المعروف من فعل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ونقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله وبعده، وكان سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزًا لها بذلك عن النوافل، وإظهارًا لشرفها، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو أنه لو دعا النبي ﷺ إليها، لوجبت الإجابة، وذلك مناف لعدم وجوبها، وهذا أحسن بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان، قال العلماء: ويستحب أن يقال فيها: الصلاةَ جامعةً، لنصبهما الأولَ على الإغراء، والثانيَ على الحال.
قوله: "ثم قام متوكئًا على بلالٍ" التوكؤ: التحامل، والمراد هنا الميل في قيامه متحاملًا على بلال.
قوله: "فأمرَ بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظَ الناس، وذكرهم": أما التقوى، فهي امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، وأما الحث على الطاعة، فيكون بأمرين:
أحدهما: بالترغيب في الجزاء عليها.
والثاني: بالترهيب من تركها بفوات ثوابها وترتب العقاب عليه.
وأما الوعظ، فهو الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤]؛ أي: تأمرون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]؛ أي: آمركم.
وأما التذكير فيكون بالنعم ودفع النقم، واستحقاق الله الطاعة والتنزيه والتحميد والتوحيد، والشكر على ذلك كله، وعلى التوفيق له.
وهذه المذكورات الأربع هي مقاصد الخطبة، ولا شك أن الوصية بتقوى الله تعالى واجب في الخطبة الواجبة، لكن هل يتعين لفظ التقوى؛ أي: يتأدى بمعناها؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي -رحمهم الله تعالى-: أصحهما عندهم: الثاني، مع اتفاقهم أن الأولى الإتيان بلفظها، وما كان واجبًا فيما هو واجب، هل يكون واجبًا فيما هو مسنون؟ فيه أوجه لأصحاب الشافعي:
стр. 702
الأصح: تسميته بالوجوب في المسنون، فما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة يتأدى به السنة في الخطبة المسنونة.
وقوله: "ثم مضى حتى أتى النساءَ فوعظهنَّ وذكَّرهن وقال: تَصَدَّقْنَ" هذا المضيُّ إلى النساء صريح في أنه كان بعدَ الفراغ من خطبة العيد، ووقع في رواية في "صحيح مسلم" ما يوهم أنه ﷺ نزل من المنبر في أثناء الخطبة، فأتى النساء فوعظهن، لا بعد الفراغ منها، وقطع القاضي عياض به، وليس كما قال، وقد وقع في "صحيح مسلم" -أيضًا- في حديث جابر هذا بأنه ﷺ صلَّى ثم خطب الناس، فلما فرغ، نزل فأتى النساء، فذكرهن (١)، والله أعلم.
قوله: "فإنكن أكثر حطب جهنم" جهنمُ: اسمٌ من أسماء النار -أعاذنا الله منها- وحطبُها: وَقودُها، والحصب في لغة أهل اليمن والحبشة: الحطب، وإنما كنَّ كذلك؛ لعدم طاعة الله في أنفسهن وأزواجهن وشكرِهن لله تعالى على نعمه.
قوله: "فقامت امرأةٌ من سِطَةَ النساء" أصلُ هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، وهي -بكسر السين المهملة وفتح الطاء المخففة-، ووقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": من وَاسطة النساء (٢)، يقال: فلان من أوساط قومه، وواسطة قومه، ووسط قومه، وقد وسط وساطة وسِطَةً، ويقال: وسطتُ القوَم أَسِطُهم وَسْطًا وسِطَة؛ أي: توسطتهم.
قال القاضي عياض: معنى هذه اللفظة الخيارُ؛ أي: من خيار النساء، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم بعض الفضلاء الحذاق أن الرواية فيها تصحيف وتغيير من بعض رواة "صحيح مسلم"، وأن الأصل في الرواية من سفلة النساء، فاختلطت الفاء باللام، فصارت طاء، ويؤيد ذلك رواية ابن أبي شيبة: والنسائي من "سفلة النساء" (٣)، وفي رواية لابن أبي شيبة: "فقامت امرأة ليست
стр. 703
من علية النساء" (١)، وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده بعده قوله: "سفعاءُ الخدين" (٢).
قال شيخنا العلامة أبو زكريا النواوي ﵀: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها خيار النساء؛ كما فسره القاضي، بل المراد امرأة من وسط النساء، جالسة في وسطهن، والله أعلم (٣).
وقوله: "سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ" قال أبو العباس القرطُبي -رحمه الله تعالى- يقال: سَفْعاء -بفتح السين وضمها، وقيل غيره-، وحكاهما أيضًا صاحب "المطالع"، ومعنى السَّفْع: من أصابَ خدَّه لونٌ مخالفٌ لونَه الأصلي من سواد أو حمرة أو غيره، وقال الأصمعي: هو حمرةٌ يعلوها سواد، وقال غيره: هو شحوب بسواد (٤).
وقوله ﷺ : "لأنكن تُكثرنَ الشَّكاةَ" هو بفتح الشين؛ أي: الشكوى، ولا شك أن الشكاية جائزة إذا اضطررن إليها، فإذا كثرت منهن، دل ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، وعلى عدم وشكره ، فيكون إكثارهن لها متعلقًا بالله تعالى، فاقتضى دخول النار.
وقوله ﷺ : "وتكفرْنَ العشيرَ" قال أهل اللغة: العشيرُ: المعاشر والمخالط، ومعناه عند الأكثرين هنا الزوج، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقال الخليل: يقال: هو
стр. 704
العشير والشعير، على القلب (١)، ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهن، وقلة معرفتهن؛ فإن الزوج قَوَّام على المرأة بالنفقة والكسوة والسكنى، وغض بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
واعلم أن الكفر -عند الإطلاق- لا يطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد يطلق على الكفر المنافي لكماله؛ لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعًا وعادة، لا للخروج من الإسلام.
وقوله: "فجعلْنَ يتصدَّقْنَ من حليهن يُلقين في ثوبِ بلالٍ من أقراطهن وخواتيمهن"الحلي: جمع، والمفرد حَلْي، وهو: بضم الحاء المهملة وكسرها، الضمُّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القراء على الضم، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، والأقرطةُ: جمع قرط، قال ابن دريد: كل ما علق في شحمة الأذن فهو قرط، سواء كان من ذهب أو خرز، وأما الخرص، فهو الحلقة الصغيرة من الحلي.
قال القاضي عياض ﵀: قيل: الصواب: قرطتهن، بحذف الألف، وهو المعروف في جمع قرط؛ كخرج وخرجة، ويقال في جمعه: قِراط؛ كرمح ورماح، وقيل في جمع قرط: قُروط، نقله غير القاضي، قال القاضي: ولا يبعد صحة أقرطة، وتكون جمع جمع؛ أي: يكون أقرطة جمعَ قِراط، لا سيما وقد صح في الحديث (٢)، والخواتيم: جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخَيْتام (٣)، وهذه أنواع من الحلي مأخوذة من الحلية، وهي الزينة، والله أعلم.
стр. 705
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: شهود صلاة العيد مع الإمام.
ومنها: البدأة بالصلاة قبل الخطبة، واتفق أصحاب الشافعي على أنه لو قدمها على الصلاة، صحت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة؛ فإن تقديمها شرط لصحة الجمعة.
ومنها: أنه لا يشرع لصلاة العيد أذان ولا إقامة.
ومنها: القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدمي.
ومنها: الأمر بتقوى الله تعالى، والوعظ والتذكير، والحث على طاعة الله تعالى في الخطب.
ومنها: تخصيص النساء بالوعظ والتذكير في مجلس غير مجلس الرجال إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهو حقٌّ على الإمام أن يفعله.
ومنها: حضور النساء صلاة العيد، وهذا كان في زمنه ﷺ حضورهن إياها مطلقًا، سواء المخبآت، وغيرهن، وأما اليوم، فلا تخرج الشابة ذات الهيئة، ويخرج إليها من لا هيئة لها، ولهذا قالت عائشة ﵂: "لو رأى رسولُ الله ﷺ ما أحدثَ النساء لمنعهن المساجدَ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل" (١).
واختلف العلماء من السلف في خروجهن للعيد، فرأى جماعة ذلك حقًّا عليهن، منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم ﵃، ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة، والقاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، وأبو يوسف، وأجازه أبو حنيفة مرة، ومنعه مرة.
ومنها: الأمر بالصدقة لأهل المعاصي والمخالفات.
ومنها: التنبيه على أن الصدقة من دوافع عذاب جهنم.
стр. 706
ومنها: الإعلان بالنصح بالعلة التي تبعث على إزالة العيب أو الذنب اللذين يتصف بهما الإنسان.
ومنها: العناية بذكر ما تشتد الحاجة إليه للمخاطبين.
ومنها: بذل النصيحة لمن يحتاج إليها والسعي فيها إليه.
ومنها: سؤال الواعظ والمذكِّر حال وعظه وتذكيره عما يلبس عليه من العلم وما لا يعلمه.
ومنها: مباشرة المرأة المفتي بالسؤال، خصوصًا بحضرة النساء.
ومنها: سؤال المستفتي للعالم عن العلم وهو قائم، للنساء وغيرهن.
ومنها: عدم الحياء في السؤال عن العلم.
ومنها: جواز كشف المرأة وجهها إذا كانت غير جميلة للاستفتاء بحضرة الرجال والنساء، وقد جوز الفقهاء كشفَ وجه المرأة مطلقًا للشهادة عليها.
ومنها: شكر الإحسان وأهله.
ومنها: الصبر وعدم الشكاية إلى المخلوقين، وقد أمر الله بالصبر في غير آية، وحث عليه، وأن يكون جميلًا، وهو الذي لا شكوى فيه ولا جزع، وقد حث الشرع على إنزال الحوائج بالله تعالى دون غيره، وأن إنزالها بالله تعالى سبب لحصولها، وأن إنزالها بالمخلوقين سبب لفواتها.
ومنها: تحريم كفران النعم، سواء كانت من مفضول أو فاضل، وقد صح أن النبي ﷺ قال: "لا يشكرُ اللهَ مَنْ لا يشكرُ الناسَ" (١).
ومنها: التنبيه على شكر الله والثناء عليه؛ فإنه خالقُ الأسباب والمسببات، والهادي لأحسنها، والصارفُ لسببها، ولا شك أن ذكر
стр. 707
النعم والتحدث بها شكرها بالنسبة إليه .
وأما بالنسبة إلى الآدميين، فبالمكافأة عليها إن قدر، وإلا فبالثناء على صاحبها والدعاء له.
وأما التحدث بها، فإن علم أن صاحبها يؤثر التحدث بها وذكرها، أمسك عنهما، وإن علم أنه يكره ذلك، فعلَهما، وينبغي أن يكون مع ذلك مقصودٌ شرعي؛ من التنبيه على مثل فعل المنعم، والاقتداء به في الإحسان، وحكم المكافأة الثناء عليه والذكر، والله أعلم.
ومنها: التنبيه على الأعلى بالأدنى؛ فإنه إذا كان بالشكاية وكفر الإحسان فاعلهما من أهل النار، فكيف بمن ترك الصلاة وقذف المؤمنين ورماهم بالكبر والبهتان؟
ومنها: جواز طلب الصدقة للفقراء من الأغنياء عند الحاجة.
ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها وحليها بالصدقة وغيرها بغير إذن زوجها، وقد منعه مالك فيما زاد على الثلث إلا برضاء زوجها، والجمهور على جوازه؛ لأنه ﷺ حث النساء عليها، وفعلنها من غير تقييد بإذن زوج، فدل على الجواز، أجاب بعض المالكية عن ذلك بأنهن تصدقن بحضرة أزواجهن، وأنه الغالب، ولعلهن لم يفعلن ذلك فيما زاد على الثلث، وهو ضعيف أو باطل؛ لأن فعلهن ذلك كان في غيبة أزواجهن وهن معتزلات عنهم في حضرته ﷺ .
ومنها: أنه ينبغي للإمام إذا لم يكن في بيت المال شيء من مال أو متاع أو عقار أن يطلب الصدقة للمحتاجين، ويقيم من يتطوع بجمعها لهم، وكذلك كبير القوم يفعل إذا دعت إلى ذلك حاجة أو ضرورة.
ومنها: المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إليها.
ومنها: الصدقة بجميع أنواع المال، وإن كان المتصدق محتاجًا إلى ما يتصدق به.
ومنها: منقبة ظاهرة للنساء المتصدقات، ورفع مقامهن في الدين، وامتثال
стр. 708
أمر الرسول ﷺ مع أنهن ضعيفات عن التكسب غالبًا، وتحصيل الأموال، والشحُّ فيهن أغلب من الرجالُ، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ نُسَيْبةَ الأَنْصَارِيةِ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ فِي العِيدَيْنِ العَوَاتِقَ وذَوَاتِ الخُدُورِ، وَأَمَرَ الحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَى المُسْلِمِين حَتى يَخْرَجَ الحُيضُ فَيُكَبرْنَ بِتكبِيرِهِم، وَيدْعُونَ بِدُعَائهِم، ويَرْجُونَ بركَةَ ذَلِكَ اليَوْم وَطُهْرَتَهُ. وفي لفظ: كنا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَومَ العِيدِ، حَتَّى تَخْرُجَ البِكْرُ مِنْ خِدْرِهَا (١).
أما أم عطية نُسيبة، وهي: -بضم النون، وفتحها-، ذكرهما الخطيب أبو بكر الحافظ البغدادي في كتابه "الأسماء المبهمة"، قال: عن علي المديني: أن عبد العزيز بن المختار سمى أم [عطية]: نسيبة بضم النون، وأن يزيدَ بن زريع سماها نسيبة بفتح النون.
واختلف في اسم أبيها، فقال أبو نعيم وابن منده: هي بنت كعب، وقال أبو عمر بن عبد البر: هي بنت الحارث، وهي مشهورة بكنيتها، وهي التي غسَّلت بنتَ النبي ﷺ ، وقال ابن ماكولا: أم عطية: نُسيبة -بضم أوله وفتح ثانيه- الأنصاريةُ، لها صحبةٌ، وروى عنها محمد بن سيرين، وأخته حفصة.
قال: وأما نَسيبة -بفتح أوله وكسر ثانيه-، فهي أم عمارة نسيبة بنتُ كعب الأنصارية، كانت تشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ روى عنها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة.
وقال ابن الأثير الجزري: كانت أم عطية من كبار نساء الصحابة، وكانت
стр. 709
تغسل الموتى، وتغزو مع رسول الله ﷺ ، تعد في أهل البصرة.
وقد قال عبد الغني المقدسي الحافظ: روي لها عن رسول الله ﷺ أربعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ستة، وانفرد البخاري ومسلم بآخر.
قلت: وروى لها أصحاب السنن والمساند، وجعل الحافظ أبو حاتم بن حبان ﵀ أمَّ عطية الأنصارية وأمَّ عمارة واحدة لها كنيتان، فقال: أم عطية الأنصارية التي دخلت البصرة اسمها نسيبة بنتُ كعب المازنية، وهي أم عمارة، وهي والدة عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، روى عنها ابن سيرين، وأهل البصرة، وتقدم ذكرها في الكلام على الحديث الثامن من كتاب الطهارة، في ترجمة ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنها أم عمارة لا أم عطية، والله أعلم (١).
وأما الألفاظ: فالعواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقيل: التي قاربت البلوغ، وقيل: هي ما بين أن تبلغ إلى أنْ تعنس ما لم تتزوج، والتعنيسُ: طول المقام في بيت أبيها بلا زواج حتى تطعن في السن، قال أهل اللغة: سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج، وقيل: لأنها قاربت أن تتزوج، فتعتق من قهر أبويها وأهلها، وتشتغل في بيت زوجها.
وأما الخدور، فهي جمع خِدْر، وهي البيت، وقيل: الخدر: ستر في ناحية البيت.
قولها: أمر الحيض: أمر -بفتح الهمزة والميم-، ومعناه: أمر النبي ﷺ ،
стр. 710
وكان المقصود بالأمر بإخراجهن جميعهن المبالغة في الاجتماع وإظهار الشعار، وكان المسلمون إذ ذاك في غاية القلة، فاحتيج إلى المبالغة بإخراج العواتق وذوات الخدور الحيض منهن والطاهرات لذلك، وأمرُ الحيض باعتزال مصلى المسلمين ليس لتحريم حضورهنَّ فيه إذا لم يكن مسجدًا، بل إما مبالغة في التنزيه لمحل العبادة في وقتها على سبيل الاستحسان، أو لكراهة جلوس من لا يصلي مع المصلين في محل واحد في حال إقامة الصلاة؛ كما جاء أن النبي ﷺ قال لرجل: "ما منعكَ أنْ تصلي معَ الناس، ألستَ برجل مسلم؟ " (١)؛ ولا يصح أن يستدل بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين والخروج إليها؛ لأن هذا الأمر إنما توجه لمن ليس بمكلف بالصلاة باتفاق؛ كالحيض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريبُ الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب، وإظهار جمال الدين.
قولها: فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، ويرجون بركةَ ذلك اليوم، وطُهرته: هذا إشعار بتعليل خروجهن لأجل ما ذكر الفقهاء أو بعضهم يستثنى خروج الشابة التي يخاف من خروجها الفتنة، وقد تقدم اختلاف الصحابة ومَنْ بعدهم في ذلك في الحديث قبله.
واعلم أن التكبير للعيدين شُرع في أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، وفي أول الصلاة، وفي أول الخطبة، وبعد الصلاة، وسيأتي بيان تفصيله في أحكام الحديث، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
الأول: أن السنة الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عملُ الناس في معظم الأمصار، وأما أهلُ مكة، فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول، واختلف أصحاب [الشافعي]
стр. 711
-﵏ في الأفضل في صلاة العيد؛ أن تفعل في الصحراء، أو في المسجد؟ على وجهين:
أصحهما عند المحققين منهم: الصحراء أفضل؛ لهذا الحديث وغيره.
والثاني: وهو الأصح عند أكثرهم: المسجد أفضل، إلا أن يضيق على الناس، وعللوه بأن صلاة أهل مكة في المسجد كانت لسعته، وخروج النبي ﷺ إلى المصلى لضيق المسجد، فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع.
الثاني: أن السنة خروج الناس كلهم إلى المصلى، الرجال والنساء والجواري والصبيان؛ لما فيه من إظهار الشعار، لكن السنة إذا خرج النساء مع الرجال أن يكن في حافات الطريق لا في وسطها.
الثالث: منعُ الحيَّضِ من النساء من المصلى، وأن يعتزلن الناسَ فيه، وقد اختلف أصحاب الشافعي في هذا المنع، هل هو للتنزيه، أم للتحريم؟ فالذي قاله جمهورهم، بل كلهم إلا واحدًا أو اثنين: للتنزيه؛ للاحتراز من مقارنتهن للرجال من غير حاجة ولا صلاة، ولصيانتهن، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس مسجدًا.
وحكى أبو الفرج الدارمي منهم عن بعض أصحاب الشافعي وجهًا: أنه يحرم مكث الحائض في المصلى كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنه موضع للصلاة، فأشبه المسجد، والأول هو الصواب.
الرابع جواز ذكر الله للحائض من غير كراهة، وكذلك الجنب، وإنما يحرم عليهما قراءة القرآن.
الخامس: حضور مجالس الذكر والخير لكل أحد من الجنب والحائض ومن في معناهما، إلا في المسجد.
السادس: شرعية التكبير في العيدين لكل أحد، وفي كل موطن، خلا موضع نهى الشرع عنه، وهو مجمَع عليه، ويستحب أيضًا ليلتي العيدين، ويقدم مواطن التكبير في العيد، ويتأكد استحبابه حال الخروج إلى الصلاة، وبه قال جماعة من الصحابة وسلف الأمة، وكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون
стр. 712
أصواتهم، وقاله الأوزاعي ومالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، وقالوا بقول الجمهور.
وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، فمالك يراه، وغيره يأباه.
وأما التكبير في أول صلاة العيد سوى تكبيرة الإحرام في الأولى، وتكبيرة القيام إلى الثانية، فهو متفق عليه بين العلماء للإمام والمأموم والمنفرد، لكن اختلفوا في عدده:
فقال الشافعي: سبع في الأولى، وخمس في الثانية.
وقال مالك وأحمد وأبو ثور: ست في الأولى، وخمس في الثانية.
وقال الثوري وأبو حنيفة فيما حكاه عنهما ابن المنذر، يكبر أربع تكبيرات قبل القراءة، ثم يقوم في الركعة الثانية فيقرأ، ثم يكبر أربع تكبيرات، ثم يركع بالتكبيرة الرابعة، قال: وبهذا القول قال أصحاب الرأي، وممن قال به من الصحابة: ابن مسعود، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وعقبة بن عامر.
واعلم أن جمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء والشافعي وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، وروي هذا عن ابن مسعود -أيضًا-.
وأما التكبير بعد الصلوات وغيرها، فهو مشروع في عيد الفطر من غروب الشمس ليلة العيد إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، وفي عيد الأضحى اختلف علماء السلف ومن بعدهم في ابتدائه وانتهائه على نحو عشرة مذاهب، أما ابتداؤه، فمن صبح يوم عرفة أو ظهره، أو صبح يوم النحر أو ظهره أو عصره، أقول: وأما انتهاؤه، فمن ظهر يوم النحر، أو ظهر أيام النفر، أو في صبح آخر أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره، أقوال، واختار مالك والشافعي وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعي قول: إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقول: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر
стр. 713
التشريق، وهو الراجح عند جماعة من العلماء الشافعيين وغيرهم، وعليه العمل في الأمصار.
السابع: جواز بروز الأبكار للطاعات بشرط ألَّا تتبرج ولا تفتتن ولا يفتن بها.
الثامن: أنه ينبغي لأولياء الجواري والصبيان أن يُمَرِّنوهُم على العبودية لله تعالى بالدعاء له وتكبيره، ويعرفوهم بركةَ ذلك اليوم، وما يترتب عليه من الثواب والجزاء والغفران، ولذلك يجب عليهم تعلم ما يجب عليهم ويحرم، حتى قال الواحدي: يجب عليهم تعليم أسماء الأنبياء، ونقل الاتفاق عليه، والله أعلم.
التاسع: ينبغي مراعاة يوم العيدين؛ لبركتهما، بمزيد الخيرات، وتطهير السيئات، وعدم ارتكاب المخالفات.
العاشر: فضلُهما في ذاتهما وشرف زمنهما على غيره؛ فإن الشرف يكون بالعطاء، ويكون بالمنع من البلاء، وهذان حاصلان فيهما؛ مما جعله الله فيهما، فينبغي مراقبتهما لما ذكرنا، والله أعلم.
* * *
стр. 714
باب الكسوف
الحديث الأول
عَنْ عَائشِةَ ﵂ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلاة جامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (١).
تقدم ذكر عائشة ﵂.
وقولها: خَسَفَتْ، يقال: خسفت -بفتح الخاء المعجمة وفتح السين المهملة-، ويقال: خُسِفَتْ -بضم الخاء، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه-، يقال: كسفت الشمس والقمر، وكُسفا، وانكسفا، وخَسفا، وخُسِفا، وانخسفا، ست لغات.
وقيل: الكسوف مختص بالشمس، والخسوف بالقمر، وهو ظاهر في القرآن العزيز في سورة القيامة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨)﴾ [القيامة: ٧]، وقيل عكسه، وهو ضعيف، ويشهد لاختلاف اللغات اختلاف الألفاظ في الأحاديث الصحيحة، وكلها بمعنى واحد؛ فإنها كلها أطلقت على معنى واحد.
وفيل: الكسوف في أوله، والخسوف في آخره إذا اشتد ذهاب الضوء.
стр. 715
وقيل: الكسوف: ذهابُ النور بالكلية، والخسوفُ: تغير اللون (١).
قولها: فبعث مناديًا ينادي: الصلاةَ جامعةً، الصلاةَ جامعةً، منصوبان، الأول على الإغراء، والثاني على الحال.
وفي هذا الحديث أحكام:
الأول: المبادرة إلى الصلاة عند خسوف الشمس والسعي في أسبابها بالنداء لها والاجتماع.
الثاني: اهتمام الإمام بها والتحريض عليها.
الثالث: المبادرة إلى الاجتماع لها من غير تأخير.
الرابع: كونها سنةً مؤكدة، وذلك مجمَعٌ عليه؛ لبِدار النبي ﷺ إليها، وجمع الناس عليها، وإظهاره ذلك.
وحكم خسوف القمر كذلك عند الجمهور، وتردد مالك في الصلاة له، ولم يلحقها بكسوف الشمس في قول.
الخامس: لا يؤذَّن لها، ولا يُقام، اتفاقًا، وهذا الحديث يدل على أنه ينادى لها: الصلاةَ جامعةً، وهو حجة لمن استحبه.
السادس: أن السنة أن تصلَّي في جماعة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وقال العراقيون: فرادى، وهذا الحديث وغيره حجة عليهم.
السابع: السنة في كيفيتها أن تُصلَّى ركعتين، في كل ركعة قيامان وركوعان وسجودان، وهو مذهب الشافعي، ومالك، والليث، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وجمهور علماء الحجاز وغيرهم.
وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، وهذا الحديث مع حديث جابر
стр. 716
وابن عباس وابن عمرو بن العاص حجة عليهم، مع أنه قد صح غيره أيضًا، وهو ثلاث ركعات، وأربع ركعات في ركعة واحدة، لكن قال ابن عبد البر: أحاديث قول الجمهور أصحُّ ما في الباب، وما باقي في الروايات المخالفة معللة ضعيفة (١).
قلت: وحديث جابر بن سمرة وأبي بكرة: أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ركعتين (٢)، الذي احتج به الكوفيون، مطلق، والروايات الصحيحة تبين المراد به، وبتقدير صحته، فالروايات الكثيرة أصح، ورواتها أحفظ وأضبط، ومن العلماء من اعتذر عنه بأن النبي ﷺ كان يرفع رأسه ليختبر حال الشمس، هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت، ركع.
وقال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وفي هذا التأويل ضعف إذا قلنا: سنتها ركعتان كسائر النوافل (٣).
ومن العلماء من قال: اختلاف الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخرَ انجلاءُ الكسوف، فزاد عددَ الركوع، وفي بعضها أسرعَ الانجلاء، فاقتصرَ، وفي بعضها توسَّطَ بينهما، فتوسَّطَ في عدده.
واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منويٌّ من أول الحال، وكان العلماء
стр. 717
الذين جعلوا اختلاف الروايات بحسب الانجلاء جعلوا ذلك سنة صلاة الكسوف، لا أن يكون سنتها أن يكون هيئتها منوية من أولها، فيكون الفعل مبينًا لنسبة هذه الصلاة، وعلى مذهب من جعلها ركعتين، كانهم أرادوا أن يخرجوا فعل الرسول ﷺ في العبادة عن المشروعية مع مخالفتهم للقياس في زيادة ما ليس من الأفعال المشروعة، في الصلاة.
وقال إسحاق بن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم من العلماء: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمولٌ على بيان جواز جميعها، فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قوي، والله أعلم.
الثامن: جواز إطلاق لفظ الركعات على نفس الركوع.
التاسع: تقدم الإمام على المأمومين.
العاشر: أن يكون إحرام الإمام وتكبيره عقبَ كونه في مصلاه.
الحادي عشر: استحباب بعث الإمام من ينادي بصلاة الكسوف، وكذلك ينبغي أن يفعل في كل صلاة شرعت لها الجماعة.
الثاني عشر: نُقِل فعل النبي ﷺ عند تغير الأحوال والأزمنة إلى أمته للاقتداء والعمل، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أَبي مَسعودٍ عُقْبةَ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِي البَدْرِي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إن الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللهِ يُخَوِّفُ اللهُ بهمَا عِبَادَهُ، وإنَّهُمَا لا يَنكسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإذَا رَأَيْتُم مِنْهَا شَيئًا، فَصَلوَا، وادْعُوا حَتَّى يَنكشِفَ مَا بِكُمْ" (١).
стр. 718
أما أبو مسعود الأنصاري، فتقدم ذكره.
واعلم أن كسوف القمر كان في جمادى الاَخرة السنة الخامسة من هجرته ﷺ [إلى] المدينة فيما ذكره أبو حاتم بن حبان ﵀ في "تاريخه"، قال ﵀: فجعلت اليهود يرمونه بالشهب، ويضربون بالطاس، ويقولون: سحر القمر، فصلى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، هذا آخر كلامه.
قلت: فثبت بما ذكره أن الضرب على الطاس ونحوه عند كسوف القمر من فعل اليهود، فينبغي أن يُجتنب؛ لعموم نهيه ﷺ عن التشبُّه بالكفار، وأمرِه ﷺ بمخالفة اليهود.
وأما كسوف الشمس، فكان في سنة ست من الهجرة، وبعد رجوعهم من سرية إلى العمر وقبل سرية إلى ذي الفضة، ثم كان بعد ذلك في سنة عشر من الهجرة، يقال: إنه كان يوم مات إبراهيم يوم عاشوراء، ولا يصح؛ فإن إبراهيم بن النبي ﷺ ولد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وعاش ستة عشر شهرًا، وكان من مارية القبطية، هكذا ذكره ابن حبان الحافظ (١)، وأما القضاعي، فقال: ولد سنة ثمان من الهجرة، ومات وله سنة وعشرة أشهر وثمانية أيام، وعلى كلا القولين لا يصح موته يوم عاشوراء نقلًا، ولا يصح -أيضًا- في اصطلاح أرباب تسيير الكواكب، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "إن الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، معناهما: أنهما علامتان دالتان على عظم قدرة الله تعالى وقهره، وكمال إلهيته، وإنما خصهما بالذكر؛ لما وقع للجاهلية من أنهما لا يخسفان إلا لموت عظيم، وهذا لا يصدر إلا ممن لا علمَ له، ضعيفِ العقل، مختلِّ الفهم، فرد ﷺ جهالتهم، وتضمن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر ﷺ بالمعنى الذي لأجله ينكسفان، وهو قوله ﷺ : "يخوف الله بهما عباده"؛ أي: إنه ينبغي للعباد الخوف عند وقوع
стр. 719
التغيرات العلوية، فإن قيل: وأي تخويف في ذلك؟ والكسوف أمرٌ عادي بحسب تقابل هذه النيرات وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم الكثيف نور الشمس عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويف، فيكون لكسوف الشمس والقمر أسبابٌ عادية يخرج كسوفهما عن التخويف، فينافي التخويف المذكور في الحديث، وذلك فاسد؛ فإنا لا نسلم أن سبب الكسوف ما ادعوه، ومن أين عرفوا ذلك بالعقل أم بالنقل؟ وكل واحد منهما إما بواسطة تطرأ، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعة، وغايتهم أن يقولوا: [إن] ذلك مبني على أمور هندسية ورصدية يفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع إفضاء ما ذكروه إلى القطع، وهو أول المسألة، ولئن سلمنا ذلك جدلًا، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعددة: أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفاتِ التي تقع بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام ﷺ فزعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٧، ٨، ٩]، قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك.
و-أيضًا- فإن كل ما في العالم علويِّه وسفليِّه دليل على تفرد قدرة الله تعالى وتمام قهره باستغنائه وعدم مبالاته، وذلك كله يوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فأصحاب المراقبة له ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته وعظيم قدرته على خرق العادة واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا وقع عندهم شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى على ما يشاء، وذلك لا يمنع أن يكون ثم أسبابٌ تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها، ولهذا كان ﷺ عند اشتداد هبوب الريح يتغير، ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عافى، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة، فيكون لله تعالى أفعال خارجة عن كل الأسباب، وأفعال خارجة على الأسباب، وقدرته حاكمة على كل سبب، فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض.
стр. 720
وخص هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مُخيف موجع، بخلاف ما كثر وقوعهُ؛ فإنه لا يحصل منه ذلك غالبا، و -أيضًا- فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدها، ولما وقع من اعتقاد تأثيرهما حتى قالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال ﷺ هذا الكلام ردًّا عليهم، والحكمة في ذلك في قوله ﷺ : "لا ينكسفان لموت أحد من الناس": أن بعض الجاهلية الضلال كانوا يعظِّمون الشمسَ والقمر، ويقولون: انخسفا لموت العظماء؛ لعظمهما عندهم، فبين ﷺ أنهما مخلوقان، لا صنع لهما؛ كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغيير كغيرهما، وكان بعض الضلال من المنجمين وغيرهم يقولون: لا ينكسفان إلا لموت عظيم، حتى قالوا عند مصادفة موت إبراهيم ﵁، فبين ﷺ أن هذا باطل -أيضًا-؛ لئلا يغتر أحد بأقوالهم، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "فإذا رأيتم منها شيئًا، فصلُوا وادعوا حتى ينكشفَ ما بكم" معناه: بادروا بالصلاة والدعاء، وأسرعوا إليهما حتى يزول هذا العارض الذي يخاف كونه مقدمةَ عذاب أو وجود عذاب، ولا شك أن الله امتنَّ على البشر بالشمس والقمر ونورهما، ووصف القمر بالنور، والشمسَ بالسراج، فإذا زال ذلك، أو تغير، فهو عذابٌ حاضر، سواء عاد نورهما، أم لم يعد، لكن عدم عودهما أشدُّ عذابًا؛ لما يدل على قرب الساعة وأهوالها، فالإسراعُ إلى الصلاة والدعاء سببٌ لرفع البلاء غالبا، وفي أمره بالصلاةُ والدعاء جميعا ما يدل على أن المراد بالصلاة: الصلاة المشروعة للكسوف؛ لجمعه في الأمر بينهما، فلو كان المراد بالصلاة: الدعاء الذي به سميت الصلاة، لما حسن ذلك، فدل على ما ذكرنا، وإذا كان كذلك، فيقتضي الأمر بهما أن تكون غاية فعلهما إلى الانجلاء.
قال الفقهاء: إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المشروع، ولم يقع الانجلاء: إنها لا تصلى ثانيًا، بخلاف صلاة الاستسقاء؛ فإنهم إذا لم يُسْقَوا، صَلَّوا ثانيًا وثالثًا.
وقال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: وليس في هذا الحديث ما يدل
стр. 721
على خلاف ما ذكره الفقهاء في صلاة الكسوف؛ من عدم إعادتها إذا صليت ولم تنجل؛ لوجهين:
أحدهما: أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص، ومطلق الصلاة شائع إلى حين الانجلاء.
الثاني: لو سلمنا أن المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور، لكان لنا أن نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين؛ أعني: الصلاة والدعاء، ولا يلزم من كونهما غاية لمجموع الأمرين أن يكونا غاية لكل واحد منهما على انفراده بخلاف، فجاز أن يكون الدعاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص مرة واحدة، ويكون غاية المجموع (١).
وفي الحديث دليل على: التنبيه بالاعتبار بآيات الله وحدوث ظهورها، وعلى عظيم قدرته وإلهيته ، وعلى أن الكواكب وغيرها لا فعلَ لها ولا تأثيرَ، وإنما هي علامات، وعلى الرجوع إلى الله تعالى عند الحوادث المخالفة للعادة بالصلاة والدعاء، خصوصًا إذا خشي زوال نعم الله تعالى فيها، وعلى شرعية صلاة الكسوف، والتوجه إلى الله تعالى عنده، وعلى وجوب البيان للأمور، خصوصًا إذا اعتقد خلاف الصواب فيها، وعلى الاجتهاد في السؤال لله تعالى، والعبادة حال وجود الحوادث حتى تزول.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ عَائشِةَ ﵂: أنهَا قَالَتْ: خُسِفَتِ الشمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ، فَأطَالَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فأطالَ الرُّكُوعَ، ثُم قَامَ فأطالَ القِيَامَ، وَهُوَ دُونَ القِيَام الأَولِ، ثُم رَكَعَ فَأطالَ الركُوعَ، وَهُوَ دُونَ الركوعِ الأَولِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأطَالَ السجُودَ، ثُم فَعَلَ في الركْعَةِ الأخْرَى
стр. 722
مِثْلَ مَا فَعَلَ في الركْعَةِ الأولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ الناسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللهِ، لا يَخْسِفانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللهَ، وَكبِّروا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللهِ ما مِنْ أَحَدٍ أَغْير مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزنيَ أَمَتُهُ، يَا أمةَ مُحَمدٍ! واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُم قَلِيلًا، وَلَبكَيْتُمْ كَثيرًا". وَفِي لَفْظٍ: فَاسْتكمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (١).
تقدم الكلام على بعض هذا الحديث في الحديث الأول والثاني، ونتكلم -إن شاء الله تعالى- على باقي ما يتعلق بهذا الحديث.
قوله ﷺ : "يا أمة محمد! ما من أحد أغيرُ من الله"، من زائدة، تقديره: ما أحدٌ، وثبت في "صحيح مسلم": "إنْ من أحدٍ"، وهي نافية بمعنى: ما، فعلى هذا، يجوز في أغير النصب خبر (إن) النافية؛ فإنها تعمل عمل (ما) عند الحجازيين، وعلى اللغة التميمية فيها: أغيرُ مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد، فالوجهان جائزان، في رواية الكتاب في أغير النصب والرفع.
والغيرةُ في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغَيْران عندما ينال شيءٌ من حرمه أو محبوباته يحمل على صيانتهم ومنعهم، وهذا التغير على الله تعالى مُحالٌ؛ إذ هو منزه عن كل تغير ونقص، لكن لما كانت ثمرة الغيرة صونَ الحريم ومنعَهم، وزجرَ القصد إليهم، أطلق ذلك على الله تعالى؛ إذ قد زجر وذم، ونصب الحدود، وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء من محارمه، وهذا من باب التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه.
ولا شك أن المنزهين لله تعالى عن سمات الحدث ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل، وإما مؤول على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء؛ فإن الغائر على الشيء مانعٌ له، حامٍ له، فالمنعُ والحماية من لوازم
стр. 723
الغيرة، فأطلق لفظ الغيرة عليهما من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه الشائعة في لسان العرب كما ذكرنا، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند من يُسلِّم التنزيه؛ فإنه حكم شرعي؛ أعني: الجواز وعدمه، كما تؤخذ سائر الأحكام، إلا أن يدعي مدَّعٍ أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع -أعني: المنع من التأويل- ثبوتًا قطعيًّا، فخصمُه يقابله حينئذٍ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض خصومه إلى التكذيب القبيح.
وقوله ﷺ : "يا أمة محمد! والله لو تعلمونَ ما أعلمُ، لَضحكتُم قليلًا، ولَبكيتُم كثيرًا" معناه: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت، ترونَ النار كما رأيت في مقامي هذا، وفي غيره، لبكيتم كثيرًا، ولقلّ ضحككم؛ لفكركم فيما علمتموه.
ولما كانت النفوس مجبولةً على الإخلاد إلى الشهوات، والأخذ بالرخص وترك العزائم، وذلك كلُّه يوقعها في الخطر العظيم، ويحملها عليه، قابلها ﷺ الطبيب الحاذق بما يصدُّها، لا بما يزيدها؛ فإن العلل المزمنة إن لم يبادر إليها بقطع مادة الداء بالدواء النافع القاطع لها، وإلا استحكمت العلة.
وقولها: "فاستكمل أربعَ ركعاتٍ وأربعَ سجداتٍ" أطلقت الركعات على عدد الركوع، وتقدم في الحديث الأول إطلاقها في ركعتين، وهو متمسَّك بعض المالكية في أنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني؛ من حيث إنه أطلق على الصلاة ركعتين.
وفي الحديث أحكام:
منها: شرعية صلاة الكسوف في جماعة بإمام.
ومنها: شرعية طول القيام فيها، ولم يذكر في الحديث حد لطوله، لكن قال أصحاب الشافعي وغيرهم بطول القيام الأول نحوًا من سورة البقرة؛ لحديث ورد فيه.
ومنها: تطويل الركوع الأول، ولم يذكر -أيضًا- في الحديث له حد، وذكر
стр. 724
الشافعية أنه يطوله بقدر مئة آية، وذكر غيرهم أنه لا يطوله إلا بما لا يضر بمن خلفه.
ومنها: أن القيام الثاني يكون دون القيام الأول، وهو سنة هذه الصلاة، وهو مناسب لحكم الركعة الثانية في غيرها من الصلوات عند المحققين من العلماء أن يكون أقصر من الأولى، وكان السبب فيه أن النشاط في الركعة الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملال.
واعلم أن النبي ﷺ اعتبر خلاف معنى هذه المناسبة في قيام الليل، فقالَ ﷺ : "إذا قامَ أحدُكم من الليل، فليصلّ رَكعتينِ خفيفتين، ثم لْيُطَوّلْ ما شاء" (١)، وكانت المناسبة في ذلك استدراج النفس من التخفيف إلى حلاوة التثقيل، وهو التطويل، وكذلك ذكر العلماء مناسبة شرعية السنن الراتبة قبل الصلوات، وكذلك إذا اعتبرتَ مناسبةَ التنزيل للكتاب العزيز، وشرعية الأحكام وتكثيرها، فإنك تجدُها متدرجة من التخفيف والتقليل إلى التثقيل والتكثير؛ ليكونا أثبتَ وأبعدَ من الملال فيهما، ولهذا قال النبي ﷺ : "خُذُوا من العملِ ما تُطيقون الدوامَ عليه" (٢) الحديث، والله أعلم.
واعلم أن الفقهاء اتفقوا على القراءة في هذا القيام الثاني؛ أعني: الذين قالوا به، وجمهورهم، على قراءة الفاتحة، وقالوا: لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا تقرأ الفاتحة في القيام الثاني، وكأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى فيها الفاتحة، فهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث كما ذكرنا في قول عائشة: واستكمل أربع ركعات في أربع سجدات.
стр. 725
وقولها: "فصلى أربع ركعات في ركعتين"، واتفق العلماء على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصرُ من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية يكون أقصر من الأول منهما.
واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى، أم هما سواء؟ فمن قال: تكون أقصر في ذلك كله، يجعل قوله ﷺ : "وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول" عائدًا إلى مجموع الصلاة، وهو بعيد من لفظ الحديث، فإنها قالت: ثم فعل في الركعة الثانية مثلَ ما فعل في الركعة الأولى، والمثلية في الثانية تقتضي التسوية بينها وبين الأولى من غير تقصير عنها، والعلماء متفقون على شرعية إطالة القراءة والركوع فيها كما وردت به الأحاديث، فلو اقتصر على الفاتحة في كل قيام، وأدنى طمأنينة في كل ركوع، صحَّت صلاته، وفاته الفضيلة.
ومنها: استحبابُ إطالة السجود فيها، وظاهر مذهب مالك والشافعي أنه لا يطوله، بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات، وبه قال جمهور أصحاب الشافعي، والذي نص عليه المحققون، ونص عليه الشافعي ﵀ في "البويطي"، وقاله أبو العباس بن سريج: أنه يطول كما يطول الركوع، ولفظ الشافعي في "البويطي": ثم خر ساجدًا، فسجد سجدتين تامتين طويلتين، يقيم في كل سجدة نحوًا مما أقام في ركوعه، لكن قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ في "المهذب" (١) بعد حكايته عن ابن سريج تطويله: إنه ليس بشيء؛ قال: لأن الشافعي لم يذكر ذلك، ولا نقل ذلك في خبر، ولو كان قد أطال النقل كما نقل في القراءة والسجود، وهذا الذي قاله غير مقبول؛ لعدم اطلاعه على الأخبار الصحيحة، ومنصوصات الشافعي الجديدة في ذلك؛ كحديث الكتاب في إطالة السجود، وفي حديث آخر عن عائشة أنها قالت: "ما
стр. 726
سجدَ سجودًا أطولَ منه" (١)، وكذلك ثبت بطوله من حديث أبي موسى، وجابر بن عبد الله ﵃، وقد تقدم نقلنا له عن مختصر "البويطي"، وهو من أجل أو أجل منصوصات الشافعي في كتبه الجديدة، والذي ذكره أبو إسحاق الشيرازي ﵀ من عدم ذكر الشافعي له إنما أراد في "مختصر المزني" فقط، لا غيره، والله أعلم.
ومنها: شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لقولها: "فخطب الناس، فحمِدَ الله وأثنى عليه"، وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث، قالوا: استحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد، وقال بعض أتباع مالك: لا خطبة لها، ولكن يستقبلهم، ويذكرهم، وهذا خلاف الظاهر من الحديث؛ لأنه ابتدأ بما يبتدئ به الخطيب من الحمد لله والثناء عليه، وما ذكر من أن المقصود الإخبار بأنهما: "آيتان من آيات الله" إلى آخره ردًّا على من قال: "إنهما ينكسفان لموت عظيم"، وقد قالوه عند موت إبراهيم بن النبي ﷺ ﵁، والإخبار عن الجنة والنار؛ حيث رآهما، وذلك يخصه ﷺ دون غيره، كله ضعيف؛ فإن الخطب لا تنحصر مقاصدها بما يخص الخطيب، بل ما ذكر مطلوب للخطيب وغيره؛ فإن الحمد والثناء والموعظة شامل لذكر الجنة والنار، وكونهما آيتين من آيات الله، وذلك بعض مقاصد الخطبة؛ لأن المقصود لو سلم خصوصيته ﷺ بذلك.
ومنها: أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء، بخلاف الصلاة.
ومنها: أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله تعالى، والثناء عليه دون شيء اَخر من الذكر والبسملة وغيرهما، ومذهب الشافعي وأحمد: أن لفظة الحمد لله متعينة، فلو قال معناها، لم تصح خطبته.
ومنها: شرعية صلاتها لخسوف القمر ككسوف الشمس في جماعة، وبه قال
стр. 727
الشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وروي عن جماعة من الصحابة وغيرهم؛ لقوله ﷺ : "فإذا رأيتم ذلك، فصلُّوا" بعد ذكرهما من غير تفصيل في جماعة أو فرادى، وقد فعلها ﷺ في جماعة في كسوف الشمس، فدل على أن كسوف القمر كذلك، وقال مالك وأبو حنيفة: لا تسن الجماعة في كسوف القمر، ولا أن تكون هيئتها كهيئة كسوف الشمس من تكرار الركوع وتطويلها، بل تسن صلاتها ركعتين فرادى كسائر الصلوات، والله أعلم.
ومنها: جواز فعلها في أوقات الكراهة وغيرها عند رؤية الكسوف أيَّ وقت كان؛ فإنه ﷺ أمر بها إذا رأوا كسوفها، وهو عام في كل وقت، وهو مذهب الشافعي وغيره، واختلف مذهب مالك في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها لا تفعل إلا بعد جواز النافلة إلى الزوال، وقيل في مذهبه -أيضًا-: إنها لا تفعل إلا بعد صلاة العصر، ومنطوقُ الحديث بعمومه يردُّ ذلك.
ومنها: استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحب عند كل المخاوف؛ لاستدفاع البلاء والمحاذر.
ومنها: استحباب الدعاء والتوجه إلى الله تعالى واللجوء إليه عند المخاوف والشدائد، ولا شك أن الدعاء في الرجاء مطلوب للشرع بكونه سببًا لدفع البلاء والشدائد؛ فإنه ثبت في الصحيح مرفوعًا: "تَعَرَّفْ إلى الله في الرخاء يعرفْكَ في الشَّدةِ" (١)، وروى الترمذي من رواية أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "من أرادَ أن يستجيبَ اللهُ دعاءه عندَ الكَرْبِ والشدائد، فلْيُكْثِرْ من الدعاءِ في الرَّخاء" (٢).
стр. 728
ومنها: أنه ينبغي ألا يفخم الإنسان نفسه، ولا يعظمها بالوصف المتصف به، بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له؛ فإن النبي ﷺ قال في الخطبة: "يا أمة محمد! "، وكرره من غير أن يضيفهم إلى نبوته، ولا رسالته، ولا ياء الإضافة، كل ذلك تواضعًا وأدبًا، والله أعلم.
ومنها: الحث على اجتناب الزنا والمعاصي، وتفخيم العقوبة عليها وقبحها عند الله تعالى، ولا شك أن الزنا من الكبائر، لا يكفر بفعله كفرًا يخرجه عن الإسلام إلا أن يعتقد حلَّه، فيكفر إجماعًا، وينبغي اجتناب المعاصي كلِّها صغيرِها وكبيرها؛ فإنه ثبت أن النبي ﷺ قال: "لا يَحْقِرَنَّ أحدكم صغيرَ الذنبِ، فربما به دخلَ النارَ" (١)، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من الخير شيئًا؛ فإنه ثبت أنه ﷺ قال: "لا تحقرنَّ من المعروفِ شيئًا ولو أن تَلْقى أخاكَ بوجهٍ طَليقٍ" (٢)، والجامع لذلك كله قوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
ومنها: الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء، والتحقق بما الإنسان صائرٌ إليه، وما هو فيه، ولا شك أن كثرة الضحك وقلة البكاء مذمومان للشرع؛ فإنهما يدلان على قسوة القلب، وكثرة البطر، ومن الضحك ما هو محمود، وهو ما اقترن به مقصود شرع من تعجب بنعم الله تعالى، أو فرح للمسلمين، أو تجلد على الكافرين والمنافقين، ونحو ذلك، ومن البكاء ما هو مذموم؛ كالبكاء لإظهار الجزع، أو للرياء، أو لإضعاف المؤمنين، أو تحزنًا على المنافقين، أو
стр. 729
ما شاكل ذلك، فأما ما كان منه خشية لله تعالى، وخوفًا، فهو شعار عباد الله العارفين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير للذنوب، وتقريب من علام الغيوب، وقد يغلب على الفاجر البكاء كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعًا وموقوفا: "إذا كَمُلَ فُجورُ الرجلِ مَلَكَ عينيهِ، فإذا أراد أن يبكي، بكى" (١)، وقد يقع البكاء على أمر نفساني، فيتوهم أنه من خشية الله تعالى، فليتفطن لذلك؛ ليقطع ويجتنب، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ أَبي [مُوسَى]﵁ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعًا يَخْشَى أن تكونَ السَّاعَةُ حَتى أتى المَسْجِدَ، فَقَامَ، فَصَلَّى بأطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهَ في صلاَةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: "إن هَذه الآيَاتِ التي يُرْسِلُهَا اللهُ لَا تكونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِن اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائه وَاسْتِغْفَاره" (٢).
أما أبو موسى، فتقدم ذكره، وأن اسمه: عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار الأشعري، وتقدم الكلام على معظم هذا الحديث قبله، فإن ذلك جميعه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وهي لغة صحيحة ثابتة كما تقدم.
وقوله: "فقام فزعًا يخشى أن تكونَ الساعة".
قد استشكل ذلك من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها، ولم
стр. 730
تقع؛ كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار، والدجال، وقتال الترك، وأشياء كثيرة لا بد من وقوعها قبل الساعة؛ كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وقتال الخوارج، وغير ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث، وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: لعل هذا الكسوف قبل إعلام النبي ﷺ بهذه الأمور.
وثانيها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض مقدماتها.
وثالثها: إن قيامه ﷺ فزعًا خاشيًا أن تكون الساعة إما هو ظن من الراوي لما رآه خرج إلى الصلاة مستعجلًا مبادرًا إليها؛ لا أنه ﷺ خشي ذلك حقيقة، ولعله ﷺ خاف أن يكون الكسوف نوعَ عقوبة؛ لخوفه عند هبوب الريح أن يكون عذابًا، فظن الراوي خلاف ذلك، ولا اعتبار بظنه، وذلك دليل على دوام مراقبته ﷺ لفعل الله تعالى، وتجريد الأسباب العادية عن إيجادها لمسبباتها.
وفي الحديث أحكام:
منها: أن السنة في صلاة الكسوف أن تكون في المسجد الجامع، وهو المشهور من مذاهب العلماء، قال أصحاب الشافعي: وإنما لم يخرج إلى المصلى خوفًا من فواتها بالانجلاء؛ فإن السنة المبادرة إليها، وخيَّر بعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء، وهو خلاف الصواب، والمشهور لانتهاء فعل الصلاة بالانجلاء، وهو مقتض لأن يعتني بمعرفته، ويراقب حال الشمس، ولولا أن المسجد أرجح، لكانت الصحراء أولى؛ لأنها أقرب إلى إدراك حال الشمس في الانجلاء وعدمه، وأيضًا فإنه يخاف من اجتماع الناس في المصلى فوات إقامتها كما ذكره الشافعيون، والله أعلم.
ومنها: جواز الإخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال، وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك؛ فإن إخباره أنه قام فزعًا خاشيًا أن تكون الساعة محتمل له ولغيره.
стр. 731
ومنها: الدوام على مراقبة الله تعالى، وطاعته، والخوف منه؛ بحيث لا يخرجه الخوف إلى اليأس من رحمته.
ومنها: تطويل الركوع والسجود، وتقدمَ الكلامُ عليه في الحديث قبله.
ومنها: شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل واحد؛ فإنه وإن كان الخطاب للذكور؛ بقوله: "فافزعوا إلى الصلاة" في الحديث قبله والدعاء والذكر والاستغفار والصدقة وغير ذلك، فالنساء مندرجات فيه كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]، و ﴿كُتِبَ عَليكُمُ اَلصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وغير ذلك من خطاب التعبدات العامة، فإنهن داخلات فيها باتفاق.
وكونها مشروعة للنساء وغيرهن هو مذهب الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن مالك -أيضًا-: أن المخاطب بها من يخاطب بالجمعة، فيخرج منها النساء والمسافرون ونحوهم، وذهب الكوفيون إلى أنهن يصلين أفذاذًا لا جماعة، وقد صح حضورهن لها مع رسول الله- ﷺ ، وذلك يدل على أنهن مخاطبات بها في جماعة.
ومنها: شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولا شك أن كل واحد من المذكورات عبادة مستقلة مطلوبة في جميع الحالات والآنات، سواء كان أمر مخوف، أم لا، لكنه آكد في المخوف، والله أعلم.
فالدعاء والذكر والاستغفار مشروع لمزيد الخيرات واستدفاع المكروهات.
* * *
стр. 732
باب الاستسقاء
الاستسقاء: طلب السقيا.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدِ بنِ عَاصِمٍ المازنيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبِي ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى القِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُم صَلَّى رَكعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بالقِرَاءَةِ (١). وفي لَفْظٍ: إلى المُصَلَّى (٢).
أما عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، فتقدم ذكره في كتاب الطهارة، والكلام على المازني -أيضًا-.
وأما قوله: "خرج رسول الله ﷺ يستسقي"؛ أي: يطلب السقي بتضرعه ودعائه.
وقوله: "فتوجه إلى القبلة، وحول رداءه"، أما استقبال القبلة هنا، فلأنها حالة دعاء وتضرع لطلب السقيا، فناسبت استقبالها، بخلاف الخطبة والموعظة؛ فإنها حالة إنذار وتذكير، فناسبت استقبال الناس واستدبار القبلة، وهي السنة.
وأما قوله ﷺ : "خير المجالس ما استُقبل به القبلةُ" (٣)، فهو خارج عن هذا؛
стр. 733
حيث لا تعلق لأحد به من موعظة أو تعلم أو مخاطبة، والله أعلم.
وأما تحويل الرداء، فهو من باب التفاؤل وانقلاب الحال من الشدة إلى السعة.
وقوله: "ثم صلَّى ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة" ظاهره أنه صلى بعد الدعاء وتحويلِ الرداء، وإن كانت ثم استعملت لغير الترتيب في عطف الجمل بعضها على بعض، وإن كان ما بعدها متقدمًا على المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية إلى قرله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] الآية.
وقد قال بتقديم الخطبة فيها على الصلاة: الليثُ بن سعد، ومالك، لكن مالكًا رجع عنه، وقال بتقديم الصلاة على الخطبة، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، والأحاديث بعضها يقتضي تقدم الصلاة على الخطبة، وبعضها يقتضي عكسه، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة ﵃.
ولم يذكر في صلاة الاستسقاء في هذا الحديث التكبيرات الزوائد كما في صلاة العيد، وقد قال به الشافعي، وابن جرير، وروي عن ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، وخيره داود بين التكبير وتركه.
واحتج الشافعي ومن قال بقوله بما رواه أبو داود من حديث ابن عباس ﵄: أنه قال: "خرج رسول الله ﷺ مُتَبَذِّلًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فرقي المنبر، ولم يخطُبْ خُطَبَكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء فيه والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد"، وقد أخرج هذا الحديث الترمذيُّ، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١)، لكن قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في "جرحه
стр. 734
وتعديله" (١): إن راوي هذا الحديث إسحاقُ بن عبد الله بن كنانة عن ابن عباس، وأبي هريرة، مرسل، وبتقدير صحته واتصاله لا تنتهض الحجة به على التكبيرات الزوائد؛ فإن التشبيه بالشيء يصدق من بعض الوجوه، ولا يلزم من كلها إلا في شبيه ومثيل؛ للمبالغة التي فيها؛ فإن العرب تقول: زيد كالأسد، وكالبحر، وكالشمس، يريد بذلك أنه يشبهه في وجه من الوجوه، وقد روى هذا الحديث الدارقطني، وقال فيه: "صلى ركعتين، كبر في الأولى سبعَ تكبيرات، وقرأ في الأولى: سبح اسمَ ربك الأعلى، وقرأ في الثانية: هل أتاك حديث الغاشية، وكبر خمس تكبيرات" (٢)، وهذا نص، غير أن في إسناد هذا الطريق محمدَ بنَ عمرَ بنِ عبدِ العزيز بنِ عبدِ الرحمن بنِ عوف، وهو ضعيف، مع أن الجمهور تأولوا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: أنه صلى كما صلى في العيد، على أن المراد في العدد للركعتين، وللجهر بالقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، والله أعلم.
وأما قوله: "جهر فيهما بالقراءة"، وفي كونهما قبل الخطبة، والله أعلم، فلم يذكر في مسلم، بل هو في البخاري، فينكر على المصنف بإطلاقه من غير تبيين، وأجمع العلماء على استحباب الجهر بالقراءة فيهما، بخلاف كسوف الشمس؛ فإنه يستحب الإسرارُ فيها، وأما الخطبة، فقال مالك والشافعي: ويُخطب فيها خطبتان، يجلس في أولاهما، وفي وسطهما، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهدي: يخطب خطبةً واحدةً لا جلوس فيها، وخيره الطبري.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: الخروج إلى المصلى لصلاة الاستسقاء؛ وأنه سنة، وقال أصحاب الشافعي: يخرجون إلى الصحراء؛ لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، ولأنها أوسع
стр. 735
للناس؛ لأنها يحضرها الناس كلهم، فلا يسعهم المصلى ولا المسجد الجامع.
واعلم أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء المذكور في أول شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
ومنها: أن السنة في صلاته الجماعة، وقال أبو حنيفة: لا تشرع له صلاة فضلًا عن الجماعة، ولكن يستسقى بالدعاء، وقال سائر العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم حتى أصحاب أبي حنيفة كلهم: يصلي للاستسقاء ركعتين بجماعة، واستدل لأبي حنيفة باستسقاء النبي ﷺ على المنبر يوم الجمعة من غير صلاة، قالوا: لو كانت سنة، لما تركها، وأجاب الجمهور عن هذا: بأنه كان في صلاة الجمعة، وهي عقب الاستسقاء بالدعاء في خطبتها، فاكتفى بها بيانًا لجواز مثل هذا، وقد أجمع أهل العلم على أن الاستسقاء سنة، لكن قالوا: هو مشروع على ثلاثة أنواع:
أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة.
الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من النوع الذي قبله.
الثالث: وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين، وخطبتين، وهو الذي خالف فيه أبو حنيفة، قال أصحاب الشافعي: ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى.
ومنها: استحباب [تحويل] الرداء وقلبه في أثناء الخطبة، قال أصحاب الشافعي: يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية حين يستقبل القبلةَ فيها، وجمهورُ العلماء على أن تحويله سنة، وأنكره أبو حنيفة، وصعصعة بن سلام من قدماء العلماء بالأندلس، وهذا الحديث وغيره حجة عليهم، قال أصحاب الشافعي: يستحب أيضًا للمأمومين كما يستحب للإمام، وبه قال مالك وغيره، وخالف فيه جماعة من العلماء.
ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا، فمنهم من قال: إنه يرد ما على يمينه على
стр. 736
شماله، ولا ينكسه، قاله بعضهم، وهم الجمهور، وقال الشافعي بمصر: ينكسه، فيجعل ما يلي رأسه أسفل، وسبب هذا الاختلاف اختلافُهم في مفهوم قول الصحابي: حَوَّلَ وقلبَ: هل هما بمعنى، أو بينهما فرق؟ ولا خلاف في تحويل الإمام وهو قائم، والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس، وكذلك نص الشافعي في مختصر" البويطي": على أن الإمام يدعو وهو قائم، وأن الناس لا يقومون، بل يكونون جلوسًا، والذين قالوا بعدم التحويل استدل لهم بأن التحويل إنما فعله ﷺ ليكون أثبتَ على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرفَ بطريق الوحي تغير الحال عند تغيير ردائه، وهو بعيد؛ فإن الأصل عدم نزول الوحي بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله ﷺ التحويل لمعنى مناسب أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على عاتقه أو غيره، واتباع الرسول ﷺ في فعله أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص، مع ما عرف في الشرع من محبته التفاؤل.
ومنها: يقدم الدعاء على الصلاة، ويقدم الكلام على ذلك.
ومنها: استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء.
ومنها: استقبالها عند الدعاء مطلقًا.
ومنها: الجهر بالقراءة في هذه الصلاة.
ومنها: الرد على من أنكر صلاة الاستسقاء.
ومنها: أنها ركعتان، وهي كذلك بإجماع المثبتين لها، واختلفوا هل هي قبل الخطبة أم بعدها؟ وتقدم، فلو قدم الخطبة على الصلاة، صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة؛ كصلاة العيد وخطبتها عند من يقول به، والله أعلم.
* * *
стр. 737
الحديث الثاني
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁: أَن رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ يَومَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِم يَخْطُبُ، فَاستَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادعُ اللهَ يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُم قَالَ: اللهم أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، قَالَ أَنسٌ: وَلَا واللهِ! مَا نَرَى في السمَاء مِنْ سَحَاب وَلَا قَزَعَةٍ، وَما بيننَا وَبينَ سَلْع مِنْ بيتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِه سَحَابةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السمَاءَ، انْتَشَرَتْ، ثُم أَمْطَرَتْ، قَالَ: [فلا] وَاللهِ! ما رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبلَةِ، وَرَسُولُ الله ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ اَلأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنا، قَالَ: فَرَفعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُم قَالَ: اللَّهُمَ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللهم عَلَى الآكامِ والظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ، قَالَ شريك: فَسَألْتُ أَنس بنَ مالكٍ: أَهُوَ الرَّجُل الأَولُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي (١).
الظراب: الجبال الصغار.
وأما أنس، فتقدم الكلام عليه.
وأما ألفاظه، وما يتعلق به:
فقوله: "إن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء": أما دار القضاء، فهي دار بيعت في دَيْن عمرَ بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه، وأوصى ابنَه عبدَ الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله، استعان ببني عدي، ثم بقريش، فباع ابنُه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابةِ، فقضى دينه، وكان
стр. 738
دينه ستة وثمانين ألفًا فيما رواه البخاري في "صحيحه" (١)، وغيرُه من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيره.
وقال القاضي عياض: كان ثمانية وعشرين ألفًا، وهو غلط (٢)، فكان يقال: دارُ قضاءِ دَيْنِ عمر، ثم اختصر، فقالوا: القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وهو غلط؛ لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما ذكرنا، والله أعلم.
ودخول الرجل من باب كان نحو دار القضاء، وكلامُه للنبي ﷺ يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي ﷺ ؛ إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس، والله أعلم.
وقوله: "ثم قالَ: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل": المراد بالأموال: الأموال الحيوانية؛ لأنها التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة، والسبلُ: الطرق، وانقطاعُها إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب في الأرض.
وقوله: "فادع الله يغثنا"، وقوله ﷺ : "اللهم أغثنا" المشهور في اللغة أنه يقال في المطر: غاثَ اللهُ الناسَ والأرضَ، يَغيثهم -بفتح الياء- ثلاثي؛ أي: أنزل المطر، والذي في هذا الحديث وغيره من رواياته: أغثنا -بالألف-، ويغيثنا: -بضم الياء- من أغاث يُغيث، رباعي، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثًا، وقال بعضهم: المذكور في الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، إنما يقال في طلب الغيث: اللهم غِثْنا، قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هبْ لنا غيثًا، وارزقنا غيثًا، كما يقال:
стр. 739
سَقاه الله وأسقاه؛ أي: جعل له سُقيا، على لغة من فرق بينهما، والصواب أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا، والله أعلم (١).
قوله: "فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: اللهمَّ أَغثْنا" إلى آخره: لا شك أن السنة في دعاء الاستسقاء رفعُ اليدين فيه، وقد عداه بعضُهم إلى كل دعاء، وقالوا: السنةُ رفعُ اليدين في الدعاء مطلقًا، ومنهم من لم يعده، مستدلًا بما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وغيرهما عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتي يُرى بياض إبطيه (٢)، ولا شك أن هذا مؤول على عدم الرفع البليغ؛ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع، وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات، على واحد لم يحضر ذلك، وقد ورد في حديث آخر أنه: استثنى ثلاثة مواضع: الاستسقاء، والاستنصار، وعند رؤية البيت، وفي موضع آخر عشية عرفة.
وقد روى رفعَ اليدين في الدعاء جماعةٌ من الصحابة، وقد روى أنس حديثًا يعارض حديثَه هذا، وهو حديث القراء الذين بعثهم رسول الله ﷺ خاله حَرامٌ، وفيه: فقال أنس: لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلي الغداه رفع يديه يدعو عليهم (٣)، وقد صنف الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزءًا ﵀، وقد جمع شيخنا أبو زكريا النواوي -قدس الله روحه ونور ضريحه- في "شرح المهذب" نحوًا من ثلاثين حديثًا من "الصحيحين"، أو
стр. 740
أحدهما في رفع اليدين في الدعاء مطلقًا في أواخر باب: صفة الصلاة، منه (١)، والله أعلم.
قوله: "ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعة"، المراد بالسماء هنا: الفضاء المرتفع بين السماء والأرض، والسحابُ معروف، والقَزَعة -بفتح القاف والزاي- وهي: القطعةُ من السحاب، وجمعها قَزَع؛ كقصبة وقَصَب، قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أخد القزع في الرأس، وهو: حلقُ بعضِ رأس الصبي وتركُ بعضه (٢).
قوله: "وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار":
قوله: "من بيت ولا دار"هو تأكيد لقوله: وما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة؛ لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان بينه وبينهم دار، لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت، وسَلْع -بفتح السين المهملة وسكون اللام-، وهو جبل بقرب المدينة من غربها (٣)، والمقصود بهذا كله الإخبارُ عن معجزة رسول الله ﷺ وعظيمِ كرامته على الله بإنزال المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا باطن، سوى سؤال رسول الله ﷺ أي نحن مشاهدون له ﷺ ولسلع وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا.
وقوله: "ثم أمطرت"، يقال: مَطَرت، وأَمطرت، في المطر، وهذا الحديث دليل لجواز أمطر -بالألف-، وهو المختار عند المحققين من أهل اللغة، وقال بعضهم: لا يقال: أمطرت -بالألف- إلا في العذاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت: تطلق في الخير