الحديث الرابع عشر
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁، عَنِ النبي ﷺ ، قَالَ: "اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِراعَيْهِ انْبِساطَ الكَلْبِ" (١).
* أما أنس، فتقدم ذكره.
وأما قوله ﷺ : "اعتدلوا في السُّجودِ": معناه راجع إلى الاعتدال المعنوي المرادِ للشرع في السجود، وهو وضعُ الكفين على الأرض، ورفعُ المرفقين عن الأرض وعن جَنبيه، رفعًا بليغًا؛ بحيث يظهر بياض إبطيه إذا لم تكن مستورة.
والحكمةُ في ذلك أنه أشبه بالتواضع، وأبلغُ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعدُ من هيئة الكسالى، وليس المراد منه الاعتدالَ الخِلقي المطلوب في الركوع، فإن المراد فيه استواءُ الظهر والعُنُق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي مع ما تقدم، حتى لو تساويا، بطلت الصلاة على الأصح من الوجهين عند أصحاب الشافعي، ولهذا نهى عقب ذلك عن بسط ذراعيه انبساطَ الكلب؛ لكونه منافيًا لمقصود الشرع، فإنه ذكر الحكم مقرونًا بعلته.
وقوله ﷺ : "ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلبِ": انبساطُ الكلب هو كالتتمة للأول، فإن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال المطلوب للشرع علة لترك انبساط الكلب، فذكر الحكم مقرونًا بعلته؛ تنبيهًا على الأشياء الخسيسة المشبهة بفعل الكلب؛ ليُترك في الصلاة؛ فإن المنبسط يُشعر حالُه بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، ومثل هذا قوله ﷺ : "العائدُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يعودُ في قَيئهِ" (٢)،
стр. 492
فإنَّه ﷺ لما قصدَ التنفير عن الرجوع في الهبة، شبهه برجوع الكلب في قيئه، والله أعلم.
وجاء المصدر في هذا الحديث مخالفًا لفعله، فإنَّه من الثلاثي، والانبساط من الخماسي، وهو جائز أن يكون المصدرُ مخالفًا لفعله في صيغته، وهو في القرآن العزيز في قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وفي سورة نوح ﷺ : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، والله أعلم.
وفي الحديث: الأمرُ بالاعتدال في السجود على الوجه المشروع.
وفيه: النهيُ عن التشبه بالأفعال الخسيسة.
وفيه: إضافة الخسيس إلى أهله، وأنه جائز لقصد التنفير عنه، والله أعلم.
* * *
стр. 493
باب وجوب الطُّمَأْنينة في الركوع والسجود
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ فسلَّمَ عَلَى النبي ﷺ ، فَقالَ: "ارجِعْ فَصَلِّ، فإنكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ فَصَلَّى كَما صلَّى، ثُمَّ جاءَ فسلَّمَ عَلَى النبِي ﷺ ، فَقالَ: "ارجِعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاثًا، فَقالَ: والذي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! ما أحسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقالَ: "إذا قُمْتَ إلَى الصلاةِ، فَكَبّر، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ اركَعْ حَتى تَطْمَئِن راكِعًا، ثُمَّ ارفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسْجُد حَتى تَطْمَئِنَّ ساجِدًا، ثُمَّ ارفَعْ حَتَّى تَطْمَئِن جالِسًا، وافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاتكَ كُلها" (١).
تقدم ذكرُ أبي هريرة.
وأما الرجلُ المبهَم في هذا الحديث، فلم أعلم أن أحدًا سماه في المبهمات إلا الحافظَ أبا القاسم خلفَ بنَ بشكوال؛ فإنه قال: اسمُه خَلاد، لكنه ذكر الحديث من رواية رفاعة (٢)، ويسمي الفقهاء هذا الحديث: حديثَ المسيء صلاته.
واعلم أن الواجبات في الصلاة على ضربين: متفق عليها، ومختلف فيها، وليس هذا الحديث موضوعًا لحصرها، بل لحصر ما أهمله هذا الرجل المصلي
стр. 494
وجهله في صلاته، وقد استدل به الكثير من الفقهاء على أن ما ذكره ﷺ فيه فهو واجب، وما لم يذكره فيه ليس بواجب، وليس الحديث موضوعًا لبيان سنن الصلاة اتفاقًا، فالنية، والقعود في التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة واجباتٌ مجمَع عليها، وليست مذكورة في الحديث، والتشهدُ الأخير، والصلاةُ على النبي ﷺ فيه، والسلام من المختلفَ فيه، أوجب هذه الثلاثة: الشافعي، والجمهور، قالوا بوجوب السلام منها، وكثيرون قالوا بوجوب التشهد، والشعبي، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأصحاب الشافعي قالوا بوجوب الصلاة على النبي ﷺ ، وأوجبَ جماعة من الشافعية نيةَ الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد التشهد الأول، وكذا التسبيح، وتكبيرات الانتفال.
فالجواب: عما استدل له الكثير من الفقهاء من أن المذكور في الحديث واجب، وغيره ليس بواجب، مع ما ذكرنا من الواجبات المجمَع عليها والمختلف فيها: أن المجمَع عليه كان معلومًا عند السائل لم يحتج إلى بيانها، وكذا المختلف فيه عند من يوجبه يحمله على ذلك، وجه استدلالهم على الوجوب بذكره في الحديث، وعدمه بعدمه: أن الأمر تعلق بالوجوب، وأن عدمه ليس لمجرد أن الأصل عدم الوجوب، بل الأمر زائد، وهو أن ما ذكره ﷺ في هذا الحديث تعليم وبيان للجاهل، وتعريف لواجب الصلاة، وهو يقتضي انحصاره فيما ذكر، وقويت رتبة الحصر فيه بذكر ما تعلقت به الإساءة من المصلي من الواجب فيها، وما لم تتعلق به، وذلك دليل على عدم الاقتصار على المقصود مما وقعت فيه الإساءة فقط في كل ما وقع، واختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في الحديث، ذلك أن تتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في تحريمه، فلك أن تستدل على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرم، لوجب التلبس بضده؛ فإن النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا؛ لذكر على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني: ذكر الأمر بالتلبس بالضد- انتفى بلزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في الحديث، ذلك -أيضًا- أن تتمسك به في عدم وجوبه -أيضًا-
стр. 495
بكونه غير مذكور فيه؛ لما تقدم من كونه موضع تعليم وبيان، فظهرت القرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، فهذه الطرق الثلاثة يمكن الاستدلال بها على كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاث وظائف:
إحداها: جمع طرق الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه، والأخذ بالزائد فالزائد منها؛ فإنه واجب.
الثانية: استمراره على طريقة واحدة فيها، فلا تستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتقلب نظره، بل يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالًا واحدًا؛ فإنه قد يقع هذا الاختلاف في كلام كثير من المناظرين.
الثالثة: إذا أقام دليلًا على أحد أمرين إما على عدم الوجوب، أو الوجوب؛ فالواجب العمل به، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به، وإذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر في حديث آخر، فهي مقدمة، وإن قيل: إن الحديث دل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عدم الوجوب أقوى؛ لأنه متوقف على مقدمة أخرى، وهي أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهي غير المقدمة المتقدمة من أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب؛ لأنه المراد، ثم إن عدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر من الرسول ﷺ يدل على عدم الوجوب؛ فإنه موضع البيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان، لذكر، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب -أيضًا-، فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها.
وهذا البحث كله بناءً على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها؛ بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر
стр. 496
المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في المخالفة، وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب.
قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: والثاني عندنا أرجح، والله أعلم (١).
ثم إذا تقرر أن عدم الذكر في الحديث يدل على عدم الوجوب، فقد استدلوا بهذا الحديث على مسائل، من حيث إنها غير مذكورة فيه:
منها: أن الإقامة غير واجبة، وقال بعض العلماء بوجوبها؛ لما ورد في بعض طرق الحديث الأمر بها، فمن استدل بعدم الذكر في الحديث على عدم الوجوب يحتاجُ إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، فإن صحَّ الأمرُ بالوجوب، فقد عدم أحد الشرطين، وإن لم يصح، فقد تمَّ الدليل على عدم الوجوب، وإلا فيتعارض عدمُ الذكر والأمرُ بها لو صح، فينتفي الوجوب، ويبقى الندب.
ومنها: أن دعاء الاستفتاح غير واجب؛ لأنه لم يذكر في الحديث، ومن نقل من بعض المتأخرين من غير المنسوبين إلى مذهب الشافعي: أن الشافعي قال بوجوبه، فقد غلط ووهم.
