باب الجمعة
- بضم الميم، وإسكانها، وفتحها-، ووجه بعضهم الفتح بأنها تجمع الناس، ويكثرون فيها، كما يقال: هُمَزَة ولُمَزَة؛ لكثرة الهمز واللمز، سميت جمعة لاجتماع الناس، وكان يقال ليوم الجمعة في الجاهلية: العروبة، وجمعها: جمعات وجمع (١).
* * *
الحديث الأول
عَن سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيٍّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى المِنبرِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، ثُمَّ رَفَعَ فنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أَصْل المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاَته، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا صنَعْتُ هَذَا لِتأْتَمُّوا بِي وَلِتعَلَّمُوا صَلاَتي" وفي لفظ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كبَّرَ وَهُوَ عَلَيْها، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى (٢).
وجهُ دخول هذا الحديث في باب الجمعة أن فعلَه ﷺ للصلاة على الوجه
стр. 667
المذكور، وعلته إنما كان ليأتموا به وليعلموا صلاته، وهذا المقصود في الجمعة أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم.
واعلم أن أول جمعة جمعت بعد قدومه ﷺ المدينة في بني سالم بن عوف بأربعة أيام.
وأما سهل بن سعد: فكنيته أبو العباس بنُ سعدِ بنِ مالكِ بنِ خالدِ بنِ ثعلبةَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ الخزرجِ بنِ ساعدةَ بنِ كعبِ بن الخزرج، الأنصاريُّ، المدنيُّ، كان اسمه حَزْنًا، فسماه النبي ﷺ سَهْلاَ، وقال ﵁: توفي النبي ﷺ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنة.
رُوى عن رسول الله ﷺ مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد عشر، وروى عنه الزهريّ، وأبو حازم سلمة بن دينار، وأُبي بنُ العباس بن سهل بن سعد، وغيرهم، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات بالمدينة بلا خلاف سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئة سنة، وهذا لا يصح؛ لأنه كان عمره قبل الهجرة خمس سنين، فيقتضي أن يكون يوم موته ابن ست وتسعين، إلا على ما روي أن عمره يوم الملاعنين كان خمسَ عشرة سنة، فيصح أن عمره يوم مات مئة سنة، وقيل في يوم وفاته غير هذا، والله أعلم.
قال بعضهم: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقًا، وليس بصحيح؛ فإن آخرهم موتًا أبو الطفيل عامر، بل الصواب أن آخرهم موتًا بالمدينة كما روي عن ابن عيينة قال: قال أبو حازم سلمة بن دينار: كان سهل بن سعد آخرَ من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ يعني: بالمدينة، كما أن آخرهم موتًا بالبصرة أنس بن مالك ﵃.
وأما الساعدي: فنسبته إلى بني ساعدة بطنٍ من الأنصار الخزرجيين، والله أعلم (١).
стр. 668
وأما المنبر: فهو بكسر الميم، مشتق من النبر، وهو الارتفاع، ولا شك أن منبر النبي ﷺ كان ثلاث درجات، إحداها المقام، وهو الذي قام عليها رسول الله ﷺ في الصلاة.
وقوله: "ثم رفع" وهو بالفاء؛ أي: رفع رأسه من الركوع.
وقوله: "فنزل" أصل موضوع الفاء للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، والمراد النزول: بعد رفعه من الركوع.
وقوله: "القهقرى" هو المشي إلى خلف، وإنما فعل ذلك لئلا يستدبر القبلة.
وقوله: "حتى سجدَ في أصلِ المنبر"؛ أي: على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى.
وقوله ﷺ : "ولتعلَّموا صلاتي" هو بفتح العين واللام المشددة؛ أي: تتعلموا؛ بين ﷺ أن صعوده المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم؛ ليرى جميعهم أفعاله ﷺ ، بخلاف ما كان على الأرض؛ فإنه لا يراه إلا بعضهم ممن قربَ منه.
وقوله: "وفي لفظ: صلَّى عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها" الضمير في عليها في المواضع الثلاثة عائد إلى الدرجة الثالثة، وهي أعلى المنبر، وهي بعض من المنبر، وإن لم يكن لها ذكر؛ لدلالة المعنى عليها.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: استحباب اتخاذ المنبر.
ومنها: استحباب كون الخطيب ومَنْ في معناه على مرتفَع من الأرض؛ كمنبر أو كرسي ونحوهما.
ومنها جواز الفعل القليل في الصلاة.
стр. 669
ومنها: أن الخطوتين لا تبطل الصلاة، ولكن الأولى ترك الخطوة والخطوتين وغيرهما من أفعال إلا لحاجة، فإن كان لحاجة، فلا كراهة فيه كما فعل ﷺ .
ومنها: أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل الصلاة؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر، فجملته كثيرة، وأفراده متفرقة كل واحد منهما قليل.
ومنها: جواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين لقصد التعليم بلا كراهة، بل هو مستحب، وكذلك حكم ارتفاع المأموم على الإمام لقصد إعلام المأمومين بصلاة الإمام، وإن لم يقصد شيئًا من ذلك، فهو مكروه، وزاد أصحاب مالك: إن قصد بذلك التكبر، بطلت صلاته.
ومنها: أنه ينبغي للكبير أو الإمام أو العالم إذا فعل شيئًا يخالف المعتاد أن يبين حكمه لأصحابه؛ ليزيل الريبة عنهم، ولأنه أبلغ في فهمهم.
ومنها: استحباب قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة؛ فإن ذلك لا يقتضي القدح والتشريك في العبادة، بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم إقامة الصلاة أو الجماعة لقصد التعليم، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَاءَ مِنكمُ الجُمُعَةَ فَليغتسِلْ" (١).
تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله ﷺ : "مَن جاء منكمُ الجمعةَ" المراد بالمجيء إرادتُه، بدليل قوله ﷺ في رواية في "صحيح مسلم": "إِذَا أرَادَ أَحَدُكُمُ أَنْ يَأتِيَ الجُمُعَةَ" (٢)، وفي معنى إرادة المجيء قصدُ الشروع في المجيء.
стр. 670
وقوله ﷺ : "فليغتسلْ" الفاء للتعقيب، واشترط مالك ﵀ اتصالَ الغسل بالرواح؛ لتعلقه بالأمر بالمجيء إلى الجمعة، لكنه قد تبين أن المراد إرادتُه أو قصدُه، وأبعدَ داودُ الظاهري، وجعل الغسل متعلقًا باليوم فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة حصلت مشروعية الغسل، مستدلًا بقوله ﷺ في "الصحيح": "لو اغتسلْتُمْ ليومِكُم" (١)، وقوله: "غسلُ يومِ الجمعة" (٢)، وقوله: "لو اغتسلتم يوم الجمعة"، فعلقه، وأضافه إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فدل على أنه مشروع لليوم، لا لتعين المجيء، لكنه قد تبين المقصود من الغسل، وبيان سبب شرعيته في الأحاديث الصحيحة، وهو إزالة الروائح الكريهة والوسخ؛ لعدم إيذاء الناس والملائكة، وكذلك أبعدَ من قدَّم جوازَه على يوم الجمعة؛ بحيث لا يحصل المقصود من إزالة ما ذكر والنظافة لم يعتد به، والمعنى إذا كان معلومًا من الشرع بالقطع؛ كالنص، أو بالظن الراجح المقارن للنص، فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل المعنى معقولًا، وتفاصيله تحتمل التعبد، فلا شك أنه محل نظر، ولا شك أن الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر بالمجيء أو الإتيان قد دلت على تعلق الأمر بهذه الحالة المطلوبة من النظافة وإزالة الوسخ، والأحاديث التي تدل على تعليقه باليوم لا تتناول تعليقه بها، فهو إذا تمسك بها أبطل دلالة الأحاديث التي دلت على تعلق الأمر بالحالة المطلوبة، وليس له ذلك، ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة، لم يبطل ما استدل به، وعملنا بمجموع الأحاديث.
