← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وليس الحول والقوة بمترادفين؛ بل الحول: الاعتمادُ في تحصيل الشيء، أو محاولته، والقوةُ: القدرةُ عليه، وكلاهما: غيرُ حاصلين إلا بإقدار الله تعالى، وتوفيقه، والله أعلم. وللأذان وإجابته آدابٌ وأحكام، وأذكارٌ معروفة في كتب العلم، وعند العلماء؛ فمن أراد فليراجعهم، والله أعلم. * * *

стр. 387

باب استقبال القبلة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ راحِلَتِه؛ حَيْثَ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (١). وفي روايةٍ: كَانَ يُوتِرُ عَلَى ظَهْرِ بَعيرِهِ (٢)، ولمسلم: غَيْرَ أنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبة (٣)، وللبخاري: إلَّا الفَرائِضَ (٤). أما قوله: "يُسَبِّحُ"؛ فمعناه: يصلِّي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة؛ في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]؛ على صلاة الصبح، وصلاة العصر؛ عند أهل التفسير. والتسبيح حقيقة: قولُ: سبحان الله؛ فإذا أطلق على الصلاة، كان من باب

стр. 388

تسمية الشيء باسم جزئه؛ تنبيهًا على فضل ذلك الجزء؛ كما أن أصل الصلاة الدعاء، ثم سميت العبادة كلها به؛ لاشتمالها عليه، وكذلك تسمية الصلاة: بالركوع، أو السجود، أو القرآن، أو القيام. أو لأن المصلي منزِّهٌ لله تعالى، بإخلاص العبادة له وحده؛ كالتسبيح، فإنه تنزيهٌ لله تعالى؛ فيكون من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه لازم للصلاة المخلَصة لله وحده. وقوله: "حيثُ كانَ وجهُهُ" يعني: حيثما توجه وجهه في السفر، وقد ثبت ذكر السفر في بعض الأحاديث، أو معظمها؛ وهو مطلق في رواية الكتاب، حتى تمسك بها بعض أصحاب الشافعي؛ وهو أبو سعيد الإصطخري في جواز النافلة على الدابة في البلد؛ وهو محكي عن أنس بن مالك، وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة. وقوله: "يُومئُ برأسِهِ" يعني: في الركوع والسجود؛ ليكون البدلُ على وفق الأصل؛ فيجعل السجودَ أخفضَ من الركوع، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا نفيه، لكن في اللفظ ما يدل على نفي حقيقة السجود. وقوله: "وكانَ ابنُ عمرَ يفعلُه" تنبيه على أن رواية الحديث، والعمل به أقوى في التمسك به من الرواية له فقط؛ لجواز أن يكون الحديث عند الراوي، إذا لم يعمل به؛ مخصوصًا بحالة، أو منسوخًا، أو معللًا، أو نحو ذلك. وقوله: "كانَ يُوتر على بعيرهِ"؛ استدلَّ به على أن الوتر ليس بواجب، بل سنة؛ وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور. وقال أبو حنيفة: واجب، لا يجوز على الراحلة؛ بناءً على مقدمة أخرى؛ وهي أن الفرض لا يقام على الراحلة، وهو مرادف للواجب، فلا يقام عليها. وليس بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك دليلًا على الامتناع؛ وكذا الكلام على استثناء ابن عمر الفرائض، من فعله ﷺ ؛ فإنه يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه.

стр. 389

لكن قد يقال: إن وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين؛ فترك الصلاة لها على الراحلة دائمًا، مع فعل النوافل على الراحلة؛ إشارة إلى الفرقان بينهما، في الجواز، وعدمه، مع تأييد المعنى؛ من كون الصلوات المفروضة قليلة محصورة؛ لا يؤدي النزول عن الراحلة لها إلى نقصان المطلوب؛ والنوافل المطلقة لا حصر لها؛ فيؤدي النزول إلى ترك المطلوب من تكثيرها، مع اشتغال المسافر. ودليل الجمهور: هذه الأحاديث. فإن قيل: مذهب الشافعي أن الوتر واجب على النبي ﷺ ، قلنا: وإن كان واجبًا عليه، فقد صح فعلُه على الراحلة؛ فدلَّ على صحته منه على الراحلة، ولو كان واجبًا على العموم، لم يصحَّ على الراحلة؛ كالظهر. فإن قيل: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق، قلنا: هذا الفرق اصطلاح منكم، لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع، ولا لغة، ولو سلم، لم يحصل به هنا غرضكم، والله أعلم. وقوله: "غيرَ أنَّه لا يصلِّي عليها المكتوبةَ"؛ المكتوبةُ نعت للصلاة، وحذفت لدلالته عليها، ونعتَها بالمكتوبة، دون المفروضة؛ اتباعًا للفظ القرآن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، إلا في شدة الخوف. فلو أمكنه استقبال القبلة، والقيام، والركوع، والسجود، على دابة واقفة عليها هودج، أو نحوه: جازت الفريضة؛ على الصحيح من مذهب الشافعي. ولو كانت سائرة: لم تصح؛ على الصحيح المنصوص للشافعي، وقيل: يصح؛ كالسفينة؛ فإنها تصحُّ فيها الفريضةُ بالإجماع. ولو كان في ركب، وخاف لو نزل للفريضة، انقطع عنهم، ولحقه الضرر، قال أصحاب الشافعي: يصلي الفريضة على الدابة، بحسب إمكانه، ويلزمه إعادتها؛ لأنه عذر نادر.

стр. 390

ومقتضى القواعد: أنه لا يلزمه الإعادة، خصوصًا إذا خاف فوتَ الوقت؛ لأنه أتى بما أمر به، على حسب استطاعته، والإعادة والقضاء إنما يجبان بأمر محدود، والله أعلم. وفي هذه الروايات: دليل على: جواز التنفُّل على الدابة في السفر، حيث توجهت، ولا يشترط استقبال القبلة فيها؛ سواء كانت نافلة مطلقة، أو راتبة؛ وهو جائز بإجماع المسلمين، ويجوز في قصير السفر، وطويله؛ عند الشافعي، وجمهور العلماء. وقال مالك، في رواية عنه: لا يجوز التنفل على الدابة في السفر، إلا في سفرٍ تُقصر فيه الصلاة؛ وهو قول غريب محكيٌّ عن الشافعي. واعلم: أن شرط جواز التنفل على الدابة في السفر: ألا يكون سفر معصية؛ فلا يجوز لعاص بسفره الترخُّصُ بشيء من رخص السفر؛ كمن سافر لقطع الطريق، أو لقتال بغير حق، أو عاقًّا والده، أو آبقًا من سيده، أو ناشزةً على زوجها، ونحوهم، إلا التيمم؛ فإنه يجب عليه، إذا لم يجد الماء، ويصلي، وتلزمه الإعادة؛ على الصحيح من مذهب الشافعي؛ تغليظًا عليه، فإن له طريقًا إلى الخلاص من الإعادة، بالتوبة في الحال. ولا شك أن السبب في جواز التنفل على الدابة في السفر: تيسيرُ تحصيل النوافل، وتكثيرها؛ فما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل؛ فاقتضت رحمة الله تعالى للعباد: أن تقلل الفرائض عليهم؛ تسهيلًا للكلفة، وفتحَ لهم طريقَ التكثير للنوافل؛ تعظيمًا للأجور، أو جبرًا للنقص المحذور. واشترط بعض الفقهاء من الشافعية: أن يكون توجهه إلى جهة مقصده، في سفره؛ ليكون بدلًا له عن القبلة؛ فلو توجه إلى غير جهة مقصده، في المسير: لم يجز له التنفل؛ وذلك مأخوذ من فعله ﷺ : أنه كان يسبح؛ حيث كان وجهه، على راحلته، والله أعلم.

