الحديث الصحيح يدل على أن الوتر ركعة من آخر الليل، رواه مسلم في "صحيحه"، وغيره، وقد روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد حسن صحيح من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الوترُ حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أحبُّ أن يوتر بخمسٍ، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاثٍ، فليفعل، ومن أراد أن يوتر بواحدةٍ، فليفعل" (١)، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ (٢).
تقدم ذكر عائشة ﵂.
السحر: هو وقتٌ قبلَ انفجار الصبح قريب منه.
واعلم أن الليل اسم لجميع الوقت؛ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وقد اختلف علماء السلف ما بين طلوع الفجر الثاني وطلوع الشمس، هل هو من النهار، أم من الليل، أم هو وقت مستقل لا من هذا، ولا هذا؟ وهذا الحديث يدل ظاهره على أنه ليس من الليل؛ لأنه جعل كل الليل وقتًا للوتر، وجعل نهاية الوتر الذي كل الليل وقته السحر أو الفجر، فدل على أن ما بعده ليس من الليل، ولا شك أن أول وقت الوتر لا يدخل فيه ما بين غروب الشمس ووقت العشاء اتفاقًا، مع أنه داخل في قولها: من كلِّ الليلِ أوترَ رسول الله ﷺ ؛
стр. 632
من أوله، والصحيح من مذهب الشافعي وأصحابه أنه لا يدخل وقته إلا بفراغ المصلي من صلاة العشاء، وفي وجه: يدخل وقته بدخول وقت العشاء، وفي وجه: لا يصح الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وأما آخر وقته، فيمتد إلى آخر طلوع الفجر الثاني، وقيل: يمتد إلى صلاة الصبح، وقيل: يمتد إلى طلوع الشمس، والأحاديث الصحيحة تدل للأول والثاني؛ فإنه ﷺ كان يصلي الصبح عقب طلوع الفجر الثاني بيسير، فعبر في بعض الأحاديث بفعل الصبح عن طلوع الفجر؛ لقربه منه، واتفق العلماء على جواز فعله في جميع ما بين أول وقته وآخره، لكنهم اختلفوا في أن الأفضل تقديمه في أول الليل، أو تأخيره إلى آخره، ولا شك أن ذلك يختلف باختلاف الحالات، وطرآن الحاجات، وخصوصية الأوقات، فمن وثق أن يقوم آخر الليل، فلا شك أنه أفضل؛ لقوله ﷺ : "فإنَّ صلاةَ آخر الليل مشهودة" (١)، وذلك أفضل؛ ومعناه تشهده ملائكة الرحمة، ومن لا يثق بذلك، فالتقديم له أفضل؛ لحديث أبي هريرة وغيره في "الصحيح": "أوصاني خليلي ﷺ ألَّا أنام إلا على وتر" (٢).
ولا شك أن آخر الليل أفضل من أوله وأوسطه، وفيما بين نصفه الأول وسدسه الآخر أفضل من الأول والآخر، وحكى بعض العلماء عن أصحاب الشافعي وجهين مطلقًا في أن الأفضل الوترُ أولَ الليل وآخره، والصواب فيه التفصيل الذي ذكرناه، وإذا نظرنا إلى آخر الليل من حيث هو، كان فعل الوتر فيه أفضل، فإذا عارضه احتمال تفويته، قدمناه على فوات الفضيلة، وهذه قاعدة كبيرة تدخل تحتها مسائل كثيرة، من جملتها: إذا كان عادمًا للماء، ويرجو وجوده آخر الوقت، فهل بقدم التيمم أول الوقت إحرازًا لتحقق الفضيلة أوله، أم يؤخره إحرازًا للوضوء؟
فيه قولان للشافعي، المختار: تقديمُ الصلاة بالتيمم أول الوقت، وهكذا كل
стр. 633
فضيلة كانت في ذات العبادة ينبغي مراعاتها وتقديمها على كل فضيلة خارجة عنها، فالطواف قربَ البيت أفضلُ من البعد عنه، فإذا عارضه ما يمنع من الإتيان به في ذاته على الوجه المشروع، كان البعدُ عنه أفضلَ؛ محافظةً على المطلوب في ذات الطواف، ولا شك أن النبي ﷺ فعل الوتر أول الليل وآخره كما في الحديث الصحيح في الكتاب، وأقر أبا بكر على فعله أوله، وعمر على فعله آخره، وقال ﷺ لأبي بكر: "أخذ هذا بالحذر"، وقال لعمر: "أخذ هذا بالقوة" بعد سؤاله ﷺ لكل واحد منهما: "متى توتر؟ " (١).
وليس للوتر وقت لا يجوز فيه، ولا يكره في الوقت المحدود له في الليل، لكن فعل الصحابة منزل على ما ذكرناه أولًا من الحكم والتعليل، والله أعلم.
واعلم أن حكم قيام رمضان المسمى بالتراويح في وقته حكمُ وقت الوتر، لا أعلم في ذلك خلافًا، وأما ما يفعله كثير من الأئمة للمساجد بالديار المصرية في حضرها وريفها من صلاتهم لها بين المغرب والعشاء، والوتر بعدها قبل فعل العشاء، فلا يجوز ذلك، ولا يحصل لهم فضيلة قيام رمضان ووتره، وهل يحصل لهم فضيلة نفل مطلق؟ فيه نظر إذا أتوا بذلك على الوجه المأمور به فيه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوْتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسِ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إلَّا في آخِرِهَا (٢).
اعلم أن لفظة (كان) فعل ماض يدل على وقوع الفعل مرة واحدة من حيث
стр. 634
وضعها لا يلزم منه الدوام ولا التكرار، وهو المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين، فإن دل دليل على التكرار أو الدوام، يعمل به، ولا شك أنه ثبت في "الصحيح" أن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أطيبُ رسولَ الله ﷺ لحلِّه قبل أن يطوف بالبيت (١)، ومعلوم أنه ﷺ لم يحجَّ بعد أن صحبته عائشة إلا حجةً واحدة، وهي حجة الوداع، فقد استعملت (كان) في المرة الواحدة، ولا يقال: لعلها طيبته لحلِّه قبل أن يطوف بالبيت في العمرة أيضًا، فاقتضت التكرار؛ لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالإجماع، فثبت استعمالها (لكان) في المرة الواحدة، كما قاله الأصوليون، إذا ثبت هذا، فقولها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، مع ما ثبت في "الصحيح" عنها: كان النبي ﷺ يقوم بتسع ركعات (٢)، كان يقوم بإحدى عشرة ركعة منهن الوتر، يسلم من كل ركعتين (٣)، وكان يركع ركعتي الفجر إذا جاء المؤذن (٤)، وعنها: كان يقوم بثلاث عشرة بركعتي الفجر (٥)، وعنها: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة (٦)، أربعًا وأربعًا وثلاثًا، وعنها: كان يصلي ثلاث عشرة: ثمانيًا، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، ثم يصلي ركعتي الفجر (٧)، وقد فسرتها في الحديث الآخر: منها ركعتا الفجر، وعنها في
стр. 635
البخاري: أن صلاته من الليل سبع أو تسع (١)، يقتضي كل ذلك عدمَ التكرار والدوام، وذكر البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: أن صلاته بالليل ثلاث عشرة ركعة، وركعتين بعد الفجر سنة الفجر (٢)، وفي حديث زيد بن خالد: أنه ﷺ صلى ركعتين خفيفتين، ثم طويلتين، وذكر الحديث، وقال في آخره: فتلك ثلاث عشرة (٣).
قال القاضي عياض- ﵀ (٤): قال العلماء: في هذه الأحاديث إخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، واختلف في أحاديث عائشة، واختلافها، فقيل: هو منها، وقيل: من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة هو الأغلب، وباقي رواياتها بما كان يقع نادرًا في بعض الأوقات، فأكثرُه خمس عشرة بركعتي الفجر، وأقلُّه سبع، وذلك بحسب ما كان يحصل؛ من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة، كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود، أو لنوم، أو لعذر من مرض أو غيره، أو عند كبر السنن كما قالت عائشة: "فلما أسنَّ، صَلَّى سبعَ ركعات" (٥)، أو تارة بعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواها زيد بن خالد (٦)، وروتها عائشة في "صحيح مسلم" (٧) بعد ركعتي الفجر تارة، وبحذفهما أخرى، وقد تكون عدَّتْ راتبةَ العشاء مع ذلك تارة وحذفها أخرى، قال القاضي: ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زيدت، زاد الأجر،
стр. 636
وإنما الخلاف في فعل النبي ﷺ ، وما اختار لنفسه، والله أعلم.
وقولها: "يوترُ من ذلك بخمس لا يجلسُ إلَّا في آخرها" قد تقدم أن قوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" دالٌّ ظاهرًا على الحصر في صلاة النفل ليلًا، وكأنه صارت المثبوتة لها صفة، إلا ما خرج بدليل؛ بحيث لا يجوز الزيادة على ركعتين إلا بسلام، وهذا الفعل منه ﷺ يدل على الجواز، فيقتضي التعارض بينهما، فلا بد من الموازنة بينهما، فنقول: دلالةُ الفعل على الجواز يتطرق إليها الخصوص، وهو بعيد لا يُصار إليه إلا بدليل، فتبقى دلالةُ الفعل على الجواز معارضة لدلالة اللفظ على الحصر، ودلالة الفعل على الجواز قوية، فيبقى نظر آخر، وهو أن الأحاديث دلت على أعداد مخصوصة، فإذا جمعنا ونظرنا أكثرها فما زاد عليه، وقلنا بجوازه، كان قولًا بالجواز مع اقتضاء الدليل منعه من غير معارضة الفعل له.
ولقائل أن يقول: نعمل دليل المنع حيث لا معارض لها من الفعل، إلا أن يصد عن ذلك إجماع، أو يقام دليل على أن الأعداد المخصوصة ملغاة عن الاعتبار، ويكون الحكم الذي دل عليه الحديث مطلق الزيادة، وفيها هنا أمران:
أحدهما: أن نقول: مقادير العبادات يغلب عليها التعبد، فلا يُجْزَم بأن المقصود لا يتعلق بالعدد، وأن المقصود مطلق الزيادة.
الثاني: أن نقول: المانع المحتمل هو الزيادة على مقدار ركعتين، وقد ألغي بهذه الأحاديث، وقد تقدم أنه لا خلاف في جواز الزيادة على العدد المنقول عنه ﷺ ، وإنما الخلاف في صفته واختياره لنفسه ﷺ ، والله أعلم.
* * *
стр. 637
باب الذكر عقيب الصلاة
قوله: عقيب -بالياء- لغةٌ شاذة في عقب الشيء -بلا ياء-، وهي الفصيحة المعروفة، ومعناها: بعد الشيء.
* * *
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن رَفْعَ الصَّوْتِ بالذكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ، كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كنتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ (١)، وفي لفظ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ (٢).
تقدم ذكر ابن عباس.
وهذان الحديثان مرفوعان إلى النبي ﷺ في الحكم؛ لتقرير النبي ﷺ للذكر برفع الصوت من غير نكير منه؛ لأن هذه الحالة تدل على علمه بها، فيدل ذلك على شرعيته واستحبابه، وتأكيد التكبير من الذكر، وقد قال ذلك من الاستحباب
стр. 638
برفع الصوت عقب المكتوبة من المالكية: ابنُ حبيب في "الواضحة" (١)، قال: كانوا يستحبون التكبير في العساكر، والبُعوث إثرَ صلاة الصبح والعشاء تكبيرًا غالبًا ثلاث مرات، وهو قديم من شأن الناس، وعن مالك: أنه محدَث، وقد استحبه جماعة من السلف، واستحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري وغيره.
وقال الطبري: في هذا الحديث الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء، يكبر بعد صلاته، ويكبر من خلفه.
وقال غيره: ولم يقل أحد من أصحاب المذاهب المتبوعة، وكلهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي هذا الحديث على أنه ﷺ جَهَرَ وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال: فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد صلاته ويكبر من خلفه، وقال غيره: ولم يقل به] (٢) الفراغ من الصلاة، ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا.
ولا شك أن الذي حمل الشافعي ﵀ على اختيار إخفاء الذكر عقيب الصلاة إلا أن يكون له مقصود شرعي في الجهر؛ للنقل والعقل، أما النقل، فحديث روي عن رسول الله ﷺ : "خيرُ الذكرِ الخَفِيُّ" (٣)، وهو حديث غير ثابت، وأما العقل، فإن الإخفاء أبعد من الرياء ونحوه، أما إذا كان صادقًا مع الله تعالى، ولم يكن متعديًا برفع صوته؛ بأن كان مذكِّرًا به أو معلِّمًا، أو كان يجتمع قلبه وبدنه عليه وعلى تدبره، أو كان إظهار شعائر الدين برفع صوته به، فهو
стр. 639
أفضل، وهذا الحديث محمول على ذلك، والله أعلم.
وقول ابن عباس: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته" ظاهره أنه لم يكن يحضر الصلاة في الجماعة في بعض الأوقات؛ لصغره، وقد ذكر بعض المصنفين في كتاب "ما العوام عليه موافقون للسنة والصواب دون الفقهاء".
وذكر مسائل:
منها: رفع الصوت بالذكر عقيب الصلوات، وهذان الحديثان يدلان على صحة قوله، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: أَمْلَى عَلَى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبة ﵁ فِي كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِما أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ"، ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ عَلَى مُعَاوِيةَ، فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ (١).
وفي لَفْظٍ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمْهَاتِ وَوَأْدِ البَنَاتِ وَمَنْعٍ وهَاتِ (٢).
أما المغيرة بن شعبة، فتقدم ذكره في باب المسح على الخفين.
وأما وَرَّادٌ: فهو كاتب المغيرةِ بن شعبةَ ومولاه، وهو ثقفيٌّ، كوفيٌّ، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو الوراد، تابعي ثقة، روى له البخاري ومسلم وأصحاب
стр. 640
السنن والمساند، وروى عنه جماعة من التابعين الصغار (١).
وأما معاوية: فهو ابن أبي سفيان، وهو صَخْرُ بنُ حربِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافٍ، كنيته أبو عبد الرحمن، وأمه هندٌ بنتُ عتبةَ بنِ ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، كان هو وأبوه وأخوه يزيدُ بن أبي سفيان من مسلمة الفتح، وروي عن معاوية أنه قال: أسلمتُ في عمرة القضية، ولكني [كنت] أخاف أن أخرج، وكانت أمي تقول: إن خرجتَ، قطعت عنك القوت.
وأما أبوه صخر، فذكر ابن قتيبة: أن عينيه ذهبت إحداهما يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك، ومات في خلافة عثمان أعمى.
وهو أول من عمل المقصورة سنة أربع وأربعين بجامع دمشق والجوامع، وأول من بلغ درجات المنبر خمس عشرة مِرْقاة، وأول من جعل ابنه وليَّ العهد خليفةً بعده في صحته، وأول من جعل على رأسه حَرَسًا، وأول من قِيدت بين يديه الجنائب، وأول من اتخذ الخِصْيان في الإسلام، وأول من قتل مسلمًا صبرًا؛ حجرًا وأصحابه، وكان يقول: أنا أول الملوك (٢)، وولاه عمر ﵁ الشام بعد موت أخيه يزيد، وكان معاوية أحدَ كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وحضر غزوةَ قيسارية مع أخيه يزيد، واستخلفه على غزوها حين سار إلى دمشق، ولم يزل معاوية عليها حتى فتحها، وقد قيل: إن فتحها كان في سنة تسع عشرة في خلافة عمر ﵁، وفي ذي الحجة منها توفي يزيد بن أبي سفيان في دمشق، وولي معاويةُ بعده، وجزع عمر على يزيد جزعًا شديدًا، وكتب بالولاية بعده لمعاوية، فأقام أربع سنين، فأقره عثمان عليها اثنتي عشرة سنة إلى أن مات، ثم كانت الفتنة بينه وبين علي ﵁، فحاربه
стр. 641
معاوية أربع سنين، على الصواب، وقيل: خمس سنين، ولما دخل عمر الشام، وشهد فتح بيت المقدس حين دخوله الشام سنة ست عشرة -وكان فتحها صلحًا- رأى معاويةَ في موكب عظيم، فلما دنا منه قال: أنت صاحبُ الموكب العظيم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك!، قال: ما يبلغك من ذلك، قال: ولم تفعل هذا؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدو، وبها كثير، فيجب أن نظهر فيها من السلطان ما يرهبهم، فإن أمرتني، فعلت، وإن نهيتني انتهيت، فقال عمر: يا معاوية! ما نسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقًّا، إنه لرأي أريب، وإن كان باطلًا، إنها لخدعة أديب، قال: فمرني يا أمير المؤمنين، قال: لا آمرك ولا أنهاك، فقال عمرو ابن العاص: يا أمير المؤمنين! ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردتَهُ فيه! قال: لحسن مصادره وموارده جَشَّمناه ما جشمناه (١)، وذم معاويةَ عند عمر ﵁ قومٌ، فقال: دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في الغضب لا ينال ما عنده إلا على الرضا، ولا يوجد ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسود من معاوية، فقيل له: ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فقال: كانوا -والله- خيرًا من معاوية، وأفضل، وكان معاوية أسود منهم (٣).
وقيل لنافع: ما لابن عمر بايع معاوية ولم يبايع عليًّا؟ فقال: كان ابن عمر لا يضع يدًا في فرقة، ولا يمنعها من جماعة، ولم يبايع معاويةَ حتى اجتمع عليه.
стр. 642
قال أبو عمر بن عبد البر: كان معاوية ﵁ أميرًا بالشام نحو عشرين سنة، وخليفةً مثل ذلك؛ كان من خلافة عمر نحوًا من أربعة أعوام، وخلافة عثمان كلها اثنتي عشرة سنة، وبايع له أهل الشام خاصة بالخلافة سنة ثمان أو تسع وثلاثين، واجتمع الناس عليه حين بايع له الحسن بن علي وجماعة ممن معه، وذلك في ربيع أو جمادى سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة.
وقال أبو بشر الدولابي: وبويع له في ذي الحجة سنة أربعين ببيت المقدس، وكانت خلافته تسع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وثمانية وعشرين يومًا.
روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وثلاثة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بمثلها، ومسلم بخمسة.
وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، والسائب بن يزيد، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وجماعة من التابعين، وروى له -أيضًا- أصحاب السنن والمسانيد، ومات في رجب سنة ستين بدمشق ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين، واختلف في يوم وفاته، وفي سنتها، والمشهور ما ذكرنا، وقال القضاعي محمد بن سلامة بن جعفر: وتوفي بدمشق مستهل رجب، وقيل: للنصف سنة ستين بدمشق، ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل: ابن ست وثمانين، واختلف في يوم وفاته، وفي سنتها، والمشهور ما ذكرناه.
وصلى عليه ابنه يزيد، وقيل: إن ابنه كان غائبًا، فصلى عليه الضحاك ابن قيس، ودُفن بين باب الجابية وباب الصغير، ورأيت بخط بعض علماء وقتنا المتأخر في جواب فتيا له: أن معاوية مات بدمشق، ودفن تحت حائط جامعها في قبلته في الموضع الذي يسمى بقبر هود ﷺ ، وأُخفي قبره كما أخفي قبرُ عليٍّ بالعراق خشيةً عليه، وما أعلم من أين أخذ هذا، ثم وجدت معنى ما أفتى به في جزء مخرج عن أبي الفتح محمد بن هارون بن نصر بن السدي، وأنه دفن أولًا
стр. 643
بمقبرة باب الصغير، ثم نقل إلى المكان المذكور، وكان مشهورًا، ثم بني الجامع بعد ذلك، ثم لعله أخفي بعد ذلك، والله أعلم.
ولا شك أن هودًا ﷺ لم يقدم الشام فيما ذكره المؤرخون، وإنما كان بحضرموت، ومات بها، وقيل: قدم مكة، ومات بها، ودفن، والله أعلم.
ولما حضرت معاويةَ الوفاةُ، وثقل في مرضه، وكان ابنه يزيدُ غائبًا، كتب إلى ابنه بحاله؛ فيما ذكر محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول ذلك، وأنشد ابنه يزيدُ أبياتًا مشهورة لما أتاه الرسول بذلك، فلما وصل إليه ابنه وجده مغمورًا، فأفاق معاوية فقال: يا بني! إني صحبت رسول الله ﷺ ، فخرج لحاجة، فاتبعته بإداوة، فكساني أحد ثوبيه الذي يلي جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ النبي ﷺ من أظفاره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت، فاجعل ذلك القميص دون كفني مما يلي جلدي، وخذ ذلك الشعر والأظفار فاجعله في فمي وعلى عيني ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء، فذاك، وإلا، فإن الله غفور رحيم.
ولمعاويةَ منقبةٌ جليلة رويناها في "جزء ابن عرفة": أن النبي ﷺ قال: "اللهمَّ عَلِّمْ معاويةَ الكتابَ والحسابَ، وقِهِ العذابَ" (١).
وقال قتادة: قلت للحسن: يا أبا سعيد! إن هاهنا ناسًا يشهدون على معاوية أنه من أهل النار، فقال: لعنهم الله، وما يدريهم من في النار (٢)؟
ورزق عمر بن الخطاب معاوية ﵄ على عمله بالشام عشرة آلاف دينار كل سنة (٣).
стр. 644
وأما ألفاظ الحديث ومعانيه وأحكامه:
فقوله: "دبرَ كلِّ صلاة"، فالمعروف المشهور في الروايات واللغة: دُبر -بضم الدال-، وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دُبر الشيء ودَبره -بالضم والفتح-: آخر أوقاته، والصحيحُ: الضم، ولم يذكر الجوهري آخرون غيره، وقال أبو عمر المطرزي في كتابه "اليواقيت" (١): دبر كل شيء -بفتح الدال-: آخر أوقاته من الصلاة وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، والمراد به في الحديث: عقب السلام منها، سواء كان آخر وقتها، أو أوسطه، أو أوله، إلا أن يكون مراد أهل اللغة بآخر أوقات الشيء الفراغَ من فعله، فيتطابق تفسيرهم ومراد الحديث، والله أعلم (٢).
وقوله: "ولا ينفعُ ذا الجدِّ منكَ الجدُّ" المشهور الذي عليه الجمهور أن الجَد بفتح الجيم، ومعناه: لا ينفع ذا الغنى والحظِّ منك غِناه، وضبطه جماعة بكسر الجيم (٣)، والجد هنا وإن كان مطلقًا، فهو محمول على حظوظ الدنيا، يعني: إنما ينفعه العمل الصالح، والنافع في الحقيقة هو الله تعالى بالتوفيق للعمل الصالح والإخلاص فيه وقبوله، والله أعلم.
واعلم أن الذكر مطلوب محثوث عليه من الشرع، وهو مطلق ومقيد، فالمطلق لا يكره في وقت من الأوقات، ولا حالة من الحالات، إلا في حالة فضاء من البول والغائط والجماع، واختلف العلماء في كراهته في الحمام
стр. 645
والمواضع النجسة، وقراءة القرآن أفضلُ من المطلق منه، والمقيدُ منه هو الذي ورد فيه نص خاصّ بزمان أو مكان أو حال، وهو أفضل من تلاوة القرآن، هكذا نص عليه العلماء، وإنما شرع هذا الذكر المخصوص عقيب الصلوات؛ لما اشتمل عليه من معاني التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء وتمام القدرة، والثواب المرتب على الأذكار يرد كثيرًا مع خفة اللسان بالأذكار وقلتها، وإنما كان كذلك اعتبارًا بمدلولاتها؛ لأنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو أشرف الأشياء.
وقوله: "منك" هو متعلق بينفع، وينفع مضمَّنٌ معنى يمنع، أو ما يقاربه، ولا يعود "منك" إلى الجد؛ فإن ذلك نافع.
وقوله: "عن قيلَ وقال" الأشهر فيه: قيلَ -بفتح اللام- على سبيل الحكاية، وهذا النهي لا بد فيه من التقييد بالكثرة التي لا يؤثر معها وقوع الخطل والخطأ، والسبب إلى وقوع المفاسد من غير يقين، والأخبار الباطلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّثَ بكلِّ ما سمعَ" (١)، وقال بعض السلف: لا يكون إمامًا من حدَّث بكل ما سمع (٢).
وقوله: "وإضاعةِ المال"، فمعناه النهيُ عن إنفاقه في غير وجوهه المأذون فيها شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيرها تفويتُ تلك المصالح المأذون فيها، إما في حق مضيعها، أو في حق غيره، أما بذله وإنفاقه كثيرًا في تحصيل مصالح الآخرة، فهو مطلوب محثوثٌ عليه بشرط إلَّا يبطل حقًّا أخرويًّا أهمَّ منه، وقد قال السلف: لا سرفَ في الخير، ولا خيرَ في السرف (٣)، وبذلُ المترفين من أهل
стр. 646
الدنيا وإنفاقُهم -غالبًا- إنما هو فيما لم يأذن فيه الشرع، فيقدمون حظوظ نفوسهم في الأموال على حقوق الله تعالى فيها، فيقع الهلاك بعد الإمهال من غير إهمال؛ لأن فعلهم عين الإضاعة، والله أعلم.
وأما إنفاق المال في مصالح الدنيا وملاذٍّ النفس على وجه لا يليق بحال المنفق وقدرِ ماله، فإن كان لضرورة مداواة، أو دفع مفسدة تترتب، فليس بإسراف، وإلا ففي كونه إسرافًا فيه وجهان: المشهور أنه إسراف، وصحح الرافعي في "المحرر" (١) الإسراف، ووجهه أنه يقوم مصالح البدن وملاذه، وهو غرض صحيح، لكنه يؤدي به الحال غالبًا إلى ارتكاب المحذور والذل، وما أدى إلى المحذور فهو محذور، وظاهر القرآن العظيم يقوي أنه إسراف في غير آي، والله أعلم.
قال شيخنا أبو الفتح ﵀: والأشهر في مثل هذا أنه يباح؛ أعني: إذا كان الإنفاق في غير معصية، وقد نوزع فيه (٢).
وقوله: "وكثرة السؤال" فيه وجهان للعلماء:
أحدهما أنه راجع إلى الأمور العملية، وقد كانوا يكرهون تكلف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها، وقال ﷺ : "أعظمُ الناسِ جُرْمًا عندَ الله من سألَ عن شيء لم يُحَرَّمْ على المسلمين، فَحُرِّمَ عليهم من أجلِ مسألته" (٣)، وفي حديث اللعان لما سئل ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا، فكره رسول الله ﷺ المسائلَ وعابها (٤)، وفي حديث معاوية ﵁: أنه ﷺ نهى عن
стр. 647
الأغلوطات، وهي شِدادُ المسائل وصِعابُها (١)، وإنما كان ذلك مكروهًا؛ لما يتضمن كثيرًا من التكاليف في الدين، والتنطع والرجم بالظن من غير ضرورة تدعو إليه، مع عدم الأمن من العثار وخطأ الظن، والأصلُ المنعُ من الحكم بالظن، إلا حيث تدعو الضرورة إليه، ومما دعت الضرورة إليه من ذلك جوازُ الاجتهاد في المياه، والأخذ بما غلب على الظن طهارتهُ، مع وجود الماء المتيقن طهارته، وكذلك الأخذُ بالأصل في طهارتها، وإن شك في نجاستها، وكذلك إلحاق الولد بالفراش؛ لتعذر اليقين فيه، وكذلك عدمُ الحكم بالعلم، والعملُ بالبينة استبراءً للعرض المحثوثِ عليه شرعًا.
وأما قول الشافعي ﵀: لولا قضاة السوء، لقلتُ بجواز الحكم بالعلم لما يقع الاشتباه بالقاضي المحق والمبطل، ولا يقع النقاد من العلماء في كل عصر، ولو وقع، قد تضعف نفوسهم عن إظهار الزيف، ولو أظهروا الحق، قد لا يجدون من يعينهم على إظهاره والعمل به، فمنع القول بجوازه سدًّا للتهمة في الدين والعرض عملًا تحضيض الشرع على ذلك، حيث قال ﷺ : "فمنِ اتقى الشُّبهاتِ استبرأَ لدينهِ وعرضِه" (٢). وأمره ﷺ بالحكم بالظاهر، وقطعه ﷺ قطعةً من النار لمن حكم له بالظاهر الذي يخالف الباطن، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن يكون ذلك راجعًا إلى سؤال المال، وقد وردت أحاديث في تعظيم تقبيح مسألة الناس، ولا شك أن لفظ الحديث يدل على النهي عن الكثرة في السؤال، لا عن السؤال مطلقًا، وهو عام في سؤال الله تعالى والناس، خرج سؤال الله تعالى بالأمر به، والحث عليه في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ
стр. 648
فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] وقوله ﷺ لابن عباس: "إذا سألتَ فاسألِ الله" (١)، وهو مطلق، كثيره وقليله، ففي القليل من سؤال الناس لبعضهم، وفي حديث رواه أبو داود: أن النبي ﷺ قال لبعض من سأله عن المسألة مرارًا، قال له في الثالثة: "فإنْ كنتَ لا بدَّ سائلًا، فاسألِ الصالحين" (٢)، وإذا ثبت بعض سؤال بعض الناس، فلا شك أن بعضه ممنوع حيث يكون السائل غنيًّا لاحاجة به إلى ما سأل، ويُظهر الحاجة، وهو في الباطن بخلافها، أو يخبر السائل عن أمر هو كاذب فيه، وفي السنة ما يشهد باعتبار ظاهر الحال في هذا، وهو ما ثبت أن رجلًا من أهل الصُّفة مات وترك دينارين، فقال النبي ﷺ : "كَيَّتان" (٣)، وإنما كان ذلك -والله أعلم- لأنهم كانوا فقراء مجردين يتصدَّق عليهم، ويأخذون بناء على الفقر والعدم، وظهر معه هذان الديناران على خلاف ظاهر حاله.
والمنقول عن مذهب الشافعي جوازُ السؤال، لكن ذكر العلماء من أصحابه وغيرهم له شروطًا، وهي أنه لا يلحُّ في السؤال، ولا يذلُّ نفسه ذلًّا زائدًا على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسؤول، ثم ينظر في السؤال، إن كان في صورة لا يحرم من العلم أو المال، فإن كان في صورة تقتضي، "المنع منه تنزيهًا، فينبغي الامتناع من قليله وكثيره، لوان لم يقتض المنع منه، حمل النهي على الكثير من السؤال المباح دون قليله؛ لأن كراهتها في الكثير أشد، وليس في الحديث ما يدل إلا على الكثرة فقط، أو يحمل الحديث على السؤال عن كثرة السؤال عن المسائل المتعلقة بالدين، الحاملة على التنطُّع والتدقيق والتضييق فيه.
стр. 649
ثم إن الحديث المذكور مراد بكثرة السؤال لنفسه فيما ذكر، فهل يكون السؤال لغيره حكمُه حكم نفسه في الكثرة والقلة، أو يمنع منه مطلقًا، أو يؤذن فيه مطلقًا؟ يختلف ذلك باختلاف المقاصد والنيات، وحال السائل والمسؤول، والله أعلم.
وقوله: "وكانَ ينهى عن عقوقِ الأُمهات" تخصيص النهي بالأمهات مع امتناعه في الآباء -أيضًا- لأجل كثرة حقوقهن وشدتها، ورجحان الأمر ببرِّهِنَّ وتكريره مرات دون الآباء، وهذا من باب تخصيص الشيء بالذكر إظهارًا لعظم موقعه في الأمر إن كان مأمورًا [به]، وفي النهي إن كان منهيًا عنه، وقد يذكر في موضع آخر بالتنبيه بذكر الأدنى على الأعلى، فيخص الأدنى بالذكر، وذلك بحسب اختلاف المقصود، وقد يقع التنبيه بالأعلى على الأدنى.
وقوله: "ووَأدِ البنات" هو عبارة عن دفنهنَّ بالحياة، وخُصت البنات بالذكر دون الأبناء؛ لأنه كان هو الواقع، فتوجه النهي إليه، لا لأن الحكم مخصوص بالبنات.
وقوله: "ومَنْعٍ وهات" وهذا النهي راجع إلى السؤال الصحيح وغير الصحيح بالمنع والإعطاء، وحينئذ يحتمل وجهين:
أحدهما: النهي عن المنع حيث يؤمر بالإعطاء، وعن السؤال حيث يمنع منه، فيكون كل واحد منهما مخصوصًا بصورة غير صورة الآخر.
الثاني: أن يجمعا في صورة واحدة لا تعارض بينهما، فيكون وظيفة الطالب ووظيفة المعطي ألا يمنع إن وقع السؤال، وهذا لا بد أن يستثنى منه، أما إذا كان المطلوب محرمًا على الطالب، فإنه يمتنع على المعطي إعطاؤه؛ لكونه معينًا على الإثم، ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على الكثرة من السؤال، والعبارة الواضحة في ذلك النهيُ عن منع ما أمر بإعطائه، وطلب ما لا يستحق أخذه، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على: استحباب هذا الذكر عقيب الصلاة المكتوبة.
стр. 650
وعلى استحباب إملاء العالم العلم على أصحابه ليقيدوه ويكتبوه.
وعلى المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها.
وعلى جواز العمل بالمكاتبة بالأحاديث، وإجرائها مجرى المسموع، والعمل بالخط في مثل ذلك إذا وثق به بأنه خط الكاتب.
وعلى قبول خبر الواحد، وهذا فرد من أفراد لا تحصى.
وعلى التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنّه مالك الملك، وأن له الحمد ملكًا واستحقاقًا، وأن قدرته تعلقت بكل شيء من الموجودات، خيرِها وشرها، نفعِها وضرها، وأن العطاء والمنع بيده، وأن الأسباب إنما تنفع بإذنه، وأنها متصرَّف فيها كسائر المخلوقات، لا تأثير لها في شيء من الأشياء إلا بتقديره وإذنه.
وعلى الامتناع من اللغط وفضول الكلام وما لا فائدة فيه.
وعلى الامتناع من كثرة السؤال إلا فيما أذن الشرع فيه.
وعلى تحريم إضاعة المال في غير وجوهه المأذون فيها.
وعلى قتل الأنفس بغير حق شرعي.
وعلى تحريم منع ما يجب أداؤه، وعلى تحريم إعطاء ما يجب منعه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بكْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ فُقَرَاءَ المُسْلِمِينَ أَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَقاَل: "وَمَا ذَاكَ؟ "، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، ويَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ويَتصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ ولاَ نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفَلاَ أُعَلَّمُكُمْ
стр. 651
شَيئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكُمْ إلا مَنْ صنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وتُكَبِّرونَ وَتَحْمَدُوِنَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً"، قَالَ أَبوُ صَالح: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ فَقَالُوا: سَمعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذلكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ". قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِ الحَدِيثِ فَقَالَ: وهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ لَكَ: تُسَبِّحُ ثَلاَثًا وثلاثِينَ، وتَحْمَدُ اللهَ ثَلاثًا وَثَلاَثينَ، وَتُكبِّرُ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاثِينَ، فَرَجَعْتُ إلَى أَبي صَاِلح فَقُلْتُ لَهُ ذِلَكَ، فَقَالَ: اللهُ أَكبَرُ وَسُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِن ثَلاثًا وثَلاَثِينَ (١).
أما سمي: فهو قرشي، مخزومي، مولاهم، مدني، ثقة، وثقه أحمد بن حنبل وأبو حاتم، وروى له البخاري ومسلم، قتله الخوارج بقديد سنة إحدى وثلاثين ومئة (٢).
وأما أبو صالح: فاسمه ذكوان.
وتقدم ذكر أبي هريرة.
وأما الدثور: فهي الأموال، واحدها دَثْر -بفتح الدال المهملة-، وهو المال الكثير (٣).
وقوله في عدد كيفية التسبيحات والتحميدات والتكبيرات: إن أبا صالح كان يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، وظاهر الحديث أنه كان يسبح ثلاثًا وثلاثين مستقلة، ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة، ويحمد كذلك،
стр. 652
وهو ظاهر جميع روايات الحديث، قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل أبي صالح (١).
وقوله: "ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منكم" يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بألا يفعل هذا الفعل الذي أمر به الفقراء، ويدل على تعليم كيفية هذا الذكر، ولا شك أن جمعه والإتيان بكل كلمة منه على حدة فرادى جائز، لكن جمعه راجح؛ لأن العدد في الجملة يحصل في كل فرد من العدد، كيف وهو ظاهر الحديث؟
وفي الحديث فوائد:
منها: السؤال عن الأعمال المحصلة للدرجات العالية والنعيم الدائم والمسابقة إليها.
ومنها: فضل من جمع الله له بين خير الدنيا والآخرة من الصلاة والصوم والصدقة والعتق والذكر.
ومنها: أن من نقص شيئًا مما ذكر، كان مفضولًا بالنسبة إلى من أتى به.
ومنها: أن من كان فقيرًا صابرًا هل يقوم فقره وصبره مقام غنى الغني وشكره في الفضل، أم يترجح أحد المقامين على الآخر إذا خلا عما يقترن بكل واحد منهما من الإطغاء والإنساء وغيرهما من محبطاته؟ ولا شك أن رسول الله ﷺ كان غنيًّا بالله تعالى، شاكرًا له، فقيرًا إليه، صابرًا على جميع أحواله، مع أن هذا الحديث يقتضي تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر بسبب القربات المتعلقة بالمال، وقد أقرهم ﷺ على ذلك، لكن علمهم بما يقوم مقام تلك الزيادة، فلما قالها الأغنياء، ساووهم فيها، وبقي معهم رجحان قربات المال، فقال ﷺ : "ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء"، فظاهره القريب من النص أنه فضل الأغنياء بزيادة القربات، وقد تأول بعض الناس قوله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" بتأويل مستنكر يخرجه عن الظاهر، والذي يقتضيه الأصل تساويهما، وحصول
стр. 653
الرجحان بالعبادات المالية، فيكون الغني أفضل، وذلك غير مشكوك فيه، والذي يقع النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط، وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه من الصبر أو الشكر؛ فإن كلًّا منهما متعبد به، وإذا تقابلت المصالح، ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل، فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضلُ من القاصرة، وإن فسرنا بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقراء أشرفُ، فيترجح الفقراء، ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الزهاد والعباد إلى ترجيح الفقير الصابر؛ لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى الشرف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على خمسة أقوال:
أحدها: تفضيل الغني؛ لهذا الحديث وغيره.
والثاني: تفضيل الفقير؛ لاستعاذته ﷺ من الغنى، خصوصًا إذا كان مطغيًا.
والثالث: تفضيل الكفاف؛ لسؤاله ﷺ إياه.
والرابع: أن التفضيل باعتبار حال الناس في الغنى والفقر بالنسبة إلى صلاحهم في أنفسهم وأديانهم.
والخامس: التوقف عن تفضيل واحد منهما.
ولا شك أن المسألة لها غَوْر، والأحاديث فيها متعارضة، وقد صنف العلماء فيها كتبًا عديدة، والذي يقتضيه القول في التفضيل ما اختاره الله سبحانه لنبيه ﷺ وصحابته ﵃، وهو الفقر غير المدقع، ويكفيك دليلًا ما ثبت في "الصحيح" مرفوعًا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمس مئة عام (١)، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، ويُسألون عن
стр. 654
فضول أموالهم، وحينئذ يرجع التأويل في قوله ﷺ : "ذلك فضلُ الله يؤتيهِ مَنْ يشاء" إلى الثواب المترتب على الأعمال عند الله تعالى، لا بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله أعلم.
ومنها: أن الإنسان قد يدرك بالعمل اليسيرِ في الصورة، العظيم في المعنى مَن سبقه، ولا يدركه مَن بعده في الفضل ممن لا يعمل به؛ فإن سياق الحديث يدل على ذلك.
ومنها: فضل الذكر أدبار الصلوات.
ومنها: أن أدبار الصلوات أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدعوات وقبول الطاعات، ويصل بها متعاطيها إلى الدرجات العاليات والمنازل الغاليات، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَن عَائشِةَ ﵂: أَن النَّبِيّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلمّا انْصَرَفَ، قَالَ: "اذهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذ إلى أبِي جَهْمٍ، وَأتُوني بِأَنبِجَانِيَّة أَبي جَهْمٍ؛ فَإنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عن صَلاَتِي" (١).
الخميصة: كساء مربَّع له أعلام، والأنبجانية: كساء غليظ.
تقدم ذكر عائشة.
وأما أبو جهم المذكور في الحديث، فاسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، المدني، الصحابي.
قال الحاكم أبو أحمد: ويقال: اسمه عبيد بن حذيفة، وهو غير أبي جُهيم -بضم الجيم وزيادة ياء على التصغير- المذكور في التيمم، وفي مرور المار بين يدي المصلي (٢).
стр. 655
والأنبجاني -بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح الباء الموحدة منه، وتكسر، وأما الياء المثناة تحت آخره، فهي مشددة ومخففة-، قال ابن قتيبة: إنما هو منبجاني، ولا يقال: أنبجاني، منسوب إلى مَنْبِج، وفتحت الياء في النسب؛ لأنه خرج يخرج مخيراني، وهو قول الأصمعي، لكنه ليس بظاهر؛ فإن النسب إلى منبج منبجي.
وأما قوله في الحديث: "وأْتوني بأنبجانيةِ أبي جهم" فروي بتشديد الياء المثناة والتأنيث على الإضافة، وعلى التذكير من غير ذكر أبي جهم ثانيًا، قال المصنف ﵀: هو كساء غليظ، وقال غيره: هو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان له علم، فهو الخميصة، وإن لم يكن له، فهو أنبجانية، وقال ثعلب: هو كل ما كثف، وقال الداودي: هو كساء غليظ بين الكساء والعباء، وقال القاضي أبو عبد الله المازري: هو كساء سداه قطن أو كتان ولحمته صوف (١).
وقوله ﷺ : "فإنها ألهتني عن صلاتي" معناه: أنها شغلت قلبي عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع، وبعثهُ ﷺ بالخميصة إلى أبي جهم وطلبُ أنبجانيه من باب الإدلال عليه؛ لعلمه بأنه يؤثر ذلك ويفرح به، ولا يلزم من بعثها إليه أن أبا جهم يصلي فيها، فإن حلَّة عطارد بعث بها النبي ﷺ إلى عمر ﵁، وقال: "لم أبعثْ بها إليكَ لتلبَسها" (٢)، وفي رواية: "لم أَكسُكَها لتلبسَها" (٣)، والله أعلم.
стр. 656
وفي هذا الحديث مسائل:
منها: جواز لبس الثوب ذي العلم.
ومنها: أن اشتغال الفكر يسيرًا في الصلاة غير قادح فيها، وأنها صحيحة، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء [ونقل عن بعض السلف والزهاد ما لا يعتد به في الإجماع].
ومنها: طلبُ الخشوع في الصلاة والإقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذلك.
قال أصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: يستحب للمصلي النظر إلى موضع السجود، ولا يتجاوزه، وقال بعضهم: يكره تغميض عينيه، قال شيخنا أبو زكريا النووي ﵀: وعندي أنه لا يكره إلا أن يخاف ضررًا (١).
ومنها: المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعات، وإلى الإعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها.
ومنها: النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف ﵏ لا يخطئُ نظرُ أحدهم موضعَ قدميه إذا مشى.
ومنها: ما استنبطه الفقهاء من هذا الحديث، وهو كراهة تزويق حيطان المساجد ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع المستظرفة؛ فإن الحكم يعمُّ بعموم علته، والعلةُ: الاشتغالُ عن الصلاة، وزاد بعض المالكية في هذا: كراهةَ غرس الأشجار في المساجد.
ومنها: قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال بها إليهم، والطلب لها ممن يظن به السرور به أو المسامحة.
* * *
стр. 657
باب الجمع بين الصلاتين في السفر
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاَةِ الظُّهرِ والعَصْرِ إذَا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، ويَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ (١).
تقدم ذكر ابن عباس.
ولفظ هذا الحديث للبخاري دون مسلم، وأطلق إخراجه عنهما نظرًا إلى أصل الحديث على عادة المحدثين، فإذا أرادوا التحقيق فيه، قالوا: أخرجاه بلفظه إن كان، أو بمعناه إن كان.
واعلم أن الفقهاء لم يختلفوا في جواز الجمع في الجملة، لكن أبا حنيفة ﵀ يخصه بالجمع بعرفةَ ومزدلفةَ، وتكون العلة في جوازه النسكَ لا السفرَ، والحنفيون يؤولون أحاديث الجمع بعذر السفر على [أن] المراد بها تأخيرُ الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها، وجعل بعض الفقهاء الجمع نوعين: جمع مقارنة، وجمع مواصلة، قال: فجمع المقارنة كون الشيئين في وقت واحد؛ كالأكل والقيام مثلًا؛ فإنهما يقعان في وقت واحد، وجمع المواصلة أن يقع أحدُهما عقبَ الآخر، وقصد إبطال تأويل أصحاب أبي حنيفة ﵁ بما ذكرنا؛ لأن جمع المقارنة لا يمكن في الصلاتين؛ إذ
стр. 658
لا يقعان في حالة واحدة، وأبطل جمع المواصلة -أيضًا-، وقصد إبطال تأويل الحنفيين المذكور؛ إذ لم يتنزل على شيء من النوعين، لكن الروايات الصحيحة؛ كحديث ابن عمر، وأنس، وابن عباس هذا يدل على جواز الجمع بعذر السفر، ويبطل تأويل الحنفيين، ولولا ذلك، لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع؛ لأن الأصل عدم جوازه، ووجوب إيقاع الصلاة في وقتها المحدود لها، لكن هذا الحديث دل على جواز الجمع على ظهر سير في الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وهو رخصة، وجملة ما ذكروه من التأويل يقتضي الحصر والزيادة في المشقة على المسافر، وقد صح الجمع -أيضًا- في حال النزول، فالعمل به دليل آخر على الجواز في غير صورة السير، وقيام دليلهم يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن معارضة دليل الوصف بالمفهوم من هذا الحديث؛ لأن المنطوق أرجح.
وقوله: "وكذلك المغرب والعشاء" يريد: في الجمع، وظاهره اعتبار الوصف فيهما، وهو كونه على ظهر سير.
وأجمع العلماء على أن الجمع ممتنع بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، كما أجمعوا على جواز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بمزدلفة، ومن هاهنا ينشأ نظر القياس في مسألة الجمع، فأصحاب أبي حنيفة ﵀ يقيسون الجمع المختلف فيه على الجمع الممتنع اتفاقًا، ويحتاجون إلى إلغاء الوصف الفارق بين محل النزاع ومحل الإجماع، وهو الاشتراك الواقع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما مطلقا، أو حالة العذر، وغيرهم يقيس الجواز في محل النزاع على الجواز في موضع الإجماع، ويحتاج إلى إلغاء الوصف الجامع، وهو النسك.
ثم اختلف في جواز الجمع بعذر المطر، فجوزه الشافعي وجمهور العلماء في الصلوات التي يجوز فيها الجمع، وخصه مالك بالمغرب والعشاء فقط.
وأما الجمع بعذر المرض، فمنعه الشافعي والأكثرون، وجوزه أحمد وبعض
стр. 659
الشافعية، منهم: القاضي حسين، وأبو حسين المتولي، والروياني، واختاره الطبري؛ لما ثبت في "صحيح مسلم" من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر جمعًا بالمدينة في غير خوف ولا سفر (١)، وفي رواية من حديثه أيضًا: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قال الراوي عن ابن عباس: قلت له: لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحرجَ أمته (٢).
وهو محمول عند العلماء على المرض، وقد فعله ابن عباس ﵄، وقال لمن استعجله في صلاة المغرب وقد بدت النجوم: أتعلمني بالسنة لا أمَّ لك؟! رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالتَه (٣)، وتأويلُه عندهم على المرض، وفعلُ ابن عباس، وتصديقُ أبي هريرة يدلان على أن الحديث معمول به غير منسوخ، ومن هذا المعنى المشقةُ في المرض أشدُّ من المطر.
واعلم أن الترمذي ﵀ قال في آخر كتابه في "العلل": ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع [بين الصلاتين] من غير خوف ولامطر، وحديث قتل شارب الخمر في الرابعة (٤)، أما قوله في قتل شارب الخمر، فمسلَّم، وهو منسوخ دل الإجماع
стр. 660
على نسخه، وقوله في حديث ابن عباس ممنوع بدليل من ذكرنا ممن تأوله وعمل به، والله أعلم.
وأما الجمع للحاجة في الحضر من غير اتخاذه عادة، فجوزه ابن سيرين، وأشهبُ من أصحاب مالك، والقفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وحكاه الخطابي عنه عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، وهو ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرجَ أمته، ولم يعلله بمرض ولا غيره، والله أعلم.
واعلم أن جمع التقديم ثابت بين الظهر والعصر بعرفة، وجمع التأخير ثابت بين المغرب والعشاء بمزدلفة، وتقدم الاختلاف في علة جوازه، هل هو النسك أو السفر؟ وتظهر فائدة الخلاف بين أهل مكة وما حولها والغرباء، فمن علل بالنسك، جوزه لجميع الناس المقيمين والغرباء، ومن علل بالسفر، جوزه للغرباء دون المقيمين ومَنْ في معناهم، ثم الجمعُ بعذر السفر هل يجوز في كل سفر، أم يختص بالطويل؟ الصحيح أنه لا يجوز في القصير، كما لا يجوز فيه القصر، ويجوز في الطويل بلا خلاف، والطويل ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، وهو مرحلتان معتدلتان، والقصير دون ذلك، وفوق مسافة العدوى، وهي أن يستعدي على خصمه ويرجع إلى وطنه في يومه، والأفضل لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إليها، ولمن هو سائر في وقت الأولى ويعلم أنه ينزل قبل خروج وقت الثانية أن يؤخر الأولى إلى الثانية، ولو خالف فيهما، جاز، وكان تاركًا للأفضل، وشرط الجمع في وقت الأولى أن يقدمها، وينوي الجمع قبل فراغه من الأولى، وألَّا يفرق بينهما، فإذا أراد الجمع في وقت الثانية، وجب أن ينويه في وقت الأولى، ويكون قبل ضيق وقتها، بحيث يبقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة فأكثر، فإن أخرها بلا نية، عصى، وصارت قضاء، وإذا أخرها بالنية، استحب أن يصلي الأولى أولًا، وأن ينوي الجمع، وألَّا يفرق بينهما، ولا يجب شيء من ذلك.
стр. 661
وأما الجمع بعذر المطر، فشرط جوازه أن يمشي إلى الجماعة في غير كِنٍّ؛ بحيث يلحقه بلل المطر، ولا يجوز لغيره على الأصح من الوجهين، وشرطه -أيضًا- أن يكون في وقت الأولى عند الإحرام بها، والفراغ منها، وافتتاح الثانية، ولا يجوز الجمع في المطر في وقت الثانية، على أصح الوجهين؛ لعدم الوثوق باستمراره إليها.
* * *
стр. 662
باب قصر الصلاة في السفر
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَحِبْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذِلِكِ (١).
هذا لفظ رواية البخاري، ولفظ رواية مسلم أطول وأبسط وأزيد، فليعلم ذلك.
وتقدم ذكر ابن عمر.
القَصْر: رد الرباعية إلى ركعتين، ويقال: قصر الصلاة وقصَّرها -مخففًا ومثقلًا-، وحكى الواحدي في "الوسيط" (٢): أقصرها -رباعيًّا- ثلاث لغات، وبالتخفيف جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، والمصدر منها القَصْر والتقصير، والقياس من الثالثة الإقصار، والله أعلم (٣).
واعلم أن الصلاة كانت فرضيتها ركعتين ركعتين مدة شهر من قدومه ﷺ المدينة، وكانوا يتنفلون، فرآهم ﷺ فقال: "يا أيها الناس! اقبلوا فريضة الله"،
стр. 663
فأقرت صلاة المسافر، وزيدت في صلاة المقيم (١).
وقوله: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" لا شك أن مذهب ابن عمر ﵄ عدم التنفل في السفر، حتى لو قال: لو كنت متنفلًا، لأتممت، فحينئذ قوله: "فكان لا يزيد على ركعتين" يحتمل أن يكون ذكره دليلًا على عدم التنفل وقصر الصلاة، فلا يزيد على ركعتين في الرباعية، ولا يتنفل قبلها ولا بعدها، ويحتمل أنه أراد عدم التنفل فقط، ويكون ذكر قصر الصلاة لازمًا لذلك، وقد وردت أحاديث يدل سياقها على أنه أراد ذلك، والظاهر الذي يفهم منه أنه أراد عدم زيادة في الفرض على ركعتين وترك الإتمام؛ حيث أتم جماعة من الصحابة ﵃ الصلاة في السفر، فذكر ذلك دليلًا عليهم، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان في ذلك، مع أن الحجة قائمة بفعل رسول الله ﷺ ؛ ليبين أن ذلك كان معمولًا به عند الأئمة، لم يتطرق إليه نسخ ولا معارضة راجحة، وقد فعل ذلك جماعة من الأئمة في استدلالهم؛ كمالك وغيره، والله أعلم.
واعلم أن القصرَ في السفر الطويل والإتمامَ جائزان بالإجماع، واختلف العلماء في أن الأفضل القصر أو الإتمام؟ فذهبَ مالكٌ والشافعي وأحمد وأكثرُ العلماء على أن القصر أفضل، وللشافعي قول: أن الإتمام أفضل؛ قياسًا على قوله: إن الصوم في السفر أفضل، ولأصحابه وجه: أنهما سواء.
وقال أبو حنيفة وجماعة: القصر واجب، ولا يجوز الإتمام.
والحجة عليهم ما ثبت في "صحيح مسلم" وغيره أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض (٢)، وبأن عثمان كان أمير
стр. 664
المؤمنين، وعائشة كانت أمهم، وأتما الصلاة في السفر، فلو كان القصر واجبًا، لما أقر النبي ﷺ من أتم من الصحابة معه في السفر عليه، ولَما فعله عثمان وعائشة، فدل على جوازه، وأنهم أخذوا بأحد الجائزين، وتركوا الأفضل؛ لمعان اقتضت ذلك في اجتهادهم، لا أنهم تركوا الواجب وما أقر النبي ﷺ الصحابة في حياته عليه، والله أعلم.
والحجة على أن القصر أفضلُ من الإتمام مواظبةُ النبي ﷺ عليه في السفر، وقال بعض العلماء بوجوبه فيه كما تقدم تبيينه قريبًا، بخلاف الصوم؛ فإنه ﷺ لم يواظب عليه في السفر، ولم يقل أحد بوجوبه في السفر -أيضًا-، ولأنه إذا أفطر فيه، خرج به عن وقته، ووجب قضاؤه، والقصر لا يخرج الصلاة عن وقتها، بل يأتي بالصلاة في وقتها المشروع، إما منفردة، أو جمعًا، وقد تقدم في الباب قبله حدُّ السفر الطويل والقصير.
قال الشافعي ومالك وأصحابهما، والليث، والأوزاعي، وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم: لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين، وهي ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شعرات معترضات معتدلات.
وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل، وروي عن عثمان، وابن مسعود، وحذيفة.
وقال داود وأهل الظاهر: يجوز في السفر الطويل والقصير، حتى لو كان ثلاثة أميال، قصر.
ثم مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعض السلف كونَه سفرَ خوف، وبعضهم كونَه سفرَ حج أو عمرة أو غزو، وبعضهم كونَه سفرَ طاعة، وجوزه أبو حنيفة والثوري في سفر المعصية، ومنعه الشافعي، ومالك، وأحمد والأكثرون.
стр. 665
قال أصحاب الشافعي ﵏: العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، والعاصي في سفره يترخص، والله أعلم.
ولا تجوز صلاة الفرض في حال من الأحوال ركعة واحدة، وجوزه في الخوف جابر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وإسحاق بن راهويه، مستدلين بما ثبت في "صحيح مسلم" عن ابن عباس ﵄ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (١)، وخالف ذلك الشافعي ومالك والجمهور، وقالوا: صلاة الخوف كصلاة الآمن في عدد الركعات، فإن كانت في الحضر، وجب أربع ركعات، وإن كانت في السفر، وجب ركعتان، ولا يجوز الاقتصار على ركعة واحدة في حال من الأحوال، وتأولوا حديث ابن عباس هذا على أن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردًا كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ وأصحابه في الخوف، وهذا التأويل لا بد منه للجمع بين الأدلة، والله أعلم.
* * *
стр. 666
باب الجمعة
- بضم الميم، وإسكانها، وفتحها-، ووجه بعضهم الفتح بأنها تجمع الناس، ويكثرون فيها، كما يقال: هُمَزَة ولُمَزَة؛ لكثرة الهمز واللمز، سميت جمعة لاجتماع الناس، وكان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة، وجمعها: جمعات وجمع (١).
* * *
الحديث الأول
عَن سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيٍّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى المِنبرِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أَصْل المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاَته، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا صنَعْتُ هَذَا لِتأْتَمُّوا بِي وَلِتعَلَّمُوا صَلاَتي" وفي لفظ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كبَّرَ وَهُوَ عَلَيْها، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى (٢).
وجهُ دخول هذا الحديث في باب الجمعة أن فعلَه ﷺ للصلاة على الوجه
стр. 667
المذكور، وعلته إنما كان ليأتموا به وليعلموا صلاته، وهذا المقصود في الجمعة أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم.
واعلم أن أول جمعة جمعت بعد قدومه ﷺ المدينة في بني سالم بن عوف بأربعة أيام.
وأما سهل بن سعد: فكنيته أبو العباس بنُ سعدِ بنِ مالكِ بنِ خالدِ بنِ ثعلبةَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ الخزرجِ بنِ ساعدةَ بنِ كعبِ بن الخزرج، الأنصاريُّ، المدنيُّ، كان اسمه حَزْنًا، فسماه النبي ﷺ سَهْلاَ، وقال ﵁: توفي النبي ﷺ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة.
رُوى عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد عشر، وروى عنه الزهريّ، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأُبي بنُ العباس بن سهل بن سعد، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات بالمدينة بلا خلاف سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئة سنة، وهذا لا يصح؛ لأنه كان عمره قبل الهجرة خمس سنين، فيقتضي أن يكون يوم موته ابن ست وتسعين، إلا على ما روي أن عمره يوم الملاعنين كان خمسَ عشرة سنة، فيصح أن عمره يوم مات مئة سنة، وقيل في يوم وفاته غير هذا، والله أعلم.
قال بعضهم: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقًا، وليس بصحيح؛ فإن آخرهم موتًا أبو الطفيل عامر، بل الصواب أن آخرهم موتًا بالمدينة كما روي عن ابن عيينة قال: قال أبو حازم سلمة بن دينار: كان سهل بن سعد آخرَ من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ يعني: بالمدينة، كما أن آخرهم موتًا بالبصرة أنس بن مالك ﵃.
وأما الساعدي: فنسبته إلى بني ساعدة بطنٍ من الأنصار الخزرجيين، والله أعلم (١).
стр. 668
وأما المنبر: فهو بكسر الميم، مشتق من النبر، وهو الارتفاع، ولا شك أن منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات، إحداها المقام، وهو الذي قام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة.
وقوله: "ثم رفع" وهو بالفاء؛ أي: رفع رأسه من الركوع.
وقوله: "فنزل" أصل موضوع الفاء للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، والمراد النزول: بعد رفعه من الركوع.
وقوله: "القهقرى" هو المشي إلى خلف، وإنما فعل ذلك لئلا يستدبر القبلة.
وقوله: "حتى سجدَ في أصلِ المنبر"؛ أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى.
وقوله ﷺ : "ولتعلَّموا صلاتي" هو بفتح العين واللام المشددة؛ أي: تتعلموا؛ بين ﷺ أن صعوده المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم؛ ليرى جميعهم أفعاله ﷺ ، بخلاف ما كان على الأرض؛ فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن قربَ منه.
وقوله: "وفي لفظ: صلَّى عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها" الضمير في عليها في المواضع الثلاثة عائد إلى الدرجة الثالثة، وهي أعلى المنبر، وهي بعض من المنبر، وإن لم يكن لها ذكر؛ لدلالة المعنى عليها.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: استحباب اتخاذ المنبر.
ومنها: استحباب كون الخطيب ومَنْ في معناه على مرتفَع من الأرض؛ كمنبر أو كرسي ونحوهما.
ومنها جواز الفعل القليل في الصلاة.
стр. 669
ومنها: أن الخطوتين لا تبطل الصلاة، ولكن الأولى ترك الخطوة والخطوتين وغيرهما من أفعال إلا لحاجة، فإن كان لحاجة، فلا كراهة فيه كما فعل ﷺ .
ومنها: أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل الصلاة؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر، فجملته كثيرة، وأفراده متفرقة كل واحد منهما قليل.
ومنها: جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين لقصد التعليم بلا كراهة، بل هو مستحب، وكذلك حكم ارتفاع المأموم على الإمام لقصد إعلام المأمومين بصلاة الإمام، وإن لم يقصد شيئًا من ذلك، فهو مكروه، وزاد أصحاب مالك: إن قصد بذلك التكبر، بطلت صلاته.
ومنها: أنه ينبغي للكبير أو الإمام أو العالم إذا فعل شيئًا يخالف المعتاد أن يبين حكمه لأصحابه؛ ليزيل الريبة عنهم، ولأنه أبلغ في فهمهم.
ومنها: استحباب قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة؛ فإن ذلك لا يقتضي القدح والتشريك في العبادة، بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم إقامة الصلاة أو الجماعة لقصد التعليم، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَاءَ مِنكمُ الجُمُعَةَ فَليغتسِلْ" (١).
تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله ﷺ : "مَن جاء منكمُ الجمعةَ" المراد بالمجيء إرادتُه، بدليل قوله ﷺ في رواية في "صحيح مسلم": "إِذَا أرَادَ أَحَدُكُمُ أَنْ يَأتِيَ الجُمُعَةَ" (٢)، وفي معنى إرادة المجيء قصدُ الشروع في المجيء.
стр. 670
وقوله ﷺ : "فليغتسلْ" الفاء للتعقيب، واشترط مالك ﵀ اتصالَ الغسل بالرواح؛ لتعلقه بالأمر بالمجيء إلى الجمعة، لكنه قد تبين أن المراد إرادتُه أو قصدُه، وأبعدَ داودُ الظاهري، وجعل الغسل متعلقًا باليوم فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة حصلت مشروعية الغسل، مستدلًا بقوله ﷺ في "الصحيح": "لو اغتسلْتُمْ ليومِكُم" (١)، وقوله: "غسلُ يومِ الجمعة" (٢)، وقوله: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، فعلقه، وأضافه إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فدل على أنه مشروع لليوم، لا لتعين المجيء، لكنه قد تبين المقصود من الغسل، وبيان سبب شرعيته في الأحاديث الصحيحة، وهو إزالة الروائح الكريهة والوسخ؛ لعدم إيذاء الناس والملائكة، وكذلك أبعدَ من قدَّم جوازَه على يوم الجمعة؛ بحيث لا يحصل المقصود من إزالة ما ذكر والنظافة لم يعتد به، والمعنى إذا كان معلومًا من الشرع بالقطع؛ كالنص، أو بالظن الراجح المقارن للنص، فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل المعنى معقولًا، وتفاصيله تحتمل التعبد، فلا شك أنه محل نظر، ولا شك أن الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر بالمجيء أو الإتيان قد دلت على تعلق الأمر بهذه الحالة المطلوبة من النظافة وإزالة الوسخ، والأحاديث التي تدل على تعليقه باليوم لا تتناول تعليقه بها، فهو إذا تمسك بها أبطل دلالة الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر بالحالة المطلوبة، وليس له ذلك، ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة، لم يبطل ما استدل به، وعملنا بمجموع الأحاديث.