стр. 671
واللام في قوله: "فَلْيغتسلْ" للأمر، ولكن جمهور العلماء من السلف والخلف على أنها للندب، قال القاضي عياض: وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه (١)، وإن كان ظاهر الأمر للوجوب، وقد ثبت التصريح به في قوله ﷺ : "غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ" (٢)، وهذا الذي حمل طائفة من السلف وبعض الصحابة وبعض التابعين، ومالك في رواية عنه، وأهل الظاهر إلى القول بوجوبه؛ عملًا بظواهر الأمر والأحاديث المروية فيه، واحتج الجمهور الذين قالوا بالندب بأحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم في "صحيحه": أن رجلًا دخلَ وعمرُ يخطبُ، وهو عثمانُ بنُ عفان، وقد ترك الغسلَ، وأقره عمرُ والصحابة على ذلك (٣)، وهم أهلُ الحل والعقد، مع أن تركَ عثمانَ ﵁ حجةٌ في عدم الوجوب بمجرده، فلو كان واجبًا، لألزموه، ولما تركه، ومنها ما ثبت صحيحًا في السنن: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ تَوَضَّأَ، فَبِها وَنِعْمَتْ، ومَنِ اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ" (٤)، ففيه دليلان: الندب، وعدم الوجوب، ومنها رواية في "صحيح مسلم"، وهي قوله ﷺ : "لو اغتسلتمْ يومَ الجمعة" (٥)، وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب؛ لأن التقدير: لو اغتسلتم، لكان أفضلَ وأكملَ، وتأولوا صيغةَ الأمر على الندب، وصيغةَ الوجوب على التأكيد في قوله ﷺ : "واجبٌ على كل محتلم"، وضعف هذا التأويل؛ فإن المراد بالمحتلم البالغ، كما أن المراد بالحائض في قوله ﷺ : "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخمارٍ" (٦): من
стр. 672
بلغت سن الحيض، لا وجوده، والوجوب شرعًا المنع من الترك، وحمله على الندب أو تأكيد النفل خلافُ الظاهر إذا لم يعارضه دليلٌ آخر، فحينئذ يكون الجمع بين الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالُها أولى من إلغائها، خصوصًا إذا أمكن الجمع بوجه سائغ. والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: "صَلَّيْتَ يا فُلانُ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ" (١).
تقدم الكلام على جابر.
والرجل المبهم هو معين في رواية في "صحيح مسلم" (٢)، وهو سُلَيْكٌ الغَطَفاني، وقال الخطيب في "المبهمات" وغيره: وقيل: هو النعمان بن قوقل، والأول هو المشهور (٣).
وهذا الحديث حجة لمن يقول باستحباب تحية المسجد لمن دخله والإمامُ يخطب، وهو مذهب الشافعي، وأحمدَ، وإسحاقَ، وفقهاء المحدثين، وقال به الحسن البصري وغيره من المتقدمين، وغير هذا الحديث أصرحُ في الدلالة، وهو ما ثبت في "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال ﷺ بعد أمره لسليك: "قم فاركعْ ركعتين وتجوَّزْ فيهما"، ثم قال: "إذا جاءَ أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطبُ، فليركعْ ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما" (٤).
стр. 673
وقال مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وهو مروي عن عمر وعثمان: لا يصليهما؛ لوجوب الاشتغال بالإنصات للخطبة بقوله ﷺ : "إذا قلتَ لصاحبِكَ والإمامُ يخطبُ: أنصتْ، فقد لَغَوْتَ" (١).
قالوا: فإذا منع من الكلمة، وهي: أنصت، مع كونها أمرًا بمعروف ونهيًا عن منكر في زمن يسير، فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين في زمن طويل من باب الأولى.
واعتذروا عن الأحاديث المذكورة من أمره للرجل الداخل أنه مخصوص به؛ لأنه كان فقيرًا، فأريد قيامه لتستشرفه العيون، ويتصدق عليه، وأيدوا ذلك بأمره ﷺ له بالقيام؛ لأن ركعتي التحية تفوت بالجلوس، وقد تمَّ، وبأن الحديث المذكور خبر واحد، والمالكية تقدم عملَ أهل المدينة عليه، ويرون العمل به أولى من خبر الواحد، والحنفية ترده فيما تعم البلوى به.
والجواب عن ذلك بأن التخصيص على خلاف الأصل يبعد الحمل عليه مع صيغة العموم في قوله ﷺ : "إذا جاء أحدُكم الجمعةَ والإمامُ يخطب"؛ فإنه تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا الرجل، ومذهبُ المالكية معروف في رد خبر الواحد بعمل أهل المدينة، [ومذهب] الحنفية معروف -أيضًا- في رده بما تعم به البلوى، وبالقياس الجلي في كتب أصول الفقه.
وأما الجلوس قبل أن يركعهما، فمكروه للعالم بأنها سنة، وأما الجاهل، فيستحب له تداركها على قرب، ولا تسقط بمجرد الجلوس، ولا بالنسيان إذا ذكرها على قرب، والاشتغال بالركعتين للداخل مستثنى من عموم الأمر بالإنصات للخطبة، والله أعلم.
стр. 674
وقال الإمام أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم" (١): وذهب بعض المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجمع بين الأمرين، فخير الداخل بين الركوع وتركه، وهو قول من تعارض عنده الخبر والعمل، والله أعلم.
وفي هذا الحديث:
جواز تأخير المجيء إلى الجمعة والإمام يخطب على المنبر.
وفيه: جواز الكلام للخطيب في الخطبة لحاجة التعليم ونحوه.
وفيه: جواز جوابه للمستمع وغيره.
وفيه: الأمر بالمعروف، والإرشاد إلى المصالح في كل حال وموطن.
وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل حكمها.
وفيه: أن تحية المسجد ونوافل النهار ركعتان.
وفيه: أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس في حق الجاهل. وقد أطلق أصحاب الشافعي فواتها بالجلوس، وهو محمول على من طال جلوسه كما ذكرنا عالمًا بأنها سنة.
وقد يستنبط منه أن تحية المسجد وغيرها من الصلوات ذوات الأسباب المباحة لا تكره في وقت من الأوقات، وكذلك كل ذات سبب واجب؛ كقضاء فائتة ونحوه؛ لأنها لو سقطت في حال من الأحوال، لكان حال استماع الخطبة أولى بالسقوط، فلما لم تترك في حال هو واجب، وتركه محرم، وقطعت الخطبة من أجله، وأمره بفعله بعد أن قعد؛ لجهله بحكمها، دل على تأكدها، وأنها لا تترك بحال، ولا في وقت من الأوقات، وباقي الصلوات ذوات الأسباب يقاس عليها، والله أعلم.
* * *
стр. 675
الحديث الرابع
عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَاِئمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ (١).
أما جابر هذا، فهو ابن سَمُرَةَ، كذا هو مبين في "صحيح مسلم".
قال ابن حِبان: ولأبيه سمرةَ صحبةٌ، واختلف في اسم جده، فقيل: جُنادة بن جُندب، وقيل: عمرو بن جُندب، وهو سُوائي من بني سُواءة حليف بني زهرة.
كنية جابر هذا: أبو عبد الله، وقيل: أبو خالد، وأمه خلدة بنت أبي وقاص أخت سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، سكن الكوفة، روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وستة وأربعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين، روى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، مات سنة ست وستين أيامَ المختار.
وقال أبو حاتم بن حبان: توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين في ولاية بشر ابن مروان على العراق، وصلى عليه عمرو بن حُريث، وحديثه عند أهل الكوفة، هذا آخر كلامه، وروى له أصحاب السنن والمساند (٢).
стр. 676
أما الخطبة -بضم الخاء-، فهي الكلام المؤلف المتضمن وعظًا وإبلاغًا، خطَب يخطُب -بضم الخاء- خِطابًا بكسر الخاء (١).
وفي هذا الحديث دليل على ثلاث مسائل في الخطبة:
الأولى: اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة، وهو مذهب الشافعي والأكثرين، قال القاضي عياض: وإليه ذهب عامة العلماء، وقال الحسن البصري، وأهل الظاهر، وابن الماجشون عن مالك: إنها تصح بلا خطبة، وفي دليل اشتراطهما نظر؛ من حيث إنهم استدلوا عليه بفعل النبي ﷺ لهما مع قوله ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أُصلي" (٢)، وذلك يتوقف على أن تكون إقامة الخطبتين داخلًا تحت كيفية الصلاة، وإذا لم يكن كذلك، لم يبق الاستدلال عليه إلا بمجرد الفعل.
الثانية: اشتراط القيام فيهما، ولا يصح من القاعد، قال ابن عبد البر: إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن أطاقه.
وقال أبو حنيفة: يصح قاعدًا، والقيام ليس بواجب.
وقال مالك: وهو واجب لو تركه أساء وصحت الجمعة.
والذي ذهب إليه الشافعي والأكثرون اشتراطه، وفي دليله من النظر ما ذكرنا في المسألة الأولى.
الثالثة: اشتراط الجلوس بينهما، وأنه فرض من فروضها، قال الطحاوي: لم يقل هذا غير الشافعي (٣)، وقال مالك، وأبو حنيفة، والجمهور: الجلوس بين
стр. 677
الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط، وفي دليل الاشتراط والفرضية من النظر ما ذكرنا، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ، يَوْمَ الجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" (١).
قوله: "أنصت" معناه: اسكت، وقد ثبت في "صحيح مسلم" أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أتى الجمعةَ فاستمعَ وأنصتَ" (٢)، فجعلهما شيئين متمايزين، ولا شك أن الاستماع الإصغاءُ، والإنصات السكوتُ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، يقال: أنصتَ ونَصَتَ وانتصت، ثلاث لغات حكاهن الأزهري في "شرح ألفاظ مختصر المزني" (٣).
وقوله: "فقد لغوت" يقال: لغا يلغو، ولغي يلغى، بالواو والياء في المضارع، وظاهر القرآن يقتضي لغة الياء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقد لغوت ولغيت، وهما روايتان في "صحيح مسلم" (٤).
واللغو واللغي: رديء الكلام وكل ما لا خير فيه، وقد يطلق على الخيبة
стр. 678
أيضًا، وقيل: معناه: ملت عن الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي (١).
ومعنى الحديث: النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة، ونبه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال: أنصت، وهو في الأصل أمر بمعروف، وسماه لغوًا، فغيره من الكلام أولى، وطريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه، فإن تعذر فهمه، فلينهه بكلام مختصر، ولا يزيد على أقل ممكن.
ولا شك أن الحديث دليل على طلب الإنصات في الخطبة، والناس في ذلك على قسمين:
أحدهما: من يسمع الخطبة، وهؤلاء ضربان: ضرب لا تصح الجمعة إلا بهم، وهم أربعون أو أقل أو أكثر على قدر الاختلاف فيهم، فهؤلاء يجب عليهم الاستماع بلا شك، وضرب تصح الجمعة بدونهم وهم يسمعون، فهؤلاء يجب عليهم -أيضًا- عند مالك، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد قوليه في الحديث، وأحمد في المشهور من روايته، وعامة العلماء، مع اتفاقهم على أن الكلام في هذا الضرب مكروه كراهة تنزيه، لكن الاختلاف في التحريم، والذي يقتضيه الدليل التحريم، وهو الراجح عند أكثر العلماء، وحكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف: أنه لا يجب إلا إذا تلا الخطيب فيها القرآن.
القسم الثاني: من لا يسمع الخطبة أصلًا، قال القاضي عياض وغيره: اختلف العلماء فيه، هل يجب عليه السكوت؛ كما لو كان يسمع؟ قال الجمهور: يلزمه؛ لأنه إذا تكلم، يهوش على السامعين، ويشغلهم عن الاستماع، وقال النخعي وأحمد، والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولكن يستحب له.
وأما الإنصات بين خروج الإمام والخطبة، فقال به أبو حنيفة، قال: يجب الإنصات بخروج الإمام، وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب، والله أعلم.
стр. 679
ولا شك أن الإنصات والإمام يخطب يُستدل له من عموم الحديث على من سمعه ومن لم يسمعه من غير تقييد، حتى استدلت به المالكية على عدم تحية المسجد من حيث إن الأمر بالإنصات أمر بمعروف، وأصله الوجوب، فإذا منع منه مع قلة زمانه وقلة انشغاله، فلأن يمنع الركعتان مع كونهما سنة وطول الاشتغال بهما أولى، وقد تقدم ذلك، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأنَما قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيةِ، فَكَأنمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرابِعَةِ، فكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في الساعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ، حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" (١).
أما الرواح لغة: فهو الذهاب أول النهار وآخره، قال الأزهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل، والمراد به في الحديث الذهابُ أول النهار (٢)، وادعى مالك والقاضي حسين وإمام الحرمين من أصحاب الشافعي: أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، وقالوا: هذا معناه في اللغة بناء على أن الساعات المذكورة في الحديث عندهم لحظات لطيفة، لا الساعات التي هي من طلوع الفجر أو طلوع الشمس، وقد اختلف في ذلك، والصحيح عند العلماء أنه من طلوع الفجر، وقد قال ﷺ : "يومُ الجمعة اثنتا عشرةَ ساعةً" (٣)، فجعل الساعات عبارة عن جميع اليوم، لا عن اللحظات
стр. 680
اللطيفة، مع أن لفظة راح محتملة لمجرد السير أيَّ وقت كان، كما صرح به الأزهري، وأوله مالك في السعي على مجرد السير.
وقوله: "فكأنما قَرَّبَ بدنةً" معنى قرب: تصدَّق، وأما البدنة، فقال جمهور أهل اللغة وجماعة من الفقهاء: تقع على الواحد من الإبل والبقر والغنم، سميت بذلك؛ لعظم بدنها، وخصها جماعة بالإبل، وهو المراد بالحديث اتفاقا؛ لأنها قوبلت فيه بالبقرة والكبش (١)، وادعى بعض الفقهاء من الشافعية أن استعمال البدنة في الإبل أغلبُ، وبنى على ذلك أنه لو قال: لله علي أن أضحي ببدنة، ولم يقيد بالإبل لفظًا ولا نية، والإبل موجودة، هل يتعين؟ فيه وجهان:
أحدهما: التعين؛ لأن لفظة البدنة مخصوصة بالإبل، أو غالبة فيه، فلا يعدل عنه.
والثاني: أنه يقوم مقامها بقرة، أو سَبْع من الغنم؛ حملًا على ما علم من الشرع من إقامتها مقامها، والأول أقرب.
فإن لم يوجد الإبل ففيه وجهان:
أحدهما: يصبر إلى أن توجد.
والثاني: تقوم مقامها البقرة.
واعلم أن البدنة والبقرة تطلقان على الذكر والأنثى باتفاقهم، والهاء فيهما للوحدة؛ كقمحة وشعيرة ونحوهما من أفراد الجنس، وأما البقرة، فسميت بها؛ لأنها تبقر الأرض؛ أي: تشقها بالحراثة، والبَقْر: الشقُّ، ومنه قولهم: بقر بطنه، أي: شقه، ومنه سمي محمد الباقر ﵁؛ لأنه بقر العلم، ودخل فيه مدخلًا بليغًا، ووصل منه غاية مرضية.
стр. 681
وقوله ﷺ : "كبشا أقرنَ" ووصفه بالأقرن لكماله به وحسن صورته، ولأنه ينتفع به.
والدجاجة -بكسر الدال وفتحها- لغتان مشهورتان، وتقع على الذكر والأنثى.
وقوله ﷺ : "فإذا خرجَ الإمامُ، حضرتِ الملاتكةُ يستمعون الذِّكر" يقال: حضرت -بفتح الضاد وكسرها- لغتان، الفتح أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨].
ومقتضى الحديث خروجُ الإمام بعد الساعة الخامسة، وتطوي الملائكة الصحف لاستماع الذكر، وخروج الإمام إنما يكون بعد الساعة السادسة على ما بينا أن المراد بالساعات الزمانية التي يومها اثنتا عشرة ساعة، أما إذا جعلنا المراد منها اللحظات بعد الزوال، أو جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل السابقين، فلا يلزم هذا الاقتضاء، والإشكال عليه، والمراد بهؤلاء الملائكة: غير الحفظة، ووظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، واستماعهم للذكر الذي هو الوعظ والتذكير؛ تشريفًا له ولسامعيه، وتعظيمًا لقدر الجمعة، وشهادة لهم بذلك جميعه.
