← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الشيخ: لا، هذا اختلاف التفسير معنى تضيف، فإذا قلنا: (تضيَّف)؛ يعني تميل إذا بقي مقدار رمح اعتُبر شيئًا واحدًا مع الذي تشرع فيه ( ... ) أن نجعله سادسًا، لكن ما رأيت أحدًا قال بذلك. هذه إذن خمسة، وبالاختصار ثلاثة، والأدلة سمعتموها، لكن ما الحكمة في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ أولًا: يجب أن نعلم أن ما أمر الله به ورسوله فهو الحكمة، فعلينا أن نُسلِّم ونقول: إذا سألنا أي واحد يسألنا عن الحكمة في أمر من الأمور، الحكمة أمر الله ورسوله في المأمورات، الحكمة نهي الله ورسوله في المنهيات. ودليل ذلك من القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ما نختار إلا أمر الله ورسوله. وسُئلت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢١). فاستدلت بماذا؟ بالسُّنَّة، ولم تذكر العلة، وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة أن تكون مُسلِّمًا لأمر الله ورسوله سواء عرفت حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته لقلنا: إنك ممن اتبع هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهر لك أن الامتثال خير، هذا جواب انتبهوا له. الحكمة الثانية: أن هذه الأوقات يعبد المشركون فيها الشمس، فلو قمت تصلي لكان في ذلك مشابهة للمشركين لكنه يرد علينا أن هذا التعليل ينطبق على ما كان من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قِيد رمح، وعلى ما كان حين تضيف الشمس للغروب إلى الغروب، لكن كيف ينطبق على ما كان من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، أو من بعد صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب؟ وكيف ينطبق على النهي في انتصاف النهار حين يقوم قائم الظهيرة؟ فهمت السؤال؟

стр. 1752

ماذا قلنا في العلة؟ لأن الصلاة في هذه الأوقات فيها مشابهة للمشركين الذين يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها كما علَّل بذلك الرسول ﵊، قلنا: يرد على هذا ما كان من النهي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تتضيف للغروب، وكذلك حين يقوم قائم الظهيرة، كيف عبادة المشركين؟ فنقول: لما كان الشرك أمره خطير، وشره مستطير سدَّ الشارع كل طريق يوصل إليه ولو من بُعْد، فلو أُذِن للإنسان أن يصلي بعد صلاة الصبح لاستمرت به الحال إلى أن تطلع الشمس، ولا سيما من عندهم رغبة في الخير، وكذلك لو أُذِن له أن يصلي بعد صلاة العصر لاستمرت به الحال إلى أن تغيب الشمس، فلما كان الشرك أمره خطير سُدَّت كل ذريعة توصل إليه ولو من بُعد، أما عند قيامها -يعني فيما عند الزوال- فقد علله النبي ﷺ بأن جهنم تُسجَّر في هذا الوقت يعني توقد، يُزاد في وقودها، فناسب أن يبتعد الناس عن الصلاة في هذا الوقت؛ لأنه وقت تسجير النار، فهذه عِلَّة، فصار لو سئلنا: ما هي العلة؟ الجواب الأول: أن هذا مقتضى الشرع، وكون الشيء مقتضى الشرع كافٍ في كونه علة، واستدللنا لذلك بآية من القرآن وأثر عن مَنْ؟ عن عائشة ﵂.

стр. 1753

الثاني: أنه لا بأس أن نلتمس علة لهذا النهي، جاءت بها السنة، وهو أن المشركين إذا طلعت الشمس أو غابت سجدوا لها، فنُهِي المؤمن أن يصلي في هذه الأوقات لئلا يقع في مشابهة المشركين، والواجب على المسلم أن يكون مباينًا للمشركين في كل شيء؛ لأنه مسلم حتى إن عمر ﵁ لما كان الناس في عزة الإسلام كان لا يُمَكِّن أهل الذمة أن يركبوا الخيل؛ لأن بها عز الإسلام، وهي آلة الحرب، فلو ركب الذمي الخيل لحصل في نفسه عزة وأنفة، والمطلوب من المسلم أن يذل الكافر، هذا هو المطلوب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِين وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وكان يمنعهم من أن يركبوا كما يركب المسلمون، بل يركبون عرضًا غير الخيل، يركبونها عرضًا، كيف يركبون عرضًا؟ أنت إذا ركبت جعلت الرجل اليمنى من اليمين واليسرى من اليسار، أما هم قال لهم عمر: لا تركبوا هكذا؛ لأنكم لو ركبتم هكذا ورآكم الناس قالوا: هؤلاء مسلمون، لكن لازم تميزوا عن المسلمين، كيف يركبون؟ يركبون على جانب واحد، اجعل رجليك من الجانب الأيمن كلها أو من الجانب الأيسر لئلا تشبه بالمسلمين، فكذلك نحن مثلًا في الصلاة خطيرة المسألة، إذا صلى الإنسان عند طلوع الشمس أو غروبها تشبه بالمشركين بأي شيء؟ بالعبادة، أهم من التشبه باللباس أو بالركوب أو ما أشبه ذلك. الطالب: شيخ، قبر الموتى، وأن نقبر فيهن موتانا، ما العلة؟ الشيخ: لا، هذه الله أعلم، ما نعرف يعني النهي عن القبر في هذه الأوقات الله أعلم. طالب: شيخ، الزمن يا شيخ بين قائم الظهيرة وزوالها؟ الشيخ: الزمن حوالي عشر دقائق فأقل، من العشر فأقل. طالب: شيخ، هل يشترط يا شيخ في سجود الشكر استقبال القبلة؟ الشيخ: ذكرنا أنه كسجود التلاوة، وذكرنا في سجود التلاوة خلافًا.

стр. 1754

طالب: شيخ، رجل يصلي من الليل، وكان يقرأ ونسي آية، فأخذ يكرر في تذكرها فتذكرها، فهذه نعمة من الله فهل يشكر ( ... )؟ الشيخ: لا، هذا ما يظهر، هذه نعمة في الحقيقة عادية ما هي إلى ذاك؛ ولهذا ما كان الرسول إذا ذُكِّر بآية سجد. طالب: شيخ، بالنسبة للعلة، هذه ( ... ) صلاة ذات السبب ما؟ الشيخ: إي، ما بعد وصلناها، وإلا كما قلت: التي لها سبب تزول هذه العلة فيها، ولهذا كان القول الراجح أن ذوات الأسباب تُفعل حتى في وقت النهي. طالب: شيخ، سجود الشكر مثلًا من بعدما وضعت ( ... ) تسجد ( ... )؟ الشيخ: إي وأيش تقولون؟ الأخ يبغيها تسجد وهي نفساء! ! إذا قلنا باشتراط الطهارة كيف تسجد؟ ! طالب: ( ... ). الشيخ: إذا قلت: إنها لا يشترط. إذا كان هناك طلق صعب يعني خافت منه الموت فتسجد؛ لأن هذا خلاف العادة، أما إذا كان على العادة فهو عادة، الإنسان مثلًا إذا بال أو تغوط، ما هي من نعمة الله أنه خرج هذا البول والغائط، ولَّا لا؟ هل يسجد للشكر؟ ما يسجد. لكن لو انحبس بوله أو غائطه ووجد من ذلك مشقة، ثم أخرجه الله يسجد ولَّا لا؟ يسجد، ليش؟ لأن هذا خارج عن المعتاد؛ تجدُّد نعمة أو اندفاع نقمة. طالب: بعض الناس إذا قرأ آية التلاوة يقوم فيسجد فيخر ساجدًا وهو قائم؟ الشيخ: ذكرنا في هذا خلافًا، وأن ظاهر السنة ألا يقوم الإنسان. طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- سجود الشكر، هل هو على الفورية أو على التراخي، ركب السيارة وحدث شيء من مستلزمات الشكر، هل على التراخي أو إذا نزل من السيارة؟ الشيخ: كل عبادة ذات سبب فهي مرتبطة بسببها على الفور، ويستطيع أن يسجد في السيارة بالإيماء؛ لأن هذه نافلة. الطالب: إذا كان الفاصل يسيرًا؟ الشيخ: لا، الفاصل يسير ما يضر يعني مثلًا بس بيوقف السيارة وينزل، ما فيه شيء. طالب: شيخ ( ... ). الشيخ: لا يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، هؤلاