← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ينبني على جواز القياس على المختلف فيه، وقد منعه بعضهم، واستعمالهم له يدل على جوازه، وحينئذ يرجع ذلك إلى تخصيص العموم بالقياس، وللأصوليين فيه أقوال متعددة، والله أعلم. الثامنة: في ظاهر الحديث دليل على أنه لا تحصل التحية إلا بفعل ركعتين، ولا يشترط أن ينوي بهما التحية، بل لو صلى الفريضة ركعتين، أو سنة راتبة، أو نافلة مطلقة، حصلت، ولو صلى ركعة، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو صلى صلاة الجنازة بنية التحية، حصلت على وجه لبعض أصحاب الشافعي، والصحيح أنها لا تحصل، وهو الصواب؛ للنص على صلاة ركعتين، وليس ذلك في معناهما، إلا أن يكون المفهوم من الحديث شغل المسجد بعبادة مطلقة عند الدخول تعظيمًا له، لكن تعظيمه بركعتين أبلغُ في إكرامه واحترامه من ركعة أو سجدة أو قيام، كيف والمعتبر في العبادات التوقيف، ولم يرد ما يدل على خلافه؟ والله أعلم. قال أصحاب الشافعي: ولو نوى بصلاته التحية والمكتوبة، انعقدت صلاته، وحصلتا له؛ لأنه ليس في نيته وفعله ما ينافي المأمور، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، قَالَ: كُنَّا نَتكَلَّمُ في الصَّلَاة، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ الَى جَنْبِهِ في الصَّلَاةِ حَتى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسُّكُوتِ، ونُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (١). أما زيد بن أرقم، فهو أنصاريٌّ خزرجيٌّ، وهو ابنُ أرقمَ بنِ زيدِ بنِ قيسِ بنِ النعمانِ بنِ مالكِ بنِ الأغرِّ بنِ ثعلبةَ بنِ عمرِو بنِ كعبِ بنِ الخزرجِ بنِ

стр. 562

الحارثِ بن الخزرج، اختلف في كنيته على أقوال كثيرة، أشهرها: أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو أنيسة، ويقال: أبو حمزة، وهو الَّذي رفع إلى رسول الله ﷺ قولَ عبدِ الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأكذبه عبدُ الله، وحلفَ، فأنزل الله تعالى تصديقَ زيدِ، والقصةُ مشهورة في كتب التفسير. غزا مع رسول الله ﷺ سبع عشرة غزوة، قال الحافظ أبو الوليد بن خيرة: أول مشاهده: الخندقُ سنةَ خمسٍ، ثم مات بعدها، وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: ويقال: إن أول مشاهده: المريسيع، وشهد مع عليٍّ صِفَّينَ، ونزل الكوفة وسكنها، وابتنى بها دارًا في كندة، روي له عن رسول الله ﷺ سبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة، وانفود البخاري بحديثين، ومسلم بستة. روى عنه: أنس بن مالك ﵁، وجماعة كثيرة من كبار التابعين وغيرهم، مات بالكوفة سنة خمس، وقيل: سنة ثمان وستين، وروى له أصحاب السنن والمساند (١). وأما الكلام على الحديث، فمن أوجه: أحدها: قولُه: "نتكلَّم في الصلاة"، هذا حكمه حكمُ المرفوع التي رسول الله ﷺ ، ولا يجيء فيه التفصيل في عدم الإضافة إلى زمنه ﷺ ، فيكون موقوفًا، وإلا فهو مرفوع على الصحيح من قول العلماء؛ لأنه ذكر نزول الآية: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، ومعلوم أنها نزلت على رسول الله ﷺ حتى

стр. 563

أُمروا ونُهوا عن الكلام لبعضهم بعضًا، فكان ذلك ناسخًا، فاجتمع في كلام الراوي ذكرُ المنسوخ والناسخ؛ لتقدم أحدهما على الآخر. الثاني: صراحة ذكرهما فيه ظاهر بلا شك، وهو أحد أقسامه، وليس من قسم ما عرف بالتاريخ؛ فإنه قد ذكروا فيه أنه لا يصلح أن يكون دليلًا على أنه ناسخ؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهادي، والنسخ رفع حكم متقدم من الشارع بحكم منه متأخر؛ كهذا الحديث. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة:٢٣٨] الَّذي ذكره المفسرون في كتبهم، ورجحوه في القنوت المأمور به أنه الطاعة؛ أي: مطيعين، ومنه قوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﷺ أنه كان أمة قانتًا؛ أي: مطيعًا. وظاهر هذا الحديث أنه السكوت عن الكلام المذكور فيه، وهو كلام الرجل صاحبه، لا كل كلام؛ فإن الصلاة ليس فيها حالة سكوت، وإسكات الصلاة في افتتاحها وبعد الفراغ من الفاتحة قبل آمين وبعده قبل قراءة السورة، ليس سكوتًا حقيقيًّا، وإنما هو سكوت بالنسبة إلى رفع الصوت، لا عن ترك دعاء، حتى قال بعض الشافعية: يستحب أن يقول بعد التأمين وقبل السورة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله كبر، فحينئذ المفهوم من السكوت عرفًا ترك الكلام مطلقًا، وشرعًا ترك الكلام خطابا للآدميين، أو ترك الجهر أو إسماع نفسه به في الصلاة، أما كلام النفس فيها، فمعفو عنه، مع تنقيص الثواب إذا استمر، وهذا معنى قول من قال من المفسرين: وقيل: القنوت: السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة. وقال مجاهد: قانتين: خاشعين، قال: ومن القنوت طول الركوع، وغض البصر، وخفض الجناح (١)، وقيل: المراد: طول القيام. وقيل: القنوت: الصلاة؛ أي: مصلين، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ

стр. 564

آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]؛ أي: مصليًا، هذا ما يتعلق بالآية من كلام الفقهاء المحققين والمفسرين. والقنوت يستعمل في اللغة بمعنى الطاعة والإقرار بالعبودية، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام بعضهم ما يفهم منه أنه موضوع للمشترك، وهو الدوام على الشيء، فإذا كان أصله هذا، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلُّهم قانتون فاعلون له، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع الاشتراك والمجاز عن موضع اللفظ، ولا بأس بذلك إن لم يقم دليل على أن اللفظة حقيقة في معنى معين أو معانٍ، فيستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك. الرابع: كلام الصحابي في التفسير لا ينزل منزلة المرفوع إلى رسول الله ﷺ فيه، بل يكون موقوفًا عليه، فإن كان كلامه يتعلق بسبب نزول آية، أو تعليل، ونحوهما، فهو منزل منزلة المسند المرفوع، هذا كلام المحققين في ذلك، فقول زيد بن أرقم ﵁ في هذا يشعر بأن المراد بالقنوت كما ذكرنا تفسيره، قيل: لما دل عليه لفظة (حتى) التي للغاية، والفاء في قوله: فأمرنا، التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها، ولا شك أن الصحابة كانوا مشاهدين الوحي والتنزيل، ويعلمون سبب ذلك مع القرائن المحتفة بها، ما يرشدهم إلى تعيين المحتملات، وبيان المجملات، فيصيرون كأنهم ناقلون للفظ التعليل والتسبيب. الخامس: قوله: "فأمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام"، هذا حكمه حكم المرفوع، ولا يجيء فيه الخلاف الَّذي عند المحدثين في ذلك، بدليل مشاهدة الراوي لنزول الآية، وجعلِه غايةً لترك الكلام في الصلاة، ثم الأمر بالسكوت يقتضي أن كلَّ ما يسمى كلامًا، فهو منهي عنه، وما لا يسمى كلامًا، فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه.

