ثبت في رواية في "الصحيح"، حديث في هذا الباب: "تزيدُ صلاةُ الجماعة على صَلاةِ الفَذِّ" (٢)، أو "تَفْضُلُ صلاةُ الجماعةِ على صلاةِ الفَذِّ" (٣)؛ وذلك دليل على: صحةِ صلاة المنفرد، وأنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة.
وقد قال بأن الجماعة فرض على الأعيان؛ جماعةٌ من العلماء، وبأنها شرط لصحتها: داودُ الظاهري، والمختارُ في المذهب الشافعي: أنها فرضٌ على الكفاية، وقيل: سنة.
ثم الفضل في الجماعة؛ هل هو بسببها فقط، أم بوصف زائد؛ وهو كونُها في المسجد؛ لكثرة الخطا إليها، وكتب الحسنات، ومحو السيئات بكل خطوة، وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة، ومراعاة آداب دخول المسجد، وغير ذلك؟
والظاهر: الأول؛ لأن الجماعة وصف عُلِّق عليه الحكم، وإذا كان ذلك لأجل الجماعة؛ فهل تفضل جماعةٌ جماعةً بالكثرة؟
المشهور عن مالك: أنه لا تفضل، وقال ابن حبيب: تفضل بالكثرة، وفضيلة الإمام.
стр. 338
فمن صلى في جماعة؛ وإن قلَّت، لا يعيد في أكثر منها؛ على مشهور قول مالك، وهو قول جماعة العلماء، وحكي عن مالك: إعادتها في المساجد الثلاثة في الجماعة، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً"، في رواية في "صحيح مسلم": "بخمس وعشرينَ درجةً"، (١) وفي رواية فيه: "بخمسٍ وعشرينَ جُزْءًا" (٢).
الاختلاف بين الدرجة والجزء؛ فإن كلًّا منهما مرادُ الآخر، وإن كان الجزء هو: الجاري على اللغة، والدرجة: مؤولة عليه، وجعلها بعضهم غيره؛ وهو غفلة منه؛ وأما الجمعُ بين سبع وعشرين، وخمس وعشرين؛ فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ذكر العدد القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين.
الثاني: أنه أخبر بالقليل أولًا، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل؛ فأخبر بها.
الثالث: أن ذلك يختلف باختلاف المصلين، والصلاة؛ فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة؛ من المحافظة على هيئاتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها وفضلهم، وشرف البقعة، ونحو ذلك، والله أعلم.
ثم التضعيف بالجماعة للصلاة؛ هل هو بمعنى الصلوات، فتكون صلاة الجماعة؛ بخمس وعشرين، أو سبع وعشرين صلاة؟ أو يقال: إن لفظ الدرجة، والجزء؛ لا يلزم منهما أن يكون بمقدار الصلاة؟
لكن الأول أظهر؛ حيث ورد مبينًا في بعض الروايات، ولفظه: "تُضاعَفُ
стр. 339
على صلاةِ الفَذِّ"، مشعرة به، ثم المراد بالفذ: إِذا لم يكن معذورًا بترك الجماعة؛ لمرض، أو سفر، ونحوهما.
أما إذا كان معذورًا بذلك؛ فهل يقع التفاضل بينه، وبين الصلاة في جماعة؟
إن جعلنا الألف واللام، في الفذ؛ تعريفًا للعموم: اقتصر التفاضل بينهما؛ فيدخل تحته: الفذُّ المصلي بعذر، وغيرِ عذر، لكن المعذور يكتب له أجر الجماعة؛ إذا كانت صلاته في الجماعة في حال صحته، وإقامته.
لما روى البخاري في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يُكْتَبُ للمسافر والمريض ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" (١)، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد:
منها: المفاوتة في الفضائل في الجماعة؛ في الصلاة، وغيرها.
ومقتضى مذهب مالك: عدمُ التفاوت في الجماعة للصلاة؛ كما تقدم، واستدل لذلك: بأنه لا مدخل للقياس في الفضائل، والحديث إذا دل على الفضل مقدار معين، مع امتناع القياس، اقتضى الاستواء في العدد المخصوص، في الفضل؛ فيدخل تحته كل جماعة، سواء كانت كبرى، أو صغرى، والتقدير واحد؛ بمقتضى العموم.
لكن صريح الحديث المتقدم دليلٌ على التفاوت، فبطل استدلالهُم.
ومنها: أن الجماعة ليست بفرض عين، ولا شرط للصلاة؛ لما تقدم أن صيغة أفعل التفضيل تقتضي الاشتراك في الفضل؛ وهو يقتضي وجود فضيلة في صلاة الفذ، وما لا يصح لا يقتضي ذلك؛ ولذلك نقول، في انتفاء المشروط: بانتفاء الشرط؛ فدل على عدم شرطيتها.
стр. 340
وممن قال بأن الجماعة فرض عين: عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثور، وابنُ المنذر، وابنُ خزيمةَ، وداودُ؛ وهو قولٌ محكيٌّ عن الشافعي.
ومنها: إطلاق الفضيلة في الجماعة؛ سواء تبدد قلب المصلي في الجماعة، أو لم يتبدد؛ لطلب الشرع لها، والحث عليه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلاَةُ الرَّجُلِ جمَاعَةً، تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ في بيتِهِ، وَفي سُوقِهِ: خَمْسًا وَعِشْرينَ ضِعْفًا؛ وَذَلِكَ أنَّهُ إذَا تَوَضَّأ، فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُم خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، لا يُخْرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً؛ إلا رُفعَتْ لَهُ بَها دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئةٌ، فَإذَا صَلَّى؛ لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ: اللَّهُم صلِّ عَلَيْه، اللهُم اغفِرْ لَهُ، اللهُم ارْحَمْهُ، ولاَ يَزالُ في صَلاةٍ؛ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ" (١).
أما أبو هريرة، فتقدم.
والجمعُ بين عدد الدرجات، في الحديث الذي قبل هذا؛ تقدم أيضًا.
وأما الألفاظ:
فالخطوة: -بفتح الخاء-، هي الفعلة من المسمى: واحد الخطا، وبضمها، وهي الرواية: ما بين القدمين؛ وهو الاسم، والفتحُ للمصدر، ولكنها في هذا الموضع، بفتح الخاء أشبهُ؛ لأن المراد: فعل الماشي (٢).
وقوله ﷺ : "إلا رُفِعَتْ لَه بِها دَرَجَةٌ، وحُطَّ عنهُ بِها خطيئةٌ".
стр. 341
قال الداودي: إن كانت له ذنوب؛ حُطت عنه، وإلا رفعت له درجات، قال: وهذا يقتضي: أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة؛ إما الحط، وإما الرفع، قلت: فعلى هذا تكون "الواو" بمعنى "أو"، لا بمعنى العطف.
وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة، ثلاثةُ أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: "كتبَ اللهُ له بكلِّ خطوةٍ حسنةً، ويرفعُه بها درجةً، وحطَّ عنهُ بها سيئةً" (١).
ثم التضعيف في صلاة الجماعة؛ في المسجد، تضعف على صلاة المنفرد؛ في سوقه وبيته، من غير عذر؛ كما تقدم، أما إذا صلى في الجماعة؛ في البيت، أو في السوق، من غير عذر؛ هل يحصل له هذا التضعيف؟
ظاهر لفظه، في تعليله، في قوله ﷺ : "وذلكَ أَنَّه إذا توضأَ، إلى آخره": يقتضي ترتبه عليه؛ لأن ما رُتِّب على مجموع، لا يحصلُ ببعضه، إلا بدليل على: إلغاء ذلك البعض، وعدم اعتباره؛ فيصير وجودُه كعدمه، ويبقى ما عداه معتبرًا.
إذا تقرر ما ذكرنا؛ فاللفظ يقتضي: الحكمَ بالمضاعفة في صلاته في الجماعة بهذا الوصف، على صلاته في بيته وسوقه؛ وهو الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والمشيُ إلى الصلاة؛ لرفع الدرجات، وصلاة الملائكة عليه، ما دام في مصلاه.
فحينئذٍ يلزم أن يكون الحكم في محله، بوجود هذه المذكورات؛ فكلُّ ما أمكن أن يكون معتبرًا منها، لا يجوز ترتُّب الحكم على بعضه؛ لأنه الأصل؛ فإذا صلى في بيته في جماعة، لم يحصل له التضعيف؛ بمقتضى ظاهر اللفظ، والقياس؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه.
لكنه ورد حديث آخر مطلق في صلاة الجماعة؛ من غير تقييد بالمسجد؛ فحينئذٍ، يرجع كل واحد من الحديثين، والنظر فيهما: إلى العموم والخصوص.
وقال أحمد بن حنبل ﵀، في رواية عنه: لا يتأدَّى الفرضُ في
стр. 342
البيوت، بإقامته في الجماعة فيها؛ ولعلَّه نظر إلى ما ذكرناه.
ثم المفاضلة للصلاة في المسجد؛ بين الانفراد، والجماعة، هل نقول: إنها تحصل للمصلي في البيوت؛ ظاهر إطلاق العلماء حصولُها بينهما بهذا القدر المخصوص؛ أما المفاوتة بينهما، من حيث الجماعة والانفراد؛ فلا شك فيه.
لكن فيه تردد أصحاب الشافعي ﵏؛ في أنه هل يتأدى الفرض، أو المشروع في الجماعة؛ بإقامتها في البيوت؟
إذا قلنا: إنها فرض على الكفاية، منهم من قال: يكفي؛ كما لو صلوا جماعة في السوق.
والصحيح: أنه لا يكفي؛ لأن المشروع في الجماعة، إنما شرع بوصف كونه في المسجد؛ وهو منتفٍ في البيوت، لكنه بعدم الخصوصية في المسجد؛ لا بحسب الجماعة.
أما المفاضلة بين الجماعة: في المسجد، والبيت والسوق؛ فمقتضى الحديث: المفاضلةُ بينهما؛ للمقابلة بلفظ الجماعة بينهما؛ لأنا لو جرينا على إطلاق اللفظ، لم تحصل المقابلة، وكون الشيء قسمًا، يصير قسمًا منه باطل؛ فتصح المقابلة بينهما في الجماعة والانفراد، فيكون الحديث عامًّا: في المسجد، والبيت والسوق بينهما.
وقد أشار بعضهم إلى المفاوتة بين المسجد والسوق فقط؛ من حيث ما ورد: أن الأسواقَ موضعُ الشياطين؛ فالصلاةُ فيها ناقصة الرتبة، فهي مكروهة؛ وهذا ممكن في السوق، بخلاف البيت، فلا تطرد فيه، لكنهم لم يذكروا الصلاة في السوق مع الصلاة في المواضع المكروهة؛ كالحمام، ومعاطن الإبل.
فكأن الحديث خرج مخرج الغالب؛ في أنَّ منْ لم يصلِّ في الجماعة، صلى منفردًا، لا لمقابلة الجماعة بالجماعة؛ في المسجد، وفي البيت والسوق، أو الانفراد؛ بالانفراد فيها؛ وبهذا يرتفع الإشكال.
ثم الأوصاف التي تعتبر في ذلك؛ لا تُلغى، فللناظر في الحديث، معتبر:
стр. 343
فوصف الرجولية: لا يخرج المرأة؛ لتساويها مع الرجل، في ثواب العمل، بالنسبة إليها؛ إلا إذا منعناها الخروج للجماعة في المسجد؛ فحينئذٍ صلاتها في بيتها أفضل؛ مع الجماعة، أو منفردة، من خروجها.
وتقييد الوضوء في البيت: غير معتبر؛ لكونه غير داخل في التعليل.
والوضوء معتبر، لا شك فيه، لكن المعتبر فيه: كونه ظاهرًا؛ [أو فعل الطهارة فيه نظر، ويرجح الثاني باستحباب تحديد الوضوء] (١)، لكن الظاهر أن قوله ﷺ : "إذا تَوَضَّأ"، ليس للتقييد بالفعل؛ وإنما خرج مخرج الغالب، أو ضرب المثال.
وأما إحسان الوضوء: فلا بد من اعتباره؛ وبه يستدل على: اعتبار فعل الطهارة، لا غيره، ويبقى ما ذكرناه؛ من خروجه مخرج الغلبة، أو ضرب المثال.
وأما خروجه إلى الصلاة، لا غيره: فمشعر بالخروج لأجلها؛ وهو مصرَّح به في حديث آخر: "لا يُخْرِجُه، أو لا يَنْهَزُه إلا الصَّلاةُ" (٢)؛ وهذا وصف معتبر.
وأما صلاته مع الجماعة: فلا بدَّ من اعتبارها؛ لأنها محل الحكم، والله أعلم.
وفي الحديث فوائد:
منها: الحثُّ على الصلاة في الجماعة المشروعة لها.
ومنها: أن فعلها في المسجد أفضل.
ومنها: تجديد الوضوء لكل صلاة، وفعل الواجب أفضل من المندوب.
ومنها: أن المسجد الأبعد للجماعة أفضلُ من القريب، إلا أن تتعطل الصلاة، أو الجماعة؛ بذهابه عنه إلى البعيد.
стр. 344
ومنها: إحسانُ الوضوء، بفعله على الوجه المأمور به؛ من غير مجاوزة فيه، ولا تقصير.
ومنها: تكفيرُ الذنوب، ورفعُ الدرجات.
ومنها: صلاةُ الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد.
ومنها: أن صلاة الملائكة على المنتظر: هو الدعاء له بالمغفرة، والرحمة.
ومنها: أن من تعاطى أسباب الصلاة؛ يسمى مصليًا.
ومنها: أنه ينبغي لمن خرج في طاعة؛ صلاةٍ، أو غيرِها: أن لا يشركها بشيء؛ من أمور الدنيا، وغيرها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقيِن؛ صَلاَةُ العِشَاءِ، وصَلاَةُ الفَجْرِ، وَلو يَعْلَمُونَ مَا فيهِمَا؛ لأتوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَتُقَامَ، ثُم آمرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاس، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعي بِرِجالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيوتَهُمْ بِالنَّارِ" (١).
أما قوله ﷺ : "أثقلُ الصَّلاةِ على المنَافِقينَ؛ صلاةُ العِشاءِ، وصلاةُ الفَجْرِ":
أما كونُهما أثقلَ من غيرهما من الصلوات عليهم؛ فللمشقة اللاحقة لهم في فعلِهما جماعة في المساجد؛ وإنما كان الثقلُ في فعلهما في المساجد جماعة؛ دون تركهما، وإن كان غير مذكور في اللفظ؛ لدلالة السياق عليه؛ وهو قوله ﷺ : "لأتَوْهُما، ولو حَبْوًا"، وقوله: "ولقدْ هَمَمْتُ -إلى قوله:- لا يشهدون"؛ فكل ذلك مشعر بأن المراد: حضورُهم إلى جماعة المسجد.
стр. 345
وتخصيص هاتين الصلاتين بكونهما أثقلَ؛ لقوة الداعي إلى ترك الجماعة، والصارف عن الحضور:
أَما العِشاءُ: فلأنها وقتُ الإيواء إلى البيوت، والاجتماعُ مع الأهل، واجتماعُ ظلمةِ الليل، مع طلب الراحة من متاعب السعي بالنهار.
وأما الصبحُ: فلأنها وقتُ لذةِ النوم، خصوصًا في شدة البرد؛ لبعد العهد بالشمس؛ لطول الليل، أو في زمن الحر؛ فهو وقت البرد، والراحة من أثر حر الشمس؛ لبعد العهد بها.
فلما قوي الصارف، ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان؛ فهو عالم بزيادة الأجر؛ لزيادة المشقة، فيكون ذلك داعيًا له إلى الفعل؛ كما كان صارفًا للمنافقين، ولهذا قال ﷺ : "لو يعلمونَ ما فيهما"؛ أي: من الأجر والثواب، "لأتوْهما، ولو حَبْوًا"؛ فالمؤمن: رجا ثواب الله، وتيقنه، وخاف عقابَ الله، واتقاه، والمنافق: كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ الآية [النساء: ١٤٢].
وقال الحسن البصري: من النفاق؛ اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (١).
وقال الأوزاعي: المؤمن يقول قليلًا، ويعمل كثيرًا، والمنافق يقول كثيرًا، ويعمل قليلًا (٢).
وقوله ﷺ : "ولو يَعْلَمونَ ما فيهما؛ لأتوهما، ولو حَبْوًا"؛ أي: لو يعلمون ما في فعلهما جماعةً في المسجد؛ من الأجر والثواب، وفي تركهما؛ من العقاب، لأتوهما؛ أي: لجاؤوا إليهما، ولو حبوًا؛ أي: محتبين، يزحفون على إلياتهم، من مرضٍ أو آفةٍ، أو حبوًا: كحبوِ الصغير على يديه ورجليه.
стр. 346
وقوله ﷺ : "ولقد هَمَمْتُ أن آمرَ بالصلاةِ، فَتُقامَ، ثم آمُرَ رجلًا بصلِّي بالناس" إلى آخره؛ الهمُّ بالشيء، غيرُ فعله.
واختلف في الألف واللام، في "الصلاة"؛ هل هي لمعهودِ صلاةٍ، أو للجنسِ؟
فمن قال: للعهد، اختلف فيها؛ ففي رواية: أنها العشاء، وفي رواية: أنها الجمعة.
ومن قال: للجنس؛ حملَه على جميع الصلوات، مطلقًا؛ وكلُّه صحيح لا منافاة فيه.
ثم اختلف في هؤلاء القوم؛ المتخلفين عن الصلاة:
فقيل: كانوا منافقين، وسياقُ الحديث يقتضيه؛ فإنه لا يظن ذلك بالمؤمنين من الصحابة؛ من تركهم الصلاةَ مع رسول الله ﷺ ، وفي مسجده.
وقيل: يحتمل أن ذلك التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم؛ لأمر توهموه مانعًا، ولم يكن كذلك، ويؤيد هذا التأويل؛ ما رواه أبو داود زيادة على هذا الحديث، فقال: "لقد هَمَمْتُ أن آمرَ فِتْيتي، فَيَجْمَعوا حُزَمًا من حَطَبٍ، ثم آتيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ في بُيوتهم؛ ليستْ بهم عِلَّة؛ فَأُحَرِّقَها عَلَيْهِمْ" (١)، والمنافقون لا يصلُّون في بيوتهم؛ إنما يصلُّون في الجماعة؛ رياءً وسمعة، وأما إذا خَلَوا؛ فكما وصفَهم الله: من الكفر، والاستهزاء.
وعلى هذا التأويل تكون هذه الجماعةُ المهدَّدُ على التخلُّف عنها: هي الجمعة؛ كما نصَّ عليه في حديث عبد الله بن مسعود؛ فيُحمل المطلقُ منها، على المقيد.
وهَمُّهُ ﷺ بإتيانهم بعدَ إقامة الصلاة، برجلٍ يصلِّي بالناس؛ لتتحقق مخالفتُهم، وتخلفهم؛ فيتوجَّهَ اللومُ عليهم.
стр. 347
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: الدليلُ لمن قال: إن الجماعة فرضُ عين؛ ولا شك أنها كذلك في الجمعة، واختلف العلماء فيما عداها؛ من الصلوات الخمس:
فقال عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وابنُ المنذر، وابنُ خزيمة، وداودُ: الجماعةُ فرض عين، لكن اختلفتِ الرواية عن أحمدَ، وداودَ: هل هي فرض؛ بمعنى الشرط للصلاة، أم لا؟ والأظهرُ عن أحمد: أنها فرضُ عين، ليس بشرط.
وقال الأكثرون: هي سنة.
وقيل: فرض كفاية؛ وهو قول في مذهب الشافعي، ومالكٍ، وهو المختار عند جماعة من محققي أصحاب الشافعي.
وجه الدليل لمن قال: إنها فرض عين: هذا الحديث؛ فإنه إن قيل: إنها فرض كفاية؛ فهو كان قائمًا بفعل رسول الله ﷺ ، ومن معه، وإن قيل: إنها سنة؛ فلا تحريقَ، ولا قتلَ على تاركها؛ فتعين أنها: فرضُ على الأعيان.
وأجاب القائلون بأنها سنة، أو فرضُ كفاية: بأن التهديد على تركها؛ إنما كان لصفة النفاق، مع ترك الجماعة، لا لتركها فقط، ويشهد لذلك ما ثبت في "الصحيح": أنه ﷺ قال: "ولو علمَ أحدُهم أنه يجدُ عظمًا سَمينًا، لشهدَها"؛ يعني: العشاء (١).
ومعلوم أن ذلك؛ ليس صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر الصحابة، وإذا كان ذلك للمنافقين؛ كان التحريقُ للنفاق، لا لتركِ الجماعة؛ فلا يتمُّ الدليل، مع أن الترتيب على وصفين لا يجوز أن يترتب على أحدهما.
وقال القاضي عياض: وقيل هذا في المؤمنين، وأما المنافقون؛ فكان النبي ﷺ معرِضًا عنهم غالبًا، ولهذا لم يعاقبْهم في التخلف معاقبةَ كعبٍ
стр. 348
وأصحابِه، ولا عارضَهم معارضةَ غيرِهم من المؤمنين (١).
قال شيخنا أبو الفتح الحافظ ﵀: وهذا إنما يلزم، على أن ترك معاقبة المنافقين كانَ واجبًا عليه ﷺ ؛ فتمتنع معاقبتهم بهذا التحريق؛ فيكون ذلك في المؤمنين.
فأما إذا كان تركه مباحًا له ﷺ ، مخيرًا فيه، فلا يلزم ذلك، بل يجوز أن يكون في المنافقين؛ بجواز معاقبته لهم، وليس في إعراضه ﷺ عنهم بمجرده، ما يدل على وجوبه عليه.
ولعل في قوله ﷺ ، وتركه ما طلب منه فيهم؛ لئلا يتحدث الناس: أن محمدًا يقتل أصحابه؛ طلبًا للتأليف، وعدم التنفير عن الإسلام: ما يشعر بتخييره ﷺ فيهم؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم، لكان الجواب بصريح المنع الشرعي، وهو أنه لا يحل قتلهم، ومما يشهد أن ذلك في المنافقين عندي: سياق الحديث من أوله: "أثقلُ صلاةٍ على المنافقين".
قال: ووجه آخر، وهو أن هَمَّهُ ﷺ بالتحريق يدلُّ على جوازه، وتركه التحريقَ يدلُّ على جواز تركه؛ وإذا اجتمعَ الجوازُ والترك في حقِّ هؤلاء، لا يلزم أن يكون هذا المجموع في المؤمنين؛ هذا ملخص كلامه ﵀ (٢).
ثم لو سلم أن التحريق كان لترك الجماعة، لما كان فيه دليل على أنها فرض عين؛ لأنه لم يحرق، وهَمَّ به، ثم تركَه، ولم يخبرهم أن من تركَ الجماعة: أَنَّ صلاته غير مجزية؛ وهو موضع البيان.
وضعف ذلك، على تقدير أن يكون المراد بالحديث المؤمنين؛ لأنه ﷺ لا يجوز أن يهم إلا بما يجوزُ له فعلُه لو فعله، وإنما كونه لم يخبرهم، إلى آخره؛ فلأن البيان لم يتعين أن يكون بالتنصيص، بل يكون بالدلالة، ولما قال ﷺ : "ولقد هممتُ، إلى آخره"؛ دلَّ على وجوب الحضور عليهم لصلاة الجماعة.
стр. 349
فإذا دل الدليل على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها غالبا، كان ذكره ﷺ هذا لهم دليلًا على: وجوب الحضور، ووجوبه دليلًا على الشرطية؛ فحينئذٍ، يكون ذكر الهم دليلًا على لازم الحضور؛ وهو الاشتراط بالوسيلة المذكورة، فلا يشترط في البيان أن يكون نصًّا، وقد قيل: إن اشتراطه في النصية غالب، ولهذا ينفك الوجوب عن الشرط.
ثم لو سلم ذلك جميعُه، لكان المراد بالتخلف عن الجماعة في الجمعة، لا غيرها، والجماعةُ شرط فيها، وقد ورد مفسَّرًا في بعض الروايات؛ كما قدمناه، لكنه ورد مفسرًا في غيرها؛ فلا يتم أن المراد الجمعة فقط؛ فحينئذٍ، يرجع البحث إلى الأحاديث التي رويت في ذلك؛ هل هي حديث واحد، أو أحاديث مختلفة؟
فإن كانت مختلفة، قيل: لكل واحد من الصلوات المذكورة.
وإن كانت واحدًا، اختلف فيه؛ فيرجع البحث إلى أن عدم ترجيح بعض الروايات على بعض؛ يحتاج إلى بيان مراده ﷺ ، من إحدى الصلاتين: العشاء، والجمعة.
فإن كان مراده الجمعة؛ فلا يتم الدليل.
وإن كان العشاء؛ توقف الحال بتردد الاستدلال.
ثم لو سلم ما قالوه، إنما يكون ذلك في صلاة معينة؛ وهي: إما الجمعة، وإما العشاء، وإما الفجر، خصوصًا على مذهب الظاهرية؛ فلا يلزم منه وجوب الجماعة في غير هذه الصلوات الثلاثة؛ عملًا بالظاهر، وترك اتباع المعنى.
إلا أن يضم إلى ذلك قوله ﷺ : "أَنْ آمرَ بالصلاةِ فتقام" على عمومها، وحينئذٍ يحتاج إلى اعتبار الحديث، وسياقه، وما يدل عليه، فيحمل لفظُ الصلاة عليه، إن أُريدَ التحقيقُ، وطلبُ الحق، والله أعلم.
ومنها: تقديم الوعيدِ والتهديدِ على العقوبة، وسرُّ ذلك أنه إذا أمكن دفعُ المفسدة بالأهون من الزاجر، لم يعدل إلى الأعلى والأصعب منه.
стр. 350
وفيه: الحث البليغ على حضور الجماعة في المسجد؛ في العشاء، والفجر.
وفيه: تسمية صلاة الصبح بصلاة الفجر.
وفيه: أن الإمام إذا عرض له شغلٌ، يستخلفُ مَنْ يصلي بالناس؛ لقوله: "آمرَ بالصلاةِ، فَتُقام، ثم آمرَ رجلًا، فيصلِّيَ بالناسِ".
وفيه: جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة؛ لعذر.
واستدل به بعضهم على جواز العقوبة بالمال؛ وهو مذهب مالك.
وفي قوله ﷺ في بعض طرقه: "ثم يحرقَ بيوتٌ على مَنْ فيها" ما يدل على: أن تارك لصلاة متهاونًا يُقتل.
وفيه: جواز أخذِ أهل الجرائم على غِرَّة.
وفيه: أن الأفضلَ لأهل الأعذار تحمُّلُ المشقةِ في الإتيان إلى الجماعة؛ لقوله ﷺ : "لأتَوْهما، ولو حَبْوًا"، ومعلوم أن إتيان الصلاة حبوًا لا يكون إلا من عذر، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إذَا اسْتأذنَتْ أَحَدَكُم امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ، فَلا يَمْنَعْهَا".
قالَ: فقالَ بلالُ بنُ عبدِ اللهِ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا ما سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَه قَطُّ، وقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وتَقُولُ: واللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ!! (١).
وفي لفظ: "لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٢).
стр. 351
أما عبد الله بن عمر؛ فتقدم ذكره.
وأما بِلالُ بنُ عبدِ الله:
فهو ابنُ عبد الله بن عمر، راوي الحديث؛ تابعيٌّ مدنيٌّ ثقةٌ، روى له مسلم (١).
وقولُه ﷺ : "إذا استأذنتْ أحدَكم امرأتُه إلى المسجد، فلا يمنعْها":
مقتضى عدم المنع: الإباحةُ لهن في الخروج إلى المساجد للصلاة.
ويلزم من النهي عن المنع، إذا طلبت ذلك: أنها كانت ممنوعة من الخروج من بيت الزوج لغير ذلك؛ لأنه لو كان جائزًا لها الخروج، لم يكن للنهي عن المنع من الخروج فائدة؛ لأنه إذا كانت الطاعات المشروعة مقيدة بالاستئذان، والإذن، فما ظنك بغيرها من أنواع الخروج؟!
ثم الحديث عامٌّ في النساء، لكنه ذكرهن في اللفظ الثاني في الحديث بقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله"؛ لأنه أوقع في السمع من التعبير بالنساء؛ لمناسبة الإضافة بين الإماء والمساجد؛ لقصد تشريف الطائع، ومحل الطاعة.
ثم اعلم: أن الفقهاء خصصوا هذا الحديث بأحاديث أخر، وجعلوها شروطًا للعمل به؛ لمفاسد طرأت؛ كما قالت عائشة ﵂ في "الصحيح": لو رأى رسولُ اللهِ ﷺ ما أحدثَ النساءُ لمنعهنَّ المساجدَ؛ كما مُنعت نساء بني إسرائيلَ (٢).
стр. 352
فمن الشروط: أن لا يَتَطَيَّبْنَ؛ وهذا مذكور في بعض روايات هذا الحديث: "ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ" (١)، وفي بعض الأحاديث: "إذا شهدتْ إحداكُنَّ العشاءَ، فلا تَطَيَّبْ تلكَ الليلةَ" (٢)، وفي بعضها: "إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ، فلا تَمَسَّنَّ طيبًا" (٣).
ويلحق بالطيب: ما في معناه؛ من البخور، وحسن الملابس، والحلي الذي يظهر أثره في الزينة؛ فإن منعَ الطيبِ لهن في الخروج؛ إنما هو: لدفع داعية الرجال، وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا؛ وكذلك حكم كل خروج يؤدي بهن إلى مفسدة نهى الشرع عنها.
وخص بعضُهم قولَ عائشة في المنع من الخروج؛ للمرأة الجميلة المشهورة، وربما خصَّه بعضهم بالخروج بالليل؛ لرواية في "صحيح مسلم": "لا تمنعوا النساءَ من الخروج إلى المساجد بالليلِ؛ (٤)؛ فالتقييد بالليل مشعر بما قال. ومما قيل في تخصيص الحديث: بأن لا يزاحمْنَ الرجال.
وكل ذلك من المنع خارج عن الحديث، خلا الطيب، وما في معناه؛ من الخلاخل التي يسمع صوتها، والأزر المفعقعة، والأحذية المصرصرة؛ التي توجبُ رفعَ الأبصار إليها بسببها، والافتتان بها، وكذلك ما يعرض لهن في الطريق من أهل الفساد والأذى.
وهذا النهي للتنزيه: إذا كانت ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط؛ فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد، حرم المنع، إذا وجدت الشروط.
стр. 353
وأما سبُّ عبدِ الله ولدَه بلالًا، ومبالغتُه فيه: ففيه أن السنَّةَ سبُّ المعترضِ على السنَّةِ، والمعارضِ لها برَأيه.
وفي الحديث فوائد:
منها: منعُ الرجل امرأته من الخروج من منزله، إلا بإذنه.
ومنها: أنه لا يمنعها إذا استأذنته في الخروج إلى المساجد؛ بالشروط المذكورة.
