وقد روى مسلم في "صحيحه"، من رواية ابن أبي أوفى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع ظهره من الركوع، قال: "سمعَ اللهُ لمن حَمِدَه، رَبَّنا لكَ الحمدُ ملءَ السمواتِ، وملءَ الأرض، وملءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ" (١).
وروى البخاري، في "صحيحه"، قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
ومنها: جواز الإشارة، والعمل القليل في الصلاة؛ للحاجة.
واعلم: أن متابعة المأموم لإمامه؛ في التكبير، والقيام، والقعود، والركوع، والسجود؛ مشروع، وأن المأموم يفعلها بعده:
فيكبر تكبيرةَ الإحرام بعد فراغ الإمام منها؛ فإن شرع قبل فراغ الإمام منها، لم تنعقد صلاته.
ويركع بعد شروع الإمام في الركوع، وقبلَ رفعه منه؛ فإن قارنَه، أو سبقه: فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته؛ وكذا السجود.
ويسلم بعد فراغ الإمام من السلام؛ فإن سلم قبله، بطلت، إلا أن ينوي المفارقة؛ ففيه خلاف مشهور، الصحيح: أن له أن ينوي المفارقة؛ بعذر، وغير عذر، وإن سلم معه، فقد أساء، ولا تبطل صلاته؛ على الصحيح، وقيل: تبطل.
ومنها: وجوب المتابعة في النيات؛ فلا يصلي مفترض خلف متنفل، ولا مؤدٍّ خلف قاض، ولا مؤدٍّ فرضًا خلف مصلٍّ فرضًا غيره؛ وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، وأجاز جميع ذلك الشافعي، وطائفة، وتقدم مأخذهم في ذلك.
واستدل الشافعي على الجواز: بأن النبي ﷺ صلى بأصحابه ببطن نخل صلاةَ الخوف مرتين؛ بكل فرقة مرةً، فصلاته الثانية وقعت له نفلًا، وللمقتدين فرضًا.
стр. 422
وبأن معاذًا ﵁ كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه، فيصليها بهم؛ هي لهم فريضة، وله تطوع.
ومما يدل على أن الإتمام إنما يجب في الأفعال الظاهرة؛ قوله ﷺ ، في رواية جابر: "ائْتَمُّوا بأئمتكُم: إن صلَّى قائمًا؛ فصلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعدًا؛ فصلُّوا قعودًا" (١).
ومنها: أنه لا يجوز للقائم القادرِ على القيام أن يصلي خلف القاعد قائمًا؛ وبه قال أحمد، والأوزاعي.
وقال مالك، في المشهور عنه، وعن أصحابه: لا يجوز أن يؤم أحد جالسًا، وإن كان مريضًا، يؤم الأصحاء قيام، لا قعود؛ وبه قال محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصليَ خلف القاعد، إلا قائمًا.
وتمسك مالك، ومن قال بقوله؛ في عدم جواز إمامة الجالس مطلقًا، بحديث رواه الدارقطني، من حديث جابر الجعفي، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا" (٢)، ورواه مجالد -أيضًا-، عن الشعبي؛ وهذا مرسَل، لو صح إسناده، كيف وجابر الجعفي متروك، ومجالد ضعيف؛!
قال أبو حاتم بن حبان: أول من أبطَل في هذه الأمة صلاةَ المأموم قاعدًا، إذا صلى إمامُه جالسًا: المغيرة بن مِقْسم صاحبُ النخعي، وأخذ عنه حمادُ بنُ أبي سليمان، ثم أخذ عن حماد: أبو حنيفة، وتبعه عليه مَنْ بعده من أصحابه.
وأعلى شيء احتجوا به: شيءٌ رواه جابر الجعفي، عن الشعبي؛ فذكره، قال: وهذا لو صح إسناده، لكان مرسلًا؛ والمرسل من الخبر وما لم يُرْوَ سِيَّانِ في الحكم عندنا.
стр. 423
لأنّا لو قبلنا إرسالَ تابعي، وإن كان ثقة فاضلًا، على حسن الظن، لزمنا قبولُ مثله عن أتباع التابعين، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا قبول مثله عن الأتباع، ومتى قبلنا لزمنا قبول مثل ذلك، عن تباع التبع، ومتى قبلنا ذلك؛ لزمنا أن نقبل من كل إنسان إذا قال: قال رسول الله ﷺ ؛ وفي هذا نقض الشريعة.
والعجب ممن يحتج بهذا المرسل، وقد قدح في روايته الإمام أبو حنيفة ﵀، قال: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذبَ من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء قط من رأي، إلا جاءني به بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله ﷺ لم ينطق بها؛ فهذا أبو حنيفة يجرح جابرًا الجعفي، ويكذبه، ضد من انتحل، من أصحابه مذهبه؛ هذا آخر كلامه، والله أعلم (١).
واحتجوا -أيضًا- بترك الخلفاء الراشدين الإمامة؛ من قعود، وهو ضعيف؛ فإن ترك الشيء لا يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان وقع الاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة، وأن الأولى تركها؛ فذلك سبب ترك الخلفاء الإمامة من قعود.
ومن العلماء من قال: إن إمامة الجالس كانت خاصة بالنبي ﷺ ، وهو ضعيف، فالأصل عدم ذلك حتى يدل الدليل عليه.
واحتج الشافعي، ومن قال بقوله؛ أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائمًا: بأن النبي ﷺ صلى في مرض وفاته بعد هذا قاعدًا، وأبو بكر والناس خلفه قيام.
وهذا هو الصواب؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂ في صلاة أبي بكر بالناس، قالت: فجاء رسول الله ﷺ ، حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: وكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا،
стр. 424
وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر (١).
وقد تقدم أن الذي خرج معه في تلك الحال: بَريرةُ وثوبة، إلى أن أجلستا النبي ﷺ في مصلاه عن يسار أبي بكر؛ فعائشة وهما أعلم بذلك من غيرهن، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ﷺ ، ويجعلونه ناسخًا لما قبله؛ وهذا قول البخاري، والجمهور، وزعم بعض العلماء؛ أن أبا بكر كان هو الإمام، والنبي ﷺ مقتدٍ به، لكن الصواب: الأول.
وقد تقدم أن أمر النبي ﷺ بالجلوس وراءه في الصلاة كان متقدمًا، في آخر سنة خمس من الهجرة، وصلاة أبي بكر ﵁ خلفه قائمًا؛ في آخر مرض وفاته، في أوائل سنة إحدى عشرة، وأن العلة في منع صلاة القائم خلف القاعد؛ لمخالفة فارس والروم في قيامهم خلف عظمائهم؛ فلما عقلوا ذلك عنه ﷺ ، ردهم إلى ما هو مطلوب للشرع أيضًا؛ وهو أنه لا يترك واجب لأجل موافقة الإمام، من غير معارضة ما هو أهم منه.
فإن تعظيم الرب ؛ هو المطلوب الأعظم، وعدم مشاركة غيره له في ذلك؛ فإذا تحقق العبد ما يستحقه الرب ؛ من التوحيد، والإجلال، والتعظيم، لزمه القيام بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ومما أمر به القادر القيامُ في الصلاة الفرضية، ومتابعة الإمام؛ فإذا عجز الإمام، لا يتركه المأموم لأجله.
قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] , وثبت في "الصحيحين": أنه ﷺ قال: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فافعلوا منه ما استطعتم" (٢).
وتأول بعضهم قولَه ﷺ : "وإذا صلَّى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعين"؛ على
стр. 425
حالة الجلوس في الصلاة المشروعة، للقادر على القيام، ولا يخالف الإمام فيها بالقيام؛ وكذلك إذا صلى قائمًا، فصلوا قيامًا؛ أي: في حالة قيامه، ولا تخالفوه بالقعود؛ وكذلك في الركوع والسجود، بقوله ﷺ : "وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سجدَ فاسجدوا".
وهو بعيد؛ بورود الأحاديث المذكورة في سبب ذلك، والمراد منه، وإشارته إليهم بالجلوس، والتعليل بمخالفة الأعاجم؛ في القيام على ملوكهم، وسياق الحديث يمنع فهم هذا التأويل، وقد حصل الكلام؛ على حديث عائشة، وأبي هريرة بما فيه مقنع، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ؛ وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ (١).
أما عبدُ الله بنُ يزيدَ:
فكنيته: أبو موسى؛ وهو صحابي، شهدَ الحديبية؛ وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وشهدَ مع عليٍّ صِفِّينَ، والجملَ، والنهروانَ؛ قاله ابن عبد البر.
وقال ابن حبان: كنيتُه: أبو أمية، شهدَ بيعة الرضوان، سكن الكوفة، ومات وهو أميرُها أيامَ ابن الزبير.
وقال ابن أبي حاتم: روى عنه: أبو بُرْدَةَ بنُ أبي موسى، وابن بِنْتهِ عديُّ بنُ ثابتٍ الأنصاريٌّ، وابنه موسى بنُ عبد الله بنِ يزيدَ.
وقال ابن عبد البر: وروى عنه: محمدُ بن كعب القُرَظيُّ، وعامرٌ الشعبيُّ.