ومنها: التعوذ ورفعُ اليدين في تكبيرة الإحرام، ووضعُ اليد اليمنى على اليسرى، وتكبيراتُ الانتقالات، وتسبيحاتُ الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضعُ اليد اليمنى على الفخذ، وغير ذلك مما لم يذكر في الحديث، ليس بواجب إلا ما ذكرناه من المجمَع عليه، والمختلف فيه.
ومنها: استدلال لبعض المالكية على عدم وجوب التشهد مما ذكرنا من عدم الذكر، وقد استدل به الحنفية على عدم وجوب السلام، لكن الدليل على وجوبه أقوى، وكذلك دليل إيجاب التشهد؛ للأمر به، هو راجح، وقد تقع المناظرة بين الرجحانين، بأن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح؛ لكونها
стр. 497
أمرًا يرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لوجود النظر إليه، وذلك يمهد عذر أحد الرجحانين، ويثبت الحكم، ولا ينفي وجود المعارض.
أما لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب العمل به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح، لكن الأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب، والسنة الطريق الأول، ومن لمدعى المعارض، فعليه البيان.
وفي الحديث مسائل:
منها: وجوب التكبير بعينه؛ لنصه عليه بقوله: "فكبروا"، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: المراد منه التعظيم، وبأي لفظ أتى به حصل، وغيرُه قصر التعظيم بلفظ التكبير، ولم يعده إلى غيره؛ نظرًا إلى التعبد به، والاحتياطُ فيه الاتباع؛ لخصوص التعظيم به، وهو: الله أكبر.
وأعلم أن رتب الأذكار مختلفة، فلا يتأدى بذكر ما يتأدى بآخر، ولا يعارض أن يكون ذلك المعنى مفهومًا، فقد يكون التعبدُ واقعًا في التفصيل كما نفهم من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعا آخر لم يكتف به، فكذلك لفظ التكبير، ويتأيد باستمرار عمل الأمة على الدخول في الصَّلاة به، وهو: الله أكبر، وبما اشتهر في الأصول بأن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص، فهي باطلة، وعلي هذا يخرج حكم هذه المسألة؛ فإنّه إذا لمستنبط من النص أن مطلق التعظيم هو المقصود، بطل خصوص التكبير، فيخرج عن الفائدة.
ومنها: وجوبُ القراءة في الصَّلاة في الركعات كلِّها، وهو مذهب الشافعي، وجمهورِ العلماء، لكن ظاهر هذا الحديث أن الفاتحة غيرُ متعينة، والفقهاء الأربعة عينوها للوجوب، إلَّا أن أبا حنيفة منهم جعلها واجبة، وليست بفرض، على أصله في الفرق بين الواجب والفرض.
وحكى القاضي عياض عن عليّ بن أبي طالب، وربيعة، ومحمد بن
стр. 498
أبي صفرة، وأصحابِ مالك: أنه لا تجب قراءة أصلًا، وهي رواية شاذة عن مالك، وفي مذهب مالك في قراءة الفاتحة في كل ركعة ثلاثة أقوال:
أحدها: كمذهب الجمهور، وتجب في كل ركعة.
والثاني: في الأُوليين.
والثالث: تجب في ركعة واحدة.
وقال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا تجب القراءة في الركعتين الأخيرتين، بل هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سَبَّح، وإن شاء سكت، والصحيح الذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف: وجوبُ الفاتحة في كل ركعة؛ لقوله ﷺ للأعرابي: "ثم افعلْ ذلكَ في صلاتِك كلِّها"، مع قوله ﷺ : "لا تجزئ صلاةٌ لا يُقْرَأُ فيها بفاتحةِ الكتابِ" رواه أبو بكر بن خزيمة، وأبو حاتم بن حبان في "صحيحيهما" من رواية أبي هريرة (١)، وهو مبين أن المراد من قوله ﷺ : "لا صلاةَ إلَّا بفاتحةِ الكتابِ" (٢) عدمُ الإجزاء، لا نفيُ الكمال.
والجواب عن هذا الحديث: أن المراد منه: "اقرأ ما تيسر": ما زاد على الفاتحة بعدها؛ جمعًا بينهم وبين دلائل إيجابها، ويؤيده الأحاديث الحسنة التي رواها أبو داود في "سننه" مرفوعة: "ثم اقرأْ بفاتحةِ الكتاب، وما تيسر من القرآن" (٣)، وفي رواية: "وما شاءَ الله" (٤)، وروى أبو حاتم بنُ حبان في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أمرنا نبينا ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسَّر، في الصَّلاة (٥) وقد قال بوجوب الزائد على الفاتحة
стр. 499
جماعةٌ من التابعين وغيرهم، وقاله شيخنا أبو الفتح بنُ دقيق العيد عن الأكثرين عملًا بهذه الأحاديث، أو أن الحديث محمولٌ على من عجز عن الفاتحة، وعن حديث أبي هريرة ﵁: اقرأ بها في نفسك: أن المراد: اقرأها سرًّا، بحيث تُسمع نفسك لا تدبر ذلك، وتكره كما حمله بعض المالكية؛ لأنَّ القراءة لا تطلق إلَّا على حركة اللسان بحيث تُسمع نفسه، ولهذا اتفق العلماء على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه، من غير حركة لسانه، لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة، وكذلك لو أَمرَّهُ الجنب على قلبه من غير لفظ، جاز، مع أنه يقال: قرأت بقلبي، فدل على أن مراد أبي هريرة ما ذكرنا، يؤيده فعل النَّبيُّ ﷺ في قراءته وأصحابه، والله أعلم.
ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أنها واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد؛ عملًا بحديث أبي هريرة: "اقرأ بها في نَفْسِك" (١)، ثم إنه لا يصح أن يكون المراد بقوله: "اقرأ ما تيسر معك" الإجمال الذي يريده الأصوليون؛ فإن المجمل ما لم يتضح المراد منه، وهذا متضح المراد؛ إذ يتبع امتثاله بفعل كل ما تيسر، حتَّى لو لم ترد أحاديث تعيين الفاتحة، لاكتفينا في الامتثال بكل ما تيسر، وإن أريد بالمجمل الذي لا يتعين فرد من أفراده، فهذا لا يمنع الاكتفاء بكل فرد ينطلق عليه الاسم كما في سائر المطلقات، ثم المطلق يجوز تقييده، والعام يجوز تخصيصه، فقوله ﷺ : "لا صلاةَ إلَّا بفاتحةِ الكتاب" (٢) مطلَق، وهو مقيد بقيد المتيسر الذي يقتضي التخيير في قراءة كل فرد من أفراد المتيسرات، فليس المطلق مطلقًا هنا من كل وجه، والقيد المخصوص يقابل التعيين، ونظير المطلق الذي لا ينافي التعيين أن يقول: اقرأ قرآنًا، ثم يقول: اقرأ الفاتحة؛ فإنّه يحمل
стр. 500
المطلق على المقيد حينئذٍ، ويوضح ذلك بمثال، وهو أنه لو قال لعبده: اشتر أيَّ لحم، ولا تشتر لحم الضأن، لم يتعارض، ولو قال: اشتر لي لحم شاة، ولا تشتر لحم الضأن، في وقت واحدٍ، لتعارض.
وأما التخصيص، فأبعد؛ لأنَّ سياق الكلام يقتضي تفسير الأمر عليه، وإنَّما يقرب هذا إذا جعلت (ما) بمعنى الذي، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة؛ لكثرة حفظ المصلين لها، فهي المتيسرة.
ومنها: أن الركوع واجب، وكذلك الطمأنينة فيه، وقد تخيل من لا يعتقد وجوبها؛ بأن الغاية هل تدخل في المغيّا أم لا؟
فيه مذاهب: فمن فرق بين أن يكون من جنس المغيّا، وصف الركوع بوصف، ووصف الطمأنينة معه بوصف، حتَّى لو فرضنا أنه لو ركع ولم يطمئن، ارتفع مسمى الركوع، ولم يصدق عليه أنه جعل مطلق الركوع مغيًّا للطمأنينة، وادعى بعض المتأخرين أن الطمأنينة لا تجب من حيث إن الأعرابي صَلَّى غير مطئمن ثلاث مرات، والعبادة بدونها فاسدة، ولو كانت فاسدةَ، لكان فعل الأعرابي فاسدًا، ولو كان كذلك، لم يغيره النَّبيُّ ﷺ في حال فعله، وإذا تقرر بهده الدعوى عدم الوجوب، حمل الأمر في الطمأنينة على الندب، وفي قوله: "فإنك لم تصل" على عدم الكمال، وهذا التخيل والدعوى فاسدان مخالفان لمدلول اللفظ، ومفهوم الشريعة.