стр. 391

وأما تنفُّل راكب السفينة، فمذهب الشافعي: أنه لا يجوز، إلا إلى القبلة، إلا ملاحَ السفينة؛ فيجوز له التنفل إلى غير القبلة؛ لحاجته. وعن مالك روايتان: إحداهما: كمذهب الشافعي، والثانية: جواز التنفل حيثما توجهت، لكل أحد. ثم إنه يجوز التنفل في السفر على كل دابة؛ من بعير، وبغل، وفرس، وحمار؛ بلا خلاف، بشرط ألا يكون الراكب مماسًا لنجاسة، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُباءَ، في صَلاَةِ الصُّبْحِ إذ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ؛ فاسْتَقْبِلُوهَا، وكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ، فَاسْتدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ (١). أما ألفاظه: فقوله: "بينَما الناس"؛ معناه: بينَ أوقاتِ كذا، ويجوز: بينما، وبينا؛ بلا ميم. وقُباء: بالمدِّ، ومصروفٌ، ومذكَّر، وقيل: مقصورٌ، وغيرُ مصروف، ومؤنَّثٌ؛ وهو موضع معروف بقُرب المدينة (٢). وقوله: "وقَدْ أُمِرَ أَنْ يستقبلَ القبلةَ؛ فاستقبِلوها": سميت القبلة قبلة؛ لأن المصلي يقابلها، وتقابله. قال الهروي: وروي: فاستقبلوها -بكسر الباء، وفتحها-، الكسر أصحُّ

стр. 392

وأشهر؛ وهو الذي يقتضيه تمامُ الكلام بعده: على الأمر، والفتحُ: على الخبر (١). وقوله: "في صلاةِ الصبحِ": قال الشافعي ﵀: قد سماها الله تعالى الفجرَ، وسماها رسول الله ﷺ الصبحَ؛ فلا أحبُّ أن تُسمَّى بغير هذين الاسمين (٢). وقد ثبت في "صحيح مسلم"، في هذا الحديث: "بينما الناسُ، في صلاة الغَداةِ" (٣)؛ ففيه دليلٌ على: جواز تسميتها غداةً؛ ولا خلاف في جوازه، وإن كان الشافعي لم يحبَّ تسميتها بغير الفجر والصبح؛ لأن ذلك لم يدل على منع التسمية بغيرهما؛ كيف، وقد ثبت غيرهما، من قول الصحابة؟! والله أعلم. واعلم: أنه ينبغي أن نعرف كيف كان رسول الله ﷺ يستقبل الكعبة في صلاته، وهو بمكة؟ فذهب نفر من العلماء: إلى أن صلاته ﷺ ، وهو بمكة، لم تكن إلى بيت المقدس؛ وإنما صلى إليه بعد مقدمه إلى المدينة. والذي عليه جمهور العلماء: أنه كان يصلي إلى الشام. قال شيخنا أبو اليمن بن عساكر الحافظ ﵀ (٤): وسبب الاختلاف في ذلك: أنه ﷺ كان إذا صلى بمكة مستقبلًا بيت المقدس جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، يتحرى القبلتين معًا؛ فلم يظهر استقباله بيت المقدس، ولا توجهه إليه، حتى هاجر إلى المدينة، وخرج من مكة.

стр. 393

هكذا روي عن ابن عباس ﵄ من طريق صحيحة، وقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" في هجرة البراء بن معرور، وكعب بن مالك إلى مكة، عام بيعة العقبة؛ ما يدل على ذلك؛ وهو: أن البراءَ بنَ معرور ﵁ رأى ألا يجعل الكعبة وراء ظهره في صلاته، وأنه شاور في ذلك كعبًا؛ فلم يوافقه، وأنه بقي في نفسه من فعله حتى قدم على النبي ﷺ ، وهو وعمُّه العباس جالسين بمكة، فسلم هو وكعب عليه ﷺ ، في قصة طويلة، قال البراء بن معرور: يا رسول الله! إني صنعت في سفري هذا شيئًا، أحببت أن تخبرني عنه؛ فإنه قد وقع في نفسي منه شيء؛ إني قد رأيت ألا أجعل هذه البنية مني بظَهْر، وصليت إليها، ومنعني أصحابي، وخالفوني؛ حتى وقع في نفسي من ذلك ما وقع، فقال رسول الله ﷺ : "أَما إِنَّكَ قد كنتَ على قبلةٍ، لو صبرت عليها"، قال: ولم يزده على ذلك الحديث. قال أبو حاتم: أما تركه ﷺ أمرَ البراء بإعادة الصلاة التي صلاها إلى الكعبة، حيث كان الفرض عليهم استقبالَ بيتِ المقدس؛ لأن البراء أسلم لما شاهد النبي ﷺ ، فلم يأمره بإعادة تلك الصلاة، من أجل ذلك (١). قال شيخنا الحافظ أبو اليمن بن عساكر ﵀ كلامًا، مقتضاه: أن البراء ﵁، كان مسلمًا قبل هجرته إلى النبي ﷺ إلى مكة، هو ومن معه من الأنصار، وكانوا يسمون الأنصار في ذلك الوقت: الخزرج، ويدعون أوسَها وخزرجَها به، والقضاء على رسول الله ﷺ عشر؛ وهذه واقعة عين، ووقائع الأعيان تحتمل وجوهًا من التأويل. واحتمال تأويل هذا الإمام ﵀ مُتَّجه، لولا أن سياق القصة يدل على خلافه؛ بل يصرح بخلاف تأويله، واستدل على قوله بأحاديث، واستشهد عليه بشواهد، يطول الكلام بذكرها؛ منها قولهم له في محاجته، في تركه التوجه

стр. 394

إلى الشام: وما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام، وما كنا نصلي إلى غير قبلة. فحيئذ، يكون تركه ﷺ أمرَ البراء بالإعادة؛ لتأول البراء فيه، وعلم ذلك عند الله ، وتأويله في توجهه إلى الكعبة له أصل صحيح، ومنزع حسن؛ فإنهم كانوا قد تقرر في أذهانهم وعلمهم: أن هذا النبي المبعوث في عصرهم؛ هو على ملة إبراهيم ﷺ . ودين إبراهيم الحنيفية، وقبلته الكعبة؛ كما أخبرهم أحبار اليهود؛ الذين ذمهم الله في كتابه المجيد، على كتم ما علموا، أو كفر ما عرفوا، ولعنَهم على إصرارهم على ذلك؛ فقال سبحانه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. فصلى البراءُ إلى الكعبة؛ اتباعًا لما علمه من علماء اليهود، مستصحبًا لأصل الحكم في ذلك، ورجحه على ما وجد فيه التردد عنده، في ثبوته، والاختلاف في صحته، ووجوده؛ وهو وجه من وجوه التراجيح؛ فهذا ملخص كلامه ﵀ في ذلك، والله أعلم. ثم في حديث الكتاب فوائدُ أصولية وفروعية: أما الأصولية، فمنها: قبولُ خبر الواحد؛ وهو معمول به، معتدٌّ به عند الصحابة ﵃، وهَلُمَّ جَرًّا، وليس المقصود من ذلك إثباتَ الشيء بنفسه؛ بل ذكره مثال من جهة الأمثلة التي لا تحصى؛ فيثبت بالمجموع القطع، بقبولهم خبر الواحد. ومنها: نسخُ الكتاب والسنة المتواترة، هل يجوز بخبر الواحد، أم لا؟ والأكثرون: على المنع؛ لأن المقطوعَ لا يُزال بالمظنون. ونقل عن الظاهرية: الجواز، واستدل له بهذا الحديث؛ ووجهه: أنهم عملوا بخبر الواحد، من غير إنكار من النبي ﷺ عليهم، وفيه نظر؛ من حيث فرض المسألة، وأنها مفروضة، في نسخ الكتاب والسنة المتواترة، بخبر الواحد.

стр. 395

ويبعد عادةً أن أهل قباء؛ مع قربهم من النبي ﷺ ، وإتيانهم إليه، ومراجعتهم له؛ أن يكون مستندهم في استقبال بيت المقدس بالصلاة؛ الخبر عنه ﷺ ، من غير مشاهدة لفعله، أو مشافهة من قوله، مع طول المدة؛ وهي ستة عشر شهرًا. ولو سلم الامتناع في العادة، لم يسلم عدمُ إمكان ذلك، والمحتمِلُ لأمرين لا يتعين حملُه على أحدهما؛ فلا يتعين استقبالهم بيتَ المقدس على خبر الواحد عنه ﷺ ؛ بل يجوز أن يكون عن مشاهدة، وإذا جاز انتفاء أصل الخبر؛ جاز انتفاء خبر التواتر؛ لأن انتفاء المطلق يلزم منه انتفاءُ قيوده، وإذا جاز انتفاء خبر التواتر؛ لم يلزم أن يكون الدليل منصوصًا في المسألة المفروضة. واعترض على ما ذكر بوجهين: أحدهما: أن المدعى امتناعُ كون مستندِ أهل قباءَ مجرد الخبر، من غير مشاهدة، إن صح، إنما يصح في جميعهم؛ فأما في بعضهم، فلا يمتنع في العادة، كون مستنده الخبرَ لا التواتر. الثاني: أن ما ابتدئ، من جواز استنادهم إلى المشاهدة يقتضي أنهم أزالوا القاطع بالمظنون؛ فإن المشاهدة قطع، وإذا جاز إزالة المقطوع به بالمشاهدة بخبر الواحد، فمثله زوال المقطوع بالمظنون، وأجيب عن الأول بأنه إذا سلم امتناعه على جميعهم، لزم استنادهم إلى التواتر؛ فلا يتعين حمل الحديث عليهم. فإن قيل: وما يقتضي الجميع؛ فيقتضي استناد بعض من استدار إلى التواتر؛ فيصح الاحتجاج؟ أجيب: بأنه لا شك بإمكان استنادهم كلهم إلى المشاهدة، ومع هذا، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، إلا أن يتبين استناد الكل، أو البعض إلى الخبر بالتواتر، ولا سبيل إلى ذلك. وعن الثاني بوجهين: أحدهما: أنه ليس المراد إثباتَ المسألة المعينة بطريق القياس على

стр. 396

المنصوص؛ بل المراد التنبيه والمناقشة على الاستدلال بالحديث عليها؛ وقد تم الغرض منه. الثاني: أن يكون إثبات جواز نسخ خبر الواحد مقيسًا على جواز نسخ خبر الواحد المقطوع به مشاهدة؛ بجامع اشتراكهما في زوال المقطوع بالمظنون، لكنهم نصبوا الخلاف مع الظاهرية، وفي كلام بعضهم ما يدل على أن: من عداهم لم يقل به، والظاهرية لا يقولون بالقياس؛ فلا يصح استدلالهم بهذا الخبر على المدعى؛ لكون هذا الوجه يختص بالظاهرية. ومنها: جواز نسخ السنة بالكتاب، ووجه تعلق ذلك بالحديث؛ أن الآتي المخبرَ لهم، ذكر أنه أُنزل الليلة قرآن، وأحال النسخَ على الكتاب، وليس التوجه إلى بيت المقدس بالكتاب؛ إذ لا نص فيه عليه؛ فالتوجه إليه بالسنة، ويلزم من مجموع ذلك: نسخ السنة بالكتاب. والمنقول عن الشافعي، وطائفة: خلافه، واعترض عليه بوجوه مقيدة: أحدها: أنه يمكن أن استقبال بيت المقدس، كان ثابتًا بكتاب نسخ لفظه. والثاني: أن النسخ كان بالسنة، ونزل الكتاب على وفقها. الثالث: يجعل المجمَل، في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ كالملفوظ به، وفسر بأمور؛ منها: التوجه إلى بيت المقدس؛ فيكون كالمأمور به لفظًا، في الكتاب. وأجيب عن الأول والثاني: بأن هذا المساق في التجويز يفضي إلى: ألا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلًا؛ فإن هذين الاحتمالين مطردان في كل واحد من ناسخ ومنسوخ. والحق أن هذا التجويز يقتضي القطع اليقيني بالنظر إليه، إلا أن تحتف القرائنُ بنفيه؛ كما في كون الحكمِ بالتحويل إلى القبلة مسندًا إلى الكتاب العزيز. وعن الثالث بعد التسليم بأن المبين كالملفوظ به في كل أحكامه، ومنها: هل يثبت في حق المكلف قبلَ بلوغ الخطاب له؟! وقد اختلف في ذلك، ووجه

стр. 397

التعلق لذلك من الحديث: أنه لو ثبت الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر إليهم؛ لبطل ما فعلوه؛ من التوجه إلى بيت المقدس، فلم ينعقد، ويجب الإعادة في بعضها، فتبطل. ومنها: جواز مطلق النسخ؛ لأن كل ما دل على جواز الأَخَصِّ دل على جواز الأَعَمِّ. ومنها: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ ، أو بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن قطع الصلاة، وأن يثبتوا على ما فعلوا، فرجحوا البناء؛ وهو محل اجتهاد. وقد حكى الماوردي من الشافعية في "الحاوي" (١) وجهين لأصحاب الشافعي؛ في أن استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن، أم باجتهاد النبي ﷺ ؟ وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه أكثر العلماء؛ أنه كان بسنة، لا بقرآن (٢). فعلى هذا: فيه دليل لمن يقول: إن القرآن ينسخ بالسنة؛ وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين؛ وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني له، وبه قال طائفة: لا يجوز؛ لأن السنة مبيَّنة، فكيف تنسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة؛ بل بوحي من الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. واختلفوا -أيضًا- في عكسه؛ وهو نسخ السنة بالقرآن؛ فجوزه الأكثرون، ومنعه الشافعي وطائفة، وتقدم ذلك وأدلته. وأما الأحكام الفروعية: فمنها: أن قولهم: الليلة؛ يطلق على الماضية، ولا يراد بها المستقبلة إلا بقرينة، أو دليل. ومنها: جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ وهذا هو الصحيح عند الشافعية؛

стр. 398

فمن صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم تغير اجتهاده في إثباتها، فيستدير إلى الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة؛ فيصلِّي كل ركعة منها إلى جهة، صحَّت صلاته، على الأصح؛ لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم، واستقبلوا بيت المقدس، ولم يستأنفوها. ومنها: أن الوكيل، إذا عزل، فتصرَّفَ قبلَ بلوغ الخبر؛ هل يصح تصرفه؟ الصحيح: نفوذُ تصرفه؛ بناءً على مسألة النسخ، وجه مأخذ المنازع في البناء على النسخ: أنه خطاب تكليفي؛ إما بالفعل، أو بالاعتقاد، ولا تكليف إلا مع الإمكان، ولا إمكان مع الجهل بورود الناسخ. ومعنى ثبوت حكم العزل في الوكيل: أنه باطل، ولا استحالة في علم الوكيل بعد البلوغ ببطلانه قبلَ بلوغ الخبر؛ وهل يثبت حكمه قبل بلوغ الخبر؟ فيه خلاف: فهذا إما يتعلق بالبناء على ذلك، وعلى تقدير صحته؛ فالحكم هناك يكون مأخوذًا بالقياس، لا بالنص. ومنها: أن الأَمَةَ لو صلَّت مكشوفة الرأس، ثم علمت بالعتق في أثناء الصلاة؛ هل تقطع الصلاة، أم تبني؟ إن أثبتنا الحكم قبلَ بلوغ العلم إليها؛ فسدتِ الصلاة، ولزمَها قطعُها. وإن لم نثبتْه؛ لم يلزمْها قطعُها، إلا أن تتراخى بسترِها لرأسها؛ وهذا الحكم -أيضًا- مثلُ الأول، وإنه بالقياس. ومنها: تنبيه من لم يصل المصلي على أمر يتعلق بالصلاة؛ واجبٌ، أو ممنوع، وقد فعل الصحابة ذلك في المندوب، والمكروه -أيضًا-. ومنها: مراعاة سَمْت القبلة بالاجتهاد؛ لميلهم إلى جهة الكعبة عندَ بلوغهم الخبر بتحويل القبلة قبلَ قطعهم بالصلاة إلى عينها. ومنها: أن من صلَّى إلى غير القبلة بالاجتهاد، ثم تبين له الخطأ؛ لم يلزمه الإعادةُ؛ لأنه فعلَ ما وجبَ عليه في ظنه، مع مخالفة الحكم في نفس الأمر؛ فإن

стр. 399

أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عندَ ظنهم بقاءَ الأمر، ولم يفسد فعلهم، ولا أمروا بالإعادة. ومنها: أن من لم يعلم بفرض الله عليه، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه الاستعلام بذلك من غيره؛ فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة. فعلى هذا لو أسلمَ في دارِ الحرب، أو طرفِ بلادِ الإسلام، ولم يجدْ مَنْ يستعلمُه عن شرائع الإسلام، وأمكنه السير والبحثُ عما يجب عليه بالإسلام؛ قال مالك، والشافعي: يجب عليه أن يقضي ما مر؛ من صلاة وصيام لم يعلم وجوبهما. وهذا الحكم راجع إلى القياس -أيضًا-؛ فإنه يعدُّ مقصرًا بإسلامه، واعتراضه عما يجب عليه به، مع تمكنه منه. * * * الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ﵀ قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَلَقِينَاهُ بِعَينِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنَ ذا الجَانِبِ -يَعْنِي: عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ-، فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرَ القِبْلَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ، مَا فَعَلْتُهُ (١). أما أنسُ بنُ سيرين: فهو تابعيٌّ بصريٌّ ثقة، روى له: البخاري، ومسلم، وغيرهما من أصحاب السنن والمساند. وهو أخو محمد بن سيرين، التابعيِّ المشهورِ.

