← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الغروب، ويكون بالمشرق ظاهرًا بارزًا؛ بأن يكون في واد؛ بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتبر إقبال الظلام، وإدبار الضياء. وجاء في رواية في هذا الحديث: "وغابت الشمس" (١)، وهي ملازمة للإقبال والإدبار، لكنَّها مخرجة على ما ذكرنا فيهما. وقوله ﷺ : "فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، معناه: فقد انقضى صومه وتمَّ، وصار في حكم المفطر، وإن لم يأكل، ويكون المعنى: فقد حل له الفطر بعد أن كان حرامًا، أو يكون المراد: فقد دخل في الفطر، وإن لم يأكل، كما يقال: أصبح، إذا دخل في وقت الصُّبح، وأمسى، وأظهر كذلك، ويكون مفطرًا شرعًا، لا حسًّا؛ كالعيدين والتشريق، وتكون الفائدة فيه: أنَّ اللَّيل غير قابل للصوم، وأنَّه بنفس دخوله خرج الصائم من الصَّوم. وعلى المعنى الأول: يكون دخول اللَّيل علامةً لجواز الفطر، وعلى الثاني: يكون فيه بيان امتناع الوصال، بمعنى الصَّوم الشرعي. فلا يكون من أمسك حسًّا صائمًا شرعًا، بل هو مفطر شرعًا، وفي ضمن ذلك إبطال فائدة الوصال شرعًا؛ إذ لا يحصل به ثواب الصَّوم. وقال بعضهم: لا يجوز الإمساك بعد الغروب، وهو كإمساك يوم الفطر، ويوم النَّحر، وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم، واحتجوا بأن الأحاديث الواردة في الوصال فيها ما يدل على النَّهي عن الوصال تخفيفا ورفقًا، وفي بعضها نهاهم عن الوصال رحمة لهم. وفي هذا الحديث فوائد: بيان وقت الصَّوم وتحديده. ومنها: الرَّد على أهل الكتاب وغيرهم من المتشيعة الذين قالوا: لا يفطر حتَّى تظهر النجوم.

стр. 877

ومنها: أنَّ الأمر الشرعي أبلغ من الحسِّي، وأنَّ العقل لا يقضي على الشَّرع، بل الشَّرع قاض عليه؛ حيث جعل دخول اللَّيل فطرًا شرعًا. ومنها: البيان بذكر اللَّازم والملزوم جميعا؛ فإن اللَّازم يلزم منه وجود اللزوم، ولا ينعكس؛ فإنَّه ﷺ ذكر إقبال اللَّيل، وهو لازم، وإدبار النهار، وهو ملزوم الفطر، للإيضاح والبيان، والله أعلم. * * * الحديث الحادي عشر عَنْ عَبد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصَالِ، قالوا: إِنَّكَ تُواصِلُ، قال: "إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" رواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس (١). ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: "فَأَيُّكُمْ أَرادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إِلى السَّحَرِ" (٢). أَمَّا ابن عمر ومن ذكر من الصحابة ﵃، فتقدم ذكرهم.

стр. 878

وأما قوله: "رواه أبو هريرة" إلى آخره، فيحتمل أنَّه ذكر روايتهم لتقرير النهي وتأكيده؛ حيث إنَّ كلًّا منهم متأخر التَّحمل عنه ﷺ ، والرواية، وذلك دليل على استقرار حكم النهي وعمومه. وأمَّا الوصال، فحقيقته: أن يتَّصل صوم اليوم الأول باليوم الثاني من غير فطر بينهما، فلا يتناول ذلك الفطر وقت السّحر، ولا يكون ذلك وصالًا، لكنَّه ﷺ قال: "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إِلى السَّحَر"، وذلك يقتضي تسميته وصالًا، فيكون صورة لا معنى. والحكمة في النَّهي عنه الملل المترتب عليه، والتعرُّض للتقصير في بعض وظائف الدِّين؛ من إتمام الصَّلاة، ووظائفها، وغيرها من وظائف العبادات المشروعة، في ليله ونهاره، أو ترك الصَّوم بالكلية، أو إبطاله، ولهذا المعنى نهى في الصَّوم عن الفصد والحجامة، ومنع من القبلة ونحوها فيه؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى إبطاله وإفساده، وما أدى إلى الفساد، فهو فاسد. ثمَّ الشيء قد يكون مأمورًا به بأصل الشرع؛ كالصوم، إِمَّا واجبًا، إِمَّا ندبًا، وقد يكون مأمورًا به، مترتَّبًا على إيجاب الشخص على نفسه؛ كالنَّذر، فإِنَّه منهي عنه بأصل الشَّرع، واجب الإتيان به، والحديث يعم النَّهي عن الوصال في ذلك جميعه. فإن كان في الواجب بأصل الشَّرع، كان تركه واجبًا، وإن كان في المندوب على قول من يوجب إتمامه من الفقهاء، فكذلك، وعلى قول من يستحبه، كان تركه مستحبًّا، وفعله مكروهًا. وأمَّا النذر: فهو متردد بين كون أصله منهيًا عنه، ويين ترتيب الوجوب عليه، لكنَّ رتبته في المنع من الوصال أعلى من رتبة الصَّوم المندوب، وأدنى من رتبة الصَّوم الواجب بأصل، وفيه نظر، فيحتمل استواؤهما؛ لاستوائهما في الوجوب، ويحتمل افتراقهما؛ لاختلافهما في الإيجاب بأصل الشَّرع، أو بإيجاب الشَّخص دون الشَّرع. لكنَّ الوجوب في النَّذر؛ إنما هو للوفاء بما التزمه

стр. 879

العبد لله تعالى، وألا يدخل فيمن يقول ما لا يفعل. وهذا بمفرده لا يقتضي استواءهما في المصالح، مع ما ثبت عنه ﷺ من النهي عن النَّذر مع وجوب الوفاء بالمنذور. فلو كان مطلق الوجوب ممَّا يقتضي مساواة المنذور بغيره من الواجبات، لكان فعل الطَّاعة بعد النذر أفضل من فعلها قبل النذر، مع أنَّ فعل الطَّاعة قبل النَّذر داخل في قوله تعالى، فيما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ فيما رواه عن ربّه : "وما تقرَّبَ عبدي إليَّ بمثلِ أداءِ ما افترضت عليه" (١)، فيحمل النَّهي عن الوصال والبحث المذكور على أداء ما افترض بأصل الشَّرع؛ لأنَّه إذا حمل على العموم، كان النذر وسيلة إلى تحصيل الأفضل من الوصال وغيره، فكان يجب أن يكون مستحبًّا، ولم يقل أحد به، بل اتفقوا على كراهته. ثم إن قوله ﷺ : "فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُواصِلَ، فَلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ"، محمول على مواصلة ترك الفطر وعدم تعجيله، لا على مواصلة الصَّوم المنهيِّ عنه؛ فإن الليل غير قابل إجماعًا، وهذه الإباحة، بشرط ألا يفوّت بها حقًّا مستحبًا ولا واجبًا. وأمَّا قوله ﷺ : "إِني لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأسْقَى" معناه: الكناية عن القوَّة التي جعلها الله تعالى له، وإن لم يطعم ويسقى، بل يكون كمن أطعم وأسقي. وقيل: يخلق الله تعالى فيه من الشِّبع والرّي ما يغنيه عن الطعام والشَّراب. وقيل: يطعم ويسقى حقيقة من طعام الجنَّة؛ كرامة له ﷺ . والصَّحيح: الأول؛ لأنَّه لو كان حقيقة، لم يكن مواصلًا، ومما يوضِّح معنى أنه كناية عن القوَّة التي تكون فيمن أطعم وأسقي، ويقطع كلَّ تأويل، ما رواه مسلم في رواية "صحيحه": أن رسول الله ﷺ قال: "إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني رَبِّي ويَسْقِيني" (٢).

стр. 880

ولفظة: أظلُّ، لا تستعمل إلا في النَّهار؛ فلو كان يأكل ويشرب حقيقةً، لما جاز إجماعًا، فدلَّ على أن المراد: الكناية عن القوَّة ونحوها، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: المنع من الوصال لغير النبيِّ ﷺ ، وقد اختلف السَّلف من الصَّحابة ﵃ وغيرهم من العلماء فيه، فمنهم من قال: إن قدر عليه ولا حرج في فعله، مستدلًا بقوله في "صحيح مسلم"، في بعض طرقه: نهاهم عن الوصال رحمةً لهم (١)، وهذا لا يمنع النَّهي عنه، وكونه مرجوحًا فعله؛ حيث إنَّ الشَّرع سدَّ باب الذرائع، ولما كان الوصال يؤدي غالبًا إلى المشقَّة وترك الواجب، منع منه؛ لئلَّا يتكلَّفوا ما يشقُّ عليهم؛ ولهذا قال ﷺ : "لَسْتُ مِثْلَكُمْ". ومنهم من أجازه وفعله، فممن فعله من الصَّحابة: عبد الله بن الزبير، وابنه عامر بن عبد الله، حتى روي أنَّ عبد الله بن الزبير ﵁ كان يواصل سبعة أيَّام، حتى تتبيَّن أمعاؤه، فإذا كان اليوم السَّابع، أتي بسمن وصبر فَيتحساه (٢) حتى يفتق الأمعاء مخافة أن تنشقَّ بدخول الطَّعام فجأة فيها. ومنهم من قال: لا يجوز الوصال، وهو قول الجمهور، ونصَّ الشَّافعي ﵀ عليه وأصحابه، ولهم في المنع منه وجهان: أحدهما: منع كراهة، وأصحهما: منع تحريم؛ لأنَّه لا معنى للنَّهي إلا التحريم مع قوله ﷺ : "إذا أقبلَ اللَّيلُ من هاهنا، فقد أَفْطَرَ الصَّائِمُ"، فأي وصال بقي؟ ومنهم من قال: يواصل إلى السَّحر، وبه قال ابن وهب، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لحديث أبي سعيد، وقد تقدَّم الكلام عليه، والمراد منه، والله أعلم.

стр. 881

أَمَّا النبي ﷺ ، فالوصال من خصائصه التي أبيحت له، وهو محرَّم على أمَّته، قاله العلماء؛ كالخطابي وغيره من الشافعية، لا اختلاف فيه، لكنَّه من باب الإكرام له، والتخفيف عنه، وليس من باب التشديد والتَّثقيل عليه ﷺ ، والله أعلم. ومنها: أن الأتباع إذا رأوا من متبوعهم شيئًا مخالفًا لما أمرهم به، أو نهاهم عنه، سألوه عنه. ومنها: أنَّ [المتبوع] يبيّنه لهم، ويذكر لهم علته. ومنها: ما اختصَّ الله تعالى به نبيه محمَّدًا ﷺ من الأحكام دون غيره؛ تكريمًا له، وتشريفًا ولطفًا، وتعريفا لقدره ﷺ ، وتبيينًا لعظيم رتبته عند ربِّه . ومنها: بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر للخلق؛ لأنَّه لو كان السَّبب في وصاله ﷺ ظاهرًا، لما سألوه عنه، ولما احتاج إلى البيان لهم، والله أعلم. ولا شكَّ أن الله تعالى أجرى الأشياء كُلَّها على الأسباب، لكن بعضها يكون ظاهرًا لكلِّ أحد، وبعضها يكون خفيًّا لا يعلمه إلا الخواص، فيتوهم أنه جرى على غير سبب، فليعلم ذلك! والحكمة في ذلك جميعه: تعريف قدرة الله في الأسباب والمسببات، وأنَّه واحد في ذاته وصفاته ومخلوقاته، أَلا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. * * *

стр. 882

باب أفضل الصِّيام وغيره فيه أحاديث. الحديث الأوَّل عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أقولُ: والله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فقلتُ لَهُ: قَدْ قلتُهُ بأبِي أنْتَ وأُمِّي، فقال: "فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ"، قَالَ: "فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْر ثَلاثَةَ أَيَّامِ؛ فَإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَام الدَّهْرِ"، قُلتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قال: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ"، قُلتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيامُ دَاوُدَ ﷺ ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَام"، فَقَالَ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ (١). وفي رواية: "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ، شَطْرُ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا وأَفْطِرْ يَوْمًا (٢).

стр. 883

تقدَّم الكلام على عبد الله بن عمرو بن العاص. أَمَّا قوله ﷺ : "فَإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ"؛ عدم الاستطاعة تطلق بمعنيين: أحدهما: المتعذر مطلقًا، الَّذي لا يمكن، والثاني: الشَّاق على الفاعل. والحديث محمول على الثاني، وحمل بعضهم على الأول: قوله تعالى ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، حمله على المستحيل، حتى أخذ منه جواز تكليف ما لا يطاق، وحمل بعضهم الآية على ما يشق، وهو الأقرب، ويمكن أن يحمل الحديث على المتعذر الممتنع، إما لكبر السِّن، وأعلم النَّبي وأنَّه سيصير إلى سن لا يستطيع فعل ما التزمه، وإمَّا لاستحقاق الزمن الَّذي التزم فيه ما التزمه أمورًا يتعذر فعل ذلك فيها؛ حيث إنه ﷺ علم أنه لا يستطيع ذلك مع القيام ببقية المصالح المرعية شرعًا. وقوله ﷺ : "وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهْرِ" اعلم أن المثليَّة ترد في الأحاديث كثيرًا، والمراد بها القول الحسِّي الواقع في الخارج؛ للحث على فعل المذكور من غير تضعيف الحسنات فيها؛ كالممثل به؛ حيث إنَّ المقدر لا يكون كالمحقق؛ فإنَّ القواعد اقتضت ذلك؛ فالحسنات تتفاوت بحسب تفاوت المصالح بالمشقة بالفعل وغيره؛ فكيف تستوي من فعل الشيء بمن قدرته؛ لكنَّ المراد في نظر الشارع في التَّقدير؛ الفعل المرتب عليه التضعيف في التَّحقيق. ومن هاهنا استدلَّ على جواز صوم الدهر استحبابًا؛ من حيث إنَّ صوم ثلاثة أَيَّام من الشَّهر مرغَّب فيها؛ كترغيب صوم الدَّهر. ولا يجوز أن تكون جهة الترغيب هي جهة النَّهي، وسبيل الجواب في النَّهي عن صوم الدهر -عند من قال به- متعلَّق بالفعل الحقيقي، وهو في كلِّ الأوقات الجائز الصوم فيها، والمنهي عنه فيها، وجهة الثَّواب ها هنا حصوله على الوجه التَّقديري، وهو غير الحقيقي، فاختلف جهة الترغيب والنَّهي فإنَّ صوم الدَّهر حسًّا، غيرُ صومه شرعًا، والذين قالوا باستحبابه قالوا: بشرط ألا يعطل عن حق شرعي، فإن عطل، كان مكروهًا، وعليه نزل قوله ﷺ : "لا صَامَ مَن صَامَ

стр. 884

الأَبَدَ" (١)، مع أنَّ الأبد لا يقتضي دخول الأيام المنهي عنها فيه. وهذا الاشتراط لا بأس به، لكنَّ الدليل الدَّال على كراهة صوم الدَّهر أقوى منه دلالة، فالعمل بالأقوى أولى وأوجب، والذين أجازوا صومه، حملوا النَّهي على من عجز عنه، أو اقترن به لزوم تعطيل مصالح راجحة عليه، أو متعلقة بحقِّ الغير؛ كالزوجة مثلًا. وفي هذا الحديث أحكام: منها: أنَّ الكبير العالم إذا بلغه عن بعض أصحابه أمر يخالف الأولى في حقه، أو مطلقًا، أن ينبهه عليه، [ويبينه] له. ومنها: أنَّ التزام الطَّاعات الشَّاقات التي لا يستطاع القيام بها، أو الدَّوام عليها، غيرُ لازمة. ومنها: أنَّ الإنسان إذا سئل عما نقل عنه، يجيب بالواقع، ولا يورِّي؛ خصوصًا فيما يتعلَّق بالعبادات. ومنها: التفدية بالآباء والأمهات لكبار العلماء، وصدقهم، وجوابهم بأحسن العبارات. ومنها: أنَّ الشخص لا يعمل إلا ما يستطيع الدَّوام عليه، ويراعي في ذلك حقَّ الله ، وحقَّ نفسه، وحقَّ غيره. ومنها: بذل الوسع في الاجتهاد في العبادات على حسب الطاقة، وأداء غيرها من الطاعات. ومنها: جواز صوم الدَّهر، غير الأيام الخمسة المنهي عنها، وهو مذهب الجمهور. وقد سرد الصَّوم عمرُ بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنتين، وسرده

стр. 885

أبو الدَّرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة ﵃ زوجا رسول الله ﷺ ، وأسماء بنت أبي بكر، وجماعة من التَّابعين. وقال الإمام الشَّافعي - رحمه الله تعالى -: فإن قوي على صوم الدَّهر، إذا أفطر الأيام التي نهى عنها الشَّرع، فحسن، ومنع أهل الظاهر صيام الدَّهر؛ لقوله ﷺ : "لا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَد" (١)، أو: "مَا صَامَ وَلَا أَفْطَر" (٢)، وتأوَّلهُ مخالفوهم على من صام الدَّهر بالأيام المنهي عنها، وهو جواب عائشة ﵂، وهو حقيقة صوم الأبد كما ذكرناه، فمن صام هذه الأيام مع غيرها، فهو صائم الأبد، ومن أفطرها، لم يصم الأبد. إلا أنَّ في هذا خروجًا عن الحقيقة الشَّرعية في مدلول لفظة "صام"؛ حيث إنَّها غير قابلة للصوم شرعًا، فإن وقعت المحافظة على حقيقة الأبد، فقد وقع الإخلال بحقيقة لفظ: "صام الأبد" شرعًا، فيجب أنَّ يحملوا ذلك على الصَّوم اللُّغوي، وإذا دار اللَّفظ بين حمله على مدلول اللُّغة، ومدلولِ صاحب الشَّرع في ألفاظه، حُمل على الحقيقة الشرعية، مع أنَّ تعليق الحكم بصوم الأبد يقتضي ظاهره أنَّ الأبد متعلِّق الحكم من حيث هو أمد، وإذا وقع الصَّوم في هذه الأيام، فعلَّته وقوعُه في الوقت المنهي عنه، فعلَّته ترتب الحكم، ويبقى ترتيبه على مسمى الأبد غير واقع؛ فإنه إذا صام هذه الأيام، تعلَّق به النَّهي، سواء صام غيرها، أو أفطر، فلا يبقى متعلق النَّهي، وعلَّته: صوم الأبد، بل صوم هذه الأيام، إلا أنَّه لمَّا كان صوم الأبد يلزم منه صوم هذه الأيام، تعلَّق به النَّهي؛ لكونه ملزومًا للنهي عنه، فمن هنا نظر المؤولون لهذا التأويل، وتركوا التعليل بخصوص صوم الأبد. تأويل ثانٍ: أنه محمول على من تضرَّر به، أو فوَّت حقًّا، كما ذكرنا.

стр. 886

تأويل ثالث: أنَّ معنى "لا صام من صام الأبد": أنَّه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره ممن صام وأفطر، فيكون "لا صام الأبد" خبرًا، لا دعاءً، مع أنَّ نهي عبد الله بن عمرو وخطابه بذلك كان لعلم النَّبي ﷺ بعجزه آخر عمره، فعجز وندم على كونه لم يقبل الرخصة، فنهيه عنه لعلمه بأنه سيعجز، وإقراره لحمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرورة. وقد اختلف الفقهاء في الأفضل من صوم يوم ويوم، أو صوم الدَّهر غير الأيام المنهي عنها، مع اتِّفاقهم على جواز الأمرين إذا لم يتضرَّر بواحد منهما، ولم يفوت حقًّا، فاستدلَّ من قال بأفضلية صوم يوم ويوم بهذا الحديث، وهو قوله ﷺ : "وهو أَفْضَلُ الصِّيامِ"، وفي رواية: "أَحَبَّ الصِّيامِ إِلى اللهِ"، وهو أقوى الصيام في ذلك. واستدلَّ من قال بأفضلية صوم الدَّهر بالشرط المذكور بأنَّ العمل كلَّما كان أكثر، كان الأجر أوفر، وهذا هو الأصل، فيحتاج إلى تأويل قول من قال بأفضلية يوم ويوم، ودليلهم. فقيل: إنَّه أفضل بالنسبة إلى حال مَنْ حالُه مثل عبد الله بن عمرو ممَّن يتعذَّر عليه الصَّوم الأكثر وبين القيام بالحقوق. وقال شيخنا الإمام أبو الفتح ﵀ (١): والأقرب عندي أنَّ يجري على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود ﷺ ، والسَّبب فيه؛ أنَّ الأقوال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس ذلك معلومًا لنا، ولا منحصرًا، فإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار كل واحد منهما في الحثِّ والمنع غير محقق لنا، فالطريق حينئذ؛ أنَّ يفوّض الحكم إلى صاحب الشَّرع، ويجري على ما دلَّ عليه ظاهر اللَّفظ مع قوَّة الظَّاهر هاهُنا. وأَمَّا زيادة العمل، واقتضاء القاعدة زيادةَ الأجر بسببه، فيعارضه اقتضاء

стр. 887

العادة والجبلَّة والتَّقصير في حقوق يعارضها الصَّوم الدَّائم، ومقادير ذلك بالفائت مع مقادير الحاصل من الصَّوم، غير معلوم لنا. وقوله ﷺ : "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ"؛ يحمل على أنَّه لا فوق في الفضيلة المسؤول عنها. قلت: والذي تقتضيه الأدلَّة كلُّها، وفعل الصَّحابة ﵃ وغيرهم، وتقرير حمزة بن عمرو وغيره، وأمره ﷺ بإكثار الصَّوم لمن لا يستمع التَّزوج، وسرده ﷺ الصَّوم في بعض الشُّهور والإفطار في بعضها، وتخفيف المشقة في الصَّوم سردًا، والمشقة في تفريقه يومًا يومًا: أنَّ الأفضلية تختلف باختلاف الأشخاص، على حسب حاجتهم إليه، والقيام بحقوق الله ، وفي غيره لا [يتقدر] بصوم يوم يوم، ولا بالسَّرد؛ جمعًا بين الأدلة، والثَّواب وكثرته وقلَّته راجع إلى ما ذكرته، لا إلى كثرة العمل وقلَّته، بل إلى الإخلاص فيه والمقاصد، فربَّ عمل قليل أفضلُ من كثير، والذي ذكر من الترجيحات، إنَّما هو بالنِّسبة إلى الظاهر، والله سبحانه أعلم. ومنها: استحباب صيام ثلاثة أيَّام من كل شهر، وقد اختلف العلماء في تعيينها اختلافًا كثيرًا، وهو اختلاف في تعيين الأحسن، والأفضل لا غير. وليس في هذا الحديث شيء مما يدل على تعيين شيء، بل فيه تعليله بأنَّ الحسنة تضاعف بعشر أمثالها. وقد كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، ولم يكن يبالي من أي الشَّهر كان يصوم، وقد أمر ﷺ بالصوم من سرة الشَّهر، ومن سرر الشَّهر، ولا شك أنَّ سرة الشَّهر وسطُه، فيكون المراد بالثلاثة: الأيامَ البيض؛ وهي الثالثَ عشرَ، والرابع عشر، والخامس عشر، وجاءت مبينة في حديث عن النَّبي ﷺ في التِّرمذي، وغيره (١). ولعلَّ النَّبي ﷺ نبه بسرة الشَّهر، وبحديث الترمذي في أيَّام البيض، على

стр. 888

أفضليتها، لا على كونها ثلاثًا من كل شهر، كما نبَّه على صوم الاثنين والخميس، ومعلوم أنهما متكرران في كل شهر، وسررُ الشَّهر أوله، وقيل: آخره، وقيل: وسطه، وخياره وأفضله لغة. وقد وقع الأمر بصوم الثَّلاث أول الشَّهر، وقد وقع آخره، وكل ذلك يبين أنه لا حرج في ذلك، وأنَّ الاختلاف إنَّما هو في الأحسن الأفضل. ومنها: كراهة قيام كل اللَّيل، ونقلت الكراهة عن جماعة، ودليلهم: رد النَّبي ﷺ ذلك على من أراده، ولما يتعلق بفعله من الإجحاف بوظائف من الدِّين وغيره عديدة، وقال أصحاب الشَّافعي ﵏: يُكره قيام كل اللَّيل دائما لكل واحد، وفرَّقوا بينه وبين صوم الدَّهر في حقِّ من لا يتضرَّر به، ولا يفوِّت حقًّا؛ بأن صلاة اللَّيل كلِّه لا بدَّ فيها من الإضرار بنفسه، وتفويت بعض الحقوق؛ لأنَّه إن لم ينم بالنَّهار، فهو ضرر ظاهر، وإن نام نومًا ينجبر فيه سهره، فوَّت بعض الحقوق، بخلاف من يصلِّي بعض اللَّيل؛ فإئه يستغني بنوم باقيه، وإن نام معه شيئًا في النَّهار، كان يسيرًا لا يفوت به حق، وكذا من قام ليلة كاملة، كليلة العيد أو غيرها، لا دائمًا؛ فإنَّه لا كراهة في ذلك؛ لعدم الضرر فيه، والله أعلم. وتأوَّل جماعة من المتعبدين من السَّلف وغيرهم ردَّ النَّبي ﷺ قيام كلِّ اللَّيل والنَّهي عنه على الرِّفق بالمكلَّف فقط، لا على الكراهة الشرعية، والله أعلم. ومنها: استدراج الشيخ المربي أتباعه في عبادات الصوم والصلاة وغيرها من الأخف إلى الأثقل؛ لتتمرَّن نفوسهم عليها من غير كراهة ولا ملل يؤدي إلى التَّرك بالكليَّة، وهذه سنَّة الله في وحيه وتنزيله، ورسله - صلى الله عليهم وسلم -. ومنها: مراعاته ﷺ للأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - في الاتباع؛ حيث ذكرهم الله في كتابه العزيز، وأمره ﷺ بالاقتداء بهم في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] الذين من جملتهم في الذكر داود ﷺ .

стр. 889

ومنها: بيان كرم الله تعالى في تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، وأما السيئات، فلا تضاعف، بل جزاء السيئة مثلها، إن لم يقترن بفعلها انتهاك حرمة شخص، أو مكان أو زمان، فإن اقترن بفعلها شيء من ذلك، كانت مضاعفة؛ كالمعاصي من أقارب الأولياء والعلماء والصَّالحين، أو منهم، وفي الأشهر الحرم والأزمنة الفاضلة، وفي الحرم والمساجد، والمواضع الفاضلة الشَّريفة، وبجوار الأولياء والصَّالحين، والله أعلم. ومنها: الشَّفقة على الأتباع، والتَّخفيف عنهم، وأمرهم بإعطاء النَّفس حقَّها من الرَّاحة وغيرها؛ من الأكل والنَّوم، خصوصًا إذا نوى بذلك امتثال الأمر؛ فإن جميعه يكون طاعات وعبادات من الآمر والمأمور، والله أعلم. ومنها: أنَّ الشَّخص إذا نوى فعل طاعات لا يستطيع القيام بها، لا تلزمه، لكنَّه يثاب على نيَّته إن لم يكن في الفعل طاعة محظورة. * * * الحديث الثّاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -أيضًا- قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وأَحَبَّ الصَّلَاةِ إلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا" (١). تقدَّم الكلام على الصَّوم في الحديث قبله مبسُوطًا، وتقدَّم الكلام على قيام اللَّيل كله. أمَّا قيام بعض اللَّيل، فهو سنَّة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وأفضل قيام اللَّيل في النِّصف الأخير منه، وأي وقت قام فيه منه، كان إتيانًا بالسّنّة، وكان فاعله ممن يتجافى جنبه عن المضاجع، حتَّى وردت السُّنَّة بذلك في حقِّ من قام بين المغرب

стр. 890

والعشاء، لكنَّ القيام بين المغرب والعشاء لا يسمَّى تهجُّدًا، بل التَّهجُّد في عُرْف الشَّرع: من قام بين فعل العشاء ونومه وطلوع الفجر، ووسطُ اللَّيل أفضل من الأول والأخير، وإن كانت الصلاة آخر اللَّيل مشهودة؛ لما فيه من نوم النَّاس وغفلتهم عنها، وقد ورد في حديث حسن: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ذاكرُ اللهِ في الغافلينَ كشجرةٍ خضراءَ بينَ أشجارِ يابسةٍ" (١). والمراد بالوسط: ما في حديث ابن عمرو من فعل داود ﷺ هذا، وهو الثلث الَّذي بين النِّصف الأول والسدس الأخير، وإن كان في عبارة أبي إسحاق الشّيرازي في "التَّنبيه" (٢) ما يخالف ظاهره ذلك بقوله: والثُّلث الأوسط أفضلُ من الأول والأخير، لكنَّ المراد به هذا الَّذي ذكرناه. وإنما كان ذلك أفضل؛ لما فيه من مصلحة الإبقاء على النفس، واستقبال صلاة الصبح وأذكار النَّهار بالنَّشاط، والَّذي يقدَّر في الصُّوم من المعارض وارد هنا من أنَّ زيادة العمل تقتضي زيادة الفضيلة، والكلام فيه كالكلام في الصوم من تفويض مقابلة المصالح والمفاسد إلى صاحب الشَّرع، ومن مصالح القيام على ما في هذا الحديث أنَّه أقرب إلى عدم الرِّياء في العمل؛ فإن من نام السُّدس الأخير، فإن نفسه تكون مجموعة غير منهوكة، لا يظهر عليها أثر العمل عند من يراه، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوْتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ (٣).

стр. 891

أمَّا قول أبي هريرة ﵁ وغيره:: "خليلي" يصفون النَّبي ﷺ بذلك، ويضيفون خلته ﷺ إلى نفوسهم؛ تشرُّفًا بها، فهذا جائز لا بأس به، وقد وقع من جماعة من الصَّحابة ﵃ غير أبي هريرة، من غير نكير، بل ذلك مستعمل إلى الآن، لكنَّه بالمعنى الذي ذكرناه. أمَّا إضافتها إليه ﷺ بمعنى أنَّه اتخذهم، أو أحدًا منهم خليلًا، فهذا لا يجوز؛ لأنَّه ﷺ نفاها عنهم، وأثبتها لنفسه، وأضافها إلى الله تعالى. وأمَّا مخاللة الإيمان والإسلام، فهذا جائز بالاتفاق، فإن الله ، ورسوله ﷺ قد أثبتاها في الكتاب والسنة، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال ﷺ : "المسلم أخو المسلم" (١)، ومعنى الأخوة: المخاللة بهذا الوصف، والله أعلم. وأمَّا إيصاؤه ﷺ بهذه الثَّلاث، فلِمَا في المحافظة عليها من الخيرات الدُّنيوية والأخروية، منها: التمرين للنَّفس على النَّوافل [المعينة] من الصَّوم والصَّلاة؛ لكي تدخل في الواجب منهما بانشراح واسترواح، ولينجبر بها مع ما يقع فيه من نقص، ولإذهاب السَّيئات؛ فإن الحسنات يذهبْنَ السَّيئات، ولتضعيف الحسنات؛ كما علل ﷺ صوم ثلاثة أَيَّام من الشهر في الحديث قبله، بقوله: "فإنَّ الحسنةَ بعشرةِ أمثالها"، وكان صومها يعدل صيام الشَّهر، ولعل الحكمة فيه تحصيل العلم بالفرق بين أنَّ يصوم الشَّهر تقديرًا وتخفيفًا. وأمَّا صلاة الضُّحى، فلأنَّ الركعتين منها تجزى عن الصدقات التي تصبح في كلِّ يوم على مفاصل ابن آدم، وهي ثلاث مئة مفصل وستون، وقد ورد في السُّنَّة الحثُّ على فعلها، وصنف الحاكم أبو عبد الله الحافظ فيها كتابًا مستقلًا، وفيه فوائد جمَّة، وذكر فيه حديثًا أنَّه يقرأ في الركعة الأولى منها بعد سورة الفاتحة:

стр. 892

والشمس وضحاها، وفي الثَّانية: سورة: والضُّحى. لكنَّ الحديث ضعيف، وهو حسن العمل به فيهما، مناسب لها، والله أعلم. ولا شكَّ أنَّ عدد ركعات صلاة الضُّحى له أكثر وأقل وأوسط، فبلغ الحاكم في كتابهِ المذكور بأكثرها إلى اثنتي عشرة ركعة، وهذا الحديث بيان لأقلِّها، وهو ركعتان، والوسط ما بينهما، وله درجات، وهي سنَّة مستحبَّة محثوث عليها بلا شك، وعدم مواظبته ﷺ عليها لا يدل على عدم استحبابها؛ فإن الاستحباب يقوم بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أنَّ تتظافر عليه الأدلة، بل ما واظب عليه ﷺ وتترجح مرتبته على هذا، وعلى ما لم يواظب عليه ظاهرًا. وأمَّا النَّوم على الوتر، فتقدَّم الكلام عليه في الحديث الثَّاني من باب الوتر، في تقديمه وتأخيره، ورد فيه حديث يقتضي الفرق بين من يثق بنفسه القيام آخر اللَّيل، وبين من لم يثق، فعلى هذا تكون وصيته ﷺ هذه مخصوصة بمن حاله كحال أبي هريرة ﵁ ومن وافقه، والله أعلم. وفي هذا الحديث: استحباب وصية العالم أصحابه بالمندوبات وفعلها. وفيه: استحباب صيام ثلاثة أَيَّام من كلِّ شهر. وفيه: استحباب ركعتين من الضُّحى كل يوم. وفيه: شرعية الوتر، وأنه يفعل قبل النوم، على ما بينَّاه، والله أعلم. * * * الحديث الرَّابع عَنْ محمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: سألتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يوْمِ الجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وزاد مسلم: وَرَبِّ الكَعْبَةِ! (١). أمَّا محمَّدُ بنُ عبد الله بنِ جعفرٍ؛ فهو تابعيٌّ قرشيٌّ مخزوميٌّ مكِّيٌّ، ثقة، قليل

стр. 893

الحديث، وثَّقه أبو زُرعة وابنُ معين، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن معين: مشهور، وقال أبو حاتم: لا بأس بحديثه. روى له البخاري ومسلم وغيرهما، واسم أبي جدِّه جعفرِ: رفاعةُ بن أميَّة بن عابد -بالباء الموحَّدة- بنِ عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمُّه زينبُ بنت عبد الله بن السَّائب بن أبي السَّائب المخزومي، وسمع أيضًا عبدَ الله بن عمر، وأبا هريرة، وعبد الله بنَ عمرِو بن العاص، وغيرهم، وروى عنه جماعة (١). وأمَّا جابر، فتقدَّم ذكره. وهذا الحديث نص صريح في النَّهي عن صوم يوم الجمعة بمفرده، كيف وقد أقسم جابر في جوابه عن نهي النَّبي ﷺ عن صومه بربِّ الكعبة، وأما بمفرده جمعًا بينه وبين الأحاديث الصَّحيحة الثابتة في عدم كراهة صومه، إذا صام يومًا قبله أو بعده، أو كان صوم يصومه عادة بنذر أو غيره، وأمَّا إذا لم يكن من ذلك، فهو مكروه، وبه قال من الصَّحابة ﵃: أبو هريرة، وسلمان، وهو مذهب الشافعي ﵀، وأصحابه، وقال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامُه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحرَّاه (٢)، وقد قيل: إنَّ الَّذي كان يتحرَّى صومه: محمَّد بن المنكدر، وهو الَّذي رىه مالك، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسُّنّة مقدمة على ما رآه هو وغيره، والنَّهي ثابت من غير نسخ له، فتعين القول به. ومالك ﵀ معذور؛ حيث لم تبلغه هذه السُّنَّة، ولو بلغته، لقال بها، كيف وهو - رحمه الله تعالى - يقول: كل أحد مأخوذ من قوله ومتروك، إلا

стр. 894

صاحب هذا القبر -يشير إلى النَّبي ﷺ (١)؟! قال الداودي -وكان من أصحاب مالك-: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه، لم يخالفه (٢). واختلف العلماء في علَّة النَّهي عن صوم يوم الجمعة، والحكمة، فروي عن علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه -، وأبي ذر ﵄: أنَّهما قالا: إنَّه يوم عيد وطعام وشراب، فلا ينبغي صيامه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأورد الطَّحاوي في ذلك حديثًا مسندًا، غير أنَّ في سنده مقالًا، وبيَّنه بعضهم، ولفظه أنَّه ﷺ قال: "لا تصوموا يوم الجمعة" فإنَّه يومُ عيد، إلا أَنْ تَصِلوه بأيام" (٣)، يريد به: بعض الأَيَّام. وقال بعضهم: يوم الجمعة يومُ دعاء وذكر وعبادة؛ من الغسل، والتبكير إلى الصَّلاة، وانتظارها، واستماع الخطبة، وإكثار الذِّكر بعدها؛ لقول الله : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، وغير ذلك من العبادات في يومها، ويستحبُّ الفطر فيه؛ ليكون أعون له على هذه الوظائف، وأدائها بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير صوم الحاج يوم عرفة بعرفة؛ فإنَّ السُّنَّة فيه الفطر؛ لهذه الحكمة. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتم من العلَّة والحكمة، لم يزل النهي والكراهة بصوم قبله أو بعده؛ لبقاء هذا المعنى، والجواب أنه يحصل له بفضيلة الصوم الَّذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في [وظائف] يوم الجمعة بسبب صومه، فهذا هو المعتمد في الحكمة في النَّهي عن إفراد صوم

стр. 895

الجمعة، وقال بعضهم: سببه خشية أنَّ يستمر على صومه، فيعتقد فرضه، وهذا منتقض بصوم الأيام الَّتي حضَّ الشرع على صيامها؛ فإنها مشروعة الصِّيام والمواظبة عليها من غير كراهة، ولم تترك لخوف اعتقاد وجوبها، كيف وهو ﷺ لم يبيِّن هذا المعنى هنا كما بيَّنه في قيام رمضان؟! ولما زال المعنى، اتفق الصَّحابة ﵃ على قيامه. وأجمع المسلمون على فعله من غير اعتقاد وجوبه، وبيَّن ذلك عمر ﵁، وهو مستمر إلى الآن من غير نكير. وقيل: خشية أنَّ يعظم بالصوم، كما عظَّمت اليهود والنَّصارى السَّبت والأحد من ترك العمل، وهذا باطل؛ فإنَّ تعظيم يوم الجمعة ثابت مبيَّن في الكتاب والسُّنَّة بأمور كثيرة، ولا يلزم من تعظيمه بالصَّوم لو كان مشروعًا التَّشبُّهُ بالسَّبتية والأحدية، فإنَّهم لا يعظمونه بذلك، لم يكن نهيه ﷺ عن صومه ملزومًا بالتشبه بهم، ولا لازمًا، بل لأمر اطلع عليه ﷺ ، كيف وهم يعظِّمون سبتهم وأحدَهم بالأكل والشُّرب؛ فقد روى أبو حاتم بن حبَّان في "صحيحه" عن أم سلمة ﵂: أنَّ رسول الله أكثرَ ما كان يصوم من الأيام، يوم السَّبت والأحد، وكان يقول: "إنَّهما عيدانِ للمشركينَ، وأنا أريدُ أنْ أخالفَهم" (١). ومعلوم أنَّ يوم العيد يومُ أكل وشرب، ويترك العمل والسعي في مصالحهم، وقد كانوا أمروا بيوم الجمعة كما أمرنا به، فخالفوا وبدَّلوا، فجعل عليهم غضبًا وتغليظًا، وتعظيم يوم الجمعة معروت عندهم، لكنَّهم غيَّروا وبدَّلوا. والَّذي يقع التَّشبُّه بهم فيه ترك العمل، كما يفعله المصريون في هذه الأزمنة؛ فإنَّهم تشبَّهوا فيه بسبت اليهود، وكان ﷺ يزور قباء كلَّ سبت، والله أعلم. وفي الحديث دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لتحقق الأمر.

стр. 896

وفيه: إضافة الرُّبوبية إلى المخلوقات المعظَّمة تشريفًا لها وتفخيمًا. وفيه: السؤال عن العلم للعلماء. وفيه: جواب المفتي بنعم، والله أعلم. * * * الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يقولُ: "لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ" (١). حديث أبي هريرة هذا يبيِّن المطلق في الحديث قبله، وقد تقدَّمت الحكمة في النَّهي عن صومه مستوفاة، والحكمة في زوال الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده؛ بأنه جبر لما وقع من التقصير بصومه، وترك شيء من الوظائف، أو أكمليتها بسببه. وقد ذكر بعضهم أنَّ الحكمة في رفع الكراهة بصوم يوم قبله تمرنه به، فيخف عليه مشقته لو كان مفردًا. أمَّا صوم يوم بعده، فلا يتأتَّى فيه هذا، مع أنه ورد في صوم يوم السَّبت مع الأحد، وأنَّه سنَّة حديثٌ حسن أو صحيح عن أم سلمة كما ذكرناه في الكلام على الحديث قبله قريبًا، وورد النَّهي عن صوم السَّبت وحده في حديث صحيح أو حسن؛ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تصوموا يومَ السَّبت إلَّا فيما افْتُرِضَ عليكم، ولو لم يجدْ أحدُكُمْ إلا لحاءَ شجرةٍ فليفطر عليهِ" (٢).

стр. 897

وقوله ﷺ : "إلا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، لا يقتضي لغة إتباعهما ليوم الجمعة، وإن اقتضاه عرفًا؛ فإنَّ القبلية والبعدية تصدق، وإن لم يكونا تباعًا له، خصوصًا على الحكمة في كونهما جبرًا لما وقع من التَّقصير فيه، أمَّا من علَّل بتخفيف المشقَّة، فلا يتاتَّى ذلك. قال أصحاب الشَّافعي: يكره إفراد يوم السَّبت بالصَّوم؛ لهذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود، والتِّرمذي، والنِّسائي، وابن ماجه، وابن حبَّان في "صحيحه"، وحسَّنه الترمذي، وقال النَّسائي: أحاديثه مضطربة، فيقتضي ذلك ضعفه عنده. وقال أبو داود بعد روايته له: هذا الحديث منسوخ، ولعلَّ نسخه عنده بصوم السَّبت والأحد؛ لكونهما عيدين للمشركين. والمدعى إفراده بالصوم، فإذا صام الجمعة والسَّبت، زالت الكراهة فيهما، وكذا إذا صام السَّبت والأحد، زالت الكراهة اتِّفاقًا، والله أعلم. وقد يقتضي هذا الحديث أنَّ العلَّة في النَّهي عن صوم الجمعة إفراده به بالقصد، ولا شكَّ أنَّ ذلك عامٌّ بالنِّسبة إلى كلِّ الأمة، وليس فيه دليل على جماعة غيره من الصَّوم وتخصيصه به، بل فيه دليل على جواز صوم غيره معه، إمَّا تباعًا، أو مفردًا على ما ذكرناه، والله أعلم. * * * الحديث السَّادس عَنْ أَبي عُبَيْدٍ - مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ - واسمُهُ سَعْدُ بنُ عُبيدٍ، قالَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخطَّاب ﵁، فقال: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ (١). أمَّا أبو عبيد: فهو تابعي مدني ثقة، زهريٌّ، مولى عبد الرحمن بن أزهر بن

стр. 898

عبد عوف، ويقال: مولى عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن عمه، فإنَّ أزهر وعوفا أخوان، وهما ابنا عبد عوف، وسمع عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة. روى عنه الزّهري، وسعد بن خالد القارطي، قال الزّهري: كان من القدماء وأهل الفقه، توفي بالمدينة سنة ثمان وتسعين، وروى له البخاري ومسلم، وغيرهما (١). قوله: "يَوْمُ فِطْرِكُمْ" مرفوع، إمَّا على أنَّه بدل من يومان، وإمَّا على أنه خبر مبتدأ تقديره: أحدهما، ووصفهما بالفطر والنُّسك؛ لتبيين العلة لفطرهما، وهو الفصل من الصوم واشتهار تمامه، وحده يفطر ما بعده، والآخر لأجل النُّسك المتقرّب بها فيه ليؤكل منها، ولو كان يوم صوم، لم يؤكل منها فيه ذلك اليوم، فلم يكن لنحره فيه معنى. قيل: فطرهما شرع غير معلل. والنُّسك هنا عبارة عن الذَّبيحة المتقرَّب بها إلى الله ، وفرق بعض الفقهاء بين الهدي والنُّسك، وأجاز الأكل، إلا من فدية الآدمي، ونذر المساكين، وهدي التَّطوُّع إذا عطب قبل محله. وجعل الهدي جزاء الصَّيد، وما وجب لنقص في حج أو عمرة. وفي هذا الحديث دليل على تحريم الصَّوم يومي العيد بكل حال، سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك؛ من قضاء فرض، أو متمتِّع، وهذا كله إجماع من الأئمة لا نزاع فيه. ولو نذر ناذر صيام يوم بعينه، فوافق ذلك يوم فطر أو أضحى، فأجمعوا أنَّه لا يصومهما، وهل يلزم قضاؤهما؛ فيه خلاف للعلماء، وهو قولان للشافعي:

стр. 899

أصحُّهما: لا يجب القضاء؛ لأنَّ النَّهي يقتضي التحريم، والتحريم العائد على الوصف للشيء وذاته يقتضي الفساد، وإذا اقتضى ذلك لم يقتضِ القضاء؛ إذ القضاء لا يجب إلا بأمر محدد، وهو الرَّاجح عند الأصوليين. أمَّا إذا نذر صومهما معتمدًا لعينهما، فقال الشَّافعي والجمهور: لا ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاؤهما. وقال أبو حنيفة: ينعقد قضاؤهما. قال: فإن صامهما، أجزأه، وخالف النَّاس كلَّهم في ذلك. ولا شكَّ أنَّ الحنفية قالوا: إذا نذر صوم العيد وأيام التَّشريق، صحَّ نذره، وخرج عن العهد بصوم ذلك، وطريقهم فيه: أنَّ الصَّوم له جهة عموم وجهة خصوص، فهو من حيث إنَّه صوم يقع الامتثال به، ومن أحيث، إنَّه يوم عيد يتعلَّق به النَّهي، والخروج عن العهدة يحصل جهة كونه صومًا. ولا شكَّ أنَّ البحث في هذه المسألة يرجع إلى أمرين: أحدهما: انفكاك النهي من هذا الصَّوم المنذور، فلا يصحُّ أنَّ يكون قربة، فلا يصحُّ نذره، فيتعلَّق النَّهي بصومه عن العيد، فلا يصحُّ مطلقًا. وهذا بخلاف الصَّلاة في الدَّار المغصوبة عند من يقول بصحَّتها؛ فإنَّ إيقاعها في مكان مغصوب ليس مأمورًا به في الشَّريعة، والأمر فيها وجه الأمر إلى مطلق الصَّلاة، والنهي إلى مطلق الغصب، وتلازمهما واجتماعهما إنَّما هو في فعل المكلف المتعلق بالأمر والنَّهي الشَّرعي، فلم يتعلَّق النَّهي شرعًا بخصوص الصَّلاة فيها، بخلاف صوم العيد؛ فإنَّ النَّهي ورد عن خصوصية، فتلازمت فيه جهة العموم والخصوص في الشَّريعة، وتعلَّق النهي بعين ما وقع به النذر، فلا يكون قربة. الأمر الثَّاني: أنَّ النهي يدل على عدم الصحة، وإذا دل على ذلك، اقتضى الفساد من كل الوجوه. ونقل عن محمَّد بن الحسن: أنَّ النَّهي لا بد فيه من إمكان المنهي عنه، فيدل على صحَّته؛ إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، وللإنسان لا تنطق، فإذًا هذا المنهي

стр. 900

عنه صوم يوم العيد ممكن، وإذا أمكن، ثبتت الصِّحة، وهو ضعيف؛ لأن الصحة معتبر فيها التصور الشرعي، وهو ممتنع، لا التَّصوُّر العقلي أو العادي، وكان محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى المعنى الشَّرعي. وفيه دليل: على أنَّ الخطيب يذكر في خطبته ما يتعلَّق بوقته من الأحكام، فإنَّ عمر ﵁ ذكر في خطبته نهي النَّبي ﷺ عن صوم يوم العيد؛ لمسيس حاجة النَّاس إلى ذلك. وفيه: الإيماء والتَّنبيه على علل الأحكام، إمَّا بالتَّسمية اللازمة للوصف الشَّرعي، وإمَّا بما يلازمه من فعل أو حال. وفيه دليل: على جواز الأكل من النُّسك. وفيه دليل: على أنَّ من سمع علمًا يجوز له روايته، وإن لم يأذن له المسموع منه في ذلك، والله أعلم. * * * الحديث السَّابع عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ والنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاء، وأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ والعَصْرِ. أخرجه مسلمٌ بتمامه، وأخرج البخاري الصَّومَ [منه] فقط (١). أمَّا أبو سعيد ونسبته، فتقدَّم الكلام عليهما، وتقدَّم الكلام على يومي الفطر والنَّحر. وأمَّا قوله: "وَعَنِ الصَّمَّاءِ"، فالمراد به: اشتمال الصَّماء، على حذف

стр. 901

المضاف، وقد ثبت في لفظ آخر، وهو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى قدميه، يجلل به جسده، وتسمَّى الشملة الصمة أيضًا، سميت بذلك؛ لشدِّها وضمِّها جميع الجسد، ومنه الحديث. والثَّاني كالأزرة صماء؛ أي: مكتنَزة لا تخلل فيها، ومنها صمام القارورة، قال صاحب "المطالع": هذا قول أهل اللُّغة (١). فأمَّا مالك وجماعة من الفقهاء، فهو عندهم الالتحافُ بثوب واحد، ويرفع جانبه على كتفه وهو بغير إزار، فيفضي ذلك إلى كشف عورته. قلت: ولفظ الحديث مطابق لقول أهل اللُّغة، ولا يشعر تفسير مالك وغيره من الفقهاء به من لفظ الصَّمَّاء، والنَّهي عنه يحتمل خوفَ الدَّفع إلى حالة شاذة لمتنفسه فيهلك عما إذا لم يكن فيه فرجة، ويحتمل أنَّه إن أصابه شيء، أو نابه مؤذ، ولا يمكنه أنَّ يتَّقيه بيديه؛ لإدخاله إياهما تحت الثَّوب الَّذي اشتمل به، والله أعلم. قوله: "وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ"، الاحتباء: هو أنَّ يضمَّ الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشُدُّه عليهما، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، وإنَّما نهى عنه؛ لأنه إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، ربَّما تحرك أزوال الثوب، فتبدو عورته، ومنها: "الاحتباءُ حيطانُ العربِ" (٢)؛ أي: ليس في البوادي حيطان، فإذا أرادوا أنَّ يستندوا، احتبوا؛ لأن الاحتباء يمنعهم من السقوط؛ ويصير لهم كالجدار، يقال: احتبى يحتبي احتباءً، والاسم الحُبْوَة والحِبْيَة -بالواو والياء- وتضم الحاء وتكسر، والجمع حُباء وحِباء، والله أعلم (٣).

стр. 902

وفي الحديث أحكام: منها: تحريم صوم يوم الفطر والأضحى. ومنها: كراهة اشتمال الصَّماء. ومنها: كراهة الاحتباء في ثوب واحد، وأمَّا الاحتباء بنصب الساقين وإلصاقهما بالإليتين، ووضع يده اليمنى على اليسرى عوضًا عن الثوب، فهو جائز، بل مستحبٌّ، وقد كان رسول الله ﷺ يجلس محتبيًا، وأمَّا الجلوس كذلك، ووضعُ اليدين على الأرض، فمنهيٌّ عنه؛ لما فيه من التشبُّه بالكلاب. وأمَّا نهيه ﷺ عن الحبوة يوم الجمعة، والإمامُ يخطب؛ فلأنَّ الاحتباء يجلب النَّوم، فلا يسمع الخطبة، ويعرِّض طهارته للانتقاض. ومنها: كراهة صلاة النَّفل المطلق بعد صلاة الصُّبح وصلاة العصر، وهذا متَّفق عليه، وأما صلاة ذات السبب؛ من قضاء فائتة، وتحيَّةِ مسجدٍ، ونحوهما، فلا يكره، وكراهة المطلق كراهة تحريم على أصحَّ الوجهين في مذهب الشَّافعي، فلا ينعقد، وتقدم الكلام على ذلك في باب المواقيت. * * * الحديث الثَّامن عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدِّرِيِّ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَهِ ﷺ : "مَن صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللهِ، بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (١). اعلم أنَّ سبيل الله في الأكثر من العرف هو الجِهاد، وأكثر استعماله في لفظ الشارع فيه، فإذا حُمل عليه، كانت الفضيلة فيه؛ لاجتماع فضيلة عبادتي الصَّوم والجهاد.

стр. 903

ويحتمل أنَّ يراد بسبيل الله: طاعته، كيف كانت، ويعبر بذلك عن صحة القصد، والنِّية فيه، لكن الأول أقرب إلى العُرْفِ. وقد ورد في بعض الأحاديث جعل الحج وسفره من سبيل الله، وفي الكتاب العزيز: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. قال شيخُنا أبو الفتح القاضي ﵀ (١): وهذا استعمال وضعي. والخريف هنا: السَّنة، واحدة السنين، يريد به سبعين سنة، وقد يعبَّر بالسَّنة عن الفَصلِ المعروف، الَّذي هو وقت اختراف الثمار؛ لأنَّه إذا مرَّ الخريف، فقد مضتِ السَّنةُ؛ حيث لا يوجد في السَّنة إلا خريف واحد، وقد يعبر عن السَّنة ببعض فصولها، كالرَّبيع والمصيف والمشتى؛ إذ ليس في العام إلا فصل واحد منها، لكن قال بعضهم: تسميته بالخريف أولى؛ لأن فيه نهاية ما بدا في الفصول قبله؛ فإن الأزهار تبدو في الرَّبيع، وتتشكَّل في صورها في الصَّيف، وفيه يبدو وينضج أكثرها، ووقت الانتفاع بها أكلًا وتحصيلًا وادخارًا هو الخريف، وهو معظم المقصود من السَّنة، فكأنَّه المقصود بالذكر عن السَّنة دون غيره، والله أعلم. ثم المراد بالوجه: جملةُ الشخص الصَّائم في سبيل الله، وعبَّر به عن الجملة؛ لأنه أشرف ما فيه. ثم قوله: "يومًا" إن أريد به واحد الأيام، كان دليلًا على استحباب صومه، سواء أردنا بسبيل الله: الجهاد، والطاعة؛ حيث لا يحصل به ضعف المجاهد عن جهاده ولا طاعته، وإن أردنا به: جنس الصَّوم، وأنَّه لا يتقيد بعدد، فينبغي أنَّ يكون بحيث لا يضعف به عن مقصوده من عمله في الجهاد أو الطَّاعة، والله أعلم. وأمَّا المباعدة عن النَّار في هذا الحديث، فهي بحيث لا يحس بها، ولا يجد

стр. 904

ألمها، وعبَّر بالسبعين خريفًا عن ذلك؛ مبالغة في المباعدة عنها، والله أعلم. وفي الحديث: الحثُّ على الصوم المطلق في كل موطن، حتى في الجهاد وغيره، على ما بيَّنَّاه. وفيه: الحث على اجتماع الفضل في الطَّاعات، وأنَّه إذا أمكن الجمع فيها، كان أفضل؛ تكثيرًا للأجور. وفيه: جواز التعبير عن الكلِّ بالجزء إذا كان له وجه فضيلة وشرف، والله أعلم. * * *

стр. 905

باب ليلة القدر الحديث الأَوَّل عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رِجالًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" (١). أمَّا ليلة القدر: فإنما سميَّت بذلك؛ لما يكتب الله فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السَّنة، لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، وقوله : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]. ومعناه: يظهر للملائكة ما سيكون فيها، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علمُ الله تعالى به، وتقديره له. وقيل: سمِّيت ليلةَ القدر؛ لعظم قدرها وشرفها. وأجمع من يُعتد به من العلماء على دوامها ووجودها إلى آخر الدَّهر، وشذَّ قوم فقالوا: رفعت؛ لقوله ﷺ : "حتَّى تلاحى الرَّجلان، فرفعت" (٢).

стр. 906

قال القاضي عياض ﵀ (١): وهذا غلط من هؤلاء الشَّاذين؛ لأنَّ آخر الحديث يردُّ عليهم، فإنَّه ﷺ قال: "فَرُفِعَتْ، وعَسَى أَنْ يكونَ خيرًا لكُمْ، التمِسُوها في السَّبْعِ، والتِّسْعِ" (٢)، هكذا هو في أول "صحيح البخاري"، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفعُ بيان علم عينها، ولو كان المراد رفعَ وجودها، لم يأمر بالتماسها، والله أعلم. واختلف العلماء في انتقالها وتعيينها، فقال قوم: هي منتقلة تكون في سنة في ليلة، وفي سنة أخرى في ليلة أخرى، وهكذا أبدًا، وهؤلاء قالوا: إنما تنتقل في شهر رمضان، وجمهورهم قالوا: تنتقل في العشر الأواخر منه. قالوا: وبهذا نجمع بين الأحاديث. ويقال: في كل حديث جاء في أحد أوقاتها، ولا تعارض فيها، وهذا نحو قول مالك، والثَّوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم. وقال قوم: هي معيَّنة، لا تنتقل أبدًا، بل هي ليلة معيَّنة في جميع السِّنين، لا تفارقها، وهؤلاء اختلفوا، فقال قوم: هي في السَّنة كلها، وممَّن قال به: ابن مسعود، وأبو حنيفة وصاحباه، وقال قوم: هي في شهر رمضان كلِّه، وهو قول ابن عمر ﵄، وجماعة من الصَّحابة ﵃، وقيل: بل في العشر الأوسط والأواخر، وقيل: في العشر الأواخر. وقيل: تختصُّ بأوتار العشر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: بل في ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: تطلب في ليلة سبعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وحكي عن علي وابن مسعود، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين، وهو قول كثير من الصَّحابة وغيرهم، وقيل: ليلة أربع وعشرين، وهو محكيٌّ عن بلال، وابن عبَّاس، والحسن، وقتادة، وقيل:

стр. 907

ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصَّحابة، وقيل: سبع عشرة، وهو محكيٌّ عن زيد بن أرقم، وابن مسعود -أيضًا-، وقيل: تسع عشرة، وحكي عن ابن مسعود -أيضًا-، وحكي عن علي -أيضًا-، وقيل: آخر ليلة من الشَّهر. ولا شكَّ أنَّ ليلة القدر موجودة، وأنَّها تُرى، ويتحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان، والأحاديث الثابتة الصَّحيحة تدلُّ على ذلك، وإخبار الصَّالحين بها، ورؤيتهم لها أكثرُ من أن تحصر. ومنع المهلَّب بن أبي صفرة إمكان رؤيتها حقيقة، وغلَّطه العلماء، وحكوه عنه؛ للتنبيه على غلطه؛ لئلا يُغتر به، قالوا: وإنَّما أُخفي بيان علم عينها عن النَّاس؛ لأجل الاجتهاد في العبادة، وعدم الكسل؛ لأنَّهم لو علموا عينها، حملهم ذلك على تركها إلى ليلتها، واستغنوا بالاجتهاد فيها عن باقي اللَّيالي، والله أعلم. قَولُه ﷺ : "أَرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ"؛ أي: توافقت وتواطأت، مكتوب في النُّسخ كلِّها جميعها، بطاء ثمَّ تاء، وهو مهموز بغير ألف بينهما، وينبغي أنَّ يكتب بالألف بين الطاء والتَّاء صورة للهمزة، ولا بدَّ من قراءته مهموزًا، قال الله : ﴿لِيُوَاطئُوا عَدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. قوله ﷺ : "فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ" التَّحَرِّي: الاجتهاد وطلب الأحرى، ومعناه: فليجتهد في طلبها يطلب حينها وزمانها. وفي الحديث دليل على عظم الرؤيا، والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجوديات، وعلى ما لا يخالف القواعد الكلية من غيرها، فلو رأى النَّبي ﷺ في الرُّؤيا، وأمره بأمر سهل، يلزمه ذلك، وقيل: إنَّ فيه أنَّ ذلك إما أنَّ يكون مخالفًا لما ثبت عنه ﷺ الأحكام في اليقظة، أو لا، فإن كان مخالفًا، عمل بما ثبت في اليقظة؛ لأنا، وإن قلنا بأنّ من رأى النَّبيَّ ﷺ على الوجه المنقول من صفته، فرؤياه حقٌّ، وهذا من باب تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما، وما ثبت في اليقظة، فهو أرجح، وإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة، ففيه خلاف.

стр. 908

وقد ذكر الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في كتاب "أدب الجدل" له (١)، قال: لو أنَّ رجلًا رأى النَّبيَّ في المنام على الهيئة الَّتي نقلت في صفاته، فسأله عن مذهبه، فأفتى بخلاف ما هو مذهبه، ولكن لم يكن مخالفًا لنصٍّ ولا إجماع، هل يأخذ بفتياه، أو يأخذ بمذهبه الَّذي يستند إلى الدَّليل؟ فيه وجهان: أحدهما: يأخذ بقوله؛ لأن قوله مقدَّم على القياس، وهذا مأخوذ من قوله ﷺ : "من رآني في المنام، فقد رآني؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يتمثَّل بي" (٢)، فصار كقوله في حياته. وفي الوجه الثَّاني: الأخذ بالقياس أولى؛ لأنَّه دليل شرعي، والأحلام لا تعويل عليها، فلا يترك لأجلها الشَّرعي، والله أعلم. لكن الاستناد إلى الرؤيا هاهنا أمر ثبت استحبابه مطلقًا في طلب ليلة القدر، وإنَّما يرجح السَّبع الأواخر بسبب المرائي الدَّالة على كونها في السَّبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب أمر شرعي بالتأكيد بالنِّسبة إلى هذه اللَّيالي، مع كونه غير مناف للقاعدة الكلية الثابتة من استحباب قيام ليلة القدر، وقد قالوا: تستحبُّ في جميع الشَّهر. وفيه دليل على أنَّ ليلة القدر في شهر رمضان، وهو مذهب الجمهور، وقيل: إنَّها في جميع السنة كما تقدم. قال الفقهاء: لو قال في رمضان لزوجته: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق حتى تأتي عليها سنة؛ لأن كونها مخصوصة برمضان مظنون، وصحَّة النِّكاح

стр. 909

معلومة، فلا يزال مرور ليلة القدر إلا بتعين، وهو مضي سنة. قال شيخنا أبو الفتح الإمام ﵀: وفي هذ انظر؛ لأنَّه إذا دلَّت الأحاديث على اختصاصها بالعشر الأواخر، كان إزالة النِّكاح بناء على مستند شرعي، وهو الأحاديث الدَّالة على ذلك، والأحكام المقتضية لوقوع الطَّلاق يجوز أنَّ تبنى على [أنَّ] أخبار الآحاد يرفع بها النِّكاح، ولا يشترط في رفع النكاح وأحكامه أنَّ يكون مستندًا إلى خبر متواتر، أو أمر مقطوع به اتِّفاقًا، نعم ينبغي أنَّ ينظر إلى دلالة ألفاظ الأحاديث الدَّالة على اختصاصها بالعشر الأواخر، ومرتبتها في الظهور والاحتمال، فإن ضعفت دلالتها، فللَّذي قيل وجه، هذا آخر كلامه ﵀ (١). والأشهر في مذهب الشافعي ﵀ أنَّ ليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأنها ليلة معيَّنة لا تنتقل، بل تكون كل سنة في تلك الليلة. والمختار: أنَّها تنتقل، فتكون في بعض السِّنين في ليلة، وفي بعضها في ليلة أخرى، ولكن إنَّما تنتقل في العشر الأواخر، حتَّى قال أصحاب الشَّافعي أو جماعة منهم: لو قال لزوجته صبيحة اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان: أنت طالق ليلة القدر، لم تطلق إلا صبيحته من السَّنة المستقبلة؛ لجواز أنَّ تكون وقعت تلك الليلة التي حلف صبيحتها. وبالمختار في انتقالها يجمع بين الأحاديث الصحيحة والمختلفة فيها، وممن قال به من أئمة أصحاب الشَّافعي: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، وصاحبه إمام الأئمة أبو بكر محمَّد بن إسحاق بن خزيمة - رحمهما الله تعالى -. وفيه دليل: لمن رجَّح في ليلة القدر غيرَ ليلة الحادي والعشرين، والثالث والعشرين. وفيه دليل: على العمل بقول الأكثر، أو الكثير؛ في الرُّؤيا وغيرها من

стр. 910

الأحكام، بشرط ألا تخالف نصًّا ولا إجماعًا ولا قياسًا جليًّا، على ما تقدَّم، والله أعلم. وفيه: الأمر بطلب الأحرى والصَّواب لمن أراده، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في لَيَالِي الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ" (١). في الحديث: دليل على طلب ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر، مع دلالته على ترجيح انحصارها فيه. وفيه: الأمر بالاجتهاد في طلبها. وفيه: الإرشاد من غير استرشاد. وفيه: عدم اختصاص ليلة القدر بالسَّبع الأواخر، والله أعلم. * * * الحديث الثَّالث عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتكِفُ في العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكَفَ عَامًا، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِي اللَّيْلَةُ التَّي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنِ اعْتكفَ مَعِي، فَلْيَعْتكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِها، فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا في كُلِّ وِتْرٍ"، فمَطَرَتِ السَّماءُ تلكَ اللَّيلة، وكَانَ المَسْجِدُ على عَرِيشٍ، فَوكَفَ المَسْجِدُ،

стр. 911

فَأَبصرتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وعِشريِن (١). أما قوله: "كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوْسَطَ"، هكذا هو في جميع الروايات: الأوسط، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، باعتبار الليالي، كما قال في أكثر الأحاديث: العشر الأواخر، وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو الزمان، أو الوقت، ويكفي في صحتَّها ثبوتُ استعمالها في الأحاديث الصَّحيحة. وقوله: "فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ"، يقال: مطرت السَّماء، وأمطرت، لغتان صحيحتان في المطر، وتقدَّم ذلك في باب الاستسقاء. قوله: "وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ"، العريش: سقف البيت، وكذلك عرشه، وكلُّ ما يُستظلُّ به يقال له: عرش، وعريش، والمراد في: "كان بسقف بيت المسجد" وكان سقف المسجد على عريش - على حذف المضاف -. قوله: "فَوَكَفَ المَسْجِدُ"؛ أي: قطر ماء المطر من سقفه. يقال: وكف البيت يَكِف وَكْفًا ووُكوفًا: إذا قطر، ووكف الدَّمع وَكيفًا ووَكفانًا ووَكْفًا: بمعنى قطر (٢). وفي هذا الحديث: دليل على جواز قول: رمضان، من غير إضافة شهر إليه. وفيه: دليل على أنَّ الأولى إذا كان ذاكرًا الشيء ثمَّ نسيه، أنَّ يقول: أُنسيته، ولا يقول نسيته. وفيه: دليل على استحباب الاعتكاف في رمضان، وأنَّ العشر الأوسط منه الاعتكاف فيه أفضل من الأول، وفي الآخر أفضل من الأوسط.

стр. 912

وفيه: دليل لمن رجَّح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر. ومن ذهب إلى أنَّ ليلة القدر تنتقل في اللَّيالي، فله أنَّ يقول: كانت في تلك السَّنة ليلة إحدى وعشرين. ولا يلزم من ذلك أنَّ تترجَّح هذه اللَّيلة مطلقًا، والقول بتنقلها حسن، لأن فيه جمعًا بين الأحاديث، وحثًّا على إحياء تلك اللَّيالي والأيام، وإِنَّما رجَّح تسمية العشر باللَّيالي؛ لأن وضعه كذلك، فيكون وضعها جمعًا لإبقائها. وقد ورد في بعض الرِّوايات ما يدلُّ على أنَّ اعتكافه ﷺ في العشر الأوسط كان لطلب ليلة القدر قبل أنَّ يعلم أنَّها في العشر الأواخر. وفيه: دليل على أنَّ اللَّيلة إذا أطلقت، قد يراد بها الماضية التي اليوم بعدها، وقد يراد بها الآتية، وإذا أريد أحدهما، قُيِّدَ، كما فعل رسول الله ﷺ بقوله: "وَهِيَ الّتي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِن اعتِكَافِه"، ولكن المشهور في استعمال الشرع واللغة أنها تستعمل عند الإطلاق في الماضية، واستعملها بعض الظاهرية من أهل الحديث في الآتية. وفيه: دليل على أنَّ السُّنة للمصلي ألا يمسح جبهته في الصَّلاة، وهو متفق على استحبابه عند العلماء. وقد يَستدلُّ بهذا الحديث بعض الحنفية على أنَّ مباشرة الجبهة بالمصلَّى في السُّجود غير واجبة، وهو من يقول: بأنَّه لو سجد على كور العمامة، كالطَّاقة والطاقتين صحَّ، ووجه الاستدلال أنَّه إذا سجد في الماء والطِّين، ففي السُّجود الأوَّل يتعلَّق الطِّين بالجبهة، فإذا سجد السُّجود الثاني، كان الطين الَّذي تعلَّق بالجبهة في السُّجود الأول حائلًا في السُّجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض. والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن يكون مسح ما تعلَّق بالجبهة أولًا قبل السُّجود الثَّاني، لو كان، كيف ولفظ الحديث: "فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وعَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الماءِ والطِّينِ" وأثر الشيء غيره.

стр. 913

والثاني: أنَّه محمول -لو سُلِّم أنَّه طين- على شيء يسير لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة. كيف والَّذي ورد في بعض روايات الحديث: "وجبينه ممتلئًا طينًا" (١) لا يخالف ما تأوَّلناه، وأنَّ الجبين غير الجبهة، فالجبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة، والله أعلم. ومذهب الشَّافعي وموافقيه: منع السُّجود على حائل متصل بالجبهة. وفيه: دليل على أنَّ العالم الَّذي له أتباع، إذا اطَّلع على علم، وعمل به، وأراد موافقة أتباعه له، أن يرشدهم إليه بصيغة عموم وأمر عامّ، لا خاص وخصوصيَّة لمعيَّن؛ كقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ اعتكَفَ معي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ". وفيه: دليل على أنَّ العالم إذا كان عنده علم من شيء، ثمَّ نسيه، أنَّ يعرِّف أصحابه بنسيانه، ويُقِرَّ به، والله أعلم. * * *

стр. 914

باب الاعتكاف الحديث الأوَّل عَنْ عَائشِةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتكفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حتَى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتكفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ (١). وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتكَفَ فِيهِ (٢). أمَّا الاعتكاف في اللُّغة: فهو الاحتباسُ واللُّزوم للشيء كيف كان، وفي الشَّرع: لزوم المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة، ويسمَّى: جوارًا -أيضًا-، ومنه حديث عائشة ﵂ في "صحيح البخاري": كَانَ النَّبيُّ ﷺ يصغي إِليَّ رأسَهُ وهو مُجاوِرٌ إلى المَسْجِدِ، فأرجِّلهُ وأَنَا حَائِضٌ (٣). وهو كسائر الأسماء الشرعية في الكلام فيها. وفي هذا الحديث أحكام: منها: استحباب الاعتكاف وتأكده؛ حيث واظب عليه ﷺ حتَّى توفَّاه الله

стр. 915

- ، وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وأنَّه متأكد في العشر الأواخر من رمضان، وقد أشعر تأكيد استحبابه بقولها: ثمَّ اعتكف أزواجه بعده، وبقولها: في كل رمضان. ومنها: استواء الرَّجل والمرأة في شرعيَّة الاعتكاف. ومنها: أنَّ الاعتكاف لا يصحُّ إلا في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحَّته؛ حيث اعتكف ﷺ وأزواجه فيه مع المشقَّة في ملازمته، ومخالفةِ العادة في الاختلاط بالنَّاس، لا سيما النِّساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت، لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالنَّاس في المسجد وتحمُّل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيَّأ من بيتها لصلاتها، قال: ولا يجوز للرَّجل في مسجد بيته. ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي، ضعيف عند أصحابه، وجوَّزه بعض أصحاب مالك والشافعي للرَّجل والمرأة في مسجد بيتهما. واختلف المشترطون المسجد العام، فقال مالك والشَّافعي وجمهورهم: يصحُّ الاعتكاف في كلِّ مسجد، وقال أحمد: يختص في المسجد الَّذي تقام فيه الجماعة الرَّاتبة، وقال: أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلَّى فيه الصَّلوات كلُّها، وقال الزهريُّ: يختص بالجامع الَّذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصَّحابي ﵁ اختصاصه بالمساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى. ومنها: أنَّ الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أنَّه لا حدَّ لأكثره، واختلفوا في أقلِّه، فقال الشَّافعي وأصحابه وموافقوهم: أقله لحظة واحدة، وضابطه عندهم: أنَّه مَكثٌ يزيد على طمانينة الرُّكوع أدنى زيادة. وفي المذهب وجه شاذٌّ: أنَّه يصحُّ اعتكاف المارِّ في المسجد من غير لبث، فينبغي لكل جالس في المسجد؛ لانتظار صلاة، أو لشغل أجر من آخرة أو دنيا،
следующие страницы →