وأما جنايتها بالليل، فقال مالك ﵀: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها، ضمن، وإلا، فلا، وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارًا، وقال الليث وسحنون: يضمن.
وقد ورد حديث عن النبي ﷺ في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع، وأنه يضمن كما قاله مالك.
ومنها: أن المعدن إذا حفره رجل في ملكه، أو مَوات، أو مرَّ به مار، أو استاجر أجراء يعملون فيها، فيقع عليهم، فيموتون، فلا ضمان في هذه الصور كلها، وكذلك البئر إذا حفرها في ملكه، أو مَوات، فوقع فيها إنسان أو غيره، أو استأجره لحفرها، فوقعت عليه، فلا ضمان عليه في ذلك كله، أما إذا حفرها في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف فيها إنسان، وجب ضمانه على عاقلة حافرها، والكفارة في مال الحافر، وإن تلف بها غير الآدمي، وجب ضمانه في مال الحافر.
ومنها: وجوب الخمس في الركاز، وهو زكاة عند الشافعية على أحد الوجهين يصرف إلى أهل الزكاة، واختار المزني أنه يصرف إلى أهل الفيء.
ومنها: أن الركاز غير المعدن؛ فإنه ﷺ فرق بينهما في اللفظ والحكم، وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يقتضي المغايرة دون الترادف.
ومنها: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة؛ لعموم الحديث، وللشافعي قولان في ذلك: الأصح الجديد: اختصاصه بهما، والثاني: جريان الركاز في غيرهما.
ومنها: أنه لا فرق في الركاز بين القليل والكثير في وجوب التخميس؛ لعموم الحديث، واعتبر بعضهم فيه النصاب.
ومنها: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاة الركاز، ولا خلاف فيه عند الشافعية؛ كالغنيمة والمعشرات، ولهم في المعدن اختلاف في اعتبار الحول؛ إذ الفرق بينهما أن النماء يحصل في الركاز متكاملًا من غير كد، فلم يعتبر فيه
стр. 807
الحول؛ لأنه معتبر لتحصيل النماء، بخلاف المعدن؛ فإنه يحصل شيئًا فشيئًا بكد وتعب، فأشبه أرباح التجارة، فاعتبر فيها الحول.
ومنها: إطلاق اعتبار الخمس في الركاز من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء جعلوا الحكم يختلف باختلافها، فإن أرادوا اعتبار الأراضي في بعض الصور، فهو قريب من الحديث، فعند الشافعية أن الأرض إن كانت مملوكة لمالك محترم مسلم أو ذمي، فليس بركاز، فإن ادعاه، فهو له، وإن نازعه منازع، فالقول قوله، وإن لم يدعه لنفسه، عرض على البائع، ثم على بائع البيع حتى ينتهي الأمر إلى من عمر الموضع، فإن لم يعرف، فظاهر المذهب أنه يجعله لقطة، وقيل: ليس بلقطة، بل مال ضائع، يسلم إلى الإمام، فيجعله في بيت المال، وإن وجد الركاز في أرض عامرة لحربي، فهو كسائر أموال الحربي إذا حصلت في أيدي المسلمين، وإن وجد في موات دار الحرب، فهو كموات دار الإسلام عند الشافعية، أربعة أخماسه للواجد، والله أعلم
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابنُ جَمِيلٍ، وخَالِدُ بْنُ الولِيدِ، والْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خالِدٌ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، وَقَدِ احْتبَسَ أَدْرُعَهُ وأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ، وأَمَّا العَبَّاسُ، فَهِيَ عَلَيَّ ومِثْلُها"، ثُمَّ قَالَ: "يا عُمَرُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (١).
أما أبو هريرة، وعمر ﵄، فتقدم ذكرهما.
стр. 808
وأما ابنُ جميل، فهو -بفتح الجيم وكسر الميم وبالياء آخر الحروف، وباللام- فلا يعرف اسمه، وروى عنه أبو هريرة، وقال المهلب: كان ابن جميل منافقًا أولًا، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِه﴾ [التوبة: ٧٤]، قال: فاستتابه به الله، فتاب، وصلحت حاله (١).
وأما خالد بن الوليد، فكنيته: أبو سليمان بنُ الوليدِ بنِ المغيرة بنِ عبد الله بن عمرَ بنِ مخزومِ بن نقطةَ بنِ مرةَ بنِ كعبِ بنِ لؤيِّ بنِ غالبِ، القرشيُّ المخزوميُّ، سيفُ الله، سماه بذلك رسول الله ﷺ في غزوة مؤتة لما حضرها، وشهد رسول الله ﷺ عمله بها بالمدينة، فمن يومئذٍ سماه: سيف الله، وروى له البخاري حديثًا موقوفًا، وهو أن خالدًا ﵁ قال: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية (٢).
أُمُّه لُبابةُ الصغرى بنتُ الحارثِ أختُ ميمونةَ بنتِ الحارث زوجِ النبي ﷺ .
أسلم خالد قبل الفتح بعد الحديبية، وشهد خيبر والفتح وحنينًا ومؤتة كما ذكرنا، روي له عن رسول الله ﷺ ثمانيةَ عشرَ حديثًا، اتفقا على حديث، وللبخاري الحديث الموقوف الَّذي ذكرناه، وروى عنه: قيس بن أبي حازم، وأبو وائل شقيق بنُ سلمة.
مات بحمص من الشام سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، ودفن على ميل منها، وقيل: مات بالمدينة، رواه أبو زرعة الدمشقي عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي دحيم.
قال أبو حاتم بن حبان ﵀: مات في عهد عمر بحمص سنة إحدى وعشرين، وأوصى إلى عمر، وكان إسلامه سنة ثمان من الهجرة، وكان في أيام بدر وأحد والخندق مع المشركين، ثم هداه الله بعد.
стр. 809
قلت: وكلامه هذا يدل على أنه لم يشهد خيبر صريحًا؛ لأنها كانت سنة سبع، والله أعلم.
وروى بإسناده الصحيح إلى قيس -يعني: ابن أبي حازم- قال: قال خالد بن الوليد ﵁: ما ليلة يهدى إلي منها عروسٌ أنا لها محبٌّ، أو أُبشر بغلام أحبّ إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أُصَبِّحُ فيها العدو (١)، والله أعلم (٢).
وأما العباس: فهو عم رسول الله ﷺ ، يكنى: أبا الفضل، وهو: ابنُ عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، الهاشميُّ القرشيُّ، وكان أسنَّ من رسول الله ﷺ بسنتين أو ثلاثة.
قال أبو حاتم بن حبان: ولد قبل الفيل بثلاث سنين، شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ مع المشركين، وأُسر يومئذ، وأسلم بعد ذلك، وقيل: أسلم قبل بدر، وكان يكتم إسلامه، وأراد القدومَ إلى المدينة، فأمره رسول الله ﷺ بالمقام بـ "مكة"، وقال له: "إن مقامك بـ "مكة" خير"، وكان يكتب إلى النبي ﷺ بأخبار المشركين، وكان المسلمون يتقوَّون به، فلذلك أمره النبي ﷺ بالمقام بـ "مكة".
ومناقبه ﵁ كثيرة جدًّا، وقد صنف العلماء فيها كتبًا كثيرة، منهم: ابن أبي الدنيا، وغيره، وملكت مصنفًا في مناقبه مجلدًا كبيرًا لا أعلم من
стр. 810
صنفه، ثم ذهب مع كتب لي في وقعة غاران بحمص، والله خير مخلف، وهو خير الرازقين.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وللبخاري حديث، ولمسلم ثلاثة، روى عنه: ابناه: عبد الله، وكثير، وجابر بنُ عبد الله، والأحنفُ بن قيس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وإسحاق بن عبد الله بن نوفل، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم، ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، وهو ابنُ ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان ﵁، ودفن بالبقيع، وزرتُ قبره غير مرة بالبقيع في قبة عثمان ﵄، وقيل: مات سنة أربع وثلاثين، والله أعلم (١).
وأما ألفاظه: فقوله: "ما ينقم ابن جميل" هو -بكسر القاف، والماضي منه بفتحها-، وهي لغة القرآن: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ويقال: بفتحها في المضارع، وكسرها في الماضي، ومعناه: أنكر؛ أي: إذا لم يكن موجب المنع من الصدقة إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله، وهذا ليس بموجب لمنعها، والعرب كثيرًا تقصد مثل هذا في النفي على سبيل المبالغة بالإثبات، كقول الشاعر (٢):
ولا عَيْبَ فيهم غَيْرَ أَن سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ
أي: إذا لم يكن فيهم عيب إلا هذا، فليس بعيب، فلا عيب فيهم، فكذلك
стр. 811
هذا، إذا لم ينكر ابن جميل إلا كون الله تعالى أغناه بعد فقره، فلم ينكر منكرًا أصلًا، ويقال: نقم منه الإحسان: إذا جعله مؤديًا إلى كفر النعمة، فيكون معناه: أن غناه أداه إلى كفر نعمة الله تعالى بمنع الزكاة، فما ينقم؛ أي: ما ينكر ويكره إلا أن يكفر النعمة.
وقوله ﷺ : "فإنكم تظلمون خالدًا" هو خطاب للعمال على الصدقة؛ حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الخيل والعدة؛ لأنهم طلبوا منه زكاة أعتاده، ظنًّا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي ﷺ : إن خالدًا منع الزكاة، فقال: إنكم تظلمون خالدًا؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله، قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها.
ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة، لأعطاها، ولم يشحَّ بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعًا، فكيف يشحُّ بواجب عليه؟
ويحتمل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلى بين الناس وبينها في سبيل الله؛ لأنه احتبسها وقفًا على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها؛ حيث تعينت للجهاد، وقد جعل الله تعالى له حظًّا من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له كما يفعله الإمام، فلما تحقق النبي ﷺ ذلك، قال: "إنكم تظلمون خالدًا"؛ فإنه قد صرفها مصرفها، وأجاز له ذلك.
وقوله ﷺ : "فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله" احتبس بمعنى: وقف، ويحتمل أن يكون بمعنى: إبانة اليد عن الملك لله تعالى؛ كما ينقل المهدي لبيت الله تعالى فيها بالتخلية بينها وبين مستحقها، والأدراع: جمع درع، ويكون من الحديد وغيره، وأعتاده: هذه اللفظة رويت على أوجه:
أحدها: أعتاده كما ذكره المصنف، وأنكرها بعضهم، وهي ثابتة في "صحيح مسلم".
الثاني: أعتدة -بالتاء ثالث الحروف-، وهي والأعتاد جمع قلة لعَتَد -بفتح العين والتاء-، وهو الفرس الصلب، وهو قيل: المعدّ للركوب، وقيل: السريع
стр. 812
الوثب، وصححه بعضهم، وقال: يعني: خيله، وقيل: هو كل هو ما أعده الرجل من سلاح وآلة ومركوب للجهاد.
الثالث: عتاده، ويجمع على أعتدة -بكسر التاء وضمها-.
الرابع: أعبده -بالباء الموحدة- جمع قلة للعبد، وهو الحيوان العاقل، وقيل: إنه جمع صفة من قولهم: فرس عبد؛ أي: صلب.
وروي: فقد احتبس رقيقه ودوابه.
وروي: عقاره -بالقاف والراء-، والعقار: الأرض والضياع والنخل ومتاع البيت.
وقد اختلف في معنى ذلك كله، فقيل: إنه طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد على أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر رسول الله ﷺ أنه لا زكاة عليه فيها؛ إذ قد جعلها حبسًا في سبيل الله.
وقيل: اعتذر ودافع عنه النبي ﷺ إذ كان خالد قد احتسبها في سبيل الله تقربًا إليه ، فكيف يجوز عليه منع الصدقة الواجبة عليه، وهو يتقرب إلى الله تعالى لنفل المندوب المستحب ومنع الواجب؟
وقيل: يجوز أن يكون احتسب ﷺ لخالد ذلك من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله، لكن الأحاديث الصحيحة تدل على أنها الصدقة الواجبة، وتعريفها بالألف واللام يدل عليه، وهي التي جرى البعث والاستعمال عليها، وفي حديث آخر: منع صدقته، وجعل بعضهم هذه الصدقة صدقةَ تطوع؛ لحديث عبد الرزاق في ذلك، وقال فيه: إن النبي ﷺ ندب الناسَ إلى الصدقة، وذكر الحديث (١)، قال بعضهم: وهذا أليق بالقصة، ولا تظن بأحد منهم منع الواجب، فيكون عذر خالد واضحًا؛ لأنه إذا أخرج أكثر ماله، وحبسه، لا يحتمل صدقة التطوع، فعذره رسول الله ﷺ ، ويكون ابن جميل شحَّ في التطوع، فعتبه رسول الله ﷺ ،
стр. 813
وأخبر أن العباس سمح ما طلبه منه، ومثله معه، وأنه ممن لا يمتنع مما التزمه النبي ﷺ ، بل هذه كاللازم.
قال شيخنا الحافظ أبو زكريا النواوي ﵀: الصحيح المشهور أن هذا كان في الزكاة، لا في صدقة التطوع، وهو الَّذي قاله أصحاب الشافعي وغيرهم (١).
وقوله ﷺ : "فهي عليَّ ومثلها معها" هذا لفظ مسلم وأبي داود، ومعناه: إني سلفت منه صدقة سنتين، فصار دينًا علي.
وقيل معناه: أنا أؤديها عنه، والذي قال بهذا لا يجوّز تعجيل الزكاة، وقد جاء في حديث آخر في غير "صحيح مسلم" رواه الدارقطني: "إنا تعجلنا منه صدقة عامين (٢) "، وقيل: يكون ﷺ قد قبض منه صدقة عامين: العام الَّذي شكي فيه، إنها لدي من زكاة فيه العامل، وتعجل صدقة عام ثان، فقال: هي علي، وبمثلها معها.
وقد يكون ﷺ قد تحمل الصدقة، وضمن أداءها عنه لسنتين، ولذلك قال: "إن عمَّ الرجل صنو أبيه"، وصوب بعضهم الأول، ولفظ البخاري والنسائي: "فهي عليه صدقةٌ ومثلُها معها" (٣)، قال البيهقي: يبعد أن يكون محفوظًا؛ لأن العباس كان من جملة بني هاشم تحرُمُ عليه الصدقة (٤)، وقال غيره: إلا أن يقال: لعل ذلك قبل تحريم الصدقة على آل النبي ﷺ ، ورأى ﷺ إسقاط الزكاة عامين لوجه رآه، وحكى البخاري عن ابن إسحاق: هي عليه ومثلها معها، قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أخرها عنه عامين لحاجة كانت بالعباس إليها، وللإمام تأخيرُ ذلك
стр. 814
إذا أدَّاه اجتهاده إليه؛ كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ عام الرمادة إلى أن جبى من الناس العام المقبل، فأخذ منهم زكاة عامين.
ورواه موسى بن عقبة، فقال: "هي له ومثلُها معَها" (١)، قيل: إن (له) بمعنى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
قال بعضهم: والأشبهُ عندي احتمالُ النبي ﷺ لها على ما تقدم، وإخراجُها عنه برأيه، وهي له، ويعضده رواية: فهي له، وصدقة عليه، لا على أنه أحل له الصدقة، ولكنه تركها له، فأخرج الصدقة عنه من مال نفسه.
قوله ﷺ : "عمُّ الرجلِ صِنْوُ أَبيهِ"؛ أي: يرجع مع أبيه إلى أصل واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤]، وأصله في النخلتين والنخلات التي ترجع إلى أصل واحد، والصنوان جمع صنو؛ كقنوان وقنو، وتجمع أصناء؛ كأسماء، فإذا كثرت قُلتَ: الصني والصُّنى.
وذكر ﷺ ذلك لعمر تعظيمًا لحق العم، وهو مقتض ومناسب لأن يحمل قوله ﷺ : "هي علي" على أنه يحملها عنه احترامًا له ومبرة وإكرامًا حتى لا يتعرض له بطلبها أحد؛ إذ يحملها عنه رسول الله ﷺ .
وفي هذا الحديث أحكام أصلية ومتفرعة على التأويلات فيه:
فمن الأصلية:
بعثُ الإمام العمال لجباية الزكوات.
ومنها: أن يكونوا أمناءَ فيها، ثقات، عارفين؛ حيث بعث ﷺ عليها عمر ﵁.
ومنها: تعريف الإمام بمانعيها؛ ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها.
стр. 815
ومنها: تعريف الفقير نعمة الله تعالى عليه في المعنى؛ ليقوم بحق الله تعالى فيه الواجب، أو المندوب.
ومنها: البيان للعمال ما يظلمون فيه من غيره.
ومنها: تحمُّل الإمام عن بعض رعيته وأتباعه وأقاربه ما وجب عليه، أو ندب إليه.
ومنها: بيان فضل العباس عم رسول الله ﷺ ، والتنبيه على فضل العم، وقد نبه ﷺ في حديث آخر على فضل الخالة، فقال: "الخالةُ بمنزلة الأم" (١).
وأما الأحكام المتفرعة على تأويلات الحديث:
فمنها: أنه يجوز للإمام، ويستحب له أن يتأول لمن شُكي إليه من رعيته في منع الحق التأويلات المحتملة، وإن كانت خلاف الظاهر.
ومنها: وجوب الزكاة في الأموال المرصَدة للتجارة، وقد حكى ابن المنذر فيه الإجماع، وزعم بعض المتأخرين من الظاهرية أنه لا زكاة فيها، وهو مسبوق بالإجماع.
ومنها: جواز تحبيس الخيل والإبل والسلاح من الدروع والسيوف والحجف وغيرها من المركوبات والمنقولات.
ومنها: جواز أخذ القيم في الزكاة، وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب أخذ العوض في الزكاة، فيدل على أنه ذهب إلى تأويل الحديث عن الصدقة الواجبة.
ومنها: عتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبًا، في غيبته وحضوره.
ومنها: جواز تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها، وهو مذهب أبي حنيفة،
стр. 816
والأوزاعي، والشافعي، وفقهاء المحدثين، ومن هؤلاء من يجيز تقديم زكاة عامين؛ أخذًا بهذا الحديث، ومنع ذلك مالكٌ والليثُ، وهو قول عائشة، وابن سيرين، وقالوا: لا يجوز تقديمها على وقت وجوبها؛ كالصلاة، وعن مالك خلاف فيما قرب، وكَأن هؤلاء لم يصحَّ عندهم الحديث، ولا ارتضوا ذلك التأويل، أو جعلوه خاصًّا بالعباس.
ومنها: جواز دفع الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول مالك وجمهور العلماء، خلافًا للشافعي وغيره، والاستدلال على ذلك من هذا الحديث ضعيف جدًّا، وفي بعض هذه الاستدلالات المتفرعة نظر، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَئْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفي المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا في أَنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِيْنَ، فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ شِئتُمْ لَقُلْتُم: جِئْتَنَا كَذَا وكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ والبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ وَادِي أَو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ" (١).
أما هذا الحديث: فلا مدخل له في باب الزكاة، إلا أن يقاس إعطاء المؤلفة
стр. 817
من الزكاة على إعطائهم من الفيء والخمس.
وأما عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، فتقدم الكلام عليه.
وأما قوله: "لما أفاء الله"؛ أي: ردَّ ورجع، والفيء: الرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئًا؛ لأنه رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق، وكان الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين؛ إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال، فإذا غنم المسلمون منها شيئًا، رجعت إلى نوع من كان يملكها.
وأما حنين: فهو اسم وادٍ قريب من الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا، وقال عروة: إلى جنب ذي المجاز، وقال ابن حبان: وهو واد أجوف (١)، وكانت غزوته بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وكان فتح مكة في العشرين من شهر رمضان، وكانت حنين بعد فتح مكة، وإقامته فيها خمس عشرة ليلة تقصر الصلاة فيها في العشر الأول من شوال، والله أعلم.
وقوله: "قسم في الناس وفي المؤلفة"، المؤلفة: من التأليف تسميتهم، وهو جمع القلوب.
وقوله ﷺ : "ألم أجدكم ضُلَّالًا فهداكم الله بي؟ " الضَّلال المشار إليه هو ضلال الإشراك والكفر، والهداية للإيمان، ولا شك أن نعمة الإيمان أعظم النعم؛ حيث لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، ثم أتبع ذلك بنعمة الألفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ إذ الأموال تبذل في تحصيلها، وكانت الأنصار [في] غاية التباعد والتنافر، وجرت بينهم حروب، منها يوم بعاث -بالعين المهملة والمعجمة، وآخره ثاء مثلثة-: موضع من المدينة على ليلتين، ثم أتبع ذلك بنعمة الغنى والمال، وقد استعمل ﷺ في ذلك جميعه ما يجب من الأدب مع القرآن العزيز وأتباعه في إضافة الهداية والألفة والإغناء إلى الله تعالى، فإن ذلك
стр. 818
جميعه خاص به لا يشرَكُه فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وفي إضافة الهداية إلى الأسباب؛ حيث أضافها الله تعالى إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، فلهذا قال النبي ﷺ : "فهداكم الله بي"، وكذلك الألفة حيث قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]، وكذلك الإغناء؛ فإنه المغني، وامتن به في قوله تعالى لقوم نوح ﷺ وعلى لسانه: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، والله أعلم.
وقوله: "عالة" هم الفقراء الذين لا مال لهم، والعَيْلَة: الفقر.
ثم في جواب الصحابة ﵃ بما أجابوا به من استعمال الأدب والاعتراف بالحق، والذي كنى به الراوي: كذا وكذا، قد بين مصرَّحا به في رواية أخرى، فتأدب الراوي بالكناية دون التصريح.
قوله ﷺ : "لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً من الأنصار" معناه: أتسمَّى باسمهم، وأنتسب إليهم كما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت، وعلت؛ فهي أعلى وأشرف، فلا تُبدل بغيرها، ولا ينتفي منها من حصلت له، وقيل معناه: لكنت منهم في الأحكام والعداد، ولا يجوز أن يكون المراد النسب قطعًا.
قوله ﷺ : "لسلكت واديَ الأنصار وشعبَها" الوادي: اسم للحفيرة، وقيل: للماء، والأول أشهر، والشِّعْب: اسم لما انفرج بين الجبلين، وقيل: هو الطريق في الجبل، والمراد جبرهم بهذا القول، والتنبيه على ما حصل لهم من الإيمان والنصرة والقناعة والرضا عن الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لأن من كان هذا وصفه، فهو حقيق بأن يسلك طريقه، ويتبع حاله؛ لما فيها من الراحة الدنيوية والأخروية، والسلامة فيهما.
стр. 819
وقوله ﷺ : "الأنصارُ شِعارٌ، والنَّاسُ دِثار" الشعارُ: الثوب الَّذي يلي الجلد من الجسد، والدثار: الثوب الَّذي فوقه، واستعمال هذين اللفظين مجاز عن العرب، والاختصاص والتمييز لهم على غيرهم في ذلك؛ حيث إن المطلوب إنما هو في النصرة في الدين، والمواساة عليها، فلما كانت الأنصار أقْوَمَ بهذا الوصف من غيرهم، كانوا أقرب إليه ﷺ بمنزلة الثوب الَّذي يلي الجسد، بخلاف غيرهم.
وقوله ﷺ : "إنكم ستلْقَوْنَ بعدي أَثَرة" الأثرة: الاستئثار بالمشترَك؛ أي: يُستأثر عليكم، ويُفضل عليكم غيرُكم بغير حق، ولا شك أن هذا من أعلام نبوته ﷺ ؛ إذ هو إخبار عن أمر مستقبل وقع على وَفقْ ما أخبر به ﷺ من الاستئثار عليهم بالدنيا، والأثرة: اسم من أَثَر يُؤثر إيثارًا، وهو -بفتح الهمزة والثاء، على المشهور-، وقيل: -بضم الهمزة وسكون الثاء- لغتان صحيحتان، ويقال: إثرة: -بكسر الهمزة وسكون الثاء-، وهي قليلة، قال أبو علي القالي: ومعناها: الشدة، وبه كان يتأول الحديث، ولكن التفسير الأول أظهر، وعليه أكثر، وسياق الحديث وسببه يشهد له، وهو إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، فأجابهم ﷺ بهذا (١)، وفي الحديث: فآثر الأنصار المهاجرين؛ أي: فضلوهم.
وقوله ﷺ : "فاصبروا حتى تَلْقَوْني على الحوض" أصل الصبر: الحبس،
ومعناه: حبس النفس عن حظوظها الدنيوية رجاء للحظوظ الأخروية، فأمرهم ﷺ بذلك؛ لرضاه لهم ﷺ بالأخرى على الأولى؛ لعلمه وتحققه أنها خير من الأولى وأبقى؛ كما أخبر به في القرآن العزيز عن صحف إبراهيم وموسى ﷺ ، ولا شك أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، والجميل منه: الَّذي لا شكوى فيه ولا جزع، ومن لا يتعاطاه ويوصي به
стр. 820
ويقبل الوصية به، فهو في خسر؛ كما أخبر الله في سورة: والعصر، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام وآداب:
منها: أن للإمام صرفَ بعض الخمس على ما يراه من تفضيل الناس فيه، وأن يعطي الواحد منه بكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين، وله أن يعطي الغني منه لمصلحة.
ومنها: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام منه.
ومنها: إقامة الحجة عند الحاجة إليها على الخصم.
ومنها: أن المؤمن إذا وجد في نفسه شيئًا من فوات الدنيا، وتحدث به، لا ينقصه، ولا يبطل ثوابه.
ومنها: استحباب الخطبة للإمام عند الأمر يحدث، سواء كان الأمر خاصًّا بقوم، أو عامًّا بالناس.
ومنها: تخصيص المخاطب بالنداء في الخطبة.
ومنها: تذكير العاتب على فوات الدنيا بنعم الله عليه الظاهرة والباطنة، ومن جرت على يديه أو بسببه.
ومنها: الأدبُ مع الله تعالى في الألفاظ، وتنزيلها منازلها.
ومنها: التحضيض على طلب الهداية والألفة والغنى.
ومنها: أن المنة لله تعالى ورسوله ﷺ على الإطلاق.
ومنها: استعطاف العاتب، وتبيين الحجة لرد عتبه.
ومنها: وجوب مراعاة جانب الله تعالى ورسوله ﷺ وولاة الأمور العادلين، وتقديمها على مصلحة نفس الإنسان؛ لما فيها من مصالح الدنيا والدين.
ومنها: بيان فضل الأنصار ومرتبتهم على غيرهم من الناس.
ومنها: اتباع آثار أهل الفضل والإحسان والتحضيض عليه.
стр. 821
ومنها: تقديم جانب الآخرة على جانب الدنيا.
ومنها: علم من إعلام النبوة؛ حيث إن الأنصار لم ينالوا رتبة من رتب الدنيا وولاياتها.
ومنها: الأمر بالصبر عن حظوظ الدنيا وحطامها، وما استؤثر به منها، وادخار ثواب ذلك للدار الآخرة، والله أعلم.
* * *
стр. 822
باب صدقة الفطر
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ- عَلَى الذَّكَرِ والأُنْثَى، والحُرِّ وَالمَمْلُوكِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاع مِنْ بُرٍّ، عَلَى الصَّغِيرِ والْكَبِيرِ.
وفي لفظ: أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ (١).
أما عبد الله بن عمر، فتقدم ذكره.
وأما قوله: "فرض"، فمعناه عند جمهور السلف والخلف من العلماء: أوجب وألزم، وإن كان أصله في اللغة بمعنى قَدَّر، لكنه نُقل في عرف الاستعمال إلى الوجوب، فالحملُ عليه أولى؛ لأن ما اشتهر في الاستعمال، فالقصد إليه هو الغالب، فحينئذ زكاة الفطر فرضٌ واجب عندهم؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ولقوله: "فرض"، وهو غالب في استعمال الشرع بهذا المعنى.
قال إسحاق بن راهويه: إيجاب زكاة الفطر بالإجماع.
وقال بعض أهل العراق، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب الشافعي،
стр. 823
وداود في آخر أمره: إنها سنة ليست واجبة؛ لأن فرض بمعنى قدر على سبيل الندب، وقال أبو حنيفة: هي واجبة ليست فرضًا، بناء على مذهبه في الفرق بين الواجب والفرض.
قال القاضي عياض: وقال بعضهم: الفطرة منسوخة بالزكاة.
قال شيخنا أبو زكريا النواوي ﵀: هذا غلط صريح، والصواب أنها فرض واجب (١).
وقوله: "صدقةَ الفطر، أو قال: رمضان" مقتضاه إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان، لا بغير وقت وجوبها؛ لعدم استلزام اللفظ ذلك، بل يقال: بالوجوب من قوله: فرض، ويؤخذ وقت الوجوب من أمر آخر.
وقال ابن قتيبة: معنى صدقة الفطر؛ أي: صدقة النفوس، والفطرة أصل الخلقة (٢)، وهذا بعيد مردود؛ لقوله في "صحيح مسلم": "فرض النبي ﷺ صدقة الفطر من رمضان".
واختلف العلماء في وقت وجوبها، فالصحيح من قول الشافعي: أنها تجب بغروب الشمس، ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر، والثاني: تجب بطلوع الفجر ليلة العيد، وقال بعض أصحابه: تجب بالغروب والطلوع معًا، فإن ولد مولود بعد الغروب، أو مات قبل الطلوع، لم تجب، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي حنيفة: تجب بطلوع الفجر.
وسبب هذا الخلاف أن الشرع قد أضاف هذه الزكاة للفطر، وهل هو الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب من وقت الغروب، أو الفطر المعتاد في كل يوم فيكون من طلوع الشمس، أو المراد أول الفطر المأمور به يوم الفطر، فيكون من طلوع الفجر؟ لكن لم أعلم أحدًا قال بوجوبها عند طلوع الشمس يوم الفطر، بل قال أصحاب الشافعي: الأولى أن تخرج يوم الفطر قبل صلاة العيد،
стр. 824
وكان سبب الإخراج للفطرة أن صوم رمضان عبادة تطول ويشق التحرز فيها من أمور تفوِّت كمالَها، فجعل الشرع فيها كفارة مالية بدل النقص؛ كالهدي في الحج والعمرة، وكذلك الفطرة؛ لما يكون في الصوم من لغو وغيره، وقد جاء في حديث آخر: "أنها طهرةٌ للصائم من اللغو والإثم" (١)، فإن قيل: فقد وجبت على من لا إثم عليه ولا ذنب؛ كالصغير، والصالح المحقَّقِ الصلاح، والكافر الَّذي أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، قلنا: التعليل بالتطهير لغالب الناس، كما أن القصر في السفر جُوَّز للمشقة، فلو وُجد من لا مشقة عليه، فله القصر، وهو أفضل، أو هو واجب عند بعضهم.
وأما الصاع: فهو مكيال معروف، وتقدم ذكره وضبطه في أبواب الطهارة، وخالف فيه أبو حنيفة ﵀، وجعل الصاع ثمانيةَ أرطال، واستدل مالك بنقل الخلف عن السلف بالمدينة، وهو استدلال قوي صحيح في مثل هذا، ولمَّا ناظر أبو يوسف بحضرة الرشيد في هذه المسألة، رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل بما ذكرناه.
وقوله: "فعدل الناس به نصف صاع من بر"، الضمير في (به) عائد على التمر، ومعناه: أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مُدَّين من سمراءِ الشام تعدلُ صاعًا من تمر، فأخذ الناسُ بذلك، قال أبو سعيد الخدري: أما أنا، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت (٢)، وبه قال أبو حنيفة ﵀ أنه يخرج نصف صاع من حنطة أو زبيب، وخالفه الجمهور ومالك والشافعي، فقالوا: الواجب من ذلك صاع أيضًا؛ لحديث أبي سعيد الآتي بعد هذا: كنا نخرج زكاة الفطر في زمان
стр. 825
رسول الله ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب.
والدلالة فيه من وجهين:
أحدهما: أن الطعام في عرف أهل الحجاز اسمٌ للحنطة خاصة، لا سيما وقد قرنه بباقي المذكورات.
الثاني: أنه ذكر أشياء قيمتها مختلفة، وأوجب في كل نوع منها صاعًا، فدل على أن المعتبر صاع، ولا نظر إلى قيمته، ووقع في رواية أبي داود: أو صاعًا من حنطة، قال: وليس بمحفوظ (١)، وليس للقائلين بنصف صاع حجة إلا حديث معاوية، ولا يمكن أن يجعل إجماعًا بقول الراوي: فعدل الناس فيه نصف صاع، على هذا الحكم، ويقدم على خبر الواحد في حديث أبي سعيد؛ فإنه ملحق بالمرفوع إلى النبي ﷺ ، ولا يخفى مثله عنه، ولا يذكره الراوي في معرض الاحتجاج إلّا وهو مرفوع إلى النبي ﷺ ، مع أن الإجماع وقع على إخراج صاع في غير الحنطة والزبيب؛ كيف والمروي عن معاوية قول صحابي قد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلمُ بأحوال النبي ﷺ ؟ وإذا اختلفت الصحابة به، لم يكن بعضهم أولى من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ ، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه -مع كثرتهم تلك اللحظة- علمٌ في موافقة معاوية عن النبي ﷺ ، لذكره؛ كما جرى لهم في غير هذه القضية.
وقوله: "على الذكر والأنثى، والحر والمملوك"، مقتضى هذا اللفظ وجوبُ إخراج الفطرة عن هؤلاء المذكورين، وإن كانت لفظة (على) تقتضي الوجوب عليهم نفسهم ظاهرًا، وقد اختلف الفقهاء في الَّذي يخرج عنهم، هل باشرهم الوجوب أولًا، والمخرِجُ عندهم بتحمله، أو الوجوب بلا في المخرج أولًا؟
стр. 826
وهما وجهان أو قولان في مذهب الشافعي، فمن قال بمباشرة الوجوب للمذكورين أولًا، أخذ بظاهر الحديث؛ حملًا للفظة (على) مقتضاها ومن قال بلا في الوجوب المخرج أولًا، تأول لفظة (على) معنى (عن).
ثم قوله: "الذكر والأنثى" إلى آخره، يقتضي عموم الإخراج عن كل غني وفقير، فمن تعلق الوجوب به، وهو كونه من المسلمين كما قيد في الصحيح، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه؛ حيث قالوا: لا يلزم من يحل له أخذها، وورد هذا الحديث لبيان مقدار الفطرة، ومن تقدر عليه، ولم يتعرض فيه لبيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره، بل يشمل الجميع؛ إذ قد ذكر فيهم الحر والمملوك، ولم يفرق بين صغير وكبير، فأما الصغير، فلا خلاف عند من يقول: إنها تخرج بسببه أن وليه هو الَّذي يخاطَب بإخراجها؛ إذ الصبي لم يجر عليه بعدُ قلمُ التكليف، وأما المملوك، فمذهب الجمهور أنه ليس مخاطبًا بها؛ لأنه لا شيء له، ولو كان له مال، فسيده قادر على انتزاعه، خلافًا لداود؛ فإنه أوجبها على المملوك؛ تمسكًا بلفظ المملوك المذكور في الحديث، وقال: على سيده أن يتركه قبل الفطر، فيكتسب ذلك القدر، وليس له منعه من ذلك في تلك المدة، كما لا يمنعه من صلاة الفرض.
ثم إذا تنزلنا على قول في أنه لا يجب عليه شيء، فهل يخاطب السيد بإخراجها عنه، أم لا؟ جمهورهم أيضًا على أنه يجب ذلك عليه؛ لأنه يلزمه نفقته ومؤنته، وهذه من جملة المؤن؛ فإن المخاطب بإخراجها المكلفُ الواجد لها حين الوجوب عن نفسه وعمَّن تلزمه نفقته؛ بدليل ما رواه الدارقطني من حديث ابن عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون (١)، والذي في "صحيح مسلم" من حديث
стр. 827
أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حر ومملوك (١)، فصرح فيه بأنهم كانوا مخاطبين بإخراج زكاة الفطر عن غيرهم، وذلك الغير لا بد أن يكون بينه وبين المأمور بالإخراج ملابسة، وتلك الملابسة هي تكون مثل الملابسة التي بين الصغير ووليه، والعبد وسيده، وهو القيام بما يحتاج إليه كل واحد منهما من المؤن، والله أعلم.
قال القاضي عياض ﵀: واختلف في النوع المخرَج، فأجمعوا على أنه يجوز البر والزبيب والتمر والشعير، إلا خلافًا في البر لا يعتد بخلافه، وخلافًا في الزبيب لبعض المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، مردودٌ قولُه به (٢).
وأما الأَقِط: فأجازه مالك والجمهور، ومنعه الحسن، واختلف فيه قول الشافعي، وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاس مالك على الخمسة كلَّ ما هو عيشُ أهل بلد من القطاني، وعن مالك قول آخر: أنه لا يجزئ غيرُ المنصوص في الحديث، وما في معناه، ولم يجز عامة العلماء إخراجَ القيمة، وأجازه أبو حنيفة، وقال الشافعي: جنس الفطرة كل حب وجب فيه العشر، ويجزئ الأقِط على الراجح، وهو المذهب.
والأصح: أنه يتعين غالب قوت بلده، والثاني: يتعين قوت نفسه، والثالث: يتخير بينهما، فإن عدل عن الواجب إلى أعلى منه، أجزأه، وإن عدل إلى ما دونه، لم يجزئه.
ثم ظاهر الحديث أنها لا تجب إلا على القرى والأمصار والبوادي والشعاب، وكل مسلم حيث كان، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماعة العلماء، وعن عطاء، والزهري، وربيعة، والليث: أنها
стр. 828
لا تجب إلا على الأمصار والقرى دون البوادي.
وفي هذا الحديث فوائد وأحكام:
منها: وجوب صدقة الفطر، وتقدم اختلاف العلماء في وجوبها.
ومنها: جواز قول: رمضان، من غير إضافته إلى (شهر) من غير كراهة، واختلف السلف في كراهته.
ومنها: وجوب الفطرة على الزوجة نفسها، ويلزم إخراجها من مالها؛ حيث قال: على الأنثى، وهو مذهب الكوفيين، وقال مالك والشافعي والجمهور: يلزم الزوجَ فطرةُ زوجته؛ لأنها تابعة للنفقة، وأجابوا عن الحديث ما أجابوا لداود في فطرة العبد.
ومنها: من مفهومه لا من منطوقه أنها لا تخرج إلا عن مسلم، فلا تخرج عن عبد وزوجة وولد ووالد كفار فقراء، وإن وجبت نفقتهم حيث يقول به، وهو قول مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، وقال الكوفيون، وإسحاق، وبعض السلف: تجب عن العبد الكافر، وتأول الطحاوي قوله في بعض الأحاديث: من المسلمين، على أن المراد به السادة دون العبيد، وهو مردود بظواهر الأحاديث.
ومنها: وجوب إخراج الصاع من كل نوع مخرَج، وتقدم الكلام والاختلاف فيه.
ومنها: أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد، وهو مذهب الشافعي والجمهور، فلو أخرجها بالنية، وعينها لمستحقها، ولم يتفق له قبضها، جاز؛ لأنها لم تؤخر عن يوم العيد في المعنى، نص على ذلك أصحاب الشافعي.
ومنها: أن الأفضل إخراجُها قبل الخروج إلى المصلى، ويجوز إخراجها في جميع رمضان؛ كتقديم الزكاة على الحول، والله أعلم.
ومنها: أن الاجتهاد والعمل به لا ينفذ مع وجود النص أو الظاهر المعمول به؛ فإنه تُرك اجتهاد معاوية في تعديل البر، وعُمل بالنص، أو الظاهر الموصوف.
стр. 829
وباقي فوائد الحديث وأحكامه تقدمت في الكلام على ألفاظه ومعانيه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَّةُ، وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أَرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا، فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ (١).
تقدم الكلام على هذا الحديث في الحديث قبله مبينًا واضحًا.
والأَقِط -بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها؛ كنظائره-، وهو لبن يابس غيرُ منزوع الزُّبد.
والسمراء: هي الحنطة المحمولة من الشام.
وفي هذا الحديث دليل صريح في إجزاء الأقط في الفطرة، وإبطال القول من منعه.
وفيه دليل على أن فعل الشيء في حياة رسول الله ﷺ حجة في فعله وتقريره؛ لأن الظاهر علمه ﷺ به، كيف والوحي كان ينزل؟ فلو كان فعل الشيء ممنوعًا منه، لنزل الوحي بمنعه، كيف وما يتعلق بشرع عام دائم؟
وفيه دليل على أنه لا يجوز لمن علم النص أن يرجع إلى اجتهاد المجتهد من العلماء، بل يجب على المجتهد الإقرار بالرأي، والتسليم للنص؛ كما ثبت من معاوية ﵁ في هذه المسألة لما بلغه حديث أبي سعيد هذا، قال: إنه رأي رأيتُه؛ لأنه سمعه من النبي ﷺ .
стр. 830
وفيه: الثبوت على السنة، والعمل بها، وعدم الرجوع إلى قول من رأى خلافها، وإن طالت المدد، وقد قال ﷺ : "عَضُّوا عليها بالنواجِذِ، وإياكُم ومحدَثاتِ الأمور" (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 831
كتاب الصيام
الصيام والصوم في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص.
واعلم أنه فرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فإن رسول الله ﷺ صام تسع رمضانات، وأن أكثرها تسعة وعشرون يومًا، والله أعلم.
* * *
الحديث الأول
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَومِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَينِ، إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" (١).
الكلام على هذا الحديث من وجوه:
أحدها: الرد على الروافض الذين يرون تقدم الصوم على الرؤية؛ فإن رمضان اسم لما بين الهلالين، فإذا صام قبله يوما، فقد تقدم عليه.
الثاني: فيه تبيين لمعنى الحديث الَّذي فيه: "صوموا لرؤيته، وأَفطروا لرؤيته" (٢)؛
стр. 832
فإن اللام في قوله: "لرؤيته" للتأقيت، لا للتعليل كما زعمت الروافض.
الثالث: فيه عدم النهي عن تقدُّم يوم أو يومين لرمضان بالصوم لمن له عادة في غير شعبان أن يصوم أواخره، وسواء كانت عادته بنذر، أو تطوع؛ فإنه داخل تحت قوله ﷺ : "إلا رجلًا كانَ يصومُ صومًا فليصمْهُ".
الرابع: يدخل تحت النهي صومُ يوم الشك، وهو عبارة عن اليوم الَّذي يتحدث برؤية الهلال من لا يقبل قوله؛ كالصبيان والعبيد، وقد اختلف السلف ممن صامه تطوعًا، وأوجب صومه عن رمضان: أحمد، وجماعة؛ بشرط أن يكون هناك غيم.
الخامس: فيه التصريح بالنهي عن إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين بالتطوع، وهو نهي تحريم بلا شك، وهو الصحيح في مذهب الشافعي ﵀، وليس قوله: "بيوم ولا يومين" للتخيير، بل هو لتبيين المنع من التقديم عليه بالصوم، وأمدُ المنع فيه نصف شعبان، وهو مبين فيما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتصفَ شعبانُ، فلا تصوموا"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (١)، وهذا الحديث مقيد بالحديث المذكور: "إلا رجلًا كان يصوم صومًا فليصمه"، وقد ضعف أحمد بن حنبل حديثَ المنع بعد نصف شعبان من الصوم، وقال: هو منكر، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، ولعل ذلك لتفرد العلاء بن عبد الرحمن بروايته؛ فإن فيه مقالًا عند بعض أئمة هذا الشان، لكنه وإن كان كذلك، فقد حدث عنه الإمام مالك، مع شدة انتقاده للرجال،
стр. 833
وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في "صحيحه"، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو على شرطه، فيجوز أن يكون ترك لأجل تفرده به، وإن كان قد خرج في الصحيح أحاديث تفرد بها رواتها، وكذلك نقل البخاري أيضًا أحاديثَ تفرد بها رواتها، لكن للحفاظ مذاهب في الرجال، كل واحد منهم فعل ما أدى إليه اجتهاده من القبول والرد، وقد ذكر بعضهم في النهي عن تقدم رمضان وبعد نصف شعبان إنما كان لأجل التقوي على صيام رمضان، والاستِجمام، وهو بعيد، فإن ذلك إذا أضعف عن رمضان، كان شعبان كله أولى بأن يضعف، وقد أجمع العلماء على جواز صومه كله، بل على استحبابه، وقد روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂، عن النبي ﷺ : أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان، قال الترمذي: حديث حسن (١)، وقد ذكر بعضهم أن ظاهر حديث: "لا تقدموا رمضانَ بيومٍ ولا يومين" متعارض؛ لقوله ﷺ لرجل: "هل صمتَ من سُرَرِ شعبانَ شيئًا"؟ قال: لا، قال: "فإذا أفطرتَ، فصمْ يومًا"، وفي رواية: "يومين"، وهو حديث صحيح رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود من رواية عمران بن حصين (٢)، والمراد بسرر شعبان: آخره؛ لأن الهلال يستسرُّ آخرَ الشهر ليلة أو ليلتين، وجمع بينهما بأن الرجل كان قد أوجب على نفسه صيام آخر الشهر بنذر، فأمره ﷺ بالوفاء به، أو كان الصوم آخر الشهر عادة له، فتركه لاستقبال رمضان لأجل النهي عن تقدمه، فاستحب له النبي ﷺ أن يقضيه؛ لكونه عادة له، وقال بعضهم: بل قوله: "هل صمت من سرر شعبان؟ " سؤال زجر وإنكار؛ لأنه قد نهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، فلا يكون بينهما معارضة، والله أعلم.
стр. 834
قلت: وإن أريد بسرر شهر شعبان أوله، على ما ذكره بعضهم أن سرر الشهر: أوله، فلا تعارض بين الحديثين -أيضًا-، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُولُ: "إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَقْدُرُوا لَهُ" (١).
قوله: "فإن غُمَّ عليكم" معناه: حالَ بينكم وبينه غيمٌ، يقال: غُمَّ وأُغْمِيَ وغُمِّي وغُمِيَ -بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما-، ويقال: غَبِي -بفتح الغين وكسر الباء-، وكلها لغات صحيحة، وقد غامت السماء وغَيَّمت وأَغامت وتَغيَّمت وأغتمت (٢).
وقوله: "فاقدروا له" قال أهل اللغة: يقال: قدرتُ الشيء أقدُرُه وأقدِرُه وقَدَرْته وأقدرْتُه بمعنى واحد، وهو من التقدير (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٣]، واختلف العلماء في معناه في الحديث، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف والخلف: معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، وتؤيده الروايات: "فعدوا ثلاثين"، "فاقدروا ثلاثين"، "فصوموا ثلاثين يومًا"، "فأكملوا العدد"، كل ذلك في "صحيح مسلم" (٤)، وفي رواية
стр. 835
للبخاري: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (١)، وقال أحمد بن حنبل وطائفة: معناه: ضيقوا له؛ أي: قدروه تحت السحاب، ولهذا جوز صوم ليلة الغيم عن رمضان.
لكن قوله ﷺ : "فصوموا ثلاثين، وأكملوا عدة شعبان ثلاثين" يدلان على عدم التقدير لشعبان دون رمضان، ولا عكسه، بل لهما، فالتخصيص بأحدهما من غير مخصص خلف.
وقال ابن مطرف بن عبد الله، وابن سريج، وابن قتيبة، وآخرون من المالكية وغيرهم: معناه: قدروه بحساب المنازل الَّذي يراه المنجمون، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الناس لو كلفوا به، ضاق عليهم؛ فإن ذلك لا يعرفه إلا أفراد الناس، والشرع إنما يعرف إليهم بما يعرفه جماهيرهم.
قال شيخنا القاضي أبو الفتح بنُ دقيق العيد ﵀ لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم بمفارقة القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين؛ فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع؛ كالغيم مثلًا، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤيا مشترطة في اللزوم؛ فإن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه، هذا آخر كلامه، والله أعلم (٢).
وفي هذا الحديث فوائد:
منها: دلالة على تعليق الحكم بالرؤية، ولا يراد بها رؤية كل فرد من الأفراد، بل مطلق الرؤية، أما في أول شهر رمضان، فتكفي رؤية عدل -على
стр. 836
أصح الوجهين- لجميع الناس، وأما في الفطر، فلا بد من رؤية عدلين، عند جميع العلماء، وقال أبو ثور: يجوز الفطر برؤية عدل -أيضًا-.
ومنها: وجوب الصوم والفطر على منفرد رأى الهلال في رمضان أو شوال، لكن قال العلماء: يفطر سرًّا؛ لئلا يساء الظن به.
ومنها: أنه لا يجوز صوم الشك، ولا صوم يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم، وقد روى أبو داود بإسناد كلُّ رجاله محتجٌّ بهم في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصومه لرؤية رمضان، فإن غم عليه، عد ثلاثين يومًا، ثم صام، ورواه الدارقطني، وقال: هذا إسناد صحيح (١).
ومنها: أنه قد يستدل به على أن حكم الرؤية ببلد لا يتعدى إلى بلد آخر؛ لأنه إذا فرض أنه رُئي الهلال ببلد في ليلة، ولم ير في تلك الليلة بآخر، فيكمل ثلاثين يومًا لرؤية الأولى، ولم ير بالبلد الآخر، فهل يفطرون أم لا؟ فمن قال: يتعدى الحكم على أحد الوجهين في المسألة، لم يجز لهم الإفطار، وقد وقعت المسألة في زمان ابن عباس، وقال: لا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، وقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام، وهو قوله: "أفطروا لرؤيته"، أو لأنه شهادة واحد لم يثبت به إلا حديثًا خاصًّا بهذه المسألة، وهو الظاهر، والله أعلم.
ومنها: أنه استدل لمن قال بالعمل بالحساب في الصوم بقوله: "فاقدروا له"؛ حيث إنه أمر يقتضي التقدير، وتأوله غيرهم بأن المراد كمال العدد ثلاثين كما بيناه، والله أعلم.
стр. 837
الحديث الثالث
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ في السُّحُورِ برَكَةً" (١).
أما السحور: فرووه بفتح السين وضمها، فالمفتوح: اسم للمأكول، والمضموم: اسم للفعل، واختار بعضهم أن يكون اسمًا للفعل بالوجهين (٢).
والبركة: النماء والزيادة، والتي في السحور يجوز أن تكون راجعة إلى أمور أخروية؛ من متابعة السنة في الفعل، وقد يحصل له بسببه ذكر ودعاء ووضوء وصلاة واستغفار في وقت شريف تنزل فيه الرحمة، ويستجاب الدعاء، وقد يدوم ذلك حتى يطلع الفجر، وكل ذلك سبب لمزيد الأجور، ويجوز أن تكون راجعة إلى أمور دنيوية؛ من التقوية على الصيام، والتنشيط له، ويحصل له بسببه الرغبة في الازدياد من الصوم؛ لخفة المشقة على فاعله، فيجوز أن يضاف إلى كل واحد من الفعل والمتسحَّر به معًا، ومما أوجب الأمر به المخالفة لأهل الكتاب؛ فإن السحور عندهم ممتنع، وذلك أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية، وقد أجمع العلماء على استحباب السحور، وأنه ليس بواجب، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ أَنَسٌ: قُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً (٣).
стр. 838
أما زيد بن ثابت، وأنس، فتقدم الكلام عليهما.
الظاهر أن المراد بالأذان هنا: الأذان الثاني، ولو فرض الأول، لما كان بينهما زمن طويل كما تقدم في باب الأذان من حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أُمِّ مكتوم" (١)، وثبت في الصحيح أنه لم يكن بين أذان بلال وابن أم مكتوم في الصوم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا (٢)، ومعلوم أن الصعود والنزول زمنه يسير، وإنما أخروا السحور؛ لأنه أقرب إلى حصول المقصود من التقوي، وأبلغ في مخالفة أهل الكتاب، وقد تكلم المتصوفون وأهل الباطن على معنى ما ذكرنا من تأخير السحور بكلام لا تحل حكايته إلا لبيان بطلانه، وهو: أن معنى الصوم وحكمته إنما هو كسر شهوة البطن والفرج، فمن لم تتغير عليه عادته في مقدار أكله، لا يحصل له بالسحور المقصود من الصوم، وهو كسر الشهوتين، فلا يفعل، والصواب: أن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس ومقاصدهم ومقدار ما يتعلمونه من السحور، فما زاد في المقدار على مقصود الشرع وحكمته حتى يعدم كل واحد منهما بالكلية؛ كعادة المترفين في التأنق في المأكل والاستعداد بهما، فلا يستحب، وما لا يزيد فيه عليهما، فهو مستحب، وقد يحصل لبعض الناس بسببه إذا خالفوا مقصود الشرع تخمة وجُشاء منتن وكسل وتخبيث نفس، وما ذلك إلا للجهل بالشرع ومقصوده وحكمته، ومجاوزة الحد فيه، والله أعلم.
وقوله: "قال: قدر خمسين آية"، معناه: بينهما قدر قراءة خمسين آية، أو أن يقرأ خمسين، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على استحباب السحور، وتأخيره إلى قبل طلوع الفجر الثاني.
стр. 839
وفيه دليل على تتبع السنن، ومعرفة أوقاتها، والمحافظة عليها.
وفيه دليل على أن أفعاله ﷺ سنن عامة؛ كأقواله، وأنها شرع، ويحرم تقديم الأذان الثاني في رمضان على طلوع الفجر الثاني؛ لما يلزم منه من تحريم الأكل المحلَّل المشروع على الناس، وما كان وسيلة إلى الحرام، فهو حرام، بل إن اعتقد معتقد حل تقديمه إذا أوهم طلوع الفجر الثاني وتحريم السحور لا لمقصود شرعي، فهو كفر، والله أعلم، ولو فعل ذلك احتياطًا للصوم مع الاجتهاد التام في تحرير معرفة طلوعه، وخشي طلوعه من غير علمه لغيم أو تقصير فيه، فلا بأس به إذا لم يفحش، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ عَائِشَةَ وَأمِّ سَلَمَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ (١).
تقدم الكلام على عائشة وأم سلمة ﵄.
المقصود من ذكر هذا الحديث: الدلالة على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام، أو جماع، وكان فيه اختلاف بين الصحابة والتابعين، فذهب أبو هريرة إلى أنه: من أدركه الصبح جنبًا، فلا يصم، ورواه عن الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، عن النبي ﷺ ، ورواه مالك، وقال: أفطر، فلما بلغه حديث عائشة وأم سلمة، رجع إليه، وترك حديث الفضل، ورآه منسوخًا؛ لأنه في أول الأمر حين كان الجماع محرمًا في الليل بعد النوم، كما كان الطعام والشراب محرمًا، ثم نسخ ذلك، ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ، فرجع إليه، وهذا أحسن ما قيل فيه، ولذلك يقال جوابًا عمن قال به بعد أن بلغهم ورجعوا، قال طاوس، وعروة، والنخعي: إن علم بجنابته، لم يصح،
стр. 840
وإلا، فيصح، وحكي مثله عن أبي هريرة، وحكي أيضًا عن الحسن البصري والنخعي: أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض، وحكي عن سالم بن عبد الله، والحسين بن صالح: أنه يصومه ويقضيه، ثم ارتفع الخلاف، ووقع الإجماع على صحة صوم الجنب، مع أنه قد قيل: إن أبا هريرة لم يرجع عن قوله بعدم صحة صوم الجنب، لكن الصحيح رجوعه، كيف والحديث بصحة صوم الجنب موافق للقرآن العزيز؛ فإن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، قال الله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمراد بالمباشرة: الجماع إجماعًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فاقتضى ذلك جواز الجماع إلى طلوع الفجر، ولزم منه أن يصبح جنبًا، ويصح صومه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فلما أتم الصوم، وأبيح الجماع في ليلة الصوم مطلقًا إلى الوقت المقارن لطلوع الفجر، لزم الإصباح جنبًا، وإذا دل القرآن وفعلُ الرسول ﷺ على جواز الصوم لمن أصبح جنبًا، وجب المصيرُ إليه، وصار ناسخًا لما قبله.
وقد أجيب عن حديث الفضل وأسامة على تقدير عدم نسخه بأنه إرشاد إلى الأفضل أنه يغتسل قبل الفجر، ولو خالف، جاز، وهذا جواب أصحاب الشافعي عن الحديث، ومذهبهم في حكم المسألة، فإن قيل: كيف يكون الاغتسال أفضل، وهذا الحديث الصحيح على خلافه؟ فالجواب أنه ﷺ فعله لبيان الجواز، وفعله ﷺ الشيء بيانًا لجوازه أفضل في حقه؛ حيث إنه مأمور بالبيان؛ كما توضأ ﷺ مرة مرة، وطاف على البعير، مع أن الوضوء ثلاثًا والطواف ماشيًا أفضل؛ لأنه المتكرر من فعله ﷺ ، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذا الكلام راجع إلى مسألة أصولية، وهي أن الوجوب إذا نسخ هل ببقى الاستحباب؟ الصحيح بقاؤه، فالاغتسال قبل الفجر في الصوم للجنب كان واجبًا، فلما نسخ، بقي استحبابه. والله أعلم.
стр. 841
ومنهم من حمل حديث الفضل وأسامة على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعده عالمًا، فإنه يفطر، ولا صوم له، وهو بعيد من حيث تسمية المجامع حال جماعه عرفًا جنبًا، والله أعلم.
وقولهما: "من أهله" فيه حذف لمضاف تقديره: من جماع أهله، وإنما ذكرتا ذلك لإزالة اللبس وزيادة الإيضاح؛ حيث يقع في الذهن احتمال الاحتلام في النوم؛ فإنه على غير اختيار من الجنب، فيكون سببا للرخصة، بخلاف جنابة المجامع، ففي ذلك دليل على جواز الاحتلام من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، ولا يلزم من الاحتلام أن يكون في حقهم من تلاعب الشيطان؛ حيث يكون فيضًا مجردًا، أو في مَحَلٍّ حلالٍ؛ فإن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - منزهون من تلاعب الشيطان، والله أعلم.
وهذا المذكور في الحديث حكم الجنب، سواء كان رجلًا أو امرأة، وأما الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما في الليل، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما، صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركتا الغسل عمدًا، أو سهوًا، بعذر، أو غيره؛ كالجنب، وهذا مذهب العلماء كافة، وفي مذهب مالك في وجوب القضاء عليهما قولان، فعلى أحد قوليه، في وجوب القضاء: يلزم عنه عدم صحة صومهما؛ لأن القضاء فعل الشيء خارج الوقت لنوع من الخلل الواقع في الوقت، ولم يكن ثَمَّ خلل إلا عدم اغتسالهما قبل طلوع الفجر، وهذا قول ضعيف مخالف لقول العلماء، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" (١).
стр. 842
اختلف الفقهاء في أكل الناسي للصوم وشربه: هل يفطر به، أم لا؟ فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وآخرون: لا يفطر، ويصح صومه، وذهب ربيعة، ومالك: إلى فساد الصوم، وإيجاب القضاء، ولا كفارة، وهو القياس؛ حيث فات ركن الصوم، وهو من باب المأمورات، لكن هذا الحديث وما في معناه يدل على عدم وجوب القضاء؛ فإنه أمر بالإتمام، ولا يسمى متمًّا إلا من صام شرعًا لا صورة، فالإتمام متفق عليه، لكن هل يوجب عدم القضاء أم لا؟ وهو راجع إلى أن اللفظ إذا دار بين حمله على المعنى اللغوي أو الشرعي، فحملُهُ على الشرعي أولى، إلا أن يكون دليل خارج يقوى به اللغوي، فيعمل به، ومما يدل على صحة حمل اللفظ على المعنى الشرعي قوله ﷺ : "فإِنَّما أطعمه الله وسقاه"؛ فإن فيه إشعارًا بصحة الصوم؛ حيث إن الأكل والشرب وما في معناهما ناسيًا فعلٌ صادر من فاعله، مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه، أجاب الذين قالوا بالإفطار: بأن المراد بالحديث عدمُ الإثم في الفعل والمؤاخذة به، وتعليق الحكم بالأكل والشرب لا يقتضي من حيث هو مخالفة غيره له؛ فإنه تعليق للحكم باللقب، فلا يدل على نفي الحكم [عَمّا] عداه، أو لأنه تعليق للحكم بالغالب؛ فإن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليه، والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهومًا.
وأما الجماع في الصوم ناسيًا: فحكمه حكم الأكل والشرب ناسيًا: أنه لا يفطر، والخلاف فيه كالخلاف فيهما، لكنه لا كفارة فيه عند من قال بإفساد الصوم به، وقال عطاء، والأوزاعي، والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاءُ والكفارة، ولا شيء في الأكل والشرب.
والكلام في الجماع في الصوم ناسيًا مفرع على أن أكل الناسي لا يوجب القضاء، مع اتفاقهم على أنه لا يوجب الكفارة، أما من قال بإفساد جماع الناسي
стр. 843
له، فإنهم اختلفوا في وجوب الكفارة، ومدار جميعهم في دليلهم على الإفساد والكفارة قصور حالة المجامع ناسيًا عن غيره فيما يتعلق بالعذر بالنسيان، فمن أراد إلحاق المجامع بالمنصوص عليه، فإنما طريقه القياس، والقياس مع الفارق متعذر، إلا إذا بَيَّنَ القائسُ أن الوصف الفارق ملغى.
ثم إن أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - اتفقوا على أن الأكل والشرب القليل ناسيًا لا يفطر، واختلفوا في الكثير على وجهين: أصحهما عند الأكثرين منهم: لا يفطر؛ لإطلاق قوله ﷺ : "من أكل أو شرب ناسيًا من غير تقييد بكثرة أو قلة، وقياسًا على الجاهل بكون الأكل مفطرًا؛ بأن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بباديةٍ، وكان يجهل مثل هذا؛ فإن صومه لا يبطل اتفاقًا، والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ -وفي رواية: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُها؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجدُ إطْعَامَ سِتيِّنَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَينِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١).
стр. 844
أما الرجل المجامِع، فهو مبهَم في الروايات كلِّها، لا أعلم تسميتَه في رواية ولا نقل.
وقوله: "يا رسول الله! هلكت"؛ أي: وقعت في الإثم والمخالفة بفعل ما حرم علي فعلهُ في الصوم، وهو الجماع فيه، وفي لفظ لمسلم: "وَطِئْتُ امرأتي في رمضانَ نهارًا"، ورواه مسلم، وأبو داود في "سننه": أنه قال: "يا رسولَ الله! احترقتُ" (١)، وروي في بعض طرق الحديث الضعيفة: "هلكتُ وأهلكتُ" (٢)، واستدل بها بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية، واتفق الحفاظ على ضعفها، وأنها غير محفوظة، وبينوا من رواها ومن دخلت عليه، وضعفوه، والله أعلم.
قوله: "أُتي النبيُّ ﷺ بعرق فيه تمر"، العرق -بفتح العين والراء- في الرواية واللغة، وروي بإسكان الراء، وهو غلط أو ضعيف، وقد فسره في الحديث: المِكْتَل، وهو: بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق-، ويقال للعرق: الزبيل -بفتح الزاي من غير نون-، والزنبيل -بكسر الزاي وزيادة نون-، قال ابن دريد: سمي زبيلًا؛ لأنه يُحمل فيه الزِّبل، ويقال له: القُفَّة، والسفيفة -بفتح السين المهملة وبالفاءين-، والفَرَق عند الفقهاء: ما يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، وهي ستون مُدًّا، لستين مسكينًا، لكل مسكين مد (٣).
قوله: "فوالله ما بين لابتيها"، اللابتان: الحَرَّتان، والمدينة بينَ حَرَّتين، والحرَّةُ: الأرض الملبسة حجارة سوداء إذا كانت بين جبلين، ويقال: لابة،
стр. 845
ولوبة، ونوبة، حكاهن أبو عبيد، والجوهري، ومن لا يُحصى من أهل اللغة، قالوا: ومنه قيل للأسود: لوبي، ونوبي -باللام والنون-، قالوا: وجمع اللابة: لوب، ولاب، ولابات، وهي غير مهموزة (١).
قوله: "أهلُ بيت أفقرُ من أهل بيتي"، أفقرُ مرفوعٌ نعتٌ لأهلُ بيت.
وقوله: "حتى بدت أنيابه"، الأنباب: جمع ناب، وهي الأسنان التي خلف الرباعية، وضحكه ﷺ يحتمل التعجبَ من حال السائل وتبيانه؛ حيث كان أولًا محترقًا، هالكًا، متلهفًا، حاكمًا على نفسه بذلك، ثم انتقل إلى طلب الطعام لنفسه وعياله، ويحتمل أنه من رحمته ﷺ به، وشفقته عليه، وإطعامه هذا الطعام بعد أن أمره بإخراجه، وإحلاله له.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: وجوب السؤال عن علم ما يفعله الإنسان مخالفًا للشريعة.
ومنها: الخوف من سوء عاقبته.
ومنها: جواز إظهار المعصية لمن يرجو منه تخليصه من إثمها وعاقبتها.
ومنها: عدم تعزيره عليها مع وجوب الكفارة إذا فعلها جاهلًا، وكانت لا حدَّ فيها، خصوصًا إذا جاء مستفتيًا؛ فإن النبي ﷺ لم يعاقبه، مع اعترافه بالمعصية، لكنه باعترافه بها يقتضي أن يكون فعله إياها كان وهو عالم بأنها معصية، لا جاهل؛ فإن مجيئه مستفتيًا معترفًا بالهلاك يقتضي العلم والندم والتوبة، والتعزيرُ استصلاح، ولا استصلاحَ مع الصلاح؛ فإنه لو عزرنا كلَّ من جاء يستفتي عن مخالفة، أدى ذلك إلى ترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في المخالفات والخروج منها، وذلك مفسدة عظيمة يجب دفعها، كيف والمفتي في زماننا لم تكن إليه إقامة التعزيرات، مع أن النبي ﷺ كان هو الحاكمَ والإمامَ