← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أما عبد الله بن عمر؛ فتقدم ذكره. وأما بِلالُ بنُ عبدِ الله: فهو ابنُ عبد الله بن عمر، راوي الحديث؛ تابعيٌّ مدنيٌّ ثقةٌ، روى له مسلم (١). وقولُه ﷺ : "إذا استأذنتْ أحدَكم امرأتُه إلى المسجد، فلا يمنعْها": مقتضى عدم المنع: الإباحةُ لهن في الخروج إلى المساجد للصلاة. ويلزم من النهي عن المنع، إذا طلبت ذلك: أنها كانت ممنوعة من الخروج من بيت الزوج لغير ذلك؛ لأنه لو كان جائزًا لها الخروج، لم يكن للنهي عن المنع من الخروج فائدة؛ لأنه إذا كانت الطاعات المشروعة مقيدة بالاستئذان، والإذن، فما ظنك بغيرها من أنواع الخروج؟! ثم الحديث عامٌّ في النساء، لكنه ذكرهن في اللفظ الثاني في الحديث بقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ اللهِ مساجدَ الله"؛ لأنه أوقع في السمع من التعبير بالنساء؛ لمناسبة الإضافة بين الإماء والمساجد؛ لقصد تشريف الطائع، ومحل الطاعة. ثم اعلم: أن الفقهاء خصصوا هذا الحديث بأحاديث أخر، وجعلوها شروطًا للعمل به؛ لمفاسد طرأت؛ كما قالت عائشة ﵂ في "الصحيح": لو رأى رسولُ اللهِ ﷺ ما أحدثَ النساءُ لمنعهنَّ المساجدَ؛ كما مُنعت نساء بني إسرائيلَ (٢).

стр. 352

فمن الشروط: أن لا يَتَطَيَّبْنَ؛ وهذا مذكور في بعض روايات هذا الحديث: "ولْيَخْرُجْنَ تَفِلاتٍ" (١)، وفي بعض الأحاديث: "إذا شهدتْ إحداكُنَّ العشاءَ، فلا تَطَيَّبْ تلكَ الليلةَ" (٢)، وفي بعضها: "إذا شهدتْ إحداكنَّ المسجدَ، فلا تَمَسَّنَّ طيبًا" (٣). ويلحق بالطيب: ما في معناه؛ من البخور، وحسن الملابس، والحلي الذي يظهر أثره في الزينة؛ فإن منعَ الطيبِ لهن في الخروج؛ إنما هو: لدفع داعية الرجال، وشهوتهم، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا؛ وكذلك حكم كل خروج يؤدي بهن إلى مفسدة نهى الشرع عنها. وخص بعضُهم قولَ عائشة في المنع من الخروج؛ للمرأة الجميلة المشهورة، وربما خصَّه بعضهم بالخروج بالليل؛ لرواية في "صحيح مسلم": "لا تمنعوا النساءَ من الخروج إلى المساجد بالليلِ؛ (٤)؛ فالتقييد بالليل مشعر بما قال. ومما قيل في تخصيص الحديث: بأن لا يزاحمْنَ الرجال. وكل ذلك من المنع خارج عن الحديث، خلا الطيب، وما في معناه؛ من الخلاخل التي يسمع صوتها، والأزر المفعقعة، والأحذية المصرصرة؛ التي توجبُ رفعَ الأبصار إليها بسببها، والافتتان بها، وكذلك ما يعرض لهن في الطريق من أهل الفساد والأذى. وهذا النهي للتنزيه: إذا كانت ذات زوج، أو سيد، ووجدت الشروط؛ فإن لم يكن لها زوج، ولا سيد، حرم المنع، إذا وجدت الشروط.

стр. 353

وأما سبُّ عبدِ الله ولدَه بلالًا، ومبالغتُه فيه: ففيه أن السنَّةَ سبُّ المعترضِ على السنَّةِ، والمعارضِ لها برَأيه. وفي الحديث فوائد: منها: منعُ الرجل امرأته من الخروج من منزله، إلا بإذنه. ومنها: أنه لا يمنعها إذا استأذنته في الخروج إلى المساجد؛ بالشروط المذكورة. ومنها: الأدب مع السنة، وأن لا تُعارض بصريح الرد، والأخذ بالرأي. ومنها: تأديبُ المعترضِ عليها، والرادِّ عليها برأيه، وسبُّه، وتعزيرُه، والمبالغةُ في ذلك. ومنها: الردُّ على العالم بمجرد الهوى، وتأديبُ الرجل ولدهَ؛ وإن كان كبيرًا في تغيير المنكر. ومنها: تأديبُ العالم مَنْ تعلَّم عنده، وتكلَّم بما لا ينبغي. ومنها: تقديمُ حقِّ الله تعالى، وحقِّ رسوله ﷺ على غيرهم. ومنها: القولُ بالحق؛ سواء كان القول له قريبًا، أو غيره، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: صلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكعَتينِ بَعْدَ العِشَاءِ (١)، وفي لفظ: فَأمَّا المَغْرِبُ، والعِشَاءُ، والجُمُعَةُ؛ فَفِي بَيْتِه (٢).

стр. 354

وفي لفظٍ: أَن ابنَ عُمَرَ قال: حَدَّثَنْي حَفْصَةُ: أَن النبيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتين بَعْدَمَا يَطلُعُ الفَجْرُ؛ وكانَتْ سَاعَةً لا أَدْخُلُ عَلَى النبيِّ ﷺ فِيهَا (١). تقدم الكلام على ابن عمر. وأما أختُه حَفْصَةُ: فتقدَّم نسبُها، في ذكر أبيها عمر ﵁؛ وهي: أم المؤمنين، بنتُ أمير المؤمنين عمرَ، أسلمت تبعًا لأبيها؛ وهي: أختُ عبدِ الله لأبيه وأمه، وأمُّها: زينبُ بنتُ مظعون. وكانت تحتَ خُنَيْسِ بنِ حُذافةَ السَّهْمِيِّ، فلما تَأيَّمَتْ حفصة، ذكرها عمرُ لأبي بكر؛ فلم يرجع إليه كلمة، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ الله ﷺ فقال عثمان: ما أريدُ أن أتزوجَ اليومَ؛ فشكا ذلك عمرُ إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بعرضِه إليه؛ فقال رسول الله ﷺ : "يتزوجُ حفصةَ مَنْ هو خيرٌ من عثمانَ، ويتزوَّجُ عثمانُ مَنْ هي خيرٌ من حفصةَ". ثم خطبها إلى عمر، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فلقي أبو بكر عمرَ؛ فقال: لا تَجِدْ عليَّ في نفِسك؛ فإن رسول الله ﷺ كان ذكرَ حفصةَ فلم أكنْ لأُفشيَ سرَّ رسول الله ﷺ (٢). وتزوجها رسولُ الله ﷺ -عند أكثرهم- في سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: سنة اثنتين، وطلَّقها تطليقة، ثم ارتجعها؛ لأن جبريل ﷺ قال له: "راجعْ حفصةَ؛ فإنَّها صَوَّامة قوامةٌ، وإِنَّها زَوْجُكَ في الجنَّةِ" (٣).

стр. 355

وأوصى إليها عمر بعدَ موته، وأوصت حفصةُ إلى أخيها عبد الله بما أوصى به عمر، وبصدقةٍ تصدقت بها بمال وقفته بالغابةِ. رُوي لها عن رسول الله ﷺ : ستون حديثًا؛ اتفقا على: ثلاثة، وانفرد مسلم: بستة. روى عنها: أخوها عبد الله، والمطلب بن أبي وداعة بن ضميرة، وعبد الله بن صفوان، وشتير بن شَكَل، وروى لها: أصحاب السنن والمسانيد. وتوفيت سنة إحدى، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: أول ما بويع معاويةُ، وبويع معاوية في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، وقيل: توفيت سنة سبع وعشرين؛ وهو ضعيف (١). أما الكلامُ على لفظه: فذكرُ هذا الحديثِ في باب: صلاة الجماعة لم تظهر له مناسبة، إلا من حيثُ المعيَّةُ؛ في قول ابن عمر: "صَلَّيتُ مع رسول الله ﷺ ، الحديث"، لكنه لا يلزمُ منها الاجتماعُ للسنن المذكورة؛ لأجل الجماعة فيها، وإن كان محتملًا؛ فإن المعية مطلقًا أعمُّ منها في الصلاة. ومما يبعد الاحتمالَ المذكورَ؛ قولُ عائشة بعدَه: "لم يكنِ النبيُّ ﷺ ، على شيء من النوافل أشدَّ تعاهُدًا منه على ركعتيِ الفجرِ" (٢)، وهذا لا تعلُّق له بالجماعة.