стр. 426
وقال ابن حبان: وكان الشعبيُّ كاتبَه، ولم يرو له من أصحاب الكتب الستة، فيمن روى عنه، عن النبي ﷺ ؛ غيرُ أبي داود، والترمذيّ.
وذكره بقيُّ بن مخلد؛ فيمن روى عن النبي ﷺ : أربعة أحاديث.
وقال عبد الغني المقدسي: رُوي له عن رسول الله ﷺ : سبعة وعشرون حديثًا؛ أخرج له البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئًا، وقال غيره: خرج له مسلم أحد حديثي البخاري.
وأما الخَطْمِيُّ: فهو -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة، ثم الميم، وياء النسب- نسبة إلى بني خَطْمَة؛ هم من الأوس، وخطمةُ هو: ابن جميعِ بنِ مالكِ بنِ الأوسِ، وقيل: اسم خطمة: عبدُ الله بنُ جشمَ بنِ مالكِ بنِ أوسِ بنِ حارثة بنِ ثعلبةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ (١).
وتقدم ذكر النسبة إلى الأنصار، وعبد الله بن يزيد -المذكور-؛ وهو: ابنُ يزيدَ بنِ حصينِ بنِ عمرِو بنُ الحارث بن خطمة، والله أعلم.
وقد روى هذا الحديث أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وقد صحَّ سماعه من الخطمي، والبراء؛ فجعل بعضهم قول المصنف: "حدثني البراء؛ وهو غير كذوب" من كلام الخطمي في البراء، وجعله بعضهم من كلام أبي إسحق السبيعي فيه، فلو ذكر المصنف أبا إسحق، عن عبد الله بن يزيد، لكان أحسن؛ ليدخل احتمال الوجهين معًا في كلامه.
وأما على ما ذكره؛ فلا يحتمل إلا عبد الله بن يزيد، مع أنه قد روى شعبة، عن أبي إسحق، قال: عبد الله بن يزيد، يخطب يقول: "حدثنا البراء؛ وهو غير كذوب".
стр. 427
لكن لا يلزم من قول عبد الله بن يزيد ذلك في خطبته، ألا يكون أبو إسحق قاله في روايته للحديث؛ إما اقتداء بعبد الله، وإما ابتداء؛ تنبيهًا على تقوية الحديث، وقبوله، وتفخيمه في النفس؛ للعمل به، وتبليغه.
كيف، وقد أضاف ابنُ معين قوله: "حدثني البراء؛ وهو غير كذوب" إلى ابن إسحق، وابنُ معين من الحفاظ الكبار؟! وتخطئته في ذلك؛ لكونه في تزكية البراء، يؤدي إلى الشك في روايته، بتزكيته؛ وهو تابعي، والبراء صحابي؛ والعادة أن الأكبر يزكي من دونه، لا أن الصغير يزكي من فوقه؛ غير لازم، إلا أن يأتي نقل صريح، في هذا الإسناد؛ أنه من كلام عبد الله بن يزيد، لا من كلام أبي إسحق؛ فيجب الرجوع إليه.
وقد بينا أن المتكلم، أو الراوي يفخم؛ لقصد تفخيم كلامه، وأخذه بالقبول، وقد فعل ذلك الصحابة، والتابعون، وهلم جرًّا:
فقد فعله ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ ؛ وهو الصادق المصدوق (١)؛ وكذلك أبو هريرة ﵁؛ ومعلوم أن رسول الله ﷺ غير محتاج إلى تزكيتهما، أو ثنائهما.
وكذلك فعله أبو مسلم الخولاني التابعي الجليل ﵀، قال: حدثني الحبيب الأمين عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ، مع نظائر كثيرة لذلك.
فحينئذ يكون معنى الكلام: حدثني البراء؛ وهو غير كذوب؛ أي: غير مُتَّهم؛ كما علمتم، فثقوا بما أخبركم عن عبد الله، عنه.
ويكون ابن معين أخطأ في تعليله؛ أن البراء صحابي؛ وهو منزه عن هذا الكلام؛ فإنه لا وجه له؛ سواء كان القائل عبدَ الله بن يزيد، أو أبا إسحق، وأن المراد به: عبد الله بن يزيد فقط، كيف وعبدُ الله بن يزيد صحابي -أيضًا-؛ كما ذكرنا؟ لا في إضافة القول إلى أبي إسحق السبيعي؛ فإنه ثبت سماعه من كل
стр. 428
واحد؛ من عبد الله، والبراء، وإن كان لم يصرح الحفاظ بسماعه لهذا الحديث من البراء، والله أعلم.
وأما البراء:
فكنيته: أبو عمارة، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو الطفيل بنُ عازب بنِ الحارث بن عديِّ بن مجدعة -بفتح الميم، والدال المهملة، وسكون الجيم بينهما، وبعد الدال عين المهملة، ثم الهاء- بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الحارثي الأوسي المدني.
وأبوه عازبٌ له صحبةٌ، ذكرها غيرُ واحد؛ منهم: ابن حبان.
استُصغر هو، وابنُ عمر، يوم بدر؛ وكانا لِدَةً، وجماعةٌ غيرهما، وأول غزاة شهدها هو، وابنُ عمر، وأبو سعيد، وزيدُ بن أرقم: الخندقُ، وافتتح الري سنة أربع وعشرين؛ صلحًا، أو عنوة، وقيل: افتتحها غيره قبل ذلك، وشهد البراء مع علي صفينَ، والجملَ، والنهروان، ثم نزل الكوفة.
روي له عن رسول الله ﷺ : ثلاث مئة حديث، وخمسة أحاديث؛ اتفق الشيخان: على اثنين وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري: بخمسة عشر، ومسلم: بستة.
روى عنه؛ من الصحابة: عبدُ الله بن يزيد الخطميُّ الأنصاريُّ، وأبو جُحيفة، ووهب السُّوائي؛ ومن التابعين: أبو إسحق السَّبيعي، وعامر الشعبيُّ، وعبد الرحمن بنُ أبي ليلى، وغيرُهم، وروى له: أصحابُ السنن والمساند.
ومات بالكوفة في ولاية مصعب على العراق، سنة ثنتين وسبعين (١).
стр. 429
وأما قوله: "لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهرَهُ"؛ فمعناه: لم يعطفْ، ومنه حنيتُ العودَ: عطفتُه، ويقال: حنيت، وحنوت -بالياء، والواو-؛ لغتان حكاهما الجوهري، وغيره، وقد روي بهما في "صحيح مسلم": يحنو، ويحني، والأكثر في اللغة والرواية: الياء.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: ما كان الصحابة ﵃ عليه من الاقتداء برسول الله ﷺ ، والمتابعة له؛ في الصلاة، وغيرها، حتى لم يتلبسوا بالركن الذي ينتقل إليه، حين يسرع في الهُوِيِّ إليه؛ بل يتأخرون عنه.
ومنها: أن في فعل الصحابة ذلك دليلًا على: طول الطمأنينة من النبي ﷺ ، ولفظه قوله ﷺ في الحديث المتقدم: "فإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سجدَ فاسجدوا" ما يقتضي تقديم ما يسمى ركوعًا وسجودًا.
ومنها: أن السنة للمأموم: لا ينحني للسجود حتى يضع الإمامُ جبهته على الأرض، إلا أن يعلم من حاله؛ أنه لو تأخر إلى هذا الحد، لرفع الإمام من السجود قبل سجوده.
ومنها: مع مجموع ما ذكر؛ أن السنة للمأموم: أن يتأخر عن الإمام قليلًا، بحيث يشرع في الركن، بعد شروعه فيه، وقبل فراغه منه، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١).
أَمَّا قولهُ ﷺ : "فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكَةِ":
стр. 430
فقد اختلف العلماء في معنى الموافقة:
فالأظهر: أنها راجعةٌ إلى الزمان، ويقوي ذلك قوله في رواية في "صحيح مسلم": "إذا قالَ أحدُكم: آمينَ، والملائكةُ في السماءِ: آمينَ؛ فوافقتْ إحداهما الأُخرى، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (١).
وقيل: وافقهم في الإخلاص، والصفاتِ الممدوحة.
وقيل: وافقهم في مجردِ القول، ويلزم منه الموافقةُ في الزمان؛ فهو راجع إلى الأول.
وقوله: "غُفر له ما تقدَّم من ذنبهِ"؛ أي: من الصغائر، إن كانت، وإن لم تكن؛ رُجي تخفيفُ الكبائر، وإن لم تكن كبائر؛ رُفعت درجات.
واختلف في الملائكة المذكورين في الحديث؛ فقيل: الحفظة، وقيل: غيرهم من أهل السماء؛ للحديث في "صحيح مسلم": "فوافقَ قولُه قولَ أهلِ السماء" (٢).
وأجاب الأولون عنه: بأنه إذا قالها الحاضرون؛ من الحفظة، قالها مَنْ فوقهم؛ حتى تنتهي إلى أهل السماء، ووقع في رواية، في غير الصحيح: "فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكةِ؛ غُفِرَ لهُ" (٣)؛ وهي صحيحة المعنى؛ فإن الموافق للموافق موافق، والله أعلم.