стр. 400

أنس هذا كنيتُهُ: أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو حمزة، ويقال في نسبته: الأنصاري؛ لأنه لما ولد، حمل إلى أنس بن مالك؛ فسماه أنسًا، وكناه: أبا حمزةَ، وكان أبوه سيرين يكنى: أبا عمرة، وكان مولى أنس ابن مالك، وابن المولى له حكمُ أبيه؛ في كونه مولًى في النسبة؛ فهو أنصاري، مولاهم. وكان أولادُ سيرينَ ستةً: معبد، ويحيى، ومحمد، وأنس، وحفصة، وكريمة، وذكر بعضهم: خالدًا بدلَ كريمة، وأكبرُهم: معبدٌ، وأصغرهم: أنسٌ. وقال ابنُ معين: ولدُ سيرينَ أثبتُهم: محمد، وأنس: دونه، ولا بأس به، ومعبد: يعرف، وينكر، ويحيى: ضعيف الحديث، وكريمة: كذلك، وحفصة: أثبتُ منهما. وقال غيره: روى محمد، عن يحيى، عن أخيه أنس، عن أنس بن مالك، حديثًا؛ وهذا لطيفة غريبة، ثلاثة إخوة بعضهم عن بعض. وُلد أنس بن سيرين لستة بقيت من خلافة عثمان، وسمع جماعة من الصحابة، والتابعين، ومات سنة عشرين ومئة (١). وأما ألفاظه: فتقدم ذكر الشام، في الطهارة. وأما عين التمر: فهو موضع كانت به وقعة زمنَ عمر بن الخطاب ﵁، في أول خلافته؛ استُشهد بها جماعة من الصحابة ﵃ (٢). وأما الحمار: فهو اسم للذكر من الحمر، والأنثى: أتان.

стр. 401

وأما استقبالهم لأنس حين قدم من الشام؛ فلأنهم كانوا مقيمين بالبصرة، خرجوا منها، ليتلقوه في مجيئه إلى البصرة؛ فصادفوه في استلقائه، مستقبلين له بعين التمر. ووقع في "صحيح مسلم"، قال: "تلقينا أنس بن مالك، حين قدم الشام" (١)، في جميع رواياته؛ من غير اختلاف من رواته، قال القاضي عياض: وقد قيل: إنه وهم، وصوابه: قدم من الشام؛ كما في "صحيح البخاري" (٢). قال شيخنا أبو زكريا النووي ﵀: ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه في رجوعه، حين قدم الشام؛ وإنما حذف ذكر رجوعه، للعلم به، والله أعلم (٣). وقوله: "رأيتك تصلِّي إلى غير القِبلة، فقال: لولا أَني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يفعله، لم أفعلْه"؛ هذا السؤال لأنس بن مالك، إنما هو عن عدم استقبال القبلة فقط، لا عن غير ذلك؛ من هيئة، ونحوها، والله أعلم. وفيه فوائد: منها: الصلاة على الدابة، إلى غير القبلة، إذا كانت نافلة؛ كما تقدم في حديث ابن عمر. ومنها: جواز صلاة النافلة في السفر على الحمار. ومنها: أنه قد يؤخذ منه طهارة الحمار؛ لأن ملامسته مع التحرز منه متعذر، لا سيما إذا طال الزمن في ركوبه؛ فاحتمل العرق، وإن كان يحتمل أن يكون على حائل بينه وبينه. ومنها: الرجوع إلى أفعاله ﷺ ؛ كأقواله، والوقوف عندها.

стр. 402

ومنها: تلقي المسافر، وسؤاله عن مستند عمله المخالفِ للعادة. ومنها: أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله، يسأله عنه. ومنها: الجواب عن السؤال بالدليل، وفعل الصحابي، وقوله حجة ما لم يخالف، والله أعلم. * * *

стр. 403

باب الصُّفوف الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ ماِلكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ" (١). في الحديث: الأمرُ بتسوية الصفوف، الأول فالأول؛ وهو اعتدال القائمين للصلاة، على سمت واحد، وسدّ فُرَجِ الصفوف؛ جمعًا بين مدلول الأمر؛ للصورة والمعنى، وقد يراد الأمر بسد الخلل في الصفوف، في حديث صحيح؛ فحصل الأمر بالتسوية: صورة ومعنى تصريحًا. وفيه: إشارة إلى أن تسويتها مستحبٌّ ليس بواجب؛ لجعله ﷺ تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان الشيء، ولا من واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبًا؛ لكونه أمرًا زائدًا على وجود حقيقته التي لا تسمى إلا بها، في الاصطلاح المشهور، وقد ينطلق من حيث الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به. ثم إن كيفية إتمام الصفوف: أن يتم الأول، فالأول؛ فلا يشرع في تسوية الثاني حتى يتم الأول، ولا الثالث حتى يتم الثاني، ولا الرابع حتى يتم الثالث، وهكذا إلى آخرها.

стр. 404

ثم تسوية الصفوف، والأمر بها، يتأكد في حق الإمام والمأموم؛ فينبغي لكل منهما المحافظة عليهما، على الوجه المأمور به، والله أعلم. وفيه: أنه ينبغي للمفتي، أو الأمير، إذا أمر بأمر؛ أن يذكر مقام ذلك الأمر من المأمورات، والله تعالى أعلم. * * * الحديث الثاني عَنِ النُّعمانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لِيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (١). ولمسلمٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِها القِدَاحَ، حَتَّى إذا رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ؛ فَقَالَ: "عِبادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٢). أما النُّعمانُ بنُ بشيرٍ: فكنيته: أبو عبد الله بنُ بَشير -بفتح الباء، وكسر الشين المعجمة-، وله في الأسماء مشابه: بُشَير -بضمها، وفتح الشين-، ونُسَيْر -بضم النون، وفتح السين المهملة- ويُسَيْر -بضم الياء المثناة تحت، وفتح السين المهملة-، ويَسِير -بفتحها وكسر السين المهملة-. وبشير: والد النعمان صحابي؛ وهو ابنُ سعدِ بنِ ثعلبةَ بنِ جُلاس -بضم الجيم، وتخفيف اللام، وبالسين المهملة- بنِ زيدِ بنِ مالكِ بنِ ثعلبةَ ابنِ كعبِ بنِ الخزرجِ، أنصاريٌّ خزرجيٌّ.

стр. 405

والنعمانُ أمه: عَمْرَةُ بنتُ رَواحةَ، أختُ عبدِ الله بن رَواحةَ. وهو أول مولود ولد بالمدينة من الأنصار، ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثمان سنين، وقيل: بست، والأول أكثر وأصح؛ لأنهم يقولون: ولد هو وعبد الله بن الزبير عام اثنين من الهجرة. نزل النعمان الكوفة، وكان يليها لمعاوية، ثم ولي قضاء دمشق. روي له عن رسول الله ﷺ : مئة حديث وأربعة عشر حديثًا؛ ذكره بقيُّ ابن مخلد. روى عنه: جماعة من التابعين، وابنه محمد، وروى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. قال أبو حاتم بن حبان: وقُتل بحمص؛ قتله خالدُ بن عليٍّ الكلاعيُّ، بعد وقعة المرج براهط؛ وكان عاملًا لابن الزبير على حمص، هذا آخر كلامه. وقال غيره: قُتل بالشام، في أول سنة أربع وستين، بقرية من قرى حمص، وقال ابن أبي خيثمة: قُتل سنة ستين (١). وأما ألفاظه ومعانيه: فالقِداح: بكسر القاف، جمع قِدْح؛ وهي خشبُ السهام حين تُنحت، وتُبرى، وتُهيأ للرمي، وتحرير السهم له؛ فإنه كان طائشًا عن الغرض وإصابته، وضرب به المثل؛ لتحرير التسوية لغيره. ومعنى الحديث: يبالغ في تسوية الصفوف؛ حتى تصير كأنما يقوم بها السهام؛ لشدة استوائها واعتدالها، وقد تقدم في الحديث قبله كيفية التسوية.

стр. 406

وقوله ﷺ : "أو ليخالفنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم"، اختلف في معنى المخالفة للوجوه؛ هل هو بالصورة، أو بالمعنى؟ فمنهم من قال بالصورة؛ ومعناه: يَمسخ الوجوه، ويُحولها عن خلقتها؛ كقوله ﷺ : "أَما يخشى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أنْ يجعلَ اللهُ صورَته صورةَ حمارٍ؟ " (١)، وقيل: يغير صفتها. ومنهم من قال بالمعنى؛ والمراد بالوجوه: القلوب؛ فإن تقدم الشخص على المصلي إلى جنبه، أو على الجماعة، يوغر صدورهم، خصوصًا إن كان غيرَ أهلٍ للتقدم في الإمامة؛ وذلك موجبٌ لاختلافِ قلوبهم، فعبر عنه باختلاف وجوههم؛ لكونه يلزم من تغير القلب تغيرُ الوجه غالبًا، فلما كان لازمًا له، عبر به عنه. والمراد: ما يحصل في القلوب بسبب ذلك؛ من العداوة والبغضاء، وكلاهما سبب للاختلاف في البواطن، الذي سببه الاختلافُ في الظواهر؛ بعدم التسوية في الصفوف، وينشأ عن ذلك الضغائنُ والأحقاد؛ وهذا كما يقال: تغير وجهُ فلان عليَّ؛ أي: ظهر لي من وجهه كراهةٌ لي، وتغير قلبه علي، والله أعلم. وقد يعبر بالمخالفة في الوجه؛ عن اختلاف المقاصد، وتباين النفوس؛ فإن من تباعد مع غيره، وتنافر، رُئي بوجهه تغير؛ فيكون المقصود: التحذيرَ من وقوع التباغض والتنافر، والله أعلم. وقوله: "حتى إذا رأَى أَنا قد عَقَلْنا"، معناه: أنه ﷺ راقبهم في التسوية، حتى ظهر له فهمُهم المقصود منها، وامتثالُهم له. وقوله: "فقامَ حتَّى كادَ أن يُكَبِّرَ، فرأى رجلًا بادِيًا صدرُه من الصف؛ فقالَ: عبادَ الله! لتسونَّ صفوفَكم"؛ هذا تفسير لشدة مراقبته ﷺ لهم، في التسوية

стр. 407

للصفوف، والمحافظة على ذلك، وتنبيه المأمومين عليها، والأمر المؤكد لهم بها؛ فإنه أكده ﷺ بلام الأمر، ونون التوكيد، والتهديد على تركها؛ باختلاف القلوب، والأبشار. وفي الحديث فوائد: منها: أنه ينبغي للإمام والراعي: أمرُ أتباعِه بالخير، ومراقبتهُ لهم في ذلك، ظاهرًا وباطنًا، والشفقةُ عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحدًا منهم، وألَّا يخصه بالمخاطبة؛ بل يعمهم جميعَهم بالخطاب، وإن وقعت المخالفة من واحد منهم. ومنها: الحثُّ على تسوية الصفوف، وتسويتها بنصَّ الإمام؛ ولهذا كان عمر ﵁ يوكل بتسويتها رجالًا؛ فلو تركه الإمام، فعله المصلون، وأمرَ بعضُهم بعضًا بها، وشرع لكل أحد الأمرُ بها، وتسويتها. والسر في تسويتها: موافقةُ الملائكة - صلوات الله وسلامه عليهم -، وقد ورد في حديث: "صُفُّوا كما تَصُفُّ الملائكةُ" (١)، والمطلوب منها: محبةُ الله تعالى لعباده. ومنها: التحذيرُ من المخالفة؛ في الظاهر والباطن، والحثُّ على الموافقة، في الظاهر والباطن. ومنها: أنه لا تُهمل مخالفةٌ، حتى لو حصل الامتثالُ من الجميع، وتخلَّفَ واحد، خُشي من شؤمه عليهم. ومنها: شرعيةُ الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة؛ إذا كان لمصلحة الصلاة، ويقاس عليه: ما كان مصلحةً شرعية، وخُشي فواتُها. واختار جماهير العلماء؛ من الشافعية، وغيرهم: الكلامَ مطلقًا، ومنعه بعضُهم.

стр. 408

والصواب: الجوازُ؛ سواء كان لمصلحة الصلاة، أو لغيرها، أو لا لمصلحة؛ لكنه إذا كان لا لمصلحة، كان مكروهًا. ومنها: كراهةُ التقدم على المأمومين في الصف؛ سواء كان التقدم بقدميه، أو بمنكبيه، أو بجميع بدنه؛ فإنه إذا كان ﷺ منعَ باديَ الصدرِ، الذي لا يظهر فيه كبيرُ مخالفة في التسوية، وهدَّد من فعله، فما ظنك بغيره؛ من البدن، والقدم، والمنكب!! ومنها: جوازُ التمثيل للأمور المأمور بها، بعضِها ببعض؛ فإن تسوية الصف مأمور بها، وتسوية القداح مأمورٌ بها؛ ومثل تسوية الصف بتسوية القداح. ومنها: اختبار الإمام أو المعلم أتباعَه، بعدَ فهمهم عنه. ومنها: التهديدُ على المخالفة، والتوكيدُ للتحذير، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ ماِلكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ"، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا؛ قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، والعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ (١). ولمسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ؛ فَأَقَامَني عَنْ يَمِينِهِ، وَأقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا (٢). قال المصنف ﵀: اليتيمُ، قيل: هو ضُميرةُ جدُّ حسينِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضميرةَ.

стр. 409

تقدم ذكرُ أنسٍ، وقد ذكر المصنف اليتيم؛ فقال: هو ضُميرة، ولم ينسبه؛ وإنما عرفه بكونه: جدَّ الحسين، وقد نسبه غيرُ واحد: ضميرة بن أبي ضميرة الليثي، جد حسين بنِ عبدِ الله بنِ عَمِيرة -بفتح العين المهملة، وكسر الميم-، من أهل المدينة، له صحبة؛ ذكره أبو حاتم بن حبان في الصحابة من "تاريخه". وقال غيره: ضميرة بن سعد الحميري، ولا منافاة بينهما؛ فإن سعدًا اسمٌ لأبي ضميرة، وليثًا من حمير؛ وإنما تنافى كلام ابن حبان، والمصنف، في جد حسين؛ فقال المصنف: ضُميرة، وقال ابن حبان: عَميرة، والله أعلم بالصواب منهما؛ فيحتمل أن يكون أحدهما تصحيفًا (١). وأما العجوز: فالذي ذكره غير واحد، أنها: أمُّ سُلَيم أمُّ أنس، وقد تقدم ذكر أم سليم في أحاديث الجنابة. وأما قوله: جدته مليكة: فاعلم أن هذا الحديث رواه إسحق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ فالضمير في جدته عائد على إسحق بن عبد الله؛ لأن مليكة هي أم سليم، وهي أم عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن مالك؛ فهي جدة إسحق لأبيه؛ قاله أبو عمر بن عبد البر. فعلى هذا كان ينبغي للمصنف، وغيره أن يذكر إسحق؛ فإن إسقاطه يوهم أن تكون جدةَ أنس، لا جدةَ إسحق، وقيل: إنها جدة أنس؛ وهو ضعيف؛ فعلى هذا لا يحتاج إلى ذكر إسحق، والأحسن إثباته على كل حال. وقال بعضهم: مُليكة هي أم حَرام؛ فهي بضم الميم، وفتح اللام، وقيل: بفتح الميم، وكسر اللام (٢).

стр. 410

وقوله: "قوموا فلأُصَلِّيَ لكمْ"، مكسورة اللام في قوله: فلأصليَ: مكسورةٌ، لامُ كي، والفاءُ زائدة، وقد جاءت زيادتُها في قولهم: زيدٌ فمنطلق؛ كما قال: وقائلة خولان فانكح فتاتهم (١) وهو مذهب الأخفش. وقد رُوي بكسر اللام، وجزم الياء؛ على أنه أمر نفسه؛ كما يقال: لأقمْ، ولأقعدْ. وقد روي بفتح اللام، والياء ساكتة؛ وهي أشدها؛ لأن اللام تكون جوابَ قسم محذوف، وحينئذ تلزمها النون، في الأشهر (٢). وقوله: "فقمتُ إلى حَصير قد اسودَّ من طولِ ما لُبِس، فنضحتُه بماءٍ"، لا شكَّ أن لباسَ كلِّ شيء بحسبه شرعًا ولغة؛ فافتراشُ الحصير لا يسمى لباسًا عرفًا. ونضحُه بالماء: يحتمل أن يكون غَسلًا؛ لأجل تليينه، وتهيئته للجلوس عليه، وقد صرح بذلك في رواية في "صحيح مسلم". ويحتمل أن يكون لطهارته، وزوالِ ما يعرض من الشك في النجاسة فيه. ويحتمل أن يكون رشًّا؛ وهو ما دون الغَسل، وهو الذي يُنضح به بولُ الصبي الذي لم يَطْعَم، أو فيمن حصل له شك في نجاسة؛ فإن احتراز الصبيان عن النجاسة بعيد. وقوله: "ثم انصرفَ" يحتمل أن المراد بالانصراف: خروجُه من البيت؛ وهو الأقرب. ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة؛ بناء على أن السلام لا يدخل تحت مسمى الصلاة؛ عند أبي حنيفة، وأما على رأي غيره؛ فيكون الانصراف عبارة عن التحلل، الذي يستعقب السلام.

стр. 411

وفي الحديث مسائل: منها: ما كان عليه ﷺ من التواضع، في إجابة الدعوة في غير العرس، ولا خلاف في [أن] إجابتها مشروعة؛ لكن هل هو واجب، أم فرض كفاية، أم سنة؟ ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي، وغيرهم؛ وظواهر الأحاديث الإيجاب. ومنها: إجابة أولي الفضل لمن دعاهم في غير الوليمة. ومنها: جواز النافلة جماعة. ومنها: تبريك الرجل الصالح والعالم أهلَ المنزل بصلاته في منزلهم، ولعل النبي ﷺ أراد تعليمهم أفعالَ الصلاة مشاهدةً مع تبريكهم؛ فإن المرأة قلَّما تشاهد أفعاله ﷺ في المسجد؛ فأراد أن تشاهدها، وتتعلمها، وتُعلمها غيرَها. ومنها: الصلاة للتعليم، ولحصول البركة للاجتماع؛ فإن قوله ﷺ : "فلأصلي لكم"، يشعر بتخصيصهم بذلك. ومنها: جواز الصلاة على الحصير، وسائرِ ما تنبته الأرض؛ وهو مجمَع عليه، وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافُ هذا؛ وهو محمول على استحباب التواضع بمباشرة الأرض نفسها. ومنها: أن الأصل في الثياب، والحصر، والبسط: الطهارة، وأن حكم الطهارة مستمر، حتى تتحقق النجاسة. ومنها: أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين؛ كنوافل الليل. ومنها: أنه لو حلف ألا يلبس ثوبًا، ولم تكن له نية بافتراشه؛ فافترشه: حنث به؛ وبه قالت المالكية، وقالت الشافعية: لا يحنث؛ لأن الأيمان مبناها العرف عندهم، وهذا في العرف لا يسمى لباسًا. ومنها: أن افتراش الحرير لباس له؛ فيحرم على الرجل، مع أن في الحرير نصًّا يخصه بالتحريم على الذكور، والتحليل للإناث، لكن اختلف أصحاب الشافعي ﵏ في جواز افتراش الحرير للنساء، على وجهين:

стр. 412

منهم من رجح الجواز، وأسند إلى أن اللباس إنما يسمى عرفًا في البدن، وجوز لهن؛ لما فيه من الزينة للرجال، وليس ذلك في الجلوس، والاستناد إليه. ومنها: صحةُ صلاة الصبي المميز. ومنها: أن للصبي موقفًا في الصف، وبه قال جمهور العلماء؛ وهو الصحيح في مذهب الشافعي، وعن أحمد: كراهته؛ وهو مروي عن عمر، وغيره؛ وهو محمول على صبي لا يعقل الصلاة، ويعبث فيها. ومنها: أن الاثنين يكونان صفًّا وراء الإمام؛ وهو مذهب العلماء كافة، إلا ابن مسعود، وصاحبيه، وأبا حنيفة، والكوفيين؛ فإنهم قالوا: يكونان عن يمينه، وعن يساره، ويكون الإمام بينهما. ومنها: أن موقف المرأة في الصلاة وراء الصبي، وأنها إذا لم تكن معها امرأة أخرى، تقف وحدها؛ وهذا لا خلاف فيه، ويجوز أن يتمسك به على أن المرأة لا تؤم الرجال؛ لأن مقامها في الائتِمام متأخر عن مرتبتهم، فكيف تتقدمهم إمامة؟! وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافًا للطبري، وأبي ثور؛ فإنهما أجازا إمامة المرأة للرجال والنساء؛ جملة، وحكي عنهما: إجازته في التراويح؛ إذا لم يوجد قارئ غيرها. واختلف -أيضًا- في إمامتها للنساء؛ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من العلماء: إلى المنع أيضًا، وأجازه الشافعي، وغيره؛ وهو رواية عن مالك، والله أعلم. ومنها: أن موقف المنفرد من المأمومين عن يمين الإمام؛ سواء كان رجلًا، أو صبيًّا، حتى قال أصحاب الشافعي: ويقوم الخنثى خلفه، والمرأة خلف الخنثى. * * *

стр. 413

الحديث الرابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي؛ فَأَقَامَني عَنْ يَمِينِهِ (١). تقدم ذكر ابن عباس، وتقدم ذكرُ خالته ميمونة، في باب الجنابة. وأما مبيتُ ابن عباس عندَها، فقد ورد في رواية ضعيفة: أَنَّها كانت حائضًا (٢)؛ وهي حسنةُ المعنى جدًّا؛ إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي ﷺ فيها حاجة إلى أهله، ولا يرسله أبوه إلا إذا عدم حاجته إلى أهله؛ لأنه معلوم أنه ﷺ لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معهما في الوسادة. فإن مبيته؛ إنما كان ليراقب أفعال النبي ﷺ ؛ ليقتدي به في الصلاة، وغيرها، ولعله لم ينم، أو نام قليلًا جدًّا (٣). وفي الحديث فوائد: منها: جوازُ نوم بعض محارم المرأة في بيت زوجها، إذا لم يكن على الزوج ضرر في ذلك. ومنها: جواز الجماعة في النافلة في صلاة الليل. ومنها: أن أقل الجماعة اثنان. ومنها: أن الجماعة تحصل بالصبي المميز. ومنها: أن موقفه موقف الرجال؛ في الصف الأول، عن يمين الإمام، إذا

стр. 414

اطلع على مخالفة من المأمومين؛ يرشد إليها بالفعل، وهو في الصلاة. ومنها: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. ومنها: أن المأموم إذا وقف في غير موقفه، يحول إلى غيره؛ سواء كان في الصلاة، أو خارجها، بشرط: عدم تكرر الأفعال ثلاثًا متوالية. ومنها: جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة؛ فإنه ورد في رواية: أنه دخل في الصلاة، بعد دخول النبي ﷺ فيها. ومنها: نقلُ أفعاله، وأحواله ﷺ ؛ ليقتدى به، والله أعلم. * * *

стр. 415

باب الإمامة الحديث الأول عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، ويَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟ " (١). هذا الحديث وعيد؛ بأن من رفع رأسه قبل إمامه، في ركوع أو سجود، يتحول رأسه أو صورته، رأسَ أو صورةَ حمار، ولا يلزم وقوعُ الوعيد، بخلاف الوعد؛ فإنه لازمٌ وقوعُه. والحديث نصٌّ في الرفع، والخفض في الهُوِيِّ إلى الركوع والسجود يقاس على الرفع، واعلم أن فاعل ذلك متعرض للوعيد؛ مما ذكر في الحديث، وليس فيه دليل على وقوعه ولا بد. ثم التحويل والجعل، هل يرجعُ إلى أمر معنوي، أو صوري، أو أعم؟ فترجع إلى المعنى والصورة جميعًا، ويكون أبلغ في الوعيد، والتحضيض على عدم المخالفة، واجتنابها؟ فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار للجاهل البليد عن ترك ما يجب عليه؛ من فروض الصلاة، ومتابعة الإمام.

стр. 416

فيترجح المعنى المجازي بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع غالبًا، مع كثرة رفع المأمومين قبل الإمام، وإن كان قد نقل وقوعه بإسناد صحيح؛ لشخص أو شخصين، في أزمنة قديمة. لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعلُ الرفع قبل الإمام متعرضٌ له، خصوصًا إن كان مستهترًا بالحديث؛ فإنه يقع به، كما ذكرنا، ونعوذ بالله من ذلك، والمتعرض للشيء لا يلزم وقوع ما يعرض له، والمتوعَّد به لا يلزم وقوعه في الوقت الحاضر عند فعل المخالفة، والجهل موجود عنده؛ فإن الجهل عبارة عن فعل ما لا ينبغي، وعن الجهل بالحكم؛ فإن العالم بالشيء، ولم يعمل به، يقال له: جاهل؛ لأن الشيء يفوت بفوات ثمرته ومقصوده، وإن كان سببه موجودًا. ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان؛ لفوات وصفٍ يناسب الإنسانية، ولما كان المقصود من العلم: العملَ به؛ جاز أن يقال لمن لا يعمل به: جاهل غير عالم، وقد يقال: عالم غير عارف؛ فيسمى عدم المعرفة جهلًا، والله أعلم. وفي الحديث: دليل على: تحريم مسابقة الإمام، وغِلظها، لكن إذا سبقه بركن، لا تبطل صلاته، وإن كان قد ارتكب المحذور؛ إن كان عالمًا: وجب عليه الرجوع إلى متابعته، وإن كان جاهلًا: وجب عليه الرجوع -أيضًا- إلى متابعته، ولا يكون آثمًا؛ بل يأثم بعدم التعلم، إن كان فرط فيه، والله أعلم. وقالت الشافعية: تبطل بسبقه بثلاثة أركان، وهل تبطل بما دون ذلك؟ أوجه، ثالثها: تبطل بركنين، ولا تبطل بركن. وفيه: التهديد على المخالفة؛ خشيةَ وقوعها. وفيه: وجوب متابعة الإمام، واحترامه بها. وفيه: كمال شفقته ﷺ بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يترتب على المخالفة، والله أعلم.

стр. 417

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ؛ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (١). وَبِمَعْناهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ؛ فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ؛ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ" (٢). أما عائشة، وأبو هريرة؛ فتقدم الكلام عليهما. وأما الكلام على ألفاظه: فالفاء: تقتضي التعقيب؛ فيقتضي أن تكون أفعال المأموم عقبَ أفعال الإمام القولية، والفعلية، فنبه ﷺ بالتكبير والتسميع على القولية، وبالركوع والرفع على الفعلية. وقد تقدم الكلام على المنع من مسابقة الإمام في الحديث قبله، وأما مساواة الإمام: فقال الفقهاء: هي مكروهة، قالوا: ولا تستحب موافقةُ الإمام في شيء من أحكام الصلاة، إلا في التأمين؛ للحديث الصحيح: "فَمَنْ وافقَ تأمينُه تأمينَ

стр. 418

الإمام، غُفر لهُ ما تقدَّم من ذنبِهِ" (١)، فقد وقع التخصيص على موافقته فيه؛ فاستُحِبَّ. وإنما: تقتضي الحصر؛ للائتمام، والمتابعة في كل شيء؛ حتى في النية، والهيئة؛ من الموقف، وغيره؛ وقد اختلف في ذلك الفقهاء: فقال الشافعي، وغيره: لا يضرُّ اختلاف النية، وجَعل الحديث مخصوصًا، بالأفعال الظاهرة. وقال مالك، وأبو حنيفة: يضر اختلافُ النية، وجَعلا اختلاف النيات داخلًا تحت الحصر في الحديث. وقال مالك، وغيره: لا يضر الاختلاف في الهيئة؛ بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عامًّا فيما عدا ذلك. وقوله: "سمعَ الله لمن حَمِدَهُ"؛ أي: أجاب، ومعناه: أن من حمدَ الله؛ متعرضًا لثوابِه، استجابَ له؛ فأعطاه ما تعرَّض له. "فقولوا: رَبَّنا ولكَ الحمدُ"، وأما الواو، في قوله: "ولك الحمد"؛ فهي: ثابتة في هذين الحديثين، محذوفة في أحاديث صِحاح أُخَرَ؛ وهذا الاختلاف في الاختيار، لا في الجواز؛ لثبوتهما. لكن إثبات الواو يدل على زيادة معنى؛ وهو النداء بالاستجابة؛ فكأنه يقول: يا ربنا استجب، أو تقبل، ونحوهما، وعطف ذلك بقوله: "ولك الحمد"؛ فكأنه خبر ثان، له الحمد ؛ فكأنه حمد الله تعالى بلفظ الخبر الدال على ثبوت الحمد له ملكًا واستحقاقًا؛ فاشتمل الكلام على: معنى الدعاء، ومعنى الخبر. وحذف الواو دال على أحد هذين المعنيين فقط.

стр. 419

قلت: وثبوت الواو في ذلك منقول عن الشافعي في "مختصر البويطي"، والله أعلم. وأما قوله ﷺ : "وإذا صلَّى جالسًا؛ فصلُّوا جلوسًا أجمعونَ"، فهكذا وقع التأكيد في الروايات؛ بأجمعون: مرفوعًا، ومقتضاه: أن يكون منصوبًا؛ لأن التأكيد يتبع المؤكَّد في إعرابه، وقد وقع في بعض الروايات كذلك؛ بأجمعين: منصوبًا، ويمكن التكلف للجواب، على ما وقع في الروايات، والله أعلم. وقولها: "إنه ﷺ صلَّى في بيته؛ وهو شاكٍ"؛ هذه الشكاية، يحتمل أنها كانت من سقطة عن فرس ركبها بالمدينة، فصرعه جذم نخلة، فانفكت قدمه؛ فدخل عليه أصحابه يعودونه في مشربة لعائشة، في غير وقت صلاة فريضة؛ ووجدوه يصلِّي نافلة، فقاموا خلفه، فأشار إليهم؛ فقعدوا، فلما قضى الصلاة، قال: "إذا صلَّى الإمامُ جالِسًا، فصلُّوا جلوسًا، وإذا صلَّى قائما، فصلُّوا قيامًا، ولا تفعلوا كما فعلَ أهلُ فارسَ بعظمائِها" رواه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، من رواية جابر ﵁ (١). وقد أفصح في هذه الرواية: أن الصلاة التي صلوها خلفه قيامًا كانت نافلة، وأن العلة في أمرهم بالجلوس خلفه في الفريضة؛ عدمُ التشبه بالكفار؛ في قيامهم خلفَ عظمائهم؛ لتعظيمهم، فأمرهم بالجلوس؛ لتكون العظمة لله جميعًا، ولا يكون ﷺ في شيء منها؛ اختيارًا، ولا غير اختيار، والله أعلم. وكان سقوط رسول الله ﷺ عن فرسه، وجحش شقه الأيمن؛ أي: خدش جلده، وانسحاجه، فخرح، فصلى بهم جالسًا، وقال: "إنما جُعِلَ الإمامُ؛ ليؤتَمَّ بهِ"، إلى آخر الحديث؛ في ذي الحجة، سنة خمس من الهجرة، كان ﷺ ركب وأتى الغابة، فسقط عن فرسه.

стр. 420

وفي هذا الشهر دفت دافَّةٌ من عامر بن صعصعة، فأمرهم ألا يدخروا من ضحاياهم شيئًا؛ ليواسوا المحتاجين، ثم قال لهم: "كُلُوا وادَّخِروا بعدَ ثلاث" (١)، والله أعلم. فهذان النقلان يدلان على: أنه انقطع غير مرة، وصلى بهم جالسًا شاكيًا غير مرة من سقطة، وأن أمرهم بالصلاة خلفه جلوسًا متقدمٌ على قصة الصديق، وصلاتِه بالناس، وخروج النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، بين بريرة وثوبة، وإجلاسه ﷺ إلى جنب أبي بكر ﵁، وسيأتي الكلام عليهما، في أحكام الحديث. وفيه مسائل: منها: وجوبُ متابعة الإمام، وتحريمُ الاختلاف عليه. ومنها: أنه لو أحرم المأمومُ بالصلاة، مكبرًا قبلَه؛ لا تنعقدُ صلاته. ومنها: أن ركوعه وسجوده متأخرٌ عن الإمام. ومنها: أن السمع مختصٌّ بالإمام، وأن ذكر الإمام: ربَّنا لكَ الحمدُ، يختصُّ به؛ هكذا استدل به الإمام أحمد؛ وهو اختيار مالك. ومذهب الشافعي، وغيره: أن الإمام، والمأموم، والمنفرد يجمعون بين السمع، والتحميد، في الرفع من الركوع، والاستواء منه، قالوا: فالتسميع ذكر لحالة الرفع منه، والتحميد ذكر لحالة الاستواء من الرفع. وقوله ﷺ : "وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد"؛ تعليمًا لهم ما جهلوه من ذكر الاستواء، بخلاف ذكر الرفع من الركوع؛ وهو التسميع؛ فإنهم كانوا يعلمونه، ويعملون به، ويتابعون فيه النبي ﷺ ؛ فلم يحتج إلى التنبيه عليه، بخلاف قوله: ربنا ولك الحمد.

стр. 421

وقد روى مسلم في "صحيحه"، من رواية ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع، قال: "سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه، رَبَّنا لكَ الحمدُ ملءَ السمواتِ، وملءَ الأرض، وملءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ" (١). وروى البخاري، في "صحيحه"، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). ومنها: جواز الإشارة، والعمل القليل في الصلاة؛ للحاجة. واعلم: أن متابعة المأموم لإمامه؛ في التكبير، والقيام، والقعود، والركوع، والسجود؛ مشروع، وأن المأموم يفعلها بعده: فيكبر تكبيرةَ الإحرام بعد فراغ الإمام منها؛ فإن شرع قبل فراغ الإمام منها، لم تنعقد صلاته. ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، وقبلَ رفعه منه؛ فإن قارنَه، أو سبقه: فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته؛ وكذا السجود. ويسلم بعد فراغ الإمام من السلام؛ فإن سلم قبله، بطلت، إلا أن ينوي المفارقة؛ ففيه خلاف مشهور، الصحيح: أن له أن ينوي المفارقة؛ بعذر، وغير عذر، وإن سلم معه، فقد أساء، ولا تبطل صلاته؛ على الصحيح، وقيل: تبطل. ومنها: وجوب المتابعة في النيات؛ فلا يصلي مفترض خلف متنفل، ولا مؤدٍّ خلف قاض، ولا مؤدٍّ فرضًا خلف مصلٍّ فرضًا غيره؛ وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، وأجاز جميع ذلك الشافعي، وطائفة، وتقدم مأخذهم في ذلك. واستدل الشافعي على الجواز: بأن النبي ﷺ صلى بأصحابه ببطن نخل صلاةَ الخوف مرتين؛ بكل فرقة مرةً، فصلاته الثانية وقعت له نفلًا، وللمقتدين فرضًا.

стр. 422

وبأن معاذًا ﵁ كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه، فيصليها بهم؛ هي لهم فريضة، وله تطوع. ومما يدل على أن الإتمام إنما يجب في الأفعال الظاهرة؛ قوله ﷺ ، في رواية جابر: "ائْتَمُّوا بأئمتكُم: إن صلَّى قائمًا؛ فصلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعدًا؛ فصلُّوا قعودًا" (١). ومنها: أنه لا يجوز للقائم القادرِ على القيام أن يصلي خلف القاعد قائمًا؛ وبه قال أحمد، والأوزاعي. وقال مالك، في المشهور عنه، وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسًا، وإن كان مريضًا، يؤم الأصحاء قيام، لا قعود؛ وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصليَ خلف القاعد، إلا قائمًا. وتمسك مالك، ومن قال بقوله؛ في عدم جواز إمامة الجالس مطلقًا، بحديث رواه الدارقطني، من حديث جابر الجعفي، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا" (٢)، ورواه مجالد -أيضًا-، عن الشعبي؛ وهذا مرسَل، لو صح إسناده، كيف وجابر الجعفي متروك، ومجالد ضعيف؛! قال أبو حاتم بن حبان: أول من أبطَل في هذه الأمة صلاةَ المأموم قاعدًا، إذا صلى إمامُه جالسًا: المغيرة بن مِقْسم صاحبُ النخعي، وأخذ عنه حمادُ بنُ أبي سليمان، ثم أخذ عن حماد: أبو حنيفة، وتبعه عليه مَنْ بعده من أصحابه. وأعلى شيء احتجوا به: شيءٌ رواه جابر الجعفي، عن الشعبي؛ فذكره، قال: وهذا لو صح إسناده، لكان مرسلًا؛ والمرسل من الخبر وما لم يُرْوَ سِيَّانِ في الحكم عندنا.

стр. 423

لأنّا لو قبلنا إرسالَ تابعي، وإن كان ثقة فاضلًا، على حسن الظن، لزمنا قبولُ مثله عن أتباع التابعين، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا قبول مثله عن الأتباع، ومتى قبلنا لزمنا قبول مثل ذلك، عن تباع التبع، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا أن نقبل من كل إنسان إذا قال: قال رسول الله ﷺ ؛ وفي هذا نقض الشريعة. والعجب ممن يحتج بهذا المرسل، وقد قدح في روايته الإمام أبو حنيفة ﵀، قال: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذبَ من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء قط من رأي، إلا جاءني به بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله ﷺ لم ينطق بها؛ فهذا أبو حنيفة يجرح جابرًا الجعفي، ويكذبه، ضد من انتحل، من أصحابه مذهبه؛ هذا آخر كلامه، والله أعلم (١). واحتجوا -أيضًا- بترك الخلفاء الراشدين الإمامة؛ من قعود، وهو ضعيف؛ فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان وقع الاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة، وأن الأولى تركها؛ فذلك سبب ترك الخلفاء الإمامة من قعود. ومن العلماء من قال: إن إمامة الجالس كانت خاصة بالنبي ﷺ ، وهو ضعيف، فالأصل عدم ذلك حتى يدل الدليل عليه. واحتج الشافعي، ومن قال بقوله؛ أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا: بأن النبي ﷺ صلى في مرض وفاته بعد هذا قاعدًا، وأبو بكر والناس خلفه قيام. وهذا هو الصواب؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ في صلاة أبي بكر بالناس، قالت: فجاء رسول الله ﷺ ، حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا،

стр. 424

وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر (١). وقد تقدم أن الذي خرج معه في تلك الحال: بَريرةُ وثوبة، إلى أن أجلستا النبي ﷺ في مصلاه عن يسار أبي بكر؛ فعائشة وهما أعلم بذلك من غيرهن، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ، ويجعلونه ناسخًا لما قبله؛ وهذا قول البخاري، والجمهور، وزعم بعض العلماء؛ أن أبا بكر كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتدٍ به، لكن الصواب: الأول. وقد تقدم أن أمر النبي ﷺ بالجلوس وراءه في الصلاة كان متقدمًا، في آخر سنة خمس من الهجرة، وصلاة أبي بكر ﵁ خلفه قائمًا؛ في آخر مرض وفاته، في أوائل سنة إحدى عشرة، وأن العلة في منع صلاة القائم خلف القاعد؛ لمخالفة فارس والروم في قيامهم خلف عظمائهم؛ فلما عقلوا ذلك عنه ﷺ ، ردهم إلى ما هو مطلوب للشرع أيضًا؛ وهو أنه لا يترك واجب لأجل موافقة الإمام، من غير معارضة ما هو أهم منه. فإن تعظيم الرب ؛ هو المطلوب الأعظم، وعدم مشاركة غيره له في ذلك؛ فإذا تحقق العبد ما يستحقه الرب ؛ من التوحيد، والإجلال، والتعظيم، لزمه القيام بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومما أمر به القادر القيامُ في الصلاة الفرضية، ومتابعة الإمام؛ فإذا عجز الإمام، لا يتركه المأموم لأجله. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] , وثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ قال: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فافعلوا منه ما استطعتم" (٢). وتأول بعضهم قولَه ﷺ : "وإذا صلَّى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعين"؛ على

стр. 425

حالة الجلوس في الصلاة المشروعة، للقادر على القيام، ولا يخالف الإمام فيها بالقيام؛ وكذلك إذا صلى قائمًا، فصلوا قيامًا؛ أي: في حالة قيامه، ولا تخالفوه بالقعود؛ وكذلك في الركوع والسجود، بقوله ﷺ : "وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سجدَ فاسجدوا". وهو بعيد؛ بورود الأحاديث المذكورة في سبب ذلك، والمراد منه، وإشارته إليهم بالجلوس، والتعليل بمخالفة الأعاجم؛ في القيام على ملوكهم، وسياق الحديث يمنع فهم هذا التأويل، وقد حصل الكلام؛ على حديث عائشة، وأبي هريرة بما فيه مقنع، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ؛ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ (١). أما عبدُ الله بنُ يزيدَ: فكنيته: أبو موسى؛ وهو صحابي، شهدَ الحديبية؛ وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وشهدَ مع عليٍّ صِفِّينَ، والجملَ، والنهروانَ؛ قاله ابن عبد البر. وقال ابن حبان: كنيتُه: أبو أمية، شهدَ بيعة الرضوان، سكن الكوفة، ومات وهو أميرُها أيامَ ابن الزبير. وقال ابن أبي حاتم: روى عنه: أبو بُرْدَةَ بنُ أبي موسى، وابن بِنْتهِ عديُّ بنُ ثابتٍ الأنصاريٌّ، وابنه موسى بنُ عبد الله بنِ يزيدَ. وقال ابن عبد البر: وروى عنه: محمدُ بن كعب القُرَظيُّ، وعامرٌ الشعبيُّ.
следующие страницы →