стр. 356

وأما الكلامُ على هذا الحديث، فمن أوجُهٍ: الأول: ما يتعلَّق بعلوم الحديث، وأنواعه؛ وهو أن [في] الرواية التالية، دليلًا على: رواية الأخ عن أخيه؛ سواء كان ذكرًا، أو أنثى. وأخذ العلم من المرأة؛ خصوصًا إذا كانت أعلمَ بالواقعة والحالة. وقبول خبر الواحد، وهو مذهب العلماء العلماء؛ من جميع الطوائف، خلافًا لبعضهم، وعمل بخبر الواحد: الصحابة، فمن بعدهم فيما لا يحصى من الأحكام. الثاني: فيما يتعلق بالصلوات النوافل المقيدة بأوقات وأعداد. فمنها: السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدها. فأما الحكمة في النوافل قبلها، فلأن النفس متكيفة بأسباب الدنيا، واشتغالها بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها، فكان تقديمها عليها تأنيبًا للنفس في الفرض بالعبادة قبله؛ لتتكيف بحالة الخشوع، وتدخل في الفرض على حالة حسنة لم تكن للنفس قبله، فإنها منافرة للطاعة، لا سيما إذا كثر أو طال ورود الحالة المنافية لما قبلها، فإنها قد تمحو أثرها، أو تضعفه، وأما في النوافل بعدها، فلأنها جابرة لما وقع في الفرائض من نقص إن وقع. الثالث: ما يتعلق بعددها، ولا شك أنه قد ثبت في ذلك أحاديثُ، لكن تأكدها على مراتب، فبعضها آكد من بعض؛ بحسب مواظبته ﷺ عليه، أو تخصيصه بكثرة الثواب في فعله لمشقة الفعل، أو لاشتغال الناس عنها بمعايشهم، أو راحة بنوم أو لعب، وغيرهما، أو لغير ذلك. واعلم أنه ثبتت في السنن الراتبة المقيدة بالفرائض أحاديثُ:

стр. 357

منها: قوله ﷺ : "مَنْ صَلَّى اثنتي عَشْرَةَ رَكْعَةً في يومٍ وليلةٍ، بُنيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة" (١). ومنها: "ما مِنْ مسلمٍ يصلِّي لله تعالى في يومٍ اثنتي عشرةَ ركعةً تطوُّعًا غيرَ فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة" (٢). ولا شك أن هذا العددَ موجودٌ في أحاديث ابن عمر المذكورة في الكتاب هنا، وفي حديث عائشة هنا: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدَها وبعدَ المغرب وبعدَ العشاء، وإذا طلع الفجر صليت مع رسول الله ﷺ ، الحديث، لكنه لا يلزم منها الاجتماع للسنن المذكورة [إلى] صلى ركعتين، وهن اثنتا عشرة أيضًا، وليس للعصر ذكر في "الصحيحين". وجاء في "سنن أبي داود" بإسنادٍ صحيح عن علي ﵁: أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر ركعتين (٣). وفي الترمذي، وقال: حسن: عن ابن عمرَ عن النبي ﷺ ، قال: "رحمَ اللهُ امرأً صَلَّى قبل العصر أربع ركعات" (٤). وفيه -أيضًا-، وقال: حسن، عن علي ﵁: "كان النبي ﷺ [يصلي] قبل العصر أربع ركعات" (٥). وجاء في أربعٍ بعد الظهر عن أم حبيبة ﵂ قالت: قال:

стр. 358

رسول الله ﷺ من حافظَ على أربعٍ قبل الظهرِ، وأربعٍ بعدَها، حَرَّمه اللهُ على النار" رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح (١). وفي "صحيح البخاري" عن ابن مغفل: أن النبي ﷺ قال: "صلوا قبل، المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء" (٢)، وفي "الصحيحين" عن ابن مُغفَّل -أيضًا- عن النبي ﷺ قال: "بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ " (٣)، والمراد: بينَ الأذانِ والإقامة. فهذه جملةٌ من الأحاديث في السنن الراتبة مع الفرائض. قال جمهور العلماء، وأصحاب الشافعي: هذه النوافل المذكورة في هذه الأحاديث جميعُها مستحبة، لا خلافَ في شيء منها، إلا في الركعتين قبل المغرب، فإنَّ فيهما وجهينِ عندَ أصحاب الشافعي: أشهرهما عندهم: عدم الاستحباب، والمحققون منهم قالوا باستحبابهما؛ لحديثي ابن مغفَّل، وحديثِ ابتدارِهم السواريَ بهما، وهو في "الصحيحين" (٤). قال العلماء من الشافعية وغيرهم: واختلافُ الأحاديث في أعدادها محمولٌ على التوسعة فيها، وأن لها أقلَّ وأكملَ، فيحصل أصلُ السنة بالأقل، والأكملُ فعلُ الأكثر. وَكذلك في الضحى والوتر وغيرها، فأعدادها بالأقل والأكثر وما بينهما دليلٌ على أقل المجزي من أصل السنة، وعلى الأكمل، والأوسط، والله أعلم.

стр. 359

هذا ما يتعلق بالنوافل المقيدة، وأما النوافل المطلقة، وتسمى المُرسَلة، فما كان منها في حديث صحيح أو حسن مقيدًا بعدد أو هيئةٍ، أُعمل به، وكان مستحبًّا، وتختلف مراتبه وتأكيده باختلاف دليله في فعله وتركه قولًا وعملًا على حسبه؛ في صحته ومَراتبه، وما كان في حديث ضعيف، احتمل أن يعمل به؛ لدخوله تحت العمومات، لكن شرطه أن لا يقومَ دليل على المنع منه في العمومات أَخصُّ منه، وليس الحديثُ الموضوع من ذلك ألبتة، خصوصًا إن أحدثَ شعارًا في الدين؛ كالصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب؛ فإن حديثها موضوع، وقد أدخلها بعضُهم تحت العمومات الدالَّة على فضل الصلاة والتسبيحات، وَلم يستقم له ذلك لو كان حديثها ضعيفًا، وهو الذي لم يدخل تحت حدِّ الصحيح أو الحسن، فكيف بالموضوع الذي هو شرٌّ من الضعيف المختلَق المصنوع؟! كيف وقد صحَّ أن النبيَّ ﷺ نهى عن تخصيص ليلةِ الجمعةِ بقيام، وهو أخصُّ من العمومات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة، ثم احتمال دخوله تحت العمومات إنما هو في الفعل لا في الحكم بالاستحباب المخصوص بهيئةٍ؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي عليه بذلك الوقت والهيئة والحالة، والله أعلم. ومما أُحدثَ شعارًا في الدين عيدًا ثالثًا أحدثَه الروافضُ وسموه: عيدَ الغدير، وليس له أصل في الشريعة. ثم المحدَث في الدين قد يكونُ زيادةَ وصفٍ في العبادة المشروعة لم تثبت في السنة؛ كاجتماع في موضع الانفراد، ويزعم من يفعل ذلك أن يدخل تحت عموم السنة؛ كما يفعل في ليلة النصف، والتعريف بغير عرفة، وهذا لا يستقيم؛ فإن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذُها التوقيف، فإن دلَّ الدليل على كراهة المحدث بخصوصيته، كان أقوى في منعه وأظهر. وقد ذكر أصحاب الشافعي ﵏ في رفع اليدين في دعاء القنوت وجهين، فمن نظر إلى صحة الحديث في رفع اليدين في الدعاء عندَ الإطلاق،

стр. 360

قال برفعهما، ومن نظر إلى التوقيف والتعبد، قال بالمنع، كيف والصلاة تُصانُ عن زيادة عمل بغير دليل خاصٍّ فيه صحيحٍ، فإذا لم يصحَّ فيه حديثٌ خاصٌّ، كان دليلُ صيانةِ الصلاة عن زيادةِ عمل أخصَّ من دليلِ رفع اليدين في الدعاء مطلقًا. ثم المحدَثُ قد يكون محرَّمًا، وقد يكون مكروهًا، ويختلف ذلك باختلاف نفس الشرع فيه من التشديد بالنسبة إلى ذلك الجنس والتخفيف، فإنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأصول العقائد، لم تكن مساويةً للبدع المتعلقة بأحكام الشريعة الفروعية، ولا شك أن الناس من العلماء الأصوليين والفروعيين قد تباينوا تباينًا كثيرًا في الكلام على البدع والتشديد فيها، حتى إن بعض العلماء من المالكية مرَّ بقوم يصلُّون في إحدى ليلتي الرغائب في رجب، والتي في نصف شعبان، وبقوم عاكفين على محرَّم، فحسب حالهم على المصلين لتلك الصلاة، وعلَّل بأنهم عالمون بارتكاب المعصية يرجون الاستغفار والتوبة، والمصلُّون لتلك الصلاة معتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يستغفرون. والقياس في هذا يرجعُ إلى العُمومات الشرعية أو دليلٍ خاصٍّ عليه، وميل المحققين من العلماء إلى ذلك. وقد ثبت عن السلف من الصحابة والتابعين ما يؤيده؛ كجعل ابن عمر ﵄ صلاةَ الضحى بدعةً؛ حيث لم يثبت عنده فيها دليل بإدراجها تحت عموم الصلاة؛ لتخصيصها بوقت مخصوص، ولذلك قال في القنوت الذي فعل في عصره: إنه بدعة، ولم يرَ إدراجه تحت عموم الدعاء. وكذلك نقل الترمذي عن عبد الله بن المغفَّل، لابنه في الجهرِ بالبسملةِ: "إياكَ والحدثَ" (١)، وَلم يرد إدراجه تحت دليل عام. وكذلك ما خرجه الطبراني بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: ذُكر لابن

стр. 361

مسعودٍ قاصٌّ يجلس بالليل ويقولُ للناس: قولوا كذا، وقولوا، فقال: إذا رأيتموه، فأخبروني، قال: فأخبروه، فجاء عبدُ الله متقنِّعًا، فقال: من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون إنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه (١)، وفي رواية: "لقد جئتم ببدعةٍ ظلمًا" أو: "لقد فضلتم أصحابَ محمدٍ ﷺ وأصحابه علمًا" (٢)، وإنما أنكر ذلك؛ لأنه رآه من باب الزيادة في العبادات، مع أنه داخل تحتَ العمومات في فضيلة الذكر. ولا شك أن ذلك جميعَه -بتقدير ثبوته عنهم- محمولٌ على أنه لم تبلغهم الأحاديثُ الخاصة فيه، أو أنه اقترن به أمرٌ من رياءٍ، أو ترك واجب شرعي، أو استدراج بذلك إلى مفاسدَ علموها، وإلا فالأحاديثُ الصحيحة ثابتة بالأمر بالذكر، فرادى ومجتمعين، والحث عليه، وعلى صلاة الضحى، والدعاء في الصلاة؛ لحديث أبي بكر ﵁: علمني دعاءً أدعو به في بيتي وفي صلاتي (٣). وحديث: "إنّ لله تعالى ملائكةً سياراتٍ فضلاءَ، يطلبون حِلَقَ الذكر، فإذا وجدوها، قالوا: هلموا إلي طِلْبَتِكُم" (٤)، وكذلك القنوتُ في الصبح وغيرها. وهذا كلُّه راجع إلى معرفة وجوه السنة، وما هي، وقد بين ذلك الشافعي ﵀ أحسنَ بيان، فيما رويناه في كتاب "المدخل إلى معرفة السنن" للبيهقي ﵀ بإسنادنا إليه، ثم إلى الربيع، قال: أنا الشافعي: وسُنَّةُ رسول الله ﷺ من ثلاثة أوجه: أحدها: ما أنزل الله تعالى فيه نصَّ كتاب، فسنَّ رسولُ الله ﷺ بمثل نَصِّ الكتاب.

стр. 362

والثاني: ما أنزلَ الله فيه جملةَ كتابَ، فبيَّنَ عن الله تعالى معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها، أعامًّا أم خاصًّا؟ وكيف أراد أن يأتي به العباد؟ والثالث: ما سنَّ رسولُ الله ﷺ ممَّا ليس فيه نصُّ كتاب، فمنهم من قال: جعله تعالى بما افترض من طاعة، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نصُّ كتاب. ومنهم من قال: لم يَسُنَّ سنةً قطُّ إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عددِ الصلاة وعملها عن أصل حمله فرض الصلاة، وكذلك ما سَنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما أحل وحرم، فإنما بين فيه عن الله تعالى كما بيَّنَ الصلاة. ومنهم من قال: بل جاءت به رسالة الله -جل ثناؤه-، فأثبت به سنة بفرض الله . ومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة التي ألقيت في روعه من الله -جل ثناؤه-. هذا آخر كلام الشافعي في "المدخل" (١)، والله أعلم. وقال غيره: سنةُ رسول الله ﷺ : قولُه، أو فعلُه، أو حالُه، أو تقريره لما اطلع عليه ﷺ من القول والفعل الحال بحضرته وسكت عليه، والله أعلم. فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمرٌ بين الغُلُوِّ والإهمال، فلا يتنطع متعاطيها، ولا يبخل مترخصيها، بل هي حالة بين حالتين، وهي حال ساداتِ الأمة وسلِفها، والقدوةِ من أهلها وخلِفها، فنسأل الله التوفيق لذلك، وأن يهديَنا لأحسن المسالك.

стр. 363

وفي الحديث فوائد: منها: الاقتداء به ﷺ في النوافل، وفعلها، وتتبعها، ونقلها. ومنها: صلاة النوافل في البيت، والمسجد، وغيرهما؛ وإن كان فعلها في البيت أفضل، إلا أن يكسل عن فعلها فيه؛ فالمسجد أفضل. ومنها: تخفيف ركعتي الفجر. ومنها: عدم الدخول على الشخص في ذلك الوقت، والاستئذان عليه؛ وقد تقدم باقي أحكامه، وفوائده، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَائشةَ ﵂ قَالَتْ: "لَمْ يكُنِ النبيُّ ﷺ عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْه عَلَى رَكعَتَيِ الفَجْرِ" (١). وفي لفظ مسلم: "رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا فِيهَا" (٢). أما عائشة؛ فتقدم ذكرها. وأما مناسبة التبويب للحديث، فتقدم قبله أنه لا مناسبة بينهما بوجه. قوله ﷺ : "رَكْعَتا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها": المراد بهما: السنَّة، لا الفريضةُ، والمرادُ بالدنيا: حياتُها، وما فيها: متاعُها، لا ذاتها؛ فكأنه قال: خيرٌ من متاع الدنيا، وشدةُ تعاهدِه ﷺ على صلاتهما: لِعظم فضلِهما، وجزيلِ ثوابهما. وجمهور العلماء: على أنهما سنة، ليستا واجبتين.

стр. 364

وحكى القاضي عياض ﵀، عن الحسن البصري: وجوبهما. والصواب: أنهما سنة، غيرُ واجبتين؛ لقول عائشة ﵂: "على شيءٍ من النوافلِ"، مع تصريحه ﷺ : بعدمِ وجوب غير هذه الصلوات الخمس، وقولِ السائل له: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلَّا أن تَطَوَّعَ" (١). وقد اختلف أصحاب الشافعي ﵏ في أفضل التطوع، الذي لا تشرع له الجماعة؛ على وجهين: أحدهما: سنة الصبح، والثاني: الوتر، وتمسكوا في أفضلية ركعتي الفجر؛ بهذين الحديثين، من المواظبة عليهما، وكون [ما] فيهما خير من الدنيا وما فيها. فأما المواظبة عليهما: فمشترَكٌ بينه، وبين الوتر؛ فإنه كان واجبًا عليه ﷺ ، ومعلوم أنه كان على الواجب أشدَّ محافظةً من المندوب؛ وإذا كان فعلُ المندوب خيرًا من الدنيا، فما ظنك بالواجب؟! وقد رجَّح بعضُ أصحاب الشافعي أفضليةَ الوتر؛ لكونه مختلفًا في وجوبه بين العلماء؛ وهذا لا يصحُّ؛ فإنه مشتَرك بينه، وبينَ ركعتي الفجر؛ بما حكيناه من وجوبهما، عن الحسن البصري، ومعلوم أنه من فضلاء التابعين، وأئمتهم، وجلتهم؛ فاستويا في ذلك. وقد اختلف أصحاب مالك في أن ركعتي الفجر؛ هل هما سنة، أو فضيلة؟ مع فرقهم بين السنة والفضيلة، فقالوا: السنةُ: ما واظبَ عليه في الجماعة مظهرًا له، وما لم يواظب عليه من هذه من النوافل، فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره؛ كركعتي الفجر، ففيه قولان: أحدهما: سنة، والثاني: فضيلة. وهذا اصطلاح لا أصل له؛ وقد بينا السنة ومعناها في الحديث قبله، لكن السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكدُ من بعض، على حسب مقصود

стр. 365

الشرع، ومقتضاه، ومنطوقه، وشرعية الجماعة فيها، والله أعلم. ولا شك، أن حكم القراءة فيهما: قراءة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، بعد الفاتحة في الأولى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] في الثانية كذلك. أو في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية في البقرة [البقرة: ١٣٦]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية في آل عمران [آل عمران:٦٤]؛ وكلا القراءتين ثابتة عن رسول الله ﷺ فيها، إن شاء مصليهما، قرأ هذا، وإن شاء، قرأ هذا بعد الفاتحة. وقال مالك: لا يقرأ غيرَ الفاتحة، وبه قال جمهور أصحابه، وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئًا؛ وكلا القولين مخالفٌ للسنة الثابتة التي لا معارض لها، والله أعلم. * * *

стр. 366

باب الأذان الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَيُوترَ الإقَامَةَ (١). أما أنس، فتقدم في أول باب الاستطابة. وأما بلال: فهو مؤذن رسول الله ﷺ ، وقد كان لرسول الله ﷺ مؤذنون أربعة: مؤذنان بالمدينة؛ كما سيأتي: بلال، وابنُ أُمِّ مكتومٍ؛ وكانا في وقت واحد، وكان أبو مَحْذُورةَ مؤذنًا له ﷺ بمكة، وسعد القرط؛ أذن لرسول الله ﷺ بقباء مرات. وبلال هو ابن رباح، قرشيٌّ تيميٌّ مولاهم، مولى أبي بكر الصديق ﵁؛ اشتراه بسبع أواقي، وقيل: بخمس، وأعتقه، وكان يرثه، ولأبي بكر ولاؤه، وكان يعذَّب في الله تعالى، وأمه: حمامة؛ وهو مشهور بالانتساب إليها، وكانت مولاة لبعض بني جمح. وكان قديم الإسلام، صادقًا فيه، طاهر القلب، متقدم الهجرة، وقيل: إنه أول من أسلم مطلقًا؛ وهو من أول من أظهر الإسلام، وكان ممن هانت عليه

стр. 367

نفسه في الله تعالى، وهان عليه قومه؛ فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة؛ وهو يقول: أَحَدٌ أَحَد. وقال السمعاني، في "أنسابه" (١): الحبشيُّ: نسبة إلى الحبشة؛ بلاد معروفة، وقد ملكها النجاشي؛ الذي أسلم بالنبي ﷺ ، وهاجر إليه أصحابه، حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة؛ فالتحقوهم من الحبشة إلى المدينة، وسميت الحبشة بحبشة؛ لأبيه ابن حام، وقيل: الزنج، والحبشة، والنوبة، وزعاوة، وقران؛ هم ولد رغبا بن كوش بن حام؛ ومنها: بلال الحبشي؛ مؤذن رسول الله ﷺ ؛ هذا كلام السمعاني. واختلف في كنية بلال؛ فالمشهور: أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الكريم، ويقال: أبو عبد الرحمن، شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها؛ مع رسول الله ﷺ . وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ ، ولم يؤذن لأحد بعده ﷺ ؛ فيما روي، إلا مرة واحدة، في قَدْمة قدمَها المدينة؛ لزيارة قبر رسول الله ﷺ ، طلب إليه الصحابة ذلك؛ فأذن، ولم يُتِمَّ الأذان، وقيل: إنه أذن لأبي بكر خلافته. روي عن بلال ﵁: أنه قال لأبي بكر بعد موت النبي ﷺ : إن كنتَ أعتقَتني لله؛ فدعْني أذهب حيثُ شئتُ، وإن كنتَ أعتقتني لنفسكَ فاحبسني، قال أبو بكر: اذهبْ حيثُ شئتَ (٢)؛ فذهب إلى الشام، فسكنها مُؤثِرًا للجهاد على الأذان إلى أن مات. وكان خازنَ رسول الله ﷺ على بيت ماله. روي له عن رسول الله ﷺ : أربعة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على: حديث واحد، وانفرد البخاري: بحديثين غير مسندين، ومسلم: بحديث مسند.

стр. 368

روى عنه: أبو بكر، وعمر، وابنه عبد الله، وأسامةُ بن زيد، وغيرهم من الصحابة، وكبار التابعين، وروى له: أصحابُ السنن والمساند. مات بدمشق سنة عشرين، وقيل: إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثماني عشرة؛ وهو ابن بضع وستين، وقيل: ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن سبعين. واختلف في موضع مدفنه؛ فالمشهور الذي عليه الأكثرون: أنه بباب الصغير، وقيل: بباب كيسان، وقيل: مات بداريا، وحُمل على رقاب الرجال، ودُفن بباب كيسان، وقيل: مات بحلب، ودُفن على باب الأربعين، وقال أبو حاتم بن حبان: وسمعت أهل فلسطين يقولون: قبره بِعَمْواس، وقيل: إن قبره بداريَّا. وامرأة بلال: هند الخولانية، وقال أبو عمر بنُ عبد البر: وله أخ يسمى: خالدًا، وأخت تسمى: عفرة. وكان شديد الأدمة، نحيفًا، طُوالًا، أجنى (١)، خفيفَ العارضين، والله أعلم (٢). وأما قوله: "أُمر" -بضم الهمزة- فهو راجع عند الأصوليين إلى أمر النبي ﷺ ؛ على المختار عندهم؛ وهو الراجح عند جمهور الفقهاء، والمحدثين، وحكمه: حكمُ المرفوع. وشذَّ بعضهم فقال: هذا اللفظ، وشبهه موقوفٌ؛ لاحتمال أن يكون الآمر

стр. 369

غيرَ النبي ﷺ ، وهو خطأ؛ لأن إطلاق الأمر والنهي إنما ينصرف إلى صاحبه، وهو رسول الله ﷺ . وهكذا الحكم في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا؛ سواء أضافه إلى حياته ﷺ ، أم أضافه إلى بعد وفاته؛ كلُّه مرفوع، والخلاف جارٍ فيه. وحكى الخطابي: أن بعضهم شذَّ، فقال: الآمرُ لبلال بذلك: أبو بكر، وعمر، قال: وهو فاسد؛ لأن بلالًا لحق بالشام بعد موت النبي ﷺ ، واستخلف سعد القرظ على الأذان، في مسجد رسول الله ﷺ (١). قلت: وهذا كله لم يثبت التصريح برفعه من جهة أخرى؛ فأما إذا ثبت رفعه، فلا وجه للاحتمال، ولا شك أن الآمر في هذا الحديث؛ هو رسول الله ﷺ ، وقد رواه النسائي، والدارقطني، والحاكم بأسانيد صحيحة. وقال الحاكم: وهو صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، من رواية أبي قلابة، عن أنس: "أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَمر بلالًا أن يشفعَ الأذانَ، ويُوترَ الإقامة" (٢). فارتفعَ الخلاف فيه، والاحتمال. ولا شك أن شفعَ الأذان، وإيتارَ الإقامة هو من باب العبادات، والتقديرات، وذلك لا يؤخذ إلا بتوقيف منه ﷺ ، والله أعلم. وقوله: "يَشْفَعَ الأَذانَ"؛ هو -بفتح الياء، والفاء-، وأصله: الضم، ومنه: الشفعة بضم الحصص؛ إذا أبيعت إلى حصته بالشفعة؛ ومعناها هنا: الإتيانُ بكلماته مثنى؛ فكأنه ضم كل كلمة إلى مثلها؛ وهذا مجمَع عليه اليوم، وحُكي عن بعض السلف في إفراده خلاف (٣). وقوله: "ويُوترَ الإقامةَ"؛ أي: يأتي بكلماتها وترًا، ولا يُثنيها، بخلاف

стр. 370

الأذان، ويخرج عنه: التكبير الأول، والأخير؛ فإنه مثنى، وكذلك لفظ الإقامة؛ فإنه مثنى، وقد ثبت في "صحيح مسلم": "ويوتر الإقامة" (١). وخالف أبو حنيفة، فقال: الإقامة مثنى؛ كالأذان. وخالف مالك الشافعي في لفظ الإقامة، قال: إنه مفرد؛ عملًا بهذا الحديث. وتمسك الشافعي بالاستثناء في الإقامة في "صحيح مسلم". وأيد مالكٌ مذهبه في ذلك وغيره بعمل أهل المدينة، ونقلِهم، وجعله أقوى؛ لأن طريقه النقل، والعادة في مثله يقتضي شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعمل به. وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع المدينة حجة مطلقًا؛ في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريقه النقل والانتشار؛ كالأذان، والإقامة، والصاع، والمُدِّ، والأوقات، وعدم أخذ الزكاة من الخضراوات. وقال بعض المتأخرين من المالكية: والصحيح عندنا جزمًا: أنه لا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء، ولم يقم دليل على عصمة بعض الأئمة. نعم؛ ما طريقه النقل، إذا عدم اتصاله، وعدم تغييره، واقتضته العادة من صاحب الشرع، ولو بالتقرير عليه؛ فالاستدلال به قوي، يرجع إلى أمر عادي به؛ كحكمه في إفراده الإقامة، وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام العامة؛ فيثنى؛ ليكون أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين؛ فلا حاجة إلى تكرارها. ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الإقامة دون الأذان، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة؛ لأنه مقصودها، فإن قيل: إن المختار: الإقامة إحدى عشرةَ كلمة، منها: الله أكبر، الله أكبر؛ أولًا، وآخرًا، وهذا تثنية؛ كما مر ذكره؟!

стр. 371

فالجواب: أنه وإن كان صورة تثنية؛ فهو بالنسبة إلى الأذان إفراد؛ ولهذا قال أصحاب الشافعي: يستحب للمؤذن أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد؛ فيقولهما في أوله، وفي آخره، كل منهما بنفس واحد، والله أعلم. وفي حديث أنس هذا فوائد: منها: قد يُستدل به على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به؛ فظاهر الأمر للوجوب؛ وهذه مسألة اختلف فيها: والمشهور: أن الأذان والإقامة سنتان. وقيل: فرضان على الكفاية؛ وهو قول الإِصطخري من أصحاب الشافعي، وقد يكون له متمسك بهذا الحديث. وفيه: أن الأذان يُشفع؛ لكن اختلف العلماء، في كيفية كونه شفعًا: فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور العلماء: بالتربيع في التكبير فيه. وقال مالك: بالتثنية. ولا شك أن التربيع ثابت في "صحيح مسلم"؛ من حديث أبي محذورة (١)، مع اختلاف فيه بين التثنية والتربيع، وكذلك اختلف فيهما عن عبد الله بن زيد، لكن المشهور فيه التربيع عنه؛ وهي زيادة من الثقة، وهي مقبولة؛ وبها عمل أهل مكة في المواسم؛ وهو مجمع المسلمين، ولم ينكرها أحد من الصحابة، وغيرهم. وقيل لأحمد بن حنبل -وكان يأخذ بأذان بلال-: أليس أذانُ أبي محذورة بعدَ أذان بلال؟ فقال: أليس لما عاد النبي ﷺ إلى المدينة، أقر أذان بلال على حاله! والله أعلم (٢). وفيه: أن الإقامة وتر، واختلف العلماء في كيفيتها:

стр. 372

فالمشهور من نصوص الشافعي، وبه قال أحمد: أنها إحدى عشرة كلمة؛ بتثنية الإقامة والتكبير مرتين. وقال مالك في المشهور عنه: هي عشر كلمات؛ لإفراده لفظ الإقامة. وللشافعي قول شاذ: أنها ثماني كلمات؛ التكبير الأول، والأخير، والإقامة مرة في كل واحد منها، والصواب: الأول. وقال أبو حنيفة: الإقامة سبع عشرة كلمة؛ فيثنيها كلها؛ وهو شاذ عند العلماء. قال الخطابي: مذهب جمهور العلماء الذي جرى عليه العمل في الحرمين، والحجاز، والشام، واليمن، ومصر، والمغرب، إلى أقصى بلاد الإسلام: أن الإقامة فرادى، إلا لفظ الإقامة؛ فإنها مثنى، والمشهور عن مالك: أنه لا يثنيها، والله أعلم (١). * * * الحديث الثاني عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائيِّ ﵁ قَالَ: أَتيتُ النبيَّ ﷺ ، وَهُو في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: فَخَرَج بلاَلٌ بوضُوءٍ؛ فَمِنْ نَاضِحٍ، وَنَائلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ؛ كأنِّي أَنْظرُ الَى بيَاضِ ساقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأ، وأَذَّنَ بِلاَلٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أتتبَّعُ فَاهُ، هَاهُنَا، وهَاهُنَا؛ يَقُولُ يَمِينًا وشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاَح؛ فركَزْتُ لَه عَنَزَةً، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيَنِ، ثُمَّ لَمْ يزَلْ يُصَلِّي حَتَّى رَجَعَ إلى المَدِينةِ" (٢). أما أبو جُحيفةَ وهبُ بنُ عبدِ الله: فالمشهور في اسمه، واسم أبيه: ما ذكره في هذه الرواية؛ وهو مشهور

стр. 373

بكنيته، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يسميه: وهبَ الخير، ووهبَ الله. وقيل: إن اسم أبيه وهبٌ -أيضًا-، وقيل: جابر. وهو من صغار أصحاب النبي ﷺ ؛ قيل: مات النبي ﷺ ، ولم يبلغ الحلم. ونزل الكوفة، وابتنى بها دارًا، وجعله علي بن أبي طالب ﵁ على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهدَهُ كلَّها، وكان يحبه، ويثق إليه، وحديثه عند أهلها. رُوي له عن رسول الله ﷺ : خمسة وأربعون حديثًا؛ اتفقا على: حديثين، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بثلاثة. وروى عنه: ابنه عون، وجماعة من صغار التابعين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. قال أبو حاتم بن حبان: مات سنة أربع وسبعين، في ولاية بشر بن مروان على العراق، وقال غيره: سنة اثنتين وسبعين، في إمارة بشر البصرة. وأما السُّوائيُّ: بضم السين المهملة، ثم الواو المفتوحة، ثم الألف الممدودة، بعدها همزة مكسورة، ثم ياء النسب؛ بنسبه إلى بني سُواءة. وأبو جُحيفة: من بني حرثان بنِ سُواءة بنِ عامرِ بنِ صعصعةَ، وقيل: إنه وهبُ بنُ عبدِ الله بنِ جُنادةَ بنِ حجرِ بنِ رباب بنِ حبيبِ بنِ سُواءة، وقيل غيره، والله أعلم (١). وأما القبة الحمراء: فهي شيء يُعمل من خشب مقبى؛ وهو ضيق الرأس معروف، ويُغَشَّى بالأَدَم المصبوغ بالحمرة.

стр. 374

وقوله: "حمراءَ"، وصفَها بذلك؛ وهو من باب وصف الشيء بما ظهر، ورُئي؛ وهو أحسنه. وقوله: "من أَدَم"، هو بفتح الدال؛ وهو جمع الأديم: وهو الجلود. وتقدم أن الوَضوء -بفتح الواو-: اسمٌ للماء، والكلامُ عليه. وقوله: "فمن ناضحٍ، ونائلٍ"؛ فيه إضمار تقديره: فتوضأ، فمن الناس من ينال من وضوئه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره؛ مما يناله، ويرش عليه بللًا مما حصل له؛ تبركًا بِآثاره ﷺ ، وكلاهما قد ورد مبينًا، في حديث آخر صحيح: "فَمَنْ لمْ يُصِبْ، أَخَذ مِنْ يَدِ صاحِبِهِ" (١)، وفي آخر: "فَرَأَيْتُ الناسَ يأخذونَ من فَضْلِ وَضوئِهِ" (٢). وقوله: "عليه حلة حمراءُ"؛ الحلة: ثوبان غير لفقين رداءً، وإزارًا؛ وسميا بذلك: لأن كل واحد منهما، يحل على الآخر. قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل: برود اليمن، وقال بعضهم: لا يقال لها حلة حتى تكون جديدة، بحلها عن طيها (٣). والدليل على أن الحلة لا تكون إلا ثوبان: ما ثبت في الحديث: "أَنَّ رسول الله ﷺ رأى رجلًا عليهِ حُلَّة؛ اتَّزَرَ بإحداهما، وارتدى بالأخرى" (٤).

стр. 375

وقوله: "حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلاحِ"، معناه: تعالوا إلى الصلاة، تعالوا إلى الفلاح؛ وهو الفوزُ، والبقاءُ الدائم، يقال: حَيَّ على كذا؛ أي: هَلُمَّ وأَقْبِلْ، ويقال: حَيَّ على، وحَيَّ هلا، وحَيَّ هلًا، وحَيَّ على كذا، وحَيَّ إلى كذا، وحَيَّ هَلَ منصوبة مخففة، مشبهة بخمسة عشر، وحَيَّ هَلْ بالسكون؛ لكثرة الحركات، وتشبيهًا بِصَهْ، ومَهْ، وبَخْ، وحي هل بسكون الهاء. وقيل: معنى حَيَّ: هَلُمَّ، وهَلا: حثيثًا، وقيل: هلا: أسرعْ؛ جُعلا كلمة واحدة، وقيل: هلا: اسكن، وحيَّ: أسرعْ، وقيل: حيَّ: أعجلْ، وهلا: صلة (١). وقوله: "وأذن بلالُ، فجعلتُ أتتبعُ فاه" إلى آخره؛ معناه: أتتبع فاه في حال التفاتِهِ يمينًا، وشمالًا؛ لقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح. وتقدم ذكر معنى العَنَزة في الطهارة. واعلم أنه لم يبين في رواية الكتاب مكانَ اجتماعه بالنبي ﷺ ، وبين ذلك في رواية أخرى؛ في "الصحيحين"، وغيرهما، وهي [أن] "أبا جحيفة أتى النبي ﷺ بمكة؛ وهو بالأبطح، في قبة له حمراء، من أَدَم" (٢)؛ وفيها: فائدة زائدة رافعةٌ لإيهام أن يكون اجتماعه بالنبي ﷺ قبل وصوله إلى مكة، في رواية الكتاب. فيشكل قوله: "فلم يزلْ يصلِّي ركعتين، حتى رجعَ إلى المدينة"، من غير وصوله إلى مكة؛ وكأنه لم يبق للسفر نهاية، وإذا تبين أن الاجتماع كان بمكة؛ علم نهاية السفر، وابتداء قصر الظهر، وأنه: من ابتداء رجوعه من مكة، إلى وصوله إلى المدينة، والله أعلم. وقوله: "ركزتُ له عَنَزَةً"؛ أي: أثبتت في الأرض، يقال: ركزتُ الشيء، أركُزه -بضم الكاف في المستقبل-، رَكْزًا: أثبته.

стр. 376

وفي الحديث فوائد كثيرة: منها: إتيان أهل القدوة وأهل الفضل إلى أماكنهم، في السفر والحضر؛ للتبرك بهم، والاقتباس منهم، وحكاية حالهم، وذكر منازلهم. ومنها: خدمتهم؛ بإحضار ماء الوضوء، ونحوه. ومنها: استعمال فضل طهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم، والتبرك بآثارهم. ومنها: جوازُ لبس الأحمر؛ من الحلة الحمراء، وغيرها. ومنها: جواز النظر إلى ساقَي الرجل الصالح؛ للاقتداء به، في حاله ولباسه. ومنها: أن الساقين ليسا بعورة، وقد أجمع العلماء؛ على أنهما ليسا بعورة من الذكور، لكن إن نظر إليهما بشهوة؛ فهو حرام إجماعًا؛ كسائر ما ينظر إليه من المحرمات. ومنها: شرعيةُ الأذان في السفر، قال الشافعي ﵀: ولا أكره من تركه في السفر، بما أكره من تركه في الحضر؛ لأن المسافر مبني على التخفيف (١). ومنها: أنه يسن للمؤذن الالتفات، في الحيعلتين؛ يمينًا وشمالًا، برأسه وعنقه، قال أصحاب الشافعي: ولا يحوِّلُ قدميه وصدرَه عن القبلة؛ إنما يلوي رأسه وعنقه. واختلف في كيفية التفاته، على مذاهب؛ وهي أوجه لأصحاب الشافعي: أصحها، وقول الجمهور: بأنه يقول: حيَّ على الصلاة؛ مرتين عن يمينه، ثم على الفلاح؛ مرتين عن يساره. والثاني: يقول عن يمينه: حي على الصلاة مرة، ثم مرة عن يساره، ثم يقول: حي على الفلاح؛ مرة عن يمينه، ثم مرة عن يساره.

стр. 377

والثالث: يقول عن يمينه: حي على الصلاة، ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: حي على الصلاة، ثم يلتفت عن يساره، فيقول: حي على الفلاح؛ يفعل مثل ما فعل عن يمينه. ومنها: استصحابُ العَنَزة للصلاة، ونحوها، في السفر، وجواز الاستعانة للإمام، بمن يركزُها له، ونحو ذلك. ومنها: أن الأفضل قصرُ الصلاة في السفر؛ وإن كان بقرب بلد، ما لم ينو إقامة أربعة أيام، فصاعدًا، والله أعلم. واعلم: أن مواظبته ﷺ على فعل شيء تدل على رجحان فعله، ولا تدل على وجوبه، إلا على مذهب من يرى أن أفعاله ﷺ على الوجوب؛ وليس بمختار عند أهل علم الأصول. والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أنَّه قَالَ: "إنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ؛ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١). أما ابنُ عمر، وبلالٌ؛ فتقدم ذكرهما. وأما ابن أم مكتوم: فتقدم في الحديث الأول من هذا الباب: أنه أحدُ مؤذِّني رسول الله ﷺ الأربعة. واسمه: عمرُو بنُ قيسِ بنِ زائدةَ بنِ الأصمِّ بنِ هزمِ بنِ رواحةَ؛ هذا قول الأكثرين، وقيل: اسمه: عبدُ الله بن زائدة، كان اسمه الحصين؛ فسماه النبي ﷺ عبدَ الله، وقيل غير ذلك في اسم أبيه وجده؛ وهو قرشي عامري، واسم أمه:

стр. 378

عاتكةُ بنتُ عبد الله بن عنكثة بن عامرِ بن مخزومِ؛ وهو ابنُ خالِ خديجةَ بنتِ خُويلدٍ. هاجر إلى المدينة، قبل مقدَم النبي ﷺ ، وبعدَ مصعبِ بنِ عمير، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة؛ ليصلي بالناس، وشهد القادسية، وقُتل بها شهيدًا، وكان ذهابُ بصره بعدَ بدر بسنتين. وقال أبو حاتم بنُ حِبَّانَ: وشهدَ القادسية، ومعه رايةٌ سوداءُ، وعليه درعٌ، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها في خلافةِ عمر. روى عنه: عبد الرحمن بنُ أبي ليلى، روى له: أبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجه (١). وفي هذا الحديث: ما كان عليه ﷺ من المحافظة على أمر ربه ؛ في بيان الشرائع، والأحكام دِقِّها وجلِّها؛ فإن الله تعالى جعل البيان إليه ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وفيه: جوازُ الأذان للصبح، قبلَ طلوع الفجر الصادق؛ في الصوم، وغيره. وفيه: وجوبُ البيان عند الاشتباه؛ فإنه لما كان الأكل والشرب جائزًا إلى طلوع الفجر الثاني للصائم، والأذانُ في العادة مانعٌ منهما؛ بيَّن حكمه ﷺ ؛ وهو عدم الامتناع منهما بأذان بلال، إلى سماع أذان ابن [أم] مكتوم. وقال بعض أصحاب الشافعي: يُكره الأذان في الصوم قبلَ وقت أذان بلال؛ وهو وقتٌ بين الفجر الصادق والكاذب، ومنهم من قال: يجوز بعد نصف الليل.

стр. 379

لكن في حديث بلال، وابن أم مكتوم؛ ما يدلُّ على تفاوت وقت أذانهما، ففي رواية في "صحيح مسلم": "أنه ليسَ بينَ أذانهما، إلا أنْ ينزلَ هذا، ويصعدَ هذا" (١). وفيه: دليلٌ على جواز أن يكون المؤذن أعمى؛ فإن ابن مكتوم كان أعمى، وأذانه صحيح، ولا كراهة فيه إذا كان معه بصير، وقال أصحاب الشافعي: يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده. وفيه: دليل على جواز تقليد البصير للأعمى في الوقت، وجواز اجتهاده فيه؛ فإن الأعمى لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر؛ إما سماع من بصير، أو اجتهاد. وفي الصحيح: "أنه كانَ لا يؤذن، حتى يقالَ له: أصبحت أصبحت" (٢)؛ فهذا دليل على رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك، لم يكن في هذا اللفظ دليلٌ على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد الأمرين منهما، لا يدل على واحد منهما معينًا. وفيه: دليلٌ على جواز أن يكون للمسجد الواحد مؤذنان. وفيه: دليل على استحباب أن يؤذن كل واحد منهما مفردًا، مرتين، إذا اتسع الوقت؛ كصلاة الفجر، ونحوها، فإن كان ضيقًا؛ كالمغرب، فإنه لم ينقل فيها مؤذنان، وقال الفقهاء من أصحاب الشافعي: يتخيرون بين أن يؤذن كل منهم في زاوية من زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا، ويؤذنوا دفعة واحدة. واعلم أنه لو اقتصر على مؤذن واحد في المسجد؛ لم يكن مكروها، وفرق بين أن يكون الفعل مستحبًا، وبين أن يكون تركه مكروهًا، فلو زاد على مؤذنين؛

стр. 380

فليس في الحديث تعرض له، لكن إن احتاج المسجد، أو الناس إلى أكثر؛ اتخذ ثلاثة، أو أكثر بحسب الحاجة، وقد اتخذ عثمان ﵁ أربعة؛ للحاجة عند كثرة الناس. قال العلماء من أصحاب الشافعي، وغيره: يستحب ألا يزاد على أربعة، إلا لحاجة ظاهرة، قالوا: وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدًا؛ فالمستحب ألا يؤذنوا دفعة، بل: إن اتسع الوقت: يرتبوا فيه، فإن تنازعوا في الابتداء به؛ أُقرع بينهم. وإن ضاق الوقت: فإن كان المسجد كبيرًا؛ أَذَّنوا متفرقين في أقطاره، وإن كان ضيقًا؛ أذنوا دفعة، بشرط أن تحصل كلمات الأذان، من كل واحد منهم، وألا يحصل من اختلاف الأصوات تهويش، فإن أدى إلى ذلك: لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا: أقرع. وأما الإقامة: فإن أذنوا على الترتيب: فالأول أحقُّ بها، فإن كان هو المؤذنَ الراتب، أو لم يكن هناك مؤذنٌ راتب؛ فإن كان الأولُ غيرَ المؤذن الراتب، فأيُّهما أولى بالإقامة؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي؛ أصحهما: أن الراتب أولى؛ لأنه منصبه. ولو أقام، في هذه الصور، غيرُ من له ولاية الإقامة؛ اعتُدَّ به على الصحيح، الذي قاله جمهور أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يُعْتَدُّ به؛ كما لو خطب واحد، وأمَّ بهم غيرُه؛ فلا يجوز على قول. وأما إذا أذنوا معًا: فإن اتفقوا على إقامة واحد؛ جاز، وإلا: فيُقرع. قالوا: ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد، قال: ولا بأس أن يقيموا معًا؛ إذا لم يؤدِّ إلى التهويش، وبشرط أن تصدر كلمات الإقامة منهم كلِّهم؛ فلو صدر بعضها من بعضهم، والبعض من الآخرين؛ لم تصح الإقامة، والله أعلم. * * *

стр. 381

الحديث الرابع عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ" (١). أما أبو سعيد الخدري؛ فتقدم ذكره، وما يتعلق به. وأما أحكامه، وفوائده، وما يتعلق به: فقوله ﷺ : "إذا سمعتمُ المؤذِّنَ، فقولوا مثلَ ما يقولُ"، فلا بد أن يعرفَ قولَ المؤذن؛ ومعناه: ليقولَ السامعُ مثلَ قوله، بتدبر معناه، فقوله الأذان المعروف؛ بترجيعه، وتثويبه، وحيعلته. ولا شك أن الحديث قد قال بعمومه -في قول سامع المؤذن مثل قوله- بعضُ العلماء، فقال: يحكيه مثلَ قوله، إلى آخره؛ وهو ظاهر الحديث. وذهب الشافعي، وجمهور العلماء: إلى أنه يبدل السامع لفظ الحيعلة، بالحوقلة، ويقال: الحولقة، ويكررها؛ بتكررها؛ لحديث صحيح ثبت فيه: "أنه يقول السامع للمؤذن، بعد قوله: حي على الصلاة: لا حول ولا قوة إلا بالله، إلى آخره" (٢). وقدمه الشافعي على الأول؛ لخصوصه، وعموم الأول، وذكر من المعنى فيه: أن الأذكار الخارجة عن الحيعلة يحصل ثوابها بذكرها؛ فيشترك السامع، والمؤذن في ثوابها، إذا حكاها السامع. وأما الحيعلة: فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، من المؤذن وحده،

стр. 382

ولا يحصل مقصوده من السامع؛ فعوض عن الثواب، الذي يفوته بالحيعلة، الثواب الذي يحصل له بالحوقلة، وقد قال ﷺ : "لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؛ كنزٌ من كنوزِ الجنةِ" (١)، وقال ﷺ : "مَنْ قالَ: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ غُرست له نخلةٌ في الجنةِ" (٢). لكن قد قال بعض العلماء من الأصوليين: إنه إذا أمكن الجمع بين الخاص والعام، وإعمالهما، وجبَ ذلك؛ فلا يبعد أن يكون متمسك من قال: يجيبه في كل كلمات الأذان. وقد ذكر أصحاب الشافعي ﵏، في رفع اليدين في الدعاء: يجمع بين إجابته، في الحيعلة بها، وبالحوقلة؛ جمعًا بينهما، ولم أعلم أحدًا، قال به من المتقدمين، وغيرهم، والله أعلم. وأما ترجيع المؤذن: فهو قوله الشهادتين سرًّا يُسمع نفسه بهما، ثم يرجع إلى رفع الصوت بهما، وظاهر الحديث، أنه يقول مثل قوله، إذا علم ترجيعه؛ لعموم قوله ﷺ : "فقولوا مثلَ ما يقولُ". وأما تثويبه: وهو قولُه في أذان الصبح: الصلاةُ خيرٌ من النوم، فيقول سامعه: صدقتَ وبررتَ؛ لحديث ورد فيه. ثم إن السامع يقول كل كلمة، بعد فراغ المؤذن منها عقبها؛ لأن الفاء في قوله ﷺ ـ: "فقولوا" تقتضي التعقيب، وهو يقتضي تعقيب قول المؤذن، بقول الحاكي.

стр. 383

ولا شكَّ أنه لا تشرع إجابة المؤذن؛ لمن هو في صلاة فريضة، أو نافلة؛ فأما من هو في غير صلاة، فتشرع له إجابته؛ ولا تكره في حالة، أو وقت من الأوقات، إلا في حالة نهى الشرع عن الذكر فيها؛ فلو أجابه في الصلاة، فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي ﵀: أظهرهما: الكراهة؛ لأنه إعراض عن الصلاة، ولا تبطل به، إلا بقوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، والصلاة خير من النوم؛ لأنه كلام آدمي. وقد قال النبي ﷺ : "إن هذهِ الصلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس" (١)، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄: أنه قال: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللهَ تعالى، أباحَ فيه الكلام" (٢)؛ فمقتضى هذين الحديثين: تحريمُ كلام الآدميين في الصلاة. فأما بُطلان الصلاة فيه؛ فهو متعلِّق بمن كان عالمًا بتحريمه، متعمدًا؛ فلو كان ناسيًا، أو جاهلًا، لم تبطل. فلو سمعه في الصلاة، وهو في قراءة الفاتحة، كُرهت الإجابة قطعًا، من غير خلاف، إذا كانت بالأذكار فقط، ولا تبطل الصلاة، بل تبطل قراءة الفاتحة، ويجب استئنافُها؛ لوجوب الموالاة فيها، وهو معذور بقطع الموالاة؛ بالتنفس، ونحوه، وبما هو من مصلحة قراءتها؛ من التعظيم والإجلال لله تعالى، وسؤاله ؛ فإن ذلك لا يقطع موالاتها. فلو أجاب فيها -أعني الصلاة- بالحوقلة، دون الحيعلة؛ لم تبطل أيضًا. وفي مذهب مالك: إذا أجاب بالحيعلة في الصلاة، هل تبطل به؟ قولان: أحدهما: أنه كلام آدمي، مخاطبة له بالمجيء إلى الصلاة؛ فأبطل، بخلاف بقية ألفاظ الأذان؛ التي هي ذكر، والصلاة محل ذكر.

стр. 384

والثاني: أنه لم يقصد به المخاطبة بالدعاء للناس إليها؛ بل قصد به حكاية ألفاظ المؤذن، وذلك لا يبطل. ثم قوله ﷺ : "فقولوا مثلَ ما يقولُ" لا يقتضي المثلية في رفع الصوت، ولا في أوصاف المؤذن، ومماثلته، بل من الوجه المبين في الأحاديث الصحيحة: من التكبير، والشهادتين، والحيعلة، والحوقلة؛ على ما بيناه أولًا، والله أعلم. ثم اعلم: أن الإجابة سنة مرغَّب فيها، ليست بواجبة؛ على الصحيح الذي عليه الجمهور. وحكى الطحاوي، عن بعض العلماء: الوجوبَ فيه؛ لظاهر الأمر. واتفق أصحاب الشافعي ﵏: أنه لا تُشرع إجابة المؤذن، إلا مرة واحدة. وحكى القاضي عياض، خلافًا: أنه هل يجب عند سماع كل مؤذن، أم لأول مؤذن فقط؟ قال: واختلف قولُ مالك؛ هل يتابع المؤذنَ، في كل كلمات الأذان، أم إلى آخر الشهادتين؟ لأنه ذكر، وما بعده ليس بذكر، وبعضه تكرار لما سبق. قال: واختلف أصحاب مالك؛ هل يحكي المصلي المؤذنَ في صلاة الفريضة والنافلة، أم لا يحكيه فيهما، أم يحكيه في النافلة، دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال؛ ومنعه أبو حنيفة فيهما، والله أعلم. قال الشافعي، وأصحابه ﵏: لو سمع الأذان، وهو في قراءة، أو تسبيح، ونحوِهما؛ قطعَ ما هو فيه، وأتى بمتابعة المؤذن. قالوا: ويتابعه في الإقامة؛ كالأذان، إلا أنه يقول في لفظ الإقامة: أقامها الله، وأدامها؛ ومتابعته فيها داخل في عموم قوله ﷺ : "فقولوا مثل ما يقول".

стр. 385

هذا ما يتعلق بقول سامع المؤذن، وأحكامه. وأما معنى قوله: فاعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان، مشتملة على نوعيه؛ من العقليات، والسمعيات: فأوله: إثبات الذات، وما تستحقه من الكمال، والتنزيه عن أضدادها؛ وذلك بقوله: الله أكبر؛ وهذه اللفظة -مع اختصار لفظها- دالة على ما ذكرناه. ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها، عن الشركة المستحيلة في حقه ؛ وهذه عُمدة الإيمان والتوحيد، المقدَّمة على وظائف الدين. ثم صرح بإثبات النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا ﷺ ؛ وهذه قاعدة عظيمة، بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعُها بعد التوحيد؛ لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد، كملت العقائد العقليات؛ فيما يجب، ويستحيل، ويجوز؛ في حقه . ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، وعقبها بعد إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها، من جهة النبي ﷺ ، لا من جهة العقل. ثم دعا إلى الفلاح؛ وهو الفوز، والبقاء في النعيم المقيم؛ وفي ذلك إشعار بأمور الآخرة؛ من البعث والجزاء، وهو آخر تراجم عقائد الإسلام. ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة؛ للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان؛ وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق تعبده، وجزيل ثوابه. وأما مناسبة جواب الحيعلة بالحوقلة؛ فلأن الحيعلة دعاء إلى الحضور للصلاة، وما يترتب على حضورها؛ من البقاء والنعيم؛ فأمروا بالإجابة بالحوقلة، وهي: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فكأنهم قالوا: لا حول لنا، ولا قوة لنا إلا بالله؛ أي: بعونه وتأييده.

стр. 386

وليس الحول والقوة بمترادفين؛ بل الحول: الاعتمادُ في تحصيل الشيء، أو محاولته، والقوةُ: القدرةُ عليه، وكلاهما: غيرُ حاصلين إلا بإقدار الله تعالى، وتوفيقه، والله أعلم. وللأذان وإجابته آدابٌ وأحكام، وأذكارٌ معروفة في كتب العلم، وعند العلماء؛ فمن أراد فليراجعهم، والله أعلم. * * *

стр. 387

باب استقبال القبلة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ راحِلَتِه؛ حَيْثَ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (١). وفي روايةٍ: كَانَ يُوتِرُ عَلَى ظَهْرِ بَعيرِهِ (٢)، ولمسلم: غَيْرَ أنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبة (٣)، وللبخاري: إلَّا الفَرائِضَ (٤). أما قوله: "يُسَبِّحُ"؛ فمعناه: يصلِّي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة؛ في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]؛ على صلاة الصبح، وصلاة العصر؛ عند أهل التفسير. والتسبيح حقيقة: قولُ: سبحان الله؛ فإذا أطلق على الصلاة، كان من باب

стр. 388

تسمية الشيء باسم جزئه؛ تنبيهًا على فضل ذلك الجزء؛ كما أن أصل الصلاة الدعاء، ثم سميت العبادة كلها به؛ لاشتمالها عليه، وكذلك تسمية الصلاة: بالركوع، أو السجود، أو القرآن، أو القيام. أو لأن المصلي منزِّهٌ لله تعالى، بإخلاص العبادة له وحده؛ كالتسبيح، فإنه تنزيهٌ لله تعالى؛ فيكون من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه لازم للصلاة المخلَصة لله وحده. وقوله: "حيثُ كانَ وجهُهُ" يعني: حيثما توجه وجهه في السفر، وقد ثبت ذكر السفر في بعض الأحاديث، أو معظمها؛ وهو مطلق في رواية الكتاب، حتى تمسك بها بعض أصحاب الشافعي؛ وهو أبو سعيد الإصطخري في جواز النافلة على الدابة في البلد؛ وهو محكي عن أنس بن مالك، وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة. وقوله: "يُومئُ برأسِهِ" يعني: في الركوع والسجود؛ ليكون البدلُ على وفق الأصل؛ فيجعل السجودَ أخفضَ من الركوع، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا نفيه، لكن في اللفظ ما يدل على نفي حقيقة السجود. وقوله: "وكانَ ابنُ عمرَ يفعلُه" تنبيه على أن رواية الحديث، والعمل به أقوى في التمسك به من الرواية له فقط؛ لجواز أن يكون الحديث عند الراوي، إذا لم يعمل به؛ مخصوصًا بحالة، أو منسوخًا، أو معللًا، أو نحو ذلك. وقوله: "كانَ يُوتر على بعيرهِ"؛ استدلَّ به على أن الوتر ليس بواجب، بل سنة؛ وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور. وقال أبو حنيفة: واجب، لا يجوز على الراحلة؛ بناءً على مقدمة أخرى؛ وهي أن الفرض لا يقام على الراحلة، وهو مرادف للواجب، فلا يقام عليها. وليس بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك دليلًا على الامتناع؛ وكذا الكلام على استثناء ابن عمر الفرائض، من فعله ﷺ ؛ فإنه يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه.

стр. 389

لكن قد يقال: إن وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين؛ فترك الصلاة لها على الراحلة دائمًا، مع فعل النوافل على الراحلة؛ إشارة إلى الفرقان بينهما، في الجواز، وعدمه، مع تأييد المعنى؛ من كون الصلوات المفروضة قليلة محصورة؛ لا يؤدي النزول عن الراحلة لها إلى نقصان المطلوب؛ والنوافل المطلقة لا حصر لها؛ فيؤدي النزول إلى ترك المطلوب من تكثيرها، مع اشتغال المسافر. ودليل الجمهور: هذه الأحاديث. فإن قيل: مذهب الشافعي أن الوتر واجب على النبي ﷺ ، قلنا: وإن كان واجبًا عليه، فقد صح فعلُه على الراحلة؛ فدلَّ على صحته منه على الراحلة، ولو كان واجبًا على العموم، لم يصحَّ على الراحلة؛ كالظهر. فإن قيل: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق، قلنا: هذا الفرق اصطلاح منكم، لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع، ولا لغة، ولو سلم، لم يحصل به هنا غرضكم، والله أعلم. وقوله: "غيرَ أنَّه لا يصلِّي عليها المكتوبةَ"؛ المكتوبةُ نعت للصلاة، وحذفت لدلالته عليها، ونعتَها بالمكتوبة، دون المفروضة؛ اتباعًا للفظ القرآن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، إلا في شدة الخوف. فلو أمكنه استقبال القبلة، والقيام، والركوع، والسجود، على دابة واقفة عليها هودج، أو نحوه: جازت الفريضة؛ على الصحيح من مذهب الشافعي. ولو كانت سائرة: لم تصح؛ على الصحيح المنصوص للشافعي، وقيل: يصح؛ كالسفينة؛ فإنها تصحُّ فيها الفريضةُ بالإجماع. ولو كان في ركب، وخاف لو نزل للفريضة، انقطع عنهم، ولحقه الضرر، قال أصحاب الشافعي: يصلي الفريضة على الدابة، بحسب إمكانه، ويلزمه إعادتها؛ لأنه عذر نادر.

стр. 390

ومقتضى القواعد: أنه لا يلزمه الإعادة، خصوصًا إذا خاف فوتَ الوقت؛ لأنه أتى بما أمر به، على حسب استطاعته، والإعادة والقضاء إنما يجبان بأمر محدود، والله أعلم. وفي هذه الروايات: دليل على: جواز التنفُّل على الدابة في السفر، حيث توجهت، ولا يشترط استقبال القبلة فيها؛ سواء كانت نافلة مطلقة، أو راتبة؛ وهو جائز بإجماع المسلمين، ويجوز في قصير السفر، وطويله؛ عند الشافعي، وجمهور العلماء. وقال مالك، في رواية عنه: لا يجوز التنفل على الدابة في السفر، إلا في سفرٍ تُقصر فيه الصلاة؛ وهو قول غريب محكيٌّ عن الشافعي. واعلم: أن شرط جواز التنفل على الدابة في السفر: ألا يكون سفر معصية؛ فلا يجوز لعاص بسفره الترخُّصُ بشيء من رخص السفر؛ كمن سافر لقطع الطريق، أو لقتال بغير حق، أو عاقًّا والده، أو آبقًا من سيده، أو ناشزةً على زوجها، ونحوهم، إلا التيمم؛ فإنه يجب عليه، إذا لم يجد الماء، ويصلي، وتلزمه الإعادة؛ على الصحيح من مذهب الشافعي؛ تغليظًا عليه، فإن له طريقًا إلى الخلاص من الإعادة، بالتوبة في الحال. ولا شك أن السبب في جواز التنفل على الدابة في السفر: تيسيرُ تحصيل النوافل، وتكثيرها؛ فما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل؛ فاقتضت رحمة الله تعالى للعباد: أن تقلل الفرائض عليهم؛ تسهيلًا للكلفة، وفتحَ لهم طريقَ التكثير للنوافل؛ تعظيمًا للأجور، أو جبرًا للنقص المحذور. واشترط بعض الفقهاء من الشافعية: أن يكون توجهه إلى جهة مقصده، في سفره؛ ليكون بدلًا له عن القبلة؛ فلو توجه إلى غير جهة مقصده، في المسير: لم يجز له التنفل؛ وذلك مأخوذ من فعله ﷺ : أنه كان يسبح؛ حيث كان وجهه، على راحلته، والله أعلم.
следующие страницы →