واعلم أنه جاء في رواية النَّسائيُّ بعد الكبش: بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة (١)، وفي رواية له بعد الكبش: دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة (٢) , وإسناد الروايتين صحيحان، ولا إشكال عليهما، فإن اقتضاهما أن خروج الإمام بعد السادسة، فيصح كون أن الساعات هي من اليوم الذي هو اثنتا عشرة ساعة، والله أعلم.
ثم إن من جاء في أول ساعة من هذه الساعات، ومن جاء في آخرها مشتركان
стр. 682
في تحصيل ثواب أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن ثواب بدنة الأول أكمل من ثواب الآخر، والمتوسط، وثواب بدنة المتوسط بينهما، كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة، ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف، فمن صلى في جماعة هم عشرة آلاف مثلًا، درجاته أكمل من درجات من صلى مع اثنين، مع نظائر كثيرة لهذا، والله أعلم.
ثم المراد بالغسل المتقدم في الحديث على الرواح الإطلاق لأجل الجمعة من غير مواقعة لزوجة أو جارية، واستحبه بعض أصحاب الشافعي في كتب الفقه، قال: ليكون أغضَّ لبصره وأسكنَ لنفسه، مستدلًا برواية في "صحيح مسلم": "من اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنابةِ" (١)، وهو استدلال ضعيف؛ لأن معنى الحديث: من اغتسل غسلًا كغسل الجنابة في الصفات، لا في الموجبات له من جماع أو احتلام، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
الأول: الحثُّ على الغسل يوم الجمعة، وتقدم الاختلاف في وجوبه واستحبابه في الحديث الثاني من هذا الباب، لكن في هذا الحديث عمومٌ أكثر من ذلك؛ فإن عمومه بالمجيء، والأمر بالغسل مقيد به، وهنا عمومه من حيث الحث عليه، وعلى التبكير إلى الجمعة، سواء كان رجلًا أو امرأة، وسواء كان صبيًّا أو جارية؛ لأن القربات تصح من هؤلاء كلهم، فيشرع لكل مريد للجمعة مطلقًا، ويتأكد في حق الذكور البالغين أكثر من غيرهم من النساء والصبيان المميزين؛ فإنه في حق النساء قريب من التطيب، ولا يكره في حقهن؛ فإنه تنظف له محض، وهو مطلوب للجمعة وغيرها، ولأصحاب الشافعي في هذه المسألة اختلاف وجوه:
أصحها: ما ذكرنا.
والثاني: يستحب للذكور خاصة.
стр. 683
والثالث: يستحب لمن تلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد والمسافرين.
والرابع: يستحب مطلقًا لكل أحد، سواء أراد حضور الجمعة أم لا؛ كغسل العيد؛ فإنه يستحب لكل أحد.
الثاني: استحباب التبكير إلى الجمعة والتهجير؛ كما ورد في الأحاديث الصحيحة، ومذهب الشافعي، وجماهير أصحابه، وابن حبيب المالكي، وجمهور العلماء: استحبابُ التبكير إليها أولَ النهار، والساعات عندهم أول النهار، والرواح أوله وآخره كما تقدم ذكره، واختار مالك التهجير، واستدل عليه بأوجه: أحدها: أن التهجير والمهجر إنما يكون في الهاجرة، ومن خرج من بيته عند طلوع الشمس مثلًا، أو بعد طلوع الفجر، لا يقال له: مهجر، وأجيب عن ذلك بأن التهجير مشتق من الهجر، وهو ترك المنزل أيَّ وقت كان، كيف وقد ثبت في "الصحيح" مرفوعًا: "من غَسَلَ واغتسَلَ، وغَدا وابْتكَرَ" (١)، وذلك يدل على أن المراد بالتهجير أول النهار؛ لأن الغدو والتبكير إنما يكونان أول النهار؛ لا وقت الهاجرة، قال الخليل بن أحمد وغيره من أهل اللغة: التهجير: التبكير (٢)، ومنه الحديث: "لو يعلمونَ ما في التَّهجير، لاسْتَبَقُوا إليه" (٣)؛ أي: التبكير إلى كل صلاة.
الثالث: ما ذكرنا من أن المراد بالساعات: اللحظات، وقد بينا بطلانه هنا، واستدلوا على ما قالوه بأن العرف واستعمال الشرع لا يدلان على استعمال
стр. 684
الساعات بحساب وآلات، وإن دل، فالمراد بها الظرفية التي تقع فيها المراتب في الذهاب، وقد بينا تسمية الشارع لها حيث قال: "يومُ الجمعةِ اثنتا عشرة ساعة" (١)، والجواب عن المراتب بالأكملية والأفضلية في السبقية، لا رفع كل التقريب بالنسبة إلى تلك الصلاة.
الرابع: ما ذكرناه من أن الساعة السادسة لم تذكر، وعقب خروج الإمام وحضور الملائكة بالخامسة، فمن قال: التبكير من طلوع الفجر إلى زوال الشمس يجعلُ الوقتَ المذكور في هذا الحديث مقسمًا على خمسة أجزاء، ويجعله مردًّا للفعل في الذهاب، وهذا لا يصح؛ فإن الحمل على الساعات التي من اثني عشر أولى؛ لظهوره وخفاء ما جعله، ولم يقل أحد به، بل القائل اثنان إما أول النهار، أو أول الزوال، ولا عيب في خروج الإمام عقب الخامسة، كيف وقد أجبنا عنه بذكر النَّسائيُّ للسادسة، فدل ذلك جميعه على أنه لا شيء من الهدي والفضيلة لمن جاء بعد الزوال، وإن ذكر الساعات إنما كان للحث على التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول، وانتظار الصلاة، والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال؛ ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعده.
الخامس: البيان لمراتب الناس في الفضائل في الجمعة وغيرها بحسب أعمالهم، وذلك يعرف أيضًا من قوله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
السادس: أن القربان والهدي والصدقة تقع على القليل والكثير من غير الإبل والبقر والغنم، وقد قال به بعض أصحاب الشافعي، وهي أقرب إلى الرواية التي فيها لفظ؛ كالمهدي دجاجة وغيرها، وقد ذكرنا أن النَّسائيَّ روى بإسنادين
стр. 685
صحيحين بعد الكبش: بطة، ثم دجاجة، ثم بيضة، وفي الرواية الثانية: دجاجة، ثم عصفور، ثم بيضة.
السابع: أن التضحية بالإبل أفضلُ من البقر؛ لجعل النبي ﷺ الإبل في الدرجة الأولى، والبقرة في الدرجة الثانية، وقد أجمع العلماء على أن الإبل أفضل من البقر في الهدايا، واختلفوا في الأضحية، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور: أن الإبل أفضل من البقر ثم الغنم، كما في الهدايا، ومذهب مالك أن أفضل الأضحية الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، قالوا: لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين (١)، ولأن لحم الغنم أطيب، فكان أفضل، لكن ظاهر حديث التبكير إلى الجمعة يخالف هذا، وهو حجة الجمهور، ومع القياس على الهدايا وتضحيته على كبشين لا يلزم منها الأفضلية، بل تقيد الجواز وطيب اللحم من الغنم معارض بكثرته من الإبل والبقر، ولعله ﷺ لما ضحى بالكبشين لم يجد غيرهما في ذلك الوقت، كما ثبت في "الصحيح": أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر (٢).
الثامن: أن حضور هؤلاء الملائكة لازم لخروج الإمام للخطبة المشتملة على ذكر الله تعالى والوعظ والتذكير، واستماع ذلك، لا لاستماع ما أحدث فيها من البدع وغيرها؛ فإن ذلك تكتبه الحفظة على فاعله، والراضي به بلسانه، وأما الراضي به بقلبه، فإن الله تعالى مطلع عليه دون الحفظة من الملائكة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 686
الحديث السابع
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَصحَاب الشجَرَة، قَالَ: كنا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الجُمُعَةَ، ثُمَّ ننصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَستَظِل بِهِ (١). وَفِي لَفْظٍ: كنَّا نُجَمعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا زَالَتِ الشمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فنتَتبعُ الفَيْءَ (٢).
