← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الكفارة، ولو قال: والله الرحمن الرحيم، لكانت يمينًا واحدة فيها كفارة واحدة، وبما فيه من إثبات الألف واللام في السلام للتعريف، وتنكيره في رواية غيره، والتعريف أعم. وبقول ابن مسعود ﵁ في اللفظ الذي يدل على العناية بتعلمه وتعليمه، وهو: علمني رسول الله ﷺ التشهد كفي بين كفيه؛ كما يعلمني السورة من القرآن، لكن هذا مشترك بينه وبين تشهد ابن عباس ﵄ لما فيه من زيادة لفظة "المباركات"، وهي موافقة لقول الله تعالى ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وأجاب من رجح مذهب الشافعي في اختيار تشهد ابن عباس بأن واو العطف قد تسقط، وتكون مقدرة في حديث ابن عباس، فيكون تقدير التحيات المباركات الصلوات الطيبات، بالواو فيها كلها، وحذفها جائز للاختصار، معروف في اللغة، وأنشدوا في ذلك: كيف أصبحت كيف أمسيت مما (١) والمراد: كيف أصبحت وكيف أمسيت؛ وهذا أولًا إسقاط للواو العاطفة في عطف الجمل، ومسألتنا في إسقاطها في عطف المفردات، وهو أضعف من إسقاطها في عطف الجمل، ولو كان غير ضعيف، لم يمتنع الترجيح بوقوع التصريح بما يقتضي تعدد الثناء، بخلاف ما لم يصرح به، والله أعلم. واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب ﵁ الذي علمه الناسَ على المنبر، ورجحه أصحابه؛ لشهرته، وعدم المنازعة فيه من أحد من الصحابة ﵃، فصار كالإجماع، وهو: التحياتُ لله الزاكياتُ الطيباتُ لله، سلام عليك أيها النبي، إلى آخره، ويترجح تشهد ابن مسعود عليه، وكذا تشهد ابن عباس ﵁ بأن رفعه إلى رسول الله ﷺ مصرَّح به، ورفع تشهد عمر ﵁ بطريق الاستدلال، كيف والغاية دالة على تقديمها بتعليمها

стр. 597

كما يعلم رسول الله ﷺ السورة من القرآن، والله أعلم. واعلم أن العلماء اختلفوا في التشهد، هل هو واجب، أم سنة؟ فقال الشافعي وطائفة: الأخير واجب، والأول سنة، وقال جمهور المحدثين: هما واجبان، وقال أحمد: الأول واجب، والثاني فرض، وقال أبو حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء: هما سنتان، وعن مالك رواية بوجوب الأخير، وقد وافق من لم يوجب التشهد على وجوب التعوذ بقدره في آخر الصلاة، واستدل للوجوب بقوله: "فليقل التحياتُ"، والأمر للوجوب، إلا أن مذهب الشافعي ﵀ أن جميع ما يوجه إليه هذا الأمر ليس بواجب، بل الواجب بعضه، وهو: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي"، من غير إيجاب ما بين ذلك من "المباركات والطيبات والصلوات"، وكذا -أيضًا- لا يوجب كل ما بعد السلام على النبي ﷺ على اللفظ الذي يوجه عليه الأمر، بل الواجب بعضه، واختلفوا فيه، وعلل هذا الاقتصار على بعض ما في الحديث بأنه المتكرر في جميع الروايات، وعليه إشكال؛ لأن الزائد في بعض الروايات زيادة من عدل، فيجب قبولُها إذ توجه الأمر بها، وكان الشافعي ﵀ اعتبر في حد الأقل ما رآه مكررًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وإن ما انفردت به الروايات، أو كان تابعًا لغيره، جوز حذفه، لكنه يشكل على هذا لفظة "الصلوات"، فإنها ثابتة في جميع الروايات، وليست تابعة في المعنى، وقد ادعى الرافعي ثبوت "الطيبات" في جميع الروايات، واستشكلها، وهي منفية في رواية "الموطأ" عن ابن عمر ﵄، والله أعلم. ثم اعلم أن "المباركات والزاكيات" في حديث عمر بمعنى واحد، والبركة: كثرة الخير، وقيل: النماء، وكذا الزكاة أصلُها النماء. وفي هذا الحديث أحكام: منها: شرعية تعليم السنة والأحكام وضبطها وحفظها كما يشرع تعليم القرآن وحفظه وضبطه.

стр. 598

ومنها: الأمر بالتشهد وتقدم الاختلاف في وجوبه والكلام عليه. ومنها: أن لفظة "كل" للعموم. ومنها: الدعاء بالسلام على الأنبياء والصالحين، وتقدم الكلام على ذلك مفصلًا. ومنها: شرعية الدعاء آخر الصلاة قبل السلام. ومنها: أنه يدعو بما شاء من أمور الآخرة والدنيا ما لم يكن إثمًا، وهذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا الدعوات الواردة في القرآن والسنة، واستثنى بعض أصحاب الشافعي بعض صورٍ من الدعاء تقبُح؛ كما لو قال: اللهم أعطني امرأة صفتُها كذا وكذا، وأخذ يذكر أوصاف أعضائها. ومنها: ما استدل به جمهور العلماء على أن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ليست واجبة من حيث إن النبي ﷺ قد علم التشهد، وأمر عقبه أن يتخير من المسألة ما شاء، ولم يعلم ذلك، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، ومذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وبعضِ أصحاب مالك وجوبُها في التشهد الأخير، فمن تركها، بطلت صلاته، وقد جاء في رواية في هذا الحديث في غير مسلم زيادة: "فإذا فعلتَ ذلكَ فقد تَمَّتْ صلاتُك" (١)، لكنها زيادة ليستْ صحيحة عن النبي ﷺ . وسيأتي الكلام عن الصلاة على النبي ﷺ في الحديث الآتي مبينًا واضحًا، والله أعلم.

стр. 599

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بنُ عُجْرَةَ ﵁، فَقَالَ: أَلاَ أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إن النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (١). أما عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلى، فكنيته أبو عيسى، واسم أبيه أبي ليلى: يَسارٌ، على الأصح المشهور، ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بلبل بن أحيحةَ بن الجلاح بنِ الحريشِ بنِ جحجنا بنِ عوفِ بنِ عمرِو بنِ عوفِ بنِ مالكِ بنِ الأوس. وعبدُ الرحمن هذا تابعيٌّ، ثقة، جليل، أنصاريٌّ، أوسيٌّ، كوفي، حضر حلقته جماعةٌ من الصحابة ﵃ استمعوا لحديثه، وأنصتوا له، فيهم البراء بن عازب ﵄، وروي عنه قال: أدركت عشرين ومئة من أصحاب النبي ﷺ كلهم من الأنصار. ولد لست بقيت من خلافة عمر، وروى عنه وعن الخليفتين بعده، وسعد بن أبي وقاص من العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين. وأبوه أبو ليلى صحابي، لم يرو عنه غيرُ ابنه عبد الرحمن هذا، وابنُ أبي ليلى الفقيه، القاضي محمدُ بن عبد الرحمن هذا ضعيف، ومات عبد الرحمن سنة ثلاث وثمانين، وروى له البخاري ومسلم (٢).

