← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

شماله، ولا ينكسه، قاله بعضهم، وهم الجمهور، وقال الشافعي بمصر: ينكسه، فيجعل ما يلي رأسه أسفل، وسبب هذا الاختلاف اختلافُهم في مفهوم قول الصحابي: حَوَّلَ وقلبَ: هل هما بمعنى، أو بينهما فرق؟ ولا خلاف في تحويل الإمام وهو قائم، والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس، وكذلك نص الشافعي في مختصر" البويطي": على أن الإمام يدعو وهو قائم، وأن الناس لا يقومون، بل يكونون جلوسًا، والذين قالوا بعدم التحويل استدل لهم بأن التحويل إنما فعله ﷺ ليكون أثبتَ على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرفَ بطريق الوحي تغير الحال عند تغيير ردائه، وهو بعيد؛ فإن الأصل عدم نزول الوحي بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله ﷺ التحويل لمعنى مناسب أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على عاتقه أو غيره، واتباع الرسول ﷺ في فعله أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص، مع ما عرف في الشرع من محبته التفاؤل. ومنها: يقدم الدعاء على الصلاة، ويقدم الكلام على ذلك. ومنها: استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء. ومنها: استقبالها عند الدعاء مطلقًا. ومنها: الجهر بالقراءة في هذه الصلاة. ومنها: الرد على من أنكر صلاة الاستسقاء. ومنها: أنها ركعتان، وهي كذلك بإجماع المثبتين لها، واختلفوا هل هي قبل الخطبة أم بعدها؟ وتقدم، فلو قدم الخطبة على الصلاة، صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة؛ كصلاة العيد وخطبتها عند من يقول به، والله أعلم. * * *

стр. 737

الحديث الثاني عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁: أَن رَجُلًا دَخَلَ المَسجِدَ يَومَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِم يَخْطُبُ، فَاستَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادعُ اللهَ يُغِثْنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُم قَالَ: اللهم أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللهم أَغِثْنَا، قَالَ أَنسٌ: وَلَا واللهِ! مَا نَرَى في السمَاء مِنْ سَحَاب وَلَا قَزَعَةٍ، وَما بيننَا وَبينَ سَلْع مِنْ بيتٍ وَلَا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِه سَحَابةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السمَاءَ، انْتَشَرَتْ، ثُم أَمْطَرَتْ، قَالَ: [فلا] وَاللهِ! ما رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبلَةِ، وَرَسُولُ الله ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ اَلأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السبُلُ، فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا عَنا، قَالَ: فَرَفعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُم قَالَ: اللَّهُمَ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللهم عَلَى الآكامِ والظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَأقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي في الشَّمْسِ، قَالَ شريك: فَسَألْتُ أَنس بنَ مالكٍ: أَهُوَ الرَّجُل الأَولُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي (١). الظراب: الجبال الصغار. وأما أنس، فتقدم الكلام عليه. وأما ألفاظه، وما يتعلق به: فقوله: "إن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء": أما دار القضاء، فهي دار بيعت في دَيْن عمرَ بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه، وأوصى ابنَه عبدَ الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله، استعان ببني عدي، ثم بقريش، فباع ابنُه داره هذه لمعاوية، وماله بالغابةِ، فقضى دينه، وكان

стр. 738

دينه ستة وثمانين ألفًا فيما رواه البخاري في "صحيحه" (١)، وغيرُه من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيره. وقال القاضي عياض: كان ثمانية وعشرين ألفًا، وهو غلط (٢)، فكان يقال: دارُ قضاءِ دَيْنِ عمر، ثم اختصر، فقالوا: القضاء، وهي دار مروان، وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وهو غلط؛ لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن المراد بالقضاء الإمارة، والصواب ما ذكرنا، والله أعلم. ودخول الرجل من باب كان نحو دار القضاء، وكلامُه للنبي ﷺ يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي ﷺ ؛ إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس، والله أعلم. وقوله: "ثم قالَ: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل": المراد بالأموال: الأموال الحيوانية؛ لأنها التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة، والسبلُ: الطرق، وانقطاعُها إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس وشدة القحط عن الضرب في الأرض. وقوله: "فادع الله يغثنا"، وقوله ﷺ : "اللهم أغثنا" المشهور في اللغة أنه يقال في المطر: غاثَ اللهُ الناسَ والأرضَ، يَغيثهم -بفتح الياء- ثلاثي؛ أي: أنزل المطر، والذي في هذا الحديث وغيره من رواياته: أغثنا -بالألف-، ويغيثنا: -بضم الياء- من أغاث يُغيث، رباعي، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثًا، وقال بعضهم: المذكور في الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث، إنما يقال في طلب الغيث: اللهم غِثْنا، قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هبْ لنا غيثًا، وارزقنا غيثًا، كما يقال:

стр. 739

سَقاه الله وأسقاه؛ أي: جعل له سُقيا، على لغة من فرق بينهما، والصواب أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا، والله أعلم (١). قوله: "فرفع رسول الله ﷺ يديه، وقال: اللهمَّ أَغثْنا" إلى آخره: لا شك أن السنة في دعاء الاستسقاء رفعُ اليدين فيه، وقد عداه بعضُهم إلى كل دعاء، وقالوا: السنةُ رفعُ اليدين في الدعاء مطلقًا، ومنهم من لم يعده، مستدلًا بما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وغيرهما عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتي يُرى بياض إبطيه (٢)، ولا شك أن هذا مؤول على عدم الرفع البليغ؛ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع، وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات، على واحد لم يحضر ذلك، وقد ورد في حديث آخر أنه: استثنى ثلاثة مواضع: الاستسقاء، والاستنصار، وعند رؤية البيت، وفي موضع آخر عشية عرفة. وقد روى رفعَ اليدين في الدعاء جماعةٌ من الصحابة، وقد روى أنس حديثًا يعارض حديثَه هذا، وهو حديث القراء الذين بعثهم رسول الله ﷺ خاله حَرامٌ، وفيه: فقال أنس: لقد رأيت رسول الله ﷺ كلما صلي الغداه رفع يديه يدعو عليهم (٣)، وقد صنف الحافظ أبو محمد عبد العظيم المنذري في ذلك جزءًا ﵀، وقد جمع شيخنا أبو زكريا النواوي -قدس الله روحه ونور ضريحه- في "شرح المهذب" نحوًا من ثلاثين حديثًا من "الصحيحين"، أو

стр. 740

أحدهما في رفع اليدين في الدعاء مطلقًا في أواخر باب: صفة الصلاة، منه (١)، والله أعلم. قوله: "ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قَزَعة"، المراد بالسماء هنا: الفضاء المرتفع بين السماء والأرض، والسحابُ معروف، والقَزَعة -بفتح القاف والزاي- وهي: القطعةُ من السحاب، وجمعها قَزَع؛ كقصبة وقَصَب، قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أخد القزع في الرأس، وهو: حلقُ بعضِ رأس الصبي وتركُ بعضه (٢). قوله: "وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار": قوله: "من بيت ولا دار"هو تأكيد لقوله: وما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة؛ لأنه أخبر أن السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان بينه وبينهم دار، لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت، وسَلْع -بفتح السين المهملة وسكون اللام-، وهو جبل بقرب المدينة من غربها (٣)، والمقصود بهذا كله الإخبارُ عن معجزة رسول الله ﷺ وعظيمِ كرامته على الله بإنزال المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر، ولا باطن، سوى سؤال رسول الله ﷺ أي نحن مشاهدون له ﷺ ولسلع وللسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا. وقوله: "ثم أمطرت"، يقال: مَطَرت، وأَمطرت، في المطر، وهذا الحديث دليل لجواز أمطر -بالألف-، وهو المختار عند المحققين من أهل اللغة، وقال بعضهم: لا يقال: أمطرت -بالألف- إلا في العذاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]، والمشهور الأول، ولفظة أمطرت: تطلق في الخير

стр. 741

والشر، وتعرف بالقرينة، قال الله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وهذا من أمطر، والمراد به: المطر في الخير؛ لأنهم ظنوه خيرًا، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ﴾ (١) [الأحقاف: ٢٤]. وقوله: "ما رأينا الشمس سبتًا"؛ أي: جمعة، وقد بين في رواية أخرى، والمراد به: سبعة أيام، أولها يوم الجمعة ويوم السبت، وآخرها يوم الخميس وبعض يوم الجمعة، وهو في اللغة: القطع، وبه سمي يوم السبت، وقال: بانت في تفسير قوله: سبتًا؛ أنه: القطعة من الزمان، يقال: سبت من الدهر؛ أي: قطعة منه، وسبتُّه: قطعته، وقد رواه الدارقطني: ستًّا، وفسره: ستة أيام من الدهر، وهو تصحيف، كذا قاله أبو العباس القرطبي: إنه تصحيف (٢)، وهو الصحيح؛ من حيث إن الرواية فيه سبتًا -بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وبالتاء المثناة فوق- أما من حيث معنى السبت في العدد، فهو صحيح؛ فإنهم ما رأوا الشمس سبعة أيام كوامل، بل ستًا كوامل وبعض يومي جمعة، وذلك لا يطلق عليه يوم كامل، والله أعلم. وقوله في الجمعة الثانية: "هلكت الأموال، وانقطعت السبل"؛ أي: بكثرة المطر فإن إمساك المطر وكثرته مُضرٌّ. وقوله ﷺ : "اللهم حوالينا": هو ظرف معلق بمحذوف تقديره: اللهم أنزل حوالينا، ولا تنزل علينا، ويقال: حولنا، وحوالينا، وهما روايتان صحيحتان. وقوله ﷺ : "اللهم على الآكام والظَّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر": سأل ﷺ ربه ذلك أدبًا معه؛ حيث لم يسأل رفعه من أصله، بل سأل رفعَ ضرر المطر، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق؛ بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، وسأله بقاءه في مواضع الحاجة؛ بحيث يبقى

стр. 742

نفعه وخصبه، وهي بطون الأودية وغيرها من المواضع المذكورة. والإكام -بكسر الهمزة، ويقال: بفتحها مع المد فيها-: جمع أكمة، ويقال: جمع أَكَم -بفتح الهمزة والكاف-، وأُكُم -بضمهما- والذي يقتضيه القياس أن يكون الأكم والأكمات جع الأكمة، أما الأكُم بضمهما فيقتضي أن يكون جمع الإكام؛ مثل كِتاب وكُتُب، وقد يكون ذلك جمع أكم -بفتحهما- مثل جبال وجبل، وهو التل المرتفع من الأرض، دون الجبل، وأعلى من الرابية، وقيل: دون الرابية. والظِّراب -بكسر الظاء المعجمة-: جمع ظَرِب -بفتحها وكسر الراء-، وهي الروابي الصغار (١). وقوله: "فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري"، وثبت في "صحيح البخاري" وغيره في بعض طرق هذا الحديث أنه الرجل الأول. وفي هذا أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ وأحكام: منها: استجابة دعائه ﷺ في الاستسقاء والاستصحاء، وعظيم قدره وحرمته عند ربه حتى أمطرت في الاستسقاء عقب دعائه أو معه، وحتى أمسكت في الاستصحاء حتى خرجوا يمشون في الشمس. ومنها: أدبه ﷺ مع ربه حيث لم يسأل ربه رفعَ المطر، بل سأل دوامه حيث ينتفع به. ومنها: استحباب سؤال الإمام الاستسقاء والاستصحاء. ومنها: استحباب ذلك في خطبة الجمعة، وهو أحد الأنواع فيه كما تقدم ذكره. ومنها: جواز الاستسقاء منفردًا عن الصلاة المخصوصة له، واغترت به الحنفية، وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير، وجعلوا الاستسقاء بالبروز

стр. 743

إلى الصحراء والصلاة بدعةً، وليس كما قالوا، بل هو سنة ثابتة عنه ﷺ كما تقدم في الحديث الأول وغيره من الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرنا أنه ثلاثة أنواع، وفيما قالوه إبطال نوع ثابت، والله أعلم. ومنها: استحباب تكرير الدعاء ثلاثًا، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا دعا بدعوة، دعا بها ثلاثًا. ومنها: استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به، وهو الاستصحاء، ولكن لا تشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء. ومنها: إجابة الإمام الرعية إذا سألوه في مصالحهم الدنيوية والأخروية، خصوصًا إذا كانت مصلحة عامة. ومنها: الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع في جميع حالات العبد وما ينزل به. ومنها: الاستعانة في ذلك بالصالحين وأهل الخير في المجامع والمساجد والأماكن الشريفة. ومنها: استقبال القبلة في الدعاء. ومنها: الدعاء قائمًا للإمام ومن في معناه. ومنها: رفع اليدين فيه. ومنها: الدعاء في الخطبة وقطعها للأمر يحدث. ومنها: الاعتبار بعظيم قدرة الله تعالى وما يجريه على يدي أنبيائه ورسله من المعجزات، وعلى يدي أوليائه من الكرامات. ومنها: الاقتداء بهم في جميع ذلك كما فعل الصحابة والتابعون والسلف الصالحون وهلم جَرًّا إلى اليوم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 744

باب صلاة الخوف الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُول اللهِ ﷺ صَلاة الخَوْفِ فِي بَعْض أيَّامِهِ، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإزَاء العَدُوِّ، فَصَلَّى بالذِينَ مَعَه رَكعَة، ثمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلى بِهِمْ رَكْعَة، وَقَضَتِ الطائِفَتانِ رَكعَة رَكْعَةً (١). أما ابن عمر، فتقدم الكلام عليه في كتاب الطهارة. وأما صلاة الخوف: فكانت في عسفان في سنة ستٍّ من الهجرة بعد رمضان، وبها نزلت آيتها التي في النساء، وكان سبب نزولها: أنه ﷺ صلى بأصحابه الظهر، فندم المشركون على عدم اغتيالهم بالقتل لرسول الله ﷺ وأصحابه، فعزموا على ذلك في الصلاة الآتية، فنزل جبريل على النبي ﷺ ، وقال له: إنها صلاة الخوف، وتلا عليه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فعلمه صلاة الخوف، ثم صلاها رسول الله ﷺ بعد ذلك على أوجه في أماكن، والله أعلم. واعلم أن صلاة الخوف رويت في الأحاديث على أوجه يبلغ مجموعها ستة

стр. 745

عشر وجهًا عن النبي ﷺ ، ذكرها كلَّها الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الحافظ -رحمه الله تعالى- في "سننه"، وذكر ابن القصار المالكي: أن النبي ﷺ صلاها في عشرة مواطن، وذكر غيره منهم أكثر من ذلك، وفي حديث ابن أبي حثمة وأبي هريرة وجابر: أنه صلاها يوم ذات الرقاع، وهي غزوة نجد وغطفان سنة خمس من الهجرة، وتقدم ذكرنا أنه صلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم، وفي غراة جهينة، وفي غزوة محارب بنجد، وببطن نجد على باب المدينة، والمختار عند العلماء أن هذه الروايات كلها جائزة بحسب مواطنها، وفيها تفصيل وتفريع في كتب الفقه. قال الخطابي ﵀: صلاة الخوف أنواع، صلاها النبي ﷺ أيام مختلفة، وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى (١). ثم مذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت، إلا أبا يوسف والمزني، فقالا: لا تشرع بعد النبي ﷺ ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وقد يؤيد هذا بأنها صلاة على خلاف المعتاد، وفيها أفعال منافية، فجازت المسامحة فيها بسبب فضيلة إمامته ﷺ ، وما ذكراه لا يصلح أن يكون دليلًا على الخصوصية؛ لأنه لو كان دليلًا، للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذٍ يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها، لكلن قد تقرر بدليل إجماعي أن حكمه على الواحد حكمه على الجماعة، وكذلك ما يخاطب به هو؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤]، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ونحوه كثير، كيف وقد أمرنا باتباعه والتأسي به، فيلزم اتباعه مطلقًا حتى يدل دليل واضح على الخصوص، مع أن الصحابة ﵃ اطرحوا توهم الخصوص في هذه الآية والصلاة، وعَدَّوْا ذلك إلى غير النبي ﷺ ، وهم أعلم بالمقال، وأقعد بالحال،

стр. 746

ولا يلتفت إلى قول من ادعى الخصوصية، مع عموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، والله أعلم. وصلاة الخوف هي الصلاة المعهودة، تحضر والمسلمون متعرضون لحرب العدو، وقد اختلف العلماء: هل للخوف تأثير في تغيير الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة، أم لا؟ ذهب الجمهور إلى أن له تأثيرًا، وهو راجع إلى ما ذكرناه من أنه خاص بالنبي ﷺ ، أم عام في جميع الأزمان؟ والله أعلم. وقد أخذ بحديث ابن عمر هذا: الأوزاعي، وأشهب المالكي، وهو جائز عند الشافعي. ثم قيل: إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معًا. وقيل: متفرقين، وهو الصحيح، ورجح أبو حنيفة الأخذَ بحديث ابن عمر هذا، إلا أنه قال: بعد سلام الإمام تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم تذهب، ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإمام، فتقضي، ثم تذهب، وقد أنكرت عليه هذه الزيادة. وقيل: إنها لم ترد في حديث، واختار الشافعي رواية صالح بن خوات عمن صلَّى مع النبي ﷺ صلاة الخوف الآتية. واختلف أصحابه لو صلى على رواية ابن عمر هل تصح، أم لا؟ الصحيحُ: الصحةُ؛ لصحة الرواية، وترجيح رواية صالح من باب الأولى، واختار مالك ترجيح الصفة التي ذكرها سهل بن أبي حثمة التي رواها هو عنه في "الموطأ" موقوفةً، وهي تخالف الرواية المذكورة في الكتاب في سلام الإمام، فإن فيها أن الإمام يسلم، وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه. ولما رجح الفقهاء بعض الروايات على بعض، احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح، فتارة يرجحون بمواقع ظاهر القرآن، وتارة بكثرة الرواة، وتارة بكون بعضها موصولًا، وبعضها موقوفًا، وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة،

стр. 747

وتارة بالمعاني، وهذه الرواية التي اختارها أبو حنيفة ﵀ توافق الأصول في أن قضاء الطائفتين بعد سلام الإمام، وأما ما اختاره الشافعي، ففيه قضاء الطائفتين معًا قبل سلام الإمام، والله أعلم. الحديث الثاني عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلاةَ الخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ العَدُوِّ، فَصَلَّى بالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِم، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِم (١). الَّذِي صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ. أما يزيدُ بن رومان، فكنيته: أبو روح، وهو أسدي قرشي، مولاهم، كان مولى الزبير بن العوام، معدود في المدنيين، تابعي، روى عن عبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وجماعة من التابعين، عالم، كثير الحديث، ثقة، روى عنه الزهري، وهشام بن عروة، وخلق سواهم من الأئمة والثقات، مات سنة ثلاثين ومئة، روى له البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمساند. وأبوه: رومان -بضم الراء-، وحكي في اسم رومان: فتحُ الراء مطلقًا، وهو شاذ (٢). وأما صالح بن خوات بن جبير، فهو أنصاري، مدني، تابعي، ثقة، روى له

стр. 748

البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمساند، وخَوَّات -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو، ثم ألف، ثم تاء مثناة-، وهو ابن جبير بن النعمان، له صحبة، وكان أحد فرسان رسول الله ﷺ ، وله مشابه، والله أعلم (١). وأما: سهل بن أبي حثمة، فكنيته: أبو يحيى. ويقال: أبو محمد. وقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو حَثْمَة -بفتح الحاء المهملة وسكون الثاء المثلثة، ثم الميم المفتوحة، ثم تاء التأنيث-، واسمه: عبد الله بن ساعدة. وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن خيثم بن مجدعة بن حارثة ابن الحارثِ بنِ الخزرجِ بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأنصاريُّ، المدينيُّ، مات النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عنه، روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ثلاثة أحاديث، روى عنه جماعة من التابعين، منهم: ابن شهاب الزهري. وقيل: لم يسمع منه، وروى له أصحاب السنن والمساند، وذكر ابن [أبي] حاتم الرازي: أنه سمع رجلًا من ولده يقول: كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان دليلَ النبي ﷺ إلى أُحد، وشهد ما بعدها من المشاهد، قال ابن الأثير في "معرفة الصحابة" له، وقول الواقدي أصح؛ يعني: موت النبي ﷺ وهو ابن ثمان سنين، قال: وتوفي في أول أيام معاوية، وحديثه في صلاة الخوف صحيح مشهور (٢).

стр. 749

وأما غزوة ذات الرقاع، فكانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد، سميت ذات الرقاع؛ لأن أقدام المسلمين تعبت من الحفا، فلفوا عليها الخرق، هكذا ثبت في الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ (١). وقيل: سميت به بجبل هناك يقال له: الرقاع؛ لأن فيه بياضًا وحمرة وسوادًا. وقيل: سميت بشجرة يقال لها: ذات الرقاع. وقيل: لأن المسلمين رقعوا راياتهم فيها. وقيل: يحتمل أن هذه الأمور كلها وجدت فيها، وشرعت صلاة الخوف فيها، وقيل: في غزوة بني النضير، وتقدم ذكرنا لسبب نزول آية صلاة الخوف أول الباب، وأنه كان في عسفان سنة ست، والله أعلم. وأما الطائفة: فهي الفرقة والقطعة من الشيء، تقع على القليل والكثير، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقلَّ من ثلاثة، فينبغي أن تكون الطائفة التي تكون مع الإمام ثلاثة فأكثر، والذين في وجه العدو كذلك، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] إلى آخر الآية، فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع، وأقل الجمع ثلاثة على المشهور، والله أعلم. وقوله: "وطائفة وجاه العدو" وهو -بكسر الواو وضمها-، يقال: وِجاهه ووُجاهه وتُجاهه؛ أي: قبالته. واعلم أن هذا الحديث اشتمل على أمرين مخالفين للصلاة المفعولة في الأمن: وهو جوازها إلى غير القبلة إذا كان العدو في غير جهتها. الثاني: انتظار الإمام قائمًا الطائفةَ الثانيةَ في الركعة الثانية ليصلوها ثم يسلموا جميعًا، وهذا في الصلاة الثانائية مقصورة كانت أو بأصل الشرع، وهذا مختار الشافعي، أما الرباعية: فهل ينتظرها قائمًا في الثالثة أو قبل قيامه؟ فيه اختلاف

стр. 750

للفقهاء، وإذا قيل بأنه ينتظرها قبل قيامه، فهل تفارقه الطائفة الأولى قبل تشهُّدِه عند رفع رأسه من السجود، أو بعد التشهد؟ اختلف الفقهاء فيه، وليس في الحديث دلالة على أحد المذهبين، وإنما يؤخذ بطريق الاستنباط منه. قال: شيخنا القاضي أبو الفتح -رحمه الله تعالى-: ومقتضى الحديث -أيضًا- أن الطائفة الأولى تتم لأنفسها مع بقاء صلاة الإمام، وفيه مخالفة للأصول في غير هذه الصلاة، لكنه فيها ترجيح من جهة المعنى؛ لأنها إذا قضت وتوجهت إلى نحو العدو، وتوجهت فارغة من الشغل بالصلاة، وتوفر مقصود صلاة الخوف، وهو الحراسة على الصفة التي اختارها أبو حنيفة بتوجيه الطائفة للحراسة، مع كونها في الصلاة، فلا يتوفر المقصود من الحراسة، وربما أدى إلى أن يقع في الصلاة الضرب والطعن وغير ذلك من منافيات الصلاة، ولو وقع في هذه الصورة، لكان خارج الصلاة، وليس بمحذور، ومقتضى الحديث -أيضًا-: أن الطائفة الثانية تتم لنفسها قبل فراغ الإمام، وفيه ما في الأول، ومقتضاه -أيضًا-: أنه يثبت حتى تتم لنفسها ويسلم بهم، وهذا اختيار الشافعي، وقول في مذهب مالك، ثم ظاهر مذهب مالك أن الإمام يسلم، وتقضي الثانية بعد سلامه، وربما ادعى بعضهم أن ظاهر القرآن يدل على أن الإمام ينتظرهم ليسلم بهم؛ بناء على أنه فهم من قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ أي: بقية الصلاة التي بقيت للإمام، فإذا سلم الإمام بهم، فقد صلوا معه البقية، وإذا سلم قبلهم، لم يصلوا معه البقية؛ لأن السلام من البقية، وليس بالقوي الظهور، وقد يتعلق بلفظ الراوي من يرى أن السلام ليس من الصلاة من حيث إنه قال: فصلى بهم الركعة التي بقيت، فجعلهم مصلين معه بما يسمى ركعة، ثم أتى بلفظه، ثم ثبت جالسًا، فأتموا لأنفسهم، ثم سلم، فجعل لفظ السلام متراخيًا عن مسمى الركعة، إلا أنه ظاهر ضعيف، وأقوى منه في الدلالة ما دل على أن السلام من الصلاة، والعملُ بأقوى الدليلين متعين، هذا آخر كلامه -رحمه الله تعالى- (١).

стр. 751

الحديث الثالث عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ﵄ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلاَةَ الخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلَفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، والعَدُوُ بَيْنَنَا وَبينَ القِبْلَةِ، وَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيه، وَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، وَتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَرَفَعْنَا جَميعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ والصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا في الرَّكْعَةِ الأُوَلَى، فَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبيُّ ﷺ السُّجُودَ والصَّفُّ الَّذِي يَليهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ المُؤخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبيُّ ﷺ ، وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا، قَالَ جَابِرٌ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُم هَؤُلاَءِ بِأُمَرَائهِمْ. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِتَمَامِه، وَذَكَرَ البُخَارِيُّ طَرَفًا مِنْهُ، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابقة غزوة ذات الرقاع (١). أما جابر، ونسبه، ونسبته، فتقدم ذكره جميعه. واعلم أن هذه الصلاة المذكورة كانت والعدو في جهة القبلة، وبهذه الكيفية قال الشافعي، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ويجوز عند الشافعي تقدُّم الصف وتأخر الصف الأول كما في هذا الحديث، ويجوز بقاؤهما على حالهما، وقد رواه مسلم في حديث ابن عباس، ولا شك أن الحراسة تتأتى للكل مع الإمام في الصلاة، ويتأتى فيها التأخير عن الإمام لأجل العذر، إذا ثبت هذا، فموضع الحراسة في السجود، وأما في الركوع، فالمشهور في مذهب الشافعي أنه ليس

стр. 752

موضعها؛ لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر، فالحراسة ممكنة معه بخلاف السجود، وفيه وجه لبعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع -أيضًا-، والمراد بالسجود الذي سجده النبي ﷺ ، وسجد معه الصف الذي يليه، هو السجدتان جميعًا. ثم الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإمام يسجد معه في الركعة الأولى، ويحرس الصف الثاني فيهما، ونص الشافعي على خلافه: وهو أن الصف الأول الذي يليه يحرس في الركعة الأولى، فقال بعض أصحابه: لعله سها، ولم يبلغه الحديث، وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل عليه الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي، وبعضهم قال بذلك بناء على المشهور عن الشافعي: أن الحديث إذا صح يؤخذ به ويترك قوله، أما الخراسانيون فإن بعضهم تبع نص الشافعي؛ كالغزالي في "الوسيط" (١)، ومنهم من ادعى أن في الحديث رواية لذلك، ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن الصف الأول يكون جُنة لمن خلفه، ويكون ساترًا له عن أعين المشركين، وبأنه أقربُ إلى الحراسة، وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية، والترجيح إنما يكون بعدها. ثم الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو حرست طائفة واحدة في الركعة معًا، ففي صحة صلاتهم خلاف للشافعي، والله أعلم. ولا شك أن في بعض طرق حديث جابر هذا: أن النبي ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين، وهي صحيحة في "صحيح مسلم"، وغيره، ورواها أبو داود في "سننه" من رواية أبي بكرة ﵁ (٢)، فكانت الطائفة الثانية مفترضين خلف

стр. 753

متنفِّل، وبه قال الشافعي، وهو محكيٌّ عن الحسن البصري، وادعى الطحاوي أنه منسوخ، ولا تقبل دعواه؛ إذ لا دليل لنسخه. واعلم أن الخوف لو كان أكثر مما نقل عن النبي ﷺ فعله فيه، فإنه يصلي على حسب حاله، راكبًا وقائمًا، يومئ إيماء، مستقبل القبلة وغيرَ مستقبلها، وهو قول ابن عمر، وبه أخذ مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وعامة العلماء، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه. وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماء. وقال الضحاك: فإن لم يقدر على ركعة، فتكبيرتين حيث كان وجهه. وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إيماء، صلى سجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة. وقال الأوزاعي نحوه إذا تهيأ الفتح، لكن إن لم يَقدِر على ركعة، ولا على سجدة، لم يجزئه التكبير، وأخرها حتى يؤمنوا. وهذه المذاهب كلها لها أصل صحيح من الكتاب والسنة، وهو قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ : "إذا أمرتُكم بأمر فَأتوا منه ما استطعتُم" (١)، وهو مأمور بالصلاة على صفة من قيام وركوع وسجود وتكبير وتلاوة، فإذا تعذر بعضها، أتى بالباقي؛ محافظةً على امتثال الأمر، والله أعلم. ومنع مكحول وبعض أهل الشام من صلاة الخائف جمله متى لم يتهيأ له أن

стр. 754

يأتي بها على وجهها، ويؤخرها إلى أن يتمكنوا من ذلك، واحتجوا بتأخير النبي ﷺ الصلاة يوم الخندق، ولا حجة لهم فيه؛ لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك كما ذكرنا. واختلف الذين قالوا بالجواز للمطلوب في جواز ذلك للطالب: فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما. وقال الشافعي، والأوزاعي، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض. ثم اختلفوا فيما يباح له من العمل في الصلاة، فجمهورهم على جواز كل ما يحتاج إليه في مطاردة العدو، وما يضطر إليه من ذلك؛ من مشي ونحوه، وقال الشافعي: إنما يجوز له من ذلك المشي اليسير، والطعنة والضربة، فأما ما كثر، فلا تجزئه الصلاة، ونحوُه عن محمد بن الحسن، والله أعلم. * * *

стр. 755

كتاب الجنائز الجنائز -بفتح الجيم- جمع جنازة -بكسر الجيم وفتحها-، وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش عليه ميت، وقيل: عكسه، حكاه صاحب "المطالع"، وقال ابن فارس: الجنازة مشتقة من جنز يجنز: إذا ستر (١). الحديث الأول عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ في اليَوْم الَّذِي مَاتَ فَيْهِ، وَخَرَجَ بهِمْ إلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكبَّرَ أَرْبَعًا (٢). تقدم ذكر أبي هريرة. وأما النجاشي: وهو -بفتح النون وبالجيم والشين المعجمة وتشديد الياء-، لقبٌ لكل من ملكَ الحبشة، ومعناه بالعربية: عَطِيَّة، فيما ذكره ابن قتيبة، قال جماعة من الأئمة أهل العربية وغيرهم، وكلامُهم متداخل: كلُّ من ملك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة: النجاشي، ومن ملك الروم: قيصر، ومن ملك الفرس: كسرى، ومن ملك الترك: خاقان، ومن ملك

стр. 756

القبط: فرعون، ومن ملك مصر: العزيز، ومن ملك اليمن: تُبَّع، ومن ملك حمير: القيل -بفتح القاف-. وقيل: القيل أقل درجة من الملك. واسم النجاشي: أَصْحَمَة -بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين-، وقيل: صحمة -بفتح الصاد وإسكان الحاء-، وحكى الرافعي في "شرح مسند الشافعي": أنه يقال: أَصْمَحَة -بتقديم الميم على الحاء- أصمحة، ولعله تصحيف، وقيل: صمحة -بتقديم الميم على الحاء بلا ألف-، قاله ابن أبي شيبة في "مسنده"، وهو شاذ، والله أعلم. واعلم أن النجاشي تابعي؛ لأنه آمن، رأى الصحابة، ولم ير النبي ﷺ ، وهذه المسألة تلقى في المعاياة، فيقال: شخص صلى عليه النبي ﷺ وأصحابُه، وهو تابعي، فيقال: هو النجاشي، قاله أعلم (١). وقوله: "نعى النبي ﷺ النجاشي"، اعلم أن النعي على ضربين: أحدهما: مجرد إعلام لمقصد ديني؛ مثل: طلب كثرة الجماعة تحصيلًا للدعاء للميت وتتميمًا للعدد الذي وعد بقبول شفاعتهم له؛ كالأربعين والمئة مثلًا، أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله: ﷺ "هَلَّا آذنتموني به" (٢)، ونعيه ﷺ أهل مؤتة. وضرب فيه أمر محرم: مثل نعي الجاهلية المشتمل على مفاخر الميت ومآثره، وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم.

стр. 757

وفي الحديث أحكام: منها: الإعلام بالميت للمقصد الديني. ومنها: إثبات الصلاة على الميت، وأجمع العلماء على أنها فرض كفاية، واختلفوا في القدر الذي يسقط به، فقال أصحاب الشافعي: تسقط بصلاة واحد، وهو الصحيح عندهم، وقيل: يشترط اثنان، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة. وأما صلاته ﷺ على النجاشي: فكانت متعينة؛ حيث مات بأرض لم تقم بها فريضة الصلاة عليه، فتعين الإعلام بموته لذلك، وهكذا الحكم في كل مسلم مات ولم يُصَلَّ عليه؛ فإنه يتعين على كل من علم بموته الصلاة عليه. ومنها: معجزة ظاهرة لرسوله ﷺ ؛ لإعلامه بموته وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه. ومنها: شرعية الصلاة على الميت الغائب، وهو مذهب الشافعي ﵀، وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما، وقالا: لا يصلى على الغائب، ويحتاجون إلى الاعتذار عن الحديث، ولهم اعتذارات: منها: ما ذكر أن صلاته ﷺ على النجاشي كانت متعينة. والثاني: ما قيل: إنه ﷺ رآه، فيكون حين صلاته عليه كميت رآه الإمام ولم يره المأمومون، وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، فمثله لا يثبت بالاحتمال. ومنها: الخروجُ إلى المصلى للصلاة على الميت الغائب من غير كراهة، وقد تمسك به الحنفية في منع الصلاة على الميت في المسجد، وبجعل الكراهة في الصلاة على الميت في المسجد مطلقة، ولا يتم لهم ذلك إلا أن تخص الكراهة في الميت يكون في المسجد؛ فإن النبي ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد (١)، ومعلوم أن موته كان خارج المسجد، وحمل إلى المسجد للصلاة

стр. 758

عليه فيه، والخروج إلى المصلى للصلاة على النجاشي أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة الباهرة، ولإكثار المصلين عليه، ومذهب جمهور العلماء جواز الصلاة على الميت في المسجد مطلقًا، ولا يتم لهم الاستدلال منه على الكراهة على الصلاة عليه فيه أصلًا؛ لأن الممتنع عندهم إنما هو إدخاله إلى المسجد، لا مجرد الصلاة عليه فيه. ومنها: أن سنة تكبيرات صلاة الجنازة أربع، وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، ونقل إجماعهم عليه، وخالف الشيعة في ذلك، وقالوا: يكبر خمسًا، وقد وردت به أحاديث مرفوعة، لكنها غير ثابتة كثبوت التكبير أربعًا، وبتقدير ثبوتها، فالتكبير أربعًا متأخر عنها، وهو مروي عن ابن عباس؛ أعني: التكبير أربعًا كان متأخرًا عن التكبير خمسًا، ومعلوم أن الأخذ عنه كان بالآخر فالآخر من أمره ﷺ ، وروي عن بعض المتقدمين أنه كبر على الجنازة ثلاثًا، وهذا الحديث يرده، واختلف الصحابة فيه من ثلاث إلى تسع، ثم وقع الاتفاق على الأربع كما بينا، ونسخ ما عنداه. ومنها: استحباب الصفوف، والأمر بها في صلاة الجنازة؛ لقوله: فصف بهم، وقد ثبت في الصحيح من كتب السنن: "من صلى عليه ثلاثةُ صفوفٍ لا يشركون بالله شيئًا إلَّا شَفَّعهم اللهُ فيه" (١)، ولم يقع في الأحاديث الصحيحة السلامُ من صلاة الجنازة على الخصوص، لكن يستدل عليه بعموم قوله ﷺ : "تحريم الصلاةِ التكبيرُ، وتحليلها التسليم"، وهو حديث صحيح أجمع العلماء عليه، لكن قال الجمهور منهم: يسلم تسليمة واحدة، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وجماعة من السلف: يسلم تسليمتين.

стр. 759

وهل يجهر الإمام بالسلام أو يسرُّ به؟ قال الشافعي: يسر، وقال أبو حنيفة: يجهر، وعن مالك روايتان، والله أعلم. * * * الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَو الثَّالِثِ (١). في هذا الحديث استحباب أن تكون الصفوف على الميت أكثر من واحد، وهو بعض من الحديث الأول، وثبت عن بعض العلماء من الصحابة أو التابعين: أنه كان إذا حضر الناس الصلاة على الميت، صفَّهم صفوفًا؛ طلبًا لقبول الشفاعة؛ للحديث الذي ذكرناه قريبًا من كتب السنن، وهذا الحديث الثاني لعله من هذا القبيل، فإن الصلاة كانت في الصحراء، ولعلها لا تضيق من صف واحد، ويمكن أن يكون لغير ذلك، والله أعلم. وفيه: التثبت فيما يقوله الإنسان ويحكيه، خصوصًا إن كان لتبيين حكم، أو تعليم أدب؛ فإن جابرًا لما ذكر أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي كانت بصفوف وراءه، وأنه كان في الصف الثاني أو الثالث، حكى الحال على ما هو في ذهنه من غير زيادة ولا نقص. وفيه: الصلاة على الغائب، خصوصًا إذا علم عدم الصلاة عليه. * * *

стр. 760

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا (١). تقدم الكلام على ابن عباس، وهذا القبر الذي صلى عليه رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون قبر السوداء التي كانت تَقُمُّ المسجد، ويحتمل غيره إلا أن يأتي بيان. وبالجملة ففي الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر بعد دفن الميت، وهو مذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه، وسواء كان صلى عليه أم لا. ومنعَ الصلاةَ على القبر أصحابُ مالك مستدلين بقوله ﷺ : "إن هذه القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله تعالى ينورها بصلاتي عليهم" (٢)، فقد علم النبي ﷺ ذلك وغيره لا بعلمه مخصوصًا به، وهذا ليس بشيء لوجوه: أحدها: إنا لا نسلم أن المراد بصلاته عليهم الصلاة المعهودة، وإن كان سياق الحديث يدل على إرادته، بل المراد مجرد الدعاء، فيكون دعاؤه بخصوصيته مجردًا عن الصلاة هو الذي يحصل تنويرها به لتحقق استجابته، لا مطلق الصلاة الذي هو المجموع، لكن يقال: استجابة دعائه ﷺ في الصلاة أبلغ منها في غيرها. الثاني: وإن كنا لم نعلم الخصوصية به لجواز الصلاة على القبر، لكنا نظنه، ونرجو فضل الله -سبحانه- ودعاء المسلمين لمن صلوا عليه. الثالث: أنه ﷺ قد قال: "من صلى عليه مئةٌ -أو: أربعون- من المسلمين،

стр. 761

شفعوا فيه" (١)، فقد أعلمنا أن ذلك يكون من غيره. الرابع: أنه كان يلزم منه ألَّا يصلي على ميت بعده ﷺ ؛ لإمكان الخصوصية فيمن صلى عليه النبي ﷺ ، وهذا باطل، فإن قيل: الخصوصية في جواز صلاته ﷺ على القبر إنما كانت لكونه ولي المؤمنين وواليهم، فيختص جواز الصلاة على القبر بالوالي والولي إذا لم يصليا على الميت، فالجواب أن هذا المذكور خارج عن محل الخلاف، كيف وقد صلى النبي ﷺ وغيره من أصحابه معه على القبر ولم ينكر عليه؟! لكن هذا يحتاج إلى نقل من حديث آخر ليس في هذا الحديث ذكرٌ له. وفيه: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التواضع والرفق بأمته، وتفقد أحوالهم والقيام بحقوقهم في الحياة والموت، والاهتمام بمصالح آخرتهم ودنياهم. وفيه: دليل على أن التكبير في الصلاة على الميت أربع، قال ابن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد الاختلاف على الأربع، وما سواه شذوذ لا يلتفت إليه، قال: ولا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يخمِّس إلا ابن [أبي] ليلى، والله أعلم. واعلم أنه لم يذكر في هذه الأحاديث ما يقرأ في صلاة الجنازة، وقد اختلف العلماء في قراءة الفاتحة فيها، فذهب مالك -في المشهور عنه- وأبو حنيفة، والثوري إلى عدم قراءتها، وكأنهم تمسكوا بظاهر ما خرجه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صَلَّيتم على الميتِ، فأَخْلِصوا له الدعاءَ" (٢)، وبأن مقصود هذه الصلاة إنما هو الدعاءُ

стр. 762

واستفراغُ الوُسْع بعمارة أحوال تلك الصلاة في الاستشفاع للميت. وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن مسلمة، وأشهب من أصحاب مالك، وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (١)؛ حملًا على عمومه، وقد خرج ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: "لا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن" (٢)، وقد خرج البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس ﵄: أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: ليعلموا أنها سنة (٣)، وخرج النسائي من حديث أبي أمامة ﵁ قال: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في الأولى بأم القرآن مخافتةً، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة (٤)، وذكر الإمام محمد بن نصر المروزي عن أبي أمامة -أيضًا- قال: السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم (٥). هذان الحديثان صحيحان، وهما ملحقان عند الأصوليين بالمسند، والعمل على حديث أبي أمامة أولى؛ إذ فيه جمع بين عموم قوله: لا صلاة، وبين إخلاص الدعاء للميت، وقراءة الفاتحة فيها لم هي استفتاح الدعاء، ففي حديث أبي أمامة وجوب الصلاة على النبي ﷺ فيها، وبه قال الشافعي -رحمه الله تعالى-، والله أعلم. * * *

стр. 763

الحديث الرابع عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ (١). أما قولها: "يمانية"، فهو بتخفيف الياء، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها، ووجه الأول: أن الألف بدل من ياء النسب، فلا يجتمعان، بل يقال: يمنية أو يمانية بالتخفيف، وكانت الأثواب من قطن (٢). وقولها: "ليس فيها قميص ولا عمامة" معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعي وجمهور العلماء، وهو مقتضى ظاهر الحديث، حتى قالوا: ولا يستحب أن يكون في الكفن قميص وعمامة، وقال مالك وأبو حنيفة: يستحب قميص وعمامة، وتأولوا الحديث على أن معناه ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليها، وهو ضعيف؛ لعدم ثبوته في الحديث، بل يتضمن أن القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه غير ذلك؛ لأنه لو كفن فيه مع رطوبته، لأفسد الأكفان. وأما الحديث الذي رواه أبو داود في "سننه" من رواية ابن عباس: أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان، وقميصه الذي توفي فيه (٣)، فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحدَ رواته مجمَعٌ على ضعفه، لا سيما وقد خالف رواية الثقات.

стр. 764

وفي هذا الحديث فوائد: منها: استحباب التكفين في ثلاثة أبواب، وقد ثبت في الصحيح أنها كانت سوابغ، قال العلماء: وأقل الواجب فيه ثوبٌ واحد ساتر لجميع البدن، وما زاد مستحبة. ومنها: أن الورثة لا يضايق بعضهم بعضًا، بل كل من رأى تكفين الميت في المستحب يجاب، ولا يمنع، بل يتبع. ومنها: استحباب كونها يمانية من قطن. ومنها: كراهة القميص والعمامة في الأكفان. ومنها: الاقتداء بآثاره ﷺ في حياته وموته، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَت: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، واجْعَلْنَ في الأَخِيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ، فآذِنَّنِي"، فَلمَّا فَرَغْنَا، آذَنْاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا بِهِ"؛ يَعْنِي: إزَارَه -وَفي رِوَايَةٍ: "أَوْ سَبْعًا"-، وَقَالَ: "ابْدَأْنَ بمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوضُوءِ مِنْهَا"، وإنَّ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وجَعَلْنَا رَأسَهَا ثَلاَثَةَ قُرُونٍ (١). أما أم عطية، فتقدم الكلام عليها في آخر باب العيدين. وأما الابنة التي توفيت، فهي زينبُ بنتُ رسول الله ﷺ ، هذا هو المشهور الذي رواه مسلم في "صحيحه"، وروى أبو داود في "سننه" من حديث ليلى بنت قانف الثقفية: أن التي غسلتها أم عطية هي أم كلثوم ﵂ (٢)، وذكره القاضي عياض عن بعض أهل السير، والأول أصح، ويحتمل أنها غسلت هذه،

стр. 765

وهذه؛ فإن أم عطية كانت غاسلة للميتات، وكانت من فاضلات الصحابيات. وقوله ﷺ : "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا" معناه: اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتن إلى زيادة للإنقاء، فليكن خمسًا، على أن الإيتار مطلوب في غسل الميت، فإن حصل تعميمه وإنقاؤه بواحدة، كانت الثلاث مأمورًا بها ندبًا، وإن لم يحصل ذلك بواحدة، وحصل بالثلاث، كانت الثلاث واجبة، وندب الخمس، وقد اختلف أصحاب الأصول في جواز إرادة المعنيين المختلفين بصيغة الأمر؛ فقوله: "اغسلنها" صيغةُ أمر بالغسل، وقوله: "ثلاثًا" غير مستقل بنفسه، فإذا حصل المقصود بواحدة، كان قوله: "ثلاثًا أو خمسًا" غير داخل تحت صيغة الأمر بأصل الغسل، فيكون المراد به الاستحباب، فالوجوب مراد بالنسبة إلى أصل الغسل، والاستحباب بالنسبة إلى الإيتار عند عدم الحاجة إلى الزيادة على الواحدة أو الثلاث، وقد رواه مسلم بروايات: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك"، "اغسلنها وترًا: ثلاثًا أو خمسًا"، ولم يذكر الواحدة؛ لخروج الحديث على الغالب في الإنقاء والتعميم، لا على التحديد بعدد، ولهذا جعله ﷺ مفوضًا إليهن على حسب الحاجة الشرعية، لا مجردة بحسب التشهي؛ فإن الأمر الوارد من الشرع يصان عن التشهي، خصوصًا إذا كان موصوفًا بصفة؛ لوجود الإسراف في التشهي، وقوله ﷺ : "إن رأيتن ذلك"، فالكاف من "ذلكِ" مكسورة خطابًا لأم عطية ﵂، وأتى بالنون الثقيلة لجميع النساء؛ حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهن، لكن نظر المصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهن، فيحسن جمعهن في الرواية، وإفراد أم عطية في الخطاب، ومعنى ذلك: إن احتجن إلى الزيادة، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهن. وقوله ﷺ : "بماء وسدر" قد يوهم هذا اللفظ أن الماء المختط بالسدر يجوز التطهير به من غير ماء مطلق، وليس هو ظاهرًا في امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون أحدهما واردًا على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك.

стр. 766

وقوله ﷺ : "واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور" الحكمة في الكافور في غسل الميت الحفظُ لبدنه، ولعل ذلك السبب في جعله في الأخيرة؛ فإنه لو جعل في غسل غيرها من الغسلات قبلها، لأذهبه، فلا يحصل المقصود من ذلك، مع ما فيه من تطييب الميت وإكرامه وتبريد بدنه وتصليبه، وذلك يمنع إسراع الفساد إليه. وقولها: "فأعطانا حِقْوهُ " -بكسر الحاء وفتحها- لغتان: وهو الإزار، وأصل الحقو معقدُ الإزار، وسمي به الإزار مجازًا؛ لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه، وجمع الحقو: أَحْقٍ وحِقًى، ويجمع -أيضًا- على أحقاء؛ كدلو وأدلاء ودِلًى (١). وقولها: فقال: "أشعرنها إياه" معناه: اجعلنه شعارًا لها، والشعار ما يلي الجسد، والدثار ما فوقه، والحكمة في إشعارها به تبريكها بآثاره ﷺ . وقوله ﷺ : "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" هذا أمر بإكرام ميامن الميت، ومواضع الطهارة من بدنه؛ تشريفًا لها على سائر البدن، فإن البدأة بالشيء يقتضي الاهتمام به، لكن إذا فعل ذلك، هل هو وضوء حقيقي، أو هو جزء من الغسل خُصت به المذكورات من الميامن ومواضع الوضوء تشريفًا؟ فيه كلام. قولها: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاث ضفائر، وتضمن ذلك تسريح شعر الميت وضفره. وفي هذا الحديث أحكام كثيرة: منها: أن العالم يجب عليه الابتداء بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصر في العمل به. ومنها: أن النساء أحقُّ بغسل الميتة من زوجها، وقد يمنع ذلك من يتحقق أن

стр. 767

زوج زينب كان حاضرًا في وقت وفاتها، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوض الأمر إلى النسوة، ومذهب الشافعي والجمهور أن للزوج غسل زوجته، وقال الشعبي والثوري وأبو حنيفة: لا يجوز له غسلها، واختلف أصحاب الشافعي في أن النساء أحقُّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين: أصحهما عندهم: أنهن أحق به منه، وأجمع العلماء على أن لها غسل زوجها. ومنها: أن بعض العلماء استدل بهذا الحديث على أنه لا يجب الغسل من غسل الميت من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب، لذكره، وعدم الوجوب مذهب الشافعي والجمهور، ولكن قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه، وجمهور العلماء على استحبابه، وفي مذهب الشافعي وجه شاذ مردود: أنه واجب، وليس بشيء، والحديث المروي فيه من رواية أبي هريرة مرفوعًا: "من غسل ميتا فليغتسلْ، ومن مَسَّهُ فليتوضأ" (١) ضعيف بالاتفاق. ومنها: شرعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة. ومنها: تفويض الحاجة في ذلك إلى الغاسل على حسب المصلحة الشرعية من غير إسراف. ومنها: أنه ينبغي للعالم إذا علم أمرًا يتعلق بالمأمور به لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيد الأمر والتعليم بغاية ليوضع موضعه؛ لقوله ﷺ : "فإذا فرغتنَّ فآذنني"؛ أي: أَعلمنني. ومنها: أنه ينبغي للمأمور التقيد بالأمر فورًا وغاية. ومنها: استحباب السدر في غسل الميت، وهو متفق على استحبابه، ويكون في المرة الواجبة، وقيل: يجوز فيها.

стр. 768

ومنها: استحباب شيء من الكافور في الغسلة الأخيرة، وهو متفق عليه عند الشافعية ومالك وأحمد، وبه قال جمهور العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يستحب، وهذا الحديث حجة عليه. ومنها: تبريك الرجل الصالح أقاربه وأصحابه بشيء من آثاره، خصوصًا في الموت وأسبابه، وقبول ذلك منه. ومنها: جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل. ومنها: استحباب مشط رأس الميت وضفره، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي والكوفيون: لا يستحب المشط ولا الضفر، بل يرسل الشعر على جانبيها مفرقًا، وقال بعض أصحاب الشافعي بجعل الثلاث خلف ظهرها، وروى في ذلك حديثًا غريبًا أثبت استحبابه به. ومنها: استحباب تقديم الميامن في غسل الميت وسائر الطهارات، ويلحق بذلك أنواع الفضائل. ومنها: استحباب وضوء الميت، وهو عند الشافعية في أول الغسل كما في وضوء الجنب، وباستحباب وضوء الميت قال مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يستحب، والله أعلم. * * * الحديث السادس عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ، أو قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (١)، وفي رواية: "ولاَ تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلا رَأْسَهُ" (٢).

стр. 769

قال المصنف ﵀: الوَقْصُ: كسر العنق. تقدم الكلام على ابن عباس. أما قوله ﷺ : "ولا تحنطوه" فهو بالحاء المهملة؛ أي: لا تمسوه حَنوطًا، والحنوط -بفتح الحاء المهملة-، ويقال له: الحِناط -بكسر الحاء-، وهو أخلاط من طِيب يُجمع للميت خاصة، لا يستعمل في غيره (١). وقوله ﷺ : "ولا تخمروا رأسه"؛ أي: لا تغطوه، والتخمير: التغطية. وقوله ﷺ : "فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" معناه: على هيئته التي مات عليها؛ ليكون ذلك علامة لحجه، ودلالة على فضيلته؛ كما يجيء الشهيد يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا. وقوله ﷺ : "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" لم يقل مالك وأبو حنيفة ومن قال بقولهما: إن المحرم إذا مات لا يمتنع ستر رأسه ووجهه؛ لأنه بالموت انقطع عنه حكم الحياة؛ لانقطاع العبادة بزوال حكم التكليف هو القياس، وقال الشافعي وأصحابه: يباح ستر وجهه، ولا يحرم، ويحرم تغطية رأسه، ويبقى كما كان في الحياة، فيتأول الحديث على أن النهي عن تغطية الرأس الوجه ليس مقصودًا لذاته، بل لكونه لازمًا لتغطية الرأس غالبًا، والعمل بالحديث إذا صح مقدم على القياس، وهذا متعين، ويجعل مالك وأبو حنيفة أن هذا الحكم خاص بالمحرم المذكور في الحديث؛ حيث علله ﷺ : بأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ولا يعلم وجود ذلك في غير هذا المحرم لغير النبي ﷺ ، والحكم إنما يعم بعموم علته، لكن هذه العلة تقتضي الخصوصية، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه ﷺ ثبت لغيره حتى يدل الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال: "يُبعث المرءُ على ما مات عليه" (٢)، وهذا عام في كل صورة

стр. 770

ومعنى، فاقتضى ذلك تعليق هذا الحكم لأجل الإحرام؛ حيث مات محرمًا، فيعم كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام؟! والله أعلم. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة: منها: أن حكم الإحرام باق في الميت المحرم، وهو مذهب الشافعي كما تقدم. ومنها: أن الميت المحرم يجب غسله وتكفينه. ومنها: جواز التكفين في الثياب الملبوسة، وهو مجمع عليه. ومنها: جواز التكفين في ثوبين، لكن الأفضل ثلاثة. ومنها: أن الكفن مقدم على الدَّيْن وغيره؛ حيث لم يسأل النبي ﷺ عن دين مستغرق، ولا غيره، وتركُ الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم في المقال. ومنها: أن الكفن للميت واجب بالإجماع، وكذلك غسله والصلاة عليه ودفنه. ومنها: استحباب دوام التلبية في الإحرام. ومنها: التنبيه والتحريض على لقاء الله تعالى بحالة تناسب العبودية؛ لتكون شاهدًا لصاحبها يوم القيامة، والله أعلم. * * * الحديث السابع عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١). هذا الحديث حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ؛ لأن النهي لا يجوز أن يضاف إلى غير النبي ﷺ .

стр. 771

وقولها: "ولم يعزم علينا"؛ أي: لم يؤكَّد علينا في المنع من اتباع الجنائز ما وُكِّد علينا في غيره، فلم نؤمر فيه بعزيمة، والعزيمة دالة على التأكيد، فكأنها قالت: كُره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وقال بعض الأصوليين: العزيمة: ما أُبيح فعلُه من غير قيام دليل المنع، والرخصة: ما أبيح فعله مع قيام دليل المنع، وهذا خلاف ما دل عليه هذا الحديث، وهو مخالف -أيضًا- لما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد؛ فإن هذا القول يدخل تحته المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه. وقد وردت أحاديث في التشديد في اتباع النساء أو بعضهن للجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث، والذي جاء عن فاطمة ﵂ من ذلك إما أن يكون لعلو منصبها، وحديث أم عطية هذا في عموم النساء، أو يكون الحديثان محمولين على اختلاف حالات النساء، وقد أجاز مالك اتباعهن للجنائز، وكرهه للشابة في الأمر المستنكر، وخالفه غيره من أصحابه، فكرهه مطلقًا؛ لظاهر النهي، والله أعلم. وفي هذا الحديث فوائد منها: أن النهي إذا بُني لما لم يسمَّ فاعله من النبي ﷺ يضاف إلى الله تعالى دون غيره. ومنها: كراهة اتباع النساء الجنائز من غير تحريم. قال القاضي عياض ﵀: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، قلت: فإن اقترن باتباعهن لها محرم، أو جر إلى مفسدة، كان حرامًا شديد التحريم. ومنها: التفرقة بين نهي التنزيه والتحريم في عرف الصحابة بالنسبة إلى العلم، وأما بالنسبة إلى العمل، فلم يفرقوا فيه، بل كانوا يجتنبون المكروه تنزيهًا وتحريمًا مطلقًا، لا لضرورة بيان من اعتقاد أو إلجاء إلى ارتكاب محرم، فيفعلون المكروه تنزيهًا خلوصًا من المحرم، ومن استقرى فعلهم وقولهم وقواعد الشرع، وجد الأمر كما ذكرته، والله أعلم.

стр. 772

الحديث الثامن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ تَكُ غَيْرَ صَالِحَةٍ، فَشَرٌّ تَضَعُونَه عَنْ رِقَابِكُمْ" (١). قد تقدم أن الجِنازة -بفتح الجيم وكسرها- لغتان مطلقًا، يقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، فيكون الفتح للأعلى، والكسر للأسفل، فينبغي أن تقرأ هنا: أسرعوا بالجنازة بالفتح؛ لأن المراد به الإسراع بالميت، فهو المقصود. واعلم أن المراد بالإسراع: الإسراعُ في المشي بالميت إلى المدفن، ويدل على ذلك قوله ﷺ في آخر الحديث: "فخير تقدمونها إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم"، وقيل: يعني به الإسراع بتجهيز الميت بعد موته، لئلا يتغير، لكن الأول أظهر، ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مطلق الإسراع؛ فإنه ﷺ لم يقيده بقيد، والله أعلم. ثم الخطاب بالإسراع للرجال دون النساء؛ لأنهم أقوى للحمل، والنساء ضعيفات، وربما انكشف من الحامل بعض بدنه. ثم الإسراع بالميت مطلوب بشرط إلَّا يكون على هينة مزرية، ولا يؤدي إلى انفجاره أو سقوطه ونحو ذلك، قد جعل الله لكل شيء قدرًا، وقد بين ﷺ الحكمة في الإسراع بقوله: "فإن تك صالحة إلى آخره"، والله أعلم. وفي هذا الحديث فوائد: منها: الأمر بالإسراع على ما ذكرنا، وقد كره بعض السلف الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور.

стр. 773

ومنها: إكرام أهل الخير والصلاح إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ما قدموه من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله تعالى ورحمته. ومنها: تقليل مصاحبة أهل الشر، إلا فيما وجب بسببهم من بعد موتهم؛ لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين، ومما ابتلي به الناس في هذه الأزمان في جنائزهم المشي معها متماوتين زائدًا على السكينة والوقار بهما في غيرها من الحالات، وتأخير الإسراع بها بحضور بعض الظلمة، أو صلاته عليها، أو تكرير الصلاة عليها مرة بعد أخرى لغير مقصود أو عذر شرعي، وكل هذا مخالف للسنة، بعيد من حالة الموت والاعتبار بها، والله يعلم المفسد من المصلح، والمنتفع من المتضرر، وجالب الخير من مانعه، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، سبحانه لا يُحصى ثناءٌ عليه كما أثنى على نفسه. * * * الحديث التاسع عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا (١). تقدم الكلام على سمرة بن جندب. وأما هذه المبهمة في الحديث، فقد ذكرها النسائي في "سننه"، وقال: هي أم كعب (٢)، وأما النفاس: فهي -بكسر النون-، وهو الدم الخارج بعد الولد، مأخوذ من النفس، وهي الدم، أو لأنه يخرج عقب النفس (٣)، وليس هذا مرادًا

стр. 774

بقوله: ماتت في نفاسها، بل المراد: ماتت قبل خروج الولد في نفاسها، وعلى هذا تأوله بعض من منع القيام على جنازة المرأة على وسطها في الصلاة، وقال: إنما قام ﷺ وسط هذه المرأة من أجل جنينها حتى يكون أمامه. وقوله: فقام وسْطها، فهو -بسكون السين-، هكذا الرواية فيه، وكذا قيده الحفاظ، وقيده بعضهم بالسكون والفتح معًا بمعنى واحد، والصواب: أن الساكن ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلت: حفرت وسط الدار بئرًا، كان معناه: حفرت في الجزء المتوسط منها، ولا نقول: حفرت وسَط الدار بالفتح إلا أن تعم الدار بالحفر، وعلى هذا فالصواب في الرواية السكون (١). وكون هذه المرأة ماتت في نفاسها هو وصف غير معتبر بالاتفاق، وهو حكاية أمر وقع، وأما وصف كونها امرأة، فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، ومنهم من خص ذلك بالمرأة كي يسترها عن الناس، وأما الرجل، فعند رأسه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وقال ابن مسعود بعكس هذا، وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب، وابن شعبان من أصحاب مالك، وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها حذاء الصدر، ولا شك أن النساء لم يكن يسترن في ذلك الوقت بما يسترن به اليوم، لكن الفعل إذا شرع لمعنى، ثم زال ذلك المعنى، بقي الحكم فيه كما كان، وإن لم يوجد معنى السبب؛ كالرّمَل في الطواف وغيره. وقد روى أبو داود وغيره ما يرفع الخلافَ: عن أنس ﵁: أنه صلى على جنازة، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنائز كصلاتك؛ يكبر عليها أربعًا، يقوم عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؟ قال: نعم. وهذا الحديث يدل على مشروعية مقام الإمام كذلك، وهل يبطل تأويل من

стр. 775

تأول أن مقام النبي ﷺ وسط جنازة أم كعب إنما كان من أجل جنينها كما تقدم، والله أعلم. وأجمع العلماء على أنه لا يقوم ملاصقًا للجنازة، وأنه لا بد من فرجة بينهما، حكاه الطبري. وفي هذا الحديث: إثبات الصلاة على النفساء، وإن كانت شهيدة. وفيه: أن السنة أن يقف الإمام عند عجيزة الميتة. وفيه: أن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإمام، والله أعلم. * * * الحديث العاشر عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ (١). قال المصنف ﵀: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة. أما أبو موسى، فتقدم الكلام عليه. وأما الصالقة، فقد فسرها المصنف، والصَّلْق: الصوتُ الشديد، يريد: رفعه في المصائب، وعندَ الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح، ويقال بالسين أيضًا، وهو الأصل، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والصاد تبدل من السين. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة إذا حلت، ومنه الحديث: "ليسَ مِنَّا مَنْ صَلَقَ أو حلق" (٢)، ومنه لعنُ رسولِ الله ﷺ من النساء الحالقةَ والسالقةَ.
следующие страницы →