ومتنه، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن؛ فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال له، وكل أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلَّا النَّبي ﷺ (١).
قوله: "فنبئت أنَّ عُمرانَ بنَ حُصين قال: ثم سَلَّمَ"؛ القائل: هو محمد ابن سيرين الراوي عن أبي هريرة؛ وهو مصرح بأنه لم يسمع ذلك من عمران، بل بواسطة.
وأعلم: أن أحاديث باب السهو في الصَّلاة: ستة، وإن كان الماوردي ذكرها: خمسة، وأغفل حديث عمران بن حصين ﵄؛ وهو: أنه ﷺ سلَّم في ثلاث، ثم صَلَّى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين.
الثَّاني: حديث أبي هريرة؛ فيمن شك؛ فلم يدر كم صَلَّى، وفيه: أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما.
الثالث: حديث أبي سعيد؛ فيمن شك، وفيه: أنه يسجد سجدتين قبل أن يسلم.
الرابع: حديث ابن مسعود؛ وفيه: القيام إلى خامسة، وأنه يسجد بعد السلام.
الخامس: حديث ذي اليدين؛ الذي ذكره المصنف، من حديث أبي هريرة؛ وفيه: السلام من اثنتين، والمشي، والكلام، وأنه سجد بعد السلام.
قال أبو عمر: وقد روى قصة ذي اليدين: عبدُ الله بن عمر، ومعاويةُ بنُ حُدَيْج -بضم الحاء المهملة-، وعمرانُ بنُ حُصين، وصاحب الجيوش، واسمه: عبد الله بن مسعدة؛ وهو معروف في الصحابة بابنِ مسعدة، له رواية عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
السادس: حديث ابن بحينة، وقد ذكره المصنف بعد هذا؛ وفيه: القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام.
стр. 527
واختلف العلماء، في الأخذ بهذه الأحاديث:
فمنهم: من وقف عليها في مواضعها، ومنع القياس عليها؛ كداود الظاهري، ووافقه أحمد في الصلوات المذكورة خاصة، وخالفه في غيرها، وقال: يسجد فيما سواها؛ قبل السلام، لكل سهو.
ومنهم من قاس: واختلف هؤلاء:
فقال بعضهم: هو غير في كل سهو؛ إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبله؛ في الزيادة، والنقص.
وقال أبو حنيفة: الأصل فيه: السجود بعد السلام، وتأول باقي الأحاديث عليه.
وقال الشافعي: الأصل فيه: السجود قبل السلام، وردَّ بقية الأحاديث إليه.
وقال مالك: إن كان السَّهو زيادة: سجد بعد السلام، وإن كان نقصًا: فقبله.
فأما الشافعي، فقال في حديث أبي سعيد: فإن كانت خامسة، شفعها، ونص على السجود قبل السلام، مع تجويز الزيادة، والمجوز كالموجود.
ويتأول حديث ابن مسعود؛ في القيام إلى خامسة، والسجود بعد السلام؛ على أنه ﷺ ما علم السَّهو إلَّا بعد السلام، ولو علمه قبله، لسجد قبله.
وتأول حديثَ ذي اليدين؛ على أنها صلاة جرى فيها سهو، فسها عن السجود قبل السلام، فتداركه بعده.
وأقوى المذاهب هنا: مذهب مالك؛ وهو قول للشافعي، ثم مذهب الشافعي؛ وله قول -أيضًا-: بالتخيير.
وعلى القول بالتفرقة؛ بين الزيادة والنقص، وهو أقواها؛ كما ذكرنا؛ لو اجتمع في صلاة سهوان؛ سهو بزيادة، وسهو بنقص: سجد قبل السلام، أو بعده، للزيادة، والنقص؛ أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنَّما اختلافهم في الأفضل.
стр. 528
ولو سها سهوين، فأكثر: كفاه سجدتان للجميع؛ وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وجمهور التابعين.
وعن ابن أبي ليلى: لكل سهو سجدتان؛ وفيه حديث ضعيف، والله أعلم.
وفي حديث ذي اليدين هذا فوائد؛ أصولية، وفروعية:
أما الأصولية:
فمنها: ما يتعلق بأصول الدين؛ فهو في موضعين:
أحدهما: جواز السَّهو في الأفعال على الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه-.
والثاني: في الأقوال.
أما الأول: فجوازه مذهب عامة العلماء، والنظار؛ وهذا الحديث يدل عليه؛ وهو مصرح به في حديث ابن مسعود ﵁: أنه ﷺ ينسى؛ كما تنسون (١)؛ وهو ظاهر القرآن.
وشذت طائفة من المتوغلين، فقالت: لا يجوز السَّهو عليه، وإنَّما ينسى قصدًا، أو يتعمد صورة النسيان؛ وهذا باطل؛ لإخباره ﷺ أنه ينسى، ولأن الأفعال العمدية تبطل الصَّلاة؛ ولأن صورة الفعل النسياني كصورة الفعل العمدي، وإنَّما يتميزان للغير بالإخبار.
والذين أجازوا السَّهو قالوا: لا يقر عليه؛ فيما طريقه البلاغ الفعلي، اختلفوا هل من شرط التنبيه الاتصال بالحادثة، أم لا يشترط، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ؛ وهو العمر؟
وهذه الواقعة -في حديث ذي اليدين- قد وقع البيان فيها على الاتصال، ومذهب أكثرين: أنه يشترط تنبيهه ﷺ على الفور متصلًا بالحادثة، ولا يقع فيه تأخير.
стр. 529
وجوزت طائفة: تأخيره مدة حياته ﷺ ؛ واختاره إمام الحرمين.
ومنعت طائفة من العلماء: السَّهوَ عليه ﷺ ؛ في الأفعال البلاغية، والعبادات؛ كما أجمعوا على منعه، واستحالته عليه؛ في الأقوال البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك؛ وإليه مال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني.
والصحيح: الأول؛ فإن السَّهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر عليه، لم يحصل فيه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة؛ وهو بيان أحكام التأسّي، وتقرير الأحكام.
وقسم القاضي عياض ﵀ السَّهو عليه ﷺ ؛ في الأفعال إلى: ما لا طريقه البلاغ، وإلى ما طريقه البلاغ، ولإتيان الأحكام من الأفعال البشرية؛ ممَّا يختص به: من العبادات، والأذكار القلبية.
وأبى ذلك بعض من تأخر عن زمنه ﷺ ، وقال: إن أقوال الرسول ﷺ ،
وأفعاله، وإقراره؛ كله بلاغ، واستنتج بذلك: العصمة في العمل؛ بناء على المعجزة، تدل على العصمة، فيما طريقه البلاغ؛ وهذه كلها بلاغ، تتعلق بها العصمة، ولم يصرح في ذلك؛ بالفرق بين محمد، أو سهو، وأخذ البلاغ في الأفعال؛ من حيث التأسي به ﷺ ؛ فإن سوى بين السَّهو، والعمد فيها؛ فهذا الحديث يرد عليه.
قال القاضي عياض: واختلفوا في جواز السَّهو عليه ﷺ ؛ في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ، وبيان أحكام الشرع؛ من أفعاله، وعاداته، وأذكار قلبه؛ فجوزه الجمهور.
الموضع الثَّاني: جوازه في الأقوال؛ وهو ينقسم إلى: ما طريقه البلاغ؛ فالسهو فيه ممتنع إجماعًا؛ كامتناع العمد فيه، قطعًا وإجماعًا.
وأمَّا السَّهو في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من الأخبار التي لا تستند الأحكام إليها، ولا أخبار المعاد، وما لا يضاف إلى وحي: فجوزه قوم؛ إذ لا مفسدة فيه، وليس هو من باب التبليغ الذي يتطرق به القدح في الشريعة.
стр. 530
والحق الذي لا مرية فيه، ولا تردد، ولا ترجيح: القولُ بمنع ذلك على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- في كل خبر من الأخبار؛ كما لا يجوز عليهم خُلْفٌ في خبر؛ لا عمدًا، ولا سهوًا، لا في صحة، ولا في مرض، ولا رضا، ولا غضب.
وحسبك في ذلك: أن سيرة [نبينا] ﷺ ، وكلامه، وأفعاله؛ مجموعة معتنًى بها على مر الزمان، يتداولها الموافق، والمخالف، والمؤمن، والمرتاب؛ فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول، ولا اعتراف بوهم في كلمة.
ولو كان، لنقل؛ كما نقل سهوه في الصَّلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل، وفي نزوله بأدنى مياه بدر، وفي قوله ﷺ : "واللهِ لا أحلفُ على يمين، فأرى غيرَها خيرًا منها؛ إلَّا فعلتُ الذي هو خيرٌ، وكَفَّرْتُ عن يميني" (١)، وغير ذلك.
وأمَّا جواز السَّهو عليه؛ في الاعتقادات في أمور الدنيا: فغير ممتنع.
والذي يتعلق بما ذكرنا، من هذا الحديث؛ قوله ﷺ : "لم أنَس، ولم تُقْصَر"، وفي رواية أخرى: "كل ذلكَ لم يكنْ"، وقد اعتذر عن ذلك بوجوه:
الأول: أن المراد: لم يكن القصر والنسيان معًا، وكان الأمر كذلك.
الثَّاني: أن المراد: الإخبارُ عن اعتقاد قلبه، وظنه؛ وكأنه مقدر النطق به، وإن كان محذوفًا؛ فإنّه لو صرح به، ثم بأن خلافُه في نفس الأمر، لم يقتض أن يكون خلافه في ظنه؛ فإذا كان لو، صرح به، وقيل: لم يكن ظني؛ لم يكن مغايرًا له؛ فكذلك إذا كان مقدرًا.
