← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فهو مذهب الشافعي، فقد قال ﵁: إذا صح الحديث، فهو مذهبي (١). وقال أبو بكر بنُ المنذر، وأبو عليٍّ الطبريُّ من أصحاب الشافعيِّ، وبعضُ أهل الحديث: يستحب -أيضًا- في السجود. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام. وهو مشهورُ الروايات عن مالك. وأجمعوا على: أنه لا يجب شيء من الرفع، وحكي عن داود: إيجابه عند تكبيرة الإحرام، وبه قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار السياري من أصحاب الشافعي: أصحاب الوجوه. وأما صفة الرفع، فلا شك أنه رفعهما في هذا الحديث حذوَ منكبيه. وفي رواية في "صحيح مسلم": أنه رفعهما حتى حاذى بهما أُذنيه، وفي رواية فيه -أيضًا-: أنه حاذى بهما فُروعَ أذنيه (٢). وقد جمع الشافعي ﵀ بين هذه الروايات: بأنه ﷺ جعل كفيه محاذيًا منكبيه، وأطراف أصابعه على أذنيه، وإبهاميه بشحمتي أذنيه، فاستحسن الناسُ ذلك منه؛ وذلك معنى قول ابن عمر، والعلماء: إنه كان يرفع يديه حذو منكبيه. وأما وقت الرفع: فظاهر رواية ابن عمر هذه: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولم يتعرض فيها لوقت وضعهما، وفي "صحيح مسلم": أنه رفعهما، ثم كبر، وفي رواية فيه: كبر، ثم رفع يديه (٣)؛ فهذه حالات فعلها

стр. 457

رسول الله ﷺ ؛ بيانًا لجواز كل واحد منها؛ وهي أوجه لأصحاب الشافعي: الأصح: أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. وقيل: يرفعهما غير مكبر، ثمَّ يبتدئ التكبير مع إرسالهما، وينهيه مع انتهائه. وقيل: يرفع غير مكبر، ثم يكبر ويداه قارَّتان، ثمَّ يرسلهما. وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، وينهيهما معًا. وقيل: يبتدئ بهما معًا، وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال، والله أعلم. واختلف العلماء في حكمة الرفع: فقال الشافعي ﵀: فعلته إعظامًا لله تعالى، واتباعًا لرسول الله ﷺ . وقال غيره: هو استكانة، واستسلام، وانقياد، وكان الأسير إذا غُلب، مد يديه؛ علامة لاستسلامه. وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل: هو إشارة إلى طرح أمور الدنيا، والإقبال بجملته على صلاته، ومناجاته ؛ كما تضمن ذلك قولُه: الله أكبر، فيتطابق فعلُه، وقوله. وقيل غير ذلك، وفي أكثر ذلك نظر، والله أعلم. وقوله: "وإذا رفعَ رأسَه من الركوعِ، رفعَهما كذلكَ، وقال: سمعَ الله لمن حَمِدَه، رَبنا ولكَ الحمدُ"، تقدم الكلام على معنى ذلك، وإثبات الواو، وحذفها. وأما قوله: "وقال: سمعَ الله لمن حمدَه، ربنا ولكَ الحمدُ"؛ فمقتضاه: أن الإمام يجمع بينهما؛ لأنَّ ابن عمر إنما أخبر عن الغالب من حالة النبي ﷺ ، وهو ﵁ من المقتفين لأفعاله، وأحواله، وآثاره ﷺ ؛ فغير ذلك نادر جدًّا.

стр. 458

ومعنى سمع الله لمن حمده: استجاب دعاءَ مَن حمدَه. واعلم: أنه يبدأ في قوله: سمع الله لمن حمده؛ حين يشرع في رفعه من الركوع، ويمده حتى ينتصب قائمًا، ثمَّ يشرع في ذلك الاعتدال؛ وهو ربنا ولك الحمد، إلى آخره؛ وهذا مذهب الشافعي. وطائفة قالوا: استحب ذلك لكل مصل؛ من إمام، ومأموم، ومنفرد؛ فيجمعون بينهما على الوجه المذكور؛ من أن سمع الله لمن حمده ذكرٌ لحالة الرفع من الركوع، وربنا لك الحمد ذكر لحالة الاستواء منه؛ فإن النبي ﷺ فعلهما جميعهما، وقال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). وقوله: "وكانَ لا يفعلُ ذلكَ في السجود"، معناه: لا يرفع يديه في ابتداء السجود، والرفع منه، ولعل مراده في الابتداء، وكأنه أقرب؛ وبه قال أكثر الفقهاء: إنه لا يسن رفع اليدين عند السجود. وخالف فيه بعضهم، فقال: يرفع؛ لحديثٍ ورد فيه؛ وكأنه اعتمد أنه زيادة، فثبت العمل بها، وتقديم القول بها على من نفاها، أو سكت عنها. لكن من ترك الرفع، رجَّحَ روايةَ ابن عمر في ترك الرفع من السجود، لكن الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين رواية من أثبت الزيادة، أو نفاها، أو سكت عنها؛ إلا أن يكون ذلك جميعه منحصرًا متحدًا في وقت واحد؛ فيجب العمل بالزيادة؛ وهذا كله إذا ثبتت صحة الزيادة. أما إذا كانت ضعيفة؛ فلا تعارض بينهما، ويجب تقديم الثابتة، وحديث ابن عمر في نفي الرفع عند السجود ثابت، وحديث إثباته ضعيف، والله أعلم. وفي الحديث مسائل: منها: التكبير في الهُوِيِّ إلى الركوع؛ وهو سنة عند العلماء كافة، إلا أحمدَ بن حنبل، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه أوجبه؛ وكذلك حكم جميع

стр. 459

التكبيرات، ما عدا تكبيرة الإحرام؛ فإنها واجبة قطعًا. ومنها: أن الرفع لليدين يكون مع ابتداء التكبير للهوي إلى الركوع، لكنه يستحب بسطُ التكبير على الهوي، إلى أن ينتهي راكعًا، ثمَّ يشرع في ذكر الركوع. ومنها: شرعية رفع اليدين في المواضع الثلاثة المذكورة؛ على ما ذكرناه. ومنها: استحباب الجمع بين قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"؛ للإمام، وقد تقدم الكلام عليه. ومنها: استحباب عدم الرفع في السجود، والرفع منه. ومنها: أن أفعاله ﷺ حجة؛ كأقواله. ومنها: وجوب نقلها، وتبليغِها، والعملِ بها؛ على مراتبها من الوجوب، والندب. ومنها: فضلُ الصحابة على مَنْ بعدَهم؛ حيث ضَبطوا، وبلَّغوا، وعلَموا، وبذلوا الجهد في ذلك، والله أعلم. واعلم: أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ سنة؛ وجب اعتقادُ شرعيتها، والعمل بها: فإن كانت واجبة: كان الاعتقادُ والعملُ واجبينِ. وإن كانت مندوبة: وجب اعتقادُ ندبيتها، من حيثُ هو مندوب، ولم يجب العملُ بها؛ لكن يُستحبُّ ويتأكد، ما لم يعارضه مراعاة واجب؛ في نفس، أو مال، أو عيال، أو حق واجب غيرها، والله أعلم. وقد صنف الإمام أبو عبد الله البخاري ﵀ كتابًا في رفع اليدين مستقلًا، رد فيه على [من] منع الرفع؛ وهو روايتنا، والله أعلم (١).

стр. 460

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أمِرتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الجَبْهَةِ -وَأَشارَ بِيَدِه إلى أَنْفِهِ-، واليَدَيْنِ، والرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ" (١). أما ابن عباس، فتقدم الكلام عليه. وأما قوله ﷺ : "أمرت أن أسجدَ على سبعةِ أعظُم": فالآمر له ﷺ : هو الله تعالى؛ بواسطة جبريل ﷺ ، وبالإلهام، وبغير ذلك من الطرق؛ كالرؤيا، والأمرُ يقتضي الوجوب. وسمَّى الجبهةَ، واليدين، والركبتين، وأطرافَ القدمين: أعظمًا، وإن كانت مشتملةً على غيرها، وعلى أكثرَ من سبعةِ عظام؛ مجازًا، من باب تسمية الجملة باسم بعضها، وأراد ﷺ الأعضاءَ. ثمَّ ظاهر الحديث دال على: وجوب السجود على هذه الأعضاء: أما الجبهة: فهي التي يكتنفها الجبينان، والسجودُ عليها واجب عينًا؛ عند الشافعي، ومالك، وجمهور العلماء، والسجودُ على الأنف: مستحبٌّ. وأوجبَ السجودَ عليهما: أحمدُ، وابنُ حبيب المالكيُّ. وقال أبو حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك: هما واجبان على البدل؛ على أيهما اقتصر أجزأه. ولم يختلف قول الشافعي؛ في وجوب السجود على الجبهة، واختلف قوله؛ في وجوب السجود على اليدين، والركبتين، والقدمين؛ على قولين: الراجح عنده، وعندَ أكثرِ أصحابه: الوجوبُ، ورجح بعضُ أصحابه: عدمَ الوجوب، وأجمعوا على استحباب السجود عليها.

стр. 461

فإذا قلنا بالوجوب؛ فلو أخلَّ بعضو منها: لم تصح صلاته. واستدل من قال بعدم الوجوب: بقوله ﷺ في حديث رفاعة ﵁: ثمَّ سجد فمكن جبهته (١)؛ وهذا غلبة دلالة مفهوم لقب، أو غاية، ودلالةُ المنطوق على وجوب السجود على الأعضاء المذكورة مقدمٌ عليه. وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم؛ في قوله ﷺ : "جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجِدًا، وطَهورًا" (٢)، مع الزيادة المنقولة من جماعة من الثقات: "وتربتُها طَهورًا" (٣)؛ فإنَّه يُعمل بها؛ لما يلزم من العمل بالعموم، والمفهوم بخلاف هذا؛ فإنا إذا قدمنا دلالة المفهوم فيه، أسقطنا الدلالة على وجوب السجود على هذه الأعضاء الستة: اليدين، والركبتين، والقدمين؛ مع تناول اللفظ لها بخصوصها. وأضعف من هذا: ما استدل به على عدم الوجوب؛ من إضافة السجود إلى الوجه، في قوله ﷺ : "سجدَ وجهي للذي خلقَهُ" (٤)؛ حيث لا يلزم من الإضافة إليه، انحصارُ السجود فيه. وأضعفُ منه: الاستدلالُ بأن مسمَّى السجود يحصل بوضع الجبهة؛ فإن الحديث يدل على إثبات زيادة في المسمى، فلا يترك. وأضعفُ منه: المعارضةُ بقياس شبهي؛ ليس بقول، مثل أن يقال: أعضاء الوضوء لا يجب كشفُها، فلا يجبُ وضعها؛ كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة. فالقول بالوجوب راجح؛ نقلًا ودليلًا.

стр. 462

واستدل لأبي حنيفة، ومن قال بقوله: في الاكتفاء بالسجود على الأنف، وأنه أيهما سجد عليه؛ من الجبهة، والأنف، أجزأه: برواية في بعض طرق حديث ابن عباس هذا: "الجبهة والأنف" (١)، وفي الرواية التي ذكرها المصنف في الكتاب: "وأشارَ بيدِه إلى أنفِه"؛ فيحتمل أن معناه: أنهما جعلا كالعضو، ويكون الأنف كالتبع للجبهة، وقوي هذا الاحتمال بوجهين: أحدهما: لو كان الأنف كعضو منفرد عن الجبهة حكمًا، لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها، ثمانية لا سبعة؛ فيخرج الحديث عن مطابقة العدد المذكور فيه. الثاني: اختلاف عبارة الحديث؛ في ذكره لفظًا، أو إشارةً؛ فإذا جعلا كعضو واحد، أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما، إشارةً إلى الآخر؛ فتتطابق الإشارة والعبارة، وحينئذ ربما يستبيح منه إجزاء السجود على الأنف وحده؛ لأنهما كعضو واحد، فإذا سجد على بعضه، أجزأه. لكن الحق أن هذا لا يعارض رواية التصريح بذكرهما، ودخولهما تحت الأمر، وإن اعتقد أنهما كعضو من حيث العدد؛ فهو في التسمية لفظًا، لا في الحكم الدال عليه الأمر، مع أن الإشارة لا تعين المشار إليه، بل قد تتعلق بالجبهة؛ فتكون الإشارة إلى ما قاربه، لا إليه يقينًا، بخلاف اللفظ؛ فإنه يتعين لما وضع له. ثمَّ المراد باليدين المأمور بالسجود عليهما: الكفان، واعتقد قوم: أن مطلق اليدين، يحمل عليهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، واستنتجوا من ذلك: أن التيمم إلى الكوعين؛ كما تقدم، وبالجملة إن اتضح هذا، أم لم يتضح؛ فالمراد هنا: الكفان؛ لأنا لو حملنا الحديث على الكفين، والذراع، لكان أمرًا بالمنهي عنه؛ من افتراش الكلب، أو السبع؛ وهو مستحيل أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به، منهيًا عنه.

стр. 463

ثمَّ المراد بالكفين: الراحة، والأصابع، من غير اشتراط جمعها، بل يكفي أحدهما؛ فلو سجد على ظهر الكف: لم يكفه؛ هكذا ذكره بعض أصحاب الشافعي المصنفين. ولم يختلف قولهم؛ في أنه لا يجب كشف الركبتين في السجود، ومباشرة المصلي بهما، بل يكفي وضعهما؛ لما يلزم منه من كشف العورة؛ وهو منهي عنه. وأما القدمان: فلا يجب كشفهما -أيضًا-؛ لأن الشَّارع وقَّتَ المسحَ على الخفين بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف، فلو وجب كشفهما؛ لوجب نزع الخف، وبطلت طهارتهما، أو كل الطهارة، وبطلت الصلاة؛ وهذا باطل، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ صلى في الخفين؛ في غير حديث. وأما الكفان: ففي كشفهما قولان للشافعي مترددان: بين الجبهة؛ فيجب كشفهما، وبين الركبتين، والقدمين؛ فلا يجب، وأصحهما عند المحققين: عدم الوجوب، مع اتفاقهم على تأكد استحبابه. مع أن لفظ الحديث لا يدل على وجوب كشف شيء من الأعضاء السبعة؛ بل يدل على: وجوب الوضع على الأرض؛ فمن وضعها، فقد خرج عن العهدة، وأتى بما أمر به؛ فيكفي مسمى السجود: بالوضع، والزائدُ عليه: خلافُ الأصل، فهل يُضم الزائد إلى فعل المأمور به؛ فيجعل علة للإجزاء، أو جزء علة؟! فيه نظران، والله أعلم. مع أن للشافعي، في وضع ما عدا الجبهة على الأرض؛ قولين، أصحهما: الوجوب؛ للحديث، وعللوا عدم وجوب وضعها: بأنه ليس بأصل؛ لمطلوب السجود عليها، وإنما هو للتبعية للسجود على الجبهة، وإذا وجب الشيء للتبعية والتمكين، لا يلزم منه الوجوب بالأصالة؛ ولهذا لو زوحم عن السجود على الأعضاء المذكورة، وأمكنه السجود على الجبهة: صح سجوده، والصلاة به. والجواب عن هذا: أنه لا يلزم من صحة الصلاة، بالاقتصار على الجبهة في

стр. 464

هذه الصورة؛ إلَّا يكون الوضع في باقي الأعضاء واجبًا، عند التمكن من السجود عليها، ويكون سقط الوجوب فيها؛ لعذر الازدحام، وعدم إبطال العبادة، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّر حِينَ يَرفَعُ، ثُمَّ يقُولُ: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الركْعَةِ، ثُمَّ يقُولُ، وَهُو قائِمٌ: رَبنا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّر حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يُكَبر حِينَ يسجُدُ، ثُمَّ يكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يفْعَلُ ذَلِكَ في صَلاَتِهِ كُلِّها حَتى يقْضِيَها، ويكَبِّر حِينَ يقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ (١). اعلم: أن حديث أبي هريرة هذا مجمَع على العمل به اليوم؛ في أن المصلي يكبر في كل خفض، ورفع، إلا من رفعه من الركوع؛ فإنَّه يقول: سمع الله لمن حمده. وكان في التكبير خلافٌ زمنَ أبي هريرة؛ فكان بعضهم لا يرى التكبيرَ إلا للإحرام، وبعضُهم يزيد على بعض ما في حديثه؛ وكأنهم لم يبلغهم فعل رسول الله ﷺ ؛ ولهذا كان أبو هريرة يقول في بعض الروايات: إني لأَشْبَهكُمْ صلاةً برسولِ الله (٢)، واستقر العمل عليه بعده إلى الآن. ثمَّ هذا الحديث يصرح؛ أن في [كُلَّ] ركعةٍ خمسَ تكبيرات؛ فالثنائية: إحدى عشرة تكبيرة، بتكبيرة الإحرام، والثلاثية: سبع عشرة تكبيرة، بتكبيرة

стр. 465

الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، والرباعية: ثنتان وعشرون تكبيرة بها، وخمس في كل ركعة؛ ففي الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة، والله أعلم. وقد تقدم قريبًا؛ أن جميع التكبيرات سنة؛ عند العلماء كافة، إلا أحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه أوجبها، وأجمعوا على وجوب تكبيرة الإحرام. وقوله: "يُكَبِّرُ حينَ يقومُ"؛ يقتضي: إيقاعَ التكبير في حال القيام، ولا شك أنه واجب للتكبير، وقراءة الفاتحة؛ عندَ من يوجبها، مع القدرة؛ وكلُّ انحناء يمنع اسمَ القيام عند التكبير يُبطل التحريم، ويقتضي عدم انعقاد الصلاة. وقوله: "ثمَّ يكبرُ حينَ يركعُ"؛ يقتضي مقارنَة التكبير لابتداء الركوع، إلى حين انتهائه إلى حدِّه، ويمدُّه على ذلك، ثمَّ يشرع في تسبيح الركوع المشروع فيه. وقوله: "ثمّ يقولُ: سمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ، حينَ يرفعُ صلبه منَ الركعة"؛ يقتضي: ابتداءَ قولِ التسميع حالَ ابتداء الرفع من الركوع، إلى حينِ ينتصب قائمًا، ويمده عليه، ويدل على أنه ذكر هذه الحالة، ولا شك أن الفعل يطلق على ابتداء الشيء وجملته حالةَ مباشرته، فحمله عليها لكونه مستصحبًا للذكر في جميع مباشرته له أولى؛ لئلا يخلو جزء من الفعل عن ذكر. ومعنى حين يرفع صلبه من الركعة؛ أي: حين يبتدئ الرفع. وقوله: "ثم يقولُ: ربنا ولك الحمدُ؛ وهو قائم"؛ دليل على: أن التحميد ذكرُ الاعتدال من الركوع، وأن ابتداءه حالَ ابتداء الاعتدال حين ينتصب قائمًا. وعلى: أن كلًّا من التسميع، والتحميد في محلهما؛ يُشرعان لكل مصلٍّ؛ جمعًا بينه وبين قوله ﷺ : "صلُوا كما رأيتموني أُصلِّي" (١)، وتخصيص جمعهما بالإمام؛ خلاف الأصل، وتخصيص من غير مخصص.

стр. 466

وقوله: "ثم يكبر حين يَهوي"؛ يقال: هَوَيْتُ إلى الأرض -بفتح الواو-؛ بمعنى: سقط؛ وكذلك يقال بمعنى: هلك، ومات؛ ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه: ٨١]، ومن الأول: قوله ﷺ : "فهو يَهْوي في النارِ" (١)؛ أي: ينزل ساقطًا، يقال من السقوط: هوى يهوي. وزعم بعضهم أن صوابه: أهوى إلى الأرض، وليس ذلك بشيء. وقيل: أهوى؛ من قريب، وهوى؛ من بعيد. ومعناه: ثمَّ يكبر حين يهوي ساجدًا" (٢)؛ وهو ثابت في "صحيح مسلم"، والكلام في ابتدائه وانتهائه؛ كالكلام فيما قبله، وكذلك الكلام فيما بعده. وكذلك، يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول؛ حين يشرع في الانتقال، ويمده حتى ينتصب قائمًا؛ هذا مذهبنا، ومذهب كافة العلماء، إلا مالكًا؛ فإنه قال: لا يكبر للقيام من التشهد الأول حتى يستوي قائمًا؛ وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز. وظاهر هذا الحديث يخالف ذلك؛ لأنَّ محلّ قوله: "حين يقوم من الثنتين، بعد الجلوس" قبل الاستواء للقيام، ويرجح -أيضًا- من جهة المعنى؛ بشغل زمن الفعل بالذكر، والله أعلم. وتقدم في الأحاديث قبله، وفي الكلام عليه؛ ما يتعلق بأحكامه، والله أعلم. * * *

стр. 467

الحديث السادس عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: صَليْتُ أَنا وَعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ ﵁، فَكانَ إذَا سَجَدَ كبَّرَ، وإذا رَفَعَ رَأْسَه كبَّرَ، وإذا نَهَضَ مِن الرَّكْعَتَيْنِ كبَّر؛ فَلَمّا قَضَى الصلاةَ، أَخَذَ بيَدِي عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَقالَ: ذَكَّرَني هَذا صَلاَةَ مُحَمدٍ ﷺ ، أَو قَالَ: "صلى بِنا صلاَةَ مُحَمدٍ ﷺ (١). أما مُطَرِّفٌ: فكنيته: أبو عبد الله بُن عبدِ اللهِ بنِ الشِّخير -بكسر الشين، وتشديد الخاء المشددة المعجمتين، وبالياء المثناة تحت، ثم الراء- بنِ عوفِ بنِ كعبِ بنِ وقدانَ بنِ الحرش -بفتح الحاء المهملة، وآخره شين معجمة-، التابعيُّ الجليلُ، البصريُّ العامريُّ، أخو أبي العلاء. مات سنة خمس وتسعين، اتفقا على إخراج حديثه في الصحيحين، وروى له: أصحاب السنن والمساند. اتفقوا على: ثقته، وجلالته، وورعه، وعقله، وأدبه، وكان مُجاب الدعوة؛ كان بينه وبين رجل كلام، فكذب عليه؛ فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبًا، فأمته، فخرّ مكانه ميتًا، فرفع ذلك إلى زياد، فقال: قتلت الرجل، فقال: لا، ولكنها دعوة وافقَتْ أجلًا (٢). وأما عمران، وعلي؛ فتقدما، والكلام عليهما.

стр. 468

وهذا الحديث يدل على: تمام التكبير في حالات الانتقالات؛ وهو الذي استقر عليه العمل، وأجمع عليه فقهاء الأمصار؛ كما تقدم، وتقدم الاختلاف في وجوبها؛ وهو مبني على: أن الفعل للوجوب، أم لا؟ وإذا لم يكن للوجوب، رجع البحث إلى: أن الفعل بيان للمجمل، أم لا؟ ومن ها هنا مأخذ من يرى الوجوب. والأكثرون على الاستحباب، فإذا قلنا به، فتركه، هل يسجد للسهو له إذا تعدد، أم لواحد منه، أم لا يسجد؟ فيه اختلاف، وليس لذلك تعلق بهذا الحديث، إلا أن يستدل به على: أن التكبيرات المذكورة سنة، مع انضمام أن المستحب مطلقًا يقتضي سجود السهو لتركه، فيصير المجموع دليلًا على ذلك، وأما التفرقة بين كون المتروك مرة، أو أكثر؛ فهو راجع إلى الاستحباب، وتخفيف أمر المرة الواحدة، ومذهب الشافعي: أن تركها لا يوجب السجود، والله أعلم. * * * الحديث السابع عَنِ البَراءِ بْنِ عازِب ﵄ قَالَ: رَمَقْتُ صَلاَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدتُ قِيامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فاعْتِدالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بينَ السجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ ما بينَ التسلِيمِ، والانْصِرَافِ؛ قَرِيبًا مِنَ السَّواءِ. وفي رواية البخاري: ما خَلا القِيامَ والقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّواءِ" (١). أما البراء؛ فتقدم ذكره. هذا الحديث بصراحته يدل على: تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع، والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع، وعن السجود،

стр. 469

ونحو هذا قد ثبت في "صحيح مسلم"، من رواية أنس، قال: ما صليتُ خلفَ أَحد أوجزَ صلاةَ؛ من صلاة رسول الله ﷺ ، في تمامٍ (١). ولا شك، أن قوله: "قريبًا من السَّواء"؛ يدل على بعضها، كان فيه طول يسير على بعض؛ وذلك في القيام، ولعله في التشهد كذلك؛ لأنه يقتضي: إما تطويل ما العادةُ فيه التخفيف، أو تخفيف ما العادةُ فيه التطويل، في القيام؛ كقراءة ما بين الستين إلى المئة في الصبح. وكما ثبت في قراءة صلاة الظهر؛ بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يتوضأ، ثمَّ يأتي رسول الله ﷺ ؛ وهو في الركعة الأولى؛ مما يطولها. وقد ثبت أنه ﷺ ؛ قرأ سورة المؤمنين، حتى بلغ ذكر موسى وهارون (٢)، وأنه ﷺ ؛ قرأ في المغرب بالطور (٣)، والمرسلات (٤)، وفي "صحيح البخاري": أنه قرأ فيها بالأعراف (٥)، وأشباه هذا. ويوافق هذا ما رواه مسلم، في رواية هذا الحديث؛ من عدم ذكر القيام، وما ذكره البخاري؛ كما ذكره المصنف: أن ما خلا القيام، والقعود؛ قريبًا من السواء. ومعلوم أن القيام يشمل قيام القراءة، وقيام الاعتدال، والقعود يشمل قعود التشهد، وقعود الجلوس بين السجدتين؛ فحينئذ يجمع بين الروايات كلها؛ بأنها

стр. 470

محمولة على اختلاف أحوال؛ ففي أوقات يطول، وفي أوقات يخفف. ذهب بعضهم إلى: أن التخفيف هو المتأخر من فعل النبي ﷺ ، بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الأحاديث: أن صلاته ﷺ كانت بعدُ تخفيفًا (١)، وأن الذي ذكره البخاري؛ وهو قوله: ما خلا القيامَ، والقعودَ، صحيح، وأن ذكر القيام في رواية الكتاب وَهْمٌ من الراوي. قال شيخنا أبو الفتح القاضي: وهذا بعيد عندنا؛ لأن توهيم الراوي الثقة، على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع بينه وبين الزيادة؛ على كونها وهمًا. وليس هذا من باب العموم والخصوص؛ حتى يُحمل العام على الخاص، فيما عدا القيام؛ فإنه قد صرح من حديث البراء، بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهما؛ بأن يكون فعل النبي ﷺ في ذلك كان مختلفًا؛ فتارة: يستوي الجميع، وتارة: يستوي ما عدا القيام، والقعود. وليس في هذا، إلا أحد أمرين: إما الخروج عما تقتضيه لفظة (كان) من المداومة، أو الأكثرية. وإما أن يقال: الحديث اختلف رواته عن واحد؛ فيقتضي ذلك: التعارض، ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرناه عنه؛ أنه نسب تلك الرواية إلى الوهم إلى من قاله؛ وهذا هو الوجه الثاني؛ أعني: اتخاذ الرواية أقوى من الأول، في وقوع التعارض، وإن احتمل غير ذلك، على الطريقة الفقهية. ولا يقال: إذا وقع التعارض؛ فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه من نفاه؛ وإن المثبت مقدم على النافي؛ لأنا نقول: الرواية الأخرى تقتضي بنصها: عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة -أعني: حالة القيام والقعود- عن بقية حالات أركان الصلاة؛ فيكون النفي، والإثباب: إذا انحصروا في محل

стр. 471

واحد، والنص والإثبات إذا انحصرا في محل تعارضا. إلا أن يقال باختلاف هذه الأحوال، بالنسبة إلى صلاة النبي ﷺ ؛ فلا يبقى فيه انحصار إلى محل واحد، بالنسبة إلى الصلاة، ولا يعترض على هذا إلا بما قدمناه؛ من مقتضى لفظة (كان)، أو كون الحديث واحدًا عن مخرج واحد اختلف فيه؛ فلينظر ذلك من الروايات، وتحقق الاتحاد، أو الاختلاف، في مخرج الحديث، والله أعلم، هذا آخر كلامه (١). أما أحكامه: ففيه دليل على: أن الرفع من الركوع ركنٌ طويل؛ لأنه لا ينافي أن تكون القراءة في الصلاة، فرضِها ونفلِها؛ بمقدار ما إذا فعل في الركوع، ويكون قصيرًا، والذي قاله في الحديث؛ من استواء الصلاة، ذهب بعضهم إلى: أنه الفعل المتأخر، بعد ذلك التطويل كما ذكرنا. وقد تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الاعتدال عن الركوع؛ هل هو قصير، أم طويل؟ والراجح عند الشافعية: أنه قصير. ولم يتكلم أصحاب الشافعي في الجلوس بين السجدتين؛ في طوله وقصره، وأنه على الخلاف، بل أطلقوا: أنه قصير، ومقتضى الحديث: أنه طويل؛ كالاعتدال عن الركوع. وفائدة الكلام في تطويل ما هو قصير: أنه هل يقطع الموالاة الواجبة من الصلاة، أم لا؟ ذهب بعض الفقهاء: أنه لا يبطل الصلاة، بل يجب عليه أن ينقل إليه ركنًا قوليًّا؛ كقراءة الفاتحة، ثم يركع، ثم يعتدل، والله أعلم. وفيه دليل على: أن تكون أفعالُ الصلاة مقاربةً بعضُها بعضًا في الطول والقصر؛ فلو طول بعضها على بعض جاز.

стр. 472

وفيه دليل على: استحباب الجلوس في مصلاه، بين التسليم والانصراف، بقدر قيام، أو ركوع، أو سجود. وفيه دليل على: أن التابع يستحب له أن يرمق أفعال متبوعه في صلاته، وعبادته؛ ليعمل بها، وينقلها، ولا يسأله باللفظ عنها؛ بل يحمل عنه كلفة الجواب، والتعليم بالقول، خصوصًا إذا تعلقت بالمتبوع تكاليف كثيرة، والله أعلم. وفيه دليل على: أن أفعاله ﷺ حجة؛ كأقواله، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ ثابِتٍ البُنانِي، عَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ: إني لا آلُو أَنْ أصَلِّيَ بِكُمْ؛ كما رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنا، قَالَ ثابِتٌ: فَكانَ أَنَسٌ يَصنعُ شَيْئًا لا أَراكُمْ تَصنَعُونَهُ؛ فَكانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكوعِ، انْتَصَبَ قائِمًا، حَتى يقُولَ القائلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإذا رَفَعَ مِنَ السَّجْدَةِ، يَمْكُثُ، حَتَّى يقُولَ القائِلُ: قَدْ نَسِيَ (١). أما أنس؛ فتقدم. وأما ثابت: فكنيته: أبو محمَّد بن أسلم، تابعي جليل، عابد ثقة، بصري. سمع جماعة من الصحابة؛ كابن الزبير، وابن عمر، وابن مغفل، وغيرهم، وخلقًا من التابعين. وروى عنه: جماعة من التابعين الصغار، وخلق سواهم. اتفقوا على توثيقه؛ وهو أحد الثلاثة الذين هم أثبتُ الناس في أنس:

стр. 473

الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت، وكان من تابعي البصرة، وزهَّادهم، يتثبت في الحديث، من الثقات المأمونين المحدثين، صحيح الحديث، وأحاديثه مستقيمة، وما وقع من النكرة فيها؛ فهو من الراوي عنه. قال أنس ﵁: إن للخير أهلًا، وإن ثابتًا من مفاتيح الخير (١). وقال حماد بن سلمة: كان ثابت يقول: اللهم إن كنتَ أعطيتَ أحدًا الصلاةَ في قبره، فأعطني الصلاة في قبري (٢). وكان حماد أروى الناس عن ثابت؛ فيما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وروى أن ثابتًا رئي في قبره يصلي، مات سنة ثلاث، وقيل: سبع وعشرين ومئة. روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند. قال علي -هو ابن المديني-: له نحو مئتين وخمسين حديثًا (٣). وأما البُناني: فهو -بضم الباء الموحدة، وفتح النون، ثم ألف، ثم نون، ثم ياء النسب- نسبة إلى بُنانة، قيل: هي أمُّ سعدِ بن لؤي، وقيل: بل أمه حضنت لسعد بنيه، وقيل: بل هي: بُنانة أم بني سعد بن ضبيعة بن نزار، وللبناني: مشابه سبعة في الأنساب؛ مذكورة في "المختلف والمؤتلف". وقوله: "لا آلو"؛ أي: لا أقصِّر، والألُوُّ: بمعنى التقصير، وبمعنى الاستطاعة، والسياق يرشد إلى المراد، والألو على مثال: العتوّ، ويقال: الأَلِيّ على مثال: الغَنِي، والماضي: آلى، مخففًا، وقد يقال: بهذا المعنى، إلا مشددًا؛ وكلاهما صواب، يقال: آلى الرجل، وألي: إذا قصر، وترك الجهد (٤).

стр. 474

وقوله: "أن أصلي"؛ أي: في أن أصلي. وإنما قدم أنس ﵁ هذا القول على روايته؛ لما رأى رسول الله ﷺ يفعل؛ ليدل السامعين على: الحفظ، والاهتمام به، وليحقق عندهم المراقبة؛ لاتباع أفعاله ﷺ . وقوله: "حتى يقولَ القائلُ: قد نسيَ"؛ تنبيه على: تطويل فعله ﷺ . وقوله: حتى يقول القائل؛ في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، على العادة فيه، والمشروع؛ فيحمل القائل فعله ﷺ على النسيان، لا على المشروع. وفي هذا الحديث نص صريح على أن الاعتدال من الركوع ركن طويل، وكذلك الجلوس من السجدة الأولى، فلا يجوز العدول عنه لقول من قال: إنهما ركن قصير؛ بدليل أن التسبيحات لم يسن فيه استرسالًا كما سنت القراءة في القيام، والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقًا. وفيه دليل: على إحياء السنن إذا أميتت، والإنكار على مخالف السنة. وفيه: البيان بالفعل، والتنبيه عليه بالقول، والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ أنس بْنِ مالِكِ ﵁ قَالَ: ما صلَّيْتُ وَراءَ إمامٍ قَط أَخَفَّ صَلاةً، وَلا أتَمَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). اعلم أن المطلوب في كل أمر العدلُ، وهو الوسطُ في كل شيء، وهذا الحديث من هذا، فيدل على طلب أمرين في الصلاة: التخفيفُ في حق الإمام، مع الإتمام، وعدم التقصير، وذلك هو الوسط العدل، والميلُ إلى أحد الطرفين

стр. 475

خروجٌ عنه، فالتطويل في حق الإمام إضرارٌ بالمأمومين، وتقدم حكمه وعلته، والتقصير عن الإتمام بخسٌ لحقِّ العبادة، وليس المرادُ بالتقصير هنا تركَ الواجبات؛ فإن تركها مفسدٌ للصلاة، موجبٌ لنقصها، فيرفع حقيقتها، بل المراد -والله أعلم- التقصيرُ من المسنونات، والتمامُ بفعلها، والله أعلم. فينبغي للإمام التوسطُ في ذلك، ويكون حاله دائمًا بين التفريط والإفراط؛ لأنه إذا كان هذا في الصلاة التي هي أجلُّ أركان الإسلام، فما ظنك بغيرها من العبادات والعادات، كيف وهو قدوةٌ للناس؟ والله أعلم. * * * الحديث العاشر عَنْ أَبِي قِلابةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الجرمِيِّ البَصرِيِّ، قَالَ: جاءَنا مالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ في مَسجِدِنا هَذا، فقالَ: إني لأصلِّي بِكُمْ وَما أُرِيدُ الصَّلاةَ، أصلِّي كيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لأَبي قِلابةَ: كيْفَ كانَ يُصَلي؟ قَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنا هَذا، وَكانَ يَجْلِسُ إذا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ (١). * أما أبو قِلابةَ: فهو تابعيٌّ، ثقة، جليل، موصوف بالفقه، والعقل، والصلاح، سمع جماعةً من الصحابة والتابعين، وكان كثيرَ الحديث. قال مسلمُ بنُ يَسار: لو كان أبو قلابةَ من العجمِ، كان موبذ موبذان، يعني: قاضي القضاة بالعربية (٢). قال علي بن المديني: أبو قِلاتة عربي من جَرْم، واسمه عبد الله بن زيد بن عمر، ومات بالشام، وأدرك خلافة عمر بن عبد العزيز.

стр. 476

وقال ابن يونس: قدم أبو قلابة مصر زمنَ عمرَ بنِ عبد العزيز بن مروان، وتوفي بالشام سنة أربع ومئة. وروى له البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمساند (١). وأما الجرمي: -بفتح الجيم وسكون الراء ثم الميم ثم ياء النسب- فنسبة إلى جَرْم- جدِّ من أجداده -بن ريان- بالراء- هم المشاة تحتد المشددة بن حلوان بن عمران بن الخاف بن قضاعة. وأما البصري: -بفتح الباء الموحدة وكسرها، ثم الصاد المهملة، ثمَّ الراء ثمَّ ياء النسب- نسبة إلى البصرة -بفتح الباء وكسرها وضمها، ثلاث لغات حكاهن الأزهري، المشهور الفتح، وَلم يذكروا في النسبة الضم؛ خوفًا من الاشتباه بالنسبة إلى بُصرى البلدة المعروفة بالشام، وطلبًا للتخفيف-. والبَصرة: بلدة داخلة في حد سواد العراق، وليس لها حكمه؛ لأنها أحدثت بعد فتحه ووقفه، ويقال لها: البُصيرة -بضم الباء وفتح الصاد- على التصغير، ويقال: تدمر، والمؤتفكة. قال السمعاني: ويقال لها: قبة الإسلام، وخزانة العرب، بناها عتبة بن غزوان في زمن عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة، وسكنها الناس سنة ثمان عشرة، ولم يُعبد صنم قط في أرضها (٢). * وأما مالك بنُ الحويرث: فكنيته أبو سليمان، ويقال في اسم أبيه: الحارث، وحويرثة تأنيث حويرث تصغير حارث، صحابي ليثي، قدم على

стр. 477

النبي ﷺ ، فأسلم وأقام عنده أيامًا، ثم أذن له في الرجوع إلى أهله. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة عشر حديثًا، اتفقا على حديثين، وللبخاري حديث واحد. نزل البصرة، وتوفي بها سنة أربع وتسعين، وروى له أصحاب السنن والمسانيد (١). * وأما شيخُهم المذكورُ في الحديث، فاسمه عمرو بن سَلِمة -بكسر اللام-، أبو بريد -بضم الباء الموحدة وفتح الراء- الجرمي، إمامهم، ممن نزل البصرة، ولم يلق النبي ﷺ ، ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه سلمة على النبي ﷺ ، وقيل: إن ابنه عمر وفد معه، لكنه غريب. وروى عنه جماعةٌ من التابعين، روى له البخاري، وأبو داود، والنسائي (٢). * وأما حديثُ مالكِ بنِ الحويرثِ هذا: فانفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، وليس ذلك من شرط هذا الكتاب، وأخرجه البخاري من طرق منها: رواية وهيب، وأكثر ألفاظ رواية الكتاب فيها، وفي آخرها في كتاب البخاري: وإذا رفعَ رأسَه من السجدةِ الثانيةَ، جلسَ واعتمدَ على الأرض، ثم قام (٣). وفي رواية خالد، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث الليثي: أنَّه رأى

стр. 478

النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدًا (١). * وأما ألفاظه ومعانيه: فقوله: "إني لأُصلِّي بكم وما أريدُ الصلاةَ"، معناه: أصلي صلاة لقصدِ التعليم، لا لغيره من مقاصد الصلاة، ولا شك أن الصلاة تُراد لمقاصد أتى الشرع بها، منها هذا القصد؛ لصلاته ﷺ بالنَّاس على المنبر، فإذا أراد السجود، هبط فسجد على الأرض، ثم صعد، إلى أن أتم صلاته ﷺ ، وكان فعله ذلك لقصد التعليم، ففي ذلك جميعه دليلٌ على جواز فعل مثل ذلك، وليس هو من باب التشريك في العمل. قوله: "أصلِّي كيفَ رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصلِّي" دليلٌ على البيان بالفعل، وأنه جارٍ مجرى البيان بالقول، وإن كان البيان بالقول أقوى في الدلالة على آحاد الأفعال إذا كان القول ناصًّا على كل فرد منها. وقوله: "وكانَ يجلسُ إذا رفَع رأسَه من السُّجود قبلَ أن ينهضَ": هذا الجلوس هو أحدُ جلسات الصلاة عقب سجود الركعة الأولى والثالثة من الرباعية، ويسمى عند الفقهاء بجلوس الاستراحة، هو جلوس رابع في الصلاة الثلاثية والرباعية، وحكمه الجلوس مفترشًا عند الشافعي، ومن قال باستحبابه، وللشافعي قول: إنه لا يشرع، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما. وهذا الحديث دليل للاستحباب، وحجة على من قال بعدمه، وحمل هؤلاء الحديث على أنها إنما فعلت لسبب الضعف للكبَر، لا أنها مقصودة لقصد القربة، وقد فصل بعض أصحاب الشافعي في استحبابها بين الشاب القوي والشيخ الضعيف، فقال: لا تستحب للشاب، وتستحب لغيره. وقد روي عن المغيرة بن حكيم: أنه رأى عبدَ الله بن عمر يرجع من سجدتين من الصلاة على صدور قدميه. قال: فلما انصرف، ذكر ذلك له، فقال: إنها

стр. 479

ليست بسنة الصلاة، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (١). وفي حديث آخر في فعل ابن عمر أنه قيل في ذلك. قال: إن رجليَّ لا تحملاني (٢). والأفعال إذا كانت للجِبِلة، أو ضرورة الخلقة لا تدخل في أنواع القرب المطلوبة، فإن تأيَّد هذا التأويل بقرينة تدل عليه؛ مثل أن أفعاله السابقة على حالة الكبر والضعف، لم يكن فيها هذه الجلسة، أو يقترن فعلها بحالة الكبر، من غير أن يدل دليل على قصد القربة، فلا بأس بهذا التأويل. وقد رجح في علم الأصول أن ما لم يكن من الأفعال مخصوصًا بالرسول، ولا جاريًا مجرى أفعال الجبلة، ولا ظهر أنه بيان لمجمل، ولا علم صفته من وجوب أو ندب أو غيره، فإما أن يظهر فيه قصد القربة، أو لا، فإن ظهر، فمندوب، وإلا فمباح. لكن لقائل أن يقول: ما وقع في الصلاة، فالظاهر أنه من هيئتها، لا سيما الفعل الزائد الذي تقتضي الصلاة منعه، وهذا أقوى، إلا أن تقوم القرينة على أن ذلك الفعل كان بسبب الكبر أو الضعف، فيظهر حينئذٍ بتلك القرينة أن ذلك أمر جبليّ، فإن قوي باستمرار عمل السلف على ترك الجلوس، فهو زيادة في الرجحان للترك، مع أن في فعلها تنبيهًا على الاستعانة على النشاط في القيام للصلاة، وإظهار التضعف بين يدي الله تعالى، ولهذا إذا نهض إلى القيام، يقوم كالعاجز، لا كالفاره، فهو أقرب إلى الخشوع الذي هو جل مطلوب الصلاة، والله أعلم.

стр. 480

الحديث الحادي عشر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مالِكٍ ابْنِ بُحَيْنةَ ﵃: أَن النبي ﷺ كانَ إذا صلى "فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتى يَبْدُوَ بَياضُ إبْطَيْهِ" (١). أما عبدُ الله بنُ مالكٍ ابْنُ بُحينةَ. فكنيته أبو محمد، أسلم، وصحب النبي ﷺ قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر. * وأما أبوه مالك، فله صحبة، وكان حالفَ المطلبَ بنَ عبدِ مناف، فتزوج بُحينة، وهي ابنةُ الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله. قال ابن سعد: واسمُها عبدة بنتُ الحارث، وهو الأرت، وأسلمت بحينة، وبايعت رسول الله ﷺ . وأبو مالك: هو ابن القِشْب -بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة، وآخره باء بواحدة -وهو جندب بن نضلةَ بنِ عبد الله بن رافع، أزديٌّ من أزد شنوءة، توفي عبد الله في آخر خلافة معاوية. بُحينة -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة وسكون الياء المثناة، وفتح النون، ثم هاء التأنيث -هي أم عبد الله، وهو أحد المنسوبين إلى أمهاتهم. وغلط بعضُهم فجعلها أمَّ مالك، وهو وهم، إنما هي امرأته أم عبد الله، فعلى هذا يقال: عبدُ الله بنُ مالكٍ -بالجر منونًا-، ويكون ابنُ بحينةَ صفةً لعبد الله، لا لمالك، فيرفع إن كان عبد الله مرفوعًا، ويجر إن كان مجرورًا، وينصب إن كان منصوبًا، ويكتب (ابن) بالألف؛ لأنه ليس بين علمين؛ فإنه لا يحسن حذفها عندَ الكتاب إلا إذا كانت بين علمين [وليست] صفة للأول، فإذا كانت بين علمين صفة للأول منهما؛ فلا بد من كتابته بالألف؛ تنبيهًا على ذلك؛ كعبد الله بن أُبي

стр. 481

ابن سلول، والله أعلم، وكذلك كل ما أشبه ذلك، والله أعلم. وأمَّا إذا كان بين علمين ليس الثاني منهما أبا للأول، بل أمه، فإنه لا يكتب بالألف، ولا ينصرف الثاني، فلا يجر ولا ينون، بل يكون مفتوحًا، ويكون الفتح علامة للجر، إلا إذا أضيف، فإنه يجر، ولا ينون؛ كمحمد بن حبيبَ صاحبِ كتاب "المحبر في المختلف والمؤتلف في قبائل العرب"، فإن حبيبَ أمه، فلا ينصرفُ؛ للتأنيث، والعلمية، ومثله محمد بن شرفَ القيرواني الشاعر المجيد، فإن شرفَ أمُّه، ولذلك نظائر كثيرة، والله أعلم. روى البخاري ومسلم لعبد الله بن مالك ابن بحينة أربعة أحاديث. روى عنه الأعرجُ، وحفص بن عاصم بنِ عمرَ بن الخطاب، وابنُه عليُّ بن عبد الله ابنِ بُحينةَ، وروى [له] أصحاب السنن والمساند، والله أعلم (١). قوله: "فرّج بينَ يديه" بتشديد الراء؛ يعني: رفعَهما عن جنبيه حال وضع كفيه على الأرض وبعدَه، حتى يرفع من السجود، ويسميه الفقهاء: مجافاة المرفقين عن الجنبين، ويسمى -أيضًا-: تحوية. وقوله: "حتى يبدو بياض إبطيه"؛ يعني: يبالغ في رفع مرفقيه وساعديه عن الأرض مبالغة بحيث يَرى الأجنبي بياضَ إبطيه لشدة رفعهما، والمعنى فيه:

стр. 482

إعمال اليدين في الصلاة، وإخراج هيئتهما إلى صفة الاجتهاد عن صفة التكاسل والاستهانة، ولفظ الحديث في الكتاب ليس مقيدًا بالسجود، فدخل فيه الركوع -أيضًا-؛ لأنَّ قوله: "كان إذا صلى، فرج"، فيشمل الركوع والسجود، والحكم فيهما كذلك عند الفقهاء، وقد يلزم من ذلك الحمل على الجبهة في السجود، كما ذكره بعض الفقهاء، وقد خصص الفقهاء المجافاة والتحوية بالرجال، وقالوا: المرأة تضم بعضها إلى بعض؛ لأنَّ المقصود منها التصون والتجمع والتستر، وتلك الحالة أقرب إلى هذا المقصود. ففي الحديث دليل على: شرعية المجافاة عن الجنبين، وعدم بسطهما على الأرض؛ فإنه لا يرى بياض الإبطين مع بسطهما. وفيه: الاقتداء بفعله كما يُقتدى بقوله. وفيه: التحامل على الجبهة في السجود، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عشر عَنْ أَبِي مَسلَمَةَ سَعِيدِ بن يَزِيدَ، قَالَ: سألتُ أَنس بن مالِكٍ: أَكَانَ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي في نَعلَيه؟ قَالَ: نَعَمْ (١). * أما أبو مسلمةَ: فهو ثقة، محتج به في الصحيحين، وغيرهما، وهو أزدي بصري تابعي صغير، ويقال له: الطاحي القصير، والطاحي -بالطاء والحاء المهملتين- نسبة إلى طاحية: بطن من الأزد، واسم جده مسلمة، فهو أبو مسلمة سعيدُ بن يزيد بن مسلمة. وقال أبو حاتم بن حبَّان في التابعين من "ثقاته": كنيته أبو مسلمة الطحان،

стр. 483

وما أظن قوله: الطحان إلا تصحيفًا، وصحفه غيره بالطائي، والله أعلم (١). * وأما أنس، فتقدم ذكره. النعل: معروف، والصلاة فيه جائزة، لكن لا توصف بالاستحباب؛ لكونه خارجًا عن المعنى المطلوب في الصلاة، وهوَ عدمُ الزينة الشاغلة عن أشكال هيئة الجلوس والسجود ونحوهما، فإن قيل: إن لبسهما من باب التزين للصلاة، والتجمل لها؛ كالأردية والثياب الحسنة، فيكون مستحبًا. فالجواب: إن التزين والتجمل إنما يستحب إذا لم يكن مانع من إلهاءٍ؛ كالخميصة، أو تلبُّسٍ بقذرٍ أو وسخِ غالبًا؛ كالنعال، فتنحط رتبة الصلاة فيها عن الاستحباب، وينتفي الجواز، مع أنَّه لم يرد نص خاص في التزين والتجمل في الصلاة، وإنما هما داخلان في عموم قوله ﷺ : "اللهُ أَحَقُّ من تزينَ لَهُ" (٢)، "إن اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال" (٣)، ومراعاة مصالح الصلاة من أمر النجاسة والقذر أولى من مراعاة التزين والتحسين، فإن الأول من باب الضرورة، والثاني من رتبة الحاجة، فرعاية الأول أولى، فيكون أرجح، فيعمل بالحديث في الجواز ما لم يمنع منه مانع، وفي عدم الاستحباب، والله أعلم. وقد يستدل بالحديث على جواز العمل بالأصل في حكم الطهارة والنجاسة، وقد اختلف الفقهاء في تعارض الأصل والظاهر أيهما يقدم؟ والتحقيق فيه: إن كان الغالب الظاهر، اتبع، ما لم يعارضه غيره، وإلا عمل بالأصل، ولا شك أنه

стр. 484

قد جاء في الحديث النظر إلى النعلين ودلكهما بالأرض، ودل ذلك على أن دلكهما طهور لهما، وليس ذلك من باب تعارض الأصل والغالب، وإنما هو من باب البيان؛ كما لو صلى فيها من غير دلك، مع أن الأصل عدم الدلك، لكن النبي ﷺ إذا أمر بشيء، لم يترك، والظن المستفاد من الدلك أرجحُ من عدمه، والله أعلم. وفيه دليل على: السؤال عن العلم، وأنه يكفي في الجواب: نعم، فقط، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عشر عَنْ أَبي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ حامِلٌ أُمامَةَ بْنةَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأبي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شمسٍ، فَإذا سَجَدَ، وَضَعَها، وإذا قامَ، حَمَلَها (١). * أما أبو قَتادةَ، فتقدم ذكره في باب الاستطابة. * وأما أُمامةُ: فهي كما ذكر أنها ابنةُ بنتِ رسول الله ﷺ ، ولدت على عهد رسول الله ﷺ ، وكان يحبها، ويحملها على عنقه في الصلاة، وأُهديت لرسول الله ﷺ هدية فيها قلادة من جزع، فدعا ﷺ أمامةَ بنت زينب فأعلقها في عنقها، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة ﵂، زوجها منه الزبير بن العوام، وصيُّ أبيها أبي العاص عليها، فلما قتل علي، وآمت منه أمامة، تزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، زوجها منه الحسن بن علي بعد أن خطبها معاوية فلم تجب إليه، وهلكت عند المغيرة،

стр. 485

وليس لها عقب، وقيل: لم تلد لعلي ولا للمغيرة، وقيل: ولدت للمغيرة ولدًا اسمه يحيى، وبه يكنى (١). * وأما أمها زينب: فهي ابنةُ رسول الله ﷺ -كما ذكر-، وهي أكبر بناته. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا لا خلاف فيما علمته في ذلك، إلا ما لا يصح، ولا يلتفت إليه، وإنما الاختلاف بينها وبين القاسم أيهما وُلد أولًا؟ فقالت طائفة من أهل العلم بالنسب: القاسم، ثم زينب، وقال الكلبي: زينب، ثمَّ القاسم. وكان رسول الله ﷺ محبًا لها، وأسلمت، وهاجرت حين أبي زوجُها أبو العاص بن الربيع أن يسلم، وولدت منه غلامًا يقال له: علي، وجارية اسمها: أمامة. ولدت زينب ﵂ سنة ثلاثين من مولد النبي ﷺ قبل النبوة بعشر سنين، وماتت سنة ثمان من الهجرة في حياة النبي ﷺ ، وهي ابنة ثلاثين سنة (٢). * وأما أبو العاص بنُ الربيع: فهو صهر رسول الله ﷺ زوجُ ابنته، واسم جده أبي أبيه: عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، كان يقال له: جرو البطحاء، واختلف في اسمه، فأكثر المشهور: لقيط، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وأمه: هالة أختُ خديجة ﵂ بنتُ خويلد بن أسد؛ لأبيها وأمها.

стр. 486

وكان أبو العاص هذا مؤاخيًا لرسول الله ﷺ ، مصافيًا، وشكر له رسول الله ﷺ مصاهرته، وأثنى عليه بذلك خيرًا. وهاجرت زينب ﵂ مسلمةً، وتركته على تركه، فلم يزل مقيمًا عليه حتى كان قبل الفتح، خرج في تجارة إلى الشام، أصيب في سرية لرسول الله ﷺ أميرهم زيدُ بنُ حارثة، فأسروا ناسًا من العير التي هو فيها، وأفلت هاربًا إلى المدينة، وأجارته زينب، فأجاره رسول الله ﷺ ، واستوهب له رسول الله ﷺ ما كان معه من المال من السرية في قصة طويلة، ورجع إلى مكة، وأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله، وأسلم بمكة بحضرة قريش، وأخبرهم أنَّه لم يمنعني من الإسلام إلا تخوف أن تظنوا أني أحل أموالكم، فلما أداها الله إليكم، أسلمت، ثم خرج حتى قدم على رسول مسلمًا، وحسن إسلامه، ورد رسولُ الله ﷺ ابنته عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث شيئًا بعد ست سنين، وروي أنه ﷺ ردها بنكاح جديد، والأول أصح وأشهر، والله أعلم (١). وأما قوله: "أبو العاص بن الربيع"، هكذا هو في "صحيحي البخاري ومسلم، وعند أكثر رواة "الموطأ": ابن ربيعة، وكذا رواه البخاري عن مالك: أبو العاص بن ربيعة، والصحيح المشهور هو الأول. وقال القاضي عياض: وقال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده، قال القاضي: وهذا الذي قاله غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع، على ما ذكرنا أولًا، والله أعلم (٢).

стр. 487

وأما قوله: ولأبي العاص بن الربيع، دون نسبة أمامة إليه، وإنما نسبها إلى أمها؛ تنبيهًا على أن الولد إنما ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا؛ لأنه ﷺ لما حملها، كان أبوها مشركًا، وهو قرشي عبشمي، وكانت أمها أسلمت، وهاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وهي قرشية هاشمية، فنسبها إليها دونه، وبين بعبارة لطيفة أنها لأبي العاص بن الربيع؛ تحريًا للأدب في نسبتها ونسبها مع رسول الله ﷺ ونسبه، والله أعلم. ثم الكلام يتعلق بهذا الحديث بوجهين: الأول: حمل الطفلة في الصلاة، وإباحته. الثاني: طهارة ثوبها. والكلام في الأول في بحثين: الأول: أن حملها كان بغير تعمد منه ﷺ في الصلاة، بل كانت تتعلق به ﷺ ، فلم يدفعها، فإذا قام بقيت معه، قاله الخطابي، قال: ولا يتوهم أنه حملها ووضعها مرة بعد أخرى عمدًا؛ لأنه عمل كثير يشغل، وإذا كان عمل الخميصة شغله، فكيف لا يشغله هذا (١)؟! والجواب عن ذلك: أنه دعوى مجردة يردُّها ما ثبت في الصحيح في هذه الرواية وغيرها: أنه كانَ إذا سجدَ وضعَها، وإذا قام حملها، وفي غيره: خرج

стр. 488

علينا حاملًا أُمامةَ، فصلَّى وهي على عاتِقِه (١)، وكل هذا يدل على أنه ﷺ تعمَّدَ حملَها بيانًا لجواز مثل هذا. وأما الخميصة: فإنها تشغل القلبَ بلا فائدة، بل هي مجرد زينة مُلهية، بخلاف حمل الصبية، فإنه لا يلزم من حملها في الصلاة شغلُ القلب، وإن شغل، فإنه يترتب عليه فوائد، وبيان قواعد أكثر من شغل القلب بالصبية، بخلاف الخميصة. الثاني: لم يقل أحد بتخصيص جواز حمل الصبية دون غيرها من الصبيان والرجال وسائر الحيوان في الصلاة إذا حكمنا بطهارة ذلك كله. واستدل الشافعي، ومن قال بقوله بهذا الحديث على جوازه في الفريضة والنافلة؛ فإنه ثبت في بعض طرقه في "صحيح مسلم": أنه حملها في صلاة كان يؤم الناسَ فيها في المسجد (٢)، وهو ظاهر في الفريضة، وإذا جاز في الفريضة، كان في النافلة أولى؛ فإنه يحمل في النافلة ما لا يحمل في الفريضة، وحكم المأموم في ذلك والمنفرد حكمُ الإمام. وحمل بعض المالكية الحديثَ في جواز الحمل على النافلة دون الفريضة، وادعى بعضهم أنه منسوخ في الفريضة، وبعضهم: أنه خاصٌّ بالنبي ﷺ ، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكلها أقوال مروية عن مالك، غير القول بأنه خاص بالنبي ﷺ ، وكلها دعاوى لا دليل على صحتها، ولا ضرورة إليها، بل الحديث الصحيح الصريح يقتضي جوازه في الفريضة، وأنه كان ذلك في صلاة ظهر أو عصر، وأنه ﷺ خرج عليهم حاملًا أُمامةَ، وأنهم كانوا ينتظرونه لها، والأصل عدم النسخ والتخصيص، والضرورة؛ إذ كل واحد منها لا يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل، فإن أريد بالنسخ تحريم العمل في الصلاة، والكلام فيها، قلنا: ليس

стр. 489

هذا من ذاك، فإن قوله ﷺ : "إن في الصلاةِ لَشُغْلًا" (١) كان قبل قدوم زينب وابنتها إلى المدينة، فإنه كان عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة قبل بدر، وقدومُ زينب وابنتِها إلى المدينة بعدَ ذلك، ولو ثبت أنه بعده، لكان فيه إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يجوز، مع أن الأصل استواءُ الفريضة والنافلة في الشرائط والأركان، ولم يقل أحد بالفرق بينهما في ذلك، إلا في جواز النافلة جالسًا، أو على الدابة في السفر، وليس حملُ الصبية من ذلك، وإلا لبينوه كما بينوا غيره، ونقلوه، والقياسُ لا يصح في ذلك، وهو ممنوع هنا، وقد بينا عدمَ الضرورة. وقد فرق بعض أتباع مالك بين أن تكون الحاجة إلى حمل الصبية شديدة؛ بحيث لا يجد من يكفيه ذلك، أو يخشى على الصبي، فيجوز حمله في الفريضة والنافلة، وبين أن يكون حمله على معنى الكفاية لأمه لشغلها بغير ذلك، فيجوز في النافلة دون الفريضة. والجواب عن ذلك: أن الأصل استواءُ الفريضة والنافلة في الشرائط والأركان، إلا ما خصه الدليل. الوجه الثاني: طهارةُ بدنها وثوبها، ولا شك أن الناس يعتادون تنظيف ثياب الصبيان وأبدانهم في مثل هذا الحال، خصوصًا صلاة النبي ﷺ ، ولو كان الأصل فيهم الطهارة، والغالب النجاسة، لكان الغالب في مثل هذا الحال العادة، وهي التنظيف، فيعادل الغالب بالعادة، ونفي الأصل، وهو الطهارة، فرجحت، مع أن قصة حمل أمامة وطهارة ثوبها وبدنها قضية حال، فلا تعم، فيكون الحال التي صلى بها محمولةً وقع فيها التنظيف؛ إما لتخصيصه ﷺ لجواز علمه بعصمة الصبية من البول حال حملها، أو لتعمد تنظيفها في تلك الحال على العادة، وكلاهما يوجب صحة انصلاة مع حملها، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع، فإن الآدمي طاهر، وطهارة ظاهره ممكن، وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه؛

стр. 490

لكونه في باطنه ومعدته، كيف وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متظاهره على هذا. ثمَّ بعد ذلك بحث من حيث إن كثرة الأفعال في أصل الصلاة يبطلها، لكن إذا كانت الأفعال كثيرة متوالية، أما إذا كانت قليلة أو كثيرة متفرقة، فإنها لا تبطلها، وفِعْلُ النبي ﷺ في هذا الحديث من الثاني، فإنها أفعال متعددة متفرقة، فهو دليل على جواز ذلك، والله أعلم. وفي الحديث مسائل: منها: جواز الصلاة، وهو حامل غيره من الآدميين وغيرِهم، كما بيناه. ومنها: أن ذلك شرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين. ومنها: أن ثياب الصبيان وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق النجاسة. ومنها: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وأن الأفعال إذا تعددت ولم تتوال، بل تفرقت، لا تبطل الصلاة. ومنها: التواضع مع الصبيان وسائر الضعفة ورحمتهم وملاطفتهم. ومنها: جواز حملهم في صلاة الفريضة والنافلة، كما بيناه. ومنها: أن شغل القلب [في] مثل ذلك في الصلاة معفو عنه. ومنها: إكرامُ أولاد المحارم -كالبنات والأخوات ونحوهم-: بالحمل، ومؤانستهم؛ جبرًا لهم ولآبائهم وأمهاتهم. وقد يستدل به على أن مسهم لا ينقض الوضوء، لو سُلِّم أنه مسه بلا حائل، وأنه ممن يشتهى. أما المسُّ بحائل، وإن كان لا يمنع الروية كالشعرية، أو لمن لا يشتهى، أو كان في سن من تشتهى، وهو محرم، فلا ينتقض على الصحيح، والله أعلم. * * *

стр. 491

الحديث الرابع عشر عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، عَنِ النبي ﷺ ، قَالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِراعَيْهِ انْبِساطَ الكَلْبِ" (١). * أما أنس، فتقدم ذكره. وأما قوله ﷺ : "اعتدلوا في السُّجودِ": معناه راجع إلى الاعتدال المعنوي المرادِ للشرع في السجود، وهو وضعُ الكفين على الأرض، ورفعُ المرفقين عن الأرض وعن جَنبيه، رفعًا بليغًا؛ بحيث يظهر بياض إبطيه إذا لم تكن مستورة. والحكمةُ في ذلك أنه أشبه بالتواضع، وأبلغُ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعدُ من هيئة الكسالى، وليس المراد منه الاعتدالَ الخِلقي المطلوب في الركوع، فإن المراد فيه استواءُ الظهر والعُنُق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي مع ما تقدم، حتى لو تساويا، بطلت الصلاة على الأصح من الوجهين عند أصحاب الشافعي، ولهذا نهى عقب ذلك عن بسط ذراعيه انبساطَ الكلب؛ لكونه منافيًا لمقصود الشرع، فإنه ذكر الحكم مقرونًا بعلته. وقوله ﷺ : "ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلبِ": انبساطُ الكلب هو كالتتمة للأول، فإن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال المطلوب للشرع علة لترك انبساط الكلب، فذكر الحكم مقرونًا بعلته؛ تنبيهًا على الأشياء الخسيسة المشبهة بفعل الكلب؛ ليُترك في الصلاة؛ فإن المنبسط يُشعر حالُه بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، ومثل هذا قوله ﷺ : "العائدُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يعودُ في قَيئهِ" (٢)،

стр. 492

فإنَّه ﷺ لما قصدَ التنفير عن الرجوع في الهبة، شبهه برجوع الكلب في قيئه، والله أعلم. وجاء المصدر في هذا الحديث مخالفًا لفعله، فإنَّه من الثلاثي، والانبساط من الخماسي، وهو جائز أن يكون المصدرُ مخالفًا لفعله في صيغته، وهو في القرآن العزيز في قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي سورة نوح ﷺ : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والله أعلم. وفي الحديث: الأمرُ بالاعتدال في السجود على الوجه المشروع. وفيه: النهيُ عن التشبه بالأفعال الخسيسة. وفيه: إضافة الخسيس إلى أهله، وأنه جائز لقصد التنفير عنه، والله أعلم. * * *

стр. 493

باب وجوب الطُّمَأْنينة في الركوع والسجود عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ فسلَّمَ عَلَى النبي ﷺ ، فَقالَ: "ارجِعْ فَصَلِّ، فإنكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ فَصَلَّى كَما صلَّى، ثُمَّ جاءَ فسلَّمَ عَلَى النبِي ﷺ ، فَقالَ: "ارجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاثًا، فَقالَ: والذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما أحسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقالَ: "إذا قُمْتَ إلَى الصلاةِ، فَكَبّر، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حَتى تَطْمَئِن راكِعًا، ثُمَّ ارفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسْجُد حَتى تَطْمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حَتَّى تَطْمَئِن جالِسًا، وافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاتكَ كُلها" (١). تقدم ذكرُ أبي هريرة. وأما الرجلُ المبهَم في هذا الحديث، فلم أعلم أن أحدًا سماه في المبهمات إلا الحافظَ أبا القاسم خلفَ بنَ بشكوال؛ فإنه قال: اسمُه خَلاد، لكنه ذكر الحديث من رواية رفاعة (٢)، ويسمي الفقهاء هذا الحديث: حديثَ المسيء صلاته. واعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليها، ومختلف فيها، وليس هذا الحديث موضوعًا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي

стр. 494

وجهله في صلاته، وقد استدل به الكثير من الفقهاء على أن ما ذكره ﷺ فيه فهو واجب، وما لم يذكره فيه ليس بواجب، وليس الحديث موضوعًا لبيان سنن الصلاة اتفاقًا، فالنية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة واجباتٌ مجمَع عليها، وليست مذكورة في الحديث، والتشهدُ الأخير، والصلاةُ على النبي ﷺ فيه، والسلام من المختلفَ فيه، أوجب هذه الثلاثة: الشافعي، والجمهور، قالوا بوجوب السلام منها، وكثيرون قالوا بوجوب التشهد، والشعبي، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأصحاب الشافعي قالوا بوجوب الصلاة على النبي ﷺ ، وأوجبَ جماعة من الشافعية نيةَ الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد التشهد الأول، وكذا التسبيح، وتكبيرات الانتفال. فالجواب: عما استدل له الكثير من الفقهاء من أن المذكور في الحديث واجب، وغيره ليس بواجب، مع ما ذكرنا من الواجبات المجمَع عليها والمختلف فيها: أن المجمَع عليه كان معلومًا عند السائل لم يحتج إلى بيانها، وكذا المختلف فيه عند من يوجبه يحمله على ذلك، وجه استدلالهم على الوجوب بذكره في الحديث، وعدمه بعدمه: أن الأمر تعلق بالوجوب، وأن عدمه ليس لمجرد أن الأصل عدم الوجوب، بل الأمر زائد، وهو أن ما ذكره ﷺ في هذا الحديث تعليم وبيان للجاهل، وتعريف لواجب الصلاة، وهو يقتضي انحصاره فيما ذكر، وقويت رتبة الحصر فيه بذكر ما تعلقت به الإساءة من المصلي من الواجب فيها، وما لم تتعلق به، وذلك دليل على عدم الاقتصار على المقصود مما وقعت فيه الإساءة فقط في كل ما وقع، واختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في الحديث، ذلك أن تتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في تحريمه، فلك أن تستدل على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرم، لوجب التلبس بضده؛ فإن النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا؛ لذكر على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني: ذكر الأمر بالتلبس بالضد- انتفى بلزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في الحديث، ذلك -أيضًا- أن تتمسك به في عدم وجوبه -أيضًا-

стр. 495

بكونه غير مذكور فيه؛ لما تقدم من كونه موضع تعليم وبيان، فظهرت القرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، فهذه الطرق الثلاثة يمكن الاستدلال بها على كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف: إحداها: جمع طرق الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه، والأخذ بالزائد فالزائد منها؛ فإنه واجب. الثانية: استمراره على طريقة واحدة فيها، فلا تستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتقلب نظره، بل يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالًا واحدًا؛ فإنه قد يقع هذا الاختلاف في كلام كثير من المناظرين. الثالثة: إذا أقام دليلًا على أحد أمرين إما على عدم الوجوب، أو الوجوب؛ فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به، وإذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر في حديث آخر، فهي مقدمة، وإن قيل: إن الحديث دل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عدم الوجوب أقوى؛ لأنه متوقف على مقدمة أخرى، وهي أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهي غير المقدمة المتقدمة من أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب؛ لأنه المراد، ثم إن عدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر من الرسول ﷺ يدل على عدم الوجوب؛ فإنه موضع البيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان، لذكر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب -أيضًا-، فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها. وهذا البحث كله بناءً على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها؛ بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر
следующие страницы →