стр. 600

وأما كعبُ بن عُجرة، فكنيته أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق، وهو من بني سالمِ بن عوف، وقيل: من بني سالم بنِ بليِّ بنِ الحاف بنِ قضاعةَ، حليفٌ لبني حارثة بنِ الحارث بنِ الخزرج، وقيل: هو حليفٌ لبني عوف بن الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: إنه حليف لبني سالم من الأنصار، شهد بيعة الرضوان، وقال ابن الأثير: تأخر إسلامه. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي؛ العبادلة، وجابرُ بن عبد الله، وطارقُ بن شهاب، وبنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والربيع، وجماعة من التابعين، مات بالمدينة سنة اثنتين، وقيل: إحدى، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون سنة، روى له أصحاب السنن والمساند (١). أما ألفاظه: فقوله: "ألا أهدي لك هديةً" الهديةُ: ما يُتقرب به إلى المهدى إليه توددًا وإكرامًا من غير قصد عوض دنيوي، بل القصد ثواب الآخرة، وأكثر ما يستعمل في المأكول والمشروب والملبوس، وقد يتجوز بها في العلوم اللفظية والمعنوية الشرعية؛ كما في هذا الحديث: "ألا أهدي لك هدية"، والهدية واحدة الهدايا؛ كالعطية والعطايا، والبرية والبرايا، وفيه إضمار؛ كأن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال له: نعم، فقال له كعب: "إنَّ النبيَّ ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله" الحديث. وقوله ﷺ : "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ" إلى آخره، صيغة الأمر في قوله ظاهرة في الوجوب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، لكن

стр. 601

اختلف العلماء، فأكثرهم على وجوبها في العمر مرة، وقال بعضهم: يجب كلما ذكر النبي ﷺ ، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية، وأبي عبد الله الحليمي من الشافعية. وقال الشافعي وأحمد: هي واجبة في التشهد الأخير عقبه قبل السلام، وهذا مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، وهو قول الشعبي، وإسحاق، وقد نسب الشافعي جماعة في وجوبها في التشهد الأخير إلى مخالفة الإجماع، وهو غير صحيح، فإن الشعبي تابعي صغير، وهو من الفقهاء المعتد بقولهم، وخلافه ليس معه إجماع، كيف وهو منقول عن عمر وابنه، وجعل من نسب الشافعي إلى مخالفة الإجماع في ذلك أن قول أحمد وإسحاق في الوجوب على سبيل التبعية والتقليد للشافعي، لا استقلالًا. واعلم أنه ليس في الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، وقد استدل الفقهاء كثيرًا على وجوبها في الصلاة بأنها واجبة بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع، فتعين وجوبها فيها، وهو ضعيف جدًّا، ولأن قولهم: لا تجب في غير الصلاة بالاجماع إن أرادوا به عينًا، فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه أن يجب في الصلاة عينًا؛ لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من العينين خارج الصلاة وداخلها. واعلم أن كل لفظ أُمرنا بالإتيان به على صيغة من الشارع يجب في العمل به مراعاة لفظه، ولا يجوز الإتيان به بمعناه، فالصلاة من الله تعالى معناها الرحمة، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد، فكأننا سألنا الله تعالى الرحمة لمحمد ﷺ ، ولا يسقط الأمر بقولنا: اللهم ارحم محمدًا، أو اللهم ترحمَّ على محمد، دون الصلاة، وقد وردت الرحمة مع الصلاة والتبريك في بعض الأحاديث الغريبة للنبي ﷺ : "وارحم محمدًا وآل محمد، كما رحمت إبراهيم وآل إبراهيم"، واختلف علماء المالكية في قول ذلك، فقال بعضهم: لا يقال، وهو اختيار أبي عمر بن عبد البر، وأجازه بعضهم، وهو مذهب محمد بن أبي زيد، والمختار

стр. 602

عند أكثر العلماء عدم جوازه؛ لأن النبي ﷺ علمهم الصلاة عليه، وليس فيها ذكر الرحمة، فيتعين لفظ الصلاة، وإن كان معناها السؤال والدعاء والتضرع له ﷺ بالرحمة، فلا تفرد بالذكر، والله أعلم. وقد استدل بعض أصحاب الشافعي على وجوبها في الصلاة برواية في هذا الحديث في صيغة أنهم قالوا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال ﷺ : "قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد" إلى آخره، وهذه الرواية صحيحة، رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم بن حبان البستي، والحاكم أبو عبد الله في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: هي زيادة صحيحة (١)، واحتجا بها على الوجوب، واحتجا أيضًا في "صحيحيهما" بما روياه عن فضالة بن عبيد ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي لم يحمدِ الله ولم يمجِّدْه، ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "عَجِلَ هذا"، ثم دعاه النبي فقال: "إذا صلَّى أحدكم، فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي ﷺ ، وليدع بعدُ بما شاء"، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (٢). وهذان الحديثان، وإن اشتملا على ما لا يجب بالإجماع؛ كالصلاة على الآل والذرية والدعاء، فلا يمتنع الاحتجاج بهما؛ فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما تناوله الأمر عن الوجوب بدليل بقي الباقي على الوجوب، والله أعلم. وأما الصلاة على الآل، فهو سنة، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ أنها واجبة، وقد يتمسك لهذا الوجه بلفظة الأمر، لكنه محجوج بإجماع من قبله في عدم وجوب الصلاة على الآل، والله أعلم.

стр. 603

وقد اختلف في آل النبي ﷺ من هم؟ فاختار الشافعي أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، واختار الأكثرون والمحققون أنهم جميع الأمة وأهل دينه، قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، واختار آخرون أنهم أهل بيته ﷺ ، وذريته، والله أعلم. وأما تسمية النبي ﷺ بمحمد، فتقدم في الكلام على الحديث قبله. وقوله: "كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد"، أما إبراهيم، وإبراهام، وإبراهم -بضم الهاء وفتحها وكسرها-، فقال الماوردي: معناه بالسريانية أب رحيم، وقال غيره: فيه خمس لغات، وقال الجواليقي وغيره (١): أسماء الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كلها عجمية إلا محمدًا، وصالحًا، وشعيبًا، وآدم، وقال ابن قتيبة: تحذف الألف من الأسماء الأعجمية كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، استثقالًا كما ترك صرفها، وكذا سليمان، وهارون، قال: فأما ما لا يكثر استعماله منها؛ كهاروت، وماروت، وقارون، وطالوت، فلا تحذف الألف في شيء منه، ولا تحذف من داود، وإن كان مشهورًا؛ لأنه حذف منه إحدى الواوين، فلو حذفت الألف، أجحف به، وأما ما كان على وزن فاعِل، كصالح، ومالك، وخالد، فيجوز إثبات ألفه وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قل؛ كسالم، وحامد، وجابر، وحاتم، لم يجز حذف الألف، وما كثر استعماله ودخلته الألف واللام، تحذف ألفه معهما، وبإثباتها مع حذفهما، تقول: قال الحرث لئلا يشتبه بحرب، فلا تحذف من عمران، ويجوز حذفها وإثباتها في عثمان وسفيان ونحوهما بشرط كثرة استعمالها (٢). وقد كثر سؤال المتأخرين عن مقتضى المشبه به، وهو الصلاة على إبراهيم ﷺ وآله، والمشبه، وهو الصلاة على النبي ﷺ وآله، مع أن نبينا أفضلُ

стр. 604

من إبراهيم ﷺ ، فكيف تطلب صلاة على النبي ﷺ تشبه بالصلاة على إبراهيم ﷺ ؟ وقد أجيب عن ذلك بوجوه: أحدها: أن التشبيه بينهما إنما وقع في أصل الصلاة، لا في قدرها؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتشبيه إنما وقع في أصل الصيام، لا في عينه ووقته، قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وهذا ليس بالقوي (١). الثاني: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة على الآل، فيكون الكلام تم عند قوله: اللهم صل على محمد، ويكون منقطعًا عن التشبيه، ويكون قوله: وعلى آل محمد متصلًا بما بعده، فيكون السؤال لهم مثل ما لإبراهيم ﷺ وآله آل النبي ﷺ فقط، وقد حكى هذا الوجه بعضُ أصحاب الشافعي عنه، قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وفي هذا من الإشكال أن غير الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- لا يمكن أن يساويهم، فكيف يطلب ما لا يمكن وقوعه؟ (٢). الثالث: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة مقابلة للمجموع من النبي ﷺ ، وآله بالمجموع من إبراهيم ﷺ وآله، ومعظم الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - هم آل إبراهيم، فكأنه سأل مقابلة الجملة بالجملة، لا المقدار بالمقدار؛ لأنه إذا تعذر أن يكون لآل الرسول ﷺ مثلُ ما لآل إبراهيم الذين هم الأتباع من الأنبياء وغيرهم، كان ما توفر من ذلك حاصلًا للنبي ﷺ ، فيكون زائدًا على الحاصل لإبراهيم ﷺ ، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه أكثر، كان أفضل. الرابع: أن الأمر بالصلاة عليه ﷺ للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل مصل، فإذا اقتضت في حق كل مصل حصول صلاة مساوية للصلاة على

стр. 605

إبراهيم، كان الحاصل للنبي ﷺ بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافًا مضاعفة، لا ينتهي إليها العد والإحصاء. فإن قيل: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة، والفرد منها، فالإشكال حاصل، قال أبو الفتح شيخنا ﵀: متى يرد الإشكال؟ إذا كان الأمر للتكرار، وإذا لم يكن، الأول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن هذا الأمر للتكرار بالاتفاق، وإذا كان للتكرار، فالمطلوب من المجموع حصول مقدار لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإبراهيم ﷺ من المساواة أو عدم الرجحان عند السؤال، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن الثابت للرسول ﷺ صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، أو زائدة عليها، أما إذا كان كذلك، فالمسؤول من الصلاة إذا انضم إلى الثابت المتقرر للرسول ﷺ ، كان المجموع زائدًا في المقدار على القدر المسؤول، وصار هذا في المثال كما إذا ملك إنسان أربعة آلاف درهم، وملك آخر ألفين، فسألنا أن يعطي صاحب الأربعة آلاف مثل ما لذلك الآخر، وهو ألفان، فإذا حصل ذلك، انضمت الألفان إلى الأربعة آلاف، فالمجموع ستة آلاف، وهي زائدة على المسؤول الذي هو ألفان، والله أعلم (١). وقوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" اختار المصنف هذا اللفظ من بين سائر ألفاظ الروايات في الصلاة والتبريك، فإنه ليس فيهما ذكر إبراهيم ﷺ ، وإنما المشبه به آله فقط، وأكثر الروايات فيها ذكر إبراهيم ﷺ وآله، والله أعلم. ومعنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: الثبات على ذلك؛ من قولهم: بركت الإبل؛ أي: ثبتت على الأرض، ومنه بركة الماء، وقيل: هي بمعنى التطهير من العيوب كلها والتزكية. وقوله: "إنك حميد مجيد"؛ أي: حميد بصيغة المبالغة بمعنى المحمود،

стр. 606

وهو المستحق لأنواع المحامد، وقيل: الذي تُحمد أفعاله، ومجيد: مبالغة في الماجد، وهو الذي كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة، يقال: مَجُدَ الرجلُ ومَجَدَ -بالضم والفتح- يمجُد -بالضم فيهما-، مَجدًا ومَجادة، فيكون مجيد كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد، ويحتمل أن يكون حميد مبالغة من حامد، ويكون ذلك كالتعليل للصلاة المطلوبة؛ فإن الحمد والشكر يتقاربان، فحميد قريب من معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الإفضال والإعطاء لما يراد من الأمور العظام، وكذلك المجد والشرف مناسبته لهذا المعنى ظاهرة، والله أعلم. وقد احتج بهذا الحديث من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، فإن أراد بالجواز على سبيل التبعية لهم، فمسلم، وإن أراد على سبيل الاستقلال، فممنوع، مع أن الصلاة والتسليم لم يؤمر بهما على سبيل الجمع في الكتاب العزيز إلا على النبي ﷺ ، ولم يخبر الله تعالى عن نفسه الكريمة وعن ملائكته - صلى الله عليهم وسلم - بالصلاة فقط إلا على النبي ﷺ ، وأما السلام فقط، فقد سلم الله تعالى في سورة الصافات على الأنبياء والمرسلين دون الصلاة، وقد أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بالسلام على المؤمنين بالآيات إذا جاؤوه، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، ولذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالًا، وأما غير الأنبياء والملائكة من مؤمني الآدميين من أمة محمد ﷺ ، فقد اختلف العلماء في الصلاة عليهم استقلالًا، فذهب مالك والشافعي والأكثرون إلى أنهم لا يُصلَّى عليهم استقلالًا، فلا يقال: اللهم صل على أبي بكر، أو عمر، أو علي، أو غيرهم، ولكن يُصلَّى عليهم تبعًا، والحديث يدل على ذلك، خصوصًا على مذهب المحققين في أن الآل كل المؤمنين. واختلف أصحاب الشافعي في هذا المنع هل هو للتحريم أم لكراهة التنزيه،

стр. 607

أم هو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أوجه، والصحيح الذي عليه الأكثرون منهم: أنه مكروه كراهة تنزيه، قالوا: لأنه شعار أهل البدع، وقد نُهينا عن شعارهم، لكن المعتمد في دليل المنع أن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالنبي وغيره من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- استقلالًا، كما أن قولنا: مخصوص بالله ، فكما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه، وإن كان معناه صحيحًا. وذهب الإمام أحمد وجماعة إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين استقلالًا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وبقوله ﷺ : "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى" (١)؛ فإنه ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، صلَّى عليهم، وأجاب الأكثرون بأن هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ولم ينقل استعمالُهم ذلك، بل خَصوا به الأنبياء كما ذكرنا، وأجابوا عن الآية الكريمة والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث: أن ما كان من الله ورسوله ﷺ ، فهو دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من غيرهما، واتفق العلماء على جواز جعل غير الأنبياء من الأتباع والذرية والأزواج تبعًا لهم في الصلاة؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وفي الأمر به في أحاديث التشهد، والصلاة عليه ﷺ ، وفي السلام عليه، ولم يزل السلف على العمل به خارج الصلاة أيضًا. وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: هو في معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما، فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، فلا يقال: أبو بكر، أو عمر، أو علي ﵇، وإنما يقال ذلك خطابًا للأحياء والأموات، وأما الحاضر

стр. 608

منهم، فيقال: سلام عليك، أو عليكم، أو السلام -بالألف واللام-، والله أعلم (١). وفي الحديث فوائد: منها: استحبابُ ابتداء العالم أصحابَه بالعلم باستفتاح كلام يحملهم على أخذه بقبول. ومنها: أنه يؤخذ العلم تؤدة شيئًا فشيئًا؛ ليفهم ويعمل به، فإذا علمه، أخبرنا العالم بأنه فهمه وعلمه، وسأله عن غيره، فإن الصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ : قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ ومنها: أنه يستحب للإنسان أن يبدأ بنفسه في الدعاء؛ حيث قال: السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين. ومنها: تنزيل مراتبِ الأنبياء وغيرهم، ويقيس الإنسان مراتبَهم، فلا يقدم أخيرًا على أول. ومنها: أن تقديم ذكر الشيء في كتاب الله تعالى لا يوجب العمل تقديمه، فإن الله تعالى قدم الأمر بالصلاة على النبي ﷺ على السلام، والسلامُ مقدَّم في العمل إجماعًا، وهذا يدلك أن الواو تقتضي مطلق الجمع لا الترتيب، والله أعلم. ومنها: فضل النبي ﷺ ، وفضل الصلاة والتسليم، وقد روينا في فضلهما والترغيب فيهما وما يترتب عليهما من رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتكثير الحسنات، وقضاء الحاجات، ورفع الحجب، واستجابة الدعوات أحاديثَ كثيرات، والله أعلم. * * *

стр. 609

الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمنْ عَذَابِ النَّارِ، ومنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، وَمنْ فِتْنَةِ المَسِيح الدَّجَّالِ" (١)، وفي لفظٍ لمسلم: "إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ مِنْ أَرْبعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّم"، ثم ذكر نحوه (٢). تقدم الكلام على أبي هريرة. وقوله: "كان رسول الله ﷺ يدعو" إلى آخره: فيه دليل على استحباب هذا الدعاء آخر الصلاة قبل السلام، وفي "صحيح مسلم": أن النبي ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وأن طاوسًا ﵀ أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يَدْعُ بهذا الدعاء فيها (٣)، وهذا كله دليل على تأكيد على هذا الدعاء والتعوذ، والحث الشديد عليه، وظاهر كلام طاوس أنه حمل الأمر به على الوجوب، فأوجب الإعادة للصلاة بفواته، وجمهور العلماء على أنه مستحب، ليس بواجب، ولعل طاوسًا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه، والله أعلم. واعلم أن دعاء النبي ﷺ واستعاذته من هذه الأمور التي عوفي منها وعُصم إنما فعله ليلتزم خوف الله تعالى وإعظامه والافتقار إليه، لتقتدي أمته به، وليبين لهم صفة الدعاء والمهم منه، والله أعلم. وقوله: "أعوذ بك من عذاب القبر": فيه إثبات عذاب القبر وفتنته، وهو متكرر مستفيض في الروايات عن

стр. 610

رسول الله ﷺ ، والإيمانُ به واجب، وأجمعَ عليه العلماء من أهل السنة وغيرهم، وهو مذهب أهل الحق، خلافًا للمعتزلة. وقوله: "ومن عذاب النار": فيه الإيمان بالنار، وأنها مخلوقة موجودة، وقد ثبتت الاستعاذة منها في غير حديث. وقوله: "ومن فتنة المحيا والممات": أي: الحياة والموت، ففتنة المحيا ما يتعرض له الإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأشدها وأعظمها -والعياذ بالله تعالى منه- أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات قيل: المراد: فتنة القبر، وقد صح عن رسول الله ﷺ الاستعاذةُ من عذاب القبر وفتنة القبر كمثلِ أو أعظمَ من فتنة الدجال، ولا يكون من هذا الوجه متكررًا مع قوله: من عذاب القبر؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسببُ غير المسبب، ولا يقال: إن المقصود زوالُ عذاب القبر؛ لأن الفتنة نفسَها أمر عظيم، وهو شديد يستعاذ بالله من شره، ويجوز أن يراد بفتنة الممات: الفتنةُ عند الموت، وأضيفت إلى الموت؛ لقربها منه عند الاحتضار، أو قبله بقليل، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة الحياة للإنسان وتصرفه في الدنيا، فإن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، فحالة الموت تشبه بالموت، فلا تعد من الدنيا، فعلى هذا يكون الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال وفتنة القبر من باب ذكر الخاص بعد العام، ونظائرُه كثيرة، والله أعلم. ويحتمل أن يراد بفتنة المحيا والممات حالة الاحتضار وحالة المساءلة في القبر، فكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما؛ كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. واعلم أن الرواية التي في "صحيح مسلم" ﵀ كما ذكرها المصنف فيها زيادة كون الدعوات مأمورًا بها بعد التشهد، والمراد به الأخير لا الأول؛

стр. 611

لأنه مبني على التخفيف، وقد ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها، ولأن أكثرها أمور إيمانية غيبية، فتكررها على النفس يجعلها مَلَكة لها، وفيها التعبير عن الاستعاذة بصيغة من النبي ﷺ ؛ فإنه يمكن التعبير عنها بغير هذا اللفظ، وهو جائز يحصل به المقصود، فإن معنى أعوذ: أعتصم، لكن الأولى امتثالُ الأمر بقول ما أمر به الرسول ﷺ ، والله أعلم. وفي الحديث الرد على أبي حنيفة ﵀؛ حيث منع الدعاء في الصلاة إلا بألفاظ القرآن العظيم. واعلم أن محل الدعاء من الصلاة مواطن: منها: هذا الموطن بين التشهد والتسليم. ومنها: دعاء الاستفتاح بين تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة. ومنها: الدعاء في السجود. ومنها: الدعاء في الجلوس بين السجدتين. ومنها: في الركوع. ومنها: الدعاء في تلاوته فيها، وهو إذا مر بآية فيها سؤال سأل، وإذا مر بآية فيها تعوذ تعوذ، وقد وردت في كل موطن منها أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة، منها أحاديث خُرِّجَتْ في "الصحيحين" وغيرهما، ويدل أيضًا عليها حديث أبي بكر الصديق ﵁ الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وهو هذا. * * * الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاِتي، قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي

стр. 612

ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا انْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" (١). أما عبد الله بنُ عمرو بن العاص، فتقدم الكلام عليه. وأما أبو بكر الصديق: فاسمه عبد الله بن أبي قحافة، واسمه عثمانُ بن عامر بن عمرو بن كعب ابنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بن مرةَ بنِ كعب بن لؤيِّ بنِ غالبٍ، يلتقي مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، وأمه أمُّ الخير سلمى بنتُ صخرِ بنِ عامر بنِ كعبٍ أخي عمرو بن كعب بنِ سعدِ بنِ تيمِ بنِ مرة بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبٍ، تلتقي مع رسول الله ﷺ [في مرة]، فهي ابنة أخي جده عامر، وهو صخر بن عامر، فتكون ابنةَ عم أبيه، والله أعلم. أسلم أبوه، وقيل: إن اسمه عتيق، وليس بمشهور، وقيل: إنما سمي به لحسن وجهه، وقيل: إنما سمي عتيقًا؛ لما روي من غير وجه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "أبو بكر عتيقُ الله من النار" (٢)، فمن يومئذ سمي عتيقًا، وقال مصعب بن الزبير وغيره: إنما سمي عتيقًا؛ لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به (٣)، وروي عن علي ﵁ أنه قال: إن الله هو الذي سمى أبا بكر على لسان رسول الله ﷺ صِدّيقًا (٤)، وقال أبو العالية والكلبي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، الذي جاء بالصدق: رسولُ الله ﷺ ، وصدَّق به: أبو بكر ﵁ (٥).

стр. 613

وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ (١)؛ فإنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أول من أظهر إسلامه بسيفه وبيعته النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ (٢). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: وسمي الصديق لبداره إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به، وقيل: بل قيل له الصديق لتصديقه له في خبر الإسراء. وكان في الجاهلية وجيهًا، رئيسًا من رؤساء قريش، وإليه كانت الأشناف، وهي الرايات في الجاهلية، كان إذا حمل شيئًا، صدقته قريش فيه، وأمضوا حمالته وحمالةَ من قام معه، وإن احتملها غيرُه، خذلوه ولم يصدقوه. وأسلم على يدي أبي بكر من العشرة: الزبيرُ، وعثمانُ، وطلحةُ، وعبد الرحمن بن عوف. وهو أول من أسلم من الرجال، وكان له أربعون ألفًا أنفقها كلَّها على رسول الله ﷺ ، وقال ﷺ : "ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر" (٣). وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله تعالى، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة.

стр. 614

وزوَّجَ رسولَ الله ﷺ ابنتَه عائشةَ ﵂، وكان يقال لها: الصديقة بنتُ الصديق، وكان أبو بكر ﵁ أعلم الناس بحديث التخيير، وكان رسول الله ﷺ هو المخير، وقال رسول الله ﷺ : "دَعُوا لي صاحبي؛ فإنكم قلتم لي: كذبتَ، وقالَ: صدقتَ" (١)، وقال ﷺ في كلام البقرة والذئب: "آمنتُ بهذا أنا وأبو بكرٍ وعمرُ" (٢)، وما هما [ثَمَّ]، ثم علم ﷺ منهما بما كانا عليه من اليقين والإيمان. وقال عمرو بن العاص ﵁: قلت: يا رسول الله! من أحبُّ الناس إليك؟ قال: "عائشة"، قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أَمَنَّ الناسِ عليّ في صحبته ومالِه أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقينَّ في المسجد خَوْخَةٌ إلا خوخة أبي بكر" (٤). وعن أَبِي أمامةَ الباهليِّ ﵁ قال: حدثني عمرو بن عَبَسة، قال: أتيتُ النبي ﷺ وهو باركٌ بعكاظ، فقلت: يا رسول الله! من اتبعك على هذا الأمر؟ قال: "حُرٌّ وعبدٌ: أبو بكر، وبلال"، قال: فأسلمت عند ذلك (٥). وعن أنس: أن أبا بكر الصديق ﵄ حدثه قال: قلت:

стр. 615

يا رسول الله - للنبي ﷺ ونحن في الغار-: لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه، لأبصرنا تحت قدميه، قال: "يا أبا بكر! ما ظنك باثنينِ اللهُ ثالثُهما؟ " (١). وقال رجل من أبناء أصحاب رسولِ الله ﷺ في مجلسِ فيه القاسمُ بن محمدِ بنِ أبي بكر الصديق: واللهِ ما كان من موطن فيه رسولُ الله ﷺ إلا وعليٌّ فيه، فقال القاسم: يا أخي! لا تحلف، قال: هَلُمَّ، قال: بلى ما لا نرده، قال الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٢) [التوبة: ٤٠]. قال أصحاب المعاني: كانت المعية لفظًا ومعنى، أما اللفظ، فإنه كان يقال لأبي بكر: خليفة رسول الله ﷺ ، حتى قال له رجل: يا خليفة الله! قال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راض بذلك (٣)، وأما المعنى، فإن عناية الله تعالى لم تفارقهما في الدنيا والآخرة، وأجمع الصحابةُ على استخلافه من غير نزاع، وكانت خلافته كالمنطوق بها من رسول الله ﷺ ، واستخلفه رسول الله ﷺ على أمته في الصلاة، وإنما لم يصرح باستخلافه على أعباء الأمة؛ لأنه لم يؤمر فيه بشيء، بل عرض به ﷺ تعريضًا قام مقام التصريح، وهو ما رواه الطحاوي عن المزني، عن الشافعي، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فسألته عن شيء، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ -تعني الموت-، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن لم تجديني، فأتي أبا بكر" (٤)، قال الشافعي ﵀:

стр. 616

في هذا الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ﵁ (١). وكان أبو بكر أعلم الناس بالأنساب وبكل شيء بعدَ رسول الله ﷺ ، وكان أشجعَ الناس، وأشدَّهم فهمًا، وأغزرهم علمًا، وأكثرهم رأفة ورحمة، ولما مات رسول الله ﷺ ، لم يعتره ما اعترى الصحابةَ من الجزع والقلق وعدم الصبر، حتى إنه ﵁ كان في سرية أسامة بن زيد، فجاء المسجدَ، فوجد الناس مضطربين لموت رسول الله ﷺ ، فلم يَرُعْه ما الناس فيه، ولم يرجعْ إلى قولهم حتى دخل بيتَ ابنته عائشة ﵄، فكشف عن وجه رسول الله ﷺ ، فوجده قد مات، فقبله بين عينيه، وقال: واللهِ لقد متَّ الموتة التي كتبها الله عليك، ثم سجاه، ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس، وقال من جملة قوله: من كان يعبدُ الله، فإن اللهِ حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فعلم الناس أن النبي ﷺ قد مات (٢)، ثم لم يكن له ﵁ همٌّ إلا أمر المسلمين وأعبائهم، فذهب إلى الأنصار، فتكلم هو وعمر معهم، وقال لهم من جملة قوله: نحن الصادقون وأنتم المفلحون، والله جعلَ المفلحين مع الصادقين، يشير بذلك إلى أن الله تعالى وصفَ المهاجرين بالصادقين، والأنصار بالمفلحين في سورة الحشر، وجعل المفلحين مع الصادقين في سورة براءة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، فرجعوا إليه، وبايعهم وبايعوه في قصة طويلة، وأول من بايعه عمر ﵄، ثم

стр. 617

تتابع الناس، وقال لهم: لست بخيركم، فإن نسيتُ فذكروني، وإن اعوجَجْتُ فقوموني (١). فانظر إلى ما جمع تعالى له من التوحيد والتشريع والشجاعة، والثبات، والفهم الثاقب، والعلم الراسخ، واليقين الصادق، والصبر الجميل، إلى غير ذلك من الصفات الحميدة، والعطايا الفريدة، ﵁ وأرضاه، ولهذا وزن الأمة بعد رسول الله ﷺ فرجحَها، ولهذا قال علي ﵁: من قال: إن أحدًا كان أحقَّ بالخلافة من أبي بكر ﵁، فقد أعظم الفريةَ، وخَطَّأَ أصحابَ رسول الله ﷺ والمؤمنين. وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: واللهِ الذي لا إله إلا هو! لولا أنَّ أبا بكرٍ استُخْلِفَ، ما عُبِدَ اللهُ، فقيل له: مَهْ يا أبا هريرة! ما تقول؟ فأقام الحجة، وأوضح المحجة، حتى صدقوه فيه، وشَهِدوا له بما ذكره فيه (٢). وقال علي ﵁: رحم اللهِ أبا بكر، أول من جمع ما بين اللوحين (٣). وقال: لا يفضِّلُني أحدٌ على أبي بكر وعمرَ إلا جلدتُه جلدَ المفتري (٤). وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا (٥).

стр. 618

وقال مسروق: حبُّ أبي بكر وعمر ﵄ ومعرفة فضلهما من السنة (١). وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي: أبي بكر وعمر" (٢). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: اجعلوا إمامكم خيرَكم؛ فإن رسول الله ﷺ إمامنَا خيرنا (٣). وقال أبو بكر بن عياش ﵀ في مجلسه العام: ما ولد لآدم ولد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر، قالوا: صدقت يا أبا بكر، قال له عاصم بن يوسف مولى فضيل بن عياض: يا أبا بكر! ولا يوشع بن نون وصي موسى؟ قال: ولا يوشع بن نون وصي موسى، إلا أن يكون نبيًّا، ثم فسره أبو بكر فقال: قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال رسول الله ﷺ : "أفضل هذه الأمة بعدي أبو بكر" (٤)، قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي ﵀: والأمة مجمعة على ما قال أبو بكر ﵀ إلا من لا يعتد بخلافه. وكان أبو بكر الصديق ﵁ أول الناس إسلامًا، وهاجر مع رسول الله ﷺ ، وشهد معه بدرًا والمشاهد كلها، ثم ولي الخلافة بعد وفاة رسول الله ﷺ سنتين ونصفًا، وقد اختلف فيما بعد السنتين اختلافًا كثيرًا، فأكثرها ستة أشهر، وأقلها ثلاثة أشهر إلا خمس ليال، وحكي قول غريب: أن

стр. 619

مدة خلافته عشرون شهرًا، واستكمل بخلافته سن النبي ﷺ ، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عمر بن الخطاب في المسجد، ودفن في بيت عائشة ﵂ مع رسول الله ﷺ ، ونزل في قبره عمر، وعثمان، وطلحةُ وابنه عبد الرحمن ﵃، وتوفي يوم الاثنين، وقيل: ليلة الثلاثاء، لثمان، وقيل: لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وكان مرضه خمس عشرة ليلة، ودفن ليلًا. رُوي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، واثنان وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بأحد عشر حديثًا، ومسلم بحديث واحد، وروى عنه عمرُ، والبراءُ بن عازب، وابنه عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، والبراء بن عازب، وابنته عائشةُ أم المؤمنين، وعبدُ الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو سروعة عقبةُ بنُ الحارثِ بنِ نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ القرشيُّ، وخلق سواهم، وروى له أصحاب السنن والمساند. قالت عائشة ﵂: لم يقل أبو بكر ﵁ بيتَ شعر في الإسلام حتى مات (١)، وكان هو وعثمان ﵄ ممن حرَّمَ الخمر في الجاهلية، وهو ﵁ الذي قام بقتال أهل الردَّة، فظهر من فضل دأبه في ذلك وشدته مع لينه ما لم يحتسب، فأظهر الله تعالى دينه، وقُتل على يديه وببركته كلُّ من ارتد عن دين الله، حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، وقاتل مانعي الزكاة -أيضًا- حتى رغبوا إلى أدائها. واختلف في مكثه في الغار هو ورسول الله ﷺ ، فقال مجاهد ﵀: مكثا فيه ثلاثًا، وقيل: بضعة عشر يومًا، وهو غير صحيح، وله ﵁ من الخطب والمواعظ والحكم وغير ذلك ما يحتمل مجلدات، والله أعلم (٢).

стр. 620

أما قوله: "ظلمًا كثيرًا"، فهو في معظم الروايات مضبوط بالثاء المثلثة، وفي بعض روايات مسلم: كبيرًا -بالباء الموحدة-، وكلاهما حسن، قال شيخنا العلامة أبو زكريا النووي ﵀: فينبغي أن يجمع بينهما -يعني للاحتياط على التعبد- بلفظ رسول الله ﷺ والمحافظة عليه خصوصًا في الدعاء، فيقال: ظلمًا كثيرًا كبيرًا" (١). وقد احتج البخاري في "صحيحه" (٢)، والبيهقي في "سننه" (٣)، وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث للدعاء آخر الصلاة، وهو استدلال حسن صحيح؛ فإن قوله: "في صلاتي" يعمُّ جميعَها، ومن مظانِّ الدعاء في الصلاة هذا الموطن، فتعليم النبي ﷺ تقريرٌ منه ﷺ له لسؤاله وجواز العمل به، فمقتضى الحديث الأمرُ به من غير تعيين لمحل، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء فيه، جاز، لكنه يترجح فعله في موطنين: في السجود، وبعد التشهد قبل السلام؛ فإنه قد ثبت الأمر بالدعاء فيهما خصوصًا، فقال ﷺ : "وليتخيرْ بعدَ ذلكَ من المسألةِ ما شاء". قال شيخنا أبو الفتح ابن دقيق العيد الحافظ، المدقق، المحقق -رحمه الله تعالى-: ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل (٤).

стр. 621

وقوله: "إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا" دليلٌ على أن الإنسان لا يَعْرى من ذنب وتقصير؛ كما قال ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا" (١)، وقال ﷺ : "كلُّ ابنِ آدمَ خَطَّاء، وخيرُ الخطائين التوابون" (٢)، وأمرنا بالدعاء بذلك على الإطلاق من غير تقييد وتخصيص بحالة، فلو كان ثم حالة لا يكون فيها ظلم ولا تقصير، لما كان هذا الإخبار مطابقًا للواقع، ولا يؤمر به. وقوله: "ولا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت"، إقرارٌ بوحدانية الباري ، واستجلاب لمغفرته بهذا الإقرار؛ كما قال تعالى: "علم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب"، وقد وقع في هذا الحديث امتثالٌ لما أثنى الله تعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقوله: "فاغفرْ لي مغفرةً من عندِكَ" فيه وجهان: أنه إشارة إلى التوحيد في قوله: "ولا يغفرُ الذنوب إلا أنت" كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، فافعله أنت، والثاني: وهو أحسنها، أنه إشارة على طلب مغفرة مبتدأ بها من عند الله تعالى لا يقتضيها سببٌ من العبد من عمل حسن وغيره، بل هي رحمة من عنده متفضلٌ بها، ولا إدلال بسبب من الأسباب، فإن الإدلال بالأعمال، والاعتقاد بكونها موجبة للثواب وجوبًا عقليًّا، يقتضي أن للعبد فيها سببًا، وليس الأمر كذلك، بل الله سبحانه المتفضل بالسبب والمسبب، فكل منهما من عنده، ليس للعبد فيه مدخل سوى توفيق الله ، وهو خلق قدرة الطاعة فيه، فشرفَ بذلك.

стр. 622

والمغفرة: الستر في لسان العرب، والرحمة من الله تعالى عند المنزهين من الأصوليين عن التشبيه، إما نفس الأفعال التي يوصلها الله تعالى؛ من الإنعام والإفضال إلى العبد، وإما إرادة اتصال تلك الأفعال، فعلى الأول: هي من صفات الفعل، وعلى الثاني: هي من صفات الذات. وقوله: "إنك أنت الغفور الرحيم": صفتان ذكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لما قبله لقوله: "اغفر لي وارحمني"، فالغفور مقابل لسؤال المغفرة، والرحيم مقابل لسؤال الرحمة، وقد وقعت المقابلة للأول بالأول، والثاني بالثاني - هاهنا-، وقد تقع على خلاف ذلك بأن يراعى القرب، فيجعل الثاني للأول، والأول للأخير، وذلك على حسب اختلاف المقاصد، وطلب التعيين في الكلام، ومما يحتاج إليه في علم التفسير مناسبة مقاطع الآي لما قبلها، والله أعلم. وفي هذا: الحديث: شرعية طلب تعليم العلم من العلماء، خصوصًا في الدعوات المتعلقة بالصلوات. وفيه: الاعتراف بظلم النفس وتقصيرها في كل حالة. وفيه: حصره للمغفرة بأنها لا تكون إلا من عند الله تعالى؛ إذ لا يتصور إيجادها من عند غيره. وفيه: طلبها وطلبُ الرحمة، وإن كانت رحمة الله تعالى تعمُّ المغفرة وغيرها. وفيه: الثناء على الله تعالى بما وصف به نفسه. وفيه: إجابة العالم للمتعلم سؤاله، خصوصًا إذا كان المسؤول علمًا عمليًّا، وافتقارًا وتوحيدًا أو تنزيهًا، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 623

الحديث الخامس عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (١)، وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٢). في لفظ الحديث أولًا ما يصرح بالمبادرة إلى امتثال الأمر في قوله: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، مع ما جاء في بعض الحديث في "الصحيح" من قول عائشة: يتأول القرآن (٣)، وذلك يشعر بأنه يفعل ما أمر به فيه، فإن كان الفتح ودخول الناس في دين الله حاصلًا، فكيف يكون القول امتثالًا للأمر الوارد، ولم يوجد شرط الأمر؟ وإن لم يكن حاصلًا، وهو المختار على مقتضى اللفظ، فيكون النبي ﷺ قد بادر إلى الفعل المأمورِ به قبل وقوع الزمن الذي تعلق به الأمر فيه إذ ذاك عبادة وطاعة لا تختص بوقت معين، فإذا وقع الشرط، كان الواقع من هذا القول بعد وقوعه واقعًا على حسب الامتثال، وقبل وقوع الشرط واقعًا على حسب التبرع، وليس في قول عائشة ﵂: يتأول القرآن، ما يقتضي، ولا بد أن يكون جميع قوله ﷺ واقعًا على جهة الامتثال للمأمور حتى يكون دالًا على وقوع الشرط، بل مقتضاه أنه يفعل تأويل القرآن وما دل عليه لفظه فقط، وجاز أن يكون بعض هذا القول فعلًا لطاعة مبتدأة، وبعضه امتثالًا للأمر. وفي لفظه ثانيًا ما يقتضي جواز الدعاء في الركوع، ولا تعارض بين ذلك

стр. 624

وبين قوله ﷺ : "أما الركوعُ فعظِّموا فيه الربَّ، وأما السجودُ، فاجتهدوا فيه في الدعاء" (١)؛ فإنه دال على الأولوية من تعظيم الرب في الركوع، والأولوية لا يخالف الجواز من الدعاء فيه، كيف ولم ينه عنه فيه، بل فعله رسول الله ﷺ فيه، وأمر بالاجتهاد في السجود من الدعاء من غير منع من التسبيح، فيقتضي ذلك جميعه أن تكون الكثرة للتعظيم في الركوع، لا منع الدعاء، والكثرة للدعاء في السجود لا منع التنزيه، وإن كان السؤال والدعاء يدل على التنزيه والتعظيم، مع أن في حديث عائشة ﵂ لفظ (إذا)، وهي تقتضي الاستقبال وعدم حصول الشرط حينئذ، لكنها لا تدخل إلا على ما يتحقق وقوعه، بخلاف (إن)؛ فإنها تدخل على المشكوك في وقوعه، ولهذا إذا قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، لم يكن حلفًا؛ لأنه غير محقق الوقوع، فلا يصح دخولها على الدخول للدار، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، كان حلفًا؛ لكونه مشكوكًا فيه غير محقق الوقوع، لكنه إذا وجد المعلق عليه فيهما، وقع الطلاق؛ لوجود الصفة، وقد ولدوا في (إذا) وجهًا في عدم الوقوع في قوله: إذا حلفتُ بطلاقكِ فأنتِ طالق، فقال: إذا دخلت الدار، فأنت طالق، ثم دخلت، قالوا: لأنه لا يسمى حلفًا عرفًا، وإن كان وضعهما لغة كما ذكرنا، فلا يكون حلفًا في (إذا)، ويكون حلفًا في (إن)، فلما كانت (إذا) لا تدخل إلا على ما يتحقق وقوعه، عامله معاملة الحاضر، فبادر إلى امتثال الأمر، فقول عائشة ﵂: "ما صَلَّى رسول الله ﷺ صلاة بعد أن نزلت: إذا جاء نصر الله والفتح"، يقتضي تعجيل القول لتحقق وقوعهما، وقرب الصلاة عقب نزول الآية، والمراد بالفتح فتح مكة، وأما دخول الناس في دين الله أفواجًا، فتحتاج إلى مدة أوسع من المدة التي بين الصلاة الأولى ونزول الآية والفتح، والله أعلم.

стр. 625

وقوله: "سبحانك اللهم" سبحانَك: منصوبٌ على المصدر، قال أهل العربية وغيرهم: التسبيحُ: التنزيهُ، يقال: سبحت اللهَ تسبيحًا وسُبْحانًا، ومعناه براءة وتنزيه له من كل نقص وصفة لمحدث (١). وقوله: "وبحمدك" سبحتك، ومعناه: وبتوفيقك لي وهدايتك وفضلك عليَّ سبحتك، لا بحولي وقوتي، ففي ذلك شكر لله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له سبحانه ملكًا واستحقاقًا، وقوله في الآية الكريمة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، فيه وجهان: أحدهما: المراد بالأمر: التسبيح بنفس الحمد؛ لتضمن الحمد معنى التسبيح الذي هو التنزيه؛ لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى الله تعالى وحده، وفي ذلك نفي التزكية. والثاني: المراد: التباس فسبح بالحمد، فتكون الباء في (وبحمدك) دالة على الحال، وهذا هو الراجح؛ لأن النبي ﷺ سبح وحمد بقوله: "سبحانك وبحمدك"، وعلى مقتضى الوجه الأول كان يكتفي بالحمد فقط، لكن تسبيح النبي ﷺ دليل على ترجيح المعنى الثاني، ويكون معناه: بحمدك سبحت، فيكون الحمد سببًا للتنزيه بسبحان، ويكون معناه التوفيق والهداية، والاعتقاد معناه، وهذا كما قالت عائشة ﵂: لما نزلت براءتها للنبي ﷺ : بحمد الله لا بحمدك، كما ثبت في "الصحيح" (٢)؛ أي: وقع هذا بسبب حمد الله؛ أي: بتفضله وإحسانه وعطائه؛ قإن الفضل والإحسان سبب الحمد، فيعبر عنهما به. وقوله ﷺ : "اللهم اغفر لي" امتثالٌ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ

стр. 626

تَوَّابًا﴾ بعد امتثال قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وسؤال المغفرة هنا، مع أنه ﷺ مغفور له، هو من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله والله أعلم. * * *

стр. 627

باب الوتر الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَا تَرَى فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ الصُّبْحَ، صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى"، وَأَنَّه كَانَ يَقُولُ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (١). أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه. وأما الرجل السائل، فلا أعلم اسمه بعد الكشف عليه. وأما المنبر: فهو مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع. وأما قوله ﷺ : "صلاةُ الليل مثنى مثنى"، فهكذا هو في "صحيح البخاري ومسلم". وقد تمسك به مالك ﵀ في أنه لا يزاد في صلاة النفل على ركعتين، سواء كان بالليل أو النهار، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة ﵀: صلاة نفل الليل مثنى مثنى، وأما نفل النهار، فرباع؛ حيث إن صلاة النهار، وهي الظهر والعصر، رباعيتان، فنفله كفرضه، وأما الليل، فصلاته

стр. 628

فرضًا ثلاثية ورباعية، وقد نص الشارع على أن نفله مثنى، فلا يتعدى. أجاب الأولون والجمهور بأنه صح بالإسناد الصحيح الذي أجاب البخاري بصحته، وهو في "سنن أبي داود والترمذي": أن النبي ﷺ قال: "صلاةُ الليل مثنى مثنى" (١)، لكن ظاهر لفظ الحديث في "الصحيحين" يقتضي حصرَ صلاة الليل فيما هو مثنى، وبعد ثبوت لفظ النهار، ارتفع الحصر في الليل، واقتضى أن حكم النهار كالليل في كون صلاة نفله مثنى، وهو المقصود؛ إذ ذلك ينافي الزيادة؛ لأنه لو جازت الزيادة، لما انحصرت صلاة الليل والنهار في المثنى، لكن الشافعي حمل ذلك على الأفضل والأولى، وهو أن يسلم من كل ركعتين، فلو جمع ركعات بتسليمة واحدة، أو تطوع بركعة واحدة، جاز، وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لو تطوع بأزيد من ركعتين شفعًا أو وترًا، فلا يزيد على تشهدين، ثم إن كان المتنفل به شفعًا، فلا يزيد بين تشهدين على ركعتين، وإن كان وترًا، فلا يزيد بينهما على ركعة، فعلى هذا إذا تنفل بعشر ركعات مثلًا، جلس بعد الثامنة، ولا يجلس بعد السابعة، ولا ما قبلها؛ لأنه يكون قد زاد على ركعتين بين التشهدين، وإن تنفل بتسع أو بسبع مثلًا، فلا يزيد بين التشهدين على ركعة، فيجلس بعد الثامنة في التسع، وبعد السادسة في السبع، ثم يصلي الركعة، ثم يجلس، ولو اقتصر على جلوس واحد في ذلك كله، جاز، وإنما حمله على ما ذكر أن النوافل تبع للفرائض، وهي شبهها، والفريضة الوتر للنهار في المغرب، وليس بين التشهدين فيها إلا ركعة واحدة، والفرائض الشفع ليس بين التشهدين فيها أكثر من ركعتين، وليس بمتفق على ذلك عند أصحاب الشافعي، وقد صلى رسول الله ﷺ صلاة الضحى يوم الفتح ثمان ركعات، سلَّم من كل ركعتين، وكل واحدة من صلاة العيد والاستسقاء ركعتان، وهذه كلها من صلاة النهار، والله أعلم.

стр. 629

ثم لفظ الحديث كما اقتضى ظاهره عدم الزيادة على مثنى، وكذلك يقتضي عدم النقصان منهما، وقد اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وطائفة: يجوز التنفل بركعة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لظاهر قوله ﷺ : "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" وهذا أولى من الاستدلال بأنه لو كانت الركعة الفردة صلاة، لما امتنع قصر صلاة الصبح والمغرب، فإنه ضعيف، ثم قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى"، مع قوله: "فإذا خشي الصبحَ أوترَ بركعة واحدة توترُ له ما صلى"، يقتضي تقديمَ شفعٍ على الوتر، فلو أوتر بعد صلاة العشاء من غير شفع، لم يكن آتيا بالسنة، وظاهر مذهب مالك ﵀ لا يوتر بركعة فردة هكذا من غير حاجة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الوتر بأقل من ثلاث ركعات، ثم قوله ﷺ : "فإذا خشي الصبح، أوتر بواحدة" يقتضي انتهاء وقت الوتر إلى طلوع الفجر الثاني يخرج بطلوعه، وهو المشهور في مذهب الشافعي، وهو قول جمهور العلماء، ولأصحاب الشافعي وجه أنه يمتد بعد طلوع الفجر حتى يصلي الصبح. ثم قوله ﷺ : "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" يقتضي أن يكون الوتر آخر صلاة الليل؛ لأنه أمر أن يجعله آخر صلاته بالليل، ولم يقل أحد بوجوبه فيما أعلم، بل ذهب ذاهب إلى وجوب أصل الوتر، وجعل من جملة ما استدل به على وجوبه هذا الحديث، وليس فيه دليل، بل إن أراد الاستدلال بأن يحمل الصيغة على الندب، فلا يستقيم له أيضًا؛ لما يلزم منه من الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظة واحدة، ومذهب هذا الذاهب يمنعه، ولا يرى ندبية الوتر، فلا يستقيم له الاستدلال به على الوجوب، ثم جعل الوتر آخر صلاة الليل هو الأفضل؛ لأنه الغالب من فعل رسول الله ﷺ ، وقوله، فلو أوتر ثم أراد التنفل، فهل يشفع وتره بركعة أخرى، ثم يتنفل بما شاء من صلاته؛ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وإذا لم يشفعه بركعة، وصلى، فهل يعيد الوتر أخيرًا؛ فيه خلاف للمالكية والشافعية، ولا شك أن هذا الحديث يقتضي ظاهره إعادته، لكنه يتوقف على ألَّا يكون قبله وتر؛ لما جاء من الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال:

стр. 630

"لا وتران في ليلة" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حسن، وابن خزيمة في "صحيحه" (١)، فيلزم من الأمر بجعله آخر الصلاة، ومن قوله: "لا وتران في ليلة" يشفع الوتر الأول، وإن لم يشفعه، أعاد الوترين في ليلة، وإن لم يعد الوتر، لم يكن آخر صلاة الليل وترًا، ومن قال: لا يشفع ولا يعيد الوتر، منع أن ينعطف حكم صلاة على أخرى بعد السلام والحديث، وطول الفصل إن وقع ذلك، فإذا لم يجتمعا، والحقيقة أنهما وتران، ولا وتران في ليلة، فامتنع الشفع، وامتنع إعادة الوتر أخيرًا، ولم يبق إلا مخالفة ظاهر قوله ﷺ : "اجعلوا آخرَ صلاتكم بالليل وترًا"، وهو محمول على الاستحباب، كما أن الأمر بأصل الوتر كذلك، وترك المستحب أولى من ارتكاب المكروه، ومن قال بإعادة الوتر، فهو -أيضًا- مانع من شفع الوتر الأول محافظة على قوله ﷺ : "اجعلوا آخرَ صلاتكم بالليل وترًا"، ويحتاج إلى الاعتذار عن قوله: "لا وتران في ليلة"، وقد ينبني الكلام في ذلك على مسألة، وهي أن التنفل بركعة فردة هل يشرع في غير المنصوص عليه؟ وفيه خلاف، فليتأمل ذلك. وقد رتب الشافعي -رحمه الله تعالى- على هذا المعنى مسألة، وهي أنه لو نذر صلاة، هل يلزمه ركعتان، أو ركعة؟ إن نظرنا إلى واجب الشرع فيه، وهو الصحيح، لزمه ركعتان، وإن نظرنا إلى جائزه، وهو قوله ﷺ : "الوتر ركعة من آخر الليل" (٢)، لزمه ركعة، والله أعلم. وأبو حنيفة ﵀ يخالف في أن الوتر ركعة، وفي أنه لا يجوز التنفل بركعة، قال: إنه ليس في الفرائض صلاة ركعة، فلتكن النوافل كذلك، لكن

стр. 631

الحديث الصحيح يدل على أن الوتر ركعة من آخر الليل، رواه مسلم في "صحيحه"، وغيره، وقد روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد حسن صحيح من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الوترُ حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أحبُّ أن يوتر بخمسٍ، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاثٍ، فليفعل، ومن أراد أن يوتر بواحدةٍ، فليفعل" (١)، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ (٢). تقدم ذكر عائشة ﵂. السحر: هو وقتٌ قبلَ انفجار الصبح قريب منه. واعلم أن الليل اسم لجميع الوقت؛ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وقد اختلف علماء السلف ما بين طلوع الفجر الثاني وطلوع الشمس، هل هو من النهار، أم من الليل، أم هو وقت مستقل لا من هذا، ولا هذا؟ وهذا الحديث يدل ظاهره على أنه ليس من الليل؛ لأنه جعل كل الليل وقتًا للوتر، وجعل نهاية الوتر الذي كل الليل وقته السحر أو الفجر، فدل على أن ما بعده ليس من الليل، ولا شك أن أول وقت الوتر لا يدخل فيه ما بين غروب الشمس ووقت العشاء اتفاقًا، مع أنه داخل في قولها: من كلِّ الليلِ أوترَ رسول الله ﷺ ؛

стр. 632

من أوله، والصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه أنه لا يدخل وقته إلا بفراغ المصلي من صلاة العشاء، وفي وجه: يدخل وقته بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصح الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وأما آخر وقته، فيمتد إلى آخر طلوع الفجر الثاني، وقيل: يمتد إلى صلاة الصبح، وقيل: يمتد إلى طلوع الشمس، والأحاديث الصحيحة تدل للأول والثاني؛ فإنه ﷺ كان يصلي الصبح عقب طلوع الفجر الثاني بيسير، فعبر في بعض الأحاديث بفعل الصبح عن طلوع الفجر؛ لقربه منه، واتفق العلماء على جواز فعله في جميع ما بين أول وقته وآخره، لكنهم اختلفوا في أن الأفضل تقديمه في أول الليل، أو تأخيره إلى آخره، ولا شك أن ذلك يختلف باختلاف الحالات، وطرآن الحاجات، وخصوصية الأوقات، فمن وثق أن يقوم آخر الليل، فلا شك أنه أفضل؛ لقوله ﷺ : "فإنَّ صلاةَ آخر الليل مشهودة" (١)، وذلك أفضل؛ ومعناه تشهده ملائكة الرحمة، ومن لا يثق بذلك، فالتقديم له أفضل؛ لحديث أبي هريرة وغيره في "الصحيح": "أوصاني خليلي ﷺ ألَّا أنام إلا على وتر" (٢). ولا شك أن آخر الليل أفضل من أوله وأوسطه، وفيما بين نصفه الأول وسدسه الآخر أفضل من الأول والآخر، وحكى بعض العلماء عن أصحاب الشافعي وجهين مطلقًا في أن الأفضل الوترُ أولَ الليل وآخره، والصواب فيه التفصيل الذي ذكرناه، وإذا نظرنا إلى آخر الليل من حيث هو، كان فعل الوتر فيه أفضل، فإذا عارضه احتمال تفويته، قدمناه على فوات الفضيلة، وهذه قاعدة كبيرة تدخل تحتها مسائل كثيرة، من جملتها: إذا كان عادمًا للماء، ويرجو وجوده آخر الوقت، فهل بقدم التيمم أول الوقت إحرازًا لتحقق الفضيلة أوله، أم يؤخره إحرازًا للوضوء؟ فيه قولان للشافعي، المختار: تقديمُ الصلاة بالتيمم أول الوقت، وهكذا كل

стр. 633

فضيلة كانت في ذات العبادة ينبغي مراعاتها وتقديمها على كل فضيلة خارجة عنها، فالطواف قربَ البيت أفضلُ من البعد عنه، فإذا عارضه ما يمنع من الإتيان به في ذاته على الوجه المشروع، كان البعدُ عنه أفضلَ؛ محافظةً على المطلوب في ذات الطواف، ولا شك أن النبي ﷺ فعل الوتر أول الليل وآخره كما في الحديث الصحيح في الكتاب، وأقر أبا بكر على فعله أوله، وعمر على فعله آخره، وقال ﷺ لأبي بكر: "أخذ هذا بالحذر"، وقال لعمر: "أخذ هذا بالقوة" بعد سؤاله ﷺ لكل واحد منهما: "متى توتر؟ " (١). وليس للوتر وقت لا يجوز فيه، ولا يكره في الوقت المحدود له في الليل، لكن فعل الصحابة منزل على ما ذكرناه أولًا من الحكم والتعليل، والله أعلم. واعلم أن حكم قيام رمضان المسمى بالتراويح في وقته حكمُ وقت الوتر، لا أعلم في ذلك خلافًا، وأما ما يفعله كثير من الأئمة للمساجد بالديار المصرية في حضرها وريفها من صلاتهم لها بين المغرب والعشاء، والوتر بعدها قبل فعل العشاء، فلا يجوز ذلك، ولا يحصل لهم فضيلة قيام رمضان ووتره، وهل يحصل لهم فضيلة نفل مطلق؟ فيه نظر إذا أتوا بذلك على الوجه المأمور به فيه، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوْتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسِ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إلَّا في آخِرِهَا (٢). اعلم أن لفظة (كان) فعل ماض يدل على وقوع الفعل مرة واحدة من حيث

стр. 634

وضعها لا يلزم منه الدوام ولا التكرار، وهو المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، فإن دل دليل على التكرار أو الدوام، يعمل به، ولا شك أنه ثبت في "الصحيح" أن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أطيبُ رسولَ الله ﷺ لحلِّه قبل أن يطوف بالبيت (١)، ومعلوم أنه ﷺ لم يحجَّ بعد أن صحبته عائشة إلا حجةً واحدة، وهي حجة الوداع، فقد استعملت (كان) في المرة الواحدة، ولا يقال: لعلها طيبته لحلِّه قبل أن يطوف بالبيت في العمرة أيضًا، فاقتضت التكرار؛ لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت استعمالها (لكان) في المرة الواحدة، كما قاله الأصوليون، إذا ثبت هذا، فقولها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، مع ما ثبت في "الصحيح" عنها: كان النبي ﷺ يقوم بتسع ركعات (٢)، كان يقوم بإحدى عشرة ركعة منهن الوتر، يسلم من كل ركعتين (٣)، وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاء المؤذن (٤)، وعنها: كان يقوم بثلاث عشرة بركعتي الفجر (٥)، وعنها: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٦)، أربعًا وأربعًا وثلاثًا، وعنها: كان يصلي ثلاث عشرة: ثمانيًا، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يصلي ركعتي الفجر (٧)، وقد فسرتها في الحديث الآخر: منها ركعتا الفجر، وعنها في

стр. 635

البخاري: أن صلاته من الليل سبع أو تسع (١)، يقتضي كل ذلك عدمَ التكرار والدوام، وذكر البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: أن صلاته بالليل ثلاث عشرة ركعة، وركعتين بعد الفجر سنة الفجر (٢)، وفي حديث زيد بن خالد: أنه ﷺ صلى ركعتين خفيفتين، ثم طويلتين، وذكر الحديث، وقال في آخره: فتلك ثلاث عشرة (٣). قال القاضي عياض- ﵀ (٤): قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، واختلف في أحاديث عائشة، واختلافها، فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، فأكثرُه خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقلُّه سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل؛ من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود، أو لنوم، أو لعذر من مرض أو غيره، أو عند كبر السنن كما قالت عائشة: "فلما أسنَّ، صَلَّى سبعَ ركعات" (٥)، أو تارة بعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواها زيد بن خالد (٦)، وروتها عائشة في "صحيح مسلم" (٧) بعد ركعتي الفجر تارة، وبحذفهما أخرى، وقد تكون عدَّتْ راتبةَ العشاء مع ذلك تارة وحذفها أخرى، قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت، زاد الأجر،
следующие страницы →