تقدم الكلام على سلمة بن الأكوع.
والفيء؛ قيل: هو اسم مخصوص بالظل الذي بعد الزوال، وإن أطلق على الظل قبل الزوال مجازًا؛ لأنه من فاء يفيء: إذا رجع، وذلك فيما بعد الزوال.
وقوله: "نُجَمِّعُ" هو -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة-؛ أي: نقيم الجمعة.
وقوله: "ليس للحيطان ظل نستظل به" ليس نفيًا لأصل الظل، بل ينفي ظلًا يستظلون به، ولا يلزم من نفي الأخص نفيُ الأعم، مع أن أهل الحساب قالوا: إن عرض المدينة خمسة وعشرون درجة، فإذًا غايةُ الارتفاع تسعة وثمانون، فلا تسامت الشمس الرؤوس، وإذا لم تسامت الرؤوس، لم يكن ظل القائم تحته حقيقة، بل لا بد من ظل، فامتنع أن يكون المراد نفي أصل الظل، فيكون المراد ظلًا يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء من خطبتها، ولو طالت القراءة فيها، قبل الزوال.
وقوله: "فنتتبع الفيءَ" إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانهم، لكنه كان في يسير، وفي هذين الحديثين دليل على أن وقت الجمعة وقت للظهر لا يجوز إلا بعد الزوال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق، فقالا بجوازها قبل الزوال؛ تمسكًا بهذا الحديث؛ من حيث إنه تقع
стр. 687
بعد الزوال الخطبتان والصلاة، مع ما ثبت أنه ﷺ كان يقرأ فيهما الجمعة والمنافقين، وذلك يقتضي زمانًا يمتد فيه الظل، فحيث كانوا ينصرفون منها، وليس للحيطان فيء يستظلون به، ربما اقتضى ذلك أن تكون واقعة قبل الزوال، أو خطبتاها، أو بعضها، لكن الحديث الثاني يتبين منه وقوع ذلك جميعه بعد الزوال، ولا يلزم من قراءته الجمعة والمنافقين الدوامُ، وما تمسكا به من الحديث الأول، وهمٌ؛ لما بيناه.
قال القاضي عياض: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح شيء منها إلا ما عليه الجمهور، وحملوا الحديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء أو القيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم نُدبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها، خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها، والله أعلم (١).
* * *
الحديث الثامن
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأ في صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١، ٢] السجْدَةَ، و: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢) [الإنسان: ١].
في الحديث دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الصبح يوم الجمعة، والسجود عند قراءة آية السجدة في صلاة الفجر وغيرها من الفرائض، وقد كرهه مالك في "المدونة" (٣) خشيةَ التخليط على المأمومين، وعلل أيضًا بخوف زيادة سجدة في صلاة الفرض، وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث،
стр. 688
وخص بعض أصحاب مالك الكراهة بصلاة السر، فعلى هذا لا يكون مخالفًا لهذا الحديث، وفي المحافظة على قراءتها دائمًا أمر آخر، وهو أنه ربما أدى ذلك الجهال إلى اعتقاد أن ذلك فرض في هذه الصلاة، ومن مذهب مالك حسمُ مادة الذرائع، فالذي ينبغي أن يقال: إن الكراهة لقراءتها مطلقًا لا يقال؛ لأن الحديث يأباه، وإذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة، تركت في بعض الأوقات؛ دفعًا لهذه المفسدة، وليس في الحديث ما يقتضي قراءتها دائمًا اقتضاء قويًّا، وعلى كل حال فهو مستحب، والمستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهذا المقصود يحصل بالترك في بعض الأوقات، لا سيما إذا كان يحضره الجهال ومن يخاف منه وقوع هذا الاعتقاد الفاسد، والله أعلم.
* * *
стр. 689
باب العيدين
العيد مشتق من العَوْد، وهو الرجوع والمعاودة؛ لأنه يتكرر، وهو من ذوات الواو، وكان أصله: عِوْد -بكسر العين-، فقلبت الواو ياء؛ كالميقات والميزان، من الوقت والوزن، وجمعه أعياد، قال الجوهري: وإنما جمع بالياء، وأصله الواو؛ للزومها في الواحد، قال؛ ويقال في الفرق بينه وبين أعواد الخشب (١).
* * *
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ وَأبو بكْر وَعُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبلَ الخُطْبةِ (٢).
أما ابن عمر، فتقدم ذكره.
واعلم أن أول صلاة صليت للعيد بالمدينة في المصلى صلاةُ عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة بعد بدر.
وأما قوله: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر" إلى آخره، فمعناه أن فعل صلاة العيد قبل الخطبة سنة ثابتة إلى الآن، لم ينسخ؛ لأن فعله ﷺ حجةٌ بمجرده،
стр. 690
وفعل أبي بكر وعمر ﵄ حجة بقوله ﷺ : "اقتدوا باللذَينِ من بعدي: أبي بكر، وعمر" (١)، خصوصًا إذا وقع الإجماع على فعلهما من غير مخالفة لهما، فصار فعل الصلاة قبل الخطبة ثابتًا بالسنة والإجماع عليه، فهذا معنى إضافة فعلهما إلى فعل النبي ﷺ ، والله أعلم.
واعلم أن صلاة العيدين من الشعائر الإسلامية المطلوبة شرعًا، والنقل بهما متواتر يغني عن خبر الآحاد، وإن هذا الحديث مما يدل عليها، وقد كان للجاهلية يومان معدَّان للَّعِب، فأبدل الله تعالى المسلمين منهما بهذين اليومين اللذين يظهر فيهما تكبير الله تعالى وتحميده ظهورًا شائعًا، وذلك يغيظ المشركين، وجعلهما شكرًا على ما أنعم به من أداء العبادات التي في يومهما وقبلهما؛ كإتمام الصوم في عيد الفطر، وما يقع فيه من العبادات القاصرة والمتعدية، وكالعبادات الواقعة في عَشْرِ عيد الأضحى، وأعظمها إقامة وظيفة الحج، ولهذا سمي عيدًا؛ لعوده كل سنة وتكرره، وقيل: لعود السرور، وقيل: تفاؤلًا بعوده على من أدركه؛ كما سميت القافلة عند خروجها تفاؤلًا بقفولها سالمة، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة.
وقد قدمت الخطبة على الصلاة في صلاة العيدين في زمن بني أمية، وقيل: فعلوا ذلك في كل صلاة لها خطبة والصلاةُ مقدمة عليها، إلا الجمعة، وخطبة يوم عرفة؛ فإنهم أقروهما على ما هما عليه، وإنما قدموا الخطبة على الصلاة؛ نظرًا إلى عدم تفويت الناس الصلاة، فآثروا تقديم الخطبة للمحافظة على الصلاة لمن يتأخر.
واختلفوا في أول من فعل ذلك، فقيل: فعله عثمان ﵁ في شطر خلافته، ولم يصحَّ عنه، وقيل: أول من قدمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية، وقيل: زياد بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه، ثم وقع الإجماع على خلاف ذلك، والرجوع إلى فعل النبي ﷺ وصاحبيه.
стр. 691
وقد فرق العلماء بين صلاة العيد والجمعة بفرقين:
أحدهما: أن صلاة الجمعة فرض عين يهتم الناس بالإتيان إليها من خارج المصر قبل دخول وقتها، وينتشرون في أشغالهم بعده في أمور دنياهم، فقدمت الخطبة عليها ليتلاحق الناس ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يقضى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد.
الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة، وإنما قصرت بشرائط، منها: الخطبتان، والشرط لا يتأخر، ويتعذر مقارنة الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ أي: ليست مقصورة عن شيء آخر بشرط حتى يلزم تقدم ذلك الشرط.
واختلف العلماء في صلاة العيد، هل هي واجبة أم مستحبة؟
فذهب الشافعي إلى أنها سنة مؤكدة، وبه قال جماهير أصحابه.
وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: هي فرض كفاية.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة.
فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع منها، قوتلوا عليها كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: سنة، فوجهان:
أصحهما: لا يقاتلون؛ كسنة الظهر وغيرها من السنن.
والثاني: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَاِزبٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النَّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَلَا نُسُكَ لَهُ"، فَقَالَ أَبُو بردةَ بنُ نِيَارٍ خَالُ البرَاءِ بْنِ عَازِب: يا رَسُولَ الله! إِنِّي نَسَكْتُ قَبْلَ الصَّلاَةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ،
стр. 692
وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بيتي، فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَذيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاَةَ، قَالَ: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْم"، قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! فَإنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا هِيَ أَحَبُّ إليَّ مِنْ شَاتَيْنِ، أفتُجْزِئُ عَنِّي؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ" (١).
أما البراء بن عازب، فتقدم ذكره في باب صفة صلاة النبي ﷺ ".
وأما خاله أبو بردةَ بنُ نِيار، فاسمه هانئ، وقيل: الحارث، وقيل: مالك، والصحيح المشهور الأول.
وأما أبوه نِيار، فاختلف فيه، فالمشهور نِيار، وقيل: عمرو، وقيل: هبيرة، ولم يختلفوا أنه من بُلَي؛ فيما قاله شيخنا أبو الفتح ﵀.
قال أبو حاتم بن حبان: هو أسلمي، ويقال: هو حليف لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج.
ونسبه غيرهما إلى بني قضاعة؛ لأن بليًا منهم، وقال: هو مدني.
وقال أبو حاتم: هو حليف لبني مجدعة.
قلت: ويسمونه أيضًا هانئ بن عمرو بن نيار، وكان عَقَبيًّا بدريًّا، وشهد العقبة الثانية مع السبعين في قول جماعة من أهل السير.
وقال الواقدي: إنه توفي في أول خلافة معاوية، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ .
اتفق البخاري ومسلم على حديث واحد له، وروى عنه جابر بن عبد الله وجماعة من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات ولا عقب له، قال أبو حاتم بن حبان: سنة خمس وأربعين، وقال غيره: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين (٢).
стр. 693
وأما قوله ﷺ : "من صلَّى صلاتَنا ونسكَ نسكَنا"، فلا شك أن أصل النسك في اللغة من النسيكة، وهي البقرة المدل المصفاة من كل خلط، والمراد بها هنا الذبيحة أضحية، وقد استعمل فيها كثيرًا، واستعمله بعض الفقهاء في نوع خاص من الدماء المراقة في الحج، وقد يستعمل فيما هو أعم من ذلك من العبادات، ومنه يقال: فلان ناسك؛ أي: متعبد، ومعناه: مخلص عبادته لله تعالى. ثم قوله: "صلى صلاتنا ونسك نسكنا"؛ أي: مثلَ صلاتنا ومثلَ نسكنا.
وقوله ﷺ : "فقد أصابَ النسكَ"؛ أي: فقد أصاب مشروعية النسك وما قارب ذلك.
وقوله: "ومن نسكَ قبلَ الصلاة، فلا نسكَ له" معناه: لا يقع مجزئًا عن الأضحية، وظاهر اللفظ أن المراد منه قبل فعل الصلاة، ولم يتعرض لذكر الخطبتين، وهما معتبران عند الشافعي؛ لكونهما مقصودتين مع الصلاة، فإن وقت الأضحية لا يدخل إلا بمقدار الصلاة والخطبتين عنده.
وقوله: "شاتُك شاةُ لحم"؛ أي: ليست ضحية، ولا ثوابَ فيها، بل هو لحم لك تنتفع به، كما في رواية أخرى: "إنما هو لحمٌ قَدَّمْتَهُ لأهلِكَ" (١).
وقوله ﷺ : "ولنْ تَجْزِيَ عن أحدٍ بعدَكَ" هو بفتح التاء المثناة فوق، ومعناه لن تقضي، يقال: جزى عَنِّي كذا؛ أي: قضى؛ أي: إن الذي فعله من الذبح قبل الصلاة لم يقع نسكًا، فالذي يأتي بعده لا يكون قضاء عنه، وهذا الذي ضبطناه
стр. 694
في تَجزي بفتحِ التاء هو في جميِع الطرق والروايات، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقد امتنع بهذا الحديث قياس غير أبي بردة عليه، وتخصيص أبي بردة بهذا الحكم إمضاء له دون من بعده، ولا شك أن النبي ﷺ أعطى عقبة بن عامر ﵁ عتودًا؟، وقال: "ضَحِّ به أنتَ" رواه مسلم في "صحيحه" (١)، وأعطى زيدَ بنَ خالد ﵁ عتودًا أجذع فقال: "ضَحِّ به"، فقلت: إنه جذع، من المعز أضحي به؟ قال: "نعم ضَحِّ به", فضحيت به (٢)، ورواه أبو داود بإسناد حسن (٣)، وليس فيها قوله: من المعز، لكنه معلوم من قوله: عتود؛ فإن العتود من أولاد المعز خاصة، وهو ما رعى وقوي، قال الجوهري وغيره: هو ما بلغ سنة، وجمعه أعتدة وعُدَّان بإدغام التاء في الدال، ومعلوم أنه لا يجزئ في الأضحية، وإنما يجزئ الجذع من الضأن، ولهذا روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عقبة بن عامر ﵁ قال: أعطاني رسول الله ﷺ غنمًا أقسمها ضحايا بين أصحابي، فبقي عتود منها، فقال: "ضحِّ بها أنت ولا رخصةَ لأحدٍ فيها بعدَك" (٤)، فهذان الصحابيان حكمهما في الرخصة لهما حكم أبي بردة بن نيار.
وأما العَناق: فهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة، فإذا قوي ورعى، وأتى عليه حول، قيل للذكر منه: عتود، وقال بعضهم: هي الصغيرة من أولاد المعز ما دامت ترضع، [ولهذا قال في بعض روايات "صحيح مسلم": عندي
стр. 695
عَناقُ لبنٍ (١)؛ أي: صغيرة قريبة مما ترضع] (٢)، وجمع العناق أعنق وعنوق.
وقوله: "هي أحب إلي من شاتين"، وفي رواية في "صحيح مسلم": "عندي عناقُ لبنٍ هو خيرٌ من شاتَيْ لحمٍ" (٣)، ومعناه: أطيبُ لحمًا وأنفع؛ لسمنها ونفاستها.
وفي هذا الحديث مسائل:
منها: أن خطبة عيد الأضحى بعد الصلاة، وتقدم الكلام عليها في الحديث قبله.
ومنها: أن الأضحية لا يدخل وقتها إلا بعد صلاة العيد والخطبتين، وقد قال ابن المنذر ﵀: وأجمع العلماء على أن الأضحية لا تجوز قبل طلوع الفجر، واختلفوا فيما بعد ذلك، فقال الشافعي، وداود، وابن المنذر: يدخل وقتها إذا طلعت الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإذا ذبح بعد هذا الوقت، أجزأه، سواء صلى الإمام أم لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل الأمصار أو من أهل القرى أو البوادي أو المسافرين، وسواء ذبح الإمام ضحيته أم لا.
وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي الإمام ويخطب، فإذا ذبح قبل ذلك، لم يجزئه.
وقال مالك: لا يجوز ذبحها إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه.
وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام، ويجوز بعدها قبل ذبح الإمام،
стр. 696
وسواء عنده أهل القرى والأمصار، ونحوه عن الحسن، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه.
وقال الثوري: تجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته، وفي أثنائها.
وقال ربيعة: فمن لا إمام له إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزئه، وبعد طلوعها يجزئه، وظاهر هذا الحديث حجة على من خالفه بالنسبة إلى الصلاة.
ولما كانت الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة، اعتبرهما الشافعي ومن وافقه.
ومنها: أن من ذبح قبل الصلاة لم يكن ناسكا؛ لقوله ﷺ : "شاتُكَ شاةُ لحمٍ".
ومنها: أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يكن الجهل عذرًا فيها، وقد فرق العلماء بين المأمورات والمنهيات في ذلك، فقالوا: يعذر في المنهيات بالنسيان والجهل؛ كما في حديث معاويةَ بنِ الحكم حين تكلم في الصلاة، ولا يعذر في المأمورات بأن المقصودَ منها إقامةُ مصالحها، ولا يحصل ذلك إلا بفعلها، بخلاف المنهيات، فإنها مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعهد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.
ومنها: أن لله تعالى أن يخص ببعض الأحكام التي منع الناس منها من شاء على لسان نبيه ﷺ لعذر وغير عذر.
ومنها: أن المرجع في الأحكام كلها إلى رسول الله ﷺ دون غيره ومن رجعت إليه من أمته فإنما هو بإذنه ﷺ .
ومنها: أن يوم الأضحى يوم أكل وشرب يحرم الصومُ فيه؛ حيث وصفه بالأكل والشرب، والله أعلم.
* * *
стр. 697
الحديث الثالث
عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: صلى النبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُم ذَبَحَ، وَقَالَ: "من ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ" (١).
أما جُندُب بنُ عبد الله، فهو -بضم الجيم والدال المهملة بينهما نون ساكنة، ويقال: بفتح الدال أيضًا-، وحكى لي بعض شيوخي أن أبا محمد عبد العظيم الحافظ المنذري ﵀ قال: ويقال فيه: جندب -بكسر الجيم وفتح الدال- وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب الذي هو طائر، لا وضعًا في هذا الاسم المعين، والله أعلم.
وجندب هذا هو ابن عبد اللهِ بنِ شقيقٍ، ويقال فيه: ابن سفيان، وكأنه نسبه إلى جده، فإن الأول أشهر وأصح، كنيته: أبو عبد الله، وهو منسوب إلى علقة، وعلقة حيٌّ من بَجيلةَ، صحب النبي ﷺ ، ويقال له: جندب الخير، نزل الكوفة ثم تحول إلى البصرة، فحديثه عند البصريين جميعًا.
قال العلائي: جندب من بني علقة بن عبد اله بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث أخي الأزد بن غوث.
روي له عن رسول الله ﷺ ثلاثة وأربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على سبعة، وانفرد مسلم بخمسة، روى عنه الحسن البصري، وأبو عمران عبد الملك بن حبيب الجوني، وأبو مجلز لاحقُ بنُ حميد، وغيرهم من التابعين، وروى له أصحاب السنن والمساند، مات سنة أربع وستين (٢).
стр. 698
وأما البَجَلِيّ -بفتح الباء الموحدة والجيم ثم اللام ثم ياء النسب- فنسبة إلى بَجيلةَ، قال السمعاني (١): هذه النسبة إلى قبيلة بجيلة، وهو ابن أنمار بن أراش كما تقدم ذكرنا له قريبًا، وقيل: إن بجيلة اسم أمهم، وهي من سعد العشيرة، وأختها باهلة، ولدتا قبيلتين عظيمتين نزلتا الكوفة، وبجيلة -أيضًا- حي من سليم، وبجيلة -أيضًا- من عُكّ بنِ عُدْثان -بضم العين المهملة وبالثاء المثلثة بعد الدال- والصحيح أن عكًا أخو مَعَدّ بنِ عدنان -بفتح العين المهملة وبالنون-، وبجيلة أيضًا من أحمس، وتشتبه هذه النسبة بالبَجْلي -بسكون الجيم- نسبة إلى امرأة اسمها بجلة بنت هناه بن مالك بن فهم الأزدي، منهم عمرو بن عبسة. صحب رسول الله ﷺ ، وغيرهم، وهم رهط من سليم بن منصور، يقال لهم: بنو بجلة، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ : "ومن لم يذبحْ فَليذبحْ باسم الله"قال الكتاب من أهل العربية: إذا قيل: باسم الله، تعين كتبه بالألف، وإنما تحذف الألف إذا كتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بكمالها (٢)، ومعناه فليذبح قائلًا: باسم الله، والتسمية على الذبيحة سنة عند جمهور العلماء، وواجبة عند بعضهم، قال ابن سيرين والشعبي: إذا ذبح المسلم من غير تسمية، حَرُمت، سواء تركها عمدًا أو سهوًا، وقال الثوري وجماعة: إن تركها عامدًا، لا تحل، وإن تركها ناسيًا، تحل، وقال ابن عباس وخلق من الصحابة والتابعين: تحل، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، واحتج لذلك بما ثبت في "صحيح البخاري" ﵀ من حديث عائشة ﵂ قالت: قالوا: يا رسول الله! إن هنا أقوامًا حديثُ عهدٍ بشرك يأتون بلُحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا، قال: "اذكروا أنتم
стр. 699
اسمَ اللهِ وكلوا" (١)، فلو كانت التسمية شرطًا للإباحة، لكان الشك في وجوده مانعًا من تسميته كالشك في أصل الذبح.
ومعنى هذا الحديث معنى الحديث الذي قبله من حيث إن الضحية لا يدخل وقتها إلا بعد الصلاة والخطبة، وهو أظهر في اعتبار فعل الصلاة من الذي قبله، فإن الأول اقتضى تعليق الحكم بلفظ الصلاة، وهذا لم يعلق فيه الحكم بلفظ فيه الألف واللام، إلا أنه إن جرينا على ظاهره، اقتضى أنه لا تجزي الأضحية في حق من لم يصل صلاة العيد أصلًا.
قال شيخنا أبو الفتح ﵀: فإن ذهب إليه أحد، فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا فالواجب الخروج عن الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها بعد الخروج عن الظاهر في محل البحث، قال: وقد يستدل بصيغة الأمر في قوله ﷺ : "فليذبحْ أُخرى" إحدى طائفتين: إما من يرى أن الأضحية واجبة، وإما من يرى أنها تتعين بالشراء بنية الأضحية، أو بغير ذلك؛ من غير اعتبار لفظ التعيين، وإنما قلت ذلك؛ لأن اللفظ المعين للأضحية من صيغة النذر أو غيرها قليلٌ نادر، وصيغة (مَنْ) في قوله ﷺ : "من ذبح" صيغةُ عموم، واستغراق في حق كل من ذبح قبل أن يصلي، وقد ذكرت لتأسيس قاعدة وتمهيد أصل، وتنزيل صيغ العموم التي ترد لتأسيس القواعد على الصورة النادرة أمر مستكره على قدر في قواعد التأويل في فن أصول الفقه، وإذا تقرر هذا، وهو استبعاد حمله على الأضحية المعينة بالنذر أو غيره من الألفاظ، فينبغي التردد في أن الأولى حمله على من سبق له أضحية معينة بغير اللفظ، أو حمله على ابتداء الأضحية من غير سبق تعيين، هذا آخر كلامه، والله أعلم (٢).
وقد يستدل بهذا الحديث بما نقلناه عن مالك ﵀ في الكلام على الحديث الذي قبله من أنه لا يجوز ذبح الأضحية إلا بعد صلاة الإمام وخطبته وذبحه؛ لأن فعله ﷺ مورد لبيان الأحكام،
стр. 700
وقوله ﷺ : "مَنْ ذبحَ قبلَ أن يصليَ فليذبحْ أُخرى مكانَها" إنما كان بعد ذبحه، فكأنه قال: من ذبح قبلَ فعلي هذا من الصلاة والخطبة والذبح، فليذبحْ أخرى مكانها؛ أي: فلا يعتدُّ بما ذبحه أولًا ضحية.
وهذا الاستدلال غير مستقيم؛ لمخالفته التقييد بلفظ الصلاة، والتعقيب بالفاء من غير مهلة، والخطبة إنما اعتبرناها في وقت عدم جواز الأضحية تبعًا للصلاة، وأما الذبح، فلا يصح اعتباره لمنع دخول وقتها، بل هو دليل لنا على جواز الذبح؛ لما قررناه من أن فعله ﷺ حجة للأمة ما لم يرد دليل بتخصيصه ﷺ به، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النبي ﷺ يَوْمَ العِيدِ، فَبَدأَ بالصَّلاَةِ قَبْلَ الخُطْبةِ بِلاَ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثَم قَامَ متَوَكِّئًا عَلَى بِلاَلٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ الناسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتى أتى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ؛ فَإنَّكُن أكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النساء سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لأنكن تكثرنَ الشَّكَاةَ، وَتكفرنَ العَشِيرَ"، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلاَلٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وخَوَاتِيمِهِنَّ (١).
تقدم ذكر جابر.