وفي هذا الحديث:
دليل على: استحباب التأمين للإمام، والمأموم، وأما المنفرد؛ فيستحب له -أيضًا-، ولكل قارئ في غير الصلاة؛ لقوله ﷺ : "إذا قالَ أحدُكم: آمينَ"، الحديث؛ وهو أعمُّ من أن يكون إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، أو في غير صلاة.
стр. 431
وفيه دليل على: استحباب موافقة المأموم الإمام، في التأمين؛ فيكون معه، لا قبله، ولا بعده.
وقد يستدل به على: الجهر بالتأمين للإمام؛ وهو ضعيف؛ فإن فعله، والتحضيضَ عليه، لا يلزم منه الجهرُ به، ووجهُ الاستدلال على جهر الإمام به: أنه علق تأمينهم بتأمينه؛ فلا بد أن يكونوا عالمين به، ولا يحصل لهم العلم إلا بالسماع.
قال أصحاب الشافعي: يسن للإمام، والمنفرد: الجهر بالتأمين؛ وكذا يسن للمنفرد، على المذهب الصحيح، وأجمعت الأمة على: أن المنفرد يؤمن؛ وكذلك الإمام والمأموم، في الصلاة السرية؛ وكذلك قال الجمهور في الجهرية.
وقال مالك، في رواية عنه: لا يؤمن الإمام في الجهرية.
وقال أبو حنيفة، والكوفيون، ومالك، في رواية: لا يجهر بالتأمين، وقال الأكثرون: يجهر.
واستدل لمالك: أن الإمام لا يؤمن؛ بأن المراد من الحديث، إذا أمن الإمام: على بلوغه موضع التأمين؛ وهو خاتمة الفاتحة، ويؤيده قوله ﷺ : "وإذا قالَ: ولا الضالين، فقولوا: آمين" (١)؛ فإذا بلغ موضعه، قيل: أَمَّن، وإن لم يتلبس به؛ كما يقال: أنجد: إذا بلغ نجدًا، وأتهم: إذا بلغ تهامة، وأحرم: إذا بلغ الحرم؛ فكذلك إذا أمن: إذا بلغ موضعه.
وهذا مجاز، فإن وجد دليل يرجحه على ظاهر الحديث؛ فإن حقيقته في التأمين، عُمل به، وإلا فالأصل: عدم المجاز، ولعل مالكًا اعتمد على عمل أهل المدينة؛ إن كان لهم في ذلك عمل، ورجح به مذهبه، وقد تقرر في كتب الأصول: ضعفُ القول بعمل أهل المدينة فقط، خصوصًا إن عارضه نص، أو ظاهر.
وفيه دليل على: فضل الإمام؛ فإن تأمينه موافق لتأمين الملائكة؛ ولهذا شرع
стр. 432
موافقة المأمومين له فيه، بخلاف غيره.
وفيه دليل على: فضل الله تعالى، وكرمه؛ حيث جعل غفر الذنوب، على ما ذكرنا، مرتبًا على موافقة الإمام في التأمين.
* * *
الحديث الخامس، والسادس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "إِذَا صلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، والسَّقِيمَ، وَذَا الحَاجَةِ، وإِذَا صلَّى لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ" (١).
وفي معناه: الحديث السابع:
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بنَا، فَمَا رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "يأيُّها النُّاسُ! إِنَّ مِنْكُم مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِه الكَبِيرَ، والصَّغِيرَ، وَذَا الحَاجَةِ" (٢).
تقدم الكلام على أبي هريرة، ونسبه الأنصاري.
وأما أبو مسعود:
واسمه: عُقْبَةُ بنُ عمرِو بنِ ثعلبةَ بنِ أَسيرةَ -بفتح الهمزة، وكسر السين المهملة- بن عَسيرةَ -بفتح العين، وكسر السين المهملتين- بنِ عطيةَ بنِ جدار -بكسر الجيم- بنِ عوفِ بنِ الخزرج، البدريُّ؛ لسكناه ماءً ببدر، وقيل: لشهوده بدرًا الوقعة المشهورة؛ قاله البخاري، ولا يصح.
стр. 433
قال ابن إسحق: كان أبو مسعود أحدثَ من شهد العقبة سنًّا، ولم يشهد بدرًا، وشهد أحدًا، وما بعدها من المشاهد، ونزل الكوفة، وسكنها، وخلفَ عليًّا بها في خروجه إلى صِفين.
روي له عن رسول الله ﷺ : مئة حديث، وحديثان؛ اتفقا على: تسعة أحاديث، وللبخاري: حديث واحد، ولمسلم: سبعة.
روى عنه؛ من الصحابة: عبدُ الله بن يزيد الخطْمي، ومن التابعين: ابنه بشير، وقيل: له صحبة؛ ولا تصح، وجماعةٌ غيرُه.
ومات بالكوفة، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، قيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: أيام خلافة علي، وقيل: مات بعد الأربعين سنة إحدى، أو اثنتين، وقيل: في آخر خلافة معاوية.
وروى له: أصحاب السنن والمساند (١).
وأما الكلام على معنى التخفيف:
فاعلم: أن المراد به: تخفيفٌ لا يخلُّ بمقاصد الصلاة، وأركانها، وسننها.
والضابط في التطويل، وعدمه: إذا لم يكن المأمومون يؤثرونه؛ فإن آثروه، طول، وحدُّ التطويل مقدَّر: بصلاة النبي ﷺ ، وفعلِه فيها غالبًا؛ وقد كان النبي ﷺ يدخل في الصلاة، ويريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي؛ فيتجوَّزُ فيها.
والمراد باعتبار قول المأمومين؛ في التطويل، وتركه: إذا كانوا محضورين؛ كما إذا اجتمع قوم لصلاة الليل، أو كان المسجد صغيرًا، في الفرائض؛ أما إذا كان المسجد كبيرًا، والجماعة غير محضورين: فإن الإمام يخفف بهم، مطلقًا؛
стр. 434
بحيث لا يخل بالفرائض، والسنن؛ وهذا الحكم مذكور في الحديثين المذكورين، مع علته.
ثم المشقة في التطويل: أمرٌ إضافي؛ فليس المعتبر فيه عادة بعض المصلين الجاهلين المقصرين، ولا الغالين المتنطِّعين؛ بل هو معتبر بما قاله العلماء.
فلا يزيد في القيام؛ بالقراءة الطويلة المملة المؤدية إلى كراهية الصلاة، ولا في الركوع، والسجود؛ على ثلاث تسبيحات، ونحوها، من دعاء في السجود، وتعظيم في الركوع؛ كما كان ﷺ يفعل؛ مع أمره بالتخفيف، [وشدة غضبه في الموعظة، في إطالة الإمام الصلاةَ بهم؛ فهذا لا يعدُّ طولًا ومشقَّة، شرعًا؛ بل التخفيف عنه مكروه] (١)، وعن الواجب حرام.
ثم العلة في كراهة التطويل: إنما هو التنفير عن الخير، بسبب المشقة الحاصلة منه، مع الحاملة على: ترك العبادة، أو الدخول فيها بغير انشراح، أو تملل، أو شغل القلب بكراهته؛ عن الحضور في الصلاة، والخشوع؛ اللذين هما مقصودها، والمطلوب منها، والله أعلم.
ثم غضبه ﷺ في هذه الموعظة: إما لمخالفة العلم في تخفيف الصلاة، أو التقصير في تعلمه، أو لهما، والله أعلم.
ثم تطويل الإمام في الصلاة عذرٌ في التخلف عن حضور الجماعة، إذا عُلم من عادة الإمام التطويلُ الكبير؛ لهذا غضب رسول الله ﷺ في موعظته؛ لكونِ التطويل على المأمومين سببًا لترك الجماعة، وربما يكون في حق بعض الجهال سببًا لترك الصلاة.
ولا شك أن ترك أصل الجماعة حرام، وبعضهم يقول: إن تركها بعض الناس؛ بحيث قام شعارها في الناحية، لم يحرم، وبعضهم يقول: إنَّ تركها مكروه مخالف للسنة.
وقد روى أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، من رواية سعيد بن جبير، عن
стр. 435
ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سمعَ النداءَ فلم يُجِبْ؛ فلا صلاةَ له، إلَّا مِنْ عُذْرٍ" (١)؛ وفي هذا الحديث: أن الأمر بإتيان الجماعة أمر حتم، لا ندب؛ فتعين أن يكون الأمر الحتم على من سمع النداء: فرضَ عين، أو كفاية.
ثم الأعذار في ترك الجماعة؛ المنصوص عليها في السنة، عشرة:
الأول: المرض؛ بدليل تأخر النبي ﷺ عنها في مرضه، وقد جعله ﷺ علة في عدم تطويل الإمام الصلاة.
الثاني: حضور الطعام، خصوصًا عند توقان النفس إليه، وهو صائم؛ لقوله ﷺ : "إذا قُرِّبَ العَشاءُ, وحضرتِ الصلاةُ؛ فابدؤوا بهِ قبلَ صلاة المغرب، ولا تَعْجَلوا عن عشائِكم"؛ حديث صحيح، على شرط الشيخين، من رواية أنس (٢).
الثالث: النسيان الذي يعترض الشخص في بعض الأحوال؛ للحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ حين قَفَلَ من غزوة خيبر سارَ ليلةً، حتى إذا أدركه الكرى، عَرَّسَ، وقال لبلال: "اكلأ الليل"، فصلى بلال ما قدر له، ونام رسول الله ﷺ ، وبلال، وأصحابه؛ حتى طلعت الشمس، وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ نامَ عنْ صلاةٍ، أو نَسِيَها؛ فَلْيُصَلِّها، إِذا ذَكَرَها" (٣).
الرابع: السِّمَنُ المفرِط؛ للحديث الصحيح الذي رواه أنس ﵁: أن رجلًا من الأنصار كان ضخمًا؛ لا يستطيع حضور الجماعة مع
стр. 436
رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، ودعاه لطعام صنعه له في بيته؛ فصلى رسول الله ﷺ على حَصير في بيته ركعتين (١).
الخامس: مُدافعةُ الأخبثين البول، والغائط؛ لقوله ﷺ : "وهو يدافعُه الأخبثانِ: البولُ، والغائطُ، (٢)، وقوله ﷺ : "إذا وجدَ أحدُكم الغائطَ؛ فليبدأْ بهِ قبلَ الصلاةِ" (٣).
السادس: خوفُ الإنسان على نفسه، وماله، في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبانَ بنِ مالكٍ ﵁ في "الصحيح": أنه قال: يا رسولَ الله! إذا كانتِ الأمطارُ، سالَ الوادي، ولم أستطعِ الخروجَ إلى المسجد؛ فأصلي لهم، ووددت أنك يا رسولَ الله تأتي، فتصلي في بيتي؛ حتى أتخذه مصلًّى، ففعل رسول الله ﷺ " الحديث (٤).
السابع: وجودُ البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر ﵄: أنه صلَّى هو وأصحابه في رحالهم ذات ليلة، في برد شديد، وقال: رأيتُ رسول الله ﷺ ، فعلَ مثلَ هذا، أو أمرَ بهِ الناسَ، حديث صحيح (٥).
الثامن: المطر المؤذي؛ لأن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانت ليلة بردٍ ومطر، فصلُّوا في الرِّحال"، وكان يأمرُ المؤذِّنَ بذلك، حديث صحيح (٦)، والمطرُ عذرٌ في التخلف عن الجماعة؛ قليلًا كان، أو كثيرًا؛ لحديث صحيح فيه.
стр. 437
التاسع: وجود الظلمة؛ لحديث صحيح، من رواية ابن عمر ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، في ليلة ظلماءَ, فنادى منادٍ به: أَنْ صَلُّوا في الرِّحال (١).
العاشر: أكلُ الثوم والبصل، إلى أن يذهب ريحهما؛ وكذلك ما في معناهما؛ مما له رائحة كريهة؛ كالكراث، والبقول المنتنة، وقد ثبت في النهي عن ذلك أحاديثُ صحيحة؛ تمنع إتيان المساجد حتى يذهب ريحها؛ سواء كان فيها جماعة، أم لا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم.
وقد ألحق الفقهاء بهذه النصوص عليها أعذارًا في معناها، وبعضها أولى بأن يكون عذرًا؛ فالشخص مأمور بالجماعة، وإتيانها، فإذا عذر في إتيانها، فلا يتركها؛ إما واجبًا، وإما مندوبًا، والله أعلم.
واعلم: أن الضعف يعم: الصغر، والكبر، والمرض، والسقم؛ فيكون ذكر السقيم، والصغير، والكبير؛ من باب ذكر الخاص بعد العام، أو من باب تعداد الصفات الموجبة للعذر، في ترك الإمام التطويل عليهم، في الصلاة.
وفي الحديثين مسائل:
منها: الردُّ على من قال: لا تجوز صلاة الجماعة إلا خلف معصوم.
ومنها: أن الإمام يخفف الصلاة؛ على الشرط، والتفصيل الذي ذكرناه.
ومنها: ذكر الأحكام للناس بعللها.
ومنها: جواز حضور المريض، والصبي، والشيخ، وسائر من به ضعفٌ الجماعةَ.
ومنها: مراعاة الضعفاء في أمور الآخرة؛ وكذلك في أمور الدنيا، ومنه قوله ﷺ : "سِيروا على سَيْرِ أَضْعَفِكم" (٢).
стр. 438
ومنها: جواز ذكر الإنسان؛ في الشكوى، والانتصار عليه.
ومنها: التأخر عن الجماعة؛ للأعذار.
ومنها: الموعظة لأمر الدين، وذكر الأحكام عند المخالفة.
ومنها: الغضب في الموعظة.
ومنها: تألُّف الناسِ على الطاعات، وعدمُ تنفيرهم عنها.
ومنها: أن الإنسان إذا صلى منفردًا، فإنه يصلي ما شاء؛ من قيام، وركوع، وسجود، لا في اعتدال، وجلوس بين سجدتين؛ سواء كان في فرض، أو نفل، والحديث في تطويل المنفرد مطلقٌ منزل على ما ذكرنا.
ومنها: تسمية الصلاة، وإضافتها إلى وقتها المأمور بإتيانها فيه.
ومنها: خطاب الناس، ونداؤهم في الموعظة، مما تكرهه نفوسهم من المخالفة، وإظهار ذلك القصد، والإرشاد والتعليم، والتبليغ؛ من غير تخصيص بالذكر لفاعل المخالفة، والله أعلم.
* * *
стр. 439
باب صفة صلاة النبي ﷺ -
الحديث الأول
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ، سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ، والقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطَايَايَ؛ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ؛ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بالثَّلْجِ، والمَاءِ، والبَرَدِ" (١).
لا شك أن (كان) تشعر بكثرة الفعل، أو المداومة عليه، وقد تكون لمجرد وقوعه.
وقوله: "سكت هُنَيْهَةً"؛ أي: قليلًا من الزمان، وأصلُه: هَنَة، ثم صُغِّرَ هُنَيَّة، ثم أُبدلت الياء المشددة هاء.
وقوله: "أرأيتَ سكوتَكَ؟ "؛ المراد به: سكوتٌ عن الجهر؛ لا سكوتٌ مطلَقٌ عن القول، وسكوتٌ عن قراءة القرآن؛ لا عن الذِّكْرِ، والدعاء، والله أعلم؛ بدليل قولهِ بعدَه: ما تقول؟ فإنه مشعرٌ بأنه فهمَ أن في سكوته ﷺ قولًا.
ووقع السؤال بقوله: "ما تقولُ؟ "، دون قوله: هل تقولُ؟ مع أن السؤال بهل
стр. 440
مقدَّم على السؤال بما ها هنا؛ لكنه استدل على أصل القول بحركة الفم؛ كما استدل الصحابة ﵃ على قراءته سرًّا، باضطراب لحيته.
وقوله: "اللهمَّ باعِدْ بيني وبينَ خَطايايَ"، إلى آخره؛ المراد: محوُ الخطايا، وتركُ المؤاخذة بها؛ وفيه مجازان:
أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، والمباعدة إنما تكون في الزمان، أو المكان.
الثاني: استعمالُها في الإزالة الكلية، مع أن أصلها لا يقتضي الزوال، وليس المراد: البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز؛ بل المراد: الإزالة الكلية؛ وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب؛ فإن المراد منه: ترك المؤاخذة.
وقوله: "من الدَّنَس"؛ وهو -أيضًا- مجاز عن زوال الذنوب، وأثرها.
ولا شك أن الدنس في الثوب؛ بلونٍ غيرِ البياض، وطعمٍ غيرِ طَيِّبٍ، ورائحةٍ كريهة، وكلُّه دنسٌ، وجاء في رواية في "صحيح مسلم": "من الدَّرَن" (١)، وفي رواية: "من الوَسَخ" (٢)؛ ولما كان ذلك في الثوب الأبيض أظهرَ من غيره من الألوان؛ وقع التشبيهُ به.
وقوله: "اغسِلْني"، إلى آخره؛ فهو مجاز عن المؤاخذة؛ كما ذكرنا، ويحتمل بعده أمران:
أحدهما: التعبير بالغسل؛ عن الغاية بالمحو بمجموع أنواع المياه، في مشاهدة نزولها إلى الأرض؛ من الماء، والثلج، والبرد؛ فيكون المراد منه: التواب الذي، تكرر تنقيته للذنوب، بثلاثة أشياء منقية؛ يكون في غاية النقاء.
الثاني: يكون كل واحد من الثلاثة مجازًا عن صفة يقع بها التكفير، والمحو؛
стр. 441
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وكل واحد من العفو، والمغفرة، والرحمة؛ صفة لها أثر في محو الذنب.
ففي الأمر الأول: نظر إلى كل واحد من أفراد الألفاظ، وفي الثاني: نظر إلى كل فرد من أفراد المعاني؛ وكلاهما دالان على: الغاية في محو الذنب، والتطهير منه.
وفي هذا الحديث مسائل:
منها: استحباب هذا الذكر؛ بين تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، وغيره؛ وهو مستحب عند الشافعي، وجمهور العلماء، والحكمة فيه: تمرين النفس على انشراحها لأفضل الأذكار، وتدبرها؛ وهي: الفاتحة، وما شرع معها من القراءة -والفاتحة: واجبة-.
وأوجبَ جماعةٌ من السلف: قراءةَ شيء معها؛ بأحاديثَ حسنة، رواها أبو داود، وغيره، وجمهورُ العلماء: على استحبابه.
ومنها: تفدية النبي ﷺ بالآباء والأمهات؛ وهو مجمَع عليه، وهل يجوز تفدية غيرهِ من المؤمنين؟ على ثلاثة مذاهب:
الصحيح: جوازه بلا كراهة.
ومنهم من منعها؛ وجعلها خاصة بالنبي ﷺ ، وله أن يفدِّيَ من شاء، بلا خلاف.
ومنهم من فَصَّل؛ فقال: يجوز تفديةُ العلماء الصالحين الأخيار، ولا يجوز تفديةُ غيرهم؛ لأنهم هم الورَّاثُ المنتفَع بهم، بخلاف غيرهم.
ومنها: استعمال المجاز، وتسمية الكلام السر سكوتًا.
ومنها: السؤال عن العلم للفضلاء دون غيرهم.
ومنها: تخصيص الإمام نفسَه بالدعاء، دونَ المأمومين؛ فإن الظاهر منه ﷺ : أنه كان إمامًا؛ فيحتمل النهي الوارد في تخصيص الإمامِ نفسَه به، وأنه خانهم، على: كراهة التنزيه، لا التحريم؛ بيانًا للجواز.
стр. 442
ومنها: التطهير بذَوْب الثلج، والبَرَد؛ وهذا مجمع عليه.
ومنها: شرعية سؤال المباعدة من الذنوب، والتنقية منها، والغسل، وتأكد ذلك؛ فإن ذلك ليس من التحجر في الدعاء، بل هو من باب العلم، بسعة - رحمة الله تعالى -، وجوده، وكرمه، وأنه لا ملجأَ ولا منجى منه إلا إليه، وأنه لا يُرجى غيره، ولا يُطلب إلا منه، لا يحصى ثناء عليه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَائشِةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِـ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ؛ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسهُ مِنَ السَّجْدَةِ؛ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، وَكَانَ يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّةَ، وكَانَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى، وكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْرُشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بالتَّسْلِيمِ (١).
تقدمت عائشة ﵂.
وأما ألفاظه ومعانيه:
فتقدم الكلام على: (كان)، وأنها تقتضي المداومة، أو الأكثرية، لكن لا يأتي فيها هنا إلا المداومةُ؛ لافتتاح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: الحمدُ لله ربِّ العالمين؛ أي: سورة الحمد، ومعلوم أنه ﷺ لا يُخل بالتكبير، والقراءة.
والفقهاء يستدلون بأفعاله ﷺ ، في كثير منها في الصلاة على الوجوب؛ لأنهم يرون أن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] خطابٌ مجمَل مبيَّنٌ بالفعل،
стр. 443
والفعلُ المبين للمجمل المأمور به يدخل تحت الأمر؛ فيدل بمجموع ذلك على الوجوب، لا لأن الفعل بمفرده يدل على الوجوب، وإذا كان المسلك ذلك، ووُجدت أفعالٌ غيرُ واجبة، وجب أن يُحال على دليلٍ آخر؛ دل على عدم وجوبها.
وفي ذلك بحث؛ وهو أن الخطاب المجمل تبيين بأول وقوع الأفعال، فلم يكن ما وقع بعده بيانًا له؛ لوقوع البيان بالأول، فتبقى أفعالًا مجردة لا تدل على الوجوب، إلا أن يدل دليل على أن الفعل المستدل به بيانًا؛ فيتوقف الاستدلال بهذه الطريقة على وجوده، بل قد يقوم الدليل على خلافه.
كمن رأى النبي ﷺ يفعل فعلًا؛ وهو من أصاغر الصحابة الذين لهم تمييز، بعد إقامته ﷺ مدة للصلاة، مثلًا؛ فهذا مقطوع بتأخره، وكذلك من أسلم بعد مدة، وأخبر برؤية الفعل؛ فإنه حينئذ يتحقق تأخير الفعل.
لكنه قد يجاب عنه بأمر جدلي، لا يقوم مقام تأخر الفعل؛ وهو أنه دل الدليل من الحديث المعين، على وقوع هذا الفعل، والأصل عدم غيره؛ فتعين أن يكون بيانًا؛ وهذا قوي، فيما إذا وجدنا فعلًا لم يقم الدليل على عدم وجوبه، فأما إذا وجد: فإن جعلناه مبينًا عدم وجوبه؛ لزم النسخ بذلك الوجوب الذي ثبت، ولا شك أن مخالفة الأصل أقرب من التزام النسخ.
قولها: "يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ"؛ يعني: بالتكبير الذي هو تحريمٌ للصلاة؛ كما ثبت: "تحريمُها التكبيرُ" (١)، ولا شك أن التحريم لا يحصل بالتكبير وحده، بل به وبالنية؛ وهما أمران: أحدهما: قائم بالقلب، والثاني: بالنطق؛ فيحتمل أنها عبرت بالأخص عن الأعم؛ للعلم به، ويحتمل أنها ذكرته؛ للتنبيه على تعين لفظ التكبير، دون غيره.
стр. 444
وإن استفتاح الصلاة بالنية كان معلومًا عندهم؛ وهي قصد الطاعة بالصلاة؛ كما أن الإخلاص في الطاعة لله، لا بد منه في الاستفتاح، وغيره؛ وهو تصفية العمل من الشوائب، بألَّا يقصد العمل للنفس، ولا للهوى، ولا للدنيا، بل للتقرب إلى الله تعالى؛ فكذلك النية، وكلاهما كان عندهم معلومًا؛ فلهذا استغنت بذكر التكبير عنهما.
ونقل خلاف ذلك عن بعض المتقدمين، وتأوله بعضهم على مالك، والمعروف: خلافهُ، عنه، وعن غيره.
ثم التحريم بالتكبير خصوصًا؛ كما ذكرنا.
وأبو حنيفة يكتفي بمجرد التعظيم؛ كقوله: الله أجلُّ، أو أعظمُ.
وتعيين لفظِه؛ قال به مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء؛ مستدلين على وجوبه، تعينه: بهذا النقل، على الطريقة السابقة، من كونها بيانًا للمجمل؛ وفيه ما ذكرنا، لكن انضم إليه قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي" (١)؛ فصار البيان بفعله ﷺ ، وقوله؛ فهذا مجرد أنَّ الفعل يشعر بأنه خطاب للأمة بأن تكون صلاتهم كصلاته؛ في كل فعل، وقول، وحركة، وسكون.
ولا شك أنه بعض من حديث مالك بن الحارث، قال: أتينا رسولَ الله ﷺ ، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةَ، وكان رسولُ الله ﷺ رحيمًا رفيقًا؛ فظن أنا قد اشتقنا أهلَنا، فسأَلنا عمَّن تركْنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: "ارْجِعُوا إِلى أَهليكُم؛ فأَقيموا عندَهم، وعلِّموهم، ومُروهم، فإذا حضرتِ الصلاةُ؛ فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، ثم ليؤمَّكُمْ أكبرُكم" (٢)، زاد البخاري: "وصلُّوا كما رَأَيتموني أُصَلِّي" (٣).
стр. 445
فهذا خطاب لمالك بن الحارث، وأصحابه، والأمة تشاركهم في هذا الخطاب، وأن يوقعوا الصلاة على الوجه الذي أمروا بإيقاعها عليه؛ كما رأوا رسول الله ﷺ يصلي.
فما ثبت استمراره ﷺ دائمًا؛ دخل تحت الأمر، وكان واجبًا، وبعض ذلك مقطوع باستمرار فعله له؛ وما لم يدل دليل على وجوده، في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها؛ لا يجزم بتناول الأمر له؛ فهذا كله يقال، من الجدل أيضًا، والله أعلم.
وقولها: "والقراءةَ بِـ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين"، فالقراءة: منصوب عطف على مفعول يستفتح؛ وهو: الصلاةَ، وبالحمدُ: مرفوع، على الحكاية.
وقد تمسك به مالك، وأصحابه؛ في ترك الذكر بين التكبير والقراءة؛ لأنه لو تخلل بينهما ذِكْر، لم يكن الاستفتاح بالقرآن؛ بـ: الحمدُ لله ربِّ العالمين.
واستدل به أصحاب مالك، وغيرهم؛ على ترك التسمية في ابتداء الفاتحة، وأنها ليست منها.
وتأوله الشافعي، والأكثرون القائلون بأنها من الفاتحة؛ على أن المراد: يستفتح القراءة بسورة الحمد، لا بسورة أخرى، وقد قامت أدلة؛ على أن البسملة منها:
الأول: ثبوتها في المصحف الكريم.
الثاني: ما رواه الشافعي، بإسناده إلى أم سلمة ﵂: أن رسولَ الله ﷺ كان إذا قرأ بأمِّ القرآن، بدأ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يعدها آية، ثم قرأ: الحمدُ لله ربِّ العالمين، بعدَها ستُّ آيات (١).
وروى بإسناده، عن نعيم بن عبد الرحمن المجمر، قال: صليتُ خلفَ أبي
стр. 446
هريرة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قبلَ أم القرآن، وقبلَ السورة، وكبر في الخفض، والرفع، وقال: أنا أشبهُكم صلاةً بصلاة رسول الله ﷺ ، قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ وهي أمُّ القرآن، وأولُها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١).
وروي عن ابن عمر ﵄: أنه كان يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قبلَ: الحمدُ، وقبلَ السورة (٢).
وروي عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال: صليت خلفَ عمر ابن الخطاب ﵁، فكان يجهر بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. (٣)
كل ذلك مذكور في "مختصر أبي يعقوب البويطي"، عن الشافعي - رحمهما الله تعالى -، وقد صنف جماعة كتبًا في التسمية في الفاتحة، والجهر بها؛ منهم: سليم الرازي، والخطيب البغدادي، وغيرهما.
وقد أجاب بعض المخالفين عن تأويل الشافعي، وغيره: بأن لفظ الحديث، إن أجري مجرى الحكاية، اقتضى: البداءة به بعينه، ولا يكون غيره قبله؛ لأن الغير حينئذ يكون هو المفتتح، وإن جعل اسمًا؛ فالفاتحة لا تسمى سورتها، بمجموع الحمد لله رب العالمين، بل بسورة الحمد؛ فلو كان لفظ الرواية بها، لقوي تأويل الشافعي، وغيره؛ فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة، التي البسملةُ بعضُها عندهم؛ وفي هذا الجواب عندَ التأمل نظر.
وقولها: "وكانَ إذا ركعَ، لم يُشْخِصْ رأسَهُ"؛ أي: لم يرفعه، ومادة الإشخاص: تدل على الارتفاع؛ ومنه: أشخصَ بصرَه: إذا رفعه إلى العلو،
стр. 447
ومنه: الشخص؛ لارتفاعه للأبصار، ومنه: شخصَ المسافرُ: إذا خرج من منزله إلى غيره (١).
وقولها: "ولم يُصَوِّبْهُ"، هو -بضم الياء، وفتح الصاد المهملة، وكسر الواو المشددة-؛ أي: لم ينكسه؛ ومنه: الصَّيِّب؛ المصبوب بصوب الماء، ومن أطلق الصيب على الغيم؛ فهو من المجاز؛ لأنه سبب الصب، الذي هو المطر (٢).
وقولها: "ولكنْ بينَ ذلكَ"؛ هو إشارة إلى المسنون من الركوع، بأن يكون معتدلًا فيه؛ باستواء الظهر والعنق.
وقولها: "وكانَ إذا رفعَ رأسَه من الركوع، لم يسجدْ حتى يستويَ قائمًا"؛ دليل على الرفع من الركوع، والاعتدالِ فيه؛ بأن يستوي قائمًا، وقد اختلف الفقهاء فيه؛ على ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب.
والثاني: يستحب.
والثالث: يجب ما هو إلى الاعتدال أقرب، ويستحب ما زاد عليه.
ولكن الرفع من الركوع من الأفعال التي ثبت استمرار النبي ﷺ عليها.
وقولها: "وكانَ إذا رفعَ رأسَه من السجودِ، لم يسجدْ حتى يستوي قاعدًا"؛ دليل على الرفع من السجود، والاستواء في الجلوس بين السجدتين؛ أما الرفع، فلا بد منه؛ لعدم تصور عدد السجدتين بغيره، بخلاف الركوع؛ فإنه غير متعدد.
فلهذا أُجري الخلاف الذي في الرفع من الركوع، في الرفع من السجدة الأولى، وقال: الرفع منها، والاعتدال، والطمأنينة؛ كالرفع من الركوع؛ وهو سهو؛ لعدم تصوره في الرفع من السجود؛ لتعدده شرعًا، بخلاف الركوع؛ فإنه
стр. 448
غير متعدد، وهو متميز عن السجود، بخلاف السجدة الثانية؛ فإنها غير متميزة عن الأولى، فافتقرت إلى التمييز بالرفع الفاصل بينهما، والله أعلم.
وقولها: "وكانَ يقولُ في كلَّ رَكعتين: التَّحِيهَّ"؛ إطلاق لفظ التحية على التشهد كله؛ من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، وهذا الموضع، مما فارق فيه الاسمُ المسمى.
فإن التحية: الملك، أو البقاء، أو غيرهما؛ وذلك لا يتصور قوله، بل يقال: اسمه الدال عليه، بخلاف قولنا: أكلت الخبز، وشربت الماء؛ فإن الاسم فيه أريد به المسمى.
أما لفظة الاسم، فقد قيل فيها: إن الاسم هو المسمى؛ وفيه نظر دقيق.
وهذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى الله تعالى؛ فلا يقال: الاسم غير المسمى، ولا هو هو، بل يجب إطلاقه؛ كما أطلقه الله ، من غير خوض فيه، والله أعلم.
وقولها: "وكانَ يفرُشُ رجلَه اليسرى، وينصِبُ رجلَه اليمنى"؛ يفرش: بضم الراء، أو كسرها، والضم أشهر.
واعلم أن جلسات الرباعية، والثلاثية أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة؛ عقب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير.
ومذهب الشافعي ﵀: أن السنة؛ أن يجلس الرجل جميعَها مفترِشًا، إلا الجلسةَ التي يعقبها سلام؛ فإنَّه يجلس فيه متورِّكًا.
واحتج بحديث أبي حُميد الساعديِّ ﵁، في "صحيح البخاري": أن النبي ﷺ ، جلسَ مفترِشًا، في التشهد الأوّل، ومتوركًا في الأخير (١)، وحمل حديثَ عائشةَ هذا، على غير الأخير؛ جمعًا بينه، وبين حديث أبي حميد، ورجح من حيث المعنى، بأمرين:
стр. 449
أحدهما: أن المخالفة في هيئة الجلوس، قد تكون سببًا للتذكر، عند الشك في كونه الأول، أو الأخير.
والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز؛ فناسبت الجلسات الأول، والتورك هيئة اطمئنان؛ فناسب الأخير، كيف، وهو مطابق للنقل، في حديث أبي حميد، في "صحيح البخاري"؟! فكان أولى.
وقال أبو حنيفة: الهيئة المروية في حديث عائشة هذا، أولى؛ تمسكًا بإطلاقه، لكنه في الرجال.
ومذهب الشافعي: جلوسُ المرأة؛ كجلوس الرجل.
وذهب بعض السلف: أن سنة المرأة التربُّع في الجلسات؛ سواء فيه الفريضة، والنافلة، وخصه بعضهم بالنافلة.
ومذهب الجمهور: أنه لا فرق بين الفريضة والنافلة، للرجل والمرأة، في جميع الجلسات؛ افتراشًا، وتوركًا.
ومذهب مالك: اختيارُ التورك في جميعها؛ وهو أن يفضي بوركه إلى الأرض، ويُخرج رجلَه اليسرى من تحته، وينصب اليمنى من رجليه، وقد وردت هيئة التورك في بعض الأحاديث، لكنها ليست لها قوة في الصحة؛ كأحاديث الافتراش، والتورك، والله أعلم.
واختلف قول الشافعي؛ في الأفضل في جلوس العاجز، عن القيام في الفريضة، وجلوس المتنفل الذي له أجر نصف القاعد؛ على أقوال:
أصحها: الافتراش؛ لأنه غالب جلسات الصلاة.
والثاني: التورك؛ لأنه أمكن من الافتراش، وهو أحد صفات جلسات الصلاة.
والثالث: التربع؛ لأنه أمكن في الجلوس من الافتراش والتورك؛ وليكون الجلوس، الذي هو بدل عن القيام، مخالفًا للجلوس المشروع في الصلاة.
стр. 450
والرابع: جلوس المتعلِّم؛ فيقيم ركبةً، ويضع على الأرض أخرى؛ لأنَّ التربع هيئته هيئةُ تكبر، وجلوسُ المتعلم هيئةُ تواضع؛ فهو أشبهُ أن يكون بدلًا عن القيام، والله أعلم.
وقولها: "وكانَ ينهى عن عُقْبةِ الشيطانِ"، ويروى: "عن عَقِبِ الشيطان" (١).
أما عُقْبة: بضم العين، وسكون القاف، وأما عَقِب: فبفتح العين، وكسر القاف؛ وكلاهما في "صحيح مسلم"، وروى بعضهم الثاني، بضم العين؛ وهو ضعيف.
وفسره أبو عبيد: بالإقعاء المنهيِّ عنه؛ وهو أن يلصق إليتَه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض؛ وهو ضعيف.
والمشهور في تفسيره: بأن يفرش قدميه، ويجلس بإليته على عقبيه، وسمي ذلك بالإقعاء -أيضًا - (٢).
وأما الإقعاء الذي هو سنة، الثابتُ في "صحيح مسلم"، من رواية ابن عباس؛ فهو: أن ينصب أصابعَ قدميه، ويجلس بوركيه على عقبيه؛ فليس من هذين التفسيرين بشيء، والله أعلم.
وقولها: "وينهى أن يفترشَ الرجلُ ذراعيه افتراشَ السبع"؛ وهو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، والسنة: أن يرفعهما، ويكون الموضوع على الأرض كَفَّيه فقط.
وقولها: "وكانَ يختمُ الصلاةَ بالتسليمِ"؛ معناه: يتحلَّلُ منها بالتسليم؛ كما قال ﷺ : "تحليلُها التسليمُ" (٣)، ولا شك أنه كما أن تحريمها التكبير، أو ما في
стр. 451
معناه من التعظيم، على قول أبي حنيفة؛ وكذلك تحليلُها، فيقتضي الوجوب فيه، مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصَلّي" (١).
وبوجوبه قال مالك، والشافعيُّ، وأحمد، وجمهور العلماء من السلف، والخلف؛ قالوا: لا تصحُّ الصلاة إلا به.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: هو سنة، ولو تركه صحَّتْ صلاته.
قال أبو حنيفة: لو فعل منافيًا للصلاة؛ من حدث، أو غيره، في آخرها؛ صحت صلاته، واحتج: بأن النبي ﷺ لم يعلِّمه للأعرابي حين علَّمه واجباتِ الصلاة.
فاحتج الجمهور: بفعل النبي ﷺ ، وبما ذكرناه، والله أعلم.
واعلم: أن المشروع تسليمتان؛ وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور.
وذهب مالك، في طائفة: إلى أن المشروع تسليمة؛ وهو قول ضعيف عن الشافعي.
ثم التسليمة الثانية سنة بالاتفاق، وشذ بعض الظاهرية، والمالكية؛ فأوجبها؛ وهو شاذ مخالف لإجماع من قبله، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد وأحكام؛ غير ما ذكرنا في ألفاظه ومعانيه:
منها: نقل أقواله وأفعاله وأحواله إلى الأمة؛ كما فعلت عائشة، وتلقته الأمة عنها بالقبول، خصوصًا في أحكام الصلاة.
ومنها: افتتاح الصلاة بالتكبير، ووجوبه، وتعينه.
ومنها: وجوب القراءة في الصلاة، وأنه الفاتحة، وقد ثبت في "صحيح ابن خزيمة" "وابن حبَّان"، أحكام الصلاة، مرفوعًا: أن النبي ﷺ قال: "لا تُجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحةِ الكتابِ" (٢).
стр. 452
ومنها: تسميةُ السورة ببعضها، وكل سور القرآن في التسمية، كالفاتحة، ثم التسمية بالبعض؛ قد يكون لعظم لفظه، ومعناه، وقد يكون لشهرة قصته، وقد يكون لعظم المنة به، وقد يكون لتفخيم ذكر المنعوتِ في السورة، وقد يكون لغير ذلك، على ما اقتضته التسمية.
ومنها: تسوية الظهر في الركوع؛ بحيث يستوي رأسه، ومؤخره.
ومنها: وجوب الاعتدال، إذا رفع رأسه من الركوع؛ بحيث يستوي قائمًا.
ومنها: وجوب الجلوس بين السجدتين.
ومنها: وجوب التشهد الأول، والأخير؛ وهو مذهب أحمد، وأصحاب الحديث.
وقال الشافعي: الأول سنة، والثاني واجب.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والأكثرون: هما سنتان، ليستا واجبتين.
دليل أحمد، والمحدثين: هذا الحديث، مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (١)، وبقول ابن مسعود ﵁: "كانَ رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا التشهدَ؛ كما يعلمنا السورةَ من القرآن" (٢)، وبقوله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم، فليقل: التحياتُ" (٣)، والأمر للوجوب.
لكن قال أحمد ﵀: يجبر التشهد الأول بسجود السهو؛ فإن النبي ﷺ تركه، وجبره بسجود السهو؛ فحينئذ يبقى الخلاف بينه وبين الشافعي؛ في تسميته واجبًا، أو سنة، لكن اعتضد أحمد في تسميته واجبًا بالقياس على
стр. 453
واجب الحج؛ فإنَّه إذا تُرك، جُبر بدم؛ وكذلك التشهد الأول واجب، يُجبر بسجود السهو.
أجاب الشافعي عن ذلك: بأن الأصل في الواجب: أنه يتعين الإتيان به، ولا يجوز تركه، ولا جبره، جُوِّز في الحج؛ لمشقة العبادة، ولمواساة الفقراء من أهل الحرم، ولدخول النيابة فيه؛ للتخفيف، بخلاف الصلاة؛ فإنها عبادة بدنية، لا مشقة فيها، ولا يدخلها النيابة، ولا تكفر بالمال؛ بل لا بد من الإتيان بها على كل حال، ما دام العقل ثابتًا، حتى في مقابلة العدو، وغيره؛ فافترقا، والله أعلم.
واحتج الأكثرون حيث قالوا: هما سنتان: بأن النبي ﷺ ترك التشهد الأول، وجبره بسجود السهو، ولو وجبَ، لم يصحَّ جبره؛ كالركوع، وغيره من الأركان، قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول؛ فالأخير بمعناه؛ ولأن النبي ﷺ لم يعلمه للأعرابي المسيء صلاته، حين علمه فروض الصلاة.
وأجاب الشافعي: بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا غيره؛ تركُه عمدًا، ولا سهوًا، ولا جبره بسجود سهو؛ فاقتضى الوجوبَ؛ كالركوع، والسجود، بخلاف التشهد الأول، والله أعلم.
ومنها: شرعية الافتراش في جلسات الصلاة، وتقدم الكلام عليه مستوفى، ثم هو وغيره من هيئات الجلسات في الصلاة مسنونة؛ فلو جلس في الجميع مفترشًا، أو متوركًا، أو متربعًا، أو مقعيًا، أو مادًّا رجليه؛ صحت صلاته، وإن كان مخالفًا.
ومنها: شرعية مخالفة الشيطان في الجلوس في الصلاة، وغيرها، ولا شك أن كل حالة؛ من قول، أو فعل، أو حركة، أو سكون، أو خطرة، أو نظرة، أو فكرة مخالفة للشرع؛ فهي شيطانية، لكن بعضها دخل في المجاوزة، التي امتن الله تعالى بها، وبعضها لم يدخل، والله أعلم.
ومنها: مخالفة الحيوان؛ كالكلب، وغيره، في حالة افتراش ذراعيه، وغيرها، خصوصًا في الصلاة، ولا شك أن الله تعالى جبل الحيوانات على
стр. 454
أحوال محمودة، ومذمومة؛ فيبين الشرع ما كان محمودًا منها، ومذمومًا؛ للاكتساب، والاجتناب.
وقد صنف بعض العلماء كتابًا في "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، وكل ذلك كرمًا منه سبحانه؛ لتكريم النوع الإنساني، ليقتدي، أو يرتدي، والله أعلم.
ومنها: شرعية السلام آخر الصلاة، وتقدم الكلام عليه، ولفظه: السلام عليكم، فلو قال: ورحمة الله، كان أفضل.
وأجمع من يعتد به: على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة.
وإن سلم واحدة: استحب أن يسلمها تلقاء وجهه.
وإن سلم تسليمتين: جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كل تسليمة؛ حتى يرى من عن جانبه خدَّه، وقيل: خديه.
ولو سلم التسليمتين؛ عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره: صحت صلاته، وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما، والله تعالى أعلم.
ومنها: استحباب مجافاة المرفقين عن الجنبين في السجود؛ لأنه إذا نُهي عن افتراش ذراعيه، لزم منه رفعهما؛ فلزم منه مجافاتهما، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ ﵄: أَن النَّبِي ﷺ كانَ يَرفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنكبيهِ؛ إذا افْتتحَ الصلاة، وإذا كبَّرَ لِلركُوع، وإذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الركُوع؛ رَفَعَهُما كَذَلِكَ، وَقالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبنا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكانَ لا يفْعَل ذَلِكَ في السجُوِد (١).
стр. 455
أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه.
اعلم: أن سبب شرعية رفع اليدين؛ كما قيل:
أن كفار قريش، وغيرهم، كانوا يُظهرون الصلاةَ مع رسول الله ﷺ ، وأصنامُهم تحتَ آباطهم، فأمر النبي ﷺ برفعهما؛ ليرفعوها معه، فتسقط أصنامهم.
وقيل: كانوا يرفعون أيديَهم عند طلب العفو، في محاصرة أعدائهم لهم، فجعل الله تعالى ذلك في الصلاة؛ استسلامًا له، وانقيادًا.
وقيل: لرفعهم أيديهم في الغارات، بالصياح والتكبير؛ فجعل الله ذلك في الصلاة، والله أعلم.
ثمَّ رفعُهما مع التكبير للإحرام، مشروعٌ بالإجماع؛ للأحاديث الثابتة فيه، كهذا الحديث، وغيره.
واختلف العلماء في الرفع فيما سواهما:
فقال الشافعي، وأحمد، وجمهور الصحابة، فمَنْ بعدَهم: يُشرع رفعهما -أيضًا- عند الركوع، وعند الرفع منه، وهو رواية عن مالك، وهذا الحديث يدل على ذلك.
وللشافعي قول: إنه شرع رفعهما في موضع رابع؛ وهو إذا قام من التشهد الأول؛ وهو الصواب، فقد صح في "البخاري"، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ ، كان يفعلُه (١)، وصح -أيضًا- في "سنن أبي داود، والترمذي"؛ بأسانيد صحيحة، من رواية أبي حميد الساعدي (٢).
стр. 456
فهو مذهب الشافعي، فقد قال ﵁: إذا صح الحديث، فهو مذهبي (١).
وقال أبو بكر بنُ المنذر، وأبو عليٍّ الطبريُّ من أصحاب الشافعيِّ، وبعضُ أهل الحديث: يستحب -أيضًا- في السجود.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام.
وهو مشهورُ الروايات عن مالك.
وأجمعوا على: أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن داود: إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبه قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري من أصحاب الشافعي: أصحاب الوجوه.
وأما صفة الرفع، فلا شك أنه رفعهما في هذا الحديث حذوَ منكبيه.
وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه رفعهما حتى حاذى بهما أُذنيه، وفي رواية فيه -أيضًا-: أنه حاذى بهما فُروعَ أذنيه (٢).
وقد جمع الشافعي ﵀ بين هذه الروايات: بأنه ﷺ جعل كفيه محاذيًا منكبيه، وأطراف أصابعه على أذنيه، وإبهاميه بشحمتي أذنيه، فاستحسن الناسُ ذلك منه؛ وذلك معنى قول ابن عمر، والعلماء: إنه كان يرفع يديه حذو منكبيه.
وأما وقت الرفع: فظاهر رواية ابن عمر هذه: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولم يتعرض فيها لوقت وضعهما، وفي "صحيح مسلم": أنه رفعهما، ثم كبر، وفي رواية فيه: كبر، ثم رفع يديه (٣)؛ فهذه حالات فعلها
стр. 457
رسول الله ﷺ ؛ بيانًا لجواز كل واحد منها؛ وهي أوجه لأصحاب الشافعي:
الأصح: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء.
وقيل: يرفعهما غير مكبر، ثمَّ يبتدئ التكبير مع إرسالهما، وينهيه مع انتهائه.
وقيل: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارَّتان، ثمَّ يرسلهما.
وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، وينهيهما معًا.
وقيل: يبتدئ بهما معًا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال، والله أعلم.
واختلف العلماء في حكمة الرفع:
فقال الشافعي ﵀: فعلته إعظامًا لله تعالى، واتباعًا لرسول الله ﷺ .
وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان الأسير إذا غُلب، مد يديه؛ علامة لاستسلامه.
وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه.
وقيل: هو إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بجملته على صلاته، ومناجاته ؛ كما تضمن ذلك قولُه: الله أكبر، فيتطابق فعلُه، وقوله.
وقيل غير ذلك، وفي أكثر ذلك نظر، والله أعلم.
وقوله: "وإذا رفعَ رأسَه من الركوعِ، رفعَهما كذلكَ، وقال: سمعَ الله لمن حَمِدَه، رَبنا ولكَ الحمدُ"، تقدم الكلام على معنى ذلك، وإثبات الواو، وحذفها.
وأما قوله: "وقال: سمعَ الله لمن حمدَه، ربنا ولكَ الحمدُ"؛ فمقتضاه: أن الإمام يجمع بينهما؛ لأنَّ ابن عمر إنما أخبر عن الغالب من حالة النبي ﷺ ، وهو ﵁ من المقتفين لأفعاله، وأحواله، وآثاره ﷺ ؛ فغير ذلك نادر جدًّا.
стр. 458
ومعنى سمع الله لمن حمده: استجاب دعاءَ مَن حمدَه.
واعلم: أنه يبدأ في قوله: سمع الله لمن حمده؛ حين يشرع في رفعه من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائمًا، ثمَّ يشرع في ذلك الاعتدال؛ وهو ربنا ولك الحمد، إلى آخره؛ وهذا مذهب الشافعي.
وطائفة قالوا: استحب ذلك لكل مصل؛ من إمام، ومأموم، ومنفرد؛ فيجمعون بينهما على الوجه المذكور؛ من أن سمع الله لمن حمده ذكرٌ لحالة الرفع من الركوع، وربنا لك الحمد ذكر لحالة الاستواء منه؛ فإن النبي ﷺ فعلهما جميعهما، وقال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١).
وقوله: "وكانَ لا يفعلُ ذلكَ في السجود"، معناه: لا يرفع يديه في ابتداء السجود، والرفع منه، ولعل مراده في الابتداء، وكأنه أقرب؛ وبه قال أكثر الفقهاء: إنه لا يسن رفع اليدين عند السجود.
وخالف فيه بعضهم، فقال: يرفع؛ لحديثٍ ورد فيه؛ وكأنه اعتمد أنه زيادة، فثبت العمل بها، وتقديم القول بها على من نفاها، أو سكت عنها.
لكن من ترك الرفع، رجَّحَ روايةَ ابن عمر في ترك الرفع من السجود، لكن الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين رواية من أثبت الزيادة، أو نفاها، أو سكت عنها؛ إلا أن يكون ذلك جميعه منحصرًا متحدًا في وقت واحد؛ فيجب العمل بالزيادة؛ وهذا كله إذا ثبتت صحة الزيادة.
أما إذا كانت ضعيفة؛ فلا تعارض بينهما، ويجب تقديم الثابتة، وحديث ابن عمر في نفي الرفع عند السجود ثابت، وحديث إثباته ضعيف، والله أعلم.
وفي الحديث مسائل:
منها: التكبير في الهُوِيِّ إلى الركوع؛ وهو سنة عند العلماء كافة، إلا أحمدَ بن حنبل، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه أوجبه؛ وكذلك حكم جميع
стр. 459
التكبيرات، ما عدا تكبيرة الإحرام؛ فإنها واجبة قطعًا.
ومنها: أن الرفع لليدين يكون مع ابتداء التكبير للهوي إلى الركوع، لكنه يستحب بسطُ التكبير على الهوي، إلى أن ينتهي راكعًا، ثمَّ يشرع في ذكر الركوع.
ومنها: شرعية رفع اليدين في المواضع الثلاثة المذكورة؛ على ما ذكرناه.
ومنها: استحباب الجمع بين قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"؛ للإمام، وقد تقدم الكلام عليه.
ومنها: استحباب عدم الرفع في السجود، والرفع منه.
ومنها: أن أفعاله ﷺ حجة؛ كأقواله.
ومنها: وجوب نقلها، وتبليغِها، والعملِ بها؛ على مراتبها من الوجوب، والندب.
ومنها: فضلُ الصحابة على مَنْ بعدَهم؛ حيث ضَبطوا، وبلَّغوا، وعلَموا، وبذلوا الجهد في ذلك، والله أعلم.
واعلم: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ سنة؛ وجب اعتقادُ شرعيتها، والعمل بها: فإن كانت واجبة: كان الاعتقادُ والعملُ واجبينِ.
وإن كانت مندوبة: وجب اعتقادُ ندبيتها، من حيثُ هو مندوب، ولم يجب العملُ بها؛ لكن يُستحبُّ ويتأكد، ما لم يعارضه مراعاة واجب؛ في نفس، أو مال، أو عيال، أو حق واجب غيرها، والله أعلم.
وقد صنف الإمام أبو عبد الله البخاري ﵀ كتابًا في رفع اليدين مستقلًا، رد فيه على [من] منع الرفع؛ وهو روايتنا، والله أعلم (١).
стр. 460
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أمِرتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشارَ بِيَدِه إلى أَنْفِهِ-، واليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ" (١).
أما ابن عباس، فتقدم الكلام عليه.
وأما قوله ﷺ : "أمرت أن أسجدَ على سبعةِ أعظُم":
فالآمر له ﷺ : هو الله تعالى؛ بواسطة جبريل ﷺ ، وبالإلهام، وبغير ذلك من الطرق؛ كالرؤيا، والأمرُ يقتضي الوجوب.
وسمَّى الجبهةَ، واليدين، والركبتين، وأطرافَ القدمين: أعظمًا، وإن كانت مشتملةً على غيرها، وعلى أكثرَ من سبعةِ عظام؛ مجازًا، من باب تسمية الجملة باسم بعضها، وأراد ﷺ الأعضاءَ.
ثمَّ ظاهر الحديث دال على: وجوب السجود على هذه الأعضاء:
أما الجبهة: فهي التي يكتنفها الجبينان، والسجودُ عليها واجب عينًا؛ عند الشافعي، ومالك، وجمهور العلماء، والسجودُ على الأنف: مستحبٌّ.
وأوجبَ السجودَ عليهما: أحمدُ، وابنُ حبيب المالكيُّ.
وقال أبو حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك: هما واجبان على البدل؛ على أيهما اقتصر أجزأه.
ولم يختلف قول الشافعي؛ في وجوب السجود على الجبهة، واختلف قوله؛ في وجوب السجود على اليدين، والركبتين، والقدمين؛ على قولين: الراجح عنده، وعندَ أكثرِ أصحابه: الوجوبُ، ورجح بعضُ أصحابه: عدمَ الوجوب، وأجمعوا على استحباب السجود عليها.