стр. 565

وقد اختلف القدماء في أشياء هل تُبطل الصلاة أم لا؟؛ كالنفخ والتنحنح لغير غلبة وحاجة، وكالبكاء، والذي يقتضيه القياس أن ما يسمى كلامًا فهو داخل تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به، كان ذلك بطريق القياس، فليراع شرطه في مساواة الفرع للأصل، واعتبر أصحاب الشافعي ظهورَ حرفين، وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقلَّ الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما كلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإن لم يكن كذلك، فالإبطال به لا يكون بالنص، بل بالقياس، فليراع شرطه، اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب، مفهمًا كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج التنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن يكون فيه بحث، والأقرب أن ننظر إلى مواقع الإجماع، والخلاف؛ حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أجمع على إلحاقه بالكلام، ألحقناه به، وما لم يجمع عليه، مع كونه لا يسمى كلامًا، فيقوى به عدم الإبطال، ومن هذا استضعف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قولُ من علل البطلان به بأنه شبه الكلام، وهذا ركيك مع ثبوت السنة الصحيحة: أن النبي ﷺ نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. وفي هذا الحديث دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة، وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه، مبطلٌ للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها، فقال الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يُبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الشافعي والجمهور، ما لم يطل، وقال الكوفيون وأبو حنيفة: يبطل، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 566

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ، فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ؛ فَإن شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّم" (١). أما راوياه، فتقدم الكلامُ عليهما. وأما قوله ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ"، فاشتداده: قوَّتُه، وسطوعُه، وانتشارُه، وغليانُه. وقوله: "فَأَبْرِدوا" أَيْ: أَخِّروا. وقوله: "عن الصلاةِ"، وروي في "صحيح مسلم": "بالصلاة" -بالباء- وهما بمعنى، و (عن) تطلق بمعنى الباء؛ كما يقال: رميت عن القوس؛ أي: بها، ومنع بعض أئمة اللغة القول: رميتُ بالقوس، ونقل جوازه جماعةٌ، فيقال: رميت عن القوس، وبها، وعليها، وممن نقله عن العرب مطلقًا ابنُ الجوزي في "تفسيره" في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥]، والله أعلم (٢)، ومعنى الحديث: أخروا الصلاة إلى البرد، واطلبوه لها. وقوله: "فإنَّ شدةَ الحرِّ من فَيْح جهنمَ" روي بفتح الفاء والياء المثناة تحت، وبالحاء المهملة، وروي في غير "الصحيح": فوح -بالواو بدل الياء- (٣)، ذكره ابن الأثير في "نهايته" (٤)، ومعناه: أن شدة الحر وغليانه تشبه نار جهنم،

стр. 567

فاحذروه واجتنبوا ضرره، والذي يقتضيه مذهب أهل السنة وظاهر الحديث أن شدة الحر من فيح جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيهًا وتقريبًا؛ فإنها مخلوقة موجودة، وقد ثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ قال: "اشتكتِ النارُ إلى ربِّها، فَأَذِنَ لها بنَفَسَيْنِ: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف" (١)، والله أعلم. واعلم أن الإبراد إنما شرع في صلاة الظهر، وقال أشهب المالكي: شرع في العصر، وخالفه جميع العلماء، واختلف في مقدار وقته، فقال بعض الشافعية: وهو أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت مقدارَ ما يظهر للحيطان ظِلٌّ، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس، وقالت المالكية: يؤخر الظهر في الحر إلى أن يصير الفيء أكثرَ من ذراع. واختلف الفقهاء في هذا الإبراد، هل هو رخصة أو عزيمة سنة؟ وقد يعبر عنه بأن الأفضل تقديمُ الظهر أو الإبرادُ بها، وينبني على ذلك أن من صلى في بيته، أو مشى في كنٍّ إلى المسجد، هل يسن له الإبراد؟ إن قلنا: رخصة، لم يسن له؛ إذ لا مشقة عليه في التعجيل، وإن قلنا: سنة، أبرد، وهو الأقرب؛ لورود الأمر به، مع ما اقترن به من العلة، من أن شدة الحر من فيح جهنم، وذلك مناسب للتأخير، والأحاديث الدالة على التعجيل وفضيلته عامة أو مطلقة، وهذا خاص، فلا مبالاة مع صيغة الأمر ومناسبة العلة بقول من قال: التعجيل أفضل؛ لأنه أكثر مشقة؛ فإن مراتب الثواب إنما يرجع فيها إلى النصوص، وقد ترجح بعض العبادات الخفيفة على ما هو أشقُّ منها بحسب المصالح المتعلقة بها. واختلف أصحاب الشافعي بالإبراد بالجمعة على وجهين: فقال جمهورهم: لا يشرع؛ فإن التبكير بها سنة فيها، وقال بعضهم: يشرع؛ لأن لفظ الصلاة في الحديث يطلق على الظهر، والجمعة، والتعليل مستمر فيها، فالجواب عن تعليل

стр. 568

الجمهور بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام، لكن قد ثبت في "الصحيح": أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان فيء يستظلون به (١) من شدة التبكير بها أول الوقت، فدل على عدم الإبراد بها، والله أعلم. وقد عورض هذا الحديث بما رواه مسلم في "صحيحه" من حديث خباب بن الأَرَتِّ ﵁، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حرَّ الرَّمضاء فلم يشكنا، وسئل أبو إسحاق -يعني: السبيعي- بعد رواية هذا الحديث: أفي الظهر؟ قال: نعم، قيل: أفي تعجيلها؟ قال: نعم (٢)، واختلف العلماء في الجواب عنه على أوجه: أحدها: أنه منسوخ؛ لأنهم لما شكوا ذلك، كانوا بمكة، وحديث الإبراد بالمدينة، فإنه من رواية أبي هريرة وغيره، ومن العلماء من لم ير النسخ، وقال: الجمع ممكن، فيحمل حديثُ خباب على الأفضل، وحديثُ الإبراد على الرخصة، والتخفيف في التأخير، أو يجمع بأن الإبراد سنة؛ للأمر به والتعليل، ويحمل حديثُ خباب على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد الَّذي ذكرناه أولًا، والله أعلم. * * * الحديث الرابع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفارَةَ لَها إلا ذَلِكَ، أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" (٣)، ولمسلمٍ:

стр. 569

"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْها، فكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا" (١). تقدم ذكر أنس ﵁. وقوله ﷺ : "من نسيَ صَلَاةَ فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها" معناه: أنه يلزمه الصلاة إذا خرجت عن الوقت بنوم أو نسيان، وتكون قضاء، وهذا لا خلاف فيه. وقوله ﷺ : "لَا كَفَّارةَ لها إلَّا ذلكَ" يعني: أنه لا كفارة لها غير فعلها وقتَ ذكرِها، ولا يلزمه شيء آخرُ مع فعلها؛ من عتقٍ أو صيام أو صدقة، كغيرها مما تدخله الكفارة مع وجوب قضائه، ويحتمل أن مراده أنه لا بدل لقضائها كما يقع الإبدال في بعض الكفارات، أو أنه لا يكفي مجرد التوبة والاستغفار، بل لا بدَّ من الإتيان بها. وقوله: "أقم الصلاة لذكري" قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]؛ أي: لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت صلاة ثم ذكرتها فأقمها (٢). وقد قرئ في الشواذ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا﴾. ثم الأمر بقضائها يقتضي فعله عند ذكرها، فيصير ظرفًا للمأمور به، فيتعلق الأمر بالفعل فيه، ولا شك أنه كذلك، أما على الوجوب في حق من تركها عامدًا، فإنه يجب على الفور، أو على الاستحباب في حق النائم والساهي، ولا يجب كما ذكره بعض أصحاب الشافعي، وقد ذكر بعضهم الوجوب على الفور مطلقًا، وبعضهم عدم الوجوب على الفور مطلقًا، واستدل بعض العلماء على عدم وجوب القضاء على الفور بعذر النوم والنسيان بأن النبي ﷺ وأصحابه لما ناموا عن صلاة الصبح بالوادي، فما أيقظهم إلا حر الشمس، أخر قضاءها، واقتادوا رواحلهم حتى خرجوا من الوادي، وذلك دليل على جواز التأخير، لكنه

