وقوله: "وَالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ"؛ أي: ابتداؤه وانتهاؤه، والتَّوفيق له من فضلك، وهو من باب صلاح الخطاب، كما في قوله : ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشُّعراء: ٨٠].
وقوله: "وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالعَمَلُ" أمَّا الرَّغباء: فتروى بفتح الرَّاء وبالمد، وبضم الراء والقصر، كالنَّعماء والنُّعمى، فمن فتح، مدَّ، ومن ضمَّ، قصر، قال القاضي عياض ﵀: وحكى أبو علي فيه -أيضًا- الفتحَ مع القصر، مثل سَكْرى، ومعناه هنا: الطَّلب والمسألة لمن بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحقِّ للعبادة، والعمل فيه محذوف تقديره: العمل والقصد إليك، والانتهاء؛ لتجازي عليه، ويحتمل أن يقدَّر: والعمل لك، والله أعلم.
هذا ما يتعلَّق بألفاظ التَّلبية ومعانيها.
أمَّا أحكامها: فهي مشروعة إجماعًا، واختلف العلماء، هل هي سنَّة، أم واجبة، أم شرط لصحَّة الحجِّ؟ فقال الشَّافعيُّ ﵀ وآخرون: هي سنَّة، لو تركها، صحَّ حجُّه، ولا دم عليه، وفاته الفضيلة.
وقال مالك ﵀: ليست بواجبة، لكن لو تركها، لزمه دم، وصحَّ حجه.
وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة، تجبر بالدَّم، ويصحُّ الحجُّ بدونها.
وقال بعضهم: هي شرط لصحَّة الإحرام، فلا يصحُّ هو ولا الحجُّ إلَّا بها.
والصَّحيح الأول.
وينعقد الحجُّ بالنيَّة بالقلب من غير لفظٍ، كما ينعقد الصوم بها فقط عند مالك والشَّافعيِّ.
وقال أبو حنيفة: لا ينعقد إلَّا بانضمام التَّلبية أو سَوْق الهدي إلى النيَّة، ويجزي عنده عن التلبية ما في معناها؛ من التَّسبيح والتَّهليل وسائر الأذكار، كما
стр. 947
قال في تكبيرة الصلاة: إنَّه لا يتعيَّن لفظه، بل يجوز بكل لفظ غيره، من التَّعظيم والإجلال، والله أعلم.
ويستحبُّ رفع الصوت بالتَّلبية؛ بحيث لا يشقُّ على الملبِّي، ولا تؤدِّي به إلى ضرر في بدن، والله أعلم.
ولا ترفع المرأة صوتها؛ لأنَّه يخاف الفتنة بصوتها غالبًا.
ويستحبُّ الإكثار منها عند تغاير الأحوال، كإقبال اللَّيل والنَّهار، والصُّعود والهبوط، واجتماع الرِّفاق، والقيام والقعود، والرُّكوب والنزول، وأدبار الصَّلوات، وفي المساجد كلِّها، والأصحُّ أنَّه لا يلبِّي في الطَّواف والسعي؛ لأنَّ لهما أذكارًا مخصوصة.
ويستحبُّ أن يكرّر التَّلبية في كلِّ كرة ثلاث مرَّات فأكثر، ويواليها ولا يقطعها بكلام، فإن سلِّم عليه، ردَّ السَّلام باللَّفظ، ويكره السَّلام عليه في هذه الحال، وإذا لبَّى، صلَّى على النبي ﷺ ، وسأل الله ما شاء لنفسه ولمن أحبَّه وللمسلمين، فأفضلُه سؤال الرِّضوان والجنة والاستعاذة من النَّار، وإذا رأى شيئًا يعجبه قال: لبَّيك إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة.
ولا تزال التَّلبية مستحبَّة للحاجِّ حتَّى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النَّحر، وفي طواف الإفاضة إن قدَّمه عليها، أو الحلق عند من يقول: الحلق نسك، وهو الصَّحيح، وتستحبُّ للمعتمر حتَّى يشرع في الطَّواف.
وتستحبُّ التَّلبية للمحرم مطلقًا، سواء الرَّجل والمرأة، والمحدِث، والجنب، والحائض؛ لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "اصنعي ما يصنع الحاجُّ، غيرَ أنْ لا تطوفي" (١).
* * *
стр. 948
الحديث الرَّابع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ".
وفي لفظٍ للبخاريِّ: "تُسَافِرُ مَسِيَرةَ يَوْمٍ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (١).
اعلم أنَّ هذا الحديث روي في "الصَّحيح" على أوجه، منها: "لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ ثَلاَثًا إِلَّا وَمعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية: "فَوْقَ ثَلاَثٍ"، وفي رواية: "ثَلاَثَةٍ"، وفي رواية: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ"، وفي رواية: "لَا تُسَافِرُ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ منها، أَوْ زَوْجُها"، وفي رواية: نهى أن تسافرَ المرأةُ مسيرةَ يومين، وفي رواية: "لا يحلُّ لا مرأةٍ مسلمةٍ تسافرُ مسيرةَ ليلةٍ إلا ومعَها ذُو حرمةٍ منها"، وفي رواية: "لَا يَحِلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلا مَعَ ذِي مَحْرَمِ"، وفي رواية: "مَسِيَرةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ"، وفي رواية: "لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
هذه روايات مسلم، وفي رواية لأبي داود: "لا تسافرُ بريدًا"، والبريد: مسيرة نصف يوم (٢).
قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السَّائلين، واختلاف
стр. 949
المواطن، وليس في النَّهي عن الثَّلاثة تصريحٌ بإباحة اليوم أو اللَّيلة أو البريد.
قال البيهقيُّ: كأنه ﷺ سُئل عن المرأة، تسافر ثلاثًا بغير محرم، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمَيْنِ، فقال: "لَا"، وَعَنْ يَوْمٍ، فقال: "لَا"، وَكَذلكَ البريد، فأدَّى كلٌّ منهم ما سمعه (١)، وما جاء منها مختلفًا، عن راو واحد، فسمعه في مواطن، يروي تارة هذا، وتارة هذا، وكلُّه صحيح، وليس في هذا كلّه تحديد لأقلِّ ما يقع عليه اسم السَّفر، ولم يُرد ﷺ تحديدَ أقل ما يسمَّى سفرًا، فالحاصل: أن كلَّ ما يسمى سفرًا تنتهي عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيَّام، أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك؛ لرواية ابن عبَّاس ﵄ المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السَّابقة: "لا تسافر المرأة إلَّا مع ذي محرم"، وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفرًا، والله أعلم.
واعلم: أنَّه لا بدَّ من تبيين المَحْرَمِ، ومعرفة حدِّه، وحقيقته:
قال العلماء من الشَّافعية: المحرم من النِّساء التي يجوز النَّظر إليها والخلوة بها، والمسافرة بها: كلُّ من حرم نكاحها على التَّأبيد بسبب مباح؛ لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة، وعمتها وخالتها ونحوهنَّ.
وقوله: بسبب مباح: احتراز من أمِّ الموطوءة بشبهة، وبنتها، فإنَّهما يحرَّمان على التَّأبيد وليستا محرَّمتين؛ لأن وطء الشُّبهة لا يوصف بالإباحة؛ حيث إنَّه ليس بفعل مكلَّف.
وقولنا: لحرمتها، احتراز من الملاعنة؛ فإنَّها محرَّمة على التأبيد بسبب مباح، وليست محرمًا؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل عقوبة وتغليظًا، والله أعلم.
أمَّا قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ"، فهو عامٌّ في كلِّ امرأة، سواء الشَّابة والعجوز.
وحكى القاضي عياض عن الباجي من المالكيَّة: أنَّه قال: هذا عندي في
стр. 950
الشَّابة، فأمَّا الكبيرة غير الشابة، فتسافر كيف شاءت كلَّ الأسفار بلا زوج ولا محرم.
قال شيخنا أبو زكريَّا النَّوويُّ، -قدَّس الله روحه-: وهذا الذَّي قاله الباجي لا يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنَّة الطَّمع فيها والشَّهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكلِّ ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء النَّاس وسقطتهم ما لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلَّة دينه ومروءته، وكثرة خيانته، ونحو ذلك، والله أعلم (١).
قال شيخنا أبو الفتح القاضي ﵀: والَّذي قال الباجي تخصيص للعموم بالنَّظر إلى المعنى، وخالفه بعض الشَّافعية المتأخِّرين، قال: وقد اختار هذا الشَّافعي: أن المرأة تسافر بالأمر ولا تحتاج إلى أحد، بل تسير وحدها من جملة القافلة، وتكون آمنة. وهذا مخالف لظاهر الحديث، والله أعلم (٢).
وقوله ﷺ : "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ".
تنبيه: يوصف الإيمان بالله، واليوم الآخر على العمل بأحكام الشَّرع، والوقوف مع حدوده، في الظَّاهر والباطن، وأنَّ الحامل على ذلك إنَّما هو الإيمان لا غير، فإن من علم أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ بالذنب وأنَّه محاسب عليه يوم القيامة، حمله ذلك على التَّقيُّد بفعل المأمور، وترك المنهيِّ، وذلك هو المطلوب، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "أَنْ تُسَافِرَ" هو مطلق في كلِّ سفر، طويلًا كان أم قصيرًا، كما بيَّنَّاه في الكلام على روايات الحديث.
وهل هو عامٌّ في سفر كل طاعة، أم مخصَّص؟
أمَّا سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، فاتَّفق العلماء على وجوبه، وإن لم يكن معها أحد من محارمها.
стр. 951
وأمَّا سفر الحجِّ أو العمرة، فإن كانا واجبين، وهي مستطيعة كالرَّجل، فهل يشترط لاستطاعتها وجود محرم لها في سفرها لهما؟ فمذهب الشَّافعي في المشهور عنه: لا يشترط المحرم، بل يشترط الأمن على نفسها، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعيُّ.
قال أصحاب الشَّافعيِّ: ويحصل الأمن بزوجٍ أو محرمٍ أو نسوة ثقاتٍ، ولا يلزمها الحجُّ إلا بأحد هذه الأشياء.
واشترط أبو حنيفة المحرم لوجوب الحجِّ عليها، إلَّا أن يكون بينها وبين مكَّة دون ثلاث مراحل، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرَّأي، وحكي أيضًا عن الحسن البصريِّ والنَّخعي.
وإن كانا تطوعًا، أو سفر زيارة، أو تجارة، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبةً، فقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو محرم، وقال بعضهم: يجوز لها الخروج فيها مع نسوةٍ ثقات، كحجَّة الإسلام.
قال القاضي عياض ﵀: واتَّفق العلماء على أنَّه ليس لها أن تخرج في غير الحجِّ والعمرة، إلَّا مع ذي محرم، إلَّا الهجرة من دار الحرب، كما ذكرنا، قال: والفرق بينهما: أنَّ إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وتخشى على دينها ونفسها، وليس كذلك التَّأخر عن الحجِّ، كيف وهو مختلف في أنَّه على الفور، أم التَّراخي (١)، فالَّذين اشترطوا المحرم لوجوب الحجِّ، استدلوا بهذا الحديث، فإنَّ سفرها للحجِّ من جملة الأسفار الدَّاخلة تحته، فيمتنع إلَّا مع المحرم، والَّذين لم يشترطوه قالوا: المشترط الأمن على نفسها مع رفقةٍ مأمونين، رجالًا أو نساءً، كما تقدَّم. ولا شك أنَّ هذه المسألة تتعلَّق بالعامَّين إذا تعارضا، وكان كلُّ واحدٍ منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه: بيانه: أن قوله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] يدخل تحته الرِّجال والنِّساء، فيقتضي ذلك أنَّه إذا وجدت
стр. 952
الاستطاعة المتَّفق عليها، أن يجب عليها الحجُّ، وقوله ﷺ : "لا يَحِلُّ لاِمْرَأَة" الحديث خاص بالنِّساء، عام في الأسفار، فإذا قيل: وأخرج عنه سفر الحجِّ بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال المخالف: ويعمل بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فتدخل المرأة فيه، ويخرج سفر الحجِّ عن النَّهي، فيقوم في كلِّ واحد من الحديثين عموم وخصوص، ويحتاج إلى التَّرجيح من خارج.
وذكر بعض الظَّاهرية: أنَّه يذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله" (١)، ولا يتَّجه ذلك؛ لكونه عامًّا في المساجد، ويمكن أن يخرج عنه المسجد الَّذي يحتاج إلى السَّفر في الخروج إليه؛ لحديث النَّهي.
وقوله ﷺ : "مَسِيرةَ يَوْمِ وَلَيْلَةٍ، إلَّا وَمَعَهَا حُرْمَةٌ" وللبخاريِّ: "مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" تقدَّم الكلام على اختلاف الرِّوايات، في مسيرة السَّفر، والمراد منها كلِّها، وعلى حقيقة المحرم.
ولا شكَّ أنَّ ذا المحرم عامٌّ في محرم النَّسب؛ كأبيها، وأخيها، وابن أخيها، وخالها، وعمِّها، ومحرم الرّضاع، ومحرم المصاهرة؛ كأبي زوجها، وابن زوجها، واستثنى بعضهم ابنَ زوجها، وقال: يكره السَّفر معه؛ لغلبة الفساد في النَّاس بعد العصر الأوَّل؛ ولأنَّ كثيرًا من الناس لا ينزل زوجةَ الأب في النَّفرة عنها منزلةَ محارم النَّسب، والمرأة فتنة، إلا فيما جبل الله النفوسَ عليه في النفرة عن محارم النسب.
والحديث عامٌّ، فإن كانت الكراهة للتَّحريم إلَّا مع محرمية، لزم الزَّوج، وهو بعيد مخالف لظاهر الحديث، وإن كان للتنزيه للمعنى المذكور، فهو أقرب تشوقًا إليه، ويقويه استثناء السَّفر مع المحرم، فيصير التَّقدير: إلَّا مع ذي محرم، فيحلُّ.
стр. 953
ويبقى النَّظر في قولنا: يحلُّ، فهو يتناول المكروه، أم لا؛ بناء على أنَّ لفظ يحلُّ يقتضي الإباحة المستوية الطَّرفين، فإن قلنا: لا يتناول المكروه، فهو قريب جدًّا في التَّخصيص، وإن قلنا: يتناوله، فهو مشكل، والله أعلم.
ثمَّ الحرمة في إحدى الرِّوايتين بمعنى: ذي المحرم، وإن استعمل استعمالًا لغويًّا فيما يقتضي الإحرام، فيدخل فيه الزَّوج لفظًا، فيلحق في الحكم بالمحرم في جواز السَّفر معه، وأولى بالجواز، والله أعلم.
هذا حكم السَّفر وما يتعلَّق به، والخلوة ملحقة بحكمه.
أمَّا إذا خلا الأجنبيُّ بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام باتِّفاق العلماء، وكذلك لو كان معهما من لا يستحيا منه؛ لصغره؛ كابن سنتين وثلاث، ونحو ذلك، فإنَّ وجوده كالعدم، وكذا لو اجتمع رجالٌ بامرأةٍ أجنبيةٍ، فهو حرامٌ، بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوةٍ أجانب؛ فإنَّ الصَّحيح جوازه؛ لتواطؤ الرِّجال على المرأة، وعدم مواطأة النِّساء على الرَّجل الواحد.
والمختار: أنَّ الخلوة بالأمرد الأجنبيّ الحسن كالمرأة، فتحرم الخلوة به، حيث حرمت بالمرأة إلَّا إذا كان في جمع من الرِّجال المصونين، قال أصحاب الشَّافعيِّ: ولا فرق في تحريم الخلوة بحيث حرمناها بين الخلوة في صلاة أو غيرها.
ويستثنى من هذا كلِّه مواضعُ الضرورة، بأن يجد امرأةً منقطعةً في الطَّريق، أو نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا خلاف فيه، ويدلُّ عليه حديث عائشة ﵂ في قصَّة الإفك، والله أعلم.
* * *
стр. 954
بَابُ الفِدْيةِ
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَعْقِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيِّ خاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شاةً؟ "، فَقُلْتُ: لَا، قال: "فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ" (١).
وفي روايةٍ: فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يَهْدِيَ شاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (٢).
أمَّا عبدُ اللهِ بنُ مَعْقِل: فهو تابعيٌّ، كوفيٌّ، ثقة، من خيار التَّابعين، كنيته: أبو الوليد، روى عن عبد الله بن مسعود، وثابت بن الضَّحَّاك، وكعب بن عُجْرة، وعديّ بن ثابت، وروى عن علي بن أبي طالب، وروى له البخاري ومسلم وغيرهما.
وأمَّا أبوه مَعْقِل: فهو -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن
стр. 955
مُقَرِّن -بضمِّ الميم وفتح القاف وكسر الرَّاء المشددة- مزنيٌّ، كوفيٌّ، له صحبة، قاله أحمد بن عبد الله العجلي.
قال الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه "الأربعين": ليس لعبد الله بن مَعْقِل هذا في "الصَّحيحين" غيرُ حديث: "اتَّقوا النَّارَ ولو بِشِقِّ تمرةٍ" (١)، قال: ويشاركه في اسمه واسم أبيه، عبد الله بن مَعْقِل المحاربي الكوفيُّ، يروي عن عائشة، يروي عنه أشعث بن سليم وعبد بن حنين.
قال شيخنا أبو زكريَّا النَّوويُّ الحافظ ﵀: وهذا الَّذي ادعاه عبد القادر غلط، ففي "صحيح البخاري" في كتاب: الحجِّ، في باب: إطعام المحصر في الفدية نصفَ صاع، عن عبد الله بن معقل المزني هذا، عن كعب بن عُجْرة، حديث، والله أعلم.
وهو كما قال، بل الحديث في "صحيح مسلم" أيضًا كما ذكره المصنِّف ﵀ (٢).
وأمَّا كَعْبُ بن عُجْرَةَ: فكنيته: أبو محمَّد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو إسحاق، وهو أنصاري من بني سالم بن عوف، ويقال: من بليّ بن الحاف بن قضاعة، وقيل غير ذلك، وقيل: هو حليفٌ لبني عوف بن الخزرج، وهم القواقلة، وقيل: حليف لبني سالم من الأنصار.
وأبوه عُجْرة -بضم العين المهملة، وسكون الجيم-، وقيل: هو عُجْرةُ بن أمية بن عدي بن عبيدِ بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد.
стр. 956
شهد كعبٌ هذا بيعةَ الرِّضوان، وقال ابن الأثير: تأخَّر إسلامه، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثًا، اتَّفق البخاريُّ ومسلم على حديثين، وانفرد مسلم بآخرين، وروى عنه بنوه: إسحاق، وعبد الملك، ومحمد، والرَّبيع، ومن الصَّحابة العبادلةُ: ابن عمر، وابن عبَّاس، وابن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله ﵃، وخلقٌ من التَّابعين، وروى له أصحاب السُّنن والمساند.
مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث وخمسين، وله خمس وسبعون سنة (١).
وأمَّا قوله: "فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً" السَّائل هو عبد الله بن معْقِل، والمسؤول: هو كعب بن عُجْرة، وهو الَّذي نزلت فيه خاصَّة -يعني: الفدية- ويريد بقوله: خاصة: اختصاص السبب الذي نزلت به، ويريد بقوله: "لكم عامَّة": عموم اللفظ في الآية بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذه صيغة عموم.
وقوله ﷺ : "مَا كُنْتُ أُرَى" بضمَّ الهمزة؛ أي: أظنُّ.
وقوله ﷺ : "الوَجَعَ أَوِ الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى" هو شكٌّ من الرَّاوي، هل قال: الوجع، أو الجهد؟.
والجَهْدُ: بفتح الجيم؛ هو المشقَّة، وبالضَّمِّ: الطَّاقة، ولا معنى لها هنا، إلَّا أن يكون الفتح والضَّمُّ لغتين في المشقة. و "ما أَرى": هو بفتح الهمزة؛ هو من رؤية العين؛ أي: ما أشاهد ببصري.
وقوله: "فأمره رسولُ الله ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ": الفَرَقُ -بفتح الرَّاء،
стр. 957
وقد تسكن-، وهي ثلاثة آصع، وهو مفسَّر في الرِّوايتين بقوله في الأولى: "لكل مسكين نصف صاع"، وفي الثَّانية هذه بقوله: "بَيْنَ سِتَّة".
وقوله ﷺ : "أتجدُ شاة؟ " قال: لا، وفي الثَّانية: "أو يهدي شاة" هذا هو النُّسك المجمل في الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليس المراد بقوله: أتجد شاة؟ قال: لا، فأمره بالصوم أو الإطعام: أنَّ كلَّ واحد منهما لا يجزئ إلَّا عند عدم الهدي، بل هو محمول على أنَّ سؤاله عن وجدانه، فإن أخبره به، أخبره ﷺ بأنَّه مخيَّر بينه وبين الصِّيام والإطعام، وإن عدمه، فهو مخيَّر بين الصِّيام والإطعام.
ولا شكَّ أنَّ لفظ الآية والحديث معًا، يقتضي التَّخيير بين الخصال الثَّلاث المذكورة؛ فالصّيام والصَّدقة والنسك مجملات في الآية الكريمة، مبيَّنة في الحديث، فالصِّيام مبيَّنٌ بثلاثة أيَّامٍ، وأبعد من قال من المتقدِّمين: إنَّ الصَّوم عشرة أيَّام؛ فإنَّه مخالف للآية والحديث.
والصَّدقة: ثلاثة آصُعٍ؛ لكل مسكين نصفُ صاع.
والنُّسك: واحدته نسيكة؛ وهي الذَّبيحة، وأعلاها بدنةٌ، وأوسطها بقرةٌ، وأدناها شاةٌ، أيما شاء ذبح، فهذه الفدية على التَّخيير، والتَّقدير: يتخيَّر بين الثلاثة المذكورات.
وكلُّ هديٍ أو إطعام يلزم المحرم، يكون بمكة، ويتصدَّق به على مساكين الحرم، إلَّا الهديَ الذي يلزم المحصر؛ فإنَّه يذبحه حيث أُحصر.
وأمَّا الصَّوم: فإنَّه يصوم حيث شاء، وقد اتَّفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث، لكن وقع الخلاف على الإطعام، هل يتعيَّن من الحنطة مقدارًا وعينًا؟
فحكي عن أبي حنيفة والثَّوري: أن نصف الصَّاع لكلِّ مسكين، إنَّما هو في الحنطة، فأمَّا التَّمر وغيره، فيجب صاع لكلِّ مسكين. وهذا خلاف نصّه في الحديث، في "صحيح مسلم": "ثلاثة آصُعٍ كان تمر" (١)، وعن أحمد بن حنبل
стр. 958
- ﵀ رواية: "لكلِّ مسكينٍ مُدُّ حنطة، أو نصفُ صاعٍ من غيره"، وعن الحسن البصريِّ، وبعض السَّلف: أنَّه يجب إطعام عشرة مساكين، أو صوم عشرة أيَّام، وكلُّ هذا ضعيفٌ مردود منابدٌ للسنَّة.
وفي الحديث دليلٌ: على جواز حلق الرَّأس للمحرم من أذى القمل، وقاسوا عليه ما في معناه من الضَّرر؛ كالمرض.
وفيه دليل: على أنَّ السُّنَّة مبينة للمجمل في الكتاب.
وفيه دليل: على أنَّ التَّفسير المتعلِّق بسبب النُّزول من الصحابيِّ، مرفوعٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، إذا لم يضفه إليه ﷺ ؛ بقول كعب ﵁: "نزلتْ فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّة".
وفيه دليل: على أنه يشرع لكبير القوم أو عالمهم، إذا رأى ببعض أتباعه ضررًا، أن يسأله عنه، وأن يرشده إلى المخرج منه إن كان عنده مخرج.
وفيه دليل: على أن تحريم الحلق من غير ضرر للمحرم.
وفيه دليل: على الله إذا حلق لغير ضررٍ، أنَّه يلزمه الفدية من باب التنبيه؛ لأنَّه إذا وجبت في الضَّرر بالخروج منه، فلأنْ يجب في التَّرفُّه به من طريق الأولى، لكنه في إزالة الضَّرر يجب الفدية، ولا يكون إثمًا، وفي التَّرفُّه به يجب، ويكون إثمًا، والله أعلم.
* * *
أَمَّا أَبوُ شُرَيْح، فهو -بضمِّ الشين المعجمة، وفتح الرَّاء، وسكون الياء، وبالحاء المهملة- خويلد، -مصغَّر خالد- بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: هانئ بن عمرو، ويقال: عبد الرَّحمن بن عمرو بن صخر بن عبد العزَّى بن معاوية بن المحترمْنَ عمرو بن رَمَان بن عديّ بن عمرو بن ربيعة، أسلم قبل فتح مكَّة، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب من خزاعة الثلاثة يوم فتح مكَّة.
روي له عن رسول الله ﷺ عشرون حديثًا، اتَّفق له البخاريُّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاريُّ بحديثٍ.
روى عنه: نافع بن جبير بن مطعم، وسعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، وروى له أصحاب السُّنن والمساند، مات بالمدينة سنة ثمانٍ وستِّين (١).
وأمَّا الخُزَاعيُّ: فبضمِّ الخاء المعحمة، وفتح الزَّاي، ثمَّ الألف، ثمَّ العين المهملة، ثمَّ ياء النَّسب، نسبةً إلى خُزَاعة.
والعَدَويُّ: بفتح العين والدَّال المهملتين، ثمَّ الواو، ثمَّ ياء النَّسب، نسبةً إلى عديّ خزاعة، وهي نسبةٌ إلى قبائل خمسة أحدها هذه.
ويقال له: الكعبي، نسبة إلى كعب خُزَاعَةَ، وهي نسبة إلى قبائلَ أربعةٍ، أحدها هذه.
وأمَّا عَمْرُو بنُ سَعيد بنِ العَاص: فكنيته، أبو أميَّة الأموي، قيل: له رواية، ولم يثبت، واسم أبي جده: العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، وهو المعروف بالأشدق؛ لُقِّب به لأنَّه كان عظيم الشدقين، وقيل: لقَّبه به معاوية؛ لكلامٍ جرى بينه وبينه، وهو مشهور.
стр. 961
وأبوه سعيد صحابي، كنيته أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرَّحمن.
سمع عمرو هذا أباه، وروى عنه شبابة بن عاصم، روى له التِّرمذيِّ حديثًا من رواية عامر وأيُّوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص. وقال عقبة: حديثه غريبٌ، لا نعرفه إلَّا من حديث عامر، وأيُّوب بن موسى، رواه عن أبيه عن جدّه قال: وهذا عندي مرسل، قال غير واحد من المؤرِّخين: قتله عبد الملك بن مروان بيده، والله أعلم (١).
وأمَّا ألفاظه:
فقوله: "وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثُ": هي جمع بعث بمعنى المبعوث، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث: القوم المرسلون للقتال، ونحوه.
وقوله: "إلى مكَّة" اعلم أنَّ مكَّة وبكَّة -بالميم والباء-، لغتان عند جماعة العرب، والعرب تعاقب بين الميم والباء، فتقول: سبد رأسه، وسمد.
واختلف في معناهما، فقيل: بكَّة: [موضع البيت، ومكة: اسم البلد. حكاهما المارودي عن النخعي وغيره] (٢)، وقيل: بكَّة: موضع البيت والمطاف، ومكة: البلد كلُّه. وقيل: بكَّة: المسجد خاصَّةً، ومكة: الحرم كلُّه، حكاه أيضًا عن زيد بن أسلم والزّهري.
فحينئذ مكَّة أعم من بكَّة؛ لكونها اسمًا للحرم كلِّه، أو للبلد كلِّه، وبكَّة إمَّا للبيت فقط، أو مع المطاف، وإمَّا لجميع المسجد.
وسمِّيت مكَّة؛ لقلَّة مائها، من قول العرب: مكَّ الفَصيلُ ضرعَ أمِّه، وامتكَّه: إذا امتصَّ جميع ما فيه من اللَّبن، وقيل: لأنَّها تمكّ الذنوب؛ أي: تذهب بها.
وسميت بكَّة؛ لازدحام النَّاس بها، يبكُّ بعضهم بعضًا؛ أي: يدفع في زحمة
стр. 962
الطَّواف، وقال اللَّيث: لأنَّها تبكُّ أعناقَ الجبابرة؛ أي تدقُّها، والبكُّ: الدَّقُّ.
ويقال لمكَّة -أيضًا-: أمُّ القرى، والبلد الأمين، وأمّ رُحْم، بضم الرَّاء وسكون الحاء المهملة؛ لأن الرحمة تنزل بها، وصَلاحِ -بفتح الصاد وكسر الحاء مبني على الكسر كقطام-، ونظائرها، والباسَّة -بالباء-؛ لأنَّها تبسُّ الظالم؛ أي: تحطِّمه، والناسّة -بالنون-، والنساسة؛ لأنها تنس الملحد فيها؛ أي: تطرده. وقيل: لقلَّة مائها، وهو اليبس؛ حكاه الجوهريُّ عن الأصمعي، والحاطِمة، والرَّأس، وكُوثَى -بضمِّ الكاف وبفتح المثلّثة-، والعرش، والقادسةُ، والمقدَّسة، فهذه ستة عشر اسمًا (١).
وكثرة الأسماء؛ لشرف المسمَّى، ولهذا كثرت أسماء الله ورسوله ﷺ .
وهي أفضل البقاع، عند الشَّافعيِّ والجمهور، وقال مالك وطائفة: المدينة أفضل، وقال القاضي عِيَاض ﵀: الخلاف إنَّما هو فيما عدا مدفن النبي ﷺ ، أمَّا مدفنه، فهو أفضل بقاع الأرض مطلقًا، ونقل الإجماعَ عليه، والله أعلم (٢).
قوله: "ائْذَنْ لي أَيُّهَا الأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ": إنما استأذنه في تحديثه؛ ليكون أدعى إلى قبول حديثه، وتحصيل الغرض منه؛ فإنَّ الغَلَط عليه قد يكون سببًا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه.
وقوله: "أُحَدِّثكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي" إنَّما قال ذلك تخفيفًا لما يريد أن يخبره به.
وقوله: "سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ" نفيٌ لتوهُّم أن يكون رواه عن غيره.
وقوله: "وَوَعَاهُ قلبي" تحقيق لفهمه، والتَّثبّت في تعقل معناه.
стр. 963
وقوله: "وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنىَ عَلَيْهِ" زيادة في تحقيق السَّماع منه والفهم عنه بالقرب والرؤية، وأن سماعه منه ليس هو اعتمادًا على الصوت دون حجاب، بل على الرؤية والمشاهدة، وأنَّه بدأ بما ينبغي أن يبدأ به في الكلام وغيره.
وقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ حرَّمَ مَكَّةَ، وَلَمْ يُحَرِّمها النَّاسُ" معناه: تفهيم المخاطبين تعظيم قدر مكَّة، بتحريم الله تعالى إيَّاها، ونفي ما تعتقده الجاهلية، وغيرهم؛ من أنَّهم يحرِّموا أو يحللوا، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا؛ لأنَّه من آمن بالله، لزمه طاعته، ومن آمن باليوم الآخر، لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نُهي عنه مخلصًا خوف الحساب عليه.
وقوله ﷺ : "فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا" يسفك -بكسر الفاء، وحكي ضمّها- ومعناه: يسيله.
"وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً"، والعَضْد: القطع، يقال: عَضَد بفتح الضَّاد، يعضِد بكسرها، وهذا الخطاب عند علماء البيان، من باب خطاب التَّهييج، ومقتضاه: أن استحلالُ هذا المنهيِّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، فهذا هو المقتضي لذكر هذا الوصف، ولو قيل: لم يحل لأحد مطلقًا، لم يحصل فيه هذا الغرض.
ومن خطاب التَّهييج قوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، وغير ذلك مما يناسبه من الآيات.
وقد توهَّم بعض أصحاب الأصول: أنَّ هذا الحديث في قوله ﷺ : "لا يحلّ" إلى آخره، يدل على نفي الكفَّار، وأنَّهم ليسوا مخاطبين بفروع الشَّرع، والصَّحيح عند الأصوليين أنَّهم مخاطبون.
والجواب عن هذا التَّوهم: أنَّ ذكر وصف الإيمان بالله واليوم الآخر للشَّخص، هو المحصّل للإيمان له، والمؤمن هو الَّذي ينقاد لأحكام الشَّرع،
стр. 964
وينزجر عن محرَّماته، ويستثمر الأحكام منه، فجعل الكلام فيه، لا أنَّ غيره من الكفَّار ليس مخاطبًا بالفروع، كيف وخطابه بهذه الكيفيَّة؛ إنَّما هو للتَّهييج إلى عدم استحلال المحرَّم وتحريم المحلل، واستقباح ذلك من المؤمن، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "فَإنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بقتالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " إلى آخره يقتضي هو وقوله ﷺ : "مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ" (١) وجودَ قتال منه ﷺ ، وأن مكَّة فتحت عنوةً، وهو مذهب أبي حنيفة، والكثيرين، أو الأكثرين.
وقال الشافعي ﵀، وغيره: فتحت صلحًا، وتأولوا الحديث على أن القتال كان جائزًا له ﷺ فيها لو احتاج إليه، لكنه ما احتاج إليه، ولو احتاج إليه، لفعله، وضعَّف ذلك، واستبعده جماعة بما ذكرنا أوَّلًا.
وقوله ﷺ : "وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ": كل من حضر شيئًا، وعاينه، فقد شهده، وقيل له: شاهد. والغائب: من غاب عنه. وهذا اللَّفظ جاءت به أحاديث كثيرة، وقد أمر الله نبيَّه ﷺ في كتابه بالتَّبليغ، وحثَّ عليه في غير آيةٍ؛ من النَّصيحة لله ورسوله، وإقامة الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وفي قوله : ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التَّوبة: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النَّساء: ٦٤]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، ومن جملة ذلك كلِّه البلاغ، والله تعالى أعلم.
وقولُ عمرٍو لأبي شريحٍ: "أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ" إلى آخره: هو كلامه، ولم يسنده إلى رواية.
وقوله: "لا يعيذ عاصيًا"؛ أي: لا يعصمه.
وقوله: "وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ"، الخَرْبَةُ -بفتح الخاء المعجمة وسكون الرَّاء، ويقال بضمِّ الخاء- وأصلها: سرقة الإبل؛ كما قال المصّنف، وقد فسَّرها بالبليَّة والتُّهمة على وجهين:
стр. 965
الأوَّل: في "صحيح البخاري": ويطلق على كل خيانةٍ، سواء كانت في الإبل أو غيرها. وقال الخليل: هي بالضم: الفساد في الدِّين، من الخارب؛ وهو اللِّص المفسد في الأرض، وقيل: هي العيب، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام كثيرة:
منها: حسن الأدب في مخاطبة الكبار، لا سيَّما الملوك والأمراء، لا سيما فيما يخالف مقصودهم.
ومنها: التنبيه على قبول علم الإنسان بحفظه ووعيه ومعاينته ممَّن أخذه منه؛ ليكون أدعى إلى قبوله والتَّمسك به محقَّقًا.
ومنها: أنَّ الإيمان بالله واليوم الآخر يقتضي امتثال أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، وخوف الحساب على ذلك، ورجاء الثَّواب عليه.
ومنها: أنَّ الرُّجوع في كلِّ حالة دنيوية وأخروية إلى الشَّرع، وأنَّ ذلك لا يعرف إلَّا من رسول الله ﷺ وبيانه وتقريره.
ومنها: النَّصيحة لولاة الأمور ومناصحتهم، وعدم الغش لهم، والإغلاظ عليهم.
ومنها: الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامَّة.
ومنها: وجوب حمد الله تعالى والثَّناء عليه في الخطبة.
ومنها: عظم قدر مكَّة.
[ومنها: أنَّ التَّحريم والتَّحليل إنَّما هو من عند الله تعالى، وأنَّ النَّاس ليس لهم فيه مدخل] (١).
ومنها: تحريم مكَّة، واختلف العلماء في ابتداء تحريمها، فقال الأكثرون: لم تزل محرَّمة من يوم خلق الله السموات والأرض.
وقيل: ما زالت حلالًا إلى زمن إبراهيم ﷺ كغيرها، ثمَّ ثبت لها التَّحريم من
стр. 966
زمن إبراهيم، واستدلَّ للقول الأوَّل بقوله ﷺ : "إِنَّ هذا البلدَ حرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السمواتِ والأرضَ" (١)، واستدلَّ للقول الثَّاني بقوله ﷺ : "إِن إبراهيمَ حرَّمَ مكَّة" (٢).
وأجاب الأكثرون عن هذا الثَّاني: بأنَّ تحريمها كان ثابتًا يوم خلق الله السموات والأرض، ثمَّ خفي تحريمها، ثم أظهره إبراهيم ﷺ وأشاعه؛ لا أنه ابتدأه.
وأجاب من قال بالقول الثَّاني عن الأوَّل: بأنَّ معناه: أنَّ الله تعالى كتب في اللَّوح المحفوظ أو غيره يوم خلق الله السموات والأرض: أنَّ إبراهيم سيحرّم مكَّة بأمر الله تعالى، والله أعلم.
ومنها: ما أكرم الله تعالى به رسوله ﷺ من تحليل القتال له بمكة ساعةً من نهار، وأنَّه استمرَّ تحريمها إلى يوم القيامة.
ومنها: تحريم القتال بمكة.
قال أبو الحسن الماورديُّ، صاحب كتاب "الحاوي" في كتابه "الأحكام السُّلطانية" (٣): من خصائص حرم مكَّة: أن لا يحارب أهله، فلو بغى أهله على أهل العدل، فإن أمكن ردُّهم عن البغي بغير قتالٍ، لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردُّهم عن البغي إلَّا بالقتال، فقال جمهور الفقهاء: يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله الَّتي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها، وهذا هو الصَّواب الَّذي نصَّ عليه الشَّافعيُّ في "الأمِّ"، في: اختلاف الحديث، منه، وفي "سير الواقديِّ" منه.
وقال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، ويضيَّق عليهم حتَّى يرجعوا إلى الطَّاعة،
стр. 967
ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال القفَّال: في "شرح التلخيص" في أول كتاب: النكاح، في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكة، قال: حتَّى لو تحصَّن جماعة من الكفَّار بمكَّة، لم يجز، فإنَّه يحرم بها قتالهم فيها. وهذا غلط ينبغي أن يعرف، ولا يغترَّ به (١).
وأجاب الشَّافعيُّ ﵀ في "سير الواقدي" عن الأحاديث بأنَّ معناها: تحريم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعمُّ؛؛ كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا تحصَّن الكفَّار ببلدٍ آخر، فإنَّه يجوز قتالهم على كل وجه، وبكلِّ شيءٍ، والله أعلم.
قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد القاضي ﵀ (٢): وأقول: هذا التَّأويل على خلاف الظَّاهر القويِّ، الَّذي دلَّ عليه عموم النكرة في سياق النَّفي، في قوله ﷺ : "فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك بها دمًا"، وأيضًا فإن النَّبيَّ ﷺ بيَّن خصوصيَّة إحلالها له ساعة من نهار بأن قال: "فَإنْ أَحَدٌ ترخَّصَ بقتالِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقولوا: إنَّ اللهَ أَذِنَ لِرسُولِهِ وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ"، فأبان بهذا اللَّفظ أن المأذون للرَّسول فيه لم يؤذن فيه لغيره، والذي أذن للرَّسول ﵇ فيه إنما هو مطلق القتال، ولم يكن قتال النبي ﷺ لأهل مكة بمنجنيق وغيره مما يعم؛ كما حمل عليه الحديث في هذا التَّأويل. و -أيضًا- فالحديث وسياقه يدلُّ على أنَّ هذا التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم مطلق القتال فيها، وسفك الدَّم، وذلك لا يختصُّ بما يستأصل، وأيضًا فتخصيص الحديث بما يستأصل ليس لنا دليل على تعيين هذا الوجه بعينه لأن يحمل عليه الحديث، فلو أنَّ قائلًا أبدى معنى آخر، وخصَّ به الحديث، لم يكن بأولى من هذا. هذا آخر كلامه، والله أعلم.
ومنها: أنَّ الملتجئ إلى الحرم، إذا وجب عليه قتل، لا يقتل به، وبه قال
стр. 968
أبو حنيفة وأحمد؛ لقوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا"، وهذا عام، تدخل فيه صور النِّزاع، قال أبو حنيفة: بل يُلجأ إلى أن يخرج من الحرم، فيُقتل خارجه، وذلك بالتَّضييق عليه.
ومنها: تحريم قطع شجر الحرم، واتَّفق العلماء عليه فيما لا يستنبته الآدميون في العادة، سواء كان له شوك يؤذي، أم لا، وسواء الكلأ، وغيره، وقال جمهور أصحاب الشَّافعيِّ: لا يحرم قطع الشَّوك؛ لأنَّه مؤذ، فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، واختار المتولِّي من الشَّافعية التحريم مطلقًا، وهو الصَّحيح.
وأمَّا ما يستنبته الآدميون، ففيه خلاف للفقهاء، فلو قطع ما يحرم قطعه، هل يضمنه؟ قال مالك: يأثم، ولا فدية عليه، وقال الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة: عليه الفدية، واختلفا فيها، فقال الشَّافعيُّ: في الشَّجرة الكبيرة بقرة، وفي الصَّغيرة شاة، وكذا جاء عن ابن عباس، وابن الزُّبير، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: الواجب في الجميع: القيمة، قال الشَّافعيُّ: ويضمن الخلا بالقيمة.
ويجوز عند الشَّافعيِّ ومن وافقه رعيُ البهائم في كلأ الحرم، وقال أبو حنيفة، وأحمد، ومحمَّد: لا يجوز، والله أعلم.
ومنها: أنَّ مكَّة فتحت عنوةً؛ لقوله ﷺ : "وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ"، وقال الشَّافعيُّ وغيره: فتحت صلحًا، وتقدَّم ذلك وتأويله.
ومنها: التَّصريح بوجوب نقل العلم وإشاعته، خصوصًا الأحكام والسُّنن، وهذا مجمع عليه.
ومنها: أنَّ الاعتصام إنَّما هو بالشَّرع واتباعه، وأنَّ الأماكن الشريفة ونحوها من الأنساب والخلفاء لا يمنع من حقٍّ أوجبه الله ، ولا يعيذ من حدوده وعقابه.
* * *
стр. 969
الحديث الثَّاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَومِ القِيامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَها، وَلَا يُخْتَلَى خَلاَهُ"، فَقَالَ العبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَّا الإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فقال: "إلَّا الإِذْخِرَ" (١).
القين: الحداد.
فُتحت مكَّة سنة ثمان من الهجرة، في رمضان في اليوم العشرين منه، وهو يوم الفتح.
وقوله ﷺ : "لَا هِجْرَةَ": هو نفيٌ لوجوب الهجرة من مكَّة إلى المدينة؛ فإنَّ الهجرة واجبةٌ من دار الكفر إلى بلاد الإسلام، وقد صارت مكَّة دار إسلام بالفتح، وإن لم يكن النفي من هذه الجهة، فيكون حكمًا ورد لرفع وجوب هجرةٍ أخرى، بغير هذا السَّبب، ولا شكَّ أنَّ الهجرة اليوم واجبة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، لمن قدر على ذلك.
وقد ورود أنَّ الهجرة وردت على خمسة أقسام، في الكلام على حديث الأعمال بالنِّيَّات، أوَّل الكتاب، وفي ضمن هذا الحديث، الإخبار بأنَّ مكَّة تصير دار إسلام أبدًا، والله أعلم.
وقيل: معناه: لا هجرة بعد الفتح، فضلُها بعده كفضلها قبله؛ كما قال : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] الآية.
стр. 970
وقوله ﷺ : "وَلَكِن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"؛ أي: جهاد مع نيَّة خالصة؛ إذ العمل مع غير النيَّة الخالصة لا يعتد به، ولا يكون صحيحًا، ويحتمل أن يكون معناه: ولكن جهادٌ بالعمل لمن قدر عليه، أو نيَّة لمن لم يقدر عليه، بمعنى: لو قدر لفعل؛ كقوله ﷺ : "من ماتَ ولم يجاهدْ، ولم يحدِّثْ نفسَه بالجهاد، ماتَ على شعبة من النِّفاق" (١).
ويحتمل أن يكون معناه: ولكن جهاد خاصٌّ، أو مطلق، ونيَّة مطلقة في كلِّ نوع من الخير، والله أعلم.
وقوله ﷺ : "وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"، معناه: إذا دعاكم وليُّ الأمر، أو مَنْ يقوم مقامه من نائب وغيره، إلى الغزو، فاذهبوا فيما دعاكم إليه، فإن كان الغزو فرض عينٍ، وجبَ الذَّهاب إليه عامًا، وإن كان فرضَ كفايةٍ، وجب على من يقوم به من المسلمين، ويتعيَّن على من دُعي إليه بأمر الإمام أو نائبه.
وقوله ﷺ : "إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ"، تقدَّم الكلام عليه في أحكام الحديث قبله، والجمع بين اختلاف ظواهر الأحاديث فيه بمعنى التَّحريم في اللَّوح المحفوظ، وإظهار إبراهيم ﷺ له للنَّاس في زمنه، والله أعلم. وقوله ﷺ : "فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّه لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ"، معناه: تحريم القتال فيه، وأنَّ تحريم القتال فيه ثابت لا ينسخ، وتقدَّم الكلام على ذلك في الحديث قبله، وكذلك على قوله: "لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ"، وأنَّ الشوك هل يحرم قطعه نفسه، أو يباح لكونه مؤذيًا.
وقوله ﷺ : "وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ"؛ معنى لا ينفر: لا يُزعج من مكانه. ونبَّه ﷺ بالنَّهي عن الإزعاج من مكانه وتنحيته عنه، على الإتلاف، وسائر أنواع الأذى؛ تنبيهًا بالأدنى على الأعلى؛ فإنَّه إذا حرم الإزعاج والتَّنحيةُ، فغيره أولى.
стр. 971
وقوله ﷺ : "وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا": اللُّقطة؛ الشيء الملقوط، وهو بفتح القاف على المشهور الَّذي سُمع من العرب، أجمع عليه أهل اللُّغة، ويقال: بإسكانها، نقله الأزهريّ عن الخليل، وقاله الأصمعيُّ، والفرَّاء، وابنُ الأعرابي. ويقال لها: لُقاطة، بضم اللَّام، ولَقَط: بفتحها وفتح القاف بلا هاء، نقلهما شيخنا العلَّامة أبو عبد الله بن مالك الجياني، ونظم اللغات الأربع في بيت (١):
لُقَاطَةٌ، ولُقْطَةٌ، ولُقَطَهْ ... ولَقَطٌ ما لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
ومعنى الحديث: لا تحلُّ لقطة حرم مكَّة إلا لمن يريد أن يعرِّفها أبدًا من غير توقيتٍ بسنةٍ، ثمَّ يملكها كغيرها من البلاد.
وقد ثبت في "صحيح مسلم" وغيره: "لَا تَحِلُّ لقطتها إلا لمنشد" (٢)؛ وهو المعرِّف مطلقًا. وأمَّا ناشدها: فهو طالبها. وأصل النَّشيد والإنشاد: رفع الصوت.
وقوله ﷺ : "وَلَا يُخْتَلَى خَلاَه": الخلا: بفتح الخاء المعجمة مقصور، وهو الرَّطب من الكلأ. قال أهل اللُّغة: الخلا والعشب: اسم للرَّطب منه، والحشيش والهشيم: اسم لليابس منه. والكلأ، مهموز مقصور، يقع على الرَّطب واليابس، قال ابن مكِّي، وغيره من أهل اللُّغة: مما يلحن العوام فيه، إطلاقهم الحشيش على الرَّطب، وهو مختص باليابس.
ومعنى اختلائه: قطعه. فالخلا يحرم قطعه وقلعه، والحشيش يحرم قلعه ولا يحرم قطعه، والله أعلم (٣).
وقوله: "فقال العباسُ: يا رسول الله! إلَّا الإِذْخِرَ" العبَّاسُ: هو عمُّ
стр. 972
رسول الله ﷺ ، تقدَّم ذكره. والإِذْخِرُ -بكسر الهمزة والخاء المعجمة-: نبتٌ معروفٌ، طيب الرَّائحة.
قوله: "فإنَّه لِقَيْنهِمْ وبُيوتهم": القينُ: الحداد، كما ذكره المصنّف، وإنَّما ذكر القين؛ لأنَّه يحتاج إليه في عمل النَّار، وفي معناه الصائغ، وقد ورد ذكره في بعض الأحاديث، والبيوت: لما يحتاج إليه من التسقيف فوق الخشب.
وقوله ﷺ : "إلَّا الإِذْخِرَ" إجابته ﷺ للعبَّاس على الفور، يحتمل أنَّه أجابه باجتهادٍ منه ﷺ ، أو بتفويض الحكم إليه من الله ، وهو قول بعض أهل الأصول.
ومَنْ منعَ ذلك منهم قال: يجوز أن تكون إجابته بوحي من الله تعالى في الحال، أنَّه يستثنى تحريمه من الخلا في زمن يسيرٍ؛ فإنَّ الوحي إلقاء في الرُّوع بواسطة ملك، أو إلهام، وقد تظهر أماراته، وقد لا تظهر، فالذي بواسطة الملك، خاصٌّ بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-.
والذي بالإلهام يقع للأولياء -رحمة الله عليهم- في قوله ﷺ : "إِنَّ من أمَّتي ملهمين، وإنَّكَ منهم يا عُمر" (١).
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: رفع وجوب الهجرة عن الصَّحابة وغيرهم ﵃ من مكَّة إلى المدينة بعد فتح مكَّة.
ومنها: أنَّ حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام، بالوجوب أو النَّدب، باقٍ إلى يوم القيامة.
ومنها: أنَّ الجهاد بقصد الإخلاص لله والطَّاعة له مطلوبان إلى يوم القيامة.
стр. 973
ومنها: وجوب النَّفير مع كلِّ إمام، برٍّ وفاجر.
ومنها: تحريم مكَّة، وحرمتها بتحريم الله تعالى إلى يوم القيامة.
ومنها: تحريم القتال فيها.
ومنها: أنَّ التَّحليل والتَّحريم لا يعلمان إلَّا بالشرع.
ومنها: تحريم قطع شجر الحرم، وتقدَّم الكلام عليه في الحديث قبله.
ومنها: تحريم تنفير صيده، وتنحيته من موضعه، فإن نفَّره، عصى، سواء تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل سكونه منه، ضمنه المنفِّر، وإلا، فلا ضمان.
ومنها: تحريم لقطته إِلَّا بقصد التَّعريف دائمًا، وعدم تملُّكها، وبه قال الشَّافعيُّ، وعبد الرَّحمن بن مهدي، وأبو عبيد، وغيرهم.
وقال مالك: يجوز تملُّكها بعد تعريفها سنةً، كما في سائر البلاد، وبه قال بعض أصحاب الشَّافعيِّ.
وتأويلات الحديث ضعيفة لا يستوي ذكرها.
ومنها: تحريم قطع الرَّطب من الخلا وقلعه منها.
ومنها: أن الإذخر من الخلا.
ومنها: جواز تخصيص العامِّ.
ومنها: جواز تعليل الحكم من السَّائل ليقع الجواب على تقدير الحكم والعلَّة.
ومنها: الجواب على الفور، إذا كان عالمًا به، من غير تأن، خصوصًا إذا اقتضته المصلحة.
ومنها: مراعاة المصالح العامَّة والتَّنبيه عليها من الأئمة والكبار.
ومنها: المبادرة إليها، خصوصًا في المجامع والمشاهد وابتداء الأمر.
ومنها: أن تحريم الله وتحليله يطلقان بمعنى ما في اللَّوح المحفوظ، وبمعنى الظُّهرر، وأن الإطلاق جائز لمن علمه، والله أعلم.
* * *
стр. 974
باب ما يجوز قتله
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ" (١).
ولمسلم: "يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ" (٢).
اعلم: أنَّ مسلمًا ﵀ زاد في بعض روايات هذا الحديث: الحيَّة، ولم يذكر العقرب، وذكر في بعضها: العقرب بدل الحيَّة، فيصير المنصوص عليه منها ستًّا.
ووصفت بالفسق؛ [لخروجها جميعًا بالإيذاء والفساد عن طريق معظم الدَّواب] (٣)، وقيل: لخروجها عن حكم سائر الحيوان في تحريم قتله في الحرم والإحرام بجوازه، وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج، وسُمِّي الرَّجل الفاسق فاسقًا؛ لخروجه عن أمر الله وطاعته، وأكَّد فسقهنَّ بكلٍّ،
стр. 975
ووصفهنَّ به تنبيهًا على إيذائهنَّ، وعدم حرمتهنَّ، وإباحة قتلهنَّ في مواضع تحريم قتل غيرهنَّ من الدَّواب.
والمراد بالحرم؛ ما أطاف بمكة -شرَّفها الله تعالى-، وأحاط بها من جوانبها، جعل الله له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وهو محدود معروف عليه علامات من جوانبه كلّها، ومنصوب عليه أنصاب.
وذكر الأزرقيُّ في "تاريخ مكَّة" (١)، بأسانيده، وغيرُه: أنَّ إبراهيم الخليل ﷺ عملها، وجبريل ﷺ يريه مواضعها، ثمَّ أمر النَّبيُّ ﷺ بتحديدها، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ معاوية ﵃، وهي إلى الآن بيته، ولله الحمد.
والمراد بالحلِّ: ما عدا ذلك، وقد ثبت في إباحة قتلهنَّ في الإحرام أيضًا رواية في "صحيح مسلم"، والله أعلم.
وقوله في رواية مسلم: "يُقْتَلُ خَمْسُ فَوَاسِقَ"، هو بإضافة خمس، لا بتنوينه، وقد روى مسلم أيضًا: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ"، ففي خمس هنا وجهان: أحدهما، وهو المشهور: تنوينه، وفواسقُ صفة له، والثَّاني: إضافته إلى فواسقَ من غير تنوين.
والرواية الأولى في الكتاب تدلُّ للمشهور من رواية التَّنوين، من غير إضافة إلى فواسق؛ فإنه أخبر عن خمس بقوله: كلُّهن فواسقُ، وذلك يقتضي أن ينون خمس، وينوَّن فواسق أيضًا، وبين التَّنوين والإضافة في هذا فرقٌ دقيقٌ، وهو: أنَّ التَّنوين يقتضي مداخلة الفسق لهنَّ، فيصير كأنَّه جملتهنَّ، بخلاف الإضافة؛ فإنَّها قد تقتضي ذلك، وقد لا تقتضيه.
وقد مثَّلوا ذلك في قولهم: رجلٌ عدلٌ وصومٌ، بالتَّنوين والإضافة. وقالوا: التَّنوين أبلغ، والله أعلم.
وَأمَّا الغُرَابُ: فهو مفرد، وله جموع، نظمها شيخنا أبو عبد الله بن مالك الجياني -رحمة الله عليه- في بيتٍ:
стр. 976
بالغُرُبِ اجمعْ غُرَابًا ثمَّ أَغْرِبَةٌ ... وأَغْرُب وغَرَابِينَ وغِرْبان (١)
وفي "صحيح مسلم": "الغُرَابُ الأَبْقَعُ"، وهو الذي في ظهره وبطنه بياض.
وأمَّا العقرب: فهي مؤنَّثة. ويقال -أيضًا-: عقربة، وعقرباء، وللذَّكر عُقرُبان، بضمِّ العين والرَّاء.
وأمَّا الحِدَأَة: فهي بكسر الحاء المهملة، مقصورة، وبالهاء، وجمعها حِدَأ، كذلك، بغير هاء كعِنَبة وعنب. وفي رواية في مسلم: "الحُدَيَّا" (٢) بضمِّ الحاء، مقصور مشدد الياء.
وأمَّا الفَأْرَةُ: فهي مهموزة، ويجوز تسهيلها، معروفة.
وأَمَّا الكَلْبُ العَقُورُ: فالمراد به هذا المعروف، وحمله زفر على الذِّئب وحده، وعدَّاه الجمهور إلى كلِّ عادٍ مفترس غالبًا، ومعنى العقور: العاقر الخارج.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: جواز قتل هذه المذكورات السِّت، في الحلِّ والحرم والإحرام، واتَّفق على ذلك جماهير العلماء.
ونقل عن مجاهدٍ: أنَّه لا يقتل الغراب، ولكن يرمى، وروي عن عليٍّ، وليس بصحيح.
واختلف العلماء في معنى جواز قتلهنَّ، مع اتِّفاقهم على أنَّه يجوز للمحرم أن يقتل ما في معناهنَّ، فقال الشَّافعيُّ: المعنى فيه كونهنَّ غير مأكولاتٍ؛ فكلُّ ما لا يؤكل، ولا هو متولد من مأكول وغيره، فقتلُه جائز للمحرم، ولا فدية عليه.
وقال مالك: المعنى فيهنَّ: كونهنَّ مؤذيات، فكلُّ مؤذٍ يجوز للمحرم قتله،
стр. 977
وما لا، فلا، ومقتضى المذهبين المذكورين: التَّعدية عن المذكورات، وفي كتب الحنفية الاقتصارُ عليهن وعدمُ التَّعدية.
ونُقل عن غير واحدٍ من المخالفين لأبي حنيفة عنه: أنَّه ألحق الذِّئب بها، وعدُّوا ذلك من مناقضاته.
قال شيخنا القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد ﵀ (١): وهذا عندي فيه نظر؛ فإنَّ جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنَّما يرى الشَّافعيُّ جواز الاصطياد وعدم وجوب الجزاء بالقتل بغير المأكول. وأمَّا جواز الإقدام على قتل كلِّ ما لا يؤكل مما ليس فيه ضرر، فغير هذا، ومقتضى مذهب أبي حنيفة ﵀ الَّذي حكيناه: أنَّه لا يجوز اصطياد الأسد والنَّمر وما في معناهما من بقية السِّباع العادية.
وأصحاب الشَّافعيِّ يردُّون هذا؛ بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطَّبيعي، والعدوان المركَّب في هذه الحيوانات. وإذا ظهر المعنى في المنصوص عليه، عدَّاه القائسون إلى كلِّ ما وجد منه المعنى في ذلك الحكم كما في الأشياء السِّتَّة الَّتي في باب الرِّبا.
وقد وافق أبو حنيفة في التَّعدية فيها، وإن اختلف هو والشَّافعيُّ في المعنى الَّذي يعدَّى به، قال: وأقول: المذكور ثَمَّ هو تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهومًا عند الجمهور.
فالتَّعدية لا تنافي مقتضى اللَّفظ، والمذكور هنا مفهوم عدد، وقد قال به جماعةٌ، فيكون اللَّفظ مقتضيًا للتَّخصيص، وإلَّا بطلت فائدة التَّخصيص بالعدد، وعلى هذا عوَّل مصنِّفو الحنفيَّة في التَّخصيص بالخمس المذكورات -أعني: مفهوم العدد-، وذكر غير ذلك مع هذا -أيضًا-.
واعلم: أنَّ التّعدية بمعنى الأذى في كلِّ مؤذٍ قويٌّ، بالإضافة إلى تصرف القائسين؛ فإنَّه ظاهر من جهة الإيماء بالتَّعليل بالفسق؛ وهو الخروج عن الحدِّ.
стр. 978
وأمَّا التَّعليل بجهة الأكل: ففيه إبطال ما دلَّ عليه إيماء النَّص من التَّعليل بالفسق؛ لأنَّ مقتضى العلَّة أن يتقيَّد الحكم بها وجودًا وعدمًا. فإذا لم يتقيَّد، وثبت الحكم حيث يعدم؛ بطل تأثيرها بخصوصيَّتها في الحكم؛ حيث ثبت الحكم مع انتفائها، وذلك خلاف ما دلَّ عليه النَّص من التَّعليل بها.
ومنها على مذهب من قال بالتَّعدية: جوازُ قتل كلِّ مشارك للمذكورات في الأذى، سواء كان المشارك يلسع أم لا؛ كالبرغوث، أم ينقب، أو يعرض بالأذى؛ كابن عرس، أو يخطف؛ كالصقر والبازي، أم عادٍ بطبعه؛ كالأسد والفهد والنَّمر.
وتكون الدَّلالة على المذكورات من باب التَّنبيه على أنواع الأذى، وهو مختلف؛ فأذى الحيَّة والعقرب باللَّسع، والفأرة بالفساد، والغراب والحدأة بالاختطاف، والكلب العقور بالاعتداء بالطَّبع.
والذي قاله بالتَّعدية إلى كل ما لا يؤكل، أحال التَّخصيص في ذكر المذكورات في الحديث، دون غيرها؛ للغلبة في الملابسة للنَّاس، والمخالطة في الدُّور؛ بحيث إنَّه يعم أذاها، وذلك كلُّه سببٌ للتَّخصيص، والتخصيص بالغلبة ليس له مفهوم على ما عرف في الأصول، إلَّا أنَّ خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضًا عليهم في تعديته الحكم إلى بقية السِّباع المؤذية، وتقريره: أنَّ إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قياسًا، شرطُه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أمَّا إذا تعذر الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر، فلا إلحاق.
ولمَّا كانت هذه الأشياء عامَّة الأذى، كما ذكرتم، ثمَّ أمكن أن يكون ذلك سببًا لإباحة قتلها؛ لعموم ضررها، وهذا المعنى معدوم فيما لا يعمُّ ضرره؛ ممَّا لا يخالط في المنازل، فلا تدعو الحاجة إلى إباحة قتلها، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين:
أحدهما: أنَّ الكلب العقور أذاه نادر، وقد أبيح قتله.
والثَّاني: معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوَّة الضَّرر.
стр. 979
ألا ترى أنَّ تأثير الفأرة بالفساد مثلًا، والحدأة بالخطف، شيء يسير لا يساوي ما في الأسد والفهد من إتلاف الأنفس، فكان إباحة القتل أولى، وهذا كلُّه يرجع إلى دلالة التَّنبيه، وهو بالأدنى على الأعلى جائزٌ اتِّفاقًا، وبالأعلى على الأدنى جوازه مرجوح، والله أعلم.
قال أصحاب الشَّافعيِّ ﵏: للمحرم تنحية القمل من بدنه وثيابه، ولا كراهة في ذلك، وله قتله، ولا شيء عليه، بل يستحبُّ للمحرم قتله، كما يستحبُّ لغيره. قالوا: ويكره للمحرم أن يفلِّي رأسه ولحيته، فإن فعل، فأخرج منها قملة وقتلها، تصدَّق، ولو بقملةٍ، نصَّ عليه الشَّافعيّ.
واختلف الأصحاب في هذا التَّصدق على وجهين:
أرجحهما: أنَّه مستحبٌّ.
والثَّاني: واجب؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرَّأس واللحية، وكان هذا الوجه يحتجّ إلى منع التَّعدية، في جواز قتل ما سوى السِّت المذكورات في الحديث، ولعلَّ الشَّافعيّ إنَّما أمر بالتصدق استحبابًا، خروجًا من الخلاف، لا وجوبًا، والله أعلم.
ومنها: جواز قتل الكلب العقور، واختلف العلماء في المراد به كما تقدَّم، جمهورُ العلماء على أنَّ المراد به: كلُّ عادٍ مفترسٍ، واستدلُوا على ذلك؛ بأنَّ رسول الله ﷺ لما دعا على عتبةَ بنِ أبي لهب بأن يسلَّط عليه كلبٌ من كلابه (١)، افترسه سبع، فدل على تسميته بالكلب.
ورجّح من قال: إنَّ المراد به الكلب الإنسي المتخذ بأنْ يسميه غيره به، خلاف العرف، وإذا نقل اللَّفظ من المعنى اللُّغوي إلى المعنى العرفيِّ، كان حمله عليه أولى، لكن هذا عند الإطلاق من غير نظرٍ إلى قرينةٍ تقوِّي أحدهما، أمَّا إذا عقلت القرينة، كان ما اقترنت به أولى، سواء اقترنت باللُّغوي أو العرفيِّ، والله أعلم.
стр. 980
ومنها: جواز قتل صغار هذه المذكورات؛ لعموم الحديث.
وقد اختلف المالكيَّة في قتل صغار الغراب والحدأة على قولين: أشهرهما: القتل، فأمَّا من منع قتلها، فاعتبر الصِّفة التي علَّل القتل بها، وهي الفسق، على ما شهد به إبهام اللَّفظ، وهو معدوم في الصِّغار حقيقة، والحكم يزول بزوال علَّته؛ وكذلك عندهم في صغار الكلب قولان أيضًا، لكنَّ عدم القتل فيه أولى؛ لأنَّه أبيح قتله في حالة تتقيَّد الإباحة بها، وهي كونه عقورًا، وهي مفقودة في الصِّغر، غير معلومة الوجود في حالة الكبر على تقدير البقاء؛ بخلاف غيره من المذكورات؛ فإنَّه ينتهي بطبعه عند الكبر إلى الأذى قطعًا، وأمَّا صغار باقي المذكورات، فيقتل، وظاهر اللَّفظ والإطلاق يقتضيه.
ومنها: جواز قتل من لجأ إلى الحرم وقد وجب عليه قتلٌ بقصاص، أو رجمٌ بالزِّنا، أو قتلٌ بالمحاربة، وغير ذلك، وأنَّه يجوز إقامة الحدود فيه، سواء كان موجب ذلك في الحرم أو خارجه، ثمَّ لجا إليه، وهو مذهب مالك والشَّافعيِّ وآخرين.
وقال أبو حنيفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم، يقام عليه، وما فعله خارجه، ثمَّ لجأ إليه، إن كان إتلاف نفسٍ، لم يقم عليه في الحرم، بل يضيَّق عليه، ولا يكلَّم، ولا يجالس، ولا يبايَعُ، حتى يضطرَّ إلى الخروج منه خارجه، فيقام عليه. وما كان دون النَّفس، يقام فيه، وبه قال طائفة، وحجَّتهم: قول الله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وحجَّتنا عليهم: مشاركة فاعل هذه المذكورات في اسم الفسق، فيعمُّه، بل فسقه أفحش؛ لكونه مكلَّفًا، بخلاف المذكورات؛ فإنَّ فسقها طبيعيٌّ، ولا تكليف عليها، والمكلَّف المرتكب للفسق هاتكٌ حرمةَ نفسه، فهو أولى، ولأنَّ التَّضييق الَّذي ذكره لا يبقى لصاحبه أمان، فخالفوا ظاهر ما فسَّروا به الآية.
قال القاضي عياض ﵀: ومعنى الآية عندنا وعند أكثر المفسِّرين: أنَّه إخبار عما كان قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات، وقيل: أمن
стр. 981
بالنار. وقالت طائفة: يُخرج منه، ويقام عليه الحدُّ مطلقًا، وهو قول ابن الزبير، والحسن، ومجاهد، وحماد، والله أعلم (١).
ومنها: جواز قتل الفأرة، وحكي عن النَّخعيّ أنَّه لا يجوز للمحرم قتل الفأرة، والله أعلم.
* * *
стр. 982
باب دخول مكَّة وغيره
الحديث الأوَّل
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: ابنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، قَالَ: "اقتُلُوهُ" (١).
ابنُ خَطَلٍ: اسمه: عبد العزَّى، وقيل: غالبُ بنُ عبد الله بنِ عبد منافِ بن أسعدَ بنِ جابرِ بنِ كثيرِ بنِ تيمِ بنِ غالبٍ، قاله ابن الكلبيِّ، وقال ابن إسحاق: اسمه عبد الله، وقيل: سعيد بن حُريث، وخَطَل: بخاءٍ معجمةٍ وطاء مهملةٍ مفتوحتين.
وأمَّا المِغْفَرُ: فهو ما يلبسه الدَّارع على رأسه من الزَّرَدِ ونحوه، وقد رأيته، وهو شيء يشبه التحنك للنِّساء، يغطِّي الرأس وبعض الوجه والقفا، من الزَّرد، والله أعلم.
وأَمَّا أَسْتَارُ الكَعْبَةِ: فهو ما يكساه من القباطي وغيرها.
قال ابن جريح: كان أوَّلَ من كسا البيت كسوة كاملةً: تُبَّعٌ؛ فقد أُري في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُري أن يكسوها الوصائل، وهي ثياب
стр. 983
حِبَرَة من عصب اليمن (١)، ثمَّ كساها النَّاس بعده في الجاهلية، وكساها رسول الله ﷺ ، ثمَّ أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ومعاوية وابن زياد الديباجَ.
وكانت تُكسى يوم عاشوراء، ثمَّ كساها ابن الزبير ومعاوية في السَّنة مرَّتين، ثمَّ كان المأمون يكسوها ثلاث مرَّات، فيكسوها الدِّيباجَ الأحمرَ يوم التَّروية، وهو اليوم الثَّامن من ذي الحجَّة، والقباطي يوم هلال رجب، والدِّيباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
وهذا الأبيض، ابتدأه المأمون سنة ستٍّ ومئتين، حين قالوا له: الدِّيباج الأحمر يتخرق قبل الكسوة الثَّانية، فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة؟ فقيل: الدِّيباج الأبيض، ففعله، والله أعلم.
وقد تقدَّم تاريخ دخول النَّبيِّ ﷺ مكَّة يوم الفتح، وثبت عن ابن شهابٍ ﵀: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يكن محرمًا ذلك اليوم، وظاهرُ كونِ المغفر على رأسه ﷺ يقتضي ذلك، وكان أمره ﷺ بقتل ابن خَطَلٍ؛ لأنَّه كان قد ارتدَّ عن الإسلام، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو النَّبيَّ ﷺ ، ويسبُّه، وكان له قينتان تغنِّيان بهجاء المسلمين.
فإن قيل: ففي الحديث الآخر: "مَنْ دخلَ المسجدَ فهو آمِنٌ" (٢)، فكيف قتله وهو متعلِّق بالأستار؟ فالجواب: أنَّه لم يدخل في الأمان، بل استثناه هو وابن أبي سرح والقينتين، وأمر بقتله، وإن وجد متعلِّقًا بأستار الكعبة، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: أنَّ المريد لدخول مكَّة، إذا كان محاربًا، يباح له دخولها بغير إحرام، لحاجة المحارب إلى التَّستُّر بما يقيه وقع السلاح.
стр. 984
وقد اختلف قول الشَّافعيِّ فيمن أراد دخول مكَّة بغير إحرام، فقال مرَّة: يجوز، سواء كان دخوله لحاجةٍ تتكرر؛ كالحطَّاب، والحشَّاش، والسَّقَّاء، والصَّياد، وغيرهم، أو لا تتكرَّر؛ كالتاجر والزَّائر، وغيرهما، وسواء كان آمنًا أم خائفًا، وهذا أصحُّ القولين، وبه يفتي أصحابنا.
والقول الثَّاني له: أنَّه لا يجوز دخولها بغير إحرام، إن كانت حاجته لا تتكرَّر، إلَّا أن يكون مقاتلًا، أو خائفًا من قتالٍ، أو خائفًا من ظالم لو ظهر، وهذا قول أكثر العلماء.
ومنها: إباحة قتل الملتجئ إلى الحرم، وتقدَّم اختلاف العلماء فيه، وفي التَّمسُّك من الحديث لذلك نظر؛ فإنَّ جواز قتل ابن خطلٍ وغيره محمولٌ على الخصوصيَّة التي دلَّ عليها قوله ﷺ : "ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأَحدٍ بعدي، وإِنَّما أُحلَّتْ لي ساعةً من نهار" (١).
مع أنَّ أصحاب الشَّافعيِّ ﵀ تأوَّلوا قتلَ ابن خطلٍ بعدَ السَّاعة التي أُبيحت له، لا في السَّاعة التي أبيحت له.
ومنها: جواز إقامة الحدود في الحرم، وهو قول مالكٍ والشَّافعيِّ، وموافقيهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأوَّل هذا الحديث في قتله على السَّاعة التي أبيحت له، وقيل: إنَّما قتله؛ لأنَّه لم يترك القتال، ولم يف بالشَّرط، بل قاتل بعد ذلك، والله أعلم.
ومنها: استحباب لبس المغفر ونحوه من السِّلاح حالَ الخوف من العدوِّ، أو لإرهابهم.
ومنها: شرعيَّة ستر الكعبة بالأستار؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّها على السَّتر، وسترها بكسوة بعد ذلك.
стр. 985
ومنها: رفع أخبار المرتدِّين والمنافقين إلى ولاة الأمور، وليس ذلك من الرَّفع المنهي عنه.
ومنها: تحتيم قتل من سبَّ رسول الله ﷺ ، من غير قبول توبته واستعاذته وتعلُّقه بأستار الكعبة ونحوها، أو غيرها من المخلوقين، والله أعلم.
* * *
الحديث الثَّاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ، مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (١).
أمَّا كَدَاء: فبفتح الكاف وبالمدِّ، هكذا ضبطه الجمهور، وضبطه بعضهم بفتح الكاف والقصر، وكذا بضمِّ الكاف وبالقصر، بأسفل مكَّة؛ هي الثنيَّة السفلى.
وأمَّا كُدَيُّ -بضمِّ الكاف وتشديد الياء-، فهو في طريق الخارج إلى اليمن، وليس من هذين الطَّريقين في شيء، والله أعلم (٢).
وأمَّا: "الثَّنِيَّةُ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ": فالثَّنية: الطَّريق بين جبلين، والبطحاء بالمد، ويقال لها: الأبطح، وهي بجنب المحصَّب، وهذه الثَّنيّةُ تنحدر منها إلى مقابر مكَّة.
وإنَّما فعل رسول الله ﷺ هذه المخالفة داخلًا وخارجًا في طريقه؛ تفاؤلًا بتغير الحال إلى أكمل منه، كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك أهلهما.