وقولها: "ولم يعزم علينا"؛ أي: لم يؤكَّد علينا في المنع من اتباع الجنائز ما وُكِّد علينا في غيره، فلم نؤمر فيه بعزيمة، والعزيمة دالة على التأكيد، فكأنها قالت: كُره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم، وقال بعض الأصوليين: العزيمة: ما أُبيح فعلُه من غير قيام دليل المنع، والرخصة: ما أبيح فعله مع قيام دليل المنع، وهذا خلاف ما دل عليه هذا الحديث، وهو مخالف -أيضًا- لما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد؛ فإن هذا القول يدخل تحته المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه.
وقد وردت أحاديث في التشديد في اتباع النساء أو بعضهن للجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث، والذي جاء عن فاطمة ﵂ من ذلك إما أن يكون لعلو منصبها، وحديث أم عطية هذا في عموم النساء، أو يكون الحديثان محمولين على اختلاف حالات النساء، وقد أجاز مالك اتباعهن للجنائز، وكرهه للشابة في الأمر المستنكر، وخالفه غيره من أصحابه، فكرهه مطلقًا؛ لظاهر النهي، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد منها:
أن النهي إذا بُني لما لم يسمَّ فاعله من النبي ﷺ يضاف إلى الله تعالى دون غيره.
ومنها: كراهة اتباع النساء الجنائز من غير تحريم.
قال القاضي عياض ﵀: قال جمهور العلماء بمنعهن من اتباعها، وأجازه علماء المدينة، قلت: فإن اقترن باتباعهن لها محرم، أو جر إلى مفسدة، كان حرامًا شديد التحريم.
ومنها: التفرقة بين نهي التنزيه والتحريم في عرف الصحابة بالنسبة إلى العلم، وأما بالنسبة إلى العمل، فلم يفرقوا فيه، بل كانوا يجتنبون المكروه تنزيهًا وتحريمًا مطلقًا، لا لضرورة بيان من اعتقاد أو إلجاء إلى ارتكاب محرم، فيفعلون المكروه تنزيهًا خلوصًا من المحرم، ومن استقرى فعلهم وقولهم وقواعد الشرع، وجد الأمر كما ذكرته، والله أعلم.
стр. 772
الحديث الثامن
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإنْ تَكُ غَيْرَ صَالِحَةٍ، فَشَرٌّ تَضَعُونَه عَنْ رِقَابِكُمْ" (١).
قد تقدم أن الجِنازة -بفتح الجيم وكسرها- لغتان مطلقًا، يقال: بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، فيكون الفتح للأعلى، والكسر للأسفل، فينبغي أن تقرأ هنا: أسرعوا بالجنازة بالفتح؛ لأن المراد به الإسراع بالميت، فهو المقصود.
واعلم أن المراد بالإسراع: الإسراعُ في المشي بالميت إلى المدفن، ويدل على ذلك قوله ﷺ في آخر الحديث: "فخير تقدمونها إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم"، وقيل: يعني به الإسراع بتجهيز الميت بعد موته، لئلا يتغير، لكن الأول أظهر، ثم لا يبعد أن يكون كل واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مطلق الإسراع؛ فإنه ﷺ لم يقيده بقيد، والله أعلم.
ثم الخطاب بالإسراع للرجال دون النساء؛ لأنهم أقوى للحمل، والنساء ضعيفات، وربما انكشف من الحامل بعض بدنه.
ثم الإسراع بالميت مطلوب بشرط إلَّا يكون على هينة مزرية، ولا يؤدي إلى انفجاره أو سقوطه ونحو ذلك، قد جعل الله لكل شيء قدرًا، وقد بين ﷺ الحكمة في الإسراع بقوله: "فإن تك صالحة إلى آخره"، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: الأمر بالإسراع على ما ذكرنا، وقد كره بعض السلف الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور.
стр. 773
ومنها: إكرام أهل الخير والصلاح إذا ماتوا بالمبادرة إلى الوصول إلى جزاء ما قدموه من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله تعالى ورحمته.
ومنها: تقليل مصاحبة أهل الشر، إلا فيما وجب بسببهم من بعد موتهم؛ لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين، ومما ابتلي به الناس في هذه الأزمان في جنائزهم المشي معها متماوتين زائدًا على السكينة والوقار بهما في غيرها من الحالات، وتأخير الإسراع بها بحضور بعض الظلمة، أو صلاته عليها، أو تكرير الصلاة عليها مرة بعد أخرى لغير مقصود أو عذر شرعي، وكل هذا مخالف للسنة، بعيد من حالة الموت والاعتبار بها، والله يعلم المفسد من المصلح، والمنتفع من المتضرر، وجالب الخير من مانعه، وهو سبحانه أعلم بكل شيء، سبحانه لا يُحصى ثناءٌ عليه كما أثنى على نفسه.
* * *
الحديث التاسع
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا (١).
تقدم الكلام على سمرة بن جندب.
وأما هذه المبهمة في الحديث، فقد ذكرها النسائي في "سننه"، وقال: هي أم كعب (٢)، وأما النفاس: فهي -بكسر النون-، وهو الدم الخارج بعد الولد، مأخوذ من النفس، وهي الدم، أو لأنه يخرج عقب النفس (٣)، وليس هذا مرادًا
стр. 774
بقوله: ماتت في نفاسها، بل المراد: ماتت قبل خروج الولد في نفاسها، وعلى هذا تأوله بعض من منع القيام على جنازة المرأة على وسطها في الصلاة، وقال: إنما قام ﷺ وسط هذه المرأة من أجل جنينها حتى يكون أمامه.
وقوله: فقام وسْطها، فهو -بسكون السين-، هكذا الرواية فيه، وكذا قيده الحفاظ، وقيده بعضهم بالسكون والفتح معًا بمعنى واحد، والصواب: أن الساكن ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلت: حفرت وسط الدار بئرًا، كان معناه: حفرت في الجزء المتوسط منها، ولا نقول: حفرت وسَط الدار بالفتح إلا أن تعم الدار بالحفر، وعلى هذا فالصواب في الرواية السكون (١).
وكون هذه المرأة ماتت في نفاسها هو وصف غير معتبر بالاتفاق، وهو حكاية أمر وقع، وأما وصف كونها امرأة، فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، ومنهم من خص ذلك بالمرأة كي يسترها عن الناس، وأما الرجل، فعند رأسه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وقال ابن مسعود بعكس هذا، وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب، وابن شعبان من أصحاب مالك، وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها حذاء الصدر، ولا شك أن النساء لم يكن يسترن في ذلك الوقت بما يسترن به اليوم، لكن الفعل إذا شرع لمعنى، ثم زال ذلك المعنى، بقي الحكم فيه كما كان، وإن لم يوجد معنى السبب؛ كالرّمَل في الطواف وغيره.
وقد روى أبو داود وغيره ما يرفع الخلافَ: عن أنس ﵁: أنه صلى على جنازة، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنائز كصلاتك؛ يكبر عليها أربعًا، يقوم عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؟ قال: نعم.
وهذا الحديث يدل على مشروعية مقام الإمام كذلك، وهل يبطل تأويل من
стр. 775
تأول أن مقام النبي ﷺ وسط جنازة أم كعب إنما كان من أجل جنينها كما تقدم، والله أعلم.
وأجمع العلماء على أنه لا يقوم ملاصقًا للجنازة، وأنه لا بد من فرجة بينهما، حكاه الطبري.
وفي هذا الحديث: إثبات الصلاة على النفساء، وإن كانت شهيدة.
وفيه: أن السنة أن يقف الإمام عند عجيزة الميتة.
وفيه: أن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإمام، والله أعلم.
* * *
الحديث العاشر
عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ﵁: أَن النَّبِيَّ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ والحَالِقَةِ والشَّاقَّةِ (١).
قال المصنف ﵀: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة.
أما أبو موسى، فتقدم الكلام عليه.
وأما الصالقة، فقد فسرها المصنف، والصَّلْق: الصوتُ الشديد، يريد: رفعه في المصائب، وعندَ الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح، ويقال بالسين أيضًا، وهو الأصل، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والصاد تبدل من السين.
والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة إذا حلت، ومنه الحديث: "ليسَ مِنَّا مَنْ صَلَقَ أو حلق" (٢)، ومنه لعنُ رسولِ الله ﷺ من النساء الحالقةَ والسالقةَ.
стр. 776
والشاقَّة: التي تشق ثوبها عندَ المصيبة.
وهذا الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال، وإنما حرمت لإشعارها بعدم الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، والسخط له، وذلك كبيرة من كبائر الذنوب؛ حيث اقتضى فعلُ هذه الأشياء التبريَ من فاعلها ولعنَه وخروجَه من طريقة المصطفى ﷺ ، وإن اعتقد معتقد حلَّ فعلها، كان كافرًا.
ويدخل في معنى الحالقة مَنْ قطعت شعرها من غير حلق.
وهذه الأفعال من الرجال أشد تحريمًا، ويحرم تعاطي الأسباب الحاملة على ذلك، وصرفُ الأموال فيه، ويجب التصبر والصبر والرضا بقضاء الله تعالى وقدره، وتجنب صرف الأموال في أسباب تعاطي ذلك.
وتشرع الصدقة عن نفس الإنسان وعن موتاه، ويصل ثوابها إليهم بإجماع المسلمين، وتحريم الصدقة في الوجوه المحرمة، ويأثم فاعلها بإجماع المسلمين، ومن الوجوه المحرمة: صرف الأموال إلى النواحات والمنوحين، سواء كان ذلك بقراءة أو إنشاد أو وعظ أو نحو ذلك، خصوصًا إن ترتب على ذلك محرمات أخر؛ من تمطيط قراءة، أو تهييج على صراخ وشق وحلق، أو تعديد محاسن الميت من غير قصد تحريض اقتداء بفعله، ولم يكن الميت متصفًا بها، أو جعل المقابح محاسن، ويشرع التصبر والتصبير والتذكير الحامل على ذلك، ومن أحسنه: أن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فليصبر صاحب المصيبة، وليحتسب أجرها عند الله تعالى.
ومن الأفعال المحرمة عند مصائب الموت إدارةُ ذوائب العمائم إلى قدام بدنه؛ فإن ذلك فعل اليهود، وقد نهى الله تعالى ورسوله ﷺ عن التشبه بهم، ولعن رسولُ الله ﷺ مَنْ تشبه بهم، وأمر بمخالفتهم، ومن الأفعال المحرمة عندها ما يفعله الأمراء والأخيار ومماليكهم وإماؤهم من نشر الشعور ولبس جلال الدواب المشعرة وغيرها، وقلب سروج الخيل، وتنكيس الرايات، وبذر
стр. 777
التبن على الأبواب، وذبح الذبائح لموت الميت، وعقر الحيوان، ولطم الخدود، وشق الجيوب، وإعلاء الأصوات بالبكاء والندب، والمراءاة بذلك، وارتكاب ذلك لأجل فلان وفلانة، بل يجب في ذلك كله الامتناع منه، والرجوع إلى الله تعالى، وليكثر من قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون عند وجود المصيبة وبعدها وقبلها، والله أعلم.
ومن الأفعال المحرمة في ذلك المراءاة به، وقصد التسميع والمفاخرة بها، بل يكون المكلف في ظاهره وباطنه متبعًا لا مبتدعًا، مقيدًا بالشرع لا مطلقًا ولا متكلفًا ولا متخلفًا عن فعل خير، خصوصًا في هذه الحال المذكرة بالزهد في الدنيا ومقابحها، الحاملةِ على الرغبة في الآخرة وموانحها، فينبغي المراقبة لله تعالى في كل حال من الحالات، والاستغفار من كل زلة من الزلات، والرجوع إليه في كل لحظة من اللحظات، وسؤاله الثبات حتى الممات، إنه ولي ذلك، وجميع المؤمنين والمؤمنات.
* * *
الحديث الحادي عشر
عَنْ عائشِةَ ﵂ قاَلت: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، ذَكَرَ بَعْضُ نِسائهِ كَنيسَةً رأينَها بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقَالُ لَها: ماريةَ، وكانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبَيبَةَ أَتَتا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتا مِنْ حُسْنِها وَتَصاويَر فيها، فَرَفَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: "أولئكَ إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالحُ، سَوَّوا على قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله" (١).
أما عائشة وأم سلمة، فتقدم ذكرهما، وأن اسم أم سلمة: هند، ويقال: رملة، وليس بشيء، وهما أما المؤمنين.
стр. 778
وأما أم حبيبة، فاسمها رملة، وقيل: هند، والأول أشهر، كُنيت بابنتها حبيبة بنتِ عبيد الله بن جحش، وهي أم حبيبة بنت أبي سفيان صخرِ بن حرب ابن أمية، أمُّ المؤمنين، الأموية، كانت من السابقين إلى الإسلام، هاجرت مع زوجها عبيد الله إلى أرض الحبشة، فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ ، وهي هناك سنةَ ست من النبوة قبل الهجرة، ويقال: سنة سبع، زوجه إياها عثمان بن عفان، وأمها صفية بنت أبي العاصي عمة عثمان، وقيل: إن النجاشي ﵁ زوجه إياها، وأصدقها مئتي دينار، وقيل: أربع مئة دينار، فلعل واحدًا منها أوجب، والآخر قبل منه ﷺ ، وقيل: عقد عليها خالد ابن سعيد [بن] العاصي، وأولم عليها عثمان بن عفان لحمًا وثريدًا، وجهزها إلى رسول الله ﷺ النجاشي، وبعث إليها رسول الله ﷺ شرحبيل بن حسن، فجاءه بها، وقيل: بل تزوجها رسول الله ﷺ بالمدينة، وقيل: إنه الصحيح، وكان أبوها إذ ذاك بمكة، والله أعلم بالصواب.
وروي لها عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بحديثين، وروى عنها أخواها: معاوية وعتبة، وابنُ أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وجماعة كثيرة من التابعين، وروى لها أصحاب السنن والمساند، وتوفيت قبل موت معاوية بسنة، وتوفي معاوية في رجب سنة ستين، وقيل: توفيت سنة أربع وأربعين، وأما موضع دفنها، فأهل الشام يقولون: إنه بدمشق بمقبرة باب الصغير، وقال أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى-: روي عن علي بن حسين قال: قدمت منزلي في دار علي بن أبي طالب، فحفرنا في ناحية منه، فأخرجنا منه حجرًا، فإذا فيه مكتوب: هذا قبر بنت صخر، فأعدناه مكانه، والله أعلم (١).
стр. 779
وأما مارية، فهي -بكسر الراء، وفتح الياء المثناة تحت الخفيفة، بالكسر والفتح فيهما-: الكنيسة المذكورة في الحديث.
وفي هذا الحديث دليل على تحريم تصوير الحيوان، خصوصًا الآدمي الصالح، سواء كان التصوير في حائط، أو ثوب، أو رق، أو مجسدًا قائمًا بذاته، والأحاديث في "الصحيحين" وغيرهما تدل على ما ذكرته، ولقد غلط من حمل التحريم على المجسد القائم بذاته؛ حيث أشبهت الأصنام، وأبعدُ من ذلك من حمل الأحاديث على كراهة التنزيه، وأن التشديد الوارد في التصوير إنما كان في ذلك الزمان لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده، فلا تساويه في المعنى، ولا في التشديد في التحريم، وكل من القولين غلط باطل قطعًا؛ حيث أخبرنا الشارع ﷺ بعذاب المصورين في الآخرة، وأنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وذلك مخالف لمقالتهم، كيف وقد صرح في قوله ﷺ في وصف المصورين: المشبهون بخلق الله، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تحصى زمنًا دون زمن، وليس لنا التصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة الصريحة بمعنى خيالي يمكن ألا يكون مرادًا، مع اقتضاء اللفظ للتعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله.
وفيه دليل على منع بناء المساجد على القبور، وهو منع يقتضي التحريم، كيف وقد ثبت في الحديث الآتي لعنُ اليهود والنصارى على اتخاذ القبور مساجد، وقوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" (١).
وفيه: دليل جواز حكاية الإنسان ما رآه من البناء والتصاوير، وأنه لا حرج في ذلك.
وفيه: دليل على وجوب البيان عند حكاية ما يقتضي مخالفة الشرع.
стр. 780
وفيه: دليل على أن المرض ليس عذرًا في عدم البيان والإنكار.
وفيه: دليل على تحريم التعظيم بما لا يحل فعله، وقوله.
وفيه: دليل على وصف فاعل المحرمات المضاهية لخلق الله تعالى والآمر بها، ومرتضيها بأقبح وصف؛ فإنه ﷺ وصفهم بشرار الخلق عند الله.
وفيه: دليل على أن الاعتبار في الأحكام والأوصاف وغيرها إنما هو بما عند الله، لا بما عند الخلق.
وفيه: دليل على جواز الكلام عند المريض والشاكي.
وفيه: دليل على أن الكلام عنده إنما يكون بما يناسب حال الشاكي ومقامه؛ حيث ذكرتا أماكن العبادة وتعظيم النصارى لها بما ذكرتا، فبين ﷺ حكمَ ذلك، ودليل جميعه.
أما بناء غير المساجد على القبور، فإن كان لمعنى مقصود شرعي، فهو جائز إجماعًا، بشرط ألا يكون في بقعة محرمة من غصب أو تسبيل على المسلمين، وقد نص الشافعي وأصحابه على تحريم البناء في المقبرة المسبلة للمسلمين، قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى فيها (١)، ويؤيد الهدم، ومن المقصود الشرعي فعلُ الصحابة ﵃ بالنبي ﷺ وصاحبيه حيث دفنوا في بيت عائشة ﵂، وأخفيت قبورهم بالبناء كي لا تتخذ مسجدًا كما ذكرته عائشة في الحديث الآتي، أما البناء في ملك الباني غير المساجد على القبر، فهو مكروه، وعموم النهي عنه في الأحاديث الصحيحة يقتضي التحريم، والله تعالى أعلم.
стр. 781
الحديث الثاني عشر
عَنْ عَائشِةَ ﵂ فَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبيَائهِمْ مَسَاجِد"، قَالَتْ: وَلَوْلاَ ذَاكَ، أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا" (١).
أما قولها: "قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه"، فهو تنبيه على ما كانت الصحابة تعتمده من الأخذ بالآخر من قوله ﷺ وفعله، فنبهت ﵂ على أن ذلك ليس من أمره المتقدم، بل هو من المتأخر عند موته.
وهذا الحديث يدل على امتناع اتخاذ قبر رسول اللهِ ﷺ مسجدًا، ولم يفهم من ذلك امتناع الصلاة على قبره ﷺ .
وقد اختلف العلماء في الصلاة عليه ﷺ بعد غسله وتكفينه وقبل دفنه، مع اتفاقهم على أنه غُسِّل وكُفِّن، فقالت طائفة: لم يصلِّ عليه أحدٌ أصلًا، وإنما كان الناس يدخلون أرسالًا يدعون وينصرفون، واختلف هؤلاء في علة ذلك، فقيل: لفضيلته، فهو غني عن الصلاة عليه، وهذا ينكسر بغسله، وقيل: بل لأنه لم يكن هناك إمام، وهذا غلط؛ فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن بيعة أبي بكر ﵁ كانت قبل دفنه، وكان إمامَ الناس قبل الدفن.
والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلوا عليه أفرادًا، فكان يدخل قوم يصلون فرادى ثم يخرجون، ثم يدخل فوج آخر فيصلون كذلك، ثم دخلت النساء بعد الرجال، ثم الصبيان، وإنما أخروا دفنه ﷺ من يوم الاثنين إلى ليلة الأربعاء أو آخر نهار الثلاثاء؛ للانشغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام يرجعون إلى
стр. 782
قوله إن اختلفوا في شيء من أمور تجهيزه ودفنه، وينقادون لأمره؛ لئلا يؤدي إلى النزاع واختلاف الكلمة، وكان هذا أهم الأمور عندهم.
أما الصلاة عليه بعد دفنه ﷺ الصلاة المعهودة، فلم ينقل فعلها عن أحد من السلف والخلف، وقد حكى بعض الشافعية في ذلك وجهًا ضعيفًا بناء على جواز الصلاة على الميت بعد الدفن لمن لم يصل عليه، لكنه بعيد جدًّا لتطابق المسلمين على عدم فعلها، ولإشعار الحديث بالمنع، وأما الدعاء عند قبره، فلم يزل السلف والخلف يفعلونه، ويتوسلون إلى الله تعالى بالدعاء هناك، وبه ﷺ عند قبره وغيره من البقاع من غير منع، والله أعلم.
واستدل بعض الفقهاء بعدم الصلاة على قبره ﷺ على عدم الصلاة على القبر جملة، وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول ﷺ مخصوص عن هذا بما فهم من الحديث من النهي عن اتخاذ قبره ﷺ مسجدًا، والله أعلم.
وتحرم الصلاة على قبره، والسجود له؛ لما حرض النبي ﷺ ومنع منه من الصلاة إلى قبر غيره من الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - وغيرهم، ومنع من السجود له في حياته ﷺ ، فبعد موته أولى، ولما علم الصحابة ﵃ والتابعون ذلك، لم يبنوا الحجرة النبوية -على ساكنها أفضل الصلوات والتسليم- مربعة، بل بنوها من جهة شمالها مثلثة على صفة السنبوسكة؛ لئلا يُصلِّى هناك ويُسجد، وهذا كله تعريف لمقام الربوبية، ومراقبة له ؛ حيث انفرد سبحانه بالعظمة والكبرياء والإلهية والعبادة، وكل ما أوهم تعظيمًا لشيء، كان فعله حرامًا، إلا ما قرره الشرع من التوقير والتعظيم للأشياء المضافة إليه ؛ ككتاب الله تعالى، وبيته، والحجر الأسود، ومساجده، وأنبيائه، وأوليائه، وأحبابه، والعلماء به وبأحكامه، ونحو ذلك من غير مجازفة، وتجاوزه مجاوزة الحد في ذلك.
وأما التعظيم المطلق، فهو لله تعالى من كل الوجوه لصفاته وأسمائه ولا سيما [ما] لا يشركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع، فله التعظيم كله،
стр. 783
وله الكمال كله، وله الجلال كله، وله التقديس كله، وله الحمد كله، وله الشكر كله، وله الملك كله، سبحانه لا يحصى ثناءٌ عليه هو كما أثنى على نفسه.
وفي هذا الحديث: جواز لعن اليهود والنصارى على العموم، وأما لعن الشخص المعين منهم، فقيل: لا يجوز؛ لغيب خاتمته؛ فإنه قد يموت مسلمًا، وقيل: يجوز لوصف اليهودية أو النصرانية فيه الآن؛ كلعن المعين من المسلمين أصحاب المعاصي المصرين عليها.
وفيه: جواز ذكر سبب اللعن؛ للتحذير منه.
وفيه: تحريم بناء المساجد على القبور مطلقًا؛ لأنه إذا منع من بنائها على قبور الأنبياء، وهم أرفع البشر درجة، فمن دونهم أولى.
وفيه: تعظيم الربوبية، وتحريم تعاطي الأسباب المؤدية إلى المشاركة لها في ذلك، بل إن اعتقدوا جواز ذلك، فهو كفر.
وفيه: وجوب بيان ذلك وتحقيقه بالعلل والحكم.
وفيه: تحريم السجود إلى القبور، والصلاة إليها، وإن لم يقصد تعظيمها، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث عشر
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخَدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، ودَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ" (١).
تقدم الكلام على ابن مسعود.
وأما الجاهلية، وهي ما قبل الإسلام، وكل فعل خالف فعل الإسلام وما قرره الشرع، فهو جاهلي، وفاعله من الجاهلية؛ حيث خالف الإسلام فيه، والله أعلم.
стр. 784
والمراد بدعوى الجاهلية: ما كانت العرب تفعله عند موت الميت برفع الصوت وغيره: واجبلاه! واسنداه! واسيداه! ويدخل في ذلك تحت لفظ الصالقة في الحديث السابق، وما كانت تدعو الناس إلى المآتم، والذابح عليها، والنعي، وما أشبه ذلك.
وقوله ﷺ : "ليس منا"؛ أي: ليس من هدينا وسنننا وطريقتنا، وقال سفيان الثوري: يجري على ظاهره من غير تآويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار عما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من قال أو فعل كذا، وقال المتأخرون من العلماء: بل هي مؤولة على من فعلَ المزجورَ عنه معتقدًا حلَّه؛ فإنه يكفر بذلك، فيكون قوله: "ليس منا"؛ أي: ليس من أهل ديننا، وإن فعله غير معتقد حله، كان مؤولًا على: ليس من طريقتنا وسنننا، ولا يكفر، بل يكون عاصيًا.
وقوله ﷺ : "مَنْ ضربَ الخدودَ" لما تضمَّنَ ضربُ الخدود عدمَ الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، ووجود الجزع، وعدم الصبر، وضرب الوجه الذي نهى الشرع عن ضربه من غير اقتران مصيبة، كان فعله حرامًا مؤكدَ التحريم.
وقوله ﷺ : "وشقَّ الجيوبَ" الجيوب جمع جيب، وهو ما يشق من الثوب ليدخل فيه الرأس نازلًا به إلى العنق والرقبة، أو يقطع منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩]: قطعوا، ولما تضمَّنَ شقُّه ما ذُكر في لطم الخدود، وإفساد الشق المذكور بزيادة على ما وضع له من الانتفاع به متضمنًا نقص قيمة الثوب، والرياء بذلك، كان أيضًا حرامًا شديد التحريم، وهو براءته ﷺ من الشاقة في الحديث المتقدم.
وفي هذا الحديث:
تحريم هذه المذكورات، والسكون إلى أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ في جميع الحالات.
وفيه: تحريم ضرب الوجه؛ لأنه إذا حرم البعض، فالكل بطريق الأولى، مع أن في الوجه ما هو أفضل من الخد.
стр. 785
وفيه: تحريم إفساد المال، أو تنقيصه، خصوصًا عند السخط والجزع.
وفيه: تحريم تعاطي ما كانت الجاهلية تفعله؛ لأنه إذا حرم مثل ما ذكر عند المصائب، مع أن فاعل ذلك كالمكره عليه طبعًا، فغيره من الأمور الاختياريات من فعلهم الذي يقرر الشرع عدم فعلها بالتحريم أولى، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع عشر
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَان"؛ قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ". ولِمسلمٍ: "أَصْغَرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ" (١).
أما قوله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها فله قيراطٌ"، فالقيراط: اسم لمقدار معلوم في العرف، وهو جزء من أربعة وعشرين جزءًا، وقد يراد به الجزء مطلقًا، ويكون عبارة عن الحظ والنصيب، فيكون تمثيلًا لجزء من الأجر، ومقدارٍ منه، ألا ترى أنه قال: مثل الجبلين العظيمين، أو مثل أحد؟ وهذا من مجاز التشبيه؛ تشبيهًا للمعنى العظيم بالجسم العظيم، والمقصود من الحديث: أن من صلى على جنازة، فله أجر عظيم من الثواب والأجر، فإن صلى عليها واتبعها حتى تدفن، كان له حظان عظيمان من ذلك؛ إذ قد عمل عملين: أحدهما: صلاته، والثاني: كونه معه إلى أن يدفن، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا القيراط هو المذكور في قوله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلَّا كلبَ صيدٍ أو زَرْع أو ماشيةٍ، نقصَ من أجره كلَّ يومٍ قيراطٌ" (٢)، وفي رواية: "قيراطان" (٣)، بل ذلك
стр. 786
قدر معلوم يجوز أن يكون مثل هذا وأقل وأكثر، فإن قيل: في قوله ﷺ : "ومن شهدَها حتى تدفن، فله قيراطان" ما يقتضي أن القيراطين يحصلان بشهودها ودفنها، أحدهما: بالشهود، وهو اتباعها، والثاني: بدفنها، فيكون حينئذٍ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط، قلنا: هذا مردود بما ثبت في "صحيح البخاري" في أوائل كتاب الإيمان منه، وهو: أن القيراط الثاني على مجموع الشهود والدفن، ولا يحصل بهما قيراطان أن رسول الله ﷺ قال: "من شهدَ جنازةَ وكانَ معها حتى يصلَّى عليها، ويفرغَ من دفنها، رجعَ من الأجر بقيراطين" (١)، وهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان، وقد سبق مثل هذا في باب المواقيت في حديث: "مَنْ صلَّى العشاءَ في جماعة، فكأنَّما قامَ نصفَ الليل، ومن صَلَّى العشاءَ والصُّبحَ في جماعة، فكأنَّما قامَ الليلَ كلَّه" (٢).
وقوله ﷺ : "حتى تدفن"، وفي رواية في "صحيح البخاري ومسلم": "حتى يُفْرَغَ من دفنِها" (٣) دليلٌ على أن القيراط الثاني لا يحصل إلَّا لمن دام معها من حين صَلَّى إلى أن فرغ من دفنها، وهذا الصحيح عند أصحاب الشافعي، وقال بعض أصحابه: يحصل القيراط الثاني إذا ستر الميت في القبر باللَّبِنِ، وإن لم يُلْق عليه التراب، وفي وجه لهم: أنه يحصل بمجرد الوضع في اللَّحد، وإن لم يلق عليه التراب، والله أعلم.
وفي قوله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلَّى عليها" ما يؤذِنُ بما ورد في
стр. 787
بعض الروايات، وهو اتباعها من عند أهلها، وأن المراد: شهودها حتى يصلَّى عليها، ولا شك أن من صلى عليها مجردًا، حصل له قيراط، لكن قيراط من شهدها من عند أهلها حتى صُلِّي عليها أكملُ، وكذلك قيراطُ من تبعها حتى يُفرغ من دفنها أكملُ ممن حضر الدفن والفراغ منه دون الاتباع، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: استحباب شهود الميت من حين غسله وتكفينه واتباعه، والصلاة عليه إلى حين يفرغ من دفنه، ولا شك أن النفوس لما كانت لاهية بالحياة الدنيا وزينتها، شُرع لها ما يلهيها عن ذلك بشهود الجنائز، ورُغبت في ذلك بالأجور والثواب؛ ليكون أتقى لها وأزكى، وأبعد لها عما اشتغلت به، فينبغي أن تستعمل في ذلك كله الآداب الشرعية؛ من السكينة والوقار، وعدم الجبرية والاستكبار، والحديثِ فيما يلهي عن ذلك من المحظورات والمباحات شرعًا في ظاهره وباطنه، ولا يغفل عما يجب عليه في ذلك كله، والله أعلم.
وفيه: وجوب الصلاة على الميت، ودفنه.
وفيه: التحضيض على الاجتماع لهما.
وفيه: التنبيه على عظيم فضل الله تعالى فيما شرعه للنفوس، وما رتبه من الأجور على ما شرعه لها لمصلحتها الدنيوية والأخروية.
وفيه: أداء حقوق الموتى بالصلاة والتشييع وحضور الدفن.
وفيه: التنبيه على ما الإنسان صائر إليه ومشاهدته؛ ليعلم أنه راجع إلى الله تعالى، ومتصرف فيه، لا يملك لنفسه موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فلا تكثر التبعات عليه، ويأخذ نفسه بالعزائم وعدم الراحات؛ ليجدها يوم فقره وفاقته، فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَنْ أتبعَ نفسَه هواها، وتمنى على الله، والله أعلمُ بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
* * *
стр. 788
كتاب الزكاة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ إلَى اليَمَنِ: "إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمِ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ، فَأَخْبِرْهُم أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُم أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُم أَن الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائهِم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائهِم، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجابٌ" (١).
أما ابن عباس ومعاذ ﵄، فمضى الكلام عليهما.
وأما الزكاة: فهي في اللغة: النماء والتطهير:
فمن الأول: قولهم: نما الزرع، فالمالُ ينمى بإخراج الزكاة من حيث لا يرى.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين، فمن الأول قوله ﷺ : "ما نقصَ مالٌ من
стр. 789
صدقة" (١)، أو بمعنى أن متعلقها الأموالُ ذات النماء، وسميت بالنماء لتعلقها به، أو بمعنى تضعيف أجورها، كما ثبت أن الله تعالى يربي الصدقةَ حتى تكون كالجبل، وأما بالاعتبار الثاني، وهو التطهير، فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، أو لأنها تطهر من الذنوب.
وقيل: سميت زكاة؛ لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة إيمانه، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "والصدقةُ برهان" (٢)، وسميت -أيضًا- صدقة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحة إيمانه بظاهره وباطنه، وأثبت الشارع هذا الحق في المال لمصلحة الدافع والآخذ، فمصلحة الدافع تطهيره وتضعيفُ أجوره، ومصلحة الآخذ سدُّ خلته، وقد أفهم الشرع أن الزكاة وجبت للمواساة، وأنها لا تكون إلا في مال له بال، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي العين والزرع والماشية، وأجمعوا على وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها؛ كالعروض، فالجمهور يوجبون الزكاة فيها، وداود يمنعها؛ تعلقًا بقوله ﷺ : "ليسَ على المسلمِ في عبدِه ولا فَرَسِهِ صدقةٌ" (٣)، وحمله الجمهور على ما كان للقُنية.
وحدد الشرع نصابَ كل جنس بما يحتمل المواساة، فنصاب الفضة: خمس أواق، وهي مئتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب: فعشرون مثقالًا، والمعوَّل فيه على الإجماع والحديث، وأما الزروع والثمار والماشية: فنُصُبها معلومة، ورتب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤونة والتعب في المال، فأعلاها وأقلها تعبًا الرِّكازُ: وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر؛
стр. 790
فإن سقي بماء السماء ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه، ويليه الذهب والفضة والتجارة فيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية؛ فإنه يدخلها الأوقاص، بخلاف الأنواع السابقة، والله أعلم.
وقوله ﷺ لمعاذ: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب" هو كالتوطئة والتمهيد بالوصية؛ لاستجماع همته على الدعاء لهم إلى ما ذكر في الحديث؛ لأن أهل الكتاب أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها.
وقوله ﷺ : "فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" البدأة في الدعاء إلى الشهادتين والمطالبة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق؛ كالنصارى، فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينًا، ومن كان موحدًا كاليهود، فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد، وبين الإقرار بالرسالة، وإن كان اليهود الذين كانوا باليمن عندهم ما يقتضي الإشراك، ولو باللزوم، تكون مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما يلزم من عقائدهم.
وقد ذكر الفقهاء أن كل من كان كافرًا بشيء ومؤمنًا بغيره دخل في الإسلام بالإيمان بما كفر به، وهذا ليس على إطلاقه، بل قال أصحاب الشافعي العراقيون: لا يدخل في الإسلام إلا بالتلفظ بالشهادتين، وقال الخراسانيون منهم القاضي حسين: كل من أقر بما هو معروف من دين الإسلام أنه حق، صار به مسلمًا، وإن لم يتلفظ بالشهادتين، ولا شك أن العالم بالشيء قد يكون عارفًا به، وقد يكون غير عارف، فاليهود والنصارى، وإن كانوا عالمين بالله، لكنهم غير عارفين به، ولهذا ثبت في رواية في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: "فليكنْ أولَ ما تدعوهم إليه عبادةُ الله تعالى، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم" (١) إلى
стр. 791
آخره؛ لأنهم في علمهم بالله معتمدون على دلالة السمع عندهم، وإن كان الفعل عندهم لا يمنع أن يعرف الله تعالى من كذب رسولًا.
قال القاضي عياض ﵀: ما عرف الله تعالى من شبهه وجسمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سموه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذا ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتمد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفارسي من عامة أهل القيروان عند تنازعهم في هذه المسألة. هذا آخر كلام القاضي ﵀ والله أعلم (١).
قوله ﷺ : "فإن همْ أَطاعوا لكَ بذلكَ، فأخبرهم أن الله فرضَ عليهم خمسَ صلوات في كلِّ يوم وليلةٍ".
اعلم أن طاعتهم بالإيمان بالنطق بالشهادتين كما تقدم، وأما طاعتهم بالصلاة، فتحتمل أمرين:
أحدهما: إقرارهم بوجوبها، واعتقاد فرضيتها، والتزامهم بها.
الثاني: طاعتهم بالفعل، وأداؤها، ويحتمل أن المراد مجموع ذلك، وهو الظاهر، لكن رجح الأول بأمر معاذ بإخبارهم بالفرضية، فتعود الإشارة إليها، ورجح الثاني بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل، لكفى، ولم يشترط بلفظهم بالإقرار للوجوب، وكذلك في الزكاة، لو بادروا بأدائها من غير لفظ بالإقرار، لكفى، فالشرط عدم الإنكار للوجوب، لا التلفظ بالإقرار، وإنما كان كذلك؛ لأن المبادرة إلى الفعل متضمن الامتثال والإقرار بالوجوب، فهو أبلغ في ذلك جميعه، لا أنه المطلوب فقط ظاهرًا، بل مطلوب الشرع وجود الامتثال للأمر
стр. 792
بسوابقه ولواحقه، لكن هل يستفاد ذلك من صيغة الأمر بالمطلوب، أم من أمر خارج؟ فيه كلام في أصول الفقه.
وقوله ﷺ : "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" الضمير في فقرائهم وأغنيائهم عائد إلى المسلمين، أم إلى كل ناحية منهم؟ فإن نظرنا إلى عموم الحكم، جعلنا الضمير عائدًا إلى جميع المسلمين، وإن نظرنا إلى خصوصية المبعوث إليهم أهل اليمن، رددناه إلى الناحية، فيختص الحكم بهم، لكن أعيان الأشخاص في قواعد الشرع الكلية غير معتبر، ولولا المناسبة الموجودة في باب الزكاة، لقطعنا بعدم اعتبار خصوصية الناحية، كما هي غير معتبرة في الصلاة قطعًا في الحكم، وتظهر فائدة هذا الكلام في جواز نقل الزكاة وعدمه عن بلد المال، وفيه اختلاف.
وقوله ﷺ : "فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم" الكرائم: جمع كريمة، وهي جامعة الكمال في حقها؛ من غزارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة اللحم، أو الصوف، والرواية: "وإياك وكرائم" بالواو في "وكرائم"، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائمَ، بحذفها (١)، قال الفقهاء: والكرائم؛ كالأكولة، والربَّى، وهي التي تربي ولدها، والماخض، وهي الحامل، وفحل الغنم، وحرزات المال، وهي التي تحرز بالعين وترمق؛ لشرفها عند أهلها.
والحكمة في منع الساعي من أخذ ذلك: أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامحهم الشرع بما يضنون به، [ونهى] الساعي عن أخذه.
وقوله ﷺ : "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" هذا تنبيه على الامتناع من جميع أنواع الظلم، وذكر ذلك عقب أخذ كرائم الأموال؛ حيث إن أخذها ظلم، وعلل اتقاء دعوة المظلوم بعدم الحجاب بينها وبين الله؛ تأكيدًا
стр. 793
لتحريم الظلم، وتنبيهًا على سرعة عقوبة فاعله، لكن دعوة المظلوم مسموعة لا ترد، وهذا معنى عدم حجاب بينها وبين الله تعالى.
وفي هذا الحديث دليل على أحكام:
منها: أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشرع؛ حيث دعوا أولًا إلى الإيمان فقط، ودعوا إلى الفروع بعد إجابتهم إلى الإيمان، وضُعِّف هذا بأن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه ولا بد الترتيب في الوجوب؛ بدليل أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت في الذكر، وأخرت الزكاة، مع تساويهما في الخطاب؛ للوجوب في الدنيا، ولا تتعلق المطالبة به في الدنيا إلا بعد الإسلام، وليس المراد ألا يزاد عذابهم بسببها في الآخرة، كيف وهو ﷺ رتب ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهم فالأهم؟.
وقد اختلف العلماء في أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور بها والمنهي عنها على ثلاثة أقوال:
الصحيح المختار: أنهم مخاطبون بها جميعها.
والثاني: أنهم غير مخاطبين بها جميعها.
والثالث: أنهم مخاطبون بالمنهي دون المأمور.
ومنها: قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.
ومنها: أن الوتر ليس بواجب، وكذلك ركعتا الفجر ليستا واجبتين، فإن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبي ﷺ بقليل بعد الأمر بالوتر وركعتي الفجر، وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة، وبوجوب ركعتي الفجر الحسن البصري.
ومنها: أن السنة أن الكفار يُدْعون إلى التوحيد قبل القتال، ولم يذكر في هذا الحديث كل دعائم الإسلام، بل ذكر بعضها، قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: هو تقصير من الراوي.
ومنها: أن الكافر لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين، وهو مذهب أهل السنة.
стр. 794
ومنها: أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة.
ومنها: وجوب الزكاة.
ومنها: أن الإمام يبعث سعاة عدولًا أمناء ثقات علماء يأخذون الزكاة نيابة عن الفقراء.
ومنها: توصية الإمام نوابه بما يحتاجون إليه في عملهم من العمل بالأحكام؛ أمرِها ونهيِها، خصوصًا ما يتعلق بأمر الرعية.
ومنها: أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم الأموال في الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شر المال.
ومنها: تحريم دفع الزكاة إلى كافر.
ومنها: أنها لا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء، ومقتضى مذهب الشافعي أن الغني والفقير في ذلك معتبر برتبة الشخص، وقد اختلف العلماء في الغني الَّذي يحرم عليه أخذ الزكاة، فقيل: هو من ملك نصابا، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك؛ من حيث إنه ﷺ جعله في الحديث غنيًّا، وقابله بالفقير، وقد ورد في الحديث: أن الغني من ملك أوقية.
ومنها: اهتمام الإمام بأمر الفقراء في الزكاة.
ومنها: أن صاحب المال إذا امتنع من دفعها، أخذت منه بغير اختياره؛ حيث قال: "تؤخذ من أموالهم"، وهذا الحكم لا خلاف فيه، لكن هل تبرأ ذمته وتجزئه في الباطن؟ فيه خلاف للشافعية، وقد استدل به الخطابي وغيره من أصحاب الشافعي على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، وفيه نظر كما تقدم، وفي هذه المسألة وجهان لأصحاب الشافعي: أصحهما عند جمهورهم: لا يجوز النقل، ومأخذ الخلاف عود الضمير في فقرائهم، وتقدم ذكر ذلك، وإرادة فقراء الناحية الموجودين أظهر، والله أعلم.
ومنها: وجوب بيان تحريم الظلم على الإمام وغيره من العلماء، والأمر
стр. 795
باجتنابه، وبتقوى الله تعالى، والمبالغة في ذلك، وتعريف قبح عاقبته، والله أعلم.
ومنها: تحريم جميع أنواع الظلم، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" (١).
أما أبو سعيد الخدري، فتقدم الكلام على اسمه ونسبه ونسبته وما يتعلق به.
وأما الأواق: فجمع أوقيَّة -بتشديد الياء-، ويقال: وفي كل جمع إذا كان مفرده مشددًا بتشديد الياء وتخفيفها، كالأواقي والتخابي والعلالي والكراسي، وما أشبه ذلك، وممن ذكر هذه القاعدة فيما واحدهُ مشدد أنه يجوز في جمعه الوجهان: ابنُ السِّكِّيت في "إصلاحه"، (٢) والجوهريُّ في "صحاحه"، (٣) وقد ثبت في هذا الحديث في الجمع حذفُ الياء، فتصير في الجمع للأوقية ثلاث لغات: التشديد، والتخفيف، والحذف، والأوقية بضم الهمزة، ولا يجوز عند جمهور أهل اللغة، وفيه تحذف الهمزة، وحكى اللحياني الجواز -بفتح الواو وتشديد الياء-، وجمعها وقايا.
وأجمع العلماء من المحدثين والفقهاء واللغويين على أن المراد بالأوقية الشرعية أربعون درهمًا، وهي أوقية الحجاز.
وقال القاضي عياض ﵀: ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم
стр. 796
مجهولة في زمن رسول الله ﷺ ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، ويقع بها البياعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، قال: وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأي العلماء، وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل، ووزن الدرهم ستة دوانق، قول باطل، وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف، بل كانت مجموعات من ضرب فارس والروم، وصغارًا وكبارًا، وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنية ومغربية، فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزنا واحدًا لا يختلف، وأعيانًا يستغنى فيها عن الموازين، فجمعوا أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم، قال القاضي: ولا شك أن الدراهم كانت حينئذ معلومة، وإلا فكيف كان يتعلق بها حقوق الله تعالى في الزكاة وغيرها وحقوق العباد؛ وهذا كما كانت الأوقية معلومة.
وقال العلماء من الشافعية: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام (١).
واعلم أن الدراهم كانت في الجاهلية تضرب على نوعين مختلفين:
فمنها: ما ينسب إلى ملك يقال له: رأس البغل، وهي السود مما نسب إليه منها، يقال لها: بغلية، وكل درهم منها ثمانية دوانق.
ومنها: ما ينسب إلى طبرية الشام، يقال لما يضرب فيها: طبرية، وزن كل منها أربعة دوانق، وهي العتق، فقدر الشرع في الإسلام الدرهم ستة دوانق؛ جمعًا بينهما، ووقع الإجماع عليه من غير ضرب، وكانوا يتعاملون بهذا التقدير، الشطر من هذه والشطر من هذه لدى الإطلاق ما لم يعينوا بالنص أحد النوعين، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة مئة من هذه، ومئة من هذه؛ اعتبارًا في أول الإسلام،
стр. 797
هكذا قاله أبو عبيد وغيره، وهي الخمس الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يخالف في ذلك أحد إلا ابن حبيب الأندلسي؛ فإنه زعم أن كل بلد يتعاملون بعرفهم في الدراهم، وهو خلاف قول الجمهور، ويعضد قولهم ما ثبت أن النبي ﷺ قال: "الوزنُ على وزنِ أهل مكة" (١)، وهذا المقدار هو الَّذي كان أهل مكة يتعاملون به في عصر النبي ﷺ ، فلما تمكن الإسلام، واتسع، ضُربت الدراهم على التقدير الإسلامي تحريًّا لمعاملاتهم الإطلاقية، فنسب التقدير إلى من ضربت في زمنه ابتداء، وليس كذلك، بل كان ذلك إظهارًا للضرب، لا ابتداء تقدير، والله أعلم.
واختلف في زمن من ابتدأ الإظهار بالضرب للتقدير المذكور؟ فقيل: في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وقيل: في زمن بني أمية، ولا يصح قول من جعل التقدير في زمن أحدهما، والله أعلم.
وأما الصدقة واحدةُ الصدقات، فتفتح الصاد والدال، وأما ما هو اسم من أسماء الصَّداق -بفتح الصاد وكسرها-، فيقال فيه: صَدُقة -بفتح الصاد وضم الدال-، وصُدْقة -بضم الصاد وإسكان الدال- أربع لغات مشهورات، والله أعلم (٢).
وأما الذود: فاصله من ذاد يذود ذودًا: إذا دفع شيئًا، فهو مصدر، فكان من كان عنده دفعَ عن نفسه معرَّةَ الفقر وشدة الفاقة والحاجة، وهو عند أهل اللغة من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه، قالوا: ويقال في الواحد: بعير، قالوا: وكذلك البقر.
والرهط والقوم والنساء وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها، قالوا: وقولهم: خمسُ ذَوْد؛ كقولهم: خمسة أبعرة، وخمسة جمال، وخمس نوق،
стр. 798
وخمس نسوة، وقال سيبويه: يقال: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر عليه مذكره، قال أبو عبيد: الذود مما بين ثنتين إلى تسع، وقوله مخالف لقول جمهور أهل اللغة، قال: هو مختص بالإناث، وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود؛ كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء، بل هذا اللفظ شائع مسموع من العرب، معروف في كتب اللغة، وهو ثابت في الأحاديث الصحيحة، وليس هو جمعًا لمفرد، بخلاف الأثواب، قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، على غير قياس، كما قالوا: ثلاث مئة، وأربع مئة، والقياس مئين ومئات، ولا يكادون يقولونه.
وقد ضبطه الجمهور: خمس ذود، في الحديث، ورواه بعضهم: خمسة ذود، وكلاهما لرواة مسلم، لكن الأول أشهر، وهما صحيحان في اللغة، فإثبات الهاء لانطلاقه على المذكر والمؤنث، ومن حذفها قال: أراد الواحدة منه فريضة، ولا شك أن الذود واحد في لفظه كما قال السجستاني، والمشهور الَّذي قاله المتقدمون أنه لا يقال على الواحد، والله أعلم (١).
وقوله ﷺ : "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة"، فمعنى دون في مواضع هذا الحديث أقل؛ أي: ليس في أقل خمس صدقة، لا أنه نفى عن غير الخمس الصدقة كما زعم بعضهم في قوله: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة أنها بمعنى غير، والله أعلم.
والأوسق جمع وسق -بفتح الواو وكسرها- كما حكاهما صاحب "المحكم" وغيره، والأشهر فتح الواو، وهو جمع قلة، ويقال في الجمع -أيضًا-: وُسوق وأَوْساق، قال الهروي: وكل شيء جمعته فقد وسقته، وقال غيره: وسقت الشيء: ضممت بعضه إلى بعض، وأصل الوسق في اللغة الحمل، والمراد به
стр. 799
ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالعراقي، وفي رطل العراق أقوال، أظهرها: أنه مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وقيل: مئة وثمانية وعشرون بلا أسباع، وقيل: مئة وثلاثون، فالأوسق الخمسة: ألف وست مئة رطل بالبغدادي (١)، وهل هذا التقدير بالأرطال تقريب أم تحديد؟ وجهان لأصحاب الشافعي:
أصحهما: تقريب، فإذا نقص عن ذلك يسيرًا، وجبت الزكاة، لكن ظاهر الحديث أن النقصان مطلقًا مؤثر في عدم الوجوب، لكنه غير مؤثر عرفًا، لعدم منعه إطلاق الاسم بنقص اليسير.
والثاني: تحديد، فمتى نقص شيئًا، وإن قل، لم تجب الزكاة.
وفي هذا الحديث فائدتان:
إحداهما: وجوب الزكاة في هذه المحدودات من الدراهم والإبل والحبوب.
والثانية: عدم الزكاة فيما دون المحدود، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، إلا ما قاله أبو حنيفة وبعض السلف: أنه تجب الزكاة في قليل الحب وكثيره، واستدل له بقوله ﷺ : "فيما سَقَتِ السَّماءُ العشرُ، وما سُقي بنضحٍ أو دالية، ففيه نصفُ العشر" (٢)، وهذا عام في القليل والكثير، والجواب عن ذلك بأن المقصود من الحديث بيانُ قدر المخرَج، لا قدر المخرَج منه، ولا شك أن هذا يرجع إلى قاعدة أصولية، وهي: أن الألفاظ العامة ترد بوضع اللغة على ثلاثة أنحاء:
أحدها: ما يظهر فيها قصد التعميم؛ بأن يرد مستنده على سبب لقصد تأسيس القواعد.
стр. 800
والثاني: ما يظهر فيه قصد التخصيص.
والثالث: ما لم يظهر فيها قرينة لقصد التعميم لا عدمه، ولا يحتاج ذلك إلى دليل، بل يعرف ذلك من السياق، لا يقام عليه دليل بالاتفاق، ولذلك لو فهم المقصود من الكلام، وطولب بالدليل، لعسر إقامته، لكن الناظر يرجع إلى ذوقه ودينه وإنصافه، ولذلك لا خلاف أنه لا تجب الزكاة فيما نقص عن الأواقي الخمسة المحدودة، وهي مئتا درهم، لكن مالكًا ﵀ تسامح في النقص اليسير جدًّا الذي يروج معه الدراهم والدنانير رواج الكامل، واختلف أصحابه في مقداره، فقبل: ما لا يُشاحّ فيه في العادة، وقيل: بأنه المقدار الَّذي يختلف فيه في الموازين، وحكي عن عمر بن عبد العزيز أن نقص ثلاثة دراهم وثلث دينار من نصابهما لا يسقط الزكاة، والظاهر مع الحنفية، والمعنى مع المالكية.
وليس في هذا الحديث تعرض للذهب، ولا تحديده بالأواقي، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة في عشرين مثقالًا منه، وحكي عن الحسن البصري والزهري: أنهما قالا: لا تجب في أقل من أربعين مثقالًا، لكن الأشهر عنهما الوجوب في عشرين؛ لقول العلماء، وحكى القاضي عياض عن بعض السلف وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته مئتي درهم، وإن كان دون عشرين مثقالًا، وقال هذا القائل: ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مئتي درهم.
واختلف العلماء فيما إذا ملك بعض نصاب من الذهب، وبعض نصاب من الفضة، هل يضم بعضه إلى بعض بالقيمة؛ فقال مالك والجمهور: يضمان في إكمال النصاب، لكن مالكًا يراعي الوزن، ويضم الأجزاء، لا على القيم، بل على الوزن؛ حيث إن مذهبه كل دينار لعشرة دراهم على الصرف الأول، وقال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والثوري يضم على القيم في وقت الزكاة، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود: لا تضم مطلقًا.
стр. 801
واعلم أنه لم يتعرض في الحديث للقدر الزائد على المحدود من المذكورات فيه، وقد أجمع العلماء على وجوب الزكاة فيما زاد على خمسة أوسق من الحب والثمر بحسابه، وأنه لا أوقاص فيها، واختلفوا فيما زاد على نصاب الذهب والفضة، قليلًا كان أو كثيرًا، هل فيه ربع العشر ولا وقص فيه؟ فقال مالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن أبي ليلى، ويوسف، ومحمد، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، وجملة أهل الحديث: لا وقص فيه، وفيه ربع العشر، وهو يروى عن علي، وابن عمر، وقال أبو حنيفة، وبعض السلف: لا شيء فيما زاد على مئتي درهم حتى يبلغ أربعين درهمًا، ولا فيما زاد على عشرين دينارًا حتى يبلغ أربعة دنانير، فإن زادت ففي كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل أربعة دنانير درهم، فجعل لها وقصًا كالماشية، واحتج الجمهور بما روى البخاري في "صحيحه" أنه ﷺ قال: "في الرقة ربعُ العشرِ" (١) وهذا عام في النصاب وما فوقه، وبالقياس على الحبوب، ولأبي حنيفة في المسألة حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.
واعلم أن المراد بالأواقي الخمسة الدراهم الخالصة من العين حقيقة دونها دراهم منقوشة، بل السبائك وغيرها حكمها، فلو كانت مغشوشة، لم يجب فيها شيء حتى يبلغ من الخالص مئتي درهم، وفي الحديث حجة لذلك، وفيه رد على المالكية؛ حيث أوجبوا الزكاة فيما نقص من المئتين فيه أو نحوها، وحجة مذهب الشافعي وموافقيه على عدم الوجوب في ذلك فإنه صرف لها دون خمس أواق، ثم قدر الدراهم منها خمسون حبة وخمسا حبة؛ لأن كل درهم ستة دوانق، ووزن كل دانق ثماني حبات وثلث حبة، وثلث خمس حبة من الشعير المطلق، والله أعلم.
* * *
стр. 802
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١). وَفي لَفْظٍ: "إلا زَكَاةَ الفِطْرِ في الرَّقِيقِ" (٢).
قوله: "وفي لفظ: إلا زكاة الفطر في الرقيق" ليس هو مما اتفق عليه البخاري ومسلم، بل مما انفرد به مسلم فيما أعلم، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أصل في أن الأموال القنية لا تجب فيها الزكاة، لكن قال العلماء: لا يصير المال للقنية إلا بالنية، ولا يصير للتجارة إلا بالنية -أيضًا-، وزكاته متعلقة بقيمته، لا بعينه، فعند عدم النية لهما، وعدم النص بعدم وجوبها يقتضي أن تجب الزكاة فيه، أو يكون مسكوتًا عنه، والحديث دال بصريحه على عدم وجوبها في غير الخيل والرقيق، وهو مذهب العلماء كافة من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر؛ فإنهم أوجبوها في الخيل إذا كانت ذكورًا أو إناثًا، قولًا واحدًا، وإن انفردت الذكور والإناث، فعن أبي حنيفة في ذلك روايتان؛ من حيث إن النماء بالنسل لا يحصل إلا باجتماع الذكور والإناث، وإذا وجبت الزكاة، فهو مخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارًا، أو يقوم ويخرج عن كل مئتين خمسة دراهم، فحينئذ وقع الإجماع على عدم وجوبها في عينها، بل بسببها، فيخرج من غيرها، وإنما احترزنا بقولنا: غير الخيل والرقيق عن وجوبها في قيمتها إذا كانت للتجارة، وهذا الحديث صريح في الرد عليهم؛ فإنه يقتضي عدم وجوبها في فرس المسلم مطلقًا، وفي عين العبيد، وقد استدل به الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة، وقيل: إنه قول
стр. 803
قديم للشافعي ﵀ من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقًا، وأجاب الجمهور عن استدلالهم بوجهين:
أحدهما: القول بالموجب؛ فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، فالحديث يدل على عدم تعلقها؛ فإنه لو تعلقت بالعين منها، لبقيت ما بقيت العين، وليس كذلك؛ فإنه لو نوى القنية، لانتفت الزكاة، والعين باقية، وإنما متعلق الزكاة فيهما القيمة بشرط نية التجارة وغيرها من الشروط.
والثاني: أن الحديث عام في عدم وجوبها في الخيل والعبيد، فإذا أقاموا الدليل على وجوب زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخص من ذلك العام، فيقدم عليه، نعم يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة التجارة، والمقصود ها هنا بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث.
وفي الحديث دليل صريح على وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبيده، سواء كانوا للقنية أو للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعي، والجمهور، وقال أهل الكوفة: لا تجب في عبيد التجارة، وحكي عن داود: أنها لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويلزم السيدَ تمكينُه من الكسب ليؤديها، وحكاه القاضي عياض عن أبي ثور -أيضًا-.
وقد يستدل به لمن قال من أصحاب الشافعي: إن فطرة المكاتب على سيده؛ بدليل قوله ﷺ : "المكاتَبُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ" (١)، وقد اختلف في وجوبها وعدمه عليه، فقال الشافعي وجمهور العلماء: لا تجب فطرة المكاتَب عليه، ولا على سيده، وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور: وجوبها على السيد؛ كالوجه المستدل له عن بعض الشافعية، وعندهم وجه: أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحر في كثير من الأحكام، والله أعلم.
стр. 804
الحديث الرابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "العَجْمَاءَ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (١).
قال المصنف: الجبار: الهدر الَّذي لا شيء فيه، والعجماء: الحيوان البهيم.
أما العجماء، فسميت بذلك لأنها لا تتكلم، ومنه: الدواب العجم؛ تنبيهًا على أنها لا تتكلم، ومنه: الأعجمي الَّذي لا يُفصح.
وأصل التسمية بالجبار أن العرب تسمي السيل جُبارًا؛ للمعنى الَّذي ذكره المصنف؛ أي: لا طلب فيه، ولا قَوَدَ ولا ديةَ.
وأما البئر، فاشتقاقه من بأرت: إذا حفرت، والبؤرة: الحفرة، وهو يهمز أصلًا، ولا يهمز تسهيلًا، وجمعه: بئار وآبار وأبآر، والمراد به ما حفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها، فهو هدر، وقيل: المراد به البئر القديمة.
وقوله ﷺ : "والمعدِن جُبار"؛ أي: من يهدر عليه من الفَعَلَة في المعدن، فلا شيء على المستأجر، وجمع المعدن: معادن، ومعادن الأرض: أصولها وبيوتها، ومعدِن الشيء: أصله، ومنه: معادن الذهب وغيره، وأصل المعدن: الثبوتُ والإقامة، ومنه سمي المعدن؛ لثبوت ما فيه، وقيل: لإقامة الناس عليه لاستخراجه.
وقوله ﷺ : "وفي الركاز الخمس" الكنز من دفين الجاهلية عند جمهور العلماء وعند أهل العراق هي المعادن؛ لأنها ركزت في الأرض؛ أي: ثبتت، وسمي ركازًا؛ لأنه ركز في الأرض؛ أي: أُقر؛ كما يقال: ركزت الرمح، يقال: ركزه يركزه -بضم الكاف-، والخمس -بضم الميم وإسكانها-، ويقال فيه: الخميس، ثلاث لغات، ومنه سمي الجيش خميسًا؛ لأنه ينقسم على خمسة
стр. 805
أقسام: مقدمة، وساقة، وميمنة، وميسرة، وقلب، وكذلك في النصف إلى العشر، يقال ثلاث لغات: الضم والإسكان، ووزن فعيل، إلا القلب؛ فإنه لم يسمع فيه التثليث، فمن تكلم به فيه، فقد أخطأ، والله أعلم.
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: أن الحيوان إذا أتلف شيئًا من الأبدان أو الأموال، فهو غير مضمون بنص الحديث، وهو محمول على ما إذا أتلف شيئًا بالنهار، أو انفلت بالليل من غير تفريط من مالكه، وأتلف، ولم يكن معه أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في مسلم وغيره: "العجماء جرحُها جُبار" (١)، ومعلوم أن الجرح لا يكون إلا على الأبدان، وعلى كل تقدير، فلم يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال، والمراد بجرح العجماء: إتلافها، سواء كان بجرح أو غيره.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفته.
وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال، إلا أن يحملها الَّذي هو معها على ذلك، أو بقصده.
قال أصحاب الشافعي: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه، فإنه يجب ضمانه في ضمان الَّذي هو معها، سواء كان مالكها، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، أو مودعًا، أو وكيلًا، أو غيره، إلا أن يتلف آدميًّا، فتجب ديته على عاقلة الَّذي معها، والكفارة في ماله، أما إذا أتلفت بالنهار، وكانت معروفة بالإفساد، ولم يكن معها أحد، فإن مالكها يضمن؛ لأن عليه ربطها والحالة هذه (٢).
стр. 806
وأما جنايتها بالليل، فقال مالك ﵀: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها، ضمن، وإلا، فلا، وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارًا، وقال الليث وسحنون: يضمن.
وقد ورد حديث عن النبي ﷺ في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع، وأنه يضمن كما قاله مالك.
ومنها: أن المعدن إذا حفره رجل في ملكه، أو مَوات، أو مرَّ به مار، أو استاجر أجراء يعملون فيها، فيقع عليهم، فيموتون، فلا ضمان في هذه الصور كلها، وكذلك البئر إذا حفرها في ملكه، أو مَوات، فوقع فيها إنسان أو غيره، أو استأجره لحفرها، فوقعت عليه، فلا ضمان عليه في ذلك كله، أما إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسان، وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدمي، وجب ضمانه في مال الحافر.
ومنها: وجوب الخمس في الركاز، وهو زكاة عند الشافعية على أحد الوجهين يصرف إلى أهل الزكاة، واختار المزني أنه يصرف إلى أهل الفيء.
ومنها: أن الركاز غير المعدن؛ فإنه ﷺ فرق بينهما في اللفظ والحكم، وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يقتضي المغايرة دون الترادف.
ومنها: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة؛ لعموم الحديث، وللشافعي قولان في ذلك: الأصح الجديد: اختصاصه بهما، والثاني: جريان الركاز في غيرهما.
ومنها: أنه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير في وجوب التخميس؛ لعموم الحديث، واعتبر بعضهم فيه النصاب.
ومنها: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاة الركاز، ولا خلاف فيه عند الشافعية؛ كالغنيمة والمعشرات، ولهم في المعدن اختلاف في اعتبار الحول؛ إذ الفرق بينهما أن النماء يحصل في الركاز متكاملًا من غير كد، فلم يعتبر فيه
стр. 807
الحول؛ لأنه معتبر لتحصيل النماء، بخلاف المعدن؛ فإنه يحصل شيئًا فشيئًا بكد وتعب، فأشبه أرباح التجارة، فاعتبر فيها الحول.
ومنها: إطلاق اعتبار الخمس في الركاز من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء جعلوا الحكم يختلف باختلافها، فإن أرادوا اعتبار الأراضي في بعض الصور، فهو قريب من الحديث، فعند الشافعية أن الأرض إن كانت مملوكة لمالك محترم مسلم أو ذمي، فليس بركاز، فإن ادعاه، فهو له، وإن نازعه منازع، فالقول قوله، وإن لم يدعه لنفسه، عرض على البائع، ثم على بائع البيع حتى ينتهي الأمر إلى من عمر الموضع، فإن لم يعرف، فظاهر المذهب أنه يجعله لقطة، وقيل: ليس بلقطة، بل مال ضائع، يسلم إلى الإمام، فيجعله في بيت المال، وإن وجد الركاز في أرض عامرة لحربي، فهو كسائر أموال الحربي إذا حصلت في أيدي المسلمين، وإن وجد في موات دار الحرب، فهو كموات دار الإسلام عند الشافعية، أربعة أخماسه للواجد، والله أعلم
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وخَالِدُ بْنُ الولِيدِ، والْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدِ احْتبَسَ أَدْرُعَهُ وأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ، وأَمَّا العَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ ومِثْلُها"، ثُمَّ قَالَ: "يا عُمَرُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (١).
أما أبو هريرة، وعمر ﵄، فتقدم ذكرهما.
стр. 808
وأما ابنُ جميل، فهو -بفتح الجيم وكسر الميم وبالياء آخر الحروف، وباللام- فلا يعرف اسمه، وروى عنه أبو هريرة، وقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولًا، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [التوبة: ٧٤]، قال: فاستتابه به الله، فتاب، وصلحت حاله (١).
وأما خالد بن الوليد، فكنيته: أبو سليمان بنُ الوليدِ بنِ المغيرة بنِ عبد الله بن عمرَ بنِ مخزومِ بن نقطةَ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ، القرشيُّ المخزوميُّ، سيفُ الله، سماه بذلك رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة لما حضرها، وشهد رسول الله ﷺ عمله بها بالمدينة، فمن يومئذٍ سماه: سيف الله، وروى له البخاري حديثًا موقوفًا، وهو أن خالدًا ﵁ قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية (٢).
أُمُّه لُبابةُ الصغرى بنتُ الحارثِ أختُ ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ النبي ﷺ .
أسلم خالد قبل الفتح بعد الحديبية، وشهد خيبر والفتح وحنينًا ومؤتة كما ذكرنا، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانيةَ عشرَ حديثًا، اتفقا على حديث، وللبخاري الحديث الموقوف الَّذي ذكرناه، وروى عنه: قيس بن أبي حازم، وأبو وائل شقيق بنُ سلمة.
مات بحمص من الشام سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، ودفن على ميل منها، وقيل: مات بالمدينة، رواه أبو زرعة الدمشقي عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي دحيم.
قال أبو حاتم بن حبان ﵀: مات في عهد عمر بحمص سنة إحدى وعشرين، وأوصى إلى عمر، وكان إسلامه سنة ثمان من الهجرة، وكان في أيام بدر وأحد والخندق مع المشركين، ثم هداه الله بعد.
стр. 809
قلت: وكلامه هذا يدل على أنه لم يشهد خيبر صريحًا؛ لأنها كانت سنة سبع، والله أعلم.
وروى بإسناده الصحيح إلى قيس -يعني: ابن أبي حازم- قال: قال خالد بن الوليد ﵁: ما ليلة يهدى إلي منها عروسٌ أنا لها محبٌّ، أو أُبشر بغلام أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أُصَبِّحُ فيها العدو (١)، والله أعلم (٢).
وأما العباس: فهو عم رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا الفضل، وهو: ابنُ عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشميُّ القرشيُّ، وكان أسنَّ من رسول الله ﷺ بسنتين أو ثلاثة.
قال أبو حاتم بن حبان: ولد قبل الفيل بثلاث سنين، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ مع المشركين، وأُسر يومئذ، وأسلم بعد ذلك، وقيل: أسلم قبل بدر، وكان يكتم إسلامه، وأراد القدومَ إلى المدينة، فأمره رسول الله ﷺ بالمقام بـ "مكة"، وقال له: "إن مقامك بـ "مكة" خير"، وكان يكتب إلى النبي ﷺ بأخبار المشركين، وكان المسلمون يتقوَّون به، فلذلك أمره النبي ﷺ بالمقام بـ "مكة".
ومناقبه ﵁ كثيرة جدًّا، وقد صنف العلماء فيها كتبًا كثيرة، منهم: ابن أبي الدنيا، وغيره، وملكت مصنفًا في مناقبه مجلدًا كبيرًا لا أعلم من
стр. 810
صنفه، ثم ذهب مع كتب لي في وقعة غاران بحمص، والله خير مخلف، وهو خير الرازقين.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم ثلاثة، روى عنه: ابناه: عبد الله، وكثير، وجابر بنُ عبد الله، والأحنفُ بن قيس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإسحاق بن عبد الله بن نوفل، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، وهو ابنُ ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان ﵁، ودفن بالبقيع، وزرتُ قبره غير مرة بالبقيع في قبة عثمان ﵄، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين، والله أعلم (١).
وأما ألفاظه: فقوله: "ما ينقم ابن جميل" هو -بكسر القاف، والماضي منه بفتحها-، وهي لغة القرآن: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ويقال: بفتحها في المضارع، وكسرها في الماضي، ومعناه: أنكر؛ أي: إذا لم يكن موجب المنع من الصدقة إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، وهذا ليس بموجب لمنعها، والعرب كثيرًا تقصد مثل هذا في النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كقول الشاعر (٢):
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ
أي: إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا، فليس بعيب، فلا عيب فيهم، فكذلك