стр. 570

يتوقف ذلك على أنه لا يكون ثَمَّ مانع من المبادرة إلى فعلها، وادَّعى بعضهم أن المانع كونُ الشمس كانت حينئذ طالعة، والصلاة حينئذ مكروهة، وذلك مردود بأنها كانت صبح اليوم، وأبو حنيفة وغيره يجيزها في هذا الوقت، وبأن في هذا الحديث: فما أيقظهم إلا حرُّ الشمسُ، والحرُّ بها لا يكون إلا بعد ارتفاعها، والقضاء كان بعد ذلك، واعتقد بعضهم أن المانع من فعلها على الفور كونُ الوادي حضرَهم فيه الشيطان، وقد نبه في الحديث على ذلك، فأخر الصلاة حتى خرج عنه، لكن كل وقت ومكان وقع فيه مثل هذا يكون قد حضر فيه الشيطان غالبًا، لكن حضوره في الوادي قطعي بإخبار النبي ﷺ ، وغيرُه ظنيٌّ راجح، وذلك كله يقتضي رجحان القضاء على الفور وإرغام الشيطان، لكن ما فعله ﷺ من تأخيرها لذلك راجح مقدَّم على هذا الرجحان الَّذي يقتضي القضاء على الفور في هذه الصورة؛ لأنه صاحب الشرع، وهو ﷺ أعرف به، والله أعلم. ثم الصلاة إذا قلنا: إنه يجب الترتيب في قضائها، فلو ذكر الفائتة المنسية وهو في صلاة، هل يقطعها؟ لم يقل المالكية بالقطع مطلقًا، بل لهم في ذلك تفصيل بين الفذ والإمام والمأموم، وبين أن يكون الذكر بعد ركعة أولًا، فلا يستمر الاستدلال مطلقًا لهم، وحيث يقال: يقطعها، فوجهُ الدليل منه أنه يقتضي الأمر بالقضاء عند الذكر، ومن ضرورة ذلك قطعُ ما هو فيه، ومن أراد إخراج شيء من ذلك، فعليه أن يبين معنى مانعًا من إعمال اللفظ في الصورة التي يخرجها، ولا يخلو هذا التصرف من نوع جدل. وفي الحديث دليل على: وجوب القضاء على العامد بالترك بطريق الأولى؛ لأنه إذا لم تقع المسامحة مع قيام العذر بالنوم والنسيان، فلأن لا يقع مع عدم العذر [أولى]، وحكى القاضي عياض عن بعض المشايخ أن قضاء العامد مستفاد من قوله ﷺ : "فليصلِّها إذا ذكرها"؛ لأنه بغفلته عنها وعمده كالناسي، ومتى ذكر تركه لها، لزمه قضاؤها. قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وهو ضعيف؛ لقوله ﷺ :

стр. 571

"فليصلِّها إذا ذكرها"، وهو كلام مبني على ما قبله، وهو قوله: "من نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها"، والضمير في قوله: "فليصلِّها إذا ذكرها" عائد على الصلاة المنسية، أو التي وقع النوم عنها، فكيف يحمل ذلك على ضد النوم والنسيان، وهو الذكر واليقظة؟ نعم لو كان كلامًا مبتدأ؛ مثل أن يقال: من ذكر صلاةً، فليصلِّها إذا ذكرها، لكان ما قيل محتملًا، وأما قوله: كالناسي، إن أراد بذلك أنه مثله في الحكم، فهي دعوى، ولو صحت لم يكن ذلك مستفادًا من اللفظ، بل من القياس، أو من مفهوم الخطاب الَّذي أشرنا إليه، وكذلك ما ذكر في هذا من الاستناد إلى قوله: "لا كفارةَ لها إلا ذلك"، والكفارةُ إنما تكون من الذنب، والنائم والناسي لا ذنبَ لهما، وإنما الذنب للعامد، لا يصح أيضًا؛ لأن الكلام كله مسُوق على قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها"، والضمائر عائدة إليها، فلا يجوز أن يخرج عن الإرادة، ولا أن يحتمل اللفظ ما لا يحتمله، وتأويل لفظ الكفارة هاهنا أقرب، وليس من إيغال أن الكلام الدال على الشيء مدلول على ضده؛ فإن ذلك ممتنع، وليس ظهور لفظ الكفارة في الإشعار بالذنب بالظهور القوي الَّذي تصادم به النص الجلي في أن المراد الصلاة المنسية، أو التي وقع عنها النوم، وقد وردت كفارة القتل خطأً مع عدم الذنب، وكفارة اليمين بالله مع استحباب الحنث في بعض المواضع، وجواز اليمين ابتداء، فلا ذنب، والله أعلم (١). * * * الحديث الخامس عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵃ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عِشَاءَ الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِم تِلْكَ الصَّلاةَ (٢). * أما جابرٌ، فتقدم ذكره.

стр. 572

وأما معاذٌ، فكنيته أبو عبد الرحمن بنُ جبلِ بنِ عمرِو بنِ أوسِ بن عايذ -بالياء المثناة من تحت والذال المعجمة- بنِ عديِّ بنِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ أودى بنِ سعدِ بنِ عليِّ بنِ أَسدِ بنِ شاردةَ بن تزيدَ -بالتاء المثناة فوق- بنِ جشمَ بنِ الخزرجِ، الأنصاريُّ ثم الجشميُّ، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو مدني أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ومناقبه كثيرة جدًّا، وكان له ابن يسمى: عبد الرحمن، وبه كني، وقاتل مع أبيه يوم اليرموك، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين ابن مسعود، قال الواقدي: هذا مما لا اختلاف فيه عندنا. وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﷺ بين معاذ وجعفر بن أبي طالب، وبعثه رسول الله قاضيًا إلى الجند من اليمن يعلِّم الناسَ القرآن وشرائعَ الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان رسول الله ﷺ قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالدُ بنُ سعيد على صنعاء، والمهاجرُ بن أبي أمية على كندةَ، وزيادُ بن لبيد على حضرموت، ومعاذُ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعري على زَبيد، وزمعةَ، وعدن، والساحل، ولما وجه رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: "بم تقضي؟ "، قال: بما في كتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بما في سنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأي، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الَّذي وفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يحبُّ رسولُ الله" (١). وقال رسول الله ﷺ : " [أعلمُهم -يعني: أُمَّتهُ-] بالحلالِ والحرامِ معاذُ بن جبل" (٢)، وقال ﷺ : "يأتي معاذ بنُ

стр. 573

جبل يوم القيامة أمامَ العلماء رَتْوَة" (١)، والرتوةُ -بفتح الراء، وبالمثناة فوق ساكنة، وبالواو مفتوحة، ثم هاء التأنيث-، ومعناها: الرمية بسهم، وقيل: بحجر؛ أي: يكون معاذ يوم القيامة أمام العلماء بمقدار مسافة الرمية بالسهم أو الحجر. وعن فروة الأشجعي وغيره قال: كنت جالسًا مع ابن مسعود، فقال: إن معاذًا كان أُمَّة قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]، فأعاد قوله: إن معاذًا، فلما رأيته أعادَ، عرفت أنه تعمَّد الأمر، فسكتُّ (٢). وفي رواية قال: سمعتموني ذكرتُ إبراهيم؟ إنا كنا نشبه معاذًا بإبراهيم، قال فروة: فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة: الَّذي يعلم الخير ويُؤتم به ويقتدى، والقانت: المطيع لله، وكذلك كان معاذ بن جبل معلمًا للخير، مطيعًا لله ولرسوله (٣). وروي أن النبي ﷺ قال له: "واللهِ يا معاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ"، قال: وأنا واللهِ أحبُّكَ يا رسولَ الله، الحديث (٤). وعن عبد الله بن كعب بن مالك ﵀