وأما قوله: "شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة" تقدم الكلام على أن صلاة العيد قبل الخطبة، وما يتعلق بذلك.
وقوله: "بلا أذان ولا إقامة"، فهو مجمع عليه عند العلماء اليوم، وهو
стр. 701
المعروف من فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله وبعده، وكان سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو أنه لو دعا النبي ﷺ إليها، لوجبت الإجابة، وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا أحسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، قال العلماء: ويستحب أن يقال فيها: الصلاةَ جامعةً، لنصبهما الأولَ على الإغراء، والثانيَ على الحال.
قوله: "ثم قام متوكئًا على بلالٍ" التوكؤ: التحامل، والمراد هنا الميل في قيامه متحاملًا على بلال.
قوله: "فأمرَ بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظَ الناس، وذكرهم": أما التقوى، فهي امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، وأما الحث على الطاعة، فيكون بأمرين:
أحدهما: بالترغيب في الجزاء عليها.
والثاني: بالترهيب من تركها بفوات ثوابها وترتب العقاب عليه.
وأما الوعظ، فهو الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤]؛ أي: تأمرون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]؛ أي: آمركم.
وأما التذكير فيكون بالنعم ودفع النقم، واستحقاق الله الطاعة والتنزيه والتحميد والتوحيد، والشكر على ذلك كله، وعلى التوفيق له.
وهذه المذكورات الأربع هي مقاصد الخطبة، ولا شك أن الوصية بتقوى الله تعالى واجب في الخطبة الواجبة، لكن هل يتعين لفظ التقوى؛ أي: يتأدى بمعناها؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أصحهما عندهم: الثاني، مع اتفاقهم أن الأولى الإتيان بلفظها، وما كان واجبًا فيما هو واجب، هل يكون واجبًا فيما هو مسنون؟ فيه أوجه لأصحاب الشافعي:
стр. 702
الأصح: تسميته بالوجوب في المسنون، فما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة يتأدى به السنة في الخطبة المسنونة.
وقوله: "ثم مضى حتى أتى النساءَ فوعظهنَّ وذكَّرهن وقال: تَصَدَّقْنَ" هذا المضيُّ إلى النساء صريح في أنه كان بعدَ الفراغ من خطبة العيد، ووقع في رواية في "صحيح مسلم" ما يوهم أنه ﷺ نزل من المنبر في أثناء الخطبة، فأتى النساء فوعظهن، لا بعد الفراغ منها، وقطع القاضي عياض به، وليس كما قال، وقد وقع في "صحيح مسلم" -أيضًا- في حديث جابر هذا بأنه ﷺ صلَّى ثم خطب الناس، فلما فرغ، نزل فأتى النساء، فذكرهن (١)، والله أعلم.
قوله: "فإنكن أكثر حطب جهنم" جهنمُ: اسمٌ من أسماء النار -أعاذنا الله منها- وحطبُها: وَقودُها، والحصب في لغة أهل اليمن والحبشة: الحطب، وإنما كنَّ كذلك؛ لعدم طاعة الله في أنفسهن وأزواجهن وشكرِهن لله تعالى على نعمه.
قوله: "فقامت امرأةٌ من سِطَةَ النساء" أصلُ هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، وهي -بكسر السين المهملة وفتح الطاء المخففة-، ووقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": من وَاسطة النساء (٢)، يقال: فلان من أوساط قومه، وواسطة قومه، ووسط قومه، وقد وسط وساطة وسِطَةً، ويقال: وسطتُ القوَم أَسِطُهم وَسْطًا وسِطَة؛ أي: توسطتهم.
قال القاضي عياض: معنى هذه اللفظة الخيارُ؛ أي: من خيار النساء، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم بعض الفضلاء الحذاق أن الرواية فيها تصحيف وتغيير من بعض رواة "صحيح مسلم"، وأن الأصل في الرواية من سفلة النساء، فاختلطت الفاء باللام، فصارت طاء، ويؤيد ذلك رواية ابن أبي شيبة: والنسائي من "سفلة النساء" (٣)، وفي رواية لابن أبي شيبة: "فقامت امرأة ليست
стр. 703
من علية النساء" (١)، وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده بعده قوله: "سفعاءُ الخدين" (٢).
قال شيخنا العلامة أبو زكريا النواوي ﵀: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها خيار النساء؛ كما فسره القاضي، بل المراد امرأة من وسط النساء، جالسة في وسطهن، والله أعلم (٣).
وقوله: "سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ" قال أبو العباس القرطُبي -رحمه الله تعالى- يقال: سَفْعاء -بفتح السين وضمها، وقيل غيره-، وحكاهما أيضًا صاحب "المطالع"، ومعنى السَّفْع: من أصابَ خدَّه لونٌ مخالفٌ لونَه الأصلي من سواد أو حمرة أو غيره، وقال الأصمعي: هو حمرةٌ يعلوها سواد، وقال غيره: هو شحوب بسواد (٤).
وقوله ﷺ : "لأنكن تُكثرنَ الشَّكاةَ" هو بفتح الشين؛ أي: الشكوى، ولا شك أن الشكاية جائزة إذا اضطررن إليها، فإذا كثرت منهن، دل ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، وعلى عدم وشكره ، فيكون إكثارهن لها متعلقًا بالله تعالى، فاقتضى دخول النار.
وقوله ﷺ : "وتكفرْنَ العشيرَ" قال أهل اللغة: العشيرُ: المعاشر والمخالط، ومعناه عند الأكثرين هنا الزوج، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقال الخليل: يقال: هو
стр. 704
العشير والشعير، على القلب (١)، ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهن، وقلة معرفتهن؛ فإن الزوج قَوَّام على المرأة بالنفقة والكسوة والسكنى، وغض بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
واعلم أن الكفر -عند الإطلاق- لا يطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد يطلق على الكفر المنافي لكماله؛ لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعًا وعادة، لا للخروج من الإسلام.
وقوله: "فجعلْنَ يتصدَّقْنَ من حليهن يُلقين في ثوبِ بلالٍ من أقراطهن وخواتيمهن"الحلي: جمع، والمفرد حَلْي، وهو: بضم الحاء المهملة وكسرها، الضمُّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القراء على الضم، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، والأقرطةُ: جمع قرط، قال ابن دريد: كل ما علق في شحمة الأذن فهو قرط، سواء كان من ذهب أو خرز، وأما الخرص، فهو الحلقة الصغيرة من الحلي.
قال القاضي عياض ﵀: قيل: الصواب: قرطتهن، بحذف الألف، وهو المعروف في جمع قرط؛ كخرج وخرجة، ويقال في جمعه: قِراط؛ كرمح ورماح، وقيل في جمع قرط: قُروط، نقله غير القاضي، قال القاضي: ولا يبعد صحة أقرطة، وتكون جمع جمع؛ أي: يكون أقرطة جمعَ قِراط، لا سيما وقد صح في الحديث (٢)، والخواتيم: جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخَيْتام (٣)، وهذه أنواع من الحلي مأخوذة من الحلية، وهي الزينة، والله أعلم.
стр. 705
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: شهود صلاة العيد مع الإمام.
ومنها: البدأة بالصلاة قبل الخطبة، واتفق أصحاب الشافعي على أنه لو قدمها على الصلاة، صحت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة؛ فإن تقديمها شرط لصحة الجمعة.
ومنها: أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة.
ومنها: القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدمي.
ومنها: الأمر بتقوى الله تعالى، والوعظ والتذكير، والحث على طاعة الله تعالى في الخطب.
ومنها: تخصيص النساء بالوعظ والتذكير في مجلس غير مجلس الرجال إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهو حقٌّ على الإمام أن يفعله.
ومنها: حضور النساء صلاة العيد، وهذا كان في زمنه ﷺ حضورهن إياها مطلقًا، سواء المخبآت، وغيرهن، وأما اليوم، فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ويخرج إليها من لا هيئة لها، ولهذا قالت عائشة ﵂: "لو رأى رسولُ الله ﷺ ما أحدثَ النساء لمنعهن المساجدَ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل" (١).
واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم ﵃، ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه مرة.
ومنها: الأمر بالصدقة لأهل المعاصي والمخالفات.
ومنها: التنبيه على أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم.