← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 14224

العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار

ابن العطار

Полный текст (1 733 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فَأَبصرتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ أثَرُ الماءِ والطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وعِشريِن (١). أما قوله: "كان يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوْسَطَ"، هكذا هو في جميع الروايات: الأوسط، والمشهور في الاستعمال تأنيث العشر، باعتبار الليالي، كما قال في أكثر الأحاديث: العشر الأواخر، وتذكيره أيضًا لغة صحيحة باعتبار الأيام، أو الزمان، أو الوقت، ويكفي في صحتَّها ثبوتُ استعمالها في الأحاديث الصَّحيحة. وقوله: "فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ"، يقال: مطرت السَّماء، وأمطرت، لغتان صحيحتان في المطر، وتقدَّم ذلك في باب الاستسقاء. قوله: "وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ"، العريش: سقف البيت، وكذلك عرشه، وكلُّ ما يُستظلُّ به يقال له: عرش، وعريش، والمراد في: "كان بسقف بيت المسجد" وكان سقف المسجد على عريش - على حذف المضاف -. قوله: "فَوَكَفَ المَسْجِدُ"؛ أي: قطر ماء المطر من سقفه. يقال: وكف البيت يَكِف وَكْفًا ووُكوفًا: إذا قطر، ووكف الدَّمع وَكيفًا ووَكفانًا ووَكْفًا: بمعنى قطر (٢). وفي هذا الحديث: دليل على جواز قول: رمضان، من غير إضافة شهر إليه. وفيه: دليل على أنَّ الأولى إذا كان ذاكرًا الشيء ثمَّ نسيه، أنَّ يقول: أُنسيته، ولا يقول نسيته. وفيه: دليل على استحباب الاعتكاف في رمضان، وأنَّ العشر الأوسط منه الاعتكاف فيه أفضل من الأول، وفي الآخر أفضل من الأوسط.

стр. 912

وفيه: دليل لمن رجَّح ليلة إحدى وعشرين في طلب ليلة القدر. ومن ذهب إلى أنَّ ليلة القدر تنتقل في اللَّيالي، فله أنَّ يقول: كانت في تلك السَّنة ليلة إحدى وعشرين. ولا يلزم من ذلك أنَّ تترجَّح هذه اللَّيلة مطلقًا، والقول بتنقلها حسن، لأن فيه جمعًا بين الأحاديث، وحثًّا على إحياء تلك اللَّيالي والأيام، وإِنَّما رجَّح تسمية العشر باللَّيالي؛ لأن وضعه كذلك، فيكون وضعها جمعًا لإبقائها. وقد ورد في بعض الرِّوايات ما يدلُّ على أنَّ اعتكافه ﷺ في العشر الأوسط كان لطلب ليلة القدر قبل أنَّ يعلم أنَّها في العشر الأواخر. وفيه: دليل على أنَّ اللَّيلة إذا أطلقت، قد يراد بها الماضية التي اليوم بعدها، وقد يراد بها الآتية، وإذا أريد أحدهما، قُيِّدَ، كما فعل رسول الله ﷺ بقوله: "وَهِيَ الّتي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِن اعتِكَافِه"، ولكن المشهور في استعمال الشرع واللغة أنها تستعمل عند الإطلاق في الماضية، واستعملها بعض الظاهرية من أهل الحديث في الآتية. وفيه: دليل على أنَّ السُّنة للمصلي ألا يمسح جبهته في الصَّلاة، وهو متفق على استحبابه عند العلماء. وقد يَستدلُّ بهذا الحديث بعض الحنفية على أنَّ مباشرة الجبهة بالمصلَّى في السُّجود غير واجبة، وهو من يقول: بأنَّه لو سجد على كور العمامة، كالطَّاقة والطاقتين صحَّ، ووجه الاستدلال أنَّه إذا سجد في الماء والطِّين، ففي السُّجود الأوَّل يتعلَّق الطِّين بالجبهة، فإذا سجد السُّجود الثاني، كان الطين الَّذي تعلَّق بالجبهة في السُّجود الأول حائلًا في السُّجود الثاني عن مباشرة الجبهة بالأرض. والجواب عن هذا الاستدلال من وجهين: أحدهما: أن يكون مسح ما تعلَّق بالجبهة أولًا قبل السُّجود الثَّاني، لو كان، كيف ولفظ الحديث: "فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وعَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الماءِ والطِّينِ" وأثر الشيء غيره.

стр. 913

والثاني: أنَّه محمول -لو سُلِّم أنَّه طين- على شيء يسير لا يمنع مباشرة بشرة الجبهة. كيف والَّذي ورد في بعض روايات الحديث: "وجبينه ممتلئًا طينًا" (١) لا يخالف ما تأوَّلناه، وأنَّ الجبين غير الجبهة، فالجبينان يكتنفان الجبهة، ولا يلزم من امتلاء الجبين امتلاء الجبهة، والله أعلم. ومذهب الشَّافعي وموافقيه: منع السُّجود على حائل متصل بالجبهة. وفيه: دليل على أنَّ العالم الَّذي له أتباع، إذا اطَّلع على علم، وعمل به، وأراد موافقة أتباعه له، أن يرشدهم إليه بصيغة عموم وأمر عامّ، لا خاص وخصوصيَّة لمعيَّن؛ كقوله ﷺ : "مَنْ كَانَ اعتكَفَ معي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ". وفيه: دليل على أنَّ العالم إذا كان عنده علم من شيء، ثمَّ نسيه، أنَّ يعرِّف أصحابه بنسيانه، ويُقِرَّ به، والله أعلم. * * *

стр. 914

باب الاعتكاف الحديث الأوَّل عَنْ عَائشِةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَعْتكفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حتَى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمَّ اعْتكفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ (١). وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْتكِفُ في كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتكَفَ فِيهِ (٢). أمَّا الاعتكاف في اللُّغة: فهو الاحتباسُ واللُّزوم للشيء كيف كان، وفي الشَّرع: لزوم المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة، ويسمَّى: جوارًا -أيضًا-، ومنه حديث عائشة ﵂ في "صحيح البخاري": كَانَ النَّبيُّ ﷺ يصغي إِليَّ رأسَهُ وهو مُجاوِرٌ إلى المَسْجِدِ، فأرجِّلهُ وأَنَا حَائِضٌ (٣). وهو كسائر الأسماء الشرعية في الكلام فيها. وفي هذا الحديث أحكام: منها: استحباب الاعتكاف وتأكده؛ حيث واظب عليه ﷺ حتَّى توفَّاه الله

стр. 915

- ، وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب، وأنَّه متأكد في العشر الأواخر من رمضان، وقد أشعر تأكيد استحبابه بقولها: ثمَّ اعتكف أزواجه بعده، وبقولها: في كل رمضان. ومنها: استواء الرَّجل والمرأة في شرعيَّة الاعتكاف. ومنها: أنَّ الاعتكاف لا يصحُّ إلا في المسجد، وأن كونه فيه شرط لصحَّته؛ حيث اعتكف ﷺ وأزواجه فيه مع المشقَّة في ملازمته، ومخالفةِ العادة في الاختلاط بالنَّاس، لا سيما النِّساء، فلو جاز الاعتكاف في البيوت، لما خولف المقتضى لعدم الاختلاط بالنَّاس في المسجد وتحمُّل المشقة في الخروج لعوارض الخلقة، وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وداود، والجمهور، وقال أبو حنيفة: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو الموضع المهيَّأ من بيتها لصلاتها، قال: ولا يجوز للرَّجل في مسجد بيته. ومذهب أبي حنيفة قول قديم للشافعي، ضعيف عند أصحابه، وجوَّزه بعض أصحاب مالك والشافعي للرَّجل والمرأة في مسجد بيتهما. واختلف المشترطون المسجد العام، فقال مالك والشَّافعي وجمهورهم: يصحُّ الاعتكاف في كلِّ مسجد، وقال أحمد: يختص في المسجد الَّذي تقام فيه الجماعة الرَّاتبة، وقال: أبو حنيفة: يختص بمسجد تصلَّى فيه الصَّلوات كلُّها، وقال الزهريُّ: يختص بالجامع الَّذي تقام فيه الجمعة، ونقلوا عن حذيفة بن اليمان الصَّحابي ﵁ اختصاصه بالمساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والأقصى. ومنها: أنَّ الاعتكاف لا يكره في وقت من الأوقات، وأجمع العلماء على أنَّه لا حدَّ لأكثره، واختلفوا في أقلِّه، فقال الشَّافعي وأصحابه وموافقوهم: أقله لحظة واحدة، وضابطه عندهم: أنَّه مَكثٌ يزيد على طمانينة الرُّكوع أدنى زيادة. وفي المذهب وجه شاذٌّ: أنَّه يصحُّ اعتكاف المارِّ في المسجد من غير لبث، فينبغي لكل جالس في المسجد؛ لانتظار صلاة، أو لشغل أجر من آخرة أو دنيا،

стр. 916

أنَّ ينوي الاعتكاف، فيحسب له، ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثمَّ دخل، جدد نيَّة أخرى. وليس للاعتكاف ذكر مخصوص، ولا فعل آخر سوى اللَّبث في المسجد بنية الاعتكاف، ولو تكلَّم بكلام دنيا، أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها، لم يبطل اعتكافه. ومنها: أنَّه ينبغي أنَّ يكون الاعتكاف مصحوبًا بصوم، واشترطه مالك، وأبو حنيفة، والأكثرون، وقالوا: لا يصحُ اعتكاف مفطر، وقال الشافعي وأصحابه: لا يشترط، احتجَّ من اشترطه بهذا الحديث، واحتجَّ الشَّافعي ﵀ باعتكاف النَّبي ﷺ في العشر الأول من شوَّال، رواه البخاري ومسلم، وبحديث عمر ﵁ قال: يا رسول الله! إنِّي نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال: "أَوْفِ بنذرِكَ" (١)، روياه -أيضًا-، ومعلوم أنَّ اللَّيل ليس محلًا للصوم، فدلَّ على أنَّه ليس بشرط لصحَّة الاعتكاف. ومنها: إطلاق لفظ الغداة على صلاة الصُّبح، وكرهه بعضهم، وهذا الحديث وغيره يردُّ عليه. ومنها: أنَّ السُّنَّة إذا كان معتكفًا، وصلَّى الصُّبح في مكان من المسجد غيرِ محلّ معتكفه: أنَّه لا يجلس في مصلَّاه إلى طلوع الشَّمس، بل يرجع بعد فراغه منها إليه؛ لقولها: فإذا صلَّى الغداة، جاء مكانه الَّذي اعتكف فيه، وقد استدلَّ به الأوزاعي، والثَّوري، واللَّيث في أحد قوليه، على ابتداء الاعتكاف والدُّخول فيه من أوَّل النَّهار، وليس فيه دليل؛ فإنَّ اعتكافه ﷺ يحتمل أنَّ يكون قبل ذلك، بل هو الظَّاهر. ومجيئه ﷺ إلى مكانه بعد صلاة الغداة؛ للانفراد من النَّاس بعد الاجتماع بهم في الصَّلاة، لا أنَّه ابتداء دخول المعتكف، ويكون المراد بمكانه

стр. 917

الَّذي اعتكف فيه، الموضع الَّذي خصَّه بالاعتكاف من المسجد وأعدَّه له، كيف ولفظه يشعر بذلك، وهو قولها: اعتكف فيه، بصيغة الماضي، والحديث الآخر: فضربَ أزواجُه الأخبيةَ، وهذا ظاهر فيما قلناه، وهو قول مالك. وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: أنَّه يدخل فيه قبل غروب الشَّمس، إذا أراد اعتكاف شهر أو عشر، وتأولوا الحديث على ما ذكرناه، والله أعلم. ومنها: استحباب الاعتكاف في كل رمضان لمن قدر عليه، بقولها: كان يعتكف في كل رمضان. ومنها: استحباب الانفراد عن النَّاس والأهل وغيرهم في الاعتكاف، إلا فيما لا بدَّ منه من اجتماع على صلاة، أو ضرورة، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَنْ عَائشِةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ، وَهِيَ في الحُجْرَةِ يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (١). وفي رواية: وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجةِ الإنسانِ (٢). وفي رواية: أنَّ عائشةَ ﵂ قالت: إنْ كُنْتُ لأَدْخُلُ البَيْتَ لِلْحاجَةِ، وَالمريضُ فيهِ، فلا أسألُ عنه إلَّا وأنَا مارّةٌ (٣). الترجيل: تسريح الشعر، وحاجةُ الإنسان هنا: البولُ والغائطُ. وفي الحديث أحكام: منها: أنَّ خروج رأس المعتكف من المسجد لا يبطل اعتكافه.

стр. 918

ومنها: أنَّه لو حلف شخص لا يدخل بيتًا، فأدخل رأسه فيه، وسائرُ بدنه خارج، لم يحنث، وكذلك الحلف على الخروج منه؛ فإنه موازن الدخول، وحكم بعض البدن في ذلك حكم الرَّأس. ومنها: جواز ترجيل المعتكف رأسَه، وفي معناه حلقُ شعره، وتقليمُ أظفاره، وتنظيفُ بدنه من الشَّعث. ومنها: طهارة الحائض. ومنها: منع الحائض من المسجد. ومنها: جواز ملامسة الحائض للمعتكف وغيره. ومنها: أنَّ الخروج من المعتكف للحاجة الضرورية التي لا يمكن فعلها في المسجد جائز، وهذا الحديث بعمومه يدل على ذلك، وأنَّه ممنوع من الخروج لغير الحاجةِ الضَّرورية؛ حيث إنَّ الضَّرورة دعت إليه، والمسجد مانع منه. وكلُّ ما ذكره الفقهاء من الجواز في ذلك، واختلفوا فيه، فهذا الحديث يدلُّ على عدم الخروج له كما ذكرنا. ولا بدَّ أنَّ يضم إلى الحاجة المجوزة للخروج قيام الدَّاعي الشرعي في بعضه. وهذا كلُّه إنَّما يقول به على سبيل الاستحباب وتأكُّده؛ إذ الاعتكاف سنَّة مؤكدة، ومعلوم أنَّ من دخل في تطوّع، لا يلزمه إتمامه؛ إلا إذا التزمه بالنذر، إلا أنَّ يقول قائل بأن دخل في الاعتكاف استحبابًا بما يلزمه إتمامه؛ كمذهب مالك، وأبي حنيفة في منع الخروج من صلاة التَّطوُّع وصيامه، فيتقيد الخروج لغير الحاجة للتحريم لا الكراهة. وقد ذكروا في عيادة المريض، وصلاة الجنازة وشبههما، المنعَ، إلَّا إذا خرج للضرورة، فسأل عن المريض من غير لبث وتعريج، فإنَّه يجوز، كما فعلته عائشة ﵂، وفي فعلها إشعار بالمنع من العيادة على غير الوجه الَّذي ذكرناه، والله أعلم. ومنها: استقرار المرأة في بيت الزوج، وإن لم يكن له حاجة في الدُّخول

стр. 919

إليه، أو له مانع ضروري شرعي، أو غيره؛ من دخوله لسفر واعتكاف، والله أعلم. وقد ذكرنا جواز اعتكاف المرأة كالرَّجل، لكن إن كانت مزوَّجة، فلا يجوز إلا بإذن الزَّوج، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، فلو أذن لها، ثمَّ منعها، فهل له ذلك؟ فيه خلاف للعلماء: قال الشَّافعي، وأحمد، وداود: له ذلك في زوجته ومملوكته في اعتكاف التَّطوُّع، وإخراجهما منه، ومنعهما مالك، وجوَّز أبو حنيفة إخراجَ المملوكة دون الزَّوجة، والله أعلم. * * * الحديث الثَّالث عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، -وَفِي رِوَايةٍ: يَوْمًا- في المَسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١). ولم يذكر بعض الرُّواة: يومًا ولا ليلة. أمَّا النَّذر، فهو واحد النُّذور، يقال: نذرت أنذُر وأنذِر بكسر الذال وضمها. وأمَّا الجاهلية، فهي ما قبل الإسلام، سُمُّوا بذلك لكثرة جهالاتهم، وتطلق الجاهلية على كل من فعل ما يخالف الإسلام والشَّرع. وأمَّا المسجد الحرام، فكان فناء حول الكعبة وفضاءً للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر [جدار] يحيط به، وكانت الدُّور محدقة به، وبين الدُّور أبواب يدخل النَّاس من كلِّ ناحية منها، فلمَّا استخلف عمر ﵁، وكثر النَّاس، وَسَّع المسجدَ، واشترى دُورًا وهدمَها وزادَها

стр. 920

فيه، واتَّخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. وكان عمر ﵁ أؤل من اتَّخذ الجدار للمسجد الحرام، ثمَّ تتابع الناس على عمارته وتوسيعه؛ كعثمان، وابن الزُّبير ﵃، ثمَّ عبد الملك بن مروان، ثمَّ ابنه الوليد، ثمَّ المنصور، ثمَّ المهديِّ، واستقر بناؤه على ذلك إلى وقتنا. ويجوز الطَّواف في جميع ذلك، وكذلك الاعتكاف. ولو وسِّع المسجد شيئًا آخر، جاز الطَّواف والاعتكاف في جميعه. واعلم أنَّ المسجد الحرام يطلق، ويراد به هذا المسجد، وهذا هو الغالب، وقد يراد به الحرم، وقد يراد به مكَّة، وقيل هذان الأمران في قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: فنها: لزوم النَّذر للقربة، وقد يستدلُّ بعمومه للزوم الوفاء بكلِّ منذور. ومنها: صحَّة النَّذر من الكافر، وهو وجه في مذهب الشَّافعي، والأشهر: لا يصحُّ؛ لأن النَّذر قربة، والكافر ليس من أهل القرب، فعلى هذا؛ يحتاج إلى تأويل هذا الحديث -في أمره بالوفاء بالنذر- على أنَّ المراد به نيَّة فعل الاعتكاف في الجاهلية، فأطلق عليه أنَّه منذور؛ لشبهه به، وقيامه مقامه في فعل ما نواه من الطَّاعة. وعلى هذا؛ يكون قوله: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" من مجاز الحذف، أو من مجاز التَّشابه، لكنَّ ظاهر الحديث خلافه، فإن دلَّ دليل أقوى من هذا الظاهر على أنَّه لا يصحُّ اعتكاف الكافر، احتيج إلى هذا الدليل، وإلَّا فلا، وقد حمل من قال: النَّذر لا يصحُّ من الكافر الأمرَ في حديث عمر ﵁ على الاستحباب، فظاهر الأمر يقتضي الوجوب، كيف ونصَّ الشَّافعي ﵀ على كراهة الابتداء بالنَّذر، ووجوب الوفاء به، بلاخلاف، وأنَّه لا يصحُّ بالنيَّة،

стр. 921

بل لا بدَّ فيه من القول مع النيَّة، مستدلًا للكراهة بقوله ﷺ : "لا تنذروا" (١)، وبنهيه عنه. ومنها: عدم اشتراط الصَّوم في الاعتكاف؛ لأنَّ اللَّيلة ليست محلًا للصَّوم. وقد أُمر عمرُ بالوفاء بالنَّذر للاعتكاف من غير صوم -وهو مذهب الشَّافعي- كما تقدَّم تقريره والخلاف فيه عن مالك، وأبي حنيفة، وغيرهما باشتراط الصَّوم فيه، وتأوَّلوا قوله: "ليلة" بيوم؛ فإنَّ اللَّيلة: تغلب في لسان العرب على اليوم، يقولون: صمنا خمسًا، والخمسُ منطلق على اللَّيالي، ولو انطلق على الأيام، لقيل: خمسة، فاطلقت اللَّيالي وأرادت الأيام. أو يقال: المراد ليلة بيومها، ويدلُّ على ذلك: أنَّها قد وردت في بعض الرِّوايات بلفظ اليوم. ومنها: سؤال العلماء عما يجهله من العلم. ومنها: سؤالهم عما كان من السائل في حال كفره. ومنها: وجوب البيان على من سئل عن علم علمه، وعدم كتمانه. * * * الحديث الرَّابع عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَكِفًا، فَأَتَيتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي -وَكَانَ مَسْكَنُهَا في دَارِ أسامَةَ بْنِ زيْدٍ-، فَمَرَّ رَجُلَان مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ، أَسْرَعَا، فقال النَّبيُّ ﷺ : "عَلَىَ رسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يا رَسُولَ اللهِ!، فقال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ الشَّيْطانُ في قُلوبِكُمَا شَرًّا، أَوْ قَالَ: شَيْئًا" (٢).

стр. 922

وَفي روايةٍ: أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ في اعْتِكافِهِ في المَسْجِدِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَة، ثمَّ ذكره بمعناه (١). أمَّا صفيَّة ﵂، فهي أمُّ المؤمنين، أمُّ يحيى بنتُ حُيي -بضمِّ الحاء وكسرها- بن أخطب بن سَعْنَة بن عبيد بن الخزرج بنِ أبي حبيب بنِ النَّضر بن النحام، النَّضريةُ من بني إسرائيل، من بنات هارون بن عمران أخي موسى بن عمران - صلى الله عليهما وسلم -، وهما من سبط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيمَ خليلِ الرَّحمن، سباها النَّبي ﷺ عامَ خيبر، في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ثمَّ أعتقها وتزوَّجها، وجعل عتقَها صداقَها، وأمُّها: برَّة بنتُ شمول، وكانت صفيَّة عند سَلَام -بتخفيف اللَّام- بنِ أشكمَ -شاعر- ثمَّ خلفَ عليها كنانة بن أبي الحقيق -وهو شاعر- فقتل يوم خيبر. قال أبو عمر: واصطفاها رسول الله ﷺ ، وصارت في سهمه، وجعل عتقها صداقها، لا يختلفون في ذلك، وهو خصوص عند أكثر الفقهاء له؛ إذ كان حكمه في النِّساء مخالفًا لحكم أمَّته. قال: ويروى: أنَّ النَّبي ﷺ دخل على صفية وهي تبكي، فقال لها: "ما يُبكيكِ؟ "، قالت: بلغني أنَّ عائشة وحفصةَ تنالان منِّي، وتقولان: نحن خيرٌ من صفيَّة، نحن بنات عمِّ رسول الله وأزواجُه، قال: "ألا قلتِ لهنَّ: كيف تكنَّ خيرًا مني، وأبي هارونُ، وعمِّي موسى، وزوجي محمَّد -صلوات الله وسلامه عليهم-؟! " (٢)، قال: وكانت صفيَّة حليمة عاقلة، فاضلة، قال: روينا أنَّ جارية

стр. 923

أتت عمر بن الخطَّاب ﵁، فقالت: إنَّ صفيَّة تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث إليها عمر بن الخطَّاب، فسألها، فقالت: أمَّا السَّبت، فإنِّي لم أحبَّه منذ أبدلني الله بيوم الجمعة، وأمَّا اليهود، فإنَّ لي منهم رحمًا، فانا أَصِلُها، قال: ثمَّ قالت للجارية: ما حملكِ على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرَّة. ورُويَ لها عن رسول الله ﷺ عشرة أحاديث، اتَّفق البخاريُّ ومسلم على هذا الحديث. وروى عنها: علي بن الحسين بن علي ﵃، وروى لها: أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجة، وماتت في رمضان زمن معاوية، سنة خمس، وقيل: في خلافة علي سنة ست وثلاثين (١). وأمَّا الرَّجلان المبهمان فقيل: إِنَّهما أُسيد بن حُضير، وعبَّاد بن بشر، صاحبا المصباحين، والله أعلم. قولها: "فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَني" -هو بفتح الياء- أي: يصرفني إلى منزلي، يقال: قلبه، يقلبه، وانقلب: إذا انصرف، قال الله : ﴿وَإِلَيهِ تُقلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١]، كان أبو هريرة يقول لمعلم الصِّبيان: اقلبهم؛ أي: اِصرفهم إلى منازلهم. وقوله ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا"، هو بكسر الرَّاء وفتحها، قيل: هما بمعنى، من التؤدة وترك العجلة؛ أي: اثبتا ولا تعجلا. وقيل: هو بالكسر: التؤدة، وبالفتح: من اللِّين والرِّفق، وأصله: السير اللَّيِّن، والمعنى متقارب.

стр. 924

وقولهما: "سُبْحَانَ اللهِ! " هو تنزيه لله، ومعناه في هذا الموضع بالذِّكر استعظامُ الأمر وتهويلُه. وقوله ﷺ : "يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ"، قيل: هو على ظاهره، وأنَّ الله - تعالى جعل له قوةً وقدرةً في الجري في باطن الإنسان مجاري دمه، وقيل: هو على الاستعارة؛ لكثرة إغوائه، ووسوسته، فكأنَّه لا يفارق الإنسان، كما لا يفارقه دمه. وقوله في الرِّواية الثانية: "عندَ بابِ أُمِّ سَلَمَةَ": هي زوجُ رسول الله ﷺ ، وتقدَّم اسمها. وفي هذا الحديث دليل على جواز زيارة المرأة المعتكف. وفيه: جواز التَّحدُّث معه. وفيه: جواز اشتغال المعتكف بالأمر يحدث له، سواء كان مندوبًا أو مباحًا. وفيه: استحباب المشي مع الزَّائر إلى باب مكان المزور، خصوصًا إذا كان فيه تأنيس، وإزالة وحشة باللَّيل ونحوه. واستدلَّ به بعضهم على جواز خروج المعتكف من المسجد، في ما لا غنى به، وليس فيه دليل؛ فإنه قد بيَّن في الرِّواية الثَّانية الغايةَ في مشيه ﷺ مع صفية إلى باب المسجد فقط، وإن كان الخروج من المسجد للمعتكف للحاجة الشَّرعية جائزًا بلا خلاف. وفيه دليل: على التحرُّز مما يقع في الوهم، ونسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي، حسب طاقته، وأنّه ينبغي للإنسان ألَّا يؤثم النَّاس بسببه، فإن رسول الله ﷺ أكرم الخلق على الله تعالى في خير قرنٍ وأشرف أمَّة، وأفضل زمان ومكان، في أفضل عبادة، ومع هذا كلِّه خشي على الرَّجلين وسوسةَ الشيطان بقذف شيء، في قلوبهما يكون مؤديًا إلى الكفر، أو هو كفر. قال بعض العلماء: ولو وقع ببالهما شيء، لكفرا. وقال سفيان بن عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث؟ فقال الشَّافعي: إن كان

стр. 925

القوم اتهموا رسول الله ﷺ ، كانوا بتهمتهم إيَّاه كفَّارًا، لكنَّ النَّبي ﷺ أدَّب مَنْ بعدَه من أمَّته، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا؛ لئلَّا يُظن بكم ظنَّ السُّوء، فقال سفيان بن عيينة: جزاك الله خيرًا، ما يجيئنا منك إلَّا كما نحب، هذا آخر كلامه (١). وهذا متأكَّد في حقِّ العلماء ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أنَّ يفعلوا فعلًا يوجب ظن السُّوء بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأنَّ ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. قال العلماء: وينبغي للحاكم أنَّ يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي، وذلك من باب نفي التُّهمة بالنِّسبة إلى الجور في الحكم، أو من باب وجوب البيان وإزالة اللَّبس. وفيه دليل: على هجوم خواطر الشَّيطان على النفس، وما كان من ذلك غيرَ مقدور على رفعه، لا يؤاخذ به؛ لقوله : ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢]، ولقوله ﷺ في الوسوسة التي يتعاظم الإنسان أنَّ يتكلَّم به: "ذلك محض الإيمان" (٢)، فجعل ﷺ تعاظمه للتكلَّم بالوسوسة محضَ الإيمان، لا الوسوسة. فالكراهة لذلك، وترك استقراره في الخاطر، وترك العمل عليه، كل واحد منهما من محض الإيمان، وقد أخطأ من جعل الوسوسة نفسَها دليلًا على خير الإنسان والعناية به، وإنَّما الخير والعناية تقعُ بدفعها واستقرارها والعمل عليها. فهجوم الخاطر لا يؤاخذ به؛ حيث إنَّه لا قدرة له فيه، واستقرارُه، والعملُ عليه، والإصرارُ يؤاخذ به.

стр. 926

وعلى ذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وهذا بيان واضح جليٌّ، فافهمه، ونسأل الله التوفيق، والله أعلم. وفيه: كمالُ شفقته بأمَّته ﷺ ؛ حيث إنَّه لمَّا خشي عليهما شرَّ الشَيطان، بادر إلى دفعه عنهما باليقين. وفيه: جواز التَّعجُّب بسبحان الله! والتَّعجُّب بها يقع على أوجه: منها: تعظيم الأمر وتهويله. ومنها: للحياء من ذكره. ومنها: لكون المحلِّ ليس قابلًا للأمر، ومن تتبع ذلك في الأحاديث النَّبوية، وجده، والله أعلم. وفيه: الأمر بالتَّؤدة وترك العجلة في الأمور، إذا لم تدع ضرورة. وفيه: جواز خطاب الرجال الأجانب، إذا كان مع المخاطب زوجه، أو أحد من محارمه، خصوصًا إذا دعت إلى المخاطبة حاجة شرعية؛ من بيان حكم، أو دفع شرٍّ، ونحوهما، وإن كان ذلك، لا يكون نقصًا من المروءة، والله سبحانه أعلم. * * *

стр. 927

كتاب الحجّ الحَجُّ -بفتح الحاء-: هو المصدر، وبالفتح والكسر جميعًا هو الاسم منه، وأصله القصد، ويطلق على العمل -أيضًا-، وعلى الإتيان به مرة بعد أخرى. قال الأزهري: هو مأخوذ من قولك: حججته: إذا أتيته مرَّة بعد أخرى (١). وفي الشَّرع: هو قصد مخصوص، من شخصٍ مخصوص، إلى محلٍّ مخصوصٍ، على وجه مخصوصٍ. * * *

стр. 928

باب المواقيت الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ ﵄: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ: ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّام: الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ: يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ؛ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّة (١). أمَّا قوله: "وَقَّتَ"، التَّوقيت: ذكر الوقت في الأصل، ثمَّ استعمل في تعليق الحكم بالوقت، فيصير التَّحديد من لوازم التَّوقيت، فيطلق عليه: توقيت. وتوقيته ﷺ هذه المواقيت للإحرام يحتمل أنَّه أراد به تحديد هذه المواضع للإحرام، ويحتمل أنه أراد به تعليق الحكم -وهو الإحرام- بوقت الوصول إليهما بشرط إرادة الحج والعمرة. ومعنى توقيت هذه الأماكن للإحرام: أنَّها لا يجوز مجاوزتها من حيث هي مواقيت، وذلك تصريح بالوجوب، وقد ورد في بعض الروايات التَّصريح بصيغة الأمر بذلك. أمَّا المدينة: فهي اسم لمدينة النَّبي ﷺ ، ولها أسماء أُخر، الدَّار، وطابة،

стр. 929

وطيبة، والعذراء، وجابرة، والمجبورة، والمحبَّة، والمحبوبة، والقاصمة؛ لأنَّها قصمت الجبابرة، وكره بعض العلماء تسميتها يثرب، وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المسمَّى، ولم تزل عزيزة في الجاهلية، تمنَّعت على الملوك السَّالفة، وغيرهم، أعزَّها الله برسوله ﷺ . وأمَّا ذو الحُلَيْفَةِ، فهو بضمِّ الحاء المهملة، وفتح اللَّام وبالفاء: موضع بقرب المدينة، عند قرية على ستة أميال منها، أو سبعة، وقيل: أربعة، وهو من مكَّة نحو عشر مراحل، وهو ماء من مياه بني جُشَم، بينهم وبين بني خفاجة العقيليين. وأمَّا ذو الحليفة الَّذي في حديث رافع بن خديج، فهو موضع من تهامة نحو ذات عرق، وليس بالمهمل (١). وأمَّا الشَّام: فتقدَّم ذكره في الطَّهارة. وأمَّا الجُحْفَة: فهو بجيم مضمومة، ثمَّ حاء مهملة ساكنة، فهي قرية جامعة بمنبر على طريق المدينة من مكَّة، على سبع مراحل أو ثمان من المدينة، وثلاث من مكَّة، كان اسمها مَهْيَعَة -بفتح الميم وسكون الهاء-، وقيدها بعضهم بكسر الهاء، مثل جميلة، فأجحفها السَّيل بأهلها، فسميت الجحفة، وهي على ستَّة أميال من البحر، وهي ميقات أهل الشَّام ومصر، إذا لم يمروا بميقات المدينة (٢). وأمَّا نَجْد: فهي بفتح النون، وهي ما بين جرش إلى سواد الكوفة، وحده من الغرب الحجاز، قال صاحب "المطالع": ونَجدٌ كلُّها من عمل اليمامة (٣). وأمَّا قَرْنُ المَنَازِلِ: فهو بفتح القاف وسكون الرَّاء، بلا خلاف، ويقال له

стр. 930

-أيضًا-: قرن الثعالب. وروي في "الصَّحيح" غير مضاف، وهو موضع تلقاء مكَّة، على يوم وليلة منها، وهو أقرب المواقيت إليها، ورواه بعضهم بفتح الرَّاء، وهو غلط، وقيل: من قال بالإسكان، أراد الجبل المشرف على الموضع، ومن قال بالفتح، أراد الطَّريق الَّذي يفترق منه، فإئَّه موضع فيه طريق مفترقة. وأمَّا قول الجوهري في "صحاحه" (١): والقرن: موضع، وهو ميقات أهل نجد، ومنه أُويس القرني، فغلط من أوجه: أحدها: جعله بالفتح موضعًا، وهو بالإسكان. الثاني: نسبة أويس القرني إليه، وهو منسوب إلى بطن من مراد يقال له: قَرَن، بالفتح. والثَّالث: جعله ميقات أهل نجد، والميقات بالإسكان بلا خلاف، كما بيَّنَّاه، فالمكان بالإسكان، والقبيلة بالفتح، والنسبة إليها بالفتح بلا خلاف. وممن ذكر ذلك على الصَّواب: الدَّارقطني، والسَّمعاني، وابن حبيب، في "المختلف والمؤتلف في أسماء قبائل العرب"، والله أعلم (٢). وأمَّا اليَمَنُ: فهو الإقليم المعروف، سُمِّي يمنًا؛ لأنَّه عن يمين الحجر الأسود، والشَّام عن شماله، والحجر الأسود مستقبل مطلع الشَّمس. قال صاحب "المطالع" (٣): اليمن: كل ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور، واليمامة: مدينة اليمن، على يومين من الطَّائف، وعلى أربعة من مكَّة، ولها عمائر، وأعدتها حجر اليمامة، وهي من عداد أرض نجد، وتسمَّى: العروض، بفتح العين، هذا آخر كلامه. وقال السَّمعاني في "أنسابه" (٤): اليمنيُّ: نسبة إلى اليمن، وبلاد اليمن بلاد

стр. 931

عريضة كبيرة، وقد ورد في فضائلها أحاديث عدة، قد ذكرتها في "النزاع إلى الأوطان"، وإنَّما قيل لها اليمن؛ لأنها يمين الأرض، كما أنَّ الشام شمال الأرض. هذا آخر كلامه، والله أعلم. وأمَّا يَلَمْلَم: فهو بفتح الياء واللأَمين، والميم ساكنة بينهما، ويقال فيه: ألملم؛ وهو الأصل، والياء بدل منها، وهو على مرحلتين من مكَّة. وقال ابن السيد: يلملم، ويرمرم، باللَّام والرَّاء المكرَّرتين (١). وأمَّا قوله ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ": الضَّمير في "هنَّ لهنَّ" عائد إلى المواضع والأقطار المذكورات، وهي: المدينة، والشَّام، واليمن، ونجد؛ أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد: أهلها. وقد ورد ذكر الأهل في بعض الرِّوايات، وحذفه من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وقوله ﷺ : "وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" يقتضي أنَّه إذا مرَّ بهن من ليس هنَّ ميقاته: أنَّ يحرم منهنَّ ولم يجاوزهنَّ غيرَ محرم؛ كالشَّامي يمرُّ بميقات المدينة ذي الحليفة، فيلزمه الإحرام منها، ولا يتجاوزها إلى الجحفة الَّتي هي ميقاته، وكذا الباقي، وهذا لا خلاف فيه عند الشَّافعية، وأمَّا المالكيَّة، فإنَّهم نصُّوا على أنَّ له مجاوزته إلى الجحفة، ومن أطلق من الشَّافعية أنَّه لا خلاف فيه، فمراده: في مذهبه. ولا شكَّ أنَّ قوله: "وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" عامٌّ فيمن أتى عليهنَّ،

стр. 932

سواء كان ميقات بلده، أو غيره؛ كأهل الشَّام والجحفة إذا مرُّوا بين يدي هذه المواقيت، ومن لم يمرَّ بين يديها، فإنَّه عامٌّ بالنِّسبة إلى من يمر بميقات آخر أيضًا. فإن عملنا بالعموم الأوَّل، دخل تحته هذا الشَّاميُّ الَّذي مرَّ بذي الحليفة، فلزم أنَّ يحرم منها، وإن عملنا بالعموم الثَّاني، وهو أنَّ لأهل الشَّام الجحفة، دخل تحته هذا المارّ أيضًا بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها، فلكلِّ واحد منهما عموم من وجه، فكما يحتمل أنَّ يقال: "وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ أَهْلِهِنَّ" مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه، يحتمل أنَّ يقال: "ولأهل الشَّام الجحفة"، مخصوص بمن لم يمرَّ بشيء من هذه المواقيت. وقوله: "مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ": يقتضي تخصيص هذا الحكم بالمريد لأحدهما، أو لهما، وأَنَّه إذا لم يرد واحدًا منهما، لا يلزمه الإحرام، وله التَّجاوز غير محرم. واستدلَّ به على أنَّه لا يلزمه الإحرام لمجرَّد دخول مكَّة، وهو أحد قولي الشَّافعي، فمن لا يريد حجًّا ولا عمرة، أنَّه لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، وهو الرَّاجح عند أصحابه. وهذا الاستدلال أولًا: يتعلَّق بأنَّ المفهوم له عموم؛ من حيث إنَّ مفهومه ألا يريد حجًّا ولا عمرة ولا دخول مكَّة، ومن لا يريد حجًّا ولا عمرة، ويريد دخول مكَّة. وفي عموم المفهوم نظر في الأصول، وعلى تقدير أنَّ يكون له عموم، فإذا دلَّ الدَّليل على دخول مكَّة، وعلى وجود الإحرام لدخول مكَّة، وكان ظاهر الدَّلالة لفظًا، قدّم على هذا المفهوم؛ لأن المقصود بالكلام حكمُ الإحرام بالنِّسبة إلى هذه الأماكن، ولم يقصد به بيان حكم الدَّاخل إلى مكَّة، والعموم إذا لم يقصد به [...]، فدلالته ليست بتلك القوة، إذا ظهر من السِّياق المذكور المقصود من اللَّفظ. واستدلَّ على أنَّ الحجَّ ليس على الفور؛ لأنَّ من مرَّ بهذه المواقيت لا يريد

стр. 933

الحجَّ والعمرة، يدخل تحته من لم يحجَّ، فيقتضي اللَّفظ أنَّه لا يلزمه الإحرام من حيث المفهوم، ولو وجب على الفور، للزمه، أراد الحجَّ أولم يرده، وفيه من الكلام ما في المسألة قبلها. وقد اختلف العلماء في الحجِّ، هل يجب على الفور، أو التَّراخي؟ فقال الشَّافعي، وأبو يوسف، وطائفة: هو على التَّراخي، إلا أنَّ ينتهي إلى حال يظنُّ فواته لو أخَّره عنها، واستدلوا على قولهم بأنَّ فريضة الحجَّ كانت سنة خمسٍ أو ست أو ثمان من الهجرة -على أقوال في ذلك-، ولم يحجَّ رسول الله ﷺ إلَّا في سنة عشر، فلو كان واجبًا على الفور، لم يؤخره ﷺ . وقال مالك، وأبو حنيفة، وآخرون: هو على الفور، والله أعلم. قوله: "وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" يقتضي أنَّ مَنْ منزلُه بين مكَّة والميقات إذا أنشأ السَّفر للحجِّ أو العمرة، فميقاته منزلُه، ولا يلزمه المسير إلى الميقات المنصوص عليه من هذه المواقيت. وقوله ﷺ : "حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ": يقتضي أنَّ أهل مكَّة يحرمون منها، وهو مخصوص بالإحرام بالحجِّ، فمن كان من أهل مكَّة، أو واردًا إليها، وأراد الإحرام بالحج، فميقاته نفسُ مكَّة، ولا يجوز له ترك مكَّة والإحرام بالحجِّ من خارجها، سواء الحرم والحلّ. وهذا هو الصَّحيح في مذهب الشَّافعي، وفيه وجه: أنَّه يجوز أنَّ يحرم به من الحرم، كما يجوز من مكَّة؛ لأن حكم الحرم حكم مكَّة، ويجوز أنَّ يحرم من جميع نواحي مكَّة؛ بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها. وفي الأفضل، قولان للشَّافعية؛ أصحُّهما: من باب داره، والثَّاني: من المسجد الحرام، تحت الميزاب. أمَّا الإحرام بالعمرة، فإنَّه من أدنى الحلّ، والله أعلم. وأجمع العلماء على أنَّ هذه المواقيت مشروعة، تحرم مجاوزتها، فلو

стр. 934

جاوزها، أثم، ولزمه دم، وصحَّ حجُّه عند مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي، وأحمد، والجمهور. وقال عطاء والنَّخعي: لا شيء عليه. وقال سعيد بن جبير: لا يصحُّ حجُّه. وفائدة الإحرام من هذه المواقيت تحرم مجاوزتها بغير إحرام، وأنّه يلزمه الدَّم، فلو عاد إلى الميقات قبل التلبّس بنسك، سقط عنه الدَّم، وفي المراد بهذا النُّسك خلاف منتشر. أمَّا من لا يريد حجًّا ولا عمرة، فلا يلزمه الإحرام لدخول مكَّة على الصَّحيح كما تقدَّم، سواء دخل لحاجة تتكرر؛ كحطَّاب، وحشَّاش، وصيَّاد، ونحوهم، أم لا؛ كتجارة وزيارة ونحوهما. وأمَّا من مرّ بالميقات غيرَ مريد دخول الحرم، بل لحاجة دونه، ثمَّ بدا له أنَّ يحرم، فيحرم من موضعه الَّذي بدا له فيه، فإن جاوزه بلا إحرام، ثمَّ أحرم، أَثِمَ، ولزمه دم. وإن أحرم من الموضع الَّذي بدا له، أجزأه، ولا دم عليه، ولا يكلَّف الرُّجوعَ إلى الميقات. هذا هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال أحمد وإسحاق: يلزمه الرُّجوع إلى الميقات، والله أعلم. وفي هذا الحديث: دليل على فضيلة مكَّة، والحرم، والحج والعمرة؛ حيث إن الله شرع هذه المواقيت، والإحرام لمن أراد دخولهما؛ تشريفًا وتعظيمًا، أو التلبُّس بهما، أو بأحدهما، والله أعلم. وفيه دليل: على أنَّ هذه الأربعة المنصوص عليها مواقيت لأهلها المذكورين، بنصِّ النَّبي ﷺ ، وأمَّا من عداهم؛ كأهل العراق، ومَنْ في معناهم على خطِّهم، فقد اختلف العلماء فيهم:

стр. 935

هل ميقاتهم بنصٍّ منه ﷺ ، أم باجتهاد من عمر بن الخطَّاب ﵁؟ وهو وجهان لأصحاب الشَّافعي ﵀؛ أصحُّهما، وهو نص الشَّافعي في "الأم" (١): أنَّه اجتهاد من عمر، وهو في "صحيح البخاري" (٢). ومن قال منهم: إنَّه بنص، استدلَّ بحديث ضعيف عن جابر، غير مجزوم برفعه: أنَّ ميقاتهم ذات عرق، وقد ضعَّفه الدَّارقطني (٣) بما ذكرناه، وهو صحيح، وبأن العراق لم تكن فُتحت في زمن النَّبي ﷺ ، وهو فاسد؛ لأنَّه غير ممتنع أنَّ يخبر النَّبي ﷺ بميقات ناحيةٍ قبل فتحها، ويكون إخباره من معجزات نبوَّته ﷺ ، وإخباره بالمغيبات المستقبلات؛ كتوقيته لأهل الشام الجحفة، ومعلوم أنَّه لم يكن فتح حينئذ. وقد ثبتت الأحاديث الصَّحيحة: أنَّه أخبر بفتح الشَّام واليمن والعراق، وأنَّهم يأتون إليها بتشوُّق، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وأنَّه ﷺ أخبر بأنَّه زُويت

стр. 936

له مشارق الأرض ومغاربها (١)، وقال: "سيبلغُ ملكي ما زُوي لي منها" (٢)، وأنَّهم سيفتحون مصر، وهي أرض يذكر فيها القيراط (٣)، وأنَّ عيسى ﷺ ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، (٤) إلى غير ذلك مما يطول ذكره، والله أعلم. وفيه دليل: على جواز إطلاق الميقات على الأمكنة، وإن كان أصله في الأزمنة، ولهذا قال الفقهاء: للحجِّ والعمرة ميقاتان: زمانيٌّ، ومكانيٌّ، وسواء كل واحد منهما، والله أعلم. * * * الحديث الثَّاني عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" (٥). إنَّما أخَّر حديث ابن عمر عن حديث ابن عبَّاس ﵃ وإن كان ابن عمر أحفظ وأضبط لأحاديث المواقيت والمناسك؛ حيث حجَّ مع النبي ﷺ ،

стр. 937

وضبط أماكن نزوله وصلاته فيها، وتتبعها ﵁ بعده ﷺ ، وصلَّى فيها اقتداءً وتبرُّكًا؛ لأن في حديث ابن عباس ﵄ الجزمَ بتوقيت النَّبي ﷺ لميقات أهل اليمن، ولم يذكر ذلك في حديث ابن عمر، بل ذكره بغير صيغة سماعه من النَّبي ﷺ ، فقال: وبلغني، فلهذا أخَّره، وأتى بصيغة الخبر في الإهلال، والمراد به الأمر به؛ حيث إنَّه أبلغُ فيه من صيغة الأمر؛ إذ الخبر من حيث موضعُه لا يُتصوَّر فيه الحلف، بخلاف الأمر، فيكون ذكره له بصيغة الخبر توكيدًا، والله أعلم. * * *

стр. 938

باب ما يَلْبسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّياب الحديث الأوَّل عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: "لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ" (١). وللبخاريِّ: "وَلَا تَنتَقِبُ المَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" (٢). أمَّا ابن عمر، فقد تقدَّم ذكره والكلام عليه. وأمَّا الرَّجل المبهم: فلا أعلم له ذكرًا فيما اطلعت عليه من نوعه. وأمَّا القُمُصُ: فجمع قميص، وهو معروف، يقال: تقمَّصت القميص: إذا لبسته، وتقمَّصت الأمر استعارة: إذا دخلت فيه. وأمَّا العَمَائم: فجمع عِمامة، وهو ما يُلفُّ به الرَّأس، سُمِّيت بذلك لأنَّها تعمُّ جميع الرَّأس بالتغطية.

стр. 939

وأمَّا السَّرَاوِيلَات: فهي جمع سراويل، وهي مؤنَّثة عند الجمهور، وقيل: مذكَّر، والجمهور: على أنَّها أعجمية معرَّبة، وقيل: عربيَّة، والجمهور على أنَّها مفردة، وجمعها: سراويلات، وقيل: سراويل جمع سروالة، ويقال فيها: سراوين، بالنُّون، وبعض الأعراب تقول: سِرْوال -بالسِّين المهملة-، وبعضهم: بالشين المعجمة، ويقال: سرولته فتسرول؛ أي: ألبسته السراويل، والأكثرون على أنَّه لا ينصرف إذا كان نكرة، وقيل: ينصرف (١). وأمَّا البرَانِسُ: فجمع بُرنُس، -بضمِّ الباء والنّوُن-، وهو كلُّ ثوب رأسه ملتزق به ذراعه، كان أو جبة أو غيرهما، وقال ابن دريد: البُرنس -بضمِّ الباء-: نوع من الطَّيالسة يلبسه العبَّاد، وأهل الخير، قاله ابن قرقول في: "المطالع". وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النُّسَّاك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البُرس -بضمِّ الباء-، وهو القطن، والنُّون زائدة. وقيل: إنَّه غير عربي (٢). وأَمَّا الخِفَافُ: فجمع خفٍّ، ويجمع على أخفاف أيضًا، ذكره صاحب "المطالع"، وهو معروف (٣). أَمَّا الزَّعفَرَانُ: فهو نبت يكون باليمن، وورد ذكره في الحديث كثيرًا. وأمَّا الوَرْسُ: فهو نبت باليمن، أصفر، تصبغ به الثِّياب، والخبر معروف. وفي الحديث: ثياب ورسية، وملحفة وريسة؛ أي: مصبوغة به. وقال أبو بكر بن العربي ﵀ (٤): الورس نبات يزرع باليمن زرعًا، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون قويًّا، نباته مثل السمسم، فإذا جفَّ، تفتَّتت

стр. 940

خرائطه، فينتفض منه الورس أحمر، يزرع سنةً، فيقيم في الأرض عشر سنين، ينبت ويثمر، وأجوده حديثه. يقال: أورس فهو وارس، وتورس لغة ضعيفة. وأمَّا القُفَّاز: فهو بضمِّ القاف، وتشديد الفاء، وهو شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن، يغطي الأصابع والكفَّ والسَّاعد من البرد، يحشى بقطنٍ، ويكون له أزرار يزر على السَّاعدين، وهما قفَّازان، وقيل: هو ضرب من الحليِّ تتخذه المرأة ليديها. وقوله: "وَلَا تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ": يعني: المحرمة؛ أي: لا تستر وجهها بذلك، والنِّقاب: شدُّ الخمار على الأنف، وقيل: على المحجر. أَمَّا الحكمة في تحريم هذه المذكورات على المُحرم؛ فَلِما فيها من التَّرفُّه والتزيُّن؛ ليتصف بصفة الخاشع الذليل، وليتذكَّر أنَّه محرم في كلِّ وقتٍ، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته، وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكَّر به الموت ولباس الأكفان، وليتذكَّر البعث يوم القيامة حفاة عراة مهطعين إلى الدَّاعي. ونبَّه ﷺ بكلِّ واحد من المذكورات على ما في معناه، فنبَّه بالقميص والسَّراويل على كلِّ مخيط، أو مخيطٍ معمول على قدر البدن، أو عضوٍ منه؛ كالجوشن والرَّان والتبَّان وغيرها. ونبَّه بالعمائم والبرانس على كلِّ ساترٍ للرَّأس، مخيطًا كان أو غيره، حتَّى العصابة، فإنَّها حرام، فإن احتاج إليها لصداع أو شَجَّة ونحوها، شدَّها، ولزمته الفدية. ونبَّه بالخِفَاف على كل ساتر للرِّجل من مداسٍ وجمجم، وجورب وغيرها. ونبَّه بالوَرْسِ والزَّعْفَرَان على كلِّ طيب، فيحرم على كلِّ محرم، رجلًا كان أو امرأة، جميعُ أنواع الطِّيب الَّذي يقصد له، أما ما لا يقصد له؛ كالأترج والتُّفاح، وأزهار البراري؛ كالقيصوم ونحوه، فليس بحرام؛ لأنَّه لا يقصد للطيب.

стр. 941

أمَّا المرأة: فإنَّه يباح لها ستر جميع بدنها بكلِّ ساتر، إلا سترَ وجهها وكفَّيها بغير القفَّازين، وفي ستر يديها به خلاف للعلماء، وهما قولان للشَّافعيِّ: أصحُّهما: تحريمه؛ للحديث، والله أعلم. فإن قيل: سؤال الرَّجل للنَّبيِّ ﷺ إنَّما هو عمَّا يلبس المحرمُ، والجوابُ وقع عمَّا لا يلبس! فالجواب: أنَّ هذا من باب بديع الكلام وجزله، وهو أنَّه إذا كان المسؤول عنه غير منحصر، وغيرُه منحصر: أنَّه يُجاب بالمنحصر؛ لينضبط المسؤول عنه للسائل، فينتهي عن المنحصر، ويلبس ما سواه؛ تنبيهًا على أمرين: أحدهما: أنَّ الإباحة هي الأصل فيه. والثاني: أنَّه لا ينبغي أنَّ يعتبر أنَّ يتغيَّر في الجواب المطابقة للسؤال، بل المعتبر ما يحصل المقصود، وكيف كان، ولو بتغير، أو زيادة، ولا تشترط المطابقة، وذلك لأنَّ مطلوب الشَّرع البيان والتقريب إلى الأفهام، وبأيِّ نوع كان يرجَّح الإتيان به على غيره. وبهذا شُرِّفَ اللِّسان العربيُّ على غيره من الألسنة، حتَّى جعله الله لسانَ أهل الجنّة ولغتَهم، والله أعلم. وفي هذا الحديث أحكام: منها: تحريم ما ذكر على المحرم في الحديث، وهو إجماع واتِّفاق من العلماء. وعدّاه القياسون إلى ما رواه في معناه على ما ذكرناه. ومنها: أنَّ المحرم هو من دخل في الحجِّ أو العمرة معًا، أو أحدهما، والإحرام: الدُّخول في أحد النُّسكين، والتشاغل بأعمالهما، قاله شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀. وقد كان شيخنا العلَّامة أبو محمَّد بن عبد السلام يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدًّا، ويبحث فيه كثيرًا، وإذا قيل: إنَّه النيَّة، اعترض عليه بأنَّ النيَّة شرط الحجِّ الَّذي الإحرام ركنُه، وشرط الشَّيء غيرُه، ويعترض عليه أنَّ التَّلبية، بأنَّها

стр. 942

ليست بركن، والإحرام ركن هذا أو قريب منه، وكان يحوم على فعل تتعلق به النيَّة من الابتداء (١). ومنها: التنبيه على عظم عبادة الحجِّ والعمرة؛ باعتبار ما فيهما مشروع من شرائطهما وأركانهما وواجباتهما وسننهما وآدابهما، والخروج عن العادات المألوفات. ومنها: جمع لهم ما من تلبّس بهما لمقاصد الآخرة، والإعراض عن مقاصد الدُّنيا وملاذها وترفها. ومنها: اغتفار ما منع الشَّرع من إتلافه بسببهما، وهو قطع الخفِّ من أسفل الكعبين، إذا لم يجد نعلين، مع نهيه ﷺ عن إضاعة المال. وجوَّزت الحنابلة جواز لبس الخفَّين للمحرم من غير قطعهما، وقالوا: روى ابن عبَّاس وجابر مرفوعًا: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ" (٢)، ولم يذكر قطعهما، فكأنَّهم يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرِّح بقطعهما بذلك، ويزعمون أنَّ قطعهما إضاعة مال، والَّذي قاله مالك، وأبو حنيفة، والشَّافعيُّ، وجماهير العلماء: أنَّه لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين. والنَّسخ لا يصار إليه إلا بتعين تاريخ متأخِّر، كيف وحديث ابن عبَّاس وجابر مطلق، وحديث ابن عمر مقيَّد، والمطلق يحمل على المقيَّد، والزيادة من الثِّقة مقبولة. وقولهم: إنَّه إضاعة مال، غير مقبول؛ فإنَّ الإضاعة إنَّما تكون فيما نهى

стр. 943

الشَّرع عنه، لا فيما أذن فيه وأمر به؛ فإن قطعهما عند عدم النَّعلين، وعدم الخفاف حقٌّ يجب الإذعان له، والله أعلم. ثم لابس الخفين لعدم النعلين من غير قطع، يجب عليه الفدية، عند أبي حنيفة وأصحابه؛ كما إذا حلق ولبس، فإنَّه يفدي، وقال مالك، والشَّافعيُّ، ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنَّه لو وجبت فدية، لبيَّنها ﷺ . ومنها: تحريم لباس الثِّياب المورَّسة والمزعفرة وما في معناهما ممَّا هو مطيَّب، على المحرم، سواء كان مخيطًا، أو محيطًا، أو غيرهما. والحكمة في تحريم ذلك: أنَّه داعية إلى الجِماع، وأنَّه ينافي حال الحاجِّ؛ فإنَّه أشعث أغبر. وسواء في تحريم ذلك الرَّجلُ والمرأة، فلو لبس مخيطًا مطيَّبًا، قاصدًا للبس والتَّطيُّب، عامدًا، لزمه فديتان بلا خلاف، وإن كان ناسيًا: فلا فدية عند الثوري، والشَّافعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة، ومالك. أمَّا اللِّباس المعصفر، فلا يحرم على المحرم، عند مالك والشَّافعيِّ، وحرَّمه الثَّوري، وأبوحنيفة، وجعلاه طيبًا، وأوجبا فيه الفدية، ويكره للمحرم لبس الثِّياب المصبوغة بغير طيب، ولا يحرم، والله أعلم. ومنها: تحريم لبس السَّراويل على المحرم مطلقًا، وبه قال مالك، وجوَّزه الشَّافعيُّ، وأحمد، والجمهور للمحرم إذا لم يجد إزارًا من غير قطعه؛ لحديثي ابن عبَّاس وجابر ﵃ في إباحته، عند عدم الإزار، وكونه لم يذكر ذلك في حديث ابن عمر هذا؛ لأنَّه ذكر حالة وجود الإزار، فلا منافاة بين الحديثين حينئذٍ، والله أعلم. ومنها: تحريم لباس القفَّازين على المحرمة، وهو الصَّحيح من قولي الشَّافعيِّ كما تقدَّم، والله أعلم. * * *

стр. 944

الحديث الثاني عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ" لِلْمُحْرِمِ (١). هذا الحديث مع حديث ابن عمر قبله، يرجعان إلى قاعدة مُجمَع عليها، وهي أنَّه مهما أمكن إعمالُ الأحاديث، وحملُ بعضها على بعض، كان أولى من إلغاء بعضها، أو نسخِه عند عدم تحقُّق النَّسخ، إذا ثبت هذا، فقد استدلَّ بهذا الحديث من لا يشترط القطع من الخفَّين عند عدم النَّعلين، فإنَّه مطلق بالنِّسبة إلى القطع وعدمه، وحملُ المطلق هاهنا على المقيَّد أولى؛ فإنَّ حديث ابن عمر المتقدِّمَ، مقيَّد فيه القطع، كيف ولفظه بصيغة الأمر، وذلك أمر زائد على الصِّيغة المطلقة، فإن لم يعمل بها، وأجزنا مطلق الخفَّين، كنَّا قد تركنا ما دلَّ عليه الأمر بالقطع، وهو غير شائع، وهذا خلاف ما لو كان المطلق والمقيَّد من جانب الإباحة؛ فإنَّ إباحة المطلق حينئذ ينتفي بزيادة ما دلَّ عليه إباحة المقيد، فإذا أخذنا بالزيادة، كان أولى؛ إذ لا معارضة بين إباحة المقيد وإباحة ما زاد عليه، فلبسُ السَّراويل إذا لم يجد إزارًا، يدلُّ هذا الحديث على جوازه من غير قطع، وهو قوي جدًّا إذا لم يرد بقطعه ما ورد في الخفين، فانتظم إعمال الحديثين من غير نسخ، والله أعلم. * * * الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ".

стр. 945

قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ يزيدُ فِيهَا: "لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ" (١). اعلم: أنَّ التَّلبية هي الإجابة، وهي مثنَّاة للتكثير والمبالغة، ومعناها: إجابة بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك، فتثنى للتوكيد. واختلف أهل اللُّغة في أنَّ لفظ التَّلبية مثنًّى أم مفرد؟ فقال سيبويه: مثنًّى؛ بدليل قلب ألفه ياء مع الظهور، وأكثر النَّاس على قول سيبويه، وقال يونس بن حبيب البصري: لبَّيك: اسم مفرد لا مثنًّى، وألفه إنَّما انقلبت ياءً لاتِّصالها بالضَّمير؛ كلَدَيَّ، وعَلَيَّ، وهو مأخوذ من أَلَبَّ بالمكان، ولبَّ: إذا أقام به؛ أي: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: من لُبِّ الشيء، وهو خالصُه؛ أي: إخلاصي لك. قيل: معناه: الخضوع، وقيل: المحبَّة، وقيل: القرب، فكأنَّه أجاب بكل واحد من هذه المعاني، قال القاضي عياض ﵀: قيل: هي الإجابة؛ لقوله تعالى لإبراهيم ﷺ : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحجّ: ٢٧]، والله أعلم (٢). وقوله: "إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ": أمَّا "إنَّ"، فتروى بكسر الهمزة؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ الحمد لله على كلِّ حال، وهو أجود في المعنى وأشهر نقلًا واختيارًا، ويروى بفتحها؛ لأنه يدلُّ على التَّعليل، كأنَّه يقول: لهذا السَّبب لبَّيتك. وأمَّا "النِّعْمَةَ لَكَ"، فالأشهر فيها النَّصب عطفًا على الحمد، ويجوز الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، وقال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر إنَّ محذوفًا، تقديره: إنَّ الحمد لك، والنِّعمة مستقرة لك. وقوله: "وَسَعْدَيْكَ" هي في إعرابها وتبيينها؛ كلبَّيك، ومعناه: مساعدة لطاعتك بعد مساعدة.

стр. 946

وقوله: "وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ"؛ أي: ابتداؤه وانتهاؤه، والتَّوفيق له من فضلك، وهو من باب صلاح الخطاب، كما في قوله : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشُّعراء: ٨٠]. وقوله: "وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ" أمَّا الرَّغباء: فتروى بفتح الرَّاء وبالمد، وبضم الراء والقصر، كالنَّعماء والنُّعمى، فمن فتح، مدَّ، ومن ضمَّ، قصر، قال القاضي عياض ﵀: وحكى أبو علي فيه -أيضًا- الفتحَ مع القصر، مثل سَكْرى، ومعناه هنا: الطَّلب والمسألة لمن بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحقِّ للعبادة، والعمل فيه محذوف تقديره: العمل والقصد إليك، والانتهاء؛ لتجازي عليه، ويحتمل أن يقدَّر: والعمل لك، والله أعلم. هذا ما يتعلَّق بألفاظ التَّلبية ومعانيها. أمَّا أحكامها: فهي مشروعة إجماعًا، واختلف العلماء، هل هي سنَّة، أم واجبة، أم شرط لصحَّة الحجِّ؟ فقال الشَّافعيُّ ﵀ وآخرون: هي سنَّة، لو تركها، صحَّ حجُّه، ولا دم عليه، وفاته الفضيلة. وقال مالك ﵀: ليست بواجبة، لكن لو تركها، لزمه دم، وصحَّ حجه. وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة، تجبر بالدَّم، ويصحُّ الحجُّ بدونها. وقال بعضهم: هي شرط لصحَّة الإحرام، فلا يصحُّ هو ولا الحجُّ إلَّا بها. والصَّحيح الأول. وينعقد الحجُّ بالنيَّة بالقلب من غير لفظٍ، كما ينعقد الصوم بها فقط عند مالك والشَّافعيِّ. وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلَّا بانضمام التَّلبية أو سَوْق الهدي إلى النيَّة، ويجزي عنده عن التلبية ما في معناها؛ من التَّسبيح والتَّهليل وسائر الأذكار، كما

стр. 947

قال في تكبيرة الصلاة: إنَّه لا يتعيَّن لفظه، بل يجوز بكل لفظ غيره، من التَّعظيم والإجلال، والله أعلم. ويستحبُّ رفع الصوت بالتَّلبية؛ بحيث لا يشقُّ على الملبِّي، ولا تؤدِّي به إلى ضرر في بدن، والله أعلم. ولا ترفع المرأة صوتها؛ لأنَّه يخاف الفتنة بصوتها غالبًا. ويستحبُّ الإكثار منها عند تغاير الأحوال، كإقبال اللَّيل والنَّهار، والصُّعود والهبوط، واجتماع الرِّفاق، والقيام والقعود، والرُّكوب والنزول، وأدبار الصَّلوات، وفي المساجد كلِّها، والأصحُّ أنَّه لا يلبِّي في الطَّواف والسعي؛ لأنَّ لهما أذكارًا مخصوصة. ويستحبُّ أن يكرّر التَّلبية في كلِّ كرة ثلاث مرَّات فأكثر، ويواليها ولا يقطعها بكلام، فإن سلِّم عليه، ردَّ السَّلام باللَّفظ، ويكره السَّلام عليه في هذه الحال، وإذا لبَّى، صلَّى على النبي ﷺ ، وسأل الله ما شاء لنفسه ولمن أحبَّه وللمسلمين، فأفضلُه سؤال الرِّضوان والجنة والاستعاذة من النَّار، وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبَّيك إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة. ولا تزال التَّلبية مستحبَّة للحاجِّ حتَّى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النَّحر، وفي طواف الإفاضة إن قدَّمه عليها، أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو الصَّحيح، وتستحبُّ للمعتمر حتَّى يشرع في الطَّواف. وتستحبُّ التَّلبية للمحرم مطلقًا، سواء الرَّجل والمرأة، والمحدِث، والجنب، والحائض؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاجُّ، غيرَ أنْ لا تطوفي" (١). * * *

стр. 948

الحديث الرَّابع عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ". وفي لفظٍ للبخاريِّ: "تُسَافِرُ مَسِيَرةَ يَوْمٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (١). اعلم أنَّ هذا الحديث روي في "الصَّحيح" على أوجه، منها: "لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلَّا وَمعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية: "فَوْقَ ثَلاَثٍ"، وفي رواية: "ثَلاَثَةٍ"، وفي رواية: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية: "لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ منها، أَوْ زَوْجُها"، وفي رواية: نهى أن تسافرَ المرأةُ مسيرةَ يومين، وفي رواية: "لا يحلُّ لا مرأةٍ مسلمةٍ تسافرُ مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعَها ذُو حرمةٍ منها"، وفي رواية: "لَا يَحِلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمِ"، وفي رواية: "مَسِيَرةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، وفي رواية: "لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". هذه روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود: "لا تسافرُ بريدًا"، والبريد: مسيرة نصف يوم (٢). قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السَّائلين، واختلاف

стр. 949

المواطن، وليس في النَّهي عن الثَّلاثة تصريحٌ بإباحة اليوم أو اللَّيلة أو البريد. قال البيهقيُّ: كأنه ﷺ سُئل عن المرأة، تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمَيْنِ، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمٍ، فقال: "لَا"، وَكَذلكَ البريد، فأدَّى كلٌّ منهم ما سمعه (١)، وما جاء منها مختلفًا، عن راو واحد، فسمعه في مواطن، يروي تارة هذا، وتارة هذا، وكلُّه صحيح، وليس في هذا كلّه تحديد لأقلِّ ما يقع عليه اسم السَّفر، ولم يُرد ﷺ تحديدَ أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل: أن كلَّ ما يسمى سفرًا تنتهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيَّام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عبَّاس ﵄ المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السَّابقة: "لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفرًا، والله أعلم. واعلم: أنَّه لا بدَّ من تبيين المَحْرَمِ، ومعرفة حدِّه، وحقيقته: قال العلماء من الشَّافعية: المحرم من النِّساء التي يجوز النَّظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها: كلُّ من حرم نكاحها على التَّأبيد بسبب مباح؛ لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة، وعمتها وخالتها ونحوهنَّ. وقوله: بسبب مباح: احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنَّهما يحرَّمان على التَّأبيد وليستا محرَّمتين؛ لأن وطء الشُّبهة لا يوصف بالإباحة؛ حيث إنَّه ليس بفعل مكلَّف. وقولنا: لحرمتها، احتراز من الملاعنة؛ فإنَّها محرَّمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا، والله أعلم. أمَّا قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ"، فهو عامٌّ في كلِّ امرأة، سواء الشَّابة والعجوز. وحكى القاضي عياض عن الباجي من المالكيَّة: أنَّه قال: هذا عندي في

стр. 950

الشَّابة، فأمَّا الكبيرة غير الشابة، فتسافر كيف شاءت كلَّ الأسفار بلا زوج ولا محرم. قال شيخنا أبو زكريَّا النَّوويُّ، -قدَّس الله روحه-: وهذا الذَّي قاله الباجي لا يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنَّة الطَّمع فيها والشَّهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكلِّ ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء النَّاس وسقطتهم ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلَّة دينه ومروءته، وكثرة خيانته، ونحو ذلك، والله أعلم (١). قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: والَّذي قال الباجي تخصيص للعموم بالنَّظر إلى المعنى، وخالفه بعض الشَّافعية المتأخِّرين، قال: وقد اختار هذا الشَّافعي: أن المرأة تسافر بالأمر ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها من جملة القافلة، وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث، والله أعلم (٢). وقوله ﷺ : "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ". تنبيه: يوصف الإيمان بالله، واليوم الآخر على العمل بأحكام الشَّرع، والوقوف مع حدوده، في الظَّاهر والباطن، وأنَّ الحامل على ذلك إنَّما هو الإيمان لا غير، فإن من علم أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ بالذنب وأنَّه محاسب عليه يوم القيامة، حمله ذلك على التَّقيُّد بفعل المأمور، وترك المنهيِّ، وذلك هو المطلوب، والله أعلم. وقوله ﷺ : "أَنْ تُسَافِرَ" هو مطلق في كلِّ سفر، طويلًا كان أم قصيرًا، كما بيَّنَّاه في الكلام على روايات الحديث. وهل هو عامٌّ في سفر كل طاعة، أم مخصَّص؟ أمَّا سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، فاتَّفق العلماء على وجوبه، وإن لم يكن معها أحد من محارمها.
следующие страницы →