ومنها: الأدب مع السنة، وأن لا تُعارض بصريح الرد، والأخذ بالرأي.
ومنها: تأديبُ المعترضِ عليها، والرادِّ عليها برأيه، وسبُّه، وتعزيرُه، والمبالغةُ في ذلك.
ومنها: الردُّ على العالم بمجرد الهوى، وتأديبُ الرجل ولدهَ؛ وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر.
ومنها: تأديبُ العالم مَنْ تعلَّم عنده، وتكلَّم بما لا ينبغي.
ومنها: تقديمُ حقِّ الله تعالى، وحقِّ رسوله ﷺ على غيرهم.
ومنها: القولُ بالحق؛ سواء كان القول له قريبًا، أو غيره، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: صلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكعَتينِ بَعْدَ العِشَاءِ (١)، وفي لفظ: فَأمَّا المَغْرِبُ، والعِشَاءُ، والجُمُعَةُ؛ فَفِي بَيْتِه (٢).
стр. 354
وفي لفظٍ: أَن ابنَ عُمَرَ قال: حَدَّثَنْي حَفْصَةُ: أَن النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتين بَعْدَمَا يَطلُعُ الفَجْرُ؛ وكانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النبيِّ ﷺ فِيهَا (١).
تقدم الكلام على ابن عمر.
وأما أختُه حَفْصَةُ:
فتقدَّم نسبُها، في ذكر أبيها عمر ﵁؛ وهي: أم المؤمنين، بنتُ أمير المؤمنين عمرَ، أسلمت تبعًا لأبيها؛ وهي: أختُ عبدِ الله لأبيه وأمه، وأمُّها: زينبُ بنتُ مظعون.
وكانت تحتَ خُنَيْسِ بنِ حُذافةَ السَّهْمِيِّ، فلما تَأيَّمَتْ حفصة، ذكرها عمرُ لأبي بكر؛ فلم يرجع إليه كلمة، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ فقال عثمان: ما أريدُ أن أتزوجَ اليومَ؛ فشكا ذلك عمرُ إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بعرضِه إليه؛ فقال رسول الله ﷺ : "يتزوجُ حفصةَ مَنْ هو خيرٌ من عثمانَ، ويتزوَّجُ عثمانُ مَنْ هي خيرٌ من حفصةَ".
ثم خطبها إلى عمر، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فلقي أبو بكر عمرَ؛ فقال: لا تَجِدْ عليَّ في نفِسك؛ فإن رسول الله ﷺ كان ذكرَ حفصةَ فلم أكنْ لأُفشيَ سرَّ رسول الله ﷺ (٢).
وتزوجها رسولُ الله ﷺ -عند أكثرهم- في سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وطلَّقها تطليقة، ثم ارتجعها؛ لأن جبريل ﷺ قال له: "راجعْ حفصةَ؛ فإنَّها صَوَّامة قوامةٌ، وإِنَّها زَوْجُكَ في الجنَّةِ" (٣).
стр. 355
وأوصى إليها عمر بعدَ موته، وأوصت حفصةُ إلى أخيها عبد الله بما أوصى به عمر، وبصدقةٍ تصدقت بها بمال وقفته بالغابةِ.
رُوي لها عن رسول الله ﷺ : ستون حديثًا؛ اتفقا على: ثلاثة، وانفرد مسلم: بستة.
روى عنها: أخوها عبد الله، والمطلب بن أبي وداعة بن ضميرة، وعبد الله بن صفوان، وشتير بن شَكَل، وروى لها: أصحاب السنن والمسانيد.
وتوفيت سنة إحدى، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: أول ما بويع معاويةُ، وبويع معاوية في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، وقيل: توفيت سنة سبع وعشرين؛ وهو ضعيف (١).
أما الكلامُ على لفظه:
فذكرُ هذا الحديثِ في باب: صلاة الجماعة لم تظهر له مناسبة، إلا من حيثُ المعيَّةُ؛ في قول ابن عمر: "صَلَّيتُ مع رسول الله ﷺ ، الحديث"، لكنه لا يلزمُ منها الاجتماعُ للسنن المذكورة؛ لأجل الجماعة فيها، وإن كان محتملًا؛ فإن المعية مطلقًا أعمُّ منها في الصلاة.
ومما يبعد الاحتمالَ المذكورَ؛ قولُ عائشة بعدَه: "لم يكنِ النبيُّ ﷺ ، على شيء من النوافل أشدَّ تعاهُدًا منه على ركعتيِ الفجرِ" (٢)، وهذا لا تعلُّق له بالجماعة.