وهذان الوجهان؛ يختص الأول منهما: برواية من روى كل ذلك: "لم يكنْ"، فأما من روى: "لم أنَس، ولم تقصرْ"؛ فلا يصح فيه هذا التأويل.
وأمَّا الوجه الثَّاني: فهو مستمر على مذهب من يرى؛ أن مدلولَ اللفظ
стр. 531
الخبري هو: الأمور الذهنية، فإنّه لم يذكر ذلك؛ فهو الثابت في نفس الأمر، ولا يصير كالملفوظ به.
الثالث: أن قوله ﷺ : "لم أنس"، يُحمل على السلام؛ أي: إنه كان مقصودًا، لكنه بنى على التمام، ولم يقع سهوًا في نفسه، وإنَّما وقع في عدد الركعات؛ وهذا بعيد.
الرابع: الفرق بين السَّهو، والنسيان؛ فإن النَّبيَّ ﷺ ، كان يسهو، ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان؛ لأنَّه غفلة، ولم يغفل عنها، وكان شغله بحركات الصَّلاة وما فيها، شغلًا بها، لا غفلة عنها؛ ذكر ذلك القاضي عياض (١).
قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وليس هذا في تلخيص للعبارة عن حقيقة السَّهو والنسيان، مع بعد الفرق بينهما؛ في استعمال اللغة؛ وكأنه يتلوح من اللفظ، على أن النسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو: عدم النسيان لأمر يتعلق به، وبكون الإعراض نسيانًا عن تفقد أمورها حتَّى يحصل عدم الذكر، لا لأجل الإعراض؛ وليس في هذا -بعد ما ذكرناه- تفريق كلي يخص السَّهو والنسيان، والله أعلم (٢).
الخامس: ذكر القاضي عياض ﵀: أنه ظهر له ما هو أقرب وجهًا، وأحسن تأويلًا؛ وهو أنه إنما أنكر ﷺ : فنسيتَ، المضافة إليه؛ وهو الذي نهى عنه بقوله: "بِئْسَما لأَحَدِكُمْ أَنْ يقولَ: نَسيتُ، ولكنه نُسِّيَ" (٣).
وقد روي: "إنِّي لا أَنسى -على النفي-، ولكن أُنَسَّى" (٤)، وقد شك
стр. 532
الراوي؛ على رأي بعضهم في الرواية الأخرى، هل قال: أَنسى، أو أُنَسّى؟ وأن "أو" هنا للشك، وقيل: بل للتقسيم.
وإن كان هذا: يكون مرَّة من قبل شغله، وسهوه، ومرة يغلب على ذلك، ويجبر عليه ليسن؛ فلما سأله السائل بذلك اللفظ، أنكره، وقال: "كلُّ ذلك لم يكنْ"، وفي الرواية الأخرى: "لم أَنس، ولم تُقْصَرْ"، أما القصرُ فتبين؛ وكذلك لم أَنس حقيقةً من قبل نفسي وغفلتي عن الصَّلاة، ولكن الله نَسّاني، لأَسُنَّ.
وأعلم: أنه ثبت في الصحيح؛ من حديث ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لو حدثَ في الصَّلاة شيءٌ، لأنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر، أَنْسى كما تنسون؛ فإذا نَسيتُ فذكِّروني" (١).
وهذا يعترض على ما ذكره القاضي عياض؛ من أنه ﷺ أنكر نسبة النسيان إليه، وقد نسبه إليه؛ في حديث ابن مسعود هذا مرتين، وما ذكره -أيضًا-؛ من أنه ﷺ قال: "بئسما لأحدِكم أن يقولَ: نَسيتُ آية كذا" (٢).
وهذا ذم لإضافة نسبة النسيان إليه، ولا يلزم من الذم للإضافة إليها؛ الذم لإضافته إلى كل شيء؛ فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبح بالمسلم إضافة كلام الله تعالى، ونسيانه، إلى نفسه؛ وليس هذا المعنى موجودًا، في كل نسيان ينسبه إلى نفسه؛ فلا يلزم مساواة غير الآية لها.
وكيفما كان، لم يلزم من الذم الخاص الذم العام لو لم تظهر مناسبة، وإذا لم يلزم ذلك؛ لم يلزم أن يكون قول القائل، الذي أضافه إلى عدد الركعات؛ داخلًا تحت الذم، فينكر، والله أعلم.
ولما تكلم بعض المتأخرين؛ على هذا الموضع، ذكر أن التحقيق في الجواب عنه: أن العصمة إنَّما تثبت في الإخبار عن الله تعالى؛ في الأحكام،
стр. 533
وغيرها؛ لأنَّه الذي قامت عليه المعجزة، أما إخباره عن الأمور الوجودية: فيجوز عليه النسيان؛ لو ضعفنا القول به، والله أعلم.
وأمَّا ما يتعلق بأصول الفقه؛ وهي قواعد فروع الدين:
فقد احتج بهذا الحديث على: جواز الترجيح بكثرة الرواة؛ من حيث إن النَّبيَّ ﷺ طلب إخبار القوم، بعد إخبار ذي اليدين.
وفي ذلك بحث؛ من حيث إنه ليس المطلوب هنا السؤال؛ للتحمل، والإخبار، بل لتقوية الأمر المسؤول عنه، وتحقيقه، لا للترجيح للتعارض، والله أعلم.
وأمَّا ما يتعلق بالفروع؛ ففي هذا الحديث فوائد:
منها: أن أبا هريرة ﵁ صَلَّى مع النَّبيِّ ﷺ هذه الصَّلاة، التي سلم منها من اثنتين، ومعلوم أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وأنه لم يحصل له صحبة مع النَّبيِّ ﷺ سوى هذه المدة؛ فيكون حديث ذي اليدين متأخرًا؛ فلا يكون منسوخًا.
ومنها: أن نسيان الراوي لعين المروي لا يمنع الرواية، خصوصًا إذا لم يتلبس بإيهامه حكم.
ومنها: أن نية الخروج من الصَّلاة، وقطعها، إذا كانت بناء على ظن التمام؛ لا يوجب بطلانها.
ومنها: أن السلام سهوًا لا يبطل الصَّلاة.
ومنها: أن كلام الناسي لا يبطل الصَّلاة؛ وكذلك الذي يظن أنه ليس منها، لا يبطلها؛ وبه قال جمهور العلماء؛ من السلف، والخلف، وبه قال ابن عباس، وعبد الله، وعروة؛ ابنا الزُّبير، وعطاء، والحسن، والشعبي، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وجميع المحدثين.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري؛ في أصح الروايتين عنه: تبطل
стр. 534
صلاته؛ بالكلام ناسيًا، أو جاهلًا؛ لحديث ابن مسعود، وغيره، وزعموا: أن قصة ذي اليدين منسوخة به؛ بناء على أن ذا اليدين قتل يوم بدر، وأن قصته في الصَّلاة كانت قبل بدر.
قالوا: ولا يمنع من هذا كون أبي هريرة رواه؛ وهو متأخر الإسلام عن بدرٍ؛ لأنَّ الصحابي قد يروي ما لا يحضره؛ بأن سمعه من النَّبيِّ ﷺ ، أو صحابي آخر.
والجواب عن ذلك: أنه لا يصح ادعاء النسخ لحديث أبي هريرة بحديث ابن مسعود؛ لاتفاق العلماء من المحدثين، وأهل السير على: أن حديث ابن مسعود في تحريم الكلام في الصَّلاة كان بمكة، حين رجع من أرض الحبشة، قبل الهجرة، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كان بالمدينة متأخرًا عن عام خيبر، بدليل ما ذكرناه؛ من شهوده القصة، وإسلامه عام خيبر، كما تقدم، وقد بينا غلط الزُّهريّ فيما يتعلق بـ "ذي اليدين" من تسميته ذي الشِّمالين، وأنه استشهد يوم بدر.
ومنها: أن كلام العمد لإصلاح الصَّلاة يبطلها عند جمهور الفقهاء، وروى ابن القاسم عن مالك: أن الإمام لو تكلم بما تكلم به النَّبيُّ ﷺ من الاستفسار والسؤال عند الشَّك وإجابة المأمومين: أن صلاتهم تَامَّة على مقتضى الحديث، والذين منعوا من هذا اختلفوا في الاعتذار عن هذا الحديث على وجوه:
منها: أنه منسوخ، وقد بينا بطلانه.
ومنها: التأويل لكلام الصحابة بأنه الإشارة والإيماء، لا بالنطق، وفيه بعد؛ لأنَّه خلاف الظاهر من حكاية الراوي لقولهم، وإن كان قد ورد في حديث حماد بن زيد في رواية لأبي داود بإسناد صحيح: "أن الجماعة أَوْمَؤوا" (١) أي: نعم، فيمكن الجَمْعُ بين أن يكون بعضُهم نقل ذلك إيماء، وبعضهم كلامًا، واجتمع الأمران في حق بعضهم.
ومنها: أن كلامهم كان إجابة للرسول ﷺ ، وإجابته واجبة، واعتَرَض عليه
стр. 535
بعض المالكية بأن قال: إن الإجابة لا تتعين بالقول، فيكفي فيه الإيماء، وعلي تقدير أن يجب لا يلزم منه الحكم بصحة الصَّلاة؛ لجواز أن يجب الإجابة، ويلزمهم الاستئناف.
ومنها: أن الرسول ﷺ تكلم معَتقِدًا لتمام الصَّلاة، والصحابة تكلموا مجوزين النسخَ، فلم يكن كلام واحد منهم مبطِلًا، وهذا يضعفه ما في "كتاب مسلم" أن ذا اليدين قال: أَقُصِرَتِ الصلاةُ يا رسول الله أم نسيتَ؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله ﷺ على النَّاس فقال: "أَصدقَ ذو اليدين؟ "، فقالوا: نعم يا رسول الله، بعد قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" (١).
وقوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" يدلُّ على عدم النسخ، فقد تكلموا بعد العلم بعدم النسخ.
قال شيخنا أبو الفتح ﵀: وليتنبه ها هنا لنكتة لطيفة في قول ذي اليدين: قد كان بعضُ ذلك، بعد قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكنْ"؛ فإن قوله: "كل ذلك لم يكنْ" تضمن أمرين:
أحدهما: الإخبارُ عن حكم شرعي، وهو عدم القصر.
والثاني: الإخبار عن أمر وجودي، وهو النسيان، وأحد هذين الأمرين لا يجوز فيه السَّهو، وهو الإخبار عن الأمر الشرعي، والآخر متحقق عند ذي اليدين، فلزم أن يكون بعض ذلك كما ذكر (٢).
ومنها: أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس أفعال الصَّلاة إذا وقعت سهوًا لا تبطل الصَّلاة؛ بدليل أنه ﷺ جرى منه أفعال كثيرة: مشيُه ﷺ إلى منزله، وإتيانُه جذعًا في قبلة المسجد، واستناده إليه لما خرج سرعان النَّاس، وكلامُه لذي اليدين وغيره، وتقدُّمه لإتمام ما بقي من صلاته، وفي هذه المسألة وجهان
стр. 536
لأصحاب الشافعي ﵀، الصحيح عند المتولي: ما ذكرنا، والمشهور في المذهب: أنها تبطل، وهو مشكل، وتأويل الحديث عليه صعب، أما الأفعال القليلة أو الكثيرة المتفرقة، فإنّها لا تبطل قطعًا، خصوصًا إن كانت لعذر، والله أعلم.
ومنها: جوازُ البناء على الصَّلاة بعدَ السلام سهوًا، وجمهورُ العلماء عليه؛ سواء كان السَّهو بعد ركعة أو ركعتين أو ثلاثًا؛ لأنَّ الأصل في جواز البناء إذا سلم سهوًا؛ لهذا الحديث، وهو ركعتان، وفرعه السلام من ركعة أو ثلاث، فهو في معنى الأصل، ومساو له، وإن خالف القياس عند بعض أهل الأصول، وقد علمنا أن المانع لصحة الصَّلاة إن كان هو الخروج منها بالنية والسلام، وهذا المعنى قد ألغي عند ظن التمام بالنص، فإذًا الفرع في معنى الأصل بلا فرق.
وذهب سحنون من المالكية إلى تخصيص جواز البناء إذا سلم من ركعتين، على ما ورد في الحديث، ولعله رأى أن البناء بعد قطع الصَّلاة ونية الخروج منها على خلاف القياس، وإنَّما ورد النص في هذه الصورة المعينة على خلافه، وهو السلام من اثنتين، فيقتصر على مورد النص، ويبقى فيما عداه على القياس.
ومنها: تقدير القرب في جواز البناء بما ورد في هذا الحديث، وما عداه طويل، فلا يجوز فيه البناء، وهو وجه في مذهب الشافعي، وقدره بعضهم بالعرف، واختاره جمهور الشافعيين، وقدره بعضهم بمقدار الصَّلاة، وبعضهم بمقدار ركعة، وهو مرجوح عندهم، وأبى ذلك بعض المتقدمين، وقال بجواز البناء وإن طال، ما لم ينتقض فيه وضوءه، وروي ذلك عن ربيعة، وقيل نحوه عن مالك، وليس بمشهور عنه، والمختار الأول، خصوصًا على رواية من روى أنه ﷺ وصل إلى منزله، ثم خرج منه.
ومنها: شرعيةُ سجود السَّهو.
стр. 537
ومنها: أن سجود السَّهو سجدتان.
ومنها: أنه في آخر الصَّلاة، وقيل في حِكْمَةِ كونه في آخرها احتمال طرآن سهوٍ آخر، فيكون جابرًا للكل، ويتفرع على ذلك أنه لو سجد، ثم تبيّن أنه لم يكن في آخر الصَّلاة، أعاده في آخرها، ويتصور ذلك في صورتين:
إحداهما: أن يسجد للسهو في الجمعة، ثم يخرج الوقت، وهو في السجود الأخير، فيلزمه إتمام الظهر، ويعيد السجود.
والثانية: أن يكون مسافرًا، فيسجد للسهو، وتصل به السفينة إلى الموطن، أو ينوي الإقامة، فيتم ويعيد، والله أعلم.
ومنها: أن سجود السَّهو يتداخل، ولا يتعدد بتعداد أسبابه؛ فإنّه قد تعدد في هذا الحديث الجنس في القول والفعل، ولم يتعدد في السجود، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، ومنهم من قال بتعدد السَّهو، ومنهم من فرق بين اتحاد الجنس وتعدده، فإن اتحد، لم يتعدد، وإلا تعدد.
ومنها: أن محل سجود السهو بعد السلام، وقد تقدم في الكلام على ألفاظ هذا الحديث اختلاف العلماء في ذلك، وتقرير مذهب الشافعي، وتأليف الأحاديث عليه، ومأخذنا في المذاهب، وأن أقواها مذهب مالك، وهو ما كان من نقص فمحله بعد السلام، وأومأ إليه الشافعي في القديم، والأحاديث ثابتة في السجود بعد السلام، في الزيادة، وقبلَه في النقص، وعلى ذلك جمع مالك - رحمه الله تعالى- بينها، والذين قالوا بأن الكل قبل السلام؛ كالشافعي، ومن وافقه أو تابعه من العلماء، اعتذروا عن الأحاديث التي جاءت بعد السلام بوجهين:
أولهما: ادعاء النسخ بقول الزُّهريّ أن آخر الأمرين من فعل النَّبيِّ ﷺ السجود قبل السلام.
وثانيهما: أن الذين رووه قبله من متأخري الإسلام وأصاغر الصحابة.
وقد اعترض على رواية الزُّهريّ بالإرسال، ولو كانت مسندة، فشرط النسخ
стр. 538
التعارض باتحاد المحل، ولم يقع ذلك مصرحًا به في رواية الزُّهريّ، فيحتمل أن يكون الآخر هو السجود قبل السلام، لكن في محل النقص، وإنَّما يقع التعارض المحوج إلى النسخ لو بين أن المحل واحد، ولم يبين ذلك، واعترض على أن الذين رووا السجود قبل السلام من متأخري الإسلام وأصاغر الصحابة بأنه: لا يلزم منه التحمل حال الإسلام وكبرهم، بل يكون قبلهما، ثم رووه بعدهما، من الاعتذار عن الأحاديث التي جاءت بالسجود بعد السلام التأويل، بأن المراد بالسلام السلام على النَّبيِّ ﷺ الذي في التشهد، أو يكون بأخيرهما بعده على سبيل السَّهو، وهما بعيدان؛ لسبق الفهم في السلام هو الذي يقع به التحلل، لا الذي في التشهد، والأصل عدم السَّهو وبطريق إلى الأفعال الشرعية من غير دليل سائغ، وأيضًا فهو مقابل بعكسه، وهو أن يقول الحنفي: محله بعد السلام، وتقدمه قبله على سبيل السَّهو، ومن الاعتذار عنها الترجيح بكثرة الرواة، وهو إن صح، فالاعتراض عليه بأن طريقة الجمع أولى من الترجيح؛ لأنَّه إنَّما يصار إليه عند عدم إمكانه، ولا بد فيه من النظر في محل التعارض، وإيجاد موضع الخلاف من الزيادة والنقصان.
وأمَّا القائلون بأن محله بعد السلام مطلقًا، فاعتذروا عن الأحاديث المخالفة لقولهم بالتأويل، إما بأن المراد بقوله: قبل السلام: السلام الثَّاني، أو بأن المراد بقوله: وسجد سجدتين: سجوَدَ الصَّلاة، وما ذكره الأولون من احتمال السَّهو لا يكون إلَّا بعد التسليمتين اتفاقًا.
وذهب أحمد بن حنبل ﵀ إلى الجمع بين الأحاديث بطريق آخر غير ما ذهب إليه مالك، وهو أن يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه حديث، فمحل السجود فيه قبل السلام، وكان هذا نظرًا إلى أن الأصل في الجائز أن يقع في المجبور، فلا يخرج عن هذا الأصل إلَّا في مورد النص، ويبقى فيما عداه على الأصل.
وهذا المذهب مع مذهب مالك متفقان في طلب الجمع وعدم سلوك
стр. 539
الترجيح، لكنهما اختلفا في وجه الجمع، وترجح قول مالك بذكر المناسبة في أن سجود السَّهو عند النقص قبل السلام، وعند الزيادة بعده، وإذا ظهرت المناسبة، وكان الحكم على وفقها، كانت علة، وإذا كانت علة، عم الحكم جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النص.
ومنها: أن حكم سهو الإمام يتعلق بالمأمومين، فيسجدون معه، وإن لم يسهُوا؛ بدليل أن القوم سجدوا مع النَّبيِّ ﷺ لسهوه في هذا الحديث لما سجد، وهذا إنَّما يتم في حق من لم يتكلم من الصحابة، ولم يمش، ولم يسلم أنه كان لذلك.
ومنها: أن التكبير في سجود السَّهو كما في سجود الصَّلاة.
ومنها: أنه لا يشرع التشهد بعد سجود السَّهو؛ فإنّه لم يذكر في الحديث، فدل على عدمه في الحكم، وقد فعل العلماء في استدلالهم ذلك كثيرًا، فيقولون: لو كان، لذكر، وقد اختلف أصحاب مالك فيه إذا كان سجودُ السَّهو قبل السلام.
ومنها: جواز رجوع المصلي في قدر صلاة نفسه إلى قول غيره؛ إمامًا كان أو مأمومًا، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعي، ذكره صاحب "التتمة"، والجمهور على خلافه، وقالوا: لا يعمل المصلي إلَّا على يقين نفسه، إلَّا أن يكون المجيزون ممن يحصل اليقين بقولهم، وهو أن يبلغوا إلى حد التواتر، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن النَّبيَّ ﷺ كان سؤاله لهم ليتذكر، لا رجوعًا إلى قولهم، فلما ذكروه، ذكر، فعلم السَّهو، فبنى عليه، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره، رجع إليه لما قالَ ذو اليدين حين قال له النَّبيُّ ﷺ : "لم تقصر، ولم أنس"، والله أعلم.
* * *
стр. 540
الحديث الثَّاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنة، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الركْعَتينِ الأولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصلاَةَ، وانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ (١).
أما عبدُ الله بن بُحينة:
فهو منسوب هنا إلى أمه، واسمُ أبيه: مالك، وتقدم الكلام عليه في آخر باب صفة صلاة النَّبيِّ ﷺ .
وأعلم أن كل واحد من التشهدِ الأول وجلوسِه يُشرع لتركه سجودُ السَّهو، وفي هذا الحديث قد تُركا، وسُجد لتركهما سجدتا السَّهو، فيستدل به على أنه إذا سها سهوين أو أكثر: أنه يكفيه سجدتان، وحينئذ يحتمل أن السجود لترك الجلوس، وجاء من ضرورته الوجودية تركُ التشهد، فلا يتعين أن الحكم في السجود ترتَبَ على ترك التشهد فقط.
وقد دل هذا الحديث على شرعية سجود السَّهو لما نقص من الصَّلاة قبل السلام، فإنّه نقص من الصَّلاة المذكورة الجلوس الأوسط وتشهده، ويلزم من ذلك أن الجلوس المذكور وتشهده ليسا بواجبين؛ لأنَّ الواجب لا يجبر إلَّا بتداركه وفعله، فلما جبرا بالسجود، علمنا عدم وجوبهما، ولزم من ذلك عدم تكرر السجود عند تكرير السَّهو؛ لتركه الجلوسَ وتشهدَه، وسجودُه لهما سجدتان من غير تكرير، وهذا إذا ثبت أن ترك التشهد الأول بمفرده موجبٌ.
وفيه دليل على: وجوب متابعة الإمام، وإن ترك بعضًا مسنونًا من الصَّلاة، وهذا لا إشكال فيه، خصوصًا على قول من يقول: إن الجلوس الأول سنة، وهو
стр. 541
مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والجمهور، وأحمد.
وقال أحمد في طائفة قليلة: هما واجبان، يُجبران بالسجود لسهوهما على مقتضى الحديث، لكن متابعة الإمام واجبة عند جميعهم؛ لاتفاقهم على أن من ترك سنة أو واجبًا مجبورًا، وتلبس بواجب: أنه يستمر فيه، ولا يجوز له الرجوع إلى ما ترك، فلا يترك المأموم واجبين، أحدهما متابعة الإمام، والثاني التلبس بواجب، وهو القيام لأجل المحافظة على سنة أو واجب مجبور، والله أعلم.
وفيه دليل على: شرعية التكبير لسجود السَّهو، وهو مجمَع عليه، واختلف العلماء فيما إذا فعلهما بعد السلام، هل يحرم، ويتشهد ويسلم؟ والصحيح في مذهب الشافعي أنه يسلم، ولا يتشهد؛ كصلاة الجنازة.
وقال مالك: يتشهد، ويسلم في سجود السَّهو بعد السلام.
واختلف قوله: هل يحرم لهما، ويجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وقد ثبت السلام لهما إذا فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود، وحديث ذي اليدين، ولم يثبت في التشهد حديث.
ثم سجود السَّهو يشرع في صلاة التطوع كالفرض عند جمهور العلماء، وقال ابن سيرين وقتادة: لا سجود للتطوع، وهو قول غريب ضعيف عن الشافعي، والله أعلم.
* * *
стр. 542
باب المرور بين يدَي المصلِّي
الحديث الأول
عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَاري ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لوْ يَعْلَمُ المَارُّ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْم، لَكَانَ أَنْ يقفَ أَرْبَعِينَ خَيرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ"، قَالَ أَبُو النَّضَرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةُ (١).
أما أبو جُهيم:
فاسمه: عبدُ الله بنُ جُهيمٍ الأنصاريُّ، كذا قاله الحافظ أبو عمرَ بنُ عبد البر في كتابه "الكنى" من معرفة الصحابة (٢)، ونقله عن مالك بن أنس، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بشرِ بنِ سعدٍ، عن أبي جُهيم، قال. وذكره وكيعٌ عن سفيانَ الثوريّ، عن سالم أبي النضر، عن بُسْرِ بن سعيد، عن عبد الله بن جُهيم، قال، فلم يذكر كنيته، وهو أشهر بكنيته على ما قاله مالك.
وروى عنه بسر بن سعيد مولى الحضرميين، عن النَّبيِّ ﷺ في المار بين يدي المصلي: أنه لو علم ما عليه في المرور بين يديه من الإثم، الحديث، قال:
стр. 543
يقال: أبو جهم هذا هو ابنُ أخت أُبي بن كعب، ولست أقف على نسبه في الأنصار، هذا آخرُ كلام أبي عمر -رحمه الله تعالى-، فعلى هذا يكون ما ذكره المصنف من نسبه غلطًا، كيف وقد ذكر الحافظ أبو عمر بعده: أبو الجهيم، قال: ويقال: أبو الجهم بن الحارث بنِ الصمة الأنصاري، أبوه من كبار الصحابة، روى عن أبي جهم هذا عُمير مولى ابن عباس في التَّيمم في الحضر على الجدار، هذا آخر كلام ابن عبد البر.
وحديث التَّيمم المذكور رواه البُخاريّ والنَّسائيُّ وأبو داود، وأخرجه مسلم في "صحيحه" منقطعًا، وهو أحد الأحاديث المنقطعة فيه، ولفظ أبي داود وروايته له من رواية عمير مولى ابن عباس: أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن سيّار مولى ميمونةَ زوجِ النَّبيِّ ﷺ حتَّى دخلنا على أبي الجهيم بنِ الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبلَ رسولُ الله ﷺ من نحو بئرِ جملٍ، فلقيه رجل مسلم فسلَّم عليه، فلم يَرد عليه رسول الله ﷺ السلام، حتَّى أتى على جدار، فمسح وجهه ويديه، ثم رد ﵇.
فمقتضى كلام ابن عبد البر: أن أبا جُهيم راويَ حديث التَّيمم غيرُ راوي حديث المرور بين يدي المصلي، لكن ذكرَ الحفاظِ له روايته يدل على أنه راويهما، وقد صرح بذلك القاضي عياض، فقال: هو المذكور في التَّيمم، قال: وهو غير أبي جَهْم -بفتح الجيم مكبر- الذي قال النَّبيُّ ﷺ : "اذهبوا بهذه الخَميصَةِ إلى أبي جَهْم" (١)؛ فإن اسمه عامرُ بنُ حذيفة العدوي، وهذا البيان من القاضي عياض إنَّما يجيء على قول من قال في كنية ابن الحارث بن الصمة: أبو الجهم، أما من قال فيه: أبو الجهيم -مصغر بالياء-، فلا يتجه بيانه إلَّا لخوف الاشتباه بالتصحيف، وقد ذكره الحافظ أبو محمد المصنف في "كماله" (٢) في
стр. 544
أسماء رجال الكتب الستة، في الصحابة منه، فقال: أبو جهيم ابنُ الحارث بنِ الصمة بنِ عمرو بن عتيكِ بنِ عمرِو بن مبذول، وهو عامرُ بنُ مالكِ بنِ النجارِ، ويقال: هو أبو جُهيم بنُ الحارثِ بنِ الصمةِ بنِ حارثةَ بنِ الحارثِ بنِ زيدِ مناةَ بنِ حبيبِ بنِ عبدِ حارثةَ بنِ مالكِ بنِ عضبِ بنِ جشم بنِ الخزرجِ الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله.
اتفقا له على حديثين، روى عنه بسرُ بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس.
روي له الجماعة، وهذا يدل على أنه راويهما عنده.
وذكر الحافظ أبو الوليد محمد بن عبد الله بن خيرة في كتابه "المعجم المختصر والمدخل إلى معرفة أصحاب رسول الله ﷺ "، فقال: أبو جهم ابنُ الحارث بن الصمةِ بنِ عمرو بنِ عتيك بن مبذول الأنصاري، له صحبه ورواية، وأخوه سعيد بن الحارث شهدَ صفينَ مع عليّ، فقتل بها، روى عنه عمير مولى ابن عباس، قال: أقبل النَّبيُّ ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل مسلم، فسلم عليه، فأقبل النَّبيُّ ﷺ على الجدار، فمسح وجهه ويديه، ورد عليه، وليس يروي عن النبي ﷺ التيمم في الحضر إلَّا من هذا الوجه، وأمَّا أبو جهم بن حذيفة صاحبُ الأنبجانية، فقال: اسمه عبيد، وليست له رواية عن النَّبيِّ ﷺ ، هذا آخر كلامه، والله أعلم بالصواب، لكن الظاهر فيه قول الجماعة من أنه راوي الحديثين، وقول ابن عبد البر مخالف لهم، والله أعلم (١).
وأمَّا أبو النضر:
المذكور فيه، فهو راوي الحديث عن بسر بن سعيد، عن أبي جُهيم، واسمه
стр. 545
سالم بن أبي أميَّة، مدني، قرشي، تيمي، مولى عمرَ بن عبيد الله التَّيميُّ، وكاتبه، وهو تابعي، سمع أربعة من الصحابة: أنسًا، وابن أبي أوفى، وعوف بن مالك، والسائب بن يزيد، اتفقوا على توثيقه وصلاحه وحسن حديثه، قال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث، وقال ابن سعد: صالح، ثقة، كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صالح، ثقة، حسن الحديث، مات سنة تسع وعشرين ومئة، روي له البُخاريّ ومسلم وأصحاب السنن (١).
وأمَّا ألفاظه:
فقوله: "لكانَ أنْ يقفَ أربعين خيرًا له" إلى آخره: رُوي (خيرًا) منصوبًا ومرفوعًا على أنه اسم كان أو خبرها، وهو ظاهر، ومعناه: لاختار وقوف هذه المدة على ما عليه من الإثم، وذكر ابن أبي شيبة فيه: "لكان أن يقف مئةَ عام خيرًا له" (٢)، وكل هذا تغليظ وتشديد، ووقع الإبهام في تمييز العدد ليكون أردعَ عن المرور بين يدي المصلي، وهذا إذا لم يكن المصلي متعديًا بوقوفه في الصَّلاة بأن يصلِّي في طريق النَّاس أو في غيرها إلى غير سترة ونحوها.
ثم للمار والمصلِّي أربع صور:
الأولى: أن يكون للمار مندوحةٌ عن المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي لذلك، فالإثم خاص بالمار إن مرَّ.
الصورة الثَّانية: أن يتعرض المصلي لمرور المار عليه، وليس للمار مندوحة عن المرور، فالإثم خاص بالمصلي دون المار.
الصورة الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور عليه، وللمارِّ مندوحةٌ عن
стр. 546
المرور، فيمر، فيأثمان، أما المصلي؛ فلتعرضه، وأمَّا المار؛ فلمروره مع إمكان ألا يفعل.
الصورة الرابعة: ألَّا يتعرض المصلي، ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.
وفي الحديث: النَّهي الأكيدُ والزجرُ الشديدُ عن المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن المصلي متعديًا؛ لما فيه من شغل قلبه عما هو بصدده، والدخول بينه وبين ربه.
* * *
الحديث الثَّاني
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيءٍ يَسترهُ مِنَ النَّاسِ، فَأرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بينَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإن أبى، فَلْيقاتِلْهُ؛ فَإنَّما هُوَ شَيْطَان" (١).
تقدم الكلام على أبي سعيد ونسبه فيما تقدم.
أما قوله ﷺ : "إذا صَلَّى أحدكم إلى شيء يستره من النَّاس": فهو عام في كل ما يستره من جماد وحيوان، إلَّا ما ثبت المنع من استقباله؛ من آدمي أو ما أشبه الصنمَ المصمودَ إليه، وما في معنى ذلك، وقد كره ذلك بعض الفقهاء، قال: لأنَّه يصير في صورة المصلَّى إليه، وكرهه مالك في المرأة، قال بعض العلماء: يستحب أن يجعل المصلي السترةَ عن يمينه أو شماله ولا يصمدَ لها.
وقوله ﷺ : "فإذا أرادَ أن يجتازَ بينَ يديه فَلْيدفعه": هذا الأمر الظاهرُ فيه الوجوب، لكن اتفق العلماء على أنه أمرُ ندب متأكد.
قال شيخنا أبو زكريا النواوي ﵀: ولا أعلم أحدًا من العلماء
стр. 547
أوجبه، بل صرح أصحاب الشافعي وغيرهم بأنه مندوب غير واجب، وهذا لمن لم يفرِّطْ في ترك الصلاة إلى سترة، أما إذا فَرَّطَ بترك الصلاة إليها، أو تباعد عنها على قدر المشروع، فمر مارٌّ وراء موضع السجود، لم يكره، وإن مر موضع السجود كُرِه، ولكن ليس للمصلي أن يقاتله، وعلة ذلك تقصيره [لأنه] لم يقرب من السترة.
نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على ذلك، قال: وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز للمصلي المشيُ إليه ليدفعه، وإنما يدفعه ويرده من موقفه، إما بإشارة، أو بشيء؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظمُ من مرور المار من بعيد بين يديه، وإنما أُبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أُمر المصلي بالقرب من سترة، وإنما يرده إذا كان بعيدًا بالإشارة أو التسبيح، قال: وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر، لا يرده؛ لئلا يصير مرورًا ثانيا، إلا شيئًا روي عن بعض السلف أنه يردّه، وتأوله بعضهم، هذا كلام القاضي عياض (١).
وقوله ﷺ : "وإنْ أبى، فَلْيقاتله": ليس المراد بالمقاتلة المقاتلةَ بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى الهلاك، بالإجماع، وإنما المراد: قوة المنع له على المرور؛ بحيث لا ينتهي إلى الأعمال الشانئة للصلاة.
قال أصحاب الشافعي: يرده إذا أراد المرور بين يديه بأسهل الوجوه، فإن أبى، فبأشد منه، وإن أدى إلى قتله، فلا شيء عليه؛ كالصائل عليه لأخذ نفسه أو ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، وهي مباحة، فلا ضمان فيها، فلو قاتله بما يجوز قتاله به، فهلك، فلا قود عليه باتفاق العلماء، وهل يجب دية، أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك.
стр. 548
وفي الحديث دليل على جواز العمل في الصلاة لمصلحتها من غير كراهة.
وقوله ﷺ : "فإنَّما هو شيطانٌ": يعني أن امتناعه من الرجوع عن المرور فعلٌ من أفعال الشيطان، فأشبه فعلُه فعلَه؛ لأن الشيطان بعيدٌ من الخير وقبولِ السنة، وقيل: إنما حمله على المرور [و] الامتناع من الرجوع الشيطانُ، وقيل: المراد بالشيطان: القرين؛ كما جاء في الحديث: "فإن معه القرين" (١).
وفي الحديث: جوازُ إطلاق لفظ الشيطان في مثل هذا.
وفيه: التنبيه على عظم رتبة الصلاة ومناجاة الرب ، واحترام المصلي، وعدم تعاطي أسباب تهويش قلبه وشغله عما هو بصدده، فإنها حالة عظيمة ومقام كريم خاص بالله تعالى، ولهذا نهي عن القيام بين يدي المخلوقين، وكان مَنْ سَرَّهُ القيامُ بينَ يديه أَنْ يتبوأ مقعده من النار، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بالناس بمنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فنزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الأَتانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فَلَمْ يُنكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ (٢).
تقدم الكلام على ابن عباس.
وأما الأتان، فهي الأنثى من جنس الحمر، فقوله في هذه الرواية: حمارٍ أتانٍ، هي رواية البخاري، ولمسلم روايتان: إحداهما: أتان، والأخرى:
стр. 549
حمار، فرواية البخاري استعمالُ لفظ الحمار فيما يعم الذكر والأنثى، وبين أنه أنثى، ومثله للفظ الحمار الشاةُ والإنسانُ.
وقوله: "ناهزت الاحتلام"؛ أي: قاربته، وهو يصحح قول من قال: إن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وأن النبي ﷺ لما مات كان عمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، خلافًا لمن قال غير ذلك؛ كسعيد بن جبير، وأحمد بن حنبل؛ مما لا يقارب البلوغ.
وقوله: "فأرسلت الأتان ترتع"؛ أي: ترعى.
وقوله: "يصلي بمنى"؛ فيها لغتان: الصرفُ، وعدمُه، ولهذا تكتب بالألف والياء، والأجودُ صرفُها وكتابتُها بالألف، وسميت منى؛ لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧].
وقوله: "فلم ينكر ذلك علي أحد"، استدلاله على عدم بطلان الصلاة لمروره بعدم الإنكار منهم لفعله لفائدتين:
إحداهما: أنه غير مؤاخذ بفعله، ومرورِ الحمار بين يدي بعض الصف.
أمَّا فعلُه، فإنه لو كان في سن الصغر وعدم التمييز، لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته بسبب صغر سنه، لكنه نبه عليه بقوله: ناهزتُ الاحتلام، تأكيدًا لعدم بطلان الصلاة بمرورِ من هو في هذا السن، ولم يستدل بعدم استئنافهم الصلاة بدلًا عن عدم إنكارهم؛ لأنه أكثر فائدة، فإنه إذا دل عدم إنكارهم على أن هذا الفعل غيرُ ممنوع من فاعله، دل على عدم إفساده الصلاة؛ إذ لو أفسدها، لامتنع إفساد صلاة الناس على المار، ولا ينعكس هذا، وهو أن يقال: لو لم يفسد، لم يمتنع على المار؛ لجواز ألا يفسد الصلاة، ويمتنع المرور على المار؛ كما يقول في مرور الرجل بين يدي المصلي؛ حيث يكون له مندوحة: إنه ممتنع عليه المرور، وإن لم يفسد الصلاة على المصلي، فثبت بهذا أن عدم الإنكار دليلٌ على الجواز، والجواز دليلٌ على الإفساد، وأنه لا ينعكس، فكان الاستدلال بعدم الإنكار أكثرَ فائدة من الاستدلال بعدم استئنافهم الصلاة.
стр. 550
وأما مرور الحمار بين يدي المصلي، فلا يخلو إما أن يكون إمامًا أو غيرَه، فإن كان إمامًا، فلا يخلو إما أن يصلي إلى سترة، أو إلى غير سترة، فإن كان إمامًا صلى إلى سترة، فهو سترة لمن وراءه، فالمرور في هذا الحديث وقع بين يدي بعض الصف لا كله، والإمام سترة للكل، فلا يضر، وإن صلى إلى غير سترة، فالأكثرون من الفقهاء على أنه لا تفسد الصلاة بمرور شيء بين يديه.
وظاهر هذا الحديث يدل عليه بقوله: بغير جدار، ولو كان ثم سترة غيرها من غيره، لذكرها، والمأموم بطريق الأولى، والمنفرد لذلك.
وقد وردت أحاديث معارضة لذلك، منها ما دل على قطع الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار، وهو حديث صحيح.
ومنها ما دل على قطعها بمرور المرأة والحمار فقط، وهو صحيح أيضًا.
ومنها ما دل على قطعها بمرور اليهودي والنصراني والمجوسي والخنزير، وهو ضعيف.
وقد قيل: إن هذه الأحاديث منسوخة بأحاديث أخر، منها قوله ﷺ : "لا يقطعُ الصلاةَ شيء" (١)، وقوله ﷺ : "وادْرَؤُوا ما استطعتم" (٢)، في حديث المار بين يدي المصلي والمرأة، منسوخة بحديث عائشة الآتي بعد هذا، والحمار بحديث ابن عباس المتقدم، وهذا كله صحيح إن ثبت تاريخ تأخير الناسخ عن المنسوخ بعد تعذر الجمع والتاويل، مع أن حديث "لا يقطع الصلاةَ شيءٌ" ضعيف.
وقد اختلف العلماء في قطع الصلاة بمرور الحمار والمرأة والكلب الأسود، فقال قوم: يقطع هؤلاء الصلاةَ، وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-: يقطعها الكلبُ الاسودُ، وفي قلبي من المرأة والحمار شيء، ووجه قوله: إن
стр. 551
الكلب لم يجئ في الترخيص فيه شيء يعارض هذا الحديث، وأما المرأة ففيها حديث عائشة، وفي الحمار حديث ابن عباس السابق.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور العلماء من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء ولا غيرهم، وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن المراد بالقطع نقصُ الصلاة؛ لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد بطلانها.
وحكى الأثرم عن أحمد ﵀ جزم القول بأنه لا يقطع المرأة والحمار، وجزم القول بذلك يتوقف على أمرين:
أحدهما: أن يبين تأخر المقتضى لعدم الفساد على المقتضى للفساد، وفيه عسر عند المبالغة في التحقيق.
والثاني: أن يبين أن مرور المرأة مساوٍ لما حكته عائشة ﵂ من الصلاة إليها راقدة.
قال شيخنا أبو الفتح ﵀: وليس هذه بالبينة عندنا لوجهين:
أحدهما: أنها ﵂ ذكرت أن البيوت ليس فيها حينئذ مصابيح، فلعل سبب هذا الحكم عدم المشاهدة لها.
والثاني: أن قائلًا لو قال: إن مرور المرأة ومشيها لا يساويه في التشويش على المصلي اعتراضه بين يديه، فلا يساويه في الحكم، لم يكن ذلك بالممتنع، وليس يبعد من تصرف الظاهرية مثل هذا، وفي قول ابن عباس: فلم ينكر ذلك علي أحد، دليل على أن عدم الإنكار حجة على الجواز، لكنه مشروط بانتفاء الموانع من الإنكار، وبالعلم بالاطلاع على الفعل، وذلك ظاهر، ولعل السبب في قول ابن عباس ذلك دون قوله: ولم ينكر النبي ﷺ ذلك: أنه ذكر أن هذا الفعل كان بين يدي بعض الصف، وليس يلزم من ذلك اطلاع النبي ﷺ على ذلك؛ لجواز أن يكون الصف ممتدًا، ولا يرى النبي ﷺ هذا الفعل منه، فلا يجزم بترك إنكاره مع اطلاعه، فلا يوجد شرط الاستدلال بعدم الإنكار على
стр. 552
الجواز، وهو الاطلاع مع عدم المانع، أما عدم الإنكار، فمن رأى هذا الفعل، فهو متيقن، فترك المشكوك فيه، وهو الاستدلال بعدم إنكار النبي ﷺ ، وأخذ المتيقن، وهو الاستدلال بعدم إنكار الرائين للواقعة، وإن كان يحتمل قوله: ولم ينكر ذلك علي أحد، النبي ﷺ وغيره؛ لعموم لفظ أحد، إلا أن فيه ضعفًا؛ لأنه لا معنى للاستدلال بعدم إنكار غير النبي ﷺ مع حضرته، وعدم إنكاره إلا على بعد (١).
وفي الحديث دليل على: جواز ركوب الصبي المميز الحمار وما في معناه، وأن الولي لا يمنعه من ذلك، وأن صلاته صحيحة، وأن الإمام سترة لما وراءه، وجواز إرسال الدابة من غير حافظ، أو مع حافظ غير مكلف، وعلى احتمال بعض المفاسد لمصلحة أرجحَ منها؛ فإن المرور أمام المصلين مفسدة، والدخول في الصلاة وفي الصف مصلحة راجحة، فاغتفرت المفسدة للمصلحة الراجحة من غير إنكار.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرِجْلَايَ في قِبْلَتِهِ، فَإذَا سَجَدَ، غَمَزنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ، بَسَطْتُهُمَا، وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ (٢).
تقدم الكلام على عائشة.
وأما قولها: "فإذا سجد غمزني"، قال صاحب "المطالع": أي: طعن بإصبعه فيَّ لأقبضَ رجليَّ من قبلته (٣).
стр. 553
وقد استدل بعض الفقهاء على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء بناء على أن لمسه ﷺ كان دون حائل، ولا يصح هذا لاحتمال ظاهر أن لمسه ﷺ كان فوق حائل، فلا يكون فيه دليل على المسألة؛ للاتفاق على أن اللمس فوق حائل غير ناقض، أما اللمس دون حائل، فقد اختلف فيه، فقال بعضهم: إن كان دون لذة، لا ينقض، وإن كان بلذة، نقض، وقال بعضهم: ينقض وإن كان دون لذة؛ لعموم دليل اللمس، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]؛ حملًا له على مجرد اللمس، وبالجملة: الظاهرُ من حال النائم أن يكون لمسُ المصلي إياه فوقَ حائل، والله أعلم.
وقولها: "والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها مصابيحُ"، أرادت به الاعتذار عن عدم قبضها رجليها عندَ سجوده ﷺ وعلمها به بالظلمة؛ حيث لا ضوء في البيت كيلا تحوجه ﷺ إلى طعن رجليها بإصبعه -لو كان فيها مصابيح- عند سجوده، ويحتمل أنها ذكرت ذلك لتأكيد الاستدلال على حكم من الأحكام الشرعية، إما لاغتفار صلاة المصلي إلى النائم، أو إلى المرأة، أو لفعل مع الغمز في الصلاة للحاجة، والله أعلم.
وفي الحديث مسائل:
منها: جواز الصلاة إلى النائم، وإن كان امرأة، بلا كراهة، وقد كرهه بعضهم؛ لحديث ورد فيه، وحمل بعض العلماء هذا الحديث على جواز ذلك، وخصوصيه بالنبي ﷺ دون غيره؛ لتنزهه عما يعرض لغيره في الصلاة من الفتنة بالمرأة، واشتغال القلب بها، والنظر إليها وتذكرها، مع أن الحالة كانت بالليل، والبيوت ليس فيها مصابيح.
ومنها: أن المرأة لا تقطع صلاة، وقد مر الكلام في هذه المسألة في الحديث قبله، وقد يفرق في المعنى بين مرورها ونومها، فإن المرور قد يهوش القلب عن الصلاة أكثر من النوم في الظلمة وعدم الرؤية.
ومنها: أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة.
стр. 554
ومنها: عدم كراهية أن تكون المرأة سترة للمصلي، وكرهه مالك، وكره بعض العلماء الصلاةَ إلى الحيوان، آدميًّا كان أو غيره، مع تجويز الصلاة إلى المضطجِع، وكأنه محمول أو مقيد بما إذا كان مستقبلًا للمصلي بوجهه أو بعض بدنه، أما إذا كان مستدبرًا له، فلا كراهة.
ومنها: اللطف بالأهل وعدم التهويش عليهم في نومهم ومضجعهم، وإن كان على الزوج كلفة في ذلك وهو في عبادة، والله أعلم.
* * *
стр. 555
باب جامع
الحديث الأول
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ (١).
تقدم الكلام على اسم أبي قتادة ونسبه ونسبته.
وفي هذا الحديث مسائل:
الأولى: في حكم الركعتين عند دخول المسجد.
وقد نقل إجماع المسلمين على أنهما سنة.
وقال شيخنا أبو الفتح ﵀: وجمهور العلماء على عدم الوجوب لهما، ثم اختلفوا، فظاهر مذهب مالك: أنهما من النوافل، وقيل: إنهما من السنن، وهذا على اصطلاح المالكية في الفرق بين السنن والنوافل والفضائل، ونقل عن بعض الناس أنهما واجبان؛ تمسكًا بالنهي عن الجلوس قبل الركوع، وعلى الرواية الأخرى التي وردت بصيغة الأمر، ولا شك أن ظاهر الأمر الوجوب، وظاهر النهي التحريم، ومن أزالهما عن الظاهر، فهو يحتاج إلى الدليل، وهذا آخر كلامه (٢).
стр. 556
قلت: ولعل مراد الشيخ - رحمه الله تعالى - ببعض الناس المنقول عنه وجوبهما: داود وأصحابه؛ فإن القاضي عياضًا ﵀ حكاه عنهم، لكن اصطلاح البخاري إذا قال: فقال بعض الناس: أنه الإمام أبو حنيفة، لكنه ليس مرادًا هنا؛ لأن المنقول عن أبي حنيفة استحبابهما، وكراهتهما في وقت النهي، وإن كان قال بوجوب الوتر، ونقل عن الحسن البصري وجوب ركعتي الفجر، لكن العلماء استدلوا على عدم الوجوب في غير الصلوات الخمس بقوله ﷺ : "خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على العباد" (١)، وقول السائل: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" (٢)، فحملوا بذلك صيغة الأمر على الندب في الوتر، وركعتي التحية، والفجر؛ لدلالة ما ذكرنا من حديث السائل، وكتب الخمس على العباد على عدم الوجوب في غيرها، لكن يشكل عليهم بإيجابهم الصلاة على الميت تمسكًا بصيغة الأمر.
الثانية: لا تكره صلاةُ التحية في وقت من أوقات كراهة إذا دخل المسجد، بل هي مستحبة مشروعة، وكرهها أبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، وقال مالك: لا يركعهما في الأوقات المكروهة، وحكي وجه بالكراهة في مذهب الشافعي، وطريقة أخرى أن محل الخلاف بين العلماء فيهما إذا قصد الدخول في هذه الأوقات لأجل أن يصليهما فيها، أما إذا لم يقصد الدخول لفعلهما، فلا كراهة، وليس هو محل الخلاف، والمعروف من مذهب الشافعي ﵀ وأصحابه: أنه يركعهما فيها، وأما ما حكاه القاضي عياض ﵀ عن الشافعي ﵀ في جواز صلاتهما بعد العصر ما لم تصفرَّ الشمس، وبعد الصبح ما لم تُسفر؛ إذ هي عنده من النوافل التي لا سبب لها، وإنما يمنع من هذه الأوقات ما لا سبب له، ويُقصد ابتداء؛ لقوله ﷺ : "لا تَحَرَّوْا بصلاتِكم طلوعَ الشمسِ ولا غُروبَها" (٣). انتهى ما حكاه عن الشافعي، فهو غير معروف في نقل
стр. 557
أصحابه عنه على هذه الصورة، لكنه أقرب الأشياء إليه، خصوصا على ما حكيناه من الطريقة في مذهبه، وإن كان ليس هو بعينه.
واستدل من قال بكراهتهما: بنهيه ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعدَ العصر حتى تغرب الشمس، وأجاب أصحاب الشافعي عن ذلك: بأن النهي إنما هو عما لا سبب لها؛ لأن النبي ﷺ صلى بعد العصر ركعتين قضاء سنة الظهر، فخص وقت النهي، وصلى به ذات السبب، ولم يترك التحية في حال من الأحوال، بل أمر الَّذي دخل المسجد يومَ الجمعة وهو يخطب، فجلس، أن يقوم فيركع ركعتين، مع أن الصلاة في حال الخطبة ممنوع منها إلا التحية، فلو كانت التحية تُترك في حال من الأحوال، لتركت الآن؛ لأنه قعد، وهي مشروعة قبل القعود، ولأنه كان يجهل حكمها، ولأنه ﷺ قطع خطبته، وكلمه، وأمره أن يصلي التحية، فلولا شدةُ الاهتمام بالتحية في جميع الأوقات، لما اهتم بها هذا الاهتمام، ولا شك أن الكلام في هذه المسألة مبني على مسألة أصولية، وهي ما إذا تعارض نصان، كلُّ واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عامٌّ من وجه، خاصٌّ من وجه، وليس المعنى بالنصين هنا ما لا يحتمل التأويل، بل ما حكمه حكم النص في وجوب العمل؛ كقوله ﷺ : لا إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ" الحديث، وقوله ﷺ : "لا صلاةَ بعدَ الصُّبح" (١) الحديث، فالأول خاصٌّ بالنسبة إلى صلاة التحية، عامٌّ بالنسبة إلى الأوقات، والثاني خاص بالنسبة إلى الأوقات، عامٌّ بالنسبة إلى الصلوات، فوقع الإشكال في هذه المسألة من هاهنا، وهي من أشكل مسائل الأصول، ولا بد من تحقيق ذلك، فنقول:
مدلولُ النص إن لم يتناول مدلولَ الآخر، ولا شيئًا منه، فهما كلفظ
стр. 558
المشركين والمؤمنين مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كلَّ مدلول الآخر، فهما متساويان؛ كلفظة الإنسان والبشر مثلًا، وإن كان مدلول أحدهما يتناول كل مدلول الآخر، ويتناول غيرَه، فالمتناولُ له ولغيره عامٌّ من كل وجه بالنسبة إلى الآخر، والآخر خاصٌّ من كل وجه، وإن كان مدلولهما يجتمع في صورة، وينفرد كلُّ واحد منهما بصورة أو صور، وكل واحد منهما عام من وجه، خاص من وجه؛ كهذين الحديثين، فهو من هذا القبيل؛ فإنهما يجتمعان في صورة، وهي ما إذا دخل المسجد بعد الصبح أو العصر، وينفردان بأن توجد الصلاة في ذلك الوقت من غير دخول المسجد، أو دخوله في غير ذلك الوقت، فإذا وقع مثل هذا، فالإشكال قائم؛ لأن أحد الخصمين لو قال: لا تكره الصلاة عند دخول المسجد في هذه الأوقات؛ لأن هذا الحديث دل على جوازها عند دخول المسجد، وهو خاصٌّ بالنسبة إلى الحديث الأول المانعِ من الصلاةِ بعد الصبح، فخصّ قوله: "لا صلاةَ بعدَ الصبح" بقوله: "إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ"، فلخصمه أن يقول: قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد" عام بالنسبة إلى الأوقات، فخصّه بقوله:: "لا صلاة بعد الصبح"، فإن هذا الوقتَ أخصُّ من عموم الأوقات، فتحقق الإشكال، وذهب بعض المحققين في هذا إلى الوقف حتى يأتي بترجيح خارج بقرينة أو غيرها، فمن ادعى أحد هذا الحكمين من الجواز أو المنع، فعليه إبداء أمر زائد على مجرد الحديث، وقدمناه في جواب أصحاب الشافعي في هذه المسألة أولًا، والله أعلم.
الثالثة: إذا دخل المسجد بعد فعل ركعتي الفجر في بيته، هل يركع تحية المسجد؟
اختلف فيه قول مالك ﵀، وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه يركعهما، وهو قول جمهور العلماء، واستدل من منع ركوعهما بحديث رواه عن النبي ﷺ أنه قال: "لا صلاةَ بعدَ الفجر إلا ركعتي الفجر" (١)، وعارض به هذا
стр. 559
الحديث، وهو أضعف من المسألة الثانية؛ لضعف هذا الحديث، ولا بد من صحته وقوته في الصحة قوة تعارض الحديثين الأولين في المسألة قبلها؛ فإنهما صحيحان، ثم بعد التجاوز عن هذه المطالبة، وتقدير تسليم الصحة له يعود الأمر إلى تعارض أمرين كما ذكرنا، فيصير كل واحد عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه، والله أعلم.
الرابعة: إذا دخل المسجد مجتازًا، هل يركعهما؟
حقق ذلك مالك.
قال شيخنا أبو الفتح ﵀: وعندي أن دلالة هذا الحديث لا تتناول هذه المسألة، فإنا إن نظرنا إلى صيغة النهي، فهو يتناول جلوسًا قبل الركوع، فإذا لم يحصل الجلوس أصلًا، لم يعقل النهي، وإن نظرنا إلى صيغة الأمر، فالأمر يوجد بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معا، لم يخالف الأمر، والله أعلم (١).
الخامسة: ركعتا التحية مشروعة لكل مسجد يدخله:
لتناولِ لفظِ الحديث كل مسجد، وقد أخرجوا عنه المسجدَ الحرام، وجعلوا تحيته الطوافَ، وقد كره أبو حنيفة وأحمد ركعتي الطواف في أوقات النهي بمكة، فإن كان في تحية المسجد خلاف فيهما، فلمخالفهم أن يستدل بهذا الحديث، وإن لم يكن خلاف، فالسبب في ذلك النظر إلى المعنى، وهو أن المقصود افتتاح دخول المسجد بعبادة، وافتتاحُ دخول المسجد الحرام بالطواف عبادةٌ تحصل هذا المقصود، مع أن غيره من المساجد لا يشاركه فيها، فاجتمع فيه تحصيلُ المقصود معَ الاختصاص، كيف وهو الموجود من فعل النبي ﷺ في
стр. 560
حجته حين دخل المسجد، فابتدأ بالطواف؛ على ما تقتضيه الأحاديث، واستمر عليه العمل، وذلك أخص من عموم دخول المسجد، مع أنه يأتي بعد طوافه بركعتيه، فيكون ذلك جريًا على ظاهر اللفظ، ومشيًا على السنة، وتوفية للعمل بمقتضى الحديث، والله أعلم.
السادسة: ركعتا التحية هل تشرعان لمن صلى العيد في المسجد عند دخوله إليه؟
ظاهر لفظ هذا الحديث أنها تشرع، ونقل الإمام أبو بكر الشاشي ﵀ في "حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء" (١) عن الشافعية: أنه يكره للإمام التنفل قبلها وبعدها، ولا يكره للمأموم، قال: وقال مالك وأحمد: يكره للمأموم أيضًا، وعن مالك رواية أخرى: أنه إذا صلى في المسجد، يجوز له التنفل، وقال أبو حنيفة والحسن: يكره له التنفل قبلها، ولا يكره بعدها، وقد جاء في الحديث: أنه ﷺ لم يصلِّ قبلها ولا بعدها -يعني: صلاة العيد-، وهو حديث صحيح متفق عليه، لكن النبي ﷺ لم يصل العيد في المسجد، ولا نقل ذلك، فلا معارضة بين الحديثين، إلا أن يقول قائل، أو يفهم فاهم: أن ترك الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها من سنتها من حيث هي هي، لا كونها واقعة في الصحراء ولا في المسجد، فحينئذ لم يبق أثر في ذلك الحكم، فيقع التعارض بين الصلاة عند دخول المسجد وعدم الصلاة قبل صلاة العيد في المسجد، غير أن ذلك القول أو الفهم يتوقف على أمر زائد وقرائن تشعر به، والله أعلم.
السابعة: هل تشرع التحية لمن تردد إلى المسجد وتكرر مرارًا كما مر مأمورًا به؟
فيه وجهان لأصحاب الشافعي: قال بعضهم: لا تشرع، وقاسه على من تكرر دخوله إلى مكة من الخطابين والفكاهين من غير إحرام، وفيه -أيضًا- اختلاف قول الشافعي، والحديث يقتضي تكرر الركوع بتكرر الدخول، وهذا القياس
стр. 561
ينبني على جواز القياس على المختلف فيه، وقد منعه بعضهم، واستعمالهم له يدل على جوازه، وحينئذ يرجع ذلك إلى تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين فيه أقوال متعددة، والله أعلم.
الثامنة: في ظاهر الحديث دليل على أنه لا تحصل التحية إلا بفعل ركعتين، ولا يشترط أن ينوي بهما التحية، بل لو صلى الفريضة ركعتين، أو سنة راتبة، أو نافلة مطلقة، حصلت، ولو صلى ركعة، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو صلى صلاة الجنازة بنية التحية، حصلت على وجه لبعض أصحاب الشافعي، والصحيح أنها لا تحصل، وهو الصواب؛ للنص على صلاة ركعتين، وليس ذلك في معناهما، إلا أن يكون المفهوم من الحديث شغل المسجد بعبادة مطلقة عند الدخول تعظيمًا له، لكن تعظيمه بركعتين أبلغُ في إكرامه واحترامه من ركعة أو سجدة أو قيام، كيف والمعتبر في العبادات التوقيف، ولم يرد ما يدل على خلافه؟ والله أعلم.
قال أصحاب الشافعي: ولو نوى بصلاته التحية والمكتوبة، انعقدت صلاته، وحصلتا له؛ لأنه ليس في نيته وفعله ما ينافي المأمور، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، قَالَ: كُنَّا نَتكَلَّمُ في الصَّلَاة، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ الَى جَنْبِهِ في الصَّلَاةِ حَتى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (١).
أما زيد بن أرقم، فهو أنصاريٌّ خزرجيٌّ، وهو ابنُ أرقمَ بنِ زيدِ بنِ قيسِ بنِ النعمانِ بنِ مالكِ بنِ الأغرِّ بنِ ثعلبةَ بنِ عمرِو بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ بنِ
стр. 562
الحارثِ بن الخزرج، اختلف في كنيته على أقوال كثيرة، أشهرها: أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو أنيسة، ويقال: أبو حمزة، وهو الَّذي رفع إلى رسول الله ﷺ قولَ عبدِ الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأكذبه عبدُ الله، وحلفَ، فأنزل الله تعالى تصديقَ زيدِ، والقصةُ مشهورة في كتب التفسير.
غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، قال الحافظ أبو الوليد بن خيرة: أول مشاهده: الخندقُ سنةَ خمسٍ، ثم مات بعدها، وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: ويقال: إن أول مشاهده: المريسيع، وشهد مع عليٍّ صِفَّينَ، ونزل الكوفة وسكنها، وابتنى بها دارًا في كندة، روي له عن رسول الله ﷺ سبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة، وانفود البخاري بحديثين، ومسلم بستة.
روى عنه: أنس بن مالك ﵁، وجماعة كثيرة من كبار التابعين وغيرهم، مات بالكوفة سنة خمس، وقيل: سنة ثمان وستين، وروى له أصحاب السنن والمساند (١).
وأما الكلام على الحديث، فمن أوجه:
أحدها: قولُه: "نتكلَّم في الصلاة"، هذا حكمه حكمُ المرفوع التي رسول الله ﷺ ، ولا يجيء فيه التفصيل في عدم الإضافة إلى زمنه ﷺ ، فيكون موقوفًا، وإلا فهو مرفوع على الصحيح من قول العلماء؛ لأنه ذكر نزول الآية: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، ومعلوم أنها نزلت على رسول الله ﷺ حتى
стр. 563
أُمروا ونُهوا عن الكلام لبعضهم بعضًا، فكان ذلك ناسخًا، فاجتمع في كلام الراوي ذكرُ المنسوخ والناسخ؛ لتقدم أحدهما على الآخر.
الثاني: صراحة ذكرهما فيه ظاهر بلا شك، وهو أحد أقسامه، وليس من قسم ما عرف بالتاريخ؛ فإنه قد ذكروا فيه أنه لا يصلح أن يكون دليلًا على أنه ناسخ؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي، والنسخ رفع حكم متقدم من الشارع بحكم منه متأخر؛ كهذا الحديث.
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة:٢٣٨] الَّذي ذكره المفسرون في كتبهم، ورجحوه في القنوت المأمور به أنه الطاعة؛ أي: مطيعين، ومنه قوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﷺ أنه كان أمة قانتًا؛ أي: مطيعًا.
وظاهر هذا الحديث أنه السكوت عن الكلام المذكور فيه، وهو كلام الرجل صاحبه، لا كل كلام؛ فإن الصلاة ليس فيها حالة سكوت، وإسكات الصلاة في افتتاحها وبعد الفراغ من الفاتحة قبل آمين وبعده قبل قراءة السورة، ليس سكوتًا حقيقيًّا، وإنما هو سكوت بالنسبة إلى رفع الصوت، لا عن ترك دعاء، حتى قال بعض الشافعية: يستحب أن يقول بعد التأمين وقبل السورة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله كبر، فحينئذ المفهوم من السكوت عرفًا ترك الكلام مطلقًا، وشرعًا ترك الكلام خطابا للآدميين، أو ترك الجهر أو إسماع نفسه به في الصلاة، أما كلام النفس فيها، فمعفو عنه، مع تنقيص الثواب إذا استمر، وهذا معنى قول من قال من المفسرين: وقيل: القنوت: السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة.
وقال مجاهد: قانتين: خاشعين، قال: ومن القنوت طول الركوع، وغض البصر، وخفض الجناح (١)، وقيل: المراد: طول القيام.
وقيل: القنوت: الصلاة؛ أي: مصلين، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ
стр. 564
آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]؛ أي: مصليًا، هذا ما يتعلق بالآية من كلام الفقهاء المحققين والمفسرين.
والقنوت يستعمل في اللغة بمعنى الطاعة والإقرار بالعبودية، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع للمشترك، وهو الدوام على الشيء، فإذا كان أصله هذا، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلُّهم قانتون فاعلون له، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع الاشتراك والمجاز عن موضع اللفظ، ولا بأس بذلك إن لم يقم دليل على أن اللفظة حقيقة في معنى معين أو معانٍ، فيستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك.
الرابع: كلام الصحابي في التفسير لا ينزل منزلة المرفوع إلى رسول الله ﷺ فيه، بل يكون موقوفًا عليه، فإن كان كلامه يتعلق بسبب نزول آية، أو تعليل، ونحوهما، فهو منزل منزلة المسند المرفوع، هذا كلام المحققين في ذلك، فقول زيد بن أرقم ﵁ في هذا يشعر بأن المراد بالقنوت كما ذكرنا تفسيره، قيل: لما دل عليه لفظة (حتى) التي للغاية، والفاء في قوله: فأمرنا، التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها، ولا شك أن الصحابة كانوا مشاهدين الوحي والتنزيل، ويعلمون سبب ذلك مع القرائن المحتفة بها، ما يرشدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجملات، فيصيرون كأنهم ناقلون للفظ التعليل والتسبيب.
الخامس: قوله: "فأمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام"، هذا حكمه حكم المرفوع، ولا يجيء فيه الخلاف الَّذي عند المحدثين في ذلك، بدليل مشاهدة الراوي لنزول الآية، وجعلِه غايةً لترك الكلام في الصلاة، ثم الأمر بالسكوت يقتضي أن كلَّ ما يسمى كلامًا، فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا، فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه.
стр. 565
وقد اختلف القدماء في أشياء هل تُبطل الصلاة أم لا؟؛ كالنفخ والتنحنح لغير غلبة وحاجة، وكالبكاء، والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلامًا فهو داخل تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به، كان ذلك بطريق القياس، فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، واعتبر أصحاب الشافعي ظهورَ حرفين، وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقلَّ الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما كلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإن لم يكن كذلك، فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس، فليراع شرطه، اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهمًا كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج التنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن يكون فيه بحث، والأقرب أن ننظر إلى مواقع الإجماع، والخلاف؛ حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أجمع على إلحاقه بالكلام، ألحقناه به، وما لم يجمع عليه، مع كونه لا يسمى كلامًا، فيقوى به عدم الإبطال، ومن هذا استضعف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قولُ من علل البطلان به بأنه شبه الكلام، وهذا ركيك مع ثبوت السنة الصحيحة: أن النبي ﷺ نفخ في صلاة الكسوف في سجوده.
وفي هذا الحديث دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة، وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه، مبطلٌ للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها، فقال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يُبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الشافعي والجمهور، ما لم يطل، وقال الكوفيون وأبو حنيفة: يبطل، والله تعالى أعلم.
* * *