стр. 574

قال: كان معاذ رجلًا شابًّا جميلًا من أفضل شباب قومه، سمحًا، لا يمسك، وادَّانَ حتى أغرق ماله كله في الدين، فباع النبي ﷺ ماله كله في دَيْنه حتى قام معاذ بغير شيءٍ، في قصة طويلة فيها: أن معاذًا ﵁ بعثه رسول الله ﷺ إلى طائفة من أهل اليمن عامَ الفتح ليجبره، فمكث أميرًا باليمن، وكان أول من تجر في مال الله تعالى، وأنه أصاب حتى قبض رسول الله ﷺ ، فقدم على أبي بكر، الحديث. وهذا الحديث مرسل صحيح (١). وخرج معاذ إلى الشام في خلافة أبي بكر، واستعمله عمر على الشام إذ مات أبو عبيدة، فمات من عامه في طاعون عَمْواس بين قرية بين الرملة وبيت المقدس، قاله أبو عمر بن عبد البر. وقال المدائني: مات معاذ بناحية الأردن في طاعون عمواس. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وسبعة وخمسون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد، روى عنه من العبادلة: ابنُ عمر، وابنُ عباس، وابن عمرٍو بنِ العاصي، وأبو قتادة الأنصاريُّ، وجابرُ بن عبد الله، وأنسٌ، وأبو أمامةَ الباهليُّ، وأبو ثعلبةَ الخشنيُّ، وعبدُ الله بن أبي أوفى، وعبدُ الرحمن بنُ سمرة، وعبدُ الرحمن بنُ غنم، وجنادةُ بن أبي أمية، والمقدامُ بن معدي كرب، وجماعةٌ من التابعين المخضرمين، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند. ونسب الطاعون الَّذي مات فيه إلى عمواس؛ لأنه أول ما بدأ منها، قال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو البصري الدمشقي: كان الطاعون بسنة سبع عشرة وثمان عشرة، وفي سنة سبع عشرة رجع عمر من سرغ بجيش المسلمين ليلًا يقدمهم على الطاعون، ثم عاد من العام المقبل سنة ثمان عشرة حتى أتى

стр. 575

الجابية، فاجتمع إليه المسلمون، فجند ومصَّر الأمصار، وفرض الأعطية والأرزاق، ثم قفل إلى المدينة. وعن الزهري قال: أصاب الناسَ طاعونٌ بالجابية، فقام عمرو بن العاصي فقال: تفرقوا عنه؛ فإنه بمنزلة نار، فقام معاذ بن جبل فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "هذه رحمةٌ لهذه الأمة، اللهم فأذكره معاذًا وآل معاذ فيمن يذكره بهذه الرحمة" (١). واتفقوا على أنه مات سنة ثمان عشرة، إلا قولًا شاذًّا أنه مات سنة سبع عشرة، واختلفوا في سنه يوم مات، فالأكثرون على أنه ابن ثلاث وثلاثين، وقيل: أربع، وقيل: ثمان، وقيل: إحدى وثلاثين، وقيل: ثمان وعشرين. قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي ﵀: وقبره بغور بيسان في شرقيه ﵀ ورضي عنه - (٢). أما قول جابر: إن معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ عشاء الآخرة، ففيه دليل على جواز مثل هذا، وإضافة المنكر إلى المعرف، وإذا كان المعرف صفة للمنكر، ويعبر عنه بإضافة الموصوف إلى صفته، وهو مذهب الكوفيين، فيقال: عشاء الآخرة، ومسجد الجامع، ومنعه البصريون، وقالوا حيث جاء إضافة المنكر إلى المعرف في الصفة والموصوف إنما هو بتقدير موصوف معرف محذوف، وهو العشاء الآخرة، وفي مسجد المكان الجامع، والله أعلم.

стр. 576

وقد منع بعض العلماء قول: العشاء الآخرة، قال: لأنه يقتضي أن يكون ثمَّ عِشاءٌ أولى، وقد نُهي عن تسمية المغرب عشاءً، وهذا غلط مردود بما ثبت في "صحيح مسلم": أن النبي ﷺ قال: "أَيُّما امرأةٍ أصابَتْ بَخُورًا، فلا تشهدْ معنا العشاءَ الآخِرَةَ" (١)، وقد ثبت ذلك من كلام جماعة من الصحابة؛ لحديث جابر هذا وغيره، والله أعلم. وأما صلاة معاذ ﵁ صلاةَ العشاء مع النبي ﷺ ثم يصليها بقومه، فاعلم أنه ينبغي أن يقرر أولًا أن فرض معاذ ﵁ في هذه الصلاة كانت الأولى، وهي صلاته مع رسول الله ﷺ لوجوه: أحدها: أنه روى الدارقطني في بعض طرق هذا الحديث فيمن صلى وفعل فعلَ معاذٍ: أن النبي ﷺ قال: "فهيَ لهم فَريضةٌ وله تَطَوُّعٌ" (٢)، وعللها بعض المالكية بأنها رواية شديدة الضعف، وعلى تقدير ثبوتها، فهي مدرجة، ليست من كلام النبي ﷺ ، بل من كلام ابن جريج، أو من روى عنه، أو من قول جابر؛ لأن ابن عيينة رواه، وليس فيه هذه اللفظة التي ذكرها ابن جريج، ولا شك أن الدارقطني إمام جليل لم يذكر شيئًا من ذلك، وهو أخبر، وأعلم بالحديث، فلو كان ثم شيء مما ذكره هذا المالكي المعلل، لبيَّنه، وابن جريج ثقة فيما رواه

стр. 577

وانفرد به، ولا يثبت القدح في مثل هذا بالاحتمال من غير نص من حافظ على أنها مدرجة، والله علم. الوجه الثاني: أنه يبعد بعدًا شديدًا أن يجعل معاذ فرضَه مع قومه، وصلاتَه مع النبي ﷺ نافلةً؛ فإنه ﵁ لا يظن به ذلك، فيترك فضيلة فرضه خلف النبي ﷺ ، ويأتي بها مع قومه، مع ما ثبت من رتبته في العلم. الوجه الثالث: أنه ﷺ قال: "إذا أُقيمت الصلاةُ، فلا صلاةَ إلا المكتوبة" (١)، فكيف يُظن بمعاذٍ ﵁ مخالفةُ ذلك، ويصلي النافلةَ مع قيام المكتوبة؟! إذا تقرر هذا، وأن فرض معاذ ﵁ كان الأولى، وأن صلاته بقومه كانت نافلة، فقد ادعى بعضهم أن ذلك منسوخ بأمرين: أحدهما: أنه يحتمل أن فعل معاذ ذلك حين كانت الفريضة تقام في اليوم مرتين حتى نهي عنه. والثاني: أن إسلام معاذ كان متقدمًا، وقد صلى النبي ﷺ بعده سنتين من الهجرة صلاةَ الخوف غيرَ مرة على وجه تقع فيه المخالفة الظاهرة بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف، وذلك يدل على عدم إيقاع الصلاة في اليوم مرتين على وجه لا يقع المنافاة والمفسدات في غير هذه الحالة. والجواب عن الأول: أنه لا بد من نقل على إيقاع الفرض في اليوم مرتين، ولا نقلَ، فلا دليل على النسخ، وإثباتُه بالاحتمال لا يجوز. وعن الثاني: ما ذكر من الملازمة، وصلاة النبي ﷺ بعده صلاة شدة الخوف لا يدل على النسخ بتقدير تقدم إسلام معاذ وفعله، كيف والمنازعة واقعة في أن ذلك هل كان عقب إسلامه أو بعده؟ على أنه قد كانت الضرورة داعية إلى صلاة معاذ بقومه؛ لقلة القراء ذلك الوقت، ولم يكن لهم غِنًى عن صلاة معاذ، ولم يكن لمعاذ غِنًى عن صلاته مع النبي ﷺ ، مع احتمال فعل معاذ ذلك أنه كان

стр. 578

مقترنًا بحالة مخصوصة أُبيح له ذلك من أجلها، فيرتفع الحكم بزوالها، فلا يكون نسخًا على كل حال، فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على النسخ والفعل من كل وجه، والله أعلم. إذا تقرر أن فرض معاذ الأولى، وعدم نسخه، ثبت جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وادعاء عدم علم النبي ﷺ بذلك بعيد جدًّا، ولو فرض عدم علمه بذلك، وأن ذلك لم يجز، لم يقر عليه ﷺ ، بل كان ينزل عليه الوحي بمنع فعل معاذ، فقد نزل الوحي في المجادلة عن نفسها، وفي التحريم لما أحلَّ الله، وغير ذلك، وأمرُ الصلاة أعظمُ، فدل على بطلان هذا الادعاء، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وهو راجع إلى قاعدة، وهي أن ائتمام المأموم بالإمام واجبٌ في الصورة والنية، والفعل والقول، أم في الفعل وبعض القول؟ وفي ذلك كلام تقدم معظمه، ونتكلم هنا على ما يتعلق بحديث معاذ، فنقول: يجوز اختلاف نية الإمام والمأموم مطلقًا؛ لحديث معاذ، فيجوز اقتداء المفترض بالمتنفل، وعكسه، والقاضي بالمؤدي، وعكسه، سواء اتفقت الصلاتان، أم لا، إلا أن تختلف الأفعال الظاهرة، وهو مذهب الشافعي، ومن قال بقوله، وهو أوسع المذاهب. وخالف مالك في أحد قوليه في ذلك، وقال: لا يجوز اختلاف النيات حتى لا يصلي المتنفل خلف المفترض، ونقلُ هذا القول عن مالك ليس بجيد، كذا قال شيخنا أبو الفتح القاضي، قال: وهذا أضيقُ المذاهب في هذه المسألة. وقال أبو حنيفة، ومالك -في المشهور الراجح عنه، وهو أوسط المذاهب-: يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، لا عكسه (١)، وحديث معاذ ﵁ أشبهُ بالاستدلال على جواز عكس هذا المذهب، خصوصًا لمن لم يعد المعنى في العبادات، لكنه اعترض على فعل معاذ بأن الاستدلال به إنما هو من باب ترك الإنكار من النبي ﷺ ، وشرط صحة الاستدلال بالفعل الواقع من

стр. 579

غيره ﷺ علمُه به، وتقريره إياه، وجائز ألا يكون ﷺ علم بصلاة معاذ بقومه؛ إذ لو علم، لأنكر، وهذا الاعتراض بعيد جدًّا؛ لما ذكرناه أولًا، وبما ثبت في "الصحيح": أنه ﷺ علم بصلاته بشكوى قومه من التطويل عليهم، وغضبه ﷺ لذلك، وتكرير قوله: "أَفَتَّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ؟! " (١)، ولم يثبت صريحًا أنه ﷺ منعه من الصلاة بقومه وإلزامه بالصلاة معه، بل خيره بين الصلاة معه، والتخفيف في صلاته بقومه، وبين تركِ صلاتهِ بقومه، والصلاةِ معه ﷺ ، لا أنه خيره بين الصلاة معه وتركِ الصلاة بقومه، وبين الصلاة بقومه وترك الصلاة معه، والله أعلم، ولهذا كان استدلال جمهور العلماء بحديث معاذ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وعكسه؛ لأن المحذور إنما هو وقوع الاختلاف على الأئمة ظاهرًا، ولا اختلاف ظاهرًا هنا، واختلاف النيّات أمر باطن لا يظهر فيه كبير محذور، والاستدلالُ للمسائل العمليات إنما هو بما ظهر من الأفعال أو الأقوال أو التقريرات، لا بالمعتقدات المجوزات، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإذَا لَمْ يَسْتَطعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ في الأَرْضِ، بَسَط ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ (٢). تقدم ذكر أنس ﵁. وقوله: "كنا نصلِّي معَ رسولِ الله ﷺ ، هذا حكمه حكمُ المرفوع، بلا خلاف؛ إذ الظاهرُ تقريرُ النبي ﷺ عليه، وعلمُه به، ولهذا صرح أنس بالمعية في صلاتهم.

стр. 580

وقوله: "بسطَ ثوبَه فسجدَ عليه"، لا شكَّ أن الثوب لغة إنما هو غير المَخيط؛ كالرداء والإزار، وقد تطلق على المخيط؛ كالقميص وغيره، وقد فسر عمر ﵁ الثوبين بالمخيط وغيره في قوله ﷺ : "أَوَكُلُّكُمْ يجدُ ثوبينِ؟ " (١) حين سئل عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هو إزار ورداء، أو إزارٌ وقميص، وغير ذلك، إذا ثبت هذا، فقول أنس: "بسط ثوبه"، يعمُّ ذلك [كل] ما يسمى ثوبًا، لكنه ليس فيه تعرض لاتصاله بلبس المصلي، أو بسطه منفصلًا عن لبسه، لكن الظاهر انفصاله عنه، فإنه إذا صلى على ثوب منفصل عن لبس المصلي، فإنه يجوز الصلاة عليه بلا خلاف، وإن كان متصلًا به، فإن كان المبسوط المصلَّى عليه يتحرك بحركة المصلي، لم يصحَّ الصلاة عليه، وإن لم يتحرك بحركته، صحت، فبسطُ الصحابة ثيابَهم لاتقاء الحر في الصلاة، محمولٌ على أنهم لم يكونوا لابسيها، ولو كانوا لابسيها، كانت محمولة على أنها لم تتحرك بحركتهم في الصلاة، والله أعلم. وقد أجاز أبو حنيفة والجمهور السجودَ على طرف ثوبه المتصل به، ولم يجوزه الشافعي، وتأول الحديث على السجود على ثوبٍ منفصل عنه، وحمله الأصحاب على المتصل إذا لم يتحرك بحركته، والله أعلم. وفي الحديث فوائدُ: منها: أنه يقتضي تقديم الظهر في أول الوقت مع الحر، ولا شك أن ذلك صحيح إن قلنا: إن الإبراد رخصة، فيكون تقديمها سنة، والإبراد جائز، وإن قلنا: إن الإبراد عزيمة مسنونة، فقد ردد بعضهم القول في أن صلاتهم للظهر في أول الوقت في شدة الحر منسوخ، أو يكون على الرخصة. قال شيخنا أبو الفتح ﵀: ويحتمل عندي عدم التعارض؛ لأنا إذا

стр. 581

جعلنا الإبراد إلى حيث يبقى ظل يمكن المشي فيه إلى المسجد، أو إلى ما زاد على الذراع، فلا يبعد أن يبقى مع ذلك حر يحتاج معه إلى بسط الثوب، فلا يقع تعارض. ومنها: جواز استعمال الثوب وغيره في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض؛ لاتقاء الحر وبردها. ومنها: أن الأولى في مباشرة المصلي الأرض بجبهته ويديه، فإنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وذلك يفهم منه أن الأفضل والمعتاد عدم بسطه، والله أعلم (١). * * * الحديث السابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" (٢). المراد بالثوب هنا الإزارُ فقط، وقد ألحق به في المعنى السراويل، وكل ما تُستر به العورة؛ بحيث يكون أعالي البدن مكشوفًا، فورد النهي على مخالفة ذلك بأن يجعل على عاتقه شيء يحصل الزينة المسنونة في الصلاة. والعاتق: ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، ويؤنثُ أيضًا، وجمعه: عواتقُ، وعُتُق -بضمتين-، وعُتْق، -بضم ثم إسكان-. ثم السنةُ في جعل بعض ثوب المصلي على العاتق إذا كان مكشوفًا، أما إذا كان مستورًا بقميص أو غيره، فلا يشرعُ جعلُ شيء منه ولا غيره على عاتقه، وقد ذكر أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - أن الإمام يومَ الجمعة يستحب له أن

стр. 582

يزيد على سائر الناس في الزينة؛ كالرداء ونحوه، وليس من زينته الطيلسان؛ فإنه ليس من شعار الإسلام، بل هو من شعار اليهود؛ فإنه ثبت في "صحيح مسلم" وغيره أنه شعارُ يهودِ أصبهانَ السبعين ألفًا الذين يخرجون مع الدجال (١)، وقد نهى الرسول ﷺ عن التشبه باليهود والنصارى وسائر الكفار، ولعن من تشبه بهم، مع أنهم يمنعون من لبسه في بلاد المسلمين؛ لما فيه من الرفعة عليهم به، والله أعلم. وقد اختلف العلماء في ستر العاتق في الصلاة، هل هو مستحب، أو واجب؟ فذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والجمهور إلى استحبابه، وأن تركه مكروه كراهة تنزيه، تصح الصلاة مع كشفه. وذهب أحمد ﵀ في المشهور عنه، وبعض السلف إلى الوجوب، وعدم الصحة بتركه إذا قدر على ستره، أو وضع شيء عليه؛ لظاهر هذا الحديث. وعن أحمد رواية أخرى: أن صلاته صحيحة، لكنه يأثم بتركه. واستدل الجمهور بما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من رواية جابر: أن النبي ﷺ قال له في ثوب له: "فإنْ كانَ واسعًا، فالتحِفْ به، وإن كانَ ضيقًا، فاتَّزِرْ به" (٢)، ولم يأمره ﷺ بوضع شيء على عاتقه مع ضيقه واتزاره به، فدل على عدم وجوبه والإثم بتركه، لكنه قد يجاب عنه بأن عدم أمره ﷺ له بوضع شيء على عاتقه مع ضيق ثوبه؛ لعلمه بعجزه عن ستره، والعاجزُ معذور في ذلك، بخلاف القادر، والله أعلم. وقد اعترض على ذلك بأن الَّذي يطرح على عاتقه شيئًا في الصلاة لا يخلو إما

