ومنهم من حمل حديث الفضل وأسامة على من أدركه الفجر مجامعًا، فاستدام بعده عالمًا، فإنه يفطر، ولا صوم له، وهو بعيد من حيث تسمية المجامع حال جماعه عرفًا جنبًا، والله أعلم.
وقولهما: "من أهله" فيه حذف لمضاف تقديره: من جماع أهله، وإنما ذكرتا ذلك لإزالة اللبس وزيادة الإيضاح؛ حيث يقع في الذهن احتمال الاحتلام في النوم؛ فإنه على غير اختيار من الجنب، فيكون سببا للرخصة، بخلاف جنابة المجامع، ففي ذلك دليل على جواز الاحتلام من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، ولا يلزم من الاحتلام أن يكون في حقهم من تلاعب الشيطان؛ حيث يكون فيضًا مجردًا، أو في مَحَلٍّ حلالٍ؛ فإن الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - منزهون من تلاعب الشيطان، والله أعلم.
وهذا المذكور في الحديث حكم الجنب، سواء كان رجلًا أو امرأة، وأما الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما في الليل، ثم طلع الفجر قبل اغتسالهما، صح صومهما، ووجب عليهما إتمامه، سواء تركتا الغسل عمدًا، أو سهوًا، بعذر، أو غيره؛ كالجنب، وهذا مذهب العلماء كافة، وفي مذهب مالك في وجوب القضاء عليهما قولان، فعلى أحد قوليه، في وجوب القضاء: يلزم عنه عدم صحة صومهما؛ لأن القضاء فعل الشيء خارج الوقت لنوع من الخلل الواقع في الوقت، ولم يكن ثَمَّ خلل إلا عدم اغتسالهما قبل طلوع الفجر، وهذا قول ضعيف مخالف لقول العلماء، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" (١).
стр. 842
اختلف الفقهاء في أكل الناسي للصوم وشربه: هل يفطر به، أم لا؟ فقال الشافعي، وأبو حنيفة، وداود، وآخرون: لا يفطر، ويصح صومه، وذهب ربيعة، ومالك: إلى فساد الصوم، وإيجاب القضاء، ولا كفارة، وهو القياس؛ حيث فات ركن الصوم، وهو من باب المأمورات، لكن هذا الحديث وما في معناه يدل على عدم وجوب القضاء؛ فإنه أمر بالإتمام، ولا يسمى متمًّا إلا من صام شرعًا لا صورة، فالإتمام متفق عليه، لكن هل يوجب عدم القضاء أم لا؟ وهو راجع إلى أن اللفظ إذا دار بين حمله على المعنى اللغوي أو الشرعي، فحملُهُ على الشرعي أولى، إلا أن يكون دليل خارج يقوى به اللغوي، فيعمل به، ومما يدل على صحة حمل اللفظ على المعنى الشرعي قوله ﷺ : "فإِنَّما أطعمه الله وسقاه"؛ فإن فيه إشعارًا بصحة الصوم؛ حيث إن الأكل والشرب وما في معناهما ناسيًا فعلٌ صادر من فاعله، مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه، أجاب الذين قالوا بالإفطار: بأن المراد بالحديث عدمُ الإثم في الفعل والمؤاخذة به، وتعليق الحكم بالأكل والشرب لا يقتضي من حيث هو مخالفة غيره له؛ فإنه تعليق للحكم باللقب، فلا يدل على نفي الحكم [عَمّا] عداه، أو لأنه تعليق للحكم بالغالب؛ فإن نسيان الجماع نادر بالنسبة إليه، والتخصيص بالغالب لا يقتضي مفهومًا.
وأما الجماع في الصوم ناسيًا: فحكمه حكم الأكل والشرب ناسيًا: أنه لا يفطر، والخلاف فيه كالخلاف فيهما، لكنه لا كفارة فيه عند من قال بإفساد الصوم به، وقال عطاء، والأوزاعي، والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاءُ والكفارة، ولا شيء في الأكل والشرب.
والكلام في الجماع في الصوم ناسيًا مفرع على أن أكل الناسي لا يوجب القضاء، مع اتفاقهم على أنه لا يوجب الكفارة، أما من قال بإفساد جماع الناسي
стр. 843
له، فإنهم اختلفوا في وجوب الكفارة، ومدار جميعهم في دليلهم على الإفساد والكفارة قصور حالة المجامع ناسيًا عن غيره فيما يتعلق بالعذر بالنسيان، فمن أراد إلحاق المجامع بالمنصوص عليه، فإنما طريقه القياس، والقياس مع الفارق متعذر، إلا إذا بَيَّنَ القائسُ أن الوصف الفارق ملغى.
ثم إن أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - اتفقوا على أن الأكل والشرب القليل ناسيًا لا يفطر، واختلفوا في الكثير على وجهين: أصحهما عند الأكثرين منهم: لا يفطر؛ لإطلاق قوله ﷺ : "من أكل أو شرب ناسيًا من غير تقييد بكثرة أو قلة، وقياسًا على الجاهل بكون الأكل مفطرًا؛ بأن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بباديةٍ، وكان يجهل مثل هذا؛ فإن صومه لا يبطل اتفاقًا، والله أعلم.
* * *
الحديث السابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: "مَا لَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ -وفي رواية: أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُها؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجدُ إطْعَامَ سِتيِّنَ مِسْكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ: المِكْتَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيْنَ السَّائِلُ؟ "، قَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْها -يُرِيدُ: الحَرَّتَينِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيابُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١).
стр. 844
أما الرجل المجامِع، فهو مبهَم في الروايات كلِّها، لا أعلم تسميتَه في رواية ولا نقل.
وقوله: "يا رسول الله! هلكت"؛ أي: وقعت في الإثم والمخالفة بفعل ما حرم علي فعلهُ في الصوم، وهو الجماع فيه، وفي لفظ لمسلم: "وَطِئْتُ امرأتي في رمضانَ نهارًا"، ورواه مسلم، وأبو داود في "سننه": أنه قال: "يا رسولَ الله! احترقتُ" (١)، وروي في بعض طرق الحديث الضعيفة: "هلكتُ وأهلكتُ" (٢)، واستدل بها بعضهم على مشاركة المرأة إياه في الجناية، واتفق الحفاظ على ضعفها، وأنها غير محفوظة، وبينوا من رواها ومن دخلت عليه، وضعفوه، والله أعلم.
قوله: "أُتي النبيُّ ﷺ بعرق فيه تمر"، العرق -بفتح العين والراء- في الرواية واللغة، وروي بإسكان الراء، وهو غلط أو ضعيف، وقد فسره في الحديث: المِكْتَل، وهو: بكسر الميم وفتح التاء المثناة فوق-، ويقال للعرق: الزبيل -بفتح الزاي من غير نون-، والزنبيل -بكسر الزاي وزيادة نون-، قال ابن دريد: سمي زبيلًا؛ لأنه يُحمل فيه الزِّبل، ويقال له: القُفَّة، والسفيفة -بفتح السين المهملة وبالفاءين-، والفَرَق عند الفقهاء: ما يسع خمسةَ عشرَ صاعًا، وهي ستون مُدًّا، لستين مسكينًا، لكل مسكين مد (٣).
قوله: "فوالله ما بين لابتيها"، اللابتان: الحَرَّتان، والمدينة بينَ حَرَّتين، والحرَّةُ: الأرض الملبسة حجارة سوداء إذا كانت بين جبلين، ويقال: لابة،
стр. 845
ولوبة، ونوبة، حكاهن أبو عبيد، والجوهري، ومن لا يُحصى من أهل اللغة، قالوا: ومنه قيل للأسود: لوبي، ونوبي -باللام والنون-، قالوا: وجمع اللابة: لوب، ولاب، ولابات، وهي غير مهموزة (١).
قوله: "أهلُ بيت أفقرُ من أهل بيتي"، أفقرُ مرفوعٌ نعتٌ لأهلُ بيت.
وقوله: "حتى بدت أنيابه"، الأنباب: جمع ناب، وهي الأسنان التي خلف الرباعية، وضحكه ﷺ يحتمل التعجبَ من حال السائل وتبيانه؛ حيث كان أولًا محترقًا، هالكًا، متلهفًا، حاكمًا على نفسه بذلك، ثم انتقل إلى طلب الطعام لنفسه وعياله، ويحتمل أنه من رحمته ﷺ به، وشفقته عليه، وإطعامه هذا الطعام بعد أن أمره بإخراجه، وإحلاله له.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: وجوب السؤال عن علم ما يفعله الإنسان مخالفًا للشريعة.
ومنها: الخوف من سوء عاقبته.
ومنها: جواز إظهار المعصية لمن يرجو منه تخليصه من إثمها وعاقبتها.
ومنها: عدم تعزيره عليها مع وجوب الكفارة إذا فعلها جاهلًا، وكانت لا حدَّ فيها، خصوصًا إذا جاء مستفتيًا؛ فإن النبي ﷺ لم يعاقبه، مع اعترافه بالمعصية، لكنه باعترافه بها يقتضي أن يكون فعله إياها كان وهو عالم بأنها معصية، لا جاهل؛ فإن مجيئه مستفتيًا معترفًا بالهلاك يقتضي العلم والندم والتوبة، والتعزيرُ استصلاح، ولا استصلاحَ مع الصلاح؛ فإنه لو عزرنا كلَّ من جاء يستفتي عن مخالفة، أدى ذلك إلى ترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في المخالفات والخروج منها، وذلك مفسدة عظيمة يجب دفعها، كيف والمفتي في زماننا لم تكن إليه إقامة التعزيرات، مع أن النبي ﷺ كان هو الحاكمَ والإمامَ
стр. 846
والمفتيَ والمشرع، ولم يُقم عليه التعزير بقول ولا فعل.
قال البغوي في "شرح السنة" (١): وأجمعت الأمة على أن [من] جامع متعمدًا في نهار رمضان يفسد صومه، وعليه القضاء، ويعزَّر على سوء صنعه.
قال بعض أصحاب الشافعي: ومن جامع امرأته حائضًا، وقلنا: يكفِّر، عُزِّر بلا خلاف، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي فيما يجب التعزير فيه مع وجوب الكفارة، قال: وفي المجامع في رمضان، وفي الظهار والقبل وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لما ذكرنا، وأرجحهما عندهم: الوجوب، قالوا: لأن الكفارة إنما وجبت لانتهاك حرمة الوقت، ولقول الزور، وفوات الروح، والتعزيرُ يجب لحق الله تعالى في الرحم والمخالفة، والله أعلم.
ومنها: استعمال الكنايات فيما يُستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ كالمواقعة والإصابة ونحوهما عن النكاح النيك.
ومنها: وجوب الكفارة بإفطار المجامع عامدًا، وهو مذهب جميع العلماء سوى من شذ منهم، وقالوا: لا تجب، وهو قول للشافعي ضعيف، قال: لأنها لو وجبت، لما سقطت بالإعسار، قلنا: قولكم: سقطت بالإعسار يقتضي تقدم وجوب حتى يقتضى السقوط، وإلا لما صح السقوط الَّذي هو بمعنى الخروج، كيف والأصل والقياس الوجوب، والمسبب لا يبطل السبب؛ فإن الإعسار مسبب، والوطء في رمضان سبب، والوجوب إنما يسقط للاستحالة أو المشقة، ولا استحالة ولا مشقة؛ فإن المطالبة بالكفارة إنما يكون عند القدرة، ومع الإعسار لا قدرة، فحينئذٍ لا يرفع الإعسار الوجوب من غير معارض سائغ.
فإن قيل: سقطت بمقارنة الإعسار؛ لأنها لم تؤد، ولا أعلمَ النبيُّ ﷺ أنها تبقى في الذمة، فإنها لو بقيت، لأعلم به ﷺ ، كيف والبيان واجب عليه ﷺ ؟
فالجواب: أن الحديث دل على استقرار الكفارة؛ بدليل إخبار السائل بالعجز عن العتق والصيام والإطعام، ومجيء العَرَق وإعطائه إياه؛ ليخرجه كفارة، فلو
стр. 847
لم تجب، لما أمره بإخراجها، ولو سقطت بالعجز، لم يكن عليه شيء، فدل على ثبوتها في ذمته، وإذنه له بإطعام عياله للاضطرار وإزالته تجب على الفور، والكفارة لا تجب على الفور، بل على التراخي، خصوصًا في هذا الحال، وهي صدقة، وقد قال ﷺ : "خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرِ غِنًى" (١)، فلم يكن له أن يتصدق على غيره، وتأخيرُ البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ عند جماهير الأصوليين، والله أعلم.
ولو جامع ناسيًا، فهل يفطر، وتجب عليه الكفارة، أم لا يفطر، ولا تجب، أم يجب القضاء والإمساك ولا كفارة؛ ثلاثة مذاهب تقدم ذكرُها في الحديث قبله، والصحيح عند الشافعي: أنه لا يفطر، ولا كفارة؛ كالأكل ناسيًا، واحتج من قال بوجوبها بأنه حكم ورد على جواب سؤال من غير استفصال عن عمد أو نسيان، فنزل منزلة العموم؛ لأن الحكم من الرسول ﷺ إذا ورد عقب ذكر واقعة محتملة لأحوال مختلفة الحكم، كان حملُه على العموم أولى؛ حملًا على الفوائد المتكثرة، والجواب عن ذلك: بأن حالة النسيان في حق هذا السائل بعيدة جدًّا بالنسبة إلى الجماع، ومحاولة مقدماته، وطول زمانه، وعدم اعتياده في كل وقت، فلم يحتج إلى الاستفصال بناء على الظاهر، وقد قال: هلكت، فإنه يشعر بتعمده ظاهرًا، ومعرفته بالتحريم، والله أعلم.
ومنها: جريان وجوب العتق ثم الصوم ثم الإطعام مرتبا لا مخيرًا، وهو قول جميع العلماء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢)، ولا يعرف عن مالك في ذلك غير الإطعام وعدم جريان العتق والصوم في كفارة المفطر.
قال شيخنا الإمام أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: وهي معضلة زَبّآء ذات وبر، يهتدى إلى ترويجها مع مصادمتها الحديث.
стр. 848
غير أن بعض المحققين من أصحابه حمل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب في تقديم الطعام على غيره من الخصال، وذكروا وجوهًا في ترجيح الطعام على غيره، منها: أن الله تعالى ذكره في القرآن رخصة للقادر؛ يعني: في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ونسخ هذا الحكم لا يلزم منه نسخ الفضيلة بالذكر والتعيين للإطعام لاختيار الله تعالى له في حق الفطر.
ومنها: جريان حكمه في حق من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان ثان.
ومنها: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم الَّذي هو إمساك عن الطعام والشراب، وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البداءة بالعتق ثم الصوم، ثم بالإطعام، فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب، فلا أقلَّ من أن تقتضي استحبابه، وقد وافق بعض أصحاب مالك على استحباب الترتيب على ما جاء في الحديث، وبعضهم قال: إن الكفارة تختلف باختلاف الأوقات، ففي وقت الشدائد تكون بالإطعام، وبعضهم فرق بين الإفطار بالجماع والإفطار بغيره: يكفر بالإطعام لا غير، وهذا أقرب مخالفة للنص من الأول.
أما ترتيبها والتخيير فيها، فقد اختلف فيه مالك والشافعي، فقال مالك: إنها على التخيير، ومذهب الشافعي أنها على الترتيب، وبه قال أصحاب مالك، واستدل على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال بأن قوله أولًا: "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، ثم رتب الصوم بعد العتق، ثم الإطعام بعده.
ونازع القاضي عياض في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال: مثل هذا قد يستعمل في التخيير، وقال: فيدل على الأولوية مع التخيير، وهو غير مسلم؛ فإن ذكر هذه الأشياء الثلاثة مرتبة في معرض البيان والسؤال بمنزلة الشرط للحكم، ومقتضى ذلك الترتيب لا التخيير، والله أعلم.
ومنها: أن إطلاق الرقبة يدل على جواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة، وهو قول أبي حنيفة وغيره، وقال الشافعي: لا يجوز إلا رقبة مؤمنة؛ حملًا
стр. 849
للمطلق على المقيد، وأبو حنيفة يحمل المقيد على المطلق، فمن يشترط الإيمان فيها، يقيد الإطلاق هاهنا بالتعيين به في كفارة القتل.
وهذا الحكم مبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يتقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد، فهل هو بالقياس أم لا؟ والمسألة مشهورة في أصول الفقه، لكن الأقرب أنه قيد بالقياس، والله أعلم.
ثم شرط الرقبة أن تكون سليمة من العيوب التي تضر بالعمل إضرارًا بينًا.
ومنها: أنه ينتقل من الصوم إلى الإطعام عند عدم استطاعته، وفي بعض طرق الحديث: أن الرجل قال: وهل أُتيت إلا من الصوم؛ فاقتضى ذلك عدم استطاعته بسبب شدة الشَّبق وعدم الصبر في الصوم عن الوقاع، لكنها رواية ضعيفة، ونشأ منه انظر للشافعية في أن هذا هل يكون عذرًا مرخصًا في الانتقال إلى الإطعام في حق من هو شديد الشبق؟ فقال به بعضهم.
ومنها: أنه إذا قدر على الإطعام دون غيره، وجب إطعامه العددَ المذكور في الحديث، وهو ستون مسكينًا، فلو ضاق عليه الإطعام الَّذي هو مصدر أطعم إلى ستين، لا يكون ذلك موجودًا في حق من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيام، ولو قيل بإجزاء ذلك، كان عملًا بعلة مستنبطة تعود على ظاهر النص بالإبطال، وهو غير جائز في أصول الفقه.
وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة على اشتراط إطعام ستين مسكينًا، وحكي عن الحسن البصري: أنه إطعام أربعين مسكينًا عشرين صاعًا، ثم جمهور المشترطين ستين قالوا: لكل مسكين مد، وهو ربع صاع، وقال أبو حنيفة والثوري: لكل مسكين نصف صاع.
ومنها: أنه إذا عجز عن الإطعام، ودُفع إليه ما يكفر به طعامًا، وكان محتاجًا إليه هو وعياله، فصرفه في ذلك، هل يقع كفارة، وتبرأ به ذمته، ويلزم من ذلك سقوطها عن المعسر، أو بقاؤها في ذمته إلى أن يوسر، وقرن سقوطها عنه بصدقة الفطر؛ حيث يسقط للإعسار المقارن لاستهلال الهلال، وتقدم الكلام عليه قريبًا.
стр. 850
وقد ادعى بعضهم أن هذا الحكم خاص بهذا الرجل، وادعى غيره أنه منسوخ، وهما ضعيفان؛ إذ لا دليل على التخصيص، ولا على النسخ؛ فإن قوله ﷺ : "أطعمه أهلك" عطية لا عن جهة الكفارة مقدمة في هذا الحال على الكفارة، مع استقرار وجوبها أولًا، وعدم رفعه بالحاجة التي هي واجبة مترتبة في الذمة لثبوته أول الحديث، والسكوت عن بيان بقائه لتقدم العلم به إما لأن ما ثبت في الذمة يتأخر بالإعسار، ولا يسقط؛ للقاعدة الكلية والنظائر؛ كالمفلس، أو الدليل يدل عليه أقوى من السكوت.
ومنها: وجوب القضاء على مفسد الصوم بالجماع، وبه قال جمهور الأئمة، وقال الأوزاعي: إن كفر بالعتق، أو الإطعام، صام يومًا مكانه، وإن يكفر بالشهرين، أجزأه عنه، وذهب بعضهم إلى عدم وجوب القضاء؛ لسكوته ﷺ ، والصحيح: وجوبه، والسكوتُ عليه لتقريره وظهوره، وقد روى أبو داود في بعض طرق هذا الحديث من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال للرجل: "كلْه أنتَ وأهلُ بيتك، وصُمْ يومًا" (١)، وروي القضاء في غير أبي داود، من حديث عمرو بن شعيب، وسعيد بن المسيب، وهذا الخلاف في وجوب القضاء موجود في مذهب الشافعي ثلاثة أوجه لأصحابه، كالمذاهب الثلاثة، وفي حق الرجل، أما المرأة، فيجب عليها القضاء بلا خلاف.
ومنها: أن ما ثبت في حق الرجل من الكفارة إذا مكنت، ثبت في حق المرأة؛ لأنه ما ثبت في حق واحد ثبت في حق جميع الناس؛ لاستوائهم في الحكم، كيف إذا كانت المرأة ممكنة، فالتحريم منسوب إليها -أيضًا- بالتمكين، وهي آثمة به، مرتكبة كبيرة من الكبائر كما في الرجل، وقد أضيف اسم الزنا إليها في كتاب الله تعالى، ومدار الوجوب على هذا المعنى، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين
стр. 851
عنه، والشافعي في أحد قوليه: إلى أنها إذا مكنت طائعة، ووطئها الزوج، وجبت عليها كفارة -أيضًا-، وللشافعي قول آخر: أنه لا تجب عليها، بل يختص الوجوب بالزوج، وهو الراجح المنصوص عند أصحابه.
ثم اختلفوا هل هي واجبة على الزوج لا تلاقي المرأة وهي كفارة واحدة تقع عنهما جميعًا؟ وفيه قولان مخرجان من كلام الشافعي ﵀، واحتج لعدم الوجوب عليها بأمور لا تتعلق بالحديث، وأمور تتعلق به، وهي: استدلالهم بأن النبي ﷺ يعلم المرأة بوجوب الكفارة عليها، مع الحاجة إلى الإعلام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أمر النبي ﷺ أنيسًا أن يغدو على امرأة العَسيف، فإن اعترفت، رجمها، فلو وجبت عليها، لأعلمها ﷺ بذلك كما في حديث أنيس، والذين أوجبوا الكفارة عليها، أجابوا بوجوه:
أحدها: أنا لا نسلم الحاجة إلى إعلامها، فإنها لم تعترف بسبب الكفارة، وإقرار الرجل لا يوجب عليها حكما، وإنما تمس الحاجة إلى إعلامها إذا ثبت الوجوب في حقها، ولا يثبت على ما بينا.
وثانيها: أنها قضية حال يتطرق إليه الاحتمال لا عموم لها، كيف وهذه المرأة يجوز أن تكون ممن لا تجب عليها الكفارة بهذا الوطء؛ إما لصغرها، أو جنونها، أو كفرها، أو حيضها، أو طهارتها من الحيض في أثناء اليوم؟ واعترض على هذا بأن علمَ النبي ﷺ بحيض امرأة الأعرابي أو عدمه عسر، ولو كان علمه، ولم يخبره به الأعرابي، ولم يسأله النبي ﷺ كان مستحيلًا، وباقي الأعذار المذكورة من الصغر والجنون وغيرها تنافي التحريم على المرأة، وينافيها قوله فيما روي في الحديث، وإن كان ضعيفًا: "هلكت وأهلكت" (١)، فعلى المعترض بيان صحة هذه الرواية وجودة هذا الاعتراض.
وثالثها: أنا لا نسلم عدم بيان الحكم بأن بيانه في حق الرجل بيان في حق المرأة؛ لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك الحرمة، مع العلم بأن إيجاب
стр. 852
الكفارة هو ذاتي، والتنصيص على الحكم في حق بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين، وهذا كما أنه ﷺ لم يذكر إيجاب الكفارة على سائر الناس غير الأعرابي؛ لعلمه بالاستواء في الحكم، وهذا وجه قوي، والذي حاولوه في التعلل عليه بأن يبنوا في المرأة معنى يمكن أن يظن به اختلاف حكمها مع حكم الرجل، بخلاف غير الأعرابي من الناس؛ فإنه لا معنى يوجب اختلاف حكمهم مع حكمه، وذلك المعنى الَّذي أيدوه في حق المرأة هو أن مؤن النكاح لازمة على الزوج؛ كالمهر، وثمن ماء الغسل، فيمكن أن يكون هذا منه، - وأيضًا - فجعلوا الزوج في باب الوطء هو الفاعل المنسوب إليه الفعل، والمرأة محل، فيمكن أن يقال: الحكم مضاف إلى من ينسب إليه القول، فيقال: للواطئ: واطئ ومواقع، ولا يقال للمرأة ذلك، وليس هذا أمر بين، فإن المرأة يحرم عليها التمكين، وهي آثمة به، مرتكبة كبيرة كالرجل، كما ذكرنا أولًا، والله أعلم.
ومنها: وجوب التتابع في صوم الشهرين، وهو مذهب الجمهور، وأجمع عليه أئمة الفتوى، ونقل عن ابن أبي ليلى: أنه لا يلزم فيها التتابع.
ومنها: أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث في الكفارة، ونقل عن بعض المتقدمين فيها دخول البدنة بعد الرقبة إذا تعذرت، رواه عطاء عن سعيد، وقيل: إن سعيدًا أنكره، والله أعلم (١).
* * *
стр. 853
باب الصوم في السفر وغيره
الحديث الأول
عَنْ عائشِةَ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ ﵁ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ في السَّفَرِ؟ -وَكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ- قالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإنْ شِئْتَ فَأَفْطِر" (١).
أما حمزة بن عمرو: فكنيته أبو صالح، ويقال: أبو محمَّد بنُ عمرِو بنِ عويمرِ بنِ الحارثِ بنِ الأعرجِ بنِ سعيدِ بنِ رزاحِ، بنِ عديِّ بنِ سَهْمِ بنِ مازنِ بنِ سلامانَ بنِ الحارثِ بنِ أسلمَ بنِ أفصى بنِ حارثة، مدنيٌّ، رُوي له عن رسول الله ﷺ تسعة أحاديث، روى له مسلم حديثًا واحدًا من رواية أبي مرواح الغفاريِّ عنه، وقد أخرجا ذكره في هذا الحديث. وقد حدَّث عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄، روى عنه ابنه محمَّد بنُ حمزة، وعائشةُ الصديقة، وسليمانُ بن يسار، وعروةُ بن الزبير، وغيرهم، مات في ولاية يزيدَ بنِ معاوية سنة إحدى وستين، وهو ابن إحدى وسبعين سنة (٢).
стр. 854
وأما الأَسْلَمِي، فبفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر الميم، ثم ياء النسب، فنسبة إلى جدّ من أجداده المذكورين أسلم بن أفصى بن حارثة، وإليه ينسب أيضًا من الصحابة ﵃ أبو برزة الأسلمي، والله أعلم.
واعلم أن حديث حمزة بن عمرو هذا قد حمله بعضهم على مطلق الصوم، وقيَّده بعضهم بصوم رمضان، مستدلًا بما رواه مسلم وغيره في حديث حمزة بن عمرو هذا، قال: قلت: يا رسول الله! إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوة وأنا شابٌّ، فأجد أن أصوم يا رسول الله أهون علي بأن أؤخره، فيكون دينًا، أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أو أفطر؟ قال: "أيَّ ذلك شئت يا حمزة" (١).
وقد روى البخاري ومسلم الإطلاق من غير تقييد برمضان، وفيه: إني رجل أسرد الصوم في السفر ... أفأصوم؟ كما في حديث الكتاب، وإذا ثبت ذلك، فإما أن يحمل المطلق على المقيد، فلا يكون فيه دليل على صوم التطوع، قال: أبو العباس القرطبي: لوجهين:
أحدهما: قوله في بعض روايات الحديث قال: "هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها، فحسن، ومن أحبَّ أن يصومَ، فلا جُناحَ عليه" (٢)، ولا يقال في التطوع مثل هذا.
والوجه الثاني: إن [في] الحديث التقييد برمضان، فهو نص في الفرض دون التطوع (٣)، أو يحمل المقيد على المطلق، فيدخل فيه صوم التطوع، أو يكون
стр. 855
من باب العبرة بعموم اللفظ في قوله: إني رجل أسرُدُ الصوم في السفر، وخيّره رسول الله ﷺ بين الصوم وتركه، من غير نظر إلى فرض أو نفل، أو يعتبر خصوص السبب في كونه شابًّا، ويجد قوة، ويكري ظهره، ويعالجه في سفره، ويرى أن الصوم أهونُ عليه من الإفطار؛ لكون الصوم يبقى دينًا، فخيَّره، ويكون السبب كالمعاد في التخيير، وهو الجواب ينظر في ذلك كُله.
وإذا حملناه على الفرض والنفل، فيحتاج الجواب عن مذهب الشَّافعي ﵀، وأحمد، في كون النفل لا يبقى دينًا على من أفطره، والله أعلم.
أما من حمله على مطلق الصوم، فاستدلَّ بقوله: إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ الحديث، فقال: ظاهره أن ذلك لا يستعمل إلا في التطوع، وإلا لما حسن السؤال عن صوم الفرض، فاستدلَّ به للشافعي وموافقيه في أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضررًا، ولا يفوِّت به حقًّا، بشرط فطر يومي العيد والتشريق؛ لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه، بل أقره عليه، وأذن له فيه في السفر، ففي الحضر أولى، فحينئذ يحتاج الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ في إنكار النَّبي ﷺ صوم الدهر، وقوله ﷺ : في صوم يوم وفطر يوم: "لا أفضل من ذلك" (١).
والجواب عن الإنكار: أنه ﷺ علم منه أنه سيضعف عنه، وهكذا جرى، فإنه ضعف في آخر عمره، وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ يحب الدائم وإن قَلَّ، ويحثُّهم عليه، وعن قوله: "لا أفضل من ذلك" إما بالنسبة إلى عبد الله فقط، وإما بالنسبة إلى الإطلاق، وليس بينه وبين المدعى منافاة؛ فإن المدعى الجواز وعدم الكراهة، أو أنه مسنون بشروطه المذكورة لا الأفضلية، والله أعلم.
وقد كان جماعة من الصحابة ﵃ يسردون الصوم متقربين به،
стр. 856
فلو لم يكن راجحًا بالنسبة إليهم على يوم ويوم، لما فعلوه، فدلّ على أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على السؤال عن العلم في كل ما يعرض للإنسان من جوازه وأفضليَّته.
وفيه دليل على أنَّ المستفتي يذكر للمفتي حاله وما يعرض له، ولا يكتمه شيئًا مما يتعلَّق بسؤاله.
وفيه دليل على إثبات الخيار للمسافر بين الصوم والإفطار.
وفيه دليل على جواز صوم الفرض للمسافر إذا صامه، وهو قول أهل عامة العلم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عبَّاس ﵃: إن صام في السَّفر لم يجزئه، وعليه أن يصوم في الحضر، وبهذا قال أهل الظاهر، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ التخيير في الصَّيام في السَّفر والفطر من رواية جماعة من الصحابة، والحجة في السنّة، وهذا إن ثبت ما ذكر عمَّن قدمنا.
واختلف أهل العلم في أفضل الأمرين منهما: وقد ساق الإمام أبو داود ﵀ في "سننه" (١) ما فيه مستند لمذاهبهم، فقالت طائفة: الفطر أفضل، وقالت طائفة: الصوم أفضل، وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء؛ لقوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإن كان الصوم أيسر عليه، صام، وإن كان الفطر أيسر، فليفطر.
وقيل: الصوم والفطر سواء، والصَّواب في مذهب الشَّافعي وأصحابه الَّذي لا اختلاف فيه بينهم: أن الأفضل الفطر لمسافر يضرُّه الصوم، والله أعلم.
* * *
стр. 857
الحديث الثاني
عن أَنَسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (١).
لما تقرر عند أصحاب رسول الله ﷺ أن الأخذَ برخص الله تعالى في عزائمه أفضلُ وأحبَّ إليه ظن قوم أن الأخذ بالعزيمة في الصوم عيب، فقال أنس ﵁: كنَّا نسافرُ مع النبي ﷺ الحديث، فأَفهم بذلك جوازَ صوم رمضان في السفر؛ حيث تعرض لعيبه، وأنه محظور ممنوع منه؛ بخلاف الصوم المرسل؛ فإنه لا يُعاب بشرطه، ولا يحتاج إلى رفع وهم فيه.
ولا شك أنَّ الرخصة متوجهة إلى جميع المكلفين، كما أن الخطاب بالصوم متوجه لجميع المسافرين وغيرهم.
وبيان ذلك: أنَّ الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب، كما تقوله في إباحة الميتة عند الضرورة، وبهذا يتحقَّق بطلانُ قول من قال: إنَّ صوم المسافر لا ينعقد، والله أعلم.
وزعم بعض أهل العلم أنه إذا أنشأ السفر في رمضان، لم يجز له أن يفطر، محتجًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال غيره: وهذا غلط؛ لهذا الحديث وغيره.
ومعنى الآية الكريمة: شهد الشهر كلَّه، ومَنْ شهد الشهرَ كلَّه، فإنَّه لم يشهد بعضه.
وفي حديث أنس هذا دليل على رفعه؛ حيث قال: كُنَّا نسافر مع
стр. 858
رسول الله ﷺ في السفر؛ حيث إن الحديث لم يكن فيه ذكر رسول الله ﷺ ، ولا أنه كان يشاهدهم في حالهم هذا؛ فإنه ﷺ كان يشاهدهم في كثير من غيبهم، إما بإلهام، وإما بنزول وحي، فما ظنك بهذه الحال، وهم مسافرون معه ﷺ ؟!
وفيه دليل على أنَّ الأشياء من الأحكام وغيرها، لم تتغير عن وضعها بنظر ولا اجتهاد، وأنَّ من اختصَّ بحال في نفسه، لا يلزم في أحكام الشرع وعموم النَّاس، والله سبحانه أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ قالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ ، في شَهْرِ رَمَضَانَ، في حَرٍّ شَديدٍ، حَتَّى إنْ كانَ أَحدُنا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَما فينا صَائِمٌ إلا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ ﵁ (١).
أَمَّا أبو الدرداء: فاسمه: عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن مالك بن عبد الله بن قيس بن عائشة بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، ويقال: اسمه عامر بن مالك، وعويمر لقب له، وأمه مجيبة بنت واقد بن عمرو، وتأخر إسلامه قليلًا، كان آخر أهل داره إسلامًا، وحَسُنَ إسلامه، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي ﵄، وكان فقيهًا عالمًا حكيمًا، شهد ما بعدَ أحد من المشاهد، واختلف في شهوده أحدًا، وولي قضاء دمشق في خلافة عثمان.
وروي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وتسعة وسبعون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية.
روى عنه: ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة،
стр. 859
وخالد بن معدان، ومعدان بن أبي طلحة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وابنه بلال، وزوجته أم الدرداء هُجَيْمَة بنت حُيي، وخلقٌ سواهم، وروى له أصحاب السنن والمساند. مات بالشام سنة إحدى، وقيل: اثنتين أو ثلاث وثلاثين، وقيل: بعد صفين، وليس بصحيح، وقبره وقبر زوجته بدمشق (١).
وأما عبد الله بن رواحة المذكور في المتن، فكنيته: أبو محمَّد بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بَدْرًا وأُحُدًا والمشاهد إلا الفتح وما بعدها؛ لأنه قتل يوم مؤتة، وكانت في أوائل السنة الثامنة من الهجرة، وكان أحد الأمراء فيها، وشجَّع الناس قبل وقعتها، وقال: يا قوم! والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم من أجلها: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة، إنما نقاتلهم بهذا الدين، الَّذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، إنما هو إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقالوا: صدق ابن رواحة (٢).
وهو أحد الشعراء المحسنين، الذين كانوا يردُّون الأذى عن رسول الله ﷺ .
أخرج له في "صحيح البخاري" حديث، من رواية النعمان بن بشير عنه، وروي له هذا الحديث في "الصحيحين".
وكان هذا الصوم من النَّبي ﷺ وابن رواحة في غزوة بدر -فيما يغلب على الظَّن-؛ لأن أسفاره ﷺ فيما بين بدر ومؤتة، لم يكن شيء منها في رمضان غير
стр. 860
بدر؛ فإنَّه ﷺ لم يسافر إلا في غزوٍ أو حج بعد هجرته ﷺ إلى المدينة، فإن كان له سفر في شهر رمضان في ستة أعوام، من بدر إلى مؤتة فليفد، والله أعلم.
وروى النسائي عن أحمد بن أبي عبيد الله، عن عمر بن علي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن رواحة ﵁: أنه كان مع رسول الله ﷺ في مسير له، فقال له: "يا بنَ رواحَة! انزلْ فحرك بالركاب" (١) الحديث، لكن قيسًا لم يدرك ابن رواحة، والأشبه أنّه من رواية عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال لابن رواحة، رواه عبد الله بن إدريس عن إسماعيل، عن قيس، عنه، والله أعلم.
وروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة، وروى يحيى بن سعيد قال: كان عبد الله بن رواحة ﵁ أولَ خارج إلى الغزو، وآخرَ قافل.
وقال عروة: لما ودَّع المسلمون عبد الله بن رواحة في خروجه إلى مؤته، دعوا له ومن معه أن يردهم سالمين، فقال ابن رواحة ﵁:
لكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذَاتَ قرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
أَوْ طَعْنَةً بيدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بِحَرْبَةٍ تنفذُ الأَحْشَاءَ والكَبِدَا
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي ... يَا أَرْشَدَ اللهُ مِنْ غَازٍ، وَقَدْ رَشَدَا (٢)
وقال هشام بن عروة: سمعت أبي عروة يقول: سمعت أبي -يعني: الزبير- يقول: ما سمعت أحدًا أجرى ولا أسرع شِعرًا من ابن رواحة، سمعت رسول الله ﷺ يقول له يومًا: "قُلْ شعرًا تقتضيه الساعةُ، وأنا أَنظرُ إليكَ"، فانبعث مكانه يقول:
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فيكَ الخيرَ أعرفُه ... والله يعلمُ أَنْ ما خَانني البَصَرُ
стр. 861
أنتَ النَّبيُّ ومَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتَهُ ... يَوْمَ الحِسَابِ لَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ
فَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ ... تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا
فقال رسول الله ﷺ : "وأنتَ فثبتك اللهُ يا بنَ رواحَةَ" (١).
قلت: زرت قبر عبد الله بن رواحة ﵁ بمؤتة، وقبور الشهداء بها؛ كجعفر بن أبي طالب ﵄ في العشر الآخر من شوال، سنة ثلاث وسبعين وست مئة ﵃ أجمعين - (٢).
وهذا الحديث: دليل صريح بأنَّ هذا الصوم وقع في شهر رمضان في السفر، وأنَّه صحيح، وهو مذهب الفقهاء.
وخالفت الظاهرية به، أو بعضهم في صحته، بناءً على ظاهر لفظ القرآن في قوله : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، من غير اعتبار إضمارٍ فيه، وتقدَّم اختلاف العلماء في أنَّ الأفضل الصوم أو الفطر.
والذي ذهب إليه أبو حنيفة والشَّافعي والأكثرون: أنَّ الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به، فالفطر أفضل، واحتجوا بهذا الحديث وغيره من الأحاديث، فلأنه يحصل به براءة الذمَّة في الحال، وقال سعيد بن المسيِّب، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم: الفطر أفضل مطلقًا، وحكاه بعض أصحاب الشَّافعي قولان، وهو غريب، واحتجوا بقوله ﷺ : "إنَّ الفِطرَ رخصةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بها، فحَسَن، ومن أحبَّ أن
стр. 862
يصومَ، فلا جُناحَ عَلَيهِ" (١)، وظاهره: ترجيح الفطر، وأجاب الأكثرون بأنَّ هذا فيمن يخاف ضررًا، أو يجد مشقةً، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على جواز السفر في رمضان، خصوصًا إذا كان في طاعة.
وفيه دليل على الاقتداء به ﷺ في أفعاله وأحواله ﷺ .
وفيه دليل على شرعية حكاية الحال، والله أعلم.
* * *
الحديث الرابع
عنْ جابِرٍ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ في سفرٍ، فرأى زِحَامًا، ورجلًا قَد ظُلِّلَ عليهِ، فقالَ: "ما هذا؟ " قالوا: صائمٌ، قال: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" (٢). ولمسلم: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" (٣).
أما الرجل المبهم الَّذي ظلل عليه، فلا أعلمه بعد الكشف عليه.
وأما قوله ﷺ : "ليسَ من البر الصومُ في السفر"، وروي في بعض الروايات: "ليس البر" (٤) بغير "من"، فمن أثبتها، فهي "مِن" الزائدة المرادة لتأكيد النفي، وقد ذهب بعض الناس إلى أنها مبعضة هنا، وليس بشيء، وروى أهل الأدب:
стр. 863
ليس من امبر امصيام في السفر، فابدلوا من اللام ميمًا، وهي لغة قوم من العرب، وهي قليلة، والله أعلم.
وقد أخذ من هذا الحديث: أنَّ كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذا الحال، ممّن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات، ويكون قوله: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ" منزلًا على هذه الحال، لكن المانعون من الصوم في السفر يقولون: اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السَّبب، وينبغي أن تتفطن لقاعدة كبيرة، وهي النظر في اللفظ العام المجرد، الجاري على سبب، وفي دلالة السياق والقرائن التي تخصص العام وتدل على مراد المتكلِّم، ولا يجري كل ذلك مجرى واحدًا؛ فإنَّ مجرَّد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]؛ فإنها نزلت بسبب سرقة رداء صفوان، وذلك لا يقتضي التخصيص بالضرورة والإجماع، وأما السياق والقرائن، فإنها الدالة على مراد المتكلِّم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المحتملات، فاضبط هذه القاعدة، فإنها نفيسة مفيدة لمواضع لا تحصى جارية منها، فانظر في قوله ﷺ : "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّومُ في السَّفَرِ"، مع حكاية حال الرجل المظلل عليه من أي القبيلين هو، فنزله عليه.
وقوله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِرُخصةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ" دليل على استحباب التمسك بالرخصة والعمل بها، إذا دعت الحاجة إليها، ولا تترك على وجه التشديد على النَّفس والتنطُّع والتعمُّق، والله أعلم.
وفي الحديث دليل على شرعيَّةِ السؤال عن أمور الناس وأحوالهم، في اجتماعهم وافتراقهم لولاة الأمور والعلماء؛ ليرشدوهم إلى الصواب والعمل به، وأنَّ ذلك ليس مما لا يعني.
وفيه دليل على أنَّ البرّ ليس مطلقًا، بل مقيَّد بالشَّرع،
стр. 864
وفيه دليل على الأخذ بالرخصة، وقد قال ﷺ : "إنَّ الله يحبُّ أن تُؤْتى رخصُه، كما تُؤْتى عَزائمُه" (١).
وقد قال الفقهاء: الرخصة إذا وقعت، عمت، لكن عمومها إنما هو في المحل الَّذي وقعت من أجله، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمنَّا المُفْطِر، قالَ: فنزلْنا منزلًا في يوم حارٍّ، وأكثرُنا ظلّاً صاحبُ الكساء، فمنَّا مَنْ يتقي الشمسَ بيدِه، قالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وقَامَ المُفْطِرُونَ، فَضَربوا الأبنيةَ، وسَقَوا الركابَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ذهبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ" (٢).
أما الأبنية، فجمع بناء، وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها الطراف، والخباء، والبناء، والقبة، والمضرب، وقد تكرر ذكره مفردًا ومجموعًا في الحديث.
والركتاب: الإبل، وتجمع ركائب.
وقوله ﷺ : "ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ"، والأجر وجهان:
أحدهما: الأجر الخاص المرتب على الأفعال التي فعلوها، والمصالح التي جرت على أيديهم، لا مطلق الأجر على سبيل العموم.
والثاني: أن يكون أجر المفطرين قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغًا ينغمر فيه أجر الصُّوَّام، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، وتجعل كأن الأجر
стр. 865
كله للمفطرين، ويقرب هذا مما تقوله بعض الناس في إحباط بعض الأعمال الصالحة ببعض الكبائر، وأن ثوابها ينغمر في الكبائر وعقابها، فتصير كأنَّها محبطة لثوابها، وإن كان الصوم هنا ليس من المحبطات، ولكن المقصود المبالغة في أنَّ الثواب -وإن قلَّ جدًّا- أنه كالمعدوم، وهذا قد يوجد مثله في التصرفات الوجودية وأعمال الناس في مقابلتهم حسنات، من يفعل منها شيئًا بسيئاته، فإنهم يجعلون اليسير جدًّا كالمعدوم بالنسبة إلى الإحسان والإساءة؛ كحجامة الأب لولده، وإيجار الأم لولدها الوجور [الكريه] لدفع الأمر الأعظم منه؛ كالمرض وغيره؛ فإن كلًّا منهما يعد محسنًا مطلقًا، ولا يعدُّ مسيئًا بالنسبة إلى الإيلام بالحجامة والمرارة لستارة ذلك الألم بالنسبة إلى دفع الأمر الشديد من المرض وغيره، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على ما كانت الصحابة عليه؛ من الزهادة في الدنيا، والصبر على المؤلمات في طاعة الله تعالى.
وفيه: جواز حكاية مثل ذلك للقدوة والتأسِّي.
وفيه: جواز اتخاذ الأبنية ونحوها في الأسفار للاستظلال.
وفيه: اتقاء الشَّمس وحرِّها عن البصر والبدن باليد ونحوها.
وفيه: وجوب القيام بمصالح الدواب من الإبل وغيرها بالسقي وغيره.
وفيه: التنبيه على فعل الرخصة بكثرة الأجر فيه إذا كان في تركها مشقة.
وفيه: أنَّ اطِّلاع النَّبيِّ ﷺ على الشيء وتقريره إياه من غير نكير شرعٌ؛ فإنه ﷺ أقرهم على الصوم والفطر.
وفيه: أنَّه إذا تعارضت المصالح، قُدِّم أولاها وأقواها، والله أعلم.
* * *
стр. 866
الحديث السادس
عن عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ يكونُ عَلَيَّ الصَّومُ منْ رمضان، فما أستطيعُ أن أقضيَ إلا في شعبانَ (١).
اعلم أنه قد بيَّنت عائشة ﵂ سبب تأخر قضائها الصومَ من رمضان إلى شعبان في حديث آخر صحيح في "صحيح مسلم" وغيره، وهو قولها: الشغلُ برسولِ الله ﷺ (٢)، ولا شك أن قضاء الصوم الواجب، وحقَّ الزوج، واجبان، فيقدَّمُ حقُّ الزوج؛ حيث إنه على الفور، على قضاء الصوم، وحيث إنَّ وجوبه موسَّع، والحقُّ على الفور مقدَّم على الحقِّ على التراخي، ولا شك أنَّ نساء النبي ﷺ كنَّ يهيِّئنَ أنفسهنَّ لرسول الله ﷺ ، يترصدن لاستمتاعه في جميع أوقاتهن إن أراد ذلك، ولا تدري كل واحدة منهنَّ متى يريد حاجته ﷺ منها، ولم تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن، فتكون له حاجة فيها، فتفوتها عليه، وهذا من الأدب.
وقد اتفق العلماء على أنَّ المرأة لا يحلُّ لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ للحديث الصحيح في ذلك عن أبي هريرة ﵁ (٣).
وقد اختلف شيوخ المالكية في صوم المرأة القضاء وزوجها حاضر إلا بإذنه، فقال بعضهم: لا تصومه إلا لإذنه، إلا أن تخاف الفوات، فيتعين،
стр. 867
وترتفع التوسعة، وقال بعض شيوخهم: لها أن تصوم القضاء بغير إذنه؛ لأنه واجب.
وإنما يحمل الحديث المقتضي لنهيها عن الصوم إلا بإذنه على التطوع، فأما الواجباب: فلا يحتاج فيها إلى إذن أحد، فحينئذٍ يكون فعل عائشة ﵂ لحقه ﷺ في ذلك، وخصوصيته ﷺ به دون غيره، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأنه ﷺ كان يصوم معظم شعبان، فلا حاجة له في النساء في النهار، ولأنه في شعبان يتضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه.
فإن قيل: وكيف لا تقدر على الصوم لحقه فيها، وقد كان له تسع نسوة، وكان يقسم بينهنَّ، فلا تصل النوبة لإحداهن إلا بعد ثمان، فكان يمكنها أن تصوم في هذه الأيام التي يكون فيها عند غيرها؟
والجواب: إن القَسْم لم يكن عليه واجبًا لهنَّ، وإنما كان يفعله بحكم تطييب قلوبهنَّ، ودفعًا لما يتوقع من الشرور، وفساد القلوب، ألا ترى قول الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فلما علم نساؤه، أو من سألته منهن، كنَّ يتهيأن له دائمًا، ويتوقعن حاجته إليهن في أكثر الأوقات، والله أعلم.
ثم من أفطر بغير عذر؛ كحيض، ومرض، وسفر، وجب القضاء عليه على الفور مطلقًا، ومن أفطر بهذه الأعذار ونحوها، فقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: يجب على التراخي، ولا تشترط المبادرة به في أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي؛ لأنه يؤخر حينئذ إلى زمان لا يقبله، وهو رمضان الآتي، فصار كمن أخَّره إلى الموت، وقال داود: يجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث عائشة هذا يرد عليه.
وقال جمهور العلماء: تستحب المبادرة به للاحتياط فيه؛ فإن أخره، فالصحيح عند المحققين من الفقهاء وأهل الأصول: أنه يجب العزم على فعله،
стр. 868
وكذلك القول في جميع الواجب الموسَّع، إنما جوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره بلا عزم، عصى.
وأجمع العلماء على أنَّه لو مات قبل خروج شعبان، لزمه الفدية في تركته عن كل يوم بمد من طعام، وهذا إذا تمكن من القضاء، فلم يقض، فأما من أفطر في رمضان بعذر، ثم اتصل عجزه، فلم يتمكَّن من الصوم حتَّى مات، فلا صوم عليه، ولا يطعم عنه، ولا يصام عنه.
ثم إنَّ قضاء رمضان يندب مرتبًا متواليًا، فلو قضاه غير مرتب، أو مفرقًا، جاز عند الشَّافعي وجمهور العلماء؛ لأن الصوم اسم يقع على الجميع، وقال جماعة من الصحابة والتابعين وأهل الظاهر: يجب تتابعه، كما يجب الأداء، والله أعلم.
* * *
الحديث السَّابع
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَنْ مَاتَ وعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (١)، وأخرجَهُ أبو داوُدَ، وقالَ: هذا في النذر، وهو قول الإمام أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢).
ذكر شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀: أن هذا الحديث ليس مما اتَّفقا عليه، وذكر أبو محمَّد عبد العظيم المنذري: أنَّ البخاري ومسلمًا أخرجاه في "مختصر سنن أبي داود"، وهو موافق لما ذكره المصنف.
والوليُّ أصله من الولْي -بسكون اللام-، وهو القرب، وقال الفراء: والمولى والوليُّ واحد (٣).
стр. 869
وقد اختلف العلماء في المراد به في هذا الحديث:
فالمختار عند العلماء من المحققين وغيرهم: أنَّه مطلق القرابة، سواء كان القريب وارثًا، وغيره.
ومنهم من اشترط فيه العصوبة أو الإرث، وتوقف في ذلك إمام الحرمين، وقال: لا نقل عندي في ذلك، وقال: بعض الفضلاء المتأخرين: وأنت إذا فحصت عن نظائره، وجدت الأشبه اعتبار الإرث.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: العموم في الصوم الَّذي يصام عن الميِّت من غير تخصيص بنذر، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي الإذن في الصوم عمَّن مات وعليه نذر لصوم، وليس ذلك بمقتضٍ لتخصيص صورة النذر.
ومنها: دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن المئت، وأنّ النيابة تدخل في الصوم، سواء كان الصوم عن رمضان، أو قضاءً، أو نذرًا، أو غيره، وهو المختار الَّذي عليه المحققون من الشافعيين الجامعون بين الفقه والحديث، وهو أحد قولي الشافعي: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ولا يجب، ويصح صومه عنه، وتبرأ ذمَّة الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه؛ لعموم هذا الحديث، والأحاديث الصحيحة الثابتة فيه.
قال: البيهقي ﵀: لو وقف الشافعي ﵀ على جميع طرقها، ونظائرها، لم يخالفها - إن شاء الله تعالى - (١).
وقال غيره: كيف وقد قال الشَّافعي ﵀: إذا صحَّ الحديث، فهو مذهبي (٢)، وقد صحَّ في الصيام عن الميت أحاديث، وقال الشَّافعي في المريض لا يصح من مرضه حتَّى يموت: فلا صوم عليه ولا كفارة، وقد تقدم أن من أفطر في رمضان بعذرٍ، ثم اتصل عجزه، فلم يتمكن من الصوم حتى مات: أنه
стр. 870
لا صوم عليه ولا إطعام، ولا يصام عنه، والحديث الوارد: "منْ ماتَ وعليه صومٌ أُطعم عنهُ" ليس بثابت، ولو ثبت، أمكن الجمع بينه وبين الأحاديث الواردة في جواز الصوم بأن يحمل على جواز الأمرين؛ فإن من يقول بالصيام، يجوز عنده الإطعام، فيثبت أن الصواب المتعيِّن تجويزهما، والولي مخير بينهما.
وتقدم الكلام على المراد بالوليِّ واشتقاقه، فلو صام عنه أجنبي بإذن الولي، صحَّ، وإن كان بغير إذن الولي، ففيه وجهان؛ أظهرهما المنع.
ويقول الشَّافعي: هذا وعمل بهذا الحديث: طاوس، والحسن البصري، والزّهري، وقتادة، وأبو ثور، وأهل الظاهر، وإسحاق، وممن قال به في النذر خاصة مع أحمد: اللَّيث، وأبو عبيد، وإسحاق في روايةٍ عنه.
والمشهور من قولي الشَّافعي، وإليه ذهب الجمهور: أنه لا يصام عن ميت، لا نذر ولا غيره، وهو الجديدُ من مذهبه، وإليه ذهب الجمهور، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة ﵃، ورواية عن الحسن، والزهري، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
أما الأجنبي، فلا يصوم؛ لأجل التخصيص في مناسبة الولاية لذلك، أو لأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لكونها عبادة بدنيَّة لا تدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخلها بعد الموت؛ كالصلاة، وإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، وجب أن تقتضي فيه على ما ورد في الحديث.
وأمَّا غيره من القرابة، أو العصبة، أو الولاية؛ فيجري على القياس، لكن قال أصحاب الشافعي: لو أمر الوليُّ أجنبيًّا بأن يصوم عنه بأجرة أو بغير أجرة، جاز؛ كما في الحج، وهذا إنما يكون على قول للشَّافعي: إنَّه يصام عنه.
أمَّا على قول المنع، فلا يتجه ذلك، قال القاضي عياض ﵀: منعُ الصوم عن الميِّت هو قول جمهور العلماء، وتأولوا حديث هذا الباب على أنه يطعم عنه وليه، وهو تأويل ضعيف باطل، لا ضرورة إليه أم أي مانع يمنع من العمل به مع تظاهر الأحاديث، وعدم المعارض لها، قال القاضي، وأصحاب
стр. 871
الشافعي: وأجمعوا على أنَّه لا يصلَّى عن الميِّت صلاة فائتة، وعلى أنه لا يصام عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في الميت، والله أعلم (١).
ومنها: أن الأجنبي لا يصوم عن الميت، على ما تقدم تقريره وبيانه.
ومنها: أن غير الصوم لا يلحق به، والله أعلم.
* * *
الحديث الثامن
عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵄ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله! إنَّ أُمِّي ماتَتْ، وعَلَيها صَوْمُ شَهْرٍ، أَفأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فقال: "لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قاضِيَهُ عَنْهَا؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَقْضَى" (٢).
وفي رواية: جاءتِ امرأةٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ! إن أُمِّي مَاتَتْ، وعليها صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عنها؟، فقال: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ "، قالتْ: نَعَمْ، قال: "فَصُومي عَنْ أُمِّكِ" (٣).
أمَّا ابن عبَّاس، فتقدَّم الكلام عليه.
وأَمَّا الرجل والمرأة وأمهما، فلا أعلم أسماءهم بعد الكشف والتَّعب، فمن علم ذلك، فليفد.
وقد اقتضى حديث ابن عبَّاس عدمَ تخصيص جواز النيابة بصوم النذر؛ فإنَّه قد أطلق القول فيه بموت أمه، وعليها صوم شهر، من غير تقييد بنذر، وهو منصوص الشافعي في القديم، وهو الراجح كما تقدم بيانه، خلافًا لما قاله أحمد من أنه يصوم عنه في النذر، ويطعم عنه في قضاء رمضان.
стр. 872
ووجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين:
أحدهما: أنَّه ﷺ ذكر الحكم غير مقيَّد بعد سؤال السائل مطلقًا عن واقعة، يحتمل أن يكون وجوب الصَّوم فيها عن نذر، ويحتمل أن يكون عن غيره، لكن ذلك يرجع إلى قاعدة في أصول الفقه متَّفق عليها، وهي أنَّ الرسول ﷺ إذا أجاب بلفظ غير مقيَّد عن سؤال وقع عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفًا: أنه يكون الحكم شاملًا للأمور كلها، وهو الَّذي نقل عن الإمام الشَّافعي - رحمه الله تعالى -، وغيره. وعن أئمة أصول الفقه: ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال.
وقد استدلَّ الشَّافعي بمثل هذا، وجعله كالعموم.
الوجه الثاني: أنَّه ﷺ علَّل قضاء الصوم بعلة؛ للنذر وغيره، وبينه بالقياس على الدَّين، وذلك لا يختص بالنذر في كونه حقًّا واجبًا، والحكم يعم بعموم علته، وقد استدلَّ القائلون بالقياس في الشريعة، بهذا الحديث؛ من حيث إن النبي ﷺ قاس وجوب أداء حقِّ الله تعالى، على وجوب حق العباد، وجعله من طريق الأحق، ويجوز لغيره القياس بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوُهُ﴾ لا سيَّما وقوله ﷺ : "أرأيت" إرشاد وتنبيه على العلة التي هي والحكم كشيءٍ واحد مستقر في نفس المخاطب، وأما الرواية الثابتة، ففيها ما في الأولى؛ من دخول النيابة في الصَّوم، والقياس على حقوق الآدميين، إلا أنه ورد التخصيص فيها بالنذر، وقد يتمسك بها من يرى التخصيص بصوم النذر، إما بأن يدل الدليل على أن الحديث واحد، فيتبيَّن من بعض الروايات أن الواقعة المسؤول عنها واقعة واحدة، وهي النذر، فيسقط الوجه الأول؛ وهو الاستدلال بعدم الاستفصال، إذا تبيَّن عين الواقعة، إلا أنَّه قد يتعدَّى هذا التباين بين الروايتين؛ فإن في إحداهما: أنَّ السائل رجل، وفي الثانية امرأة، وقد تقرر في علم الحديث: أنه يعرف كون الحديث واحدًا باتِّحاد سنده ومخرجه، وتقارب ألفاظه، وعلى كل حال، فيبقى الاستدلال بعموم العلَّة، وتقديمه على عموم الحكم، كيف ومعنى عموم آخر،
стр. 873
وهو قوله ﷺ : "من ماتَ وعليه صيامٌ، صامَ عنه وليُّه"؟! فيكون التنصيص على مسألة صوم النذر مع ذلك العموم راجعًا إلى مسألة أصولية، وهو:
أنَّ التنصيص على بعض صور العام، لا يقتضي التخصيص، وهو المختار في علم الأصول.
وقد نسب بعض الشَّافعية المتأخرين إلى أنَّه قاس الاعتكاف والصَّلاة على الصَّوم في النيابة، وربَّما حكاه بعضهم وجهًا في الصلاة، فإن صحَّ، فقد يستدل بعموم التعليل.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز صوم القريب عن الميِّت -كما تقدَّم-، واعتذر القاضي عياض ﵀ عن مخالفة مذهبهم لهذه الأحاديث في الصَّوم عن الميِّت والحج، بأنَّها مضطربة، وهو عذر باطل، بدليل صحَّتها بالاتفاق.
ومنها: جواز سماع كلام المرأة الأجنبية ونحوها في الاستفتاء ونحوه من مواضع الحاجة.
ومنها: صحَّة القياس؛ لقوله ﷺ : "فدينُ الله أحقُّ بالقضاء".
ومنها: قضاء الدَّين عن الميِّت، وقد أجمعت الأمة عليه، ولا فرق بين أن يقضيه عنه وارث أو غيره، فيبرأ به بلا خلاف.
ومنها: تقديم دين الله على دين الآدمي إذا تزاحما؛ كدين الزكاة، ودين الآدمي، ولم يمكن الجمع بينهما لضيق التركة عن الوفاء لكل منهما.
وقد يستدلُّ لتقديم الزكاة بقوله ﷺ : "فدين الله أحق بالقضاء"، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال للشافعي:
أصحها: تقديم دين الله تعالى.
والثاني: تقديم دين الآدمي؛ لأنه مبنيٌّ على الشحِّ والمضايقة.
стр. 874
والثالث: هما سواء، فيقسم بينهما سواء.
ومنها: أنَّه يستحبُّ للمفتي أن ينبِّه على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا وبالسائل إليه حاجةٌ، أو يترتب عليه مصلحةٌ؛ لأنَّه ﷺ قاس على دين الآدمي تنبيهًا على وجه الدليل.
ومنها: استحباب الجواب بنعم إذا كان حقًّا.
ومنها تقريب العلم إلى أذهان السائلين، بعبارة مفهومة عندهم؛ ليكون أقرب إلى سرعة فهمهم للمسؤول عنه، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (١).
أما سهل بن سعد السَّاعديُّ: فتقدَّم ذكره في أَوَّل باب الجمعة.
أما تعجيل الفطر والحضُّ عليه، فلأمرين:
أحدهما: منصوص عليه في "سنن أبي داود"، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ؛ لأنَّ اليَهُودَ والنَّصَارى يُؤَخِّرُونَ"، (٢) فجعل ﷺ العلةَ في التعجيل مخالفةَ أهل الكتاب في التأخير.
الأمر الثاني: مستنبط، وهو أنَّه ﷺ إنَّما حضَّ على التعجيل للفطر؛ لئلَّا يزاد في النهار ساعة من الليل، فتكون زيادة في فروض الله تعالى، ولأن ذلك أرفق
стр. 875
بالصائم، وأقوى على الصيام، والله أعلم.
وأمَّا كون النَّاس بفعله بخير، وأن الدين لم يزل ظاهرًا بتعجيله؛ فلِما فيه من إظهار السنَّة؛ فإنَّ الخير كله في متابعتها، والشر كله في مخالفتها، وفعلها كالعلم على صلاح الدِّين والأمور كلها، وتركها كالعلم على فساد الدِّين والأمور كلها، حتَّى إنَّ الصحابة ﵃ كانوا إذا خذلوا في أمرٍ، فتَّشوا على ما تركوا من السنَّة، فإذا وجدوه، علموا أنَّ الخذلان إنَّما وقع بترك تلك السنَّة، فلا يزال أمر الأمة منتظمًا، وهم بخير، ما داموا محافظين على سنَّة تعجيل الفطر، وإذا أخَّروه، كان علامةً على فساد يقعون فيه.
وفي الحديث دليل على استحباب تعجيل الفطر، بعد تحقق غروب الشَّمس، وقد اتَّفق العلماء عليه.
وفيه: الردُّ على المتشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور النجم، ولعلَّ المراد بالحديث الرَّدُّ عليهم.
وفيه: الحثُّ على اتِّباع السنَّة، وترك مخالفتها، وأن فساد الأمر بتركها، والله أعلم.
* * *
الحديث العاشر
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِن هَاهُنَا، وَأَدْبرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (١).
وتقدَّم الكلام على عمر أول الكتاب.
أمَّا إقبال الليل وإدبار النهار، فهما متلازمان في الوجود، وقد ينفكان في الحس في بعض المواضع؛ بأن يكون في جهة المغرب ما يستر البصر عن
стр. 876
الغروب، ويكون بالمشرق ظاهرًا بارزًا؛ بأن يكون في واد؛ بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتبر إقبال الظلام، وإدبار الضياء.
وجاء في رواية في هذا الحديث: "وغابت الشمس" (١)، وهي ملازمة للإقبال والإدبار، لكنَّها مخرجة على ما ذكرنا فيهما.
وقوله ﷺ : "فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، معناه: فقد انقضى صومه وتمَّ، وصار في حكم المفطر، وإن لم يأكل، ويكون المعنى: فقد حل له الفطر بعد أن كان حرامًا، أو يكون المراد: فقد دخل في الفطر، وإن لم يأكل، كما يقال: أصبح، إذا دخل في وقت الصُّبح، وأمسى، وأظهر كذلك، ويكون مفطرًا شرعًا، لا حسًّا؛ كالعيدين والتشريق، وتكون الفائدة فيه: أنَّ اللَّيل غير قابل للصوم، وأنَّه بنفس دخوله خرج الصائم من الصَّوم.
وعلى المعنى الأول: يكون دخول اللَّيل علامةً لجواز الفطر، وعلى الثاني: يكون فيه بيان امتناع الوصال، بمعنى الصَّوم الشرعي.
فلا يكون من أمسك حسًّا صائمًا شرعًا، بل هو مفطر شرعًا، وفي ضمن ذلك إبطال فائدة الوصال شرعًا؛ إذ لا يحصل به ثواب الصَّوم.
وقال بعضهم: لا يجوز الإمساك بعد الغروب، وهو كإمساك يوم الفطر، ويوم النَّحر، وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم، واحتجوا بأن الأحاديث الواردة في الوصال فيها ما يدل على النَّهي عن الوصال تخفيفا ورفقًا، وفي بعضها نهاهم عن الوصال رحمة لهم.
وفي هذا الحديث فوائد:
بيان وقت الصَّوم وتحديده.
ومنها: الرَّد على أهل الكتاب وغيرهم من المتشيعة الذين قالوا: لا يفطر حتَّى تظهر النجوم.
стр. 877
ومنها: أنَّ الأمر الشرعي أبلغ من الحسِّي، وأنَّ العقل لا يقضي على الشَّرع، بل الشَّرع قاض عليه؛ حيث جعل دخول اللَّيل فطرًا شرعًا.
ومنها: البيان بذكر اللَّازم والملزوم جميعا؛ فإن اللَّازم يلزم منه وجود اللزوم، ولا ينعكس؛ فإنَّه ﷺ ذكر إقبال اللَّيل، وهو لازم، وإدبار النهار، وهو ملزوم الفطر، للإيضاح والبيان، والله أعلم.
* * *
الحديث الحادي عشر
عَنْ عَبد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ، قالوا: إِنَّكَ تُواصِلُ، قال: "إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" رواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس (١).
ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: "فَأَيُّكُمْ أَرادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إِلى السَّحَرِ" (٢).
أَمَّا ابن عمر ومن ذكر من الصحابة ﵃، فتقدم ذكرهم.
стр. 878
وأما قوله: "رواه أبو هريرة" إلى آخره، فيحتمل أنَّه ذكر روايتهم لتقرير النهي وتأكيده؛ حيث إنَّ كلًّا منهم متأخر التَّحمل عنه ﷺ ، والرواية، وذلك دليل على استقرار حكم النهي وعمومه.
وأمَّا الوصال، فحقيقته: أن يتَّصل صوم اليوم الأول باليوم الثاني من غير فطر بينهما، فلا يتناول ذلك الفطر وقت السّحر، ولا يكون ذلك وصالًا، لكنَّه ﷺ قال: "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إِلى السَّحَر"، وذلك يقتضي تسميته وصالًا، فيكون صورة لا معنى.
والحكمة في النَّهي عنه الملل المترتب عليه، والتعرُّض للتقصير في بعض وظائف الدِّين؛ من إتمام الصَّلاة، ووظائفها، وغيرها من وظائف العبادات المشروعة، في ليله ونهاره، أو ترك الصَّوم بالكلية، أو إبطاله، ولهذا المعنى نهى في الصَّوم عن الفصد والحجامة، ومنع من القبلة ونحوها فيه؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى إبطاله وإفساده، وما أدى إلى الفساد، فهو فاسد.
ثمَّ الشيء قد يكون مأمورًا به بأصل الشرع؛ كالصوم، إِمَّا واجبًا، إِمَّا ندبًا، وقد يكون مأمورًا به، مترتَّبًا على إيجاب الشخص على نفسه؛ كالنَّذر، فإِنَّه منهي عنه بأصل الشَّرع، واجب الإتيان به، والحديث يعم النَّهي عن الوصال في ذلك جميعه.
فإن كان في الواجب بأصل الشَّرع، كان تركه واجبًا، وإن كان في المندوب على قول من يوجب إتمامه من الفقهاء، فكذلك، وعلى قول من يستحبه، كان تركه مستحبًّا، وفعله مكروهًا.
وأمَّا النذر: فهو متردد بين كون أصله منهيًا عنه، ويين ترتيب الوجوب عليه، لكنَّ رتبته في المنع من الوصال أعلى من رتبة الصَّوم المندوب، وأدنى من رتبة الصَّوم الواجب بأصل، وفيه نظر، فيحتمل استواؤهما؛ لاستوائهما في الوجوب، ويحتمل افتراقهما؛ لاختلافهما في الإيجاب بأصل الشَّرع، أو بإيجاب الشَّخص دون الشَّرع. لكنَّ الوجوب في النَّذر؛ إنما هو للوفاء بما التزمه
стр. 879
العبد لله تعالى، وألا يدخل فيمن يقول ما لا يفعل.
وهذا بمفرده لا يقتضي استواءهما في المصالح، مع ما ثبت عنه ﷺ من النهي عن النَّذر مع وجوب الوفاء بالمنذور.
فلو كان مطلق الوجوب ممَّا يقتضي مساواة المنذور بغيره من الواجبات، لكان فعل الطَّاعة بعد النذر أفضل من فعلها قبل النذر، مع أنَّ فعل الطَّاعة قبل النَّذر داخل في قوله تعالى، فيما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ فيما رواه عن ربّه : "وما تقرَّبَ عبدي إليَّ بمثلِ أداءِ ما افترضت عليه" (١)، فيحمل النَّهي عن الوصال والبحث المذكور على أداء ما افترض بأصل الشَّرع؛ لأنَّه إذا حمل على العموم، كان النذر وسيلة إلى تحصيل الأفضل من الوصال وغيره، فكان يجب أن يكون مستحبًّا، ولم يقل أحد به، بل اتفقوا على كراهته.
ثم إن قوله ﷺ : "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ"، محمول
على مواصلة ترك الفطر وعدم تعجيله، لا على مواصلة الصَّوم المنهيِّ عنه؛ فإن
الليل غير قابل إجماعًا، وهذه الإباحة، بشرط ألا يفوّت بها حقًّا مستحبًا
ولا واجبًا.
وأمَّا قوله ﷺ : "إِني لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأسْقَى" معناه: الكناية عن القوَّة التي جعلها الله تعالى له، وإن لم يطعم ويسقى، بل يكون كمن أطعم وأسقي.
وقيل: يخلق الله تعالى فيه من الشِّبع والرّي ما يغنيه عن الطعام والشَّراب. وقيل: يطعم ويسقى حقيقة من طعام الجنَّة؛ كرامة له ﷺ .
والصَّحيح: الأول؛ لأنَّه لو كان حقيقة، لم يكن مواصلًا، ومما يوضِّح معنى أنه كناية عن القوَّة التي تكون فيمن أطعم وأسقي، ويقطع كلَّ تأويل، ما رواه مسلم في رواية "صحيحه": أن رسول الله ﷺ قال: "إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني" (٢).
стр. 880
ولفظة: أظلُّ، لا تستعمل إلا في النَّهار؛ فلو كان يأكل ويشرب حقيقةً، لما جاز إجماعًا، فدلَّ على أن المراد: الكناية عن القوَّة ونحوها، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: المنع من الوصال لغير النبيِّ ﷺ ، وقد اختلف السَّلف من الصَّحابة ﵃ وغيرهم من العلماء فيه، فمنهم من قال: إن قدر عليه ولا حرج في فعله، مستدلًا بقوله في "صحيح مسلم"، في بعض طرقه: نهاهم عن الوصال رحمةً لهم (١)، وهذا لا يمنع النَّهي عنه، وكونه مرجوحًا فعله؛ حيث إنَّ الشَّرع سدَّ باب الذرائع، ولما كان الوصال يؤدي غالبًا إلى المشقَّة وترك الواجب، منع منه؛ لئلَّا يتكلَّفوا ما يشقُّ عليهم؛ ولهذا قال ﷺ : "لَسْتُ مِثْلَكُمْ".
ومنهم من أجازه وفعله، فممن فعله من الصَّحابة: عبد الله بن الزبير، وابنه عامر بن عبد الله، حتى روي أنَّ عبد الله بن الزبير ﵁ كان يواصل سبعة أيَّام، حتى تتبيَّن أمعاؤه، فإذا كان اليوم السَّابع، أتي بسمن وصبر فَيتحساه (٢) حتى يفتق الأمعاء مخافة أن تنشقَّ بدخول الطَّعام فجأة فيها.
ومنهم من قال: لا يجوز الوصال، وهو قول الجمهور، ونصَّ الشَّافعي ﵀ عليه وأصحابه، ولهم في المنع منه وجهان:
أحدهما: منع كراهة، وأصحهما: منع تحريم؛ لأنَّه لا معنى للنَّهي إلا التحريم مع قوله ﷺ : "إذا أقبلَ اللَّيلُ من هاهنا، فقد أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، فأي وصال بقي؟
ومنهم من قال: يواصل إلى السَّحر، وبه قال ابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لحديث أبي سعيد، وقد تقدَّم الكلام عليه، والمراد منه، والله أعلم.