ومنها: وجوب الرفع من الركوع والاعتدال فيه، خلافًا لمن نفى وجوب الرفع من الركوع والاعتدال فيه، ومذهب الشافعي وجوبهما، وفي مذهب مالك خلاف في الاعتدال، استدل من قال بعدم الوجوب أن المقصود من الرفع الفصل، وهو يحصل بدون الاعتدال، وهو ضعيف؛ فإن الفصل مقصود، وليس هو كل المقصود، بل هو بصفة الاعتدال مقصودان، والأمر دل عليهما، فلا يجوز تركهما، قريبٌ من هذا الاستدلال في الضعف من قال في عدم وجوب الطمأنينة، بأن الله تعالى قال: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] فلم يأمر
стр. 501
سبحانه بما زاد على ما يسمى ركوعًا وسجودًا، وهو واهٍ جدًّا لا شك أنّ المكلف لا يخرج عن عهدة الأمر الآخر ممَّا يسمى ركوعًا أو سجودًا، وهو الطمأنينة، إلَّا بفعلها، وبه يحصل امتثاله، كما يحصل امتثال الأمر في الركوع والسجود بفعل مسماهما.
ومنها: وجوب السجود، والطمأنينة فيه، والكلام فيه كالكلام في الركوع والرفع منه؛ كما مر.
ومنها: وجوب الجلوس بين السجدتين، والطمأنينة فيه؛ كما مر.
ومنها: وجوب ذلك كله في كل ركعة؛ كما ذكرناه.
ومنها: الرفق بالمتعلم والجاهل في التعليم، وملاطفته، وإيضاح المسألة له، وتلخيص المقاصد، والاقتصار على المهم دون المكملات التي لا تحتمل حالة حفظه والقيام بها.
ومنها: استدراجُه بفعل ما جهله مرات؛ لعله أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا، فيتذكره، فيفعله من غير تعليم وأمر، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ وفعله عن جهل، لا عن غفلة ونسيان.
ومنها: استحبابُ السلام وتكرارُه على قرب من المتلاقيين، ووجوب الرد عليه في كل مرَّة.
ومنها: أن صيغة الرد: وعليكم السلام، أو: وعليك السلام، بالواو، وهذا وجوب الرد مكررًا، وإن لم يكن له ذكر في هذا الحديث، لكنه مذكور فيه في بعض طرقه في الصحيح.
ومنها: أن من أخل ببعض واجبات الصَّلاة لا تصح صلاته، ولا يسمى مصليًا، بل يقال: لم يصل، فإن قيل: كيفَ تركه ﷺ يصلِّي مرارًا صلاة فاسدة؟ فالجواب: أنه ﷺ يعلم من حاله: أنه لم يأت بها في المرة الثَّانية والثالثة فاسدة، بل كان محتملًا عنده ﷺ : أنه يأتي بها صحيحة، وفعل الرجل الداخل في المرة الأولى إياها؛ على وجه الغفلة والنسيان، ويضمن: أمره له ﷺ -
стр. 502
بالرجوع والصلاة، وبيان أنه لم يصل محتملًا، من غير تفصيل.
فائدة زائدة: وهي إقامة عذره بالغفلة، والنسيان؛ تجويزًا لذلك، إعلامًا أنه فعله جهلًا، وعنادًا، مع أن ذلك أبلغ في: التعليم، والتعريف، والأدب، وأخذ ما يجهل بقبول له، ولغيره؛ كما أمرهم ﷺ بالإحرام بالحج، ثم بفسخه إلى العمرة؛ ليكون أبلغَ في تقرير ذلك عندهم، والله أعلم.
ومنها: أنه ينبغي للجاهل أن يسأل التعليم من العلماء، والاعتراف بعد العلم، وأن يقرَّ به، ويقسم عليه.
ومنها: وجوبُ النظر إلى صلاة الجاهل، وأعماله فيها، وتعريفه الصواب، وما جهله، وأن ذلك ليس من باب التجسس، ولا الدخول فيما لا يعني.
ومنها: جواز صلاة الفرض منفردًا؛ إذا أتى بفرائضها، وشروطها.
ومنها: وجوبُ القيام في الصَّلاة، وقبل الدخول فيها على القادر؛ بقوله ﷺ : "إذا قُمْتَ إلى الصلاةِ، فَكَبِّرْ" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 503
باب القراءة في الصَّلاة
الحديث الأول
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لَا صَلاَةَ لِمَن لَم يَقرَأ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (١).
أما عبادة بن الصَّامت:
فكنيته: أبو الوليد بنُ الصَّامت بنِ قيسِ بنِ أصرمَ بنِ فهرِ بنِ غنمِ بنِ سالمِ بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ الخزرج، أنصاريٌّ خزرجيٌّ سالميٌّ، وسالم يقال له: الحبلى؛ لعظم بطنه، ومن نسب إليه، يقال لهم: بنو الحبلى.
وعبادة: أحد النقباء ليلة العقبة؛ شهد العقبة الأولى، والثانية، وآخى رسول الله ﷺ بينه، وبين مَرْثَدِ الغَنَويِّ، وشهد بدرًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وشهد بيعةَ الرضوان، ثم وجهه عمرُ إلى الشام قاضيًا، ومعلمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين؛ وهو أول من ولي القضاء بها في بيت المقدس.
روي له عن رسول الله ﷺ : مئة وأحد وثمانون حديثًا؛ اتفق البُخاريّ ومسلم: على ستة أحاديث، وانفرد البخاري: بحديثين، ومسلم: بآخرين.
стр. 504
روى عنه: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد، وشُرَحبيل بن حَسَنَةَ، وأبو أُمامة الباهلي، ورِفاعةُ بنُ رافع، ومحمودُ بن الرَّبيع، وبنوه: الوليدُ، وعبيد الله، وداود وبنو عبادة، وجماعة من التابعين المخضرمين، وغيرهم، روي له: أصحاب السنن والمساند.
مات عبادة: سنة أربع وثلاثين، ابنَ اثنتين وسبعين سنة، وقال أبو حاتم ابن حبان: ابن ثمانين سنة، واختلف في موضع دفنه، وموته؛ فالأكثر المشهور: أنه دفن ببيت المقدس؛ وهو مشهور بها، قريب من باب الرحمة، وزرته بها.
وقال أبو حاتم بن حبان: سكن الشام، ومات بالرملة، ودفن ببيت المقدس (١).
وأما فاتحة الكتاب: فلها ثلاثة أسماء معروفة:
فاتحةُ الكتاب: لأنَّ بها افتتح القرآن.
وأُمُّ القرآن، وأُمُّ الكتاب: لأنَّ أصل القرآن منها بدئ، وأُمُّ الشيءِ: أصلُه؛ ومنه سميت مكّة: أُمِّ القرى؛ لأنها أصلُ البلاد، دُحيت الأرض من تحتِها.
وقيل: لأنها مقدمة، وإمامٌ لما يتلوها من السور، يبدأ بكتابتها في المصحف، ويُقرأ بها في الصَّلاة.
والسبع المثاني: لأنها سبع آيات؛ باتفاق العلماء، وسميت مثاني؛ لأنها تثنى بها في الصَّلاة، وتقرأ في كل ركعة، وقال مجاهد: سميت مثاني؛ لأنَّ الله تعالى استثناها لهذه الأمة، وذخرها لهم (٢)، وقد امتن الله تعالى على رسوله ﷺ بها،
стр. 505
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] والمراد بها: فاتحة الكتاب.
وقوله: "لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحة الكتاب"؛ دليل على: وجوب قراءتها في الصَّلاة.
ووجه الاستدلال ظاهر، واعتقد بعض علماء الأصول الإجمال في مثل هذا اللفظ؛ لدورانه بين نفي الحقيقة، أو الكمال:
أما الحقيقة: فلا سبيل إليه؛ للزومه؛ ففي كل إضمار مجمل، وهو منتف؛ لأنَّ الإضمار إنَّما احتيج للضرورة إليه، وهي تندفع بإضمار فرد؛ فلا يحتاج إلى أكثر منه، وإضمار الكل يتناقض؛ فإن إضمار الكمال يقتضي: إثباتَ أصل الصحة، ونفيه تعارض الأصل، وليس واحد منهما بأولى من الآخر؛ فيتعين الإجمال.
وهذا إنَّما يتم؛ إذا حمل لفظ الصَّلاة، والصيام، وغيرهما؛ على غير عرف الشرع؛ أما إذا حمل على عرف الشرع، فيكون منتفيًا حقيقة، ولا يحتاج إلى الإضمار، والمؤدي إلى الإجمال؛ فإن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، في الغالب؛ لأنَّه المحتاج إليه، فإنّه بعث لبيان الشرعيات، لا لبيان موضوعات الألفاظ في اللغة.
ثم إن الصَّلاة اسم لمجموع الصَّلاة؛ التي تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم؛ حقيقة، لا لكل ركعة؛ لقوله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ، كتبهنَّ اللهُ على العباد في اليومِ والليلة" (١)، فلو كان كل ركعة تسمى صلاة؛ لقال: سبع عشرة صلاة.
وقد يستدل بالحديث من يرى: وجوب قراءة الفاتحة، في كل ركعة؛ بناء
стр. 506
على: أن كل ركعة تسمى صلاة، وقد بينا عدمه.
وقد يستدل به من يرى: وجوبها في ركعة واحدة؛ بناء على: أنه يقتضي حصول اسم الصَّلاة، عند قراءة الفاتحة؛ فإذا حصل مسمى قراءتها، وجب أن تحصل الصَّلاة، والمسمى يحصل بقراءتها مرَّة واحدة؛ فوجب القول بحصول مسمى الصَّلاة، بدليل؛ أن إطلاق اسم الكل، يطلق على الجزء، لكن بطريق المجاز، لا الحقيقة.
والجواب عن هذا: أنه دلالة مفهوم؛ على صحة الصَّلاة بقراءة الفاتحة في ركعة؛ فإذا دل المنطوق على وجوبها في كل ركعة، كان مقدمًا عليه.
وقد يستدل به من يرى: وجوبها على العموم؛ لأنَّ صلاة المأموم صلاة، فينتفي عند انتفاء قراءتها؛ فإن وجد دليل يقتضي تخصيصه من هذا العموم، قدم، وإلا، فالأصل: العمل به.
وفي مذهب الشافعي في وجوب قراءتها على المأموم تفصيل؛ إن كانت سرية: وجبت، بلا خلاف، وإن كانت جهرية: وجبت -أيضًا-، على أصح القولين، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأنصَارِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ؛ بأُمِّ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْن؛ يُطَوِّلُ فِي الأولَى، وَيقصِّرُ فِي الثَّانية، وكَانَ يُطَوِّلُ في الأوَلَى؛ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيقَصِّرُ فِي الثَّانِية، وَفِي الرَّكعَتَينِ الأُخْرَيَينِ؛ بِأُمِّ الكِتَابِ (١).
تقدم الكلام على أبي قتادة، في باب الاستطابة.
стр. 507
أما الأوليان: فهي تثنية أولى؛ وكذلك الأخريان: تثنية أخرى.
وأما ما يسمع على الألسنة؛ من الأولة، وتثنيتها بالأولتين؛ فمرجوح في اللغة.
والحكمة في قراءة السورة؛ في الأوليين من الظهر والعصر، وفي الصبح: أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل النَّاس؛ بالبيع والشراء، وتعب الأعمال، والصبح في وقت غفلة؛ بالنوم آخر الليل، فطولتا بالقراءة؛ ليدركهما المتأخر؛ لإنشغاله بما ذكرنا؛ من القائلة، والتعب، والنوم، وإن كانت قراءتهما في العصر أقصرَ من الظهر، والصبح.
والحكمة في تطويل الأولى على الثَّانية قصدًا: ليدرك المأموم فضيلة أول الصَّلاة جماعة.
وقوله: يسمع الآية أحيانًا؛ إسماعه ﷺ يحتمل أنه كان مقصودًا: فيكون دليلًا على أن الإسرار ليس بشرطٍ لصحة الصَّلاة السرية؛ بل يجوز الجهر، والإسرار فيها، والإسرار أفضل؛ فيكون ذلك بيانًا للجواز، مع أن الإسرار سنة.
ويحتمل أنه ليس مقصودًا بل كان دليلًا على أن الإسرار ليس بشرط لصحة السرية، بل يجوز الجهر فيها، والإسرار أفضل، فيكون ذلك بيانًا يحصل بسبق اللسان؛ للاستغراق في التدبر؛ وهو الأظهر، لكن الإسماع يقتضي القصد له، والله أعلم.
وفي الحديث مسائل:
منها: أنَّ (كان) تقتضي الدوام في الفعل، وتقدم.
ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وتقدم الكلام على ذلك، والاختلاف فيه.
ومنها: شرعية السورة في الركعتين الأوليين؛ من الظهر والعصر، وفي حكمهما العشاء؛ وكذلك في الصبح.
ومنها: أن السورة لا تشرع في الأخريين؛ من الظهر والعصر؛ وكذلك
стр. 508
العشاء، والثالثة من المغرب، وقد اختلف قول الشافعي في الاستحباب وعدمه؛ على قولين، والمشهور منهما: عدم الاستحباب، إلَّا أن يكون المصلي مسبوقًا.
قال الشافعي ﵀: ولو أدرك المسبوق الأخريين؛ أتى بالسورة في الباقيتين؛ لئلا تخلو صلاته من سورة (١).
ومنها: أن سورة كاملة أفضل من قدرها من غيرها؛ لارتباط القراءة بعضها ببعض، في ابتدائها، وانتهائها، بخلاف قدرها من طويلة؛ فإنّه قد يخفى الارتباط على أكثر النَّاس، أو كثير منهم، فيبتدئ ويقف على غير مرتبط؛ وهو محذور؛ لإخلاله بنظم القرآن.
ومنها: تطويل السورة في الركعة الأولى على الثَّانية؛ في الصبح، والظهر، والعصر؛ وكذلك المغرب، والعشاء، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ من الشافعية، وغيرهم؛ والاختلاف وجهان لأصحاب الشافعي:
أشهرهما عندهم: لا تطول الأولى على الثَّانية؛ وهو مخالف لظاهر الحديث، وتأولوه على: أنه طول بدعاء الافتتاح، والتعوذ، أو لسماع دخول داخل في الصَّلاة، لا في القراءة.
والثاني: وهو الصحيح، تطويل القراءة في الأولى قصدًا؛ لظاهر السنة؛ فعلى هذا من قال من أصحاب الشافعي: استحباب السورة في الأخريين، اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين.
واختلفوا في تطويل الثالثة على الرابعة، إذا قلنا بتطويل الأولى على الثَّانية؛ على وجهين.
وقد تقدم ذكر اختلاف السلف؛ في وجوب قراءة السورة مع الفاتحة، ودليله، وعدمه، وفي يده هنا وضوحًا، ولا شك؛ أن مجرد فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، إلَّا أن يبين أنه وقع بيانًا لمجمل؛ فقد ادعي في كثير من أفعاله ﷺ التي قصد إثبات وجوبها، أنها بيان له، لكن ذلك في هذا خارج عما ادعى؛ فإنّه
стр. 509
ليس في قراءته ﷺ السورةَ مع الفاتحة هنا، إلَّا مجردُ فعل؛ فافترقا.
ومنها: جواز إضافة تسمية الصَّلاة إلى وقتها.
ثم أعلم: أنه ليس في هذا الحديث تعرضٌ لتطويل الصَّلاة بالقراءة، ولا قصرها، وقد ثبت في الصحيح بيان ذلك، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَال: "سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرَأ فِي المَغْرِبِ بالطُّورِ" (١).
أما جبيرُ بن مطعم ﵁:
فكنيته: أبو محمد، ويقال: أبو عَدِي؛ وهو ابنُ مُطْعِمِ بنِ عَدِيّ بنِ نوفلِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصيٍّ، القرشيُّ المدنيُّ.
قدم على رسول الله ﷺ المدينة؛ وهو مشرك، في فداء أسارى بدر، ثم أسلم بعد ذلك، قبل عام خيبر، وقيل: أسلم يوم الفتح، وكان من حكماء قريش وساداتهم.
وهذا الحديث ممَّا سمعه جبير من النَّبيِّ ﷺ حال قدومه؛ وهو مشرك، في فداء الأسارى، لا بعد إسلامه؛ وذلك دليل على: صحة التحمل قبل الإسلام، والأداء بعده، ولا خلاف فيه.
روي لجبير عن رسول الله ﷺ : ستون حديثًا، اتفقا على: ستة، وانفرد البُخاريّ: بحديث (٢)، ومسلم: بآخر.
стр. 510
روى عنه من الصحابة: سليمانُ بن صرد، وجماعةٌ من التابعين، وابناه: محمد، ونافع، ورى له: أصحاب السنن والمساند.
مات بالمدينة، سنة أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع وخمسين، وكان يؤخذ عنه النسب (١).
أما المغرب: فقد وصفها الشرع بوتر النهار؛ لكونها ثلاثية، لا لكونها تصلى في آخر وقت النهار؛ فإنها تصلى في أول الليل بعد غروب الشمس وطلوع الليل من المشرق، وبعد غروب الشمس؛ سميت مغربًا.
وأما قراءته ﷺ فيها بالطُّور: فمعناه: في الركعتين الأوليين التي يجهر فيهما بالقراءة، لا في الثالثة منها، والذي استقر عليه العمل عند الفقهاء: تقصيرُ الصَّلاة فيها، وهذا الحديث يخالفه؛ فإن الطور من أوساط سور القراءة في الصَّلاة؛ ومثلُها مشروع في العصر، والعشاء، لا في المغرب؛ وكذلك ما ثبت في قراءته ﷺ في المغرب بالأعراف.
فإما أن يحمل الحديثان على: رجحان قراءتهما في المغرب؛ فتقتضيان الاستحباب، أو على: بيان جوازهما، والأفضل: ما استقر عليه العمل من تقصير القراءة؛ لكونهما غير متكرر قراءتهما، فيدلان على الجواز، لا على رجحانهما، وفرق بين كون الشيء مستحبًا، وبين كونه مكروهًا.
كيف وقراءته ﷺ في المغرب بالطُّور متقدمًا؟! فإنّه عقب غزوة بدر؛ وهي متقدمة، فإن ذلك في آخر السنة الثَّانية من الهجرة.
قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: والصحيح عندنا: أن ما صح من ذلك، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ ممَّا لم تكثر مواظبته عليه؛ فهو جائز من غير
стр. 511
كراهة؛ لحديث جبير بن مطعم في قراءة الطور في المغرب، ولحديث قراءة الأعراف فيها.
وما صحت المواظبة عليه، فهو في درجة الرجحان في الاستحباب، لا أن غيره ممَّا قرأه ﷺ مكروه، والله أعلم (١).
* * *
الحديث الرابع
عَنِ البرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄: أَن النَّبيَّ ﷺ كانَ فِي سَفَرٍ، فَصلَّى العِشَاءَ الأَخِيرةَ، فَقَرأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتيْنِ: بالتِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا، أَوْ قِرَاءَةً مِنْهُ ﷺ (٢).
أما البراء بن عازب، فتقدم ذكره.
ولا شك أن هذا الحديث، والذي قبله؛ متعلقان بكيفية القراءة في الصَّلاة، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك أفعالٌ مختلفة في الطول والقصر، وصنف بعض الحفاظ فيها كتابًا مفردًا.
والذي ذكره الشافعية مختارين له: التطويل في الصبح، والظهر، والتقصير في المغرب، والتوسط في العصر، والعشاء.
وغيرهم يوافق في الصبح، والمغرب، ويخالف في الظهر، والعصر، والعشاء، والذي استقر عليه عمل النَّاس: التطويل في الصبح، والتقصير في المغرب.
ولعل العلة في شرعية ذلك: انبساط النفس، وانبعاثها للتطويل؛ لراحتها بالنوم، واستيقاظها بعده نشيطة، بخلاف المغرب؛ فإنها تكون منقبضة؛ لتعبها
стр. 512
بالسعي في النهار، وإتعابها، ولحاجة النَّاس إلى عشاء صائمهم، وأكلهم عقب تعبهم، وشغلهم؛ فخففت القراءة بالتقصير لذلك.
فحينئذ تكون قراءته ﷺ في العشاء بالتين والزيتون؛ وهي من قصار سور القراءة؛ لكونه في السفر، وهو مناسب للتخفيف؛ لتعب المسافر، وانشغاله.
وفي الحديث مسائل:
منها: تخفيف القراءة في صلاة السفر.
ومنها: تحسين الصوت بالقراءة؛ لأنَّه إذا حسنها في السفر، مع مظنة التعب والمشقة، ففي غيره أولى.
ومنها: جواز قول: عشاء الآخرة، مضافًا، والرد على الشعبي في إنكار ذلك.
ومنها: نقل أفعاله، وأقواله، وأحواله؛ إلى أمته ﷺ ؛ للعلم والعمل بها، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَن رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فكَانَ يَقْرَأُ لأصْحَابِهِ فِي صَلاَتهِمْ، فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللهُ أَحْدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَلُوهُ: لأَيِّ شَيْءٍ، يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ "، فَسَأَلوهُ، فَقَالَ: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ ؛ فَإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَن الله يُحِبُّهُ" (١).
أما عائشة ﵂، فتقدمت.
وأما الرجلُ المبعوثُ على السرية: فلا أعلم اسمَه في المبهمات.
стр. 513
والسرية: واحدة السرايا؛ وهي: الطائفة التي يبعثها الإمام من الجيش، قبل دخول الحرب، يبلغ أقصاها: أربع مئة، سُموا بذلك: لكونهم خلاصة العسكر، وخياره، مأخوذٌ من الشيء السَّرِيِّ؛ وهو النفيس، وقيل: لأنهم يبعثون سِرًّا وخُفية، وليس بالوجه؛ لأنَّ لام السر: راء، وهذه: ياء (١).
وأعلم: أن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اشتملت على: اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى، لم توجد في غيرها، من جميع السور؛ وهو الأحدُ الصمدُ؛ فإنهما يدلان على: أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصات الكمال المعظمة، وبيانه:
أن الأحد، والواحد: وإن رجعا إلى أصل واحد لغة، فقد افترقا استعمالًا، وعرفًا؛ وذلك أن الهمزة من أحد، منقلبة عن الواو من وحد، قال النابغة:
كَأَنَّ رَحْلي وَقَدْ زَالَ النَّهارُ بِنا ... يَوْمَ الجليلِ عَلَى مُسْتَأنِسٍ وَحِدِ (٢)
فهما من الوحدة؛ وهي راجعة إلى نفي التعدد، والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف؛ فإن الواحد عندهم: أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد: يثبت مدلوله، ويتعرض بنفي ما سواه.
ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يقولوا: هنا واحد؛ فإن أرادوا الإثبات، قالوا: رأيت واحدًا من النَّاس، ولم يقولوا: هنا أحدًا.
وعلى هذا؛ فالأحد في أسمائه تعالى: مشعر بوجوده الخاص الذكره لا يشاركه فيه غيره؛ وهو المعبر عنه: بوجود الوجود، وربما عبر عنه بعض المتكلمين: بأخص وصفه.
стр. 514
وأما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال؛ فإن الصمد: الذي انتهى سؤدده؛ بحيث يُصْمَد إليه في الحوائج كلِّها؛ أي: يُقصد، ولا يقع ذلك تحقيقًا إلَّا ممن حاز جميعَ خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلَّا لله ؛ فهو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
فقد ظهر بهذين الاسمين؛ من شمول الدلالة على الله تعالى، وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن؛ فلهذا علل حُبَّه إياها؛ لأنها صفة الرحمن.
ثم محبة الله تعالى لعباده: إرادةُ ثوابهم، وتنعيمهم، وقيل: محبته لهم نفس الإثابة، والتنعيم، لا الإرادة.
ومحبة عباده له : لا يبعد فيها الميل منهم إليه سبحانه؛ وهو متقدس عن الميل؛ فحقيقة محبة عباده له: ميلُهم إليه؛ لاستحقاقه المحبة، من جميع وجوهها، وقيل: محبتهم له: استقامتهم على طاعته، وقيل: الاستقامة ثمرة المحبة.
وقولها: "فيختمُ بقلْ هوَ اللهُ أحدٌ"؛ دليل على: أنه كان يقرأ بغيرها، لكنه هل كان يقرأ بها مع غيرها، في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، أم كان يختم بها في آخر ركعة يقرأ فيها السورة؟
الظاهر: الأول، والثاني: يحتمله اللفظ.
وعلى الأول: يكون فيه دليل على: جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة.
وقوله: "لأنها صفةُ الرحمن"؛ يحتمل أنها: لما اختصت بصفات الربِّ تعالى، دون غيرها؛ بمعنى: عدم انحصارها فيها، عَبَّر بها لأنها تضمنت جميعها.
ويحتمل: أن يضمر: "ذكر" فيكون المراد أنّ فيها: ذكر صفة الرحمن، فعبر عن ذلك الذكر: بالوصف، وإن لم يكن نفس الوصف.
وقوله ﷺ : "أخبروه: أن الله يُحبه"؛ يحتمل: أن محبة الله له بسبب
стр. 515
قراءتها، ويحتمل: أنها بسبب ما، شهد به كلامه؛ من محبته لذكر صفة الرب سبحانه، وصحة اعتقاده، ويحتمل: أنه بسبب قراءتها، وما شهد به؛ فإن قراءتها سبب عن المحبة لما ذكر، والله أعلم.
وفي هذا الحديث مسائل:
منها: استحباب البعوث والسرايا، والتأمير عليهم.
ومنها: أن أميرهم يؤمهم، فيصلى بهم.
ومنها: جواز قراءة سورتين مع الفاتحة، في ركعة.
ومنها: فضيلة سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولا يدل على أنها أفضل السور، بل أفضل السور سورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومنها: أنه يشرع لمن فعل فعلًا؛ عبادة، أو غيرها، أن يسأل بعد فعله العلماء به.
ومنها: أنه ينبغي للمسؤول العالم أن يسأل السائل عن قصده، وسبب فعله.
ومنها: أن محبة الله تعالى، ومحبة صفاته أفضلُ المطلوبات.
ومنها: أن ما كان من التلاوة متعلقًا بصفة الرب ، كان أفضل التلاوات، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَن النَّبِيّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، والشَّمْسِ وَضُحَاهَا، واللَّيْلِ إذا يَغْشَى؛ فَإنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ: الكبِيرُ، والصَّغِيرُ، وذو الحَاجَةِ" (١).
تقدم الكلام على جابر.
стр. 516
وأعلم: أنه لم يتعين في هذه الرواية؛ في أي صلاة كان القول لمعاذ ﵁، لكن قد عرف أن معاذًا كان يطوِّل في عشاء الآخرة بقومه؛ فيكون ذلك دليلًا على: استحباب قراءة هذه السورة، أو قدرها فيها، لكن هذه السور أفضلُ من غيرها؛ للتحضيض عليها.
وكذلك ينبغي المحافظة على كل ما ورد: صحيحًا، أو حسنًا عنه ﷺ ؛ من القراءة المختلفة في الصَّلاة: فعلًا، أو قولًا، أو تقريرًا، أو تحضيضًا، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث، ولو مرَّة؛ تكن من أهله (١).
وقوله ﷺ : "فإنّه يُصَلِّي وراءك: الكبيرُ، والصغيرُ، وذو الحاجة"؛ فالمراد بالكبير: المسنُّ، ولا شك أن الصَّلاة تختلف إطالتها باختلاف أحوال المصلي؛ إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا؛ فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا شغلَ للإمام، ولا لهم؛ طوَّلوا، وإذا لم يكن كذلك، خففوا، وقد تراد الإطالة، فيعرِضُ ما يقتضي التخفيف؛ كبكاء الطفل، ونحوه.
وعلى ذلك تتنزل الأحاديث؛ في تطويله ﷺ ، وتخفيفه، وإذا استقرئ فعله ﷺ : وجد التطويل إمامًا أقل، والتخفيف أكثر؛ فتكون الإطالة لبيان الجواز، والتخفيف لكونه أفضل، وعليه دل قوله ﷺ : "إن منكم مُنَفِّرِينَ؛ فأَيُّكُمْ صَلَّى بالنَّاس، فَلْيُخفَّفْ؛ فإن فيهم: السقيمَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ" (٢).
وقيل: إن تطويله، وتخفيفه؛ لبيان أن القراءة فيما زاد على الفاتحة؛ لا تقدير فيها، بل يجوز قليلها، وكثيرها؛ بل الواجب الفاتحة فقط؛ لاتفاق الروايات عليها، واختلافها فيما زاد.
وبالجملة: السُّنة التخفيفُ؛ للعلَّة التي بينها، وتطويله ﷺ في بعض
стр. 517
الأوقات؛ لتحققه انتفاءَ العلَّة، مع قصده إرادة التطويل؛ كقوله ﷺ : "إنِّي لأَدخلُ في الصلاةِ، أريدُ إطالتها، فأسمعُ بكاءَ الصبيِّ، فأتجوَّزُ في صلاتي؛ مخافَة أن تُفْتَتَنَ أُمُّهُ" (١)؛ ولهذا قال ﷺ لمعاذ: "أَفَتَّانٌ أنتَ؟! " مرتين، أو ثلاثًا (٢).
وإن كان منفردًا، ووجد نفسه مقبلة على التطويل: طؤَل، وإلا: خفَّف؛ ليكون مقبلًا على صلاته، في جميع حالاته؛ ولهذا قال ﷺ : "إذا نعسَ أحدُكم في صلاتِه، فَلْيرقدْ" (٣)؛ أي: بعد فراغِه منها، وتخفيفها؛ خوفًا من السآمة، وعدم التدبر، والله أعلم.
وفي هذا الحديث مسائل:
منها: الحثُّ على قراءة هذه السور، ونحوها في الصَّلاة؛ إذا كان إمامًا، وفي حكمه المنفردُ، والمأمومُ الذي لا يسمع قراءة الإمام.
ومنها: تعليلُ الأحكام للناس؛ لكونه أدعى إلى القبول، والعمل بالعلم، وأثبت في القلوب.
ومنها: الرفق بالضعفاء، والشفقة عليهم؛ في الأمور الأخروية، فما ظنك بغيرها من أمور الدُّنيا؟
ومنها: تحسين العبارة في التعلم بالتحضيض الدال على الأمر من غير تعاطي لفظه؛ مراعاة لنفرة النفوس عنه، والله أعلم.
стр. 518
باب ترك الجهر بـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَن النَّبيَّ ﷺ ، وَأَبا بكرٍ، وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يفتتَحُونَ الصَّلاَةَ، بـ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وفي رواية: صلَّيت مع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ولمسلم: صلَّيت خلف النَّبيِّ ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يفتتحون الصَّلاة بالحمد لله رب العالمين، لَا يَذكُرُونَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ؛ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلَا فِي آخِرِهَا (١).
قد تقدم الكلام على أنس، وعلى افتتاح الصَّلاة بـ: الحمد لله رب العالمين، وتأويله؛ فيما مضى، وأنه كان يبتدئ بالفاتحة، قبل السورة.
واعلم: أن القراء، والفقهاء من الصحابة، والتابعين، وهَلُمَّ جَرًّا؛ قد اختلفوا في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هل هي آية من الفاتحة، أم لا؟ وهل يجهر بها في الصَّلاة الجهرية، أم لا؟
مع اتفاقهم على: أنها ليست آية أول براءة، وعلى: أنها بعضُ آية في سورة النمل.
стр. 519
واختلفوا في: أنها آية من أول كل سورة، أو بعض آية، أو ليست بآية؛ على أوجه، وقد صنف فيها جماعة كتبًا من المتقدمين، والمتأخرين، المثبتين لها، والمخالفين، وفي الجهر بها.
ولا شك أنها ثابتة في رسم المصحف؛ أول الفاتحة، وكل سورة إلَّا براءة.
قال الشعبي: كان يكتب على عهد رسول الله ﷺ في بدء الأمر؛ على رسم قريش: باسمك اللهم، حتى نزلت: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، كتب: باسم الله، حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، كتب: باسم الله الرحمن، حتى نزلت: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كتب مثلها (١).
وأما من قال: إنها ليست من الفاتحة، ولا من غيرها من السور، قال: الافتتاح بها للتيمن والتبرك، ومن قال: بأنها من الفاتحة، وليست من سائر السور، قال: إنَّما كتبت للفصل.
وقال الثوري، وابن المبارك: هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة، إلَّا سورة التوية.
واتفق العلماء على: أن الفاتحة سبع آيات:
فالآية الأولى عند من يعدها منها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وابتداء الآية الأخيرة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إلى آخرها.
ومن لم يعدها من الفاتحة، قال: ابتداؤها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وابتداء الآية الأخيرة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
واحتج من جعلها من الفاتحة، ومن السور: بأنها كتبت في المصحف، بخطِّ القرآن.
стр. 520
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية السابعة (١).
روى الدارقطني بإسناد صحيح؛ كلهم ثقات، من رواية أبي هريرة، مرفوعًا: الأمر بقراءتها في الفاتحة، وأنها آية منها؛ وكذلك روى بإسناد صحيح، ورجاله ثقات، عن أم سلمة؛ من فعله ﷺ (٢).
وقوله: "كانوا يفتتحونَ الصلاةَ، بـ: الحمدُ لله ربِّ العالمين":
الحمدُ: مرفوع الدال على الحكاية، وإن كان مجرورًا بالباء.
وقد استدل به، وبما بعده من الأحاديث؛ على عدم الجهر بالبسملة في الصَّلاة، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ترك البسملة سرًّا وجهرًا؛ وهو مذهب مالك.
الثَّاني: قراءتها سرًّا، لا جهرًا؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد.
والثالث: الجهر بها، فيما يجهر فيه؛ وهو مذهب الشافعي، وطوائف من السلف، والخلف.
والمتيقن من هذا الحديث؛ عدم الجهر، فأما الترك أصلًا؛ فمحتمل مع ظهوره في قوله: "لا يذكرون: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، في أول قراءة، ولا آخرها".
والأحاديث الواردة في قراءتها، والجهر بها في الصَّلاة؛ معتلٌّ أكثرُها، وبعضُها فيه ما يدل على قراءتها في الصَّلاة، إلَّا أنه ليس بصريح الدلالة على خصوص التسمية.
ومن صحيحها: حديث المعتمر بن سليمان: أنه كان يجهر بـ: بسم الله
стр. 521
الرحمن الرحيم؛ قبل فاتحة الكتاب، وبعدها، ويقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ ، رواه الحاكم أبو عبد الله، وقال: رواة هذا الحديث كلهم ثقات (١).
ومن صحيحها -أيضًا-: حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: كنت وراء أبي هريرة، فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قرأ بأُمِّ القرآن، حتَّى بلغ: ولا الضالين، ثم قال: آمين، وقال النَّاس: آمين، ويقول كما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس: الله أكبر، ويقول إذا سلم: والذي نفسي بيده! إنِّي لأشبهُكم صلاةً برسول الله ﷺ ، رواه الدارقطني، بأسانيد كل رجالها ثقات (٢).
ومن صحيحها ما رواه الدارقطني بإسناد كلهم ثقات:
عن أنس ﵁ قال: صلَّى معاويةُ بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة؛ فلم يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، ولم يكبر حتَّى يهوي، حتَّى قضى تلك الصَّلاة، فلما سلم، ناداه من سمع ذلك من المهاجرين، والأنصار، من كل مكان: يا معاوية! أسرقت الصَّلاة، أم نسيت؟! قال: فلم يصلِّ بعد ذلك، إلَّا قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لأم القرآن، وللسورة التي بعدها، وكبر حتَّى يهوي ساجدًا (٣).
فهذه أحاديث صحاح ثابتة مثبتة للبسملة، والجهر بها؛ فهي مقدمة على الأحاديث بنفيها، ولا يلزم من عدم سماع أنس للبسملة، والجهر بها؛ عدمُ ثبوتها، والجهر بها.
стр. 522
كيف وهي ثابتة في رسم المصحف بخطه؛ باتفاق الصحابة، وإجماعهم على: ألا يثبتوا فيه غيره، وأجمع المسلمون بعدهم عليه، في كل الأعصار إلى يومنا، مع اجتماعهم على: أنها ليست من براءة، ولا يكتب فيها؟!
ودليل المالكية على تركها: عملُ أهل المدينة، لكن حديث أنس، وغيره يرد عليه، وليس لهم دليل صريح يدل على الترك مطلقًا، والله أعلم.
* * *
جليل، إمام، رفيع، مأمون، عال، فقيه، ورع، كثير العلم، أنصاريٌّ، مولاهم، بصري، كان مولى أنسِ بنِ مالك خادمِ رسول الله ﷺ ، وإخوته: معبد، وأنس، ويحيى، وحفصة، وكريمة؛ بنو سيرين، تابعيّون ثقات، وهو وهُمْ: من سبي عين التمر، أسرَهم خالدُ بن الوليد.
سمع حديثًا واحدًا من ابن عمر، ودخل على زيد بن ثابت، وسمع جندبَ بنَ عبدِ الله البجليَّ، وأبا هريرةَ، وعبدَ الله بن الزُّبير، وأنسَ بن مالك، وعمرانَ بنَ حُصين، وعديَّ بن حاتم، وسلمانَ بن عامر الضبي، وأمَّ عطية نسيبة الأنصاريةَ، وجماعةً من التابعين، وأخاه معبدًا، وأخته حفصة؛ وهو من أروى النَّاس عن شريح، وعبيدة.
واختلف في سماعه من ابن عباس، والصحيح: أنه سمع من عكرمة، عنه.
قال أحمد بن حنبل ﵀: سمع ابن سيرين من: أبي هريرة، وابن عمر، وأنس، ولم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نُبئت عن ابن عباس، وقد سمع من عمران بن حصين.
قال: وقال هشام بن حسَّان: أدرك الحسنُ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، عشرين ومئة، قلت: فابنُ سيرين؛ قال: ثلاثين، وقال هشام: حدثني أصدق من أدركت من البشر: محمدُ بن سيرين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.
وهو أكبر من أخيه أنس، ومات سنة عشر ومئة، بعد الحسنِ بمئة يوم؛ فعلى هذا يكون عمره: نحوَ خمسةٍ وسبعين سنة.
روى له: الشيخان، وأصحاب السنن والمساند (١).
стр. 525
وتقدم أبو هريرة.
وأما ألفاظه:
فالعشيُّ: ما بين زوال الشمس إلى غروبها؛ ومنه سميت صلاة الظهر، والعصر: صلاتي العشي، وفي "صحيح مسلم": إحدى صلاتي العشي؛ إما الظهر، وإما العصر.
وأما الخشبة المعروضة: فهي جذع من نخل؛ كذا جاء مبينًا في "صحيح مسلم"، وكان في قبلة المسجد.
وقوله: "وخرجتِ السَّرَعان"؛ هو بفتح السين المهملة، والراء؛ وهو المسرعون إلى الخروج، ويجوز فيه: إسكان الراء؛ نقله القاضي عياض، قال: وضبطه الأصيلي في "البُخاريّ": بضم السين، وإسكان الراء؛ فيكون جمع سريع، كقَفيز وقُفزان، وكَثيب وكثبان، قال الخطابي: وكسر السين خطأ (١).
وقوله: "أقُصِرتِ الصلاةُ؟ "؛ هو بضم القاف، وكسر الصاد، وروي بفتح القاف، وضم الصاد؛ وكلاهما صحيح، ولكن الأول: أشهر، وأصح (٢).
وقوله: "وفي القوم رجلٌ في يديه طولٌ، يقال له: ذو اليدين"؛ اسم ذي اليدين: الخِرْباق -بكسر الخاء المعجمة، وبالباء الموحدة، وآخره قاف-؛ وهو سلميٌّ من بني سليم.
وقول الزُّهريّ: إنه ذو الشِّمالين، عميرُ بن عمرو بن غبشان، من خزاعة، حليفٌ لبني زهرة، وإنه قتل يوم بدر، غلط؛ اتفق أهل الحذق والفهم والحفظ على تغليطه؛ منهم: إمام الفن مسلم بن الحجاج، وأبو عمر بن عبد البر.
وقال أبو عمر: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على قول الزُّهريّ، في حديث ذي اليدين، وكلهم تركوه؛ لاضطرابه في إسناده،
стр. 526
ومتنه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن؛ فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال له، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلَّا النَّبي ﷺ (١).
قوله: "فنبئت أنَّ عُمرانَ بنَ حُصين قال: ثم سَلَّمَ"؛ القائل: هو محمد ابن سيرين الراوي عن أبي هريرة؛ وهو مصرح بأنه لم يسمع ذلك من عمران، بل بواسطة.
وأعلم: أن أحاديث باب السهو في الصَّلاة: ستة، وإن كان الماوردي ذكرها: خمسة، وأغفل حديث عمران بن حصين ﵄؛ وهو: أنه ﷺ سلَّم في ثلاث، ثم صَلَّى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين.
الثَّاني: حديث أبي هريرة؛ فيمن شك؛ فلم يدر كم صَلَّى، وفيه: أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما.
الثالث: حديث أبي سعيد؛ فيمن شك، وفيه: أنه يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
الرابع: حديث ابن مسعود؛ وفيه: القيام إلى خامسة، وأنه يسجد بعد السلام.
الخامس: حديث ذي اليدين؛ الذي ذكره المصنف، من حديث أبي هريرة؛ وفيه: السلام من اثنتين، والمشي، والكلام، وأنه سجد بعد السلام.
قال أبو عمر: وقد روى قصة ذي اليدين: عبدُ الله بن عمر، ومعاويةُ بنُ حُدَيْج -بضم الحاء المهملة-، وعمرانُ بنُ حُصين، وصاحب الجيوش، واسمه: عبد الله بن مسعدة؛ وهو معروف في الصحابة بابنِ مسعدة، له رواية عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
السادس: حديث ابن بحينة، وقد ذكره المصنف بعد هذا؛ وفيه: القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام.
стр. 527
واختلف العلماء، في الأخذ بهذه الأحاديث:
فمنهم: من وقف عليها في مواضعها، ومنع القياس عليها؛ كداود الظاهري، ووافقه أحمد في الصلوات المذكورة خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: يسجد فيما سواها؛ قبل السلام، لكل سهو.
ومنهم من قاس: واختلف هؤلاء:
فقال بعضهم: هو غير في كل سهو؛ إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله؛ في الزيادة، والنقص.
وقال أبو حنيفة: الأصل فيه: السجود بعد السلام، وتأول باقي الأحاديث عليه.
وقال الشافعي: الأصل فيه: السجود قبل السلام، وردَّ بقية الأحاديث إليه.
وقال مالك: إن كان السَّهو زيادة: سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا: فقبله.
فأما الشافعي، فقال في حديث أبي سعيد: فإن كانت خامسة، شفعها، ونص على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوز كالموجود.
ويتأول حديث ابن مسعود؛ في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام؛ على أنه ﷺ ما علم السَّهو إلَّا بعد السلام، ولو علمه قبله، لسجد قبله.
وتأول حديثَ ذي اليدين؛ على أنها صلاة جرى فيها سهو، فسها عن السجود قبل السلام، فتداركه بعده.
وأقوى المذاهب هنا: مذهب مالك؛ وهو قول للشافعي، ثم مذهب الشافعي؛ وله قول -أيضًا-: بالتخيير.
وعلى القول بالتفرقة؛ بين الزيادة والنقص، وهو أقواها؛ كما ذكرنا؛ لو اجتمع في صلاة سهوان؛ سهو بزيادة، وسهو بنقص: سجد قبل السلام، أو بعده، للزيادة، والنقص؛ أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنَّما اختلافهم في الأفضل.
стр. 528
ولو سها سهوين، فأكثر: كفاه سجدتان للجميع؛ وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور التابعين.
وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان؛ وفيه حديث ضعيف، والله أعلم.
وفي حديث ذي اليدين هذا فوائد؛ أصولية، وفروعية:
أما الأصولية:
فمنها: ما يتعلق بأصول الدين؛ فهو في موضعين:
أحدهما: جواز السَّهو في الأفعال على الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه-.
والثاني: في الأقوال.
أما الأول: فجوازه مذهب عامة العلماء، والنظار؛ وهذا الحديث يدل عليه؛ وهو مصرح به في حديث ابن مسعود ﵁: أنه ﷺ ينسى؛ كما تنسون (١)؛ وهو ظاهر القرآن.
وشذت طائفة من المتوغلين، فقالت: لا يجوز السَّهو عليه، وإنَّما ينسى قصدًا، أو يتعمد صورة النسيان؛ وهذا باطل؛ لإخباره ﷺ أنه ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل الصَّلاة؛ ولأن صورة الفعل النسياني كصورة الفعل العمدي، وإنَّما يتميزان للغير بالإخبار.
والذين أجازوا السَّهو قالوا: لا يقر عليه؛ فيما طريقه البلاغ الفعلي، اختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة، أم لا يشترط، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ؛ وهو العمر؟
وهذه الواقعة -في حديث ذي اليدين- قد وقع البيان فيها على الاتصال، ومذهب أكثرين: أنه يشترط تنبيهه ﷺ على الفور متصلًا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير.
стр. 529
وجوزت طائفة: تأخيره مدة حياته ﷺ ؛ واختاره إمام الحرمين.
ومنعت طائفة من العلماء: السَّهوَ عليه ﷺ ؛ في الأفعال البلاغية، والعبادات؛ كما أجمعوا على منعه، واستحالته عليه؛ في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك؛ وإليه مال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني.
والصحيح: الأول؛ فإن السَّهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه، لم يحصل فيه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة؛ وهو بيان أحكام التأسّي، وتقرير الأحكام.
وقسم القاضي عياض ﵀ السَّهو عليه ﷺ ؛ في الأفعال إلى: ما لا طريقه البلاغ، وإلى ما طريقه البلاغ، ولإتيان الأحكام من الأفعال البشرية؛ ممَّا يختص به: من العبادات، والأذكار القلبية.
وأبى ذلك بعض من تأخر عن زمنه ﷺ ، وقال: إن أقوال الرسول ﷺ ،
وأفعاله، وإقراره؛ كله بلاغ، واستنتج بذلك: العصمة في العمل؛ بناء على المعجزة، تدل على العصمة، فيما طريقه البلاغ؛ وهذه كلها بلاغ، تتعلق بها العصمة، ولم يصرح في ذلك؛ بالفرق بين محمد، أو سهو، وأخذ البلاغ في الأفعال؛ من حيث التأسي به ﷺ ؛ فإن سوى بين السَّهو، والعمد فيها؛ فهذا الحديث يرد عليه.
قال القاضي عياض: واختلفوا في جواز السَّهو عليه ﷺ ؛ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع؛ من أفعاله، وعاداته، وأذكار قلبه؛ فجوزه الجمهور.
الموضع الثَّاني: جوازه في الأقوال؛ وهو ينقسم إلى: ما طريقه البلاغ؛ فالسهو فيه ممتنع إجماعًا؛ كامتناع العمد فيه، قطعًا وإجماعًا.
وأمَّا السَّهو في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا تستند الأحكام إليها، ولا أخبار المعاد، وما لا يضاف إلى وحي: فجوزه قوم؛ إذ لا مفسدة فيه، وليس هو من باب التبليغ الذي يتطرق به القدح في الشريعة.
стр. 530
والحق الذي لا مرية فيه، ولا تردد، ولا ترجيح: القولُ بمنع ذلك على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- في كل خبر من الأخبار؛ كما لا يجوز عليهم خُلْفٌ في خبر؛ لا عمدًا، ولا سهوًا، لا في صحة، ولا في مرض، ولا رضا، ولا غضب.
وحسبك في ذلك: أن سيرة [نبينا] ﷺ ، وكلامه، وأفعاله؛ مجموعة معتنًى بها على مر الزمان، يتداولها الموافق، والمخالف، والمؤمن، والمرتاب؛ فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول، ولا اعتراف بوهم في كلمة.
ولو كان، لنقل؛ كما نقل سهوه في الصَّلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مياه بدر، وفي قوله ﷺ : "واللهِ لا أحلفُ على يمين، فأرى غيرَها خيرًا منها؛ إلَّا فعلتُ الذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يميني" (١)، وغير ذلك.
وأمَّا جواز السَّهو عليه؛ في الاعتقادات في أمور الدنيا: فغير ممتنع.
والذي يتعلق بما ذكرنا، من هذا الحديث؛ قوله ﷺ : "لم أنَس، ولم تُقْصَر"، وفي رواية أخرى: "كل ذلكَ لم يكنْ"، وقد اعتذر عن ذلك بوجوه:
الأول: أن المراد: لم يكن القصر والنسيان معًا، وكان الأمر كذلك.
الثَّاني: أن المراد: الإخبارُ عن اعتقاد قلبه، وظنه؛ وكأنه مقدر النطق به، وإن كان محذوفًا؛ فإنّه لو صرح به، ثم بأن خلافُه في نفس الأمر، لم يقتض أن يكون خلافه في ظنه؛ فإذا كان لو، صرح به، وقيل: لم يكن ظني؛ لم يكن مغايرًا له؛ فكذلك إذا كان مقدرًا.
وهذان الوجهان؛ يختص الأول منهما: برواية من روى كل ذلك: "لم يكنْ"، فأما من روى: "لم أنَس، ولم تقصرْ"؛ فلا يصح فيه هذا التأويل.
وأمَّا الوجه الثَّاني: فهو مستمر على مذهب من يرى؛ أن مدلولَ اللفظ