стр. 583

أن يشغل يده بإمساكه، أولًا، فإن لم يشغل، خِيفَ سقوطه وانكشاف عورته إن كان بعض ثوبه الإزار، وإن شغل، كان فيه مفسدتان: إحداهما: منعُه من الإقبال على صلاته والاشتغال بها، الثانية: أن شغل يديه بالركوع والسجود لا يؤمن معه انكشاف العورة فيهما بسقوط الثوب، مع أنه نقل عن بعض العلماء القولُ بظاهر الحديث، ومنع الصلاة في السراويل والإزار وحده، لأنها صلاة في ثوب ليس على عاتقه منه شيء، وهو مخصوص بغير حالة الضرورة، والأشهر عند جمهور العلماء خلاف هذا على ما حررنا نقله أولًا، وجواز الصلاة بما يستر العورة، وحمل الحديث على كراهة التنزيه؛ حيث لا ضرورة ولا معارض له بأمرٍ أكثرَ مصلحةً للصلاة منه، والله أعلم. * * * الحديث الثامن عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا، وَلْيَعْتَزِل مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ في بَيْتِهِ"، وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيه خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ بمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إلى بَعْضِ أَصْحَابهِ، فَلَمَّا رَآهُ، كَرِهَ أَكْلَهَا، فَقَالَ: "كُلْ؛ فَإِنِّي أُناجِي مَنْ لَا تُنَاجِي" (١). تقدم الكلام على جابر. أما البقول -في جمع البقل- قال أهل اللغة: البقل: كل نبات اخضرت به الأرض (٢). وقوله: "وأُتي بقدر فيه خضرات"، هكذا هو في "صحيح مسلم": بقدر وهو

стр. 584

ما يُطبخ فيه، ورواه البخاري في "صحيحه"، وأبو داود في "سننه"، وغيرهما: بِبَدْر -بباءين موحدتين - (١)، قال العلماء: وهو الصواب، وفسره الرواة وأهل اللغة والغريب بالطبق، قالوا: وسمي بَدْرًا لاستدارته كاستدارة البدر، واستبعدوا لفظة القدر بأنها تشعر بالطبخ (٢). وقد ورد الإذن بأكل البقول المذكورة مطبوخة، وأما البدر، فلا تشعر كونها فيه مطبوخة، بل يجوز أن تكون نية، فلا يعارض ذلك الإذن في أكلها مطبوخة. وأما الضمير في "فيه"، فهو عائد على القدر إذا قلنا: إنه مذكر، وهو لغة، وأما إذا قلنا: إنها مؤنثة، فيكون الضمير عائدًا إلى الطعام الَّذي في القدر، والله أعلم. وقوله: "فأُخبر بما فيها من البقول": دليل على أن القدر مؤنثة. وقوله: "قربوها، إلى بعض أصحابه"، الضمير في قربوها عائد إلى البقول، أو إلى الخضرات، لكن عوده إلى البقول أولى؛ لأنه أقرب. وقوله: "فلما رآه كره أكلها، قال: كُلْ فإني أُناجي من لا تناجي"، فيه دليل على إباحة أكل الثوم والبقل ونحوهما، وهو حلال بإجماع مَنْ يعتد به، وحكي عن أهل الظاهر أو بعضهم تحريمُ أكل هذه الأشياء؛ لأنها تمنع عن حضور الجماعة، وتقريره عندهم أن الجماعة فرضُ عين، ولا يتم الإتيان به إلا بترك أكل هذه الأشياء؛ لهذا الحديث، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فترك أكل هذا واجب، وحجة الجمهور المعتد بهم قوله ﷺ : "كلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي"، وقوله ﷺ : "أيُّها الناس! ليس لي تحريمُ ما أحلَّ الله" (٣)، ويلزم من

стр. 585

إباحة أكلها ومنع حضور الجماعة والمساجد بسبب أكلها، ألَّا تكون الجماعة واجبة على الأعيان، وتقريرُه أن كل هذه الأشياء جائز؛ لما ذكرناه، ومن لوازمه تركُ الصلاة جماعة في حق آكلها، ولازمُ الجائز جائز، وترك الجماعة في حق آكلها جائز، وذلك ينافي الوجوب عليه. وفي الحديث فوائد: منها: اعتزال الجماعة والمساجد لمن أكل بصلًا أو ثومًا أو نحوهما مما له رائحة كريهة، ولزوم بيته، وذلك تصريح بالنهي عن ذلك في كل مسجد، وهو مذهب العلماء كافة، وحكي عن بعض العلماء: أن النهي خاص بمسجد الرسول؛ لقوله ﷺ : "فليعتزلْنا، أو: فليعتزلْ مسجدَنا" (١)، وأكد ذلك بأن مسجده ﷺ كان مهبطَ الوحي، والصحيحُ عمومُه؛ لقوله ﷺ في رواية في "صحيح مسلم": "فلا يقربن المساجد" (٢)، فيكون قوله ﷺ : "مسجدنا" للجنس، أو لضرب المثال؛ لأنه معلل بتأذي الناس أو الملائكة الحاضرين، وذلك قد يكون موجودًا في المساجد كلها. ومنها: أن أكل البصل والثوم ونحوهما حلال، والنهي إنما هو عن الحضور مع الجماعة، أو عن حضور المسجد، لا عن أكلها، فإنه جائز بإجماع من يعتد به، وتقدم ذلك، وقد اختلف أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - في الثوم هل كان حرامًا على رسول الله ﷺ ، أم كان يتركه تنزهًا كغيره؟ على وجهين، وظواهر الأحاديث عدم التحريم، وأنه ﷺ كغيره، ومن قال بالتحريم قال:

стр. 586

المراد بقوله: "ليس لي تحريمُ ما أحل الله" (١) بالنسبة إلى أمته فيما أحل لها، لا بالنسبة إليه، والله أعلم. وقد ألحق العلماء بالمنع من المساجد من أكل الثوم والبصل والكراث كلَّ ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، وألحق القاضي عياض ﵀ به من أكل فجلًا، أو كان يتجشأ، وألحق ابن المرابط المالكي به من في فيه بَخْر، أو بهِ جُرْحٌ له رائحة، وقد قاس العلماء على هذا مجامع الصلاة في غير المساجد؛ كمصلى العيد والجنائز ونحوهما، والله أعلم. ومنها: أنه من أكل هذه المذكورات، هل هو عذر مرخِّصٌ في ترك الجماعة، أم خرج المنع من حضور المساجد والجماعات مخرجَ الزجر عن أكلها، فلا يقتضي أن يكون عذرًا في ترك حضورها إلا أن تدعوه ضرورة إلى أكلها، وهذا بعيد من وجه آخر، وهو أنه ﷺ أمر بتقريب هذه البقول إلى بعض أصحابه، فإنه ينافي الزجر، والله أعلم. ومنها: احترامُ الناس والملائكة؛ بمنع أذاهم بالروائح الكريهة ونحوها مما يؤذي. ومنها: الأمرُ بالقعود في البيت عندَ وجود الأذى المتعدِّي واعتزال الناس للكفِّ عن أذاهم؛ والله أعلم. * * * الحديث التاسع عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَكَلَ البَصلَ وَالثُّومَ والكُرَّاثَ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَى مِنْهُ الإنْسَانُ" (٢).

стр. 587

تقدم ذكرُ جابر. وفي هذا الحديث زيادٌ على الَّذي قبله: ذكرُ الكرَّاث، وفيه إشارةٌ إلى تعدي الحكم إلى كل ما له رائحة كريهة كما ذكرناه فيما تقدم، وتقدم التوسع بالمساجد إلى سائر المجامع، خلا الأسواق ونحوها. وأما تعليله ﷺ بتأذي الملائكة من أكل المذكورات كلها لأجل ريحها كما يتأذى به الإنسان، ففيه تنبيه على كراهة أكلها مطلقًا، أو في مواضع حضور الملائكة، فيخرج منه الحفظة الملائكة الملازمون لبني آدم، وإن لم يكن أحد من بني آدم حاضرًا، فيكون تأذي الملائكة علَّة بانفرادها، وتأذي بني آدم علة بانفرادها، والله أعلم. * * * انتهى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني، وأوله باب التشهد، من كتاب الصلاة

стр. 588

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام تأليف الإمام علاء الدين علي بن داود بن العطار الشافعي (المولود سنة ٦٥٤ هـ والمتوفى سنة ٧٢٤ هـ) رحمه الله تعالى وقف على طبعه والعناية به نظام محمد صالح يعقوبي [المجلد الثاني]

стр. 589

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 590

الْعُدَّة فِي شَرْحِ الْعُمْدَة [٢]

стр. 591

جَمِيع الْحُقُوق مَحفوظَة الطبعَةُ الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م جمعية الْإِصْلَاح ١٣٦٠ هـ الْبَحْرين ١٩٤١ م مَشروعُ الْعلم النافع سلسلَة إصدارات لجنة الْأَعْمَال الْخَيْرِيَّة (١٥) شركَة دَار البشائر الإسلامية للِطِّباعَةَ والنشر والتوزيع ش. م م أسَّسها الشَّيْخ رمزي دمشقية رَحمَه الله تَعَالَى سنة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م بيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤ هَاتِف: ٧٠٢٨٥٧ فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 592

باب التشهد سمي التشهد تشهدًا بأشرف ما فيه، وهو لفظه، وهو الشهادتان، كما سميت الصلاة سبحة أو ركوعًا أو سجودًا بأشرف ما فيها، وهو التسبيح، أو الركوع، والسجود؛ فإنهما لما كانا علة في الخضوع، سميت به، وإن كان أحدهما أبلغ من الآخر فيه، وإن كان التسبيح من حيث ذاته أفضل منهما، والسجود أفضل من الركوع، والله أعلم. * * * الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: "التَّحِيَّاتُ للهِ والصَّلَوَاتُ والطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَليْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وَبرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ" (١). وفي لفظ: "إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ للهِ"، وذكره، وفيه: "فَإنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ في السَّمَاءِ والأَرْضِ"، وفيه: "فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلةِ مَا شَاءَ" (٢).

стр. 593

أما ابن مسعود، فتقدم الكلام عليه في أول كتاب الصلاة. وأما ألفاظه، فقوله: التحيات، هي جمع تحية، وهي الملك، وقيل البقاء، وقيل: العظمة، وقيل: الحياة، وقيل: السلام، فإذا حمل على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلًا كلُّها مستحقةٌ لله تعالى، وأتى بها بلفظ الجمع؛ لأن ملوك العرب كل واحد منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة، فقيل؛ جميع تحياتهم لله تعالى، وهو المستحق لذلك حقيقة، وإذا حمل على البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وإذا حمل على الملك والعظمة، فيكون معناه: الملك الحقيقي التام، أو العظمة الكاملة لله؛ لأن ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو ناقص. وقوله: "والصلوات" الواو تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون حينئذ كلُّ جملة ثناء مستقلًا، وهو أبلغ، ومعناها: الصلوات المعهودة، ويكون التقدير أنها واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يقصد بها غيره، أو يكون ذلك إخبارًا عن إخلاصنا الصلواتِ له؛ أي: صلاتنا مخلصة له لا لغيره، [وقيل: معناها: الرحمة، فيكون معنى إضافتها إلى الله؛ أي: هي للمتفضل بها، والمعطي هو الله؛ لأن الرحمة التامة لله لا لغيره] (١)، وقدر بعض المتكلمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رحم أحدًا، فرحمتُه له بسبب ما حصل له من الرقة عليه، وهو برحمته دافع لألم الرقة عن نفسه، بخلاف رحمة الله تعالى؛ فإنما [هي] لمجرد إيصال النفع إلى العبد، وقيل: معناها: الدعوات والتضرع. وقوله: "والطيبات" فقد فسرت بالأقوال الطيبات، ولو فسرت بما هو أعظم من الأفعال والأقوال والأوصاف، كان أولى، وطيب الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص. وقوله: "السلامُ عليكَ أيها النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى

стр. 594

عباد الله الصالحين"، أما السلام، فمعناه: التعوذُ باسم الله الَّذي هو السلام، والتحصينُ به ؛ كما يقول: الله معك؛ أي: الله متوليك وكفيل بك؛ أي: باللطف والحفظ والمعونة، وقيل: معناه: السلامة والنجاة لكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١]، وقيل: معناه: الانقياد لك؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وليس يخلو بعض هذا من ضعف؛ لأنه لا يتعدى السلام ببعض هذه المعاني بكلمة على، ولذلك قيل في معنى السلام آخرَ الصلاة الَّذي هو تحليل منها. وأما قوله: "عبادَ الله، فهو جمعُ عبد، وله جموع غيره: عبيد، وأَعْبُد، وأَعابِد، ومعبوداء، ومعبدة، وعبد، وعُبدان، وعِبدان -بضم العين وكسرها-، وعبدا -بالقصر والمد-، والعبودية أشرف أوصاف العبد، وبها بعث الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ في أعلى مقاماته في الدنيا، وهو الإسراء في بدايته ونهايته؛ حيث قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، فكان من ربه ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٩، ١٠]، ونعتهم بالصالحين ليخرج الطالحين، قال الزجاج وصاحب "مطالع الأنوار" وغيرهما (١): هم القائمون بحقوق الله تعالى، وحقوقِ العباد الواجبة عليهم، والألف واللام الداخلتان على الجمع للتكثير، وعلى الجنس دليل على العموم، وعلى صحة القول به من غير توقف ولا تأخر، وقد نبه ﷺ على ذلك حيث قال: "أصابتْ كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض" (٢)، وهو مذهب الفقهاء - رحمهم الله تعالى -، وهو مقطوع به في لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة التي من جملتها قوله ﷺ : "أصابَتْ كلَّ عبدٍ"، فأدخل فيه الكل، حتى

стр. 595

الملائكة خصهم، أعني: العباد الصالحين من الملائكة والجن والإنس بالذكر للثناء والتعظيم، وقد كانوا قبل ذلك يقولون: السلامُ على الله، السلام على فلان، السلام على فلان، حتى علموا هذا اللفظ. وقوله: "أشهد أنْ لا إلهَ الا اللهُ وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" إنما أتى بلفظ الشهادة دون لفظ العلم واليقين؛ لأنه أبلغ في معنى العلم واليقين، وأظهر؛ حيث إنه شهود، وهو مستعمل في ظواهر الأشياء وباطنها، بخلاف العلم واليقين؛ فإنهما يستعملان في البواطن غالبًا دون الظواهر، ولهذا قال الفقهاء - رحمهم الله تعالى -: لا تصح إذًا الشهادة عند الحاكم بلفظ دون الشهادة، فلو قال الشاهد: أعلم أو أوقن بكذا، لم يصح، والله أعلم. وسمي نبينا محمدًا ﷺ به؛ لكثرة خصاله المحمودة، فألهم الله أهله تسميته به؛ لعلمه سبحانه بها فيه ﷺ ، قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد ومحمود: إذا كثرت خصالُه المحمودة (١). واعلم أنه ورد في التشهد أحاديثُ: منها: رواية ابن مسعود هذه. ومنها: رواية ابن عباس، وأبي موسى الأشعري ﵃، واتفق العلماء على جوازها كلها، واختلفوا في الأفضل والمختار منها، ولا شك أن الروايات اختلفت فيه، فمذهب أبي حنيفة وأحمد - رحمهما الله - وجمهور الفقهاء اختيارُ تشهدِ ابن مسعود هذا؛ لكونه عند المحدثين أشدَّ صحة؛ فإنه في "الصحيحين"، وغيره في مسلم خاصة، ولما فيه من المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقدم، وأنه أبلغ، بخلاف حذف واو العطف، فيكون ما عدا الأول صفة له، فيكون جملة واحدة في الثناء، وزاد بعض الحنفية في تقرير هذا بأن قال: لو قال: والله، والرحمن، والرحيم، لكانت أيمانًا متعددة تتعدد بها

стр. 596

الكفارة، ولو قال: والله الرحمن الرحيم، لكانت يمينًا واحدة فيها كفارة واحدة، وبما فيه من إثبات الألف واللام في السلام للتعريف، وتنكيره في رواية غيره، والتعريف أعم. وبقول ابن مسعود ﵁ في اللفظ الذي يدل على العناية بتعلمه وتعليمه، وهو: علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه؛ كما يعلمني السورة من القرآن، لكن هذا مشترك بينه وبين تشهد ابن عباس ﵄ لما فيه من زيادة لفظة "المباركات"، وهي موافقة لقول الله تعالى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وأجاب من رجح مذهب الشافعي في اختيار تشهد ابن عباس بأن واو العطف قد تسقط، وتكون مقدرة في حديث ابن عباس، فيكون تقدير التحيات المباركات الصلوات الطيبات، بالواو فيها كلها، وحذفها جائز للاختصار، معروف في اللغة، وأنشدوا في ذلك: كيف أصبحت كيف أمسيت مما (١) والمراد: كيف أصبحت وكيف أمسيت؛ وهذا أولًا إسقاط للواو العاطفة في عطف الجمل، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في عطف الجمل، ولو كان غير ضعيف، لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد الثناء، بخلاف ما لم يصرح به، والله أعلم. واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب ﵁ الذي علمه الناسَ على المنبر، ورجحه أصحابه؛ لشهرته، وعدم المنازعة فيه من أحد من الصحابة ﵃، فصار كالإجماع، وهو: التحياتُ لله الزاكياتُ الطيباتُ لله، سلام عليك أيها النبي، إلى آخره، ويترجح تشهد ابن مسعود عليه، وكذا تشهد ابن عباس ﵁ بأن رفعه إلى رسول الله ﷺ مصرَّح به، ورفع تشهد عمر ﵁ بطريق الاستدلال، كيف والغاية دالة على تقديمها بتعليمها

стр. 597

كما يعلم رسول الله ﷺ السورة من القرآن، والله أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا في التشهد، هل هو واجب، أم سنة؟ فقال الشافعي وطائفة: الأخير واجب، والأول سنة، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال أحمد: الأول واجب، والثاني فرض، وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان، وعن مالك رواية بوجوب الأخير، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب التعوذ بقدره في آخر الصلاة، واستدل للوجوب بقوله: "فليقل التحياتُ"، والأمر للوجوب، إلا أن مذهب الشافعي ﵀ أن جميع ما يوجه إليه هذا الأمر ليس بواجب، بل الواجب بعضه، وهو: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي"، من غير إيجاب ما بين ذلك من "المباركات والطيبات والصلوات"، وكذا -أيضًا- لا يوجب كل ما بعد السلام على النبي ﷺ على اللفظ الذي يوجه عليه الأمر، بل الواجب بعضه، واختلفوا فيه، وعلل هذا الاقتصار على بعض ما في الحديث بأنه المتكرر في جميع الروايات، وعليه إشكال؛ لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل، فيجب قبولُها إذ توجه الأمر بها، وكان الشافعي ﵀ اعتبر في حد الأقل ما رآه مكررًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وإن ما انفردت به الروايات، أو كان تابعًا لغيره، جوز حذفه، لكنه يشكل على هذا لفظة "الصلوات"، فإنها ثابتة في جميع الروايات، وليست تابعة في المعنى، وقد ادعى الرافعي ثبوت "الطيبات" في جميع الروايات، واستشكلها، وهي منفية في رواية "الموطأ" عن ابن عمر ﵄، والله أعلم. ثم اعلم أن "المباركات والزاكيات" في حديث عمر بمعنى واحد، والبركة: كثرة الخير، وقيل: النماء، وكذا الزكاة أصلُها النماء. وفي هذا الحديث أحكام: منها: شرعية تعليم السنة والأحكام وضبطها وحفظها كما يشرع تعليم القرآن وحفظه وضبطه.

стр. 598

ومنها: الأمر بالتشهد وتقدم الاختلاف في وجوبه والكلام عليه. ومنها: أن لفظة "كل" للعموم. ومنها: الدعاء بالسلام على الأنبياء والصالحين، وتقدم الكلام على ذلك مفصلًا. ومنها: شرعية الدعاء آخر الصلاة قبل السلام. ومنها: أنه يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثمًا، وهذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا الدعوات الواردة في القرآن والسنة، واستثنى بعض أصحاب الشافعي بعض صورٍ من الدعاء تقبُح؛ كما لو قال: اللهم أعطني امرأة صفتُها كذا وكذا، وأخذ يذكر أوصاف أعضائها. ومنها: ما استدل به جمهور العلماء على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ليست واجبة من حيث إن النبي ﷺ قد علم التشهد، وأمر عقبه أن يتخير من المسألة ما شاء، ولم يعلم ذلك، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعضِ أصحاب مالك وجوبُها في التشهد الأخير، فمن تركها، بطلت صلاته، وقد جاء في رواية في هذا الحديث في غير مسلم زيادة: "فإذا فعلتَ ذلكَ فقد تَمَّتْ صلاتُك" (١)، لكنها زيادة ليستْ صحيحة عن النبي ﷺ . وسيأتي الكلام عن الصلاة على النبي ﷺ في الحديث الآتي مبينًا واضحًا، والله أعلم.

стр. 599

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ ﵁، فَقَالَ: أَلاَ أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إن النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (١). أما عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، فكنيته أبو عيسى، واسم أبيه أبي ليلى: يَسارٌ، على الأصح المشهور، ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بلبل بن أحيحةَ بن الجلاح بنِ الحريشِ بنِ جحجنا بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ مالكِ بنِ الأوس. وعبدُ الرحمن هذا تابعيٌّ، ثقة، جليل، أنصاريٌّ، أوسيٌّ، كوفي، حضر حلقته جماعةٌ من الصحابة ﵃ استمعوا لحديثه، وأنصتوا له، فيهم البراء بن عازب ﵄، وروي عنه قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي ﷺ كلهم من الأنصار. ولد لست بقيت من خلافة عمر، وروى عنه وعن الخليفتين بعده، وسعد بن أبي وقاص من العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين. وأبوه أبو ليلى صحابي، لم يرو عنه غيرُ ابنه عبد الرحمن هذا، وابنُ أبي ليلى الفقيه، القاضي محمدُ بن عبد الرحمن هذا ضعيف، ومات عبد الرحمن سنة ثلاث وثمانين، وروى له البخاري ومسلم (٢).

стр. 600

وأما كعبُ بن عُجرة، فكنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق، وهو من بني سالمِ بن عوف، وقيل: من بني سالم بنِ بليِّ بنِ الحاف بنِ قضاعةَ، حليفٌ لبني حارثة بنِ الحارث بنِ الخزرج، وقيل: هو حليفٌ لبني عوف بن الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: إنه حليف لبني سالم من الأنصار، شهد بيعة الرضوان، وقال ابن الأثير: تأخر إسلامه. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي؛ العبادلة، وجابرُ بن عبد الله، وطارقُ بن شهاب، وبنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع، وجماعة من التابعين، مات بالمدينة سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون سنة، روى له أصحاب السنن والمساند (١). أما ألفاظه: فقوله: "ألا أهدي لك هديةً" الهديةُ: ما يُتقرب به إلى المهدى إليه توددًا وإكرامًا من غير قصد عوض دنيوي، بل القصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل في المأكول والمشروب والملبوس، وقد يتجوز بها في العلوم اللفظية والمعنوية الشرعية؛ كما في هذا الحديث: "ألا أهدي لك هدية"، والهدية واحدة الهدايا؛ كالعطية والعطايا، والبرية والبرايا، وفيه إضمار؛ كأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال له: نعم، فقال له كعب: "إنَّ النبيَّ ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله" الحديث. وقوله ﷺ : "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ" إلى آخره، صيغة الأمر في قوله ظاهرة في الوجوب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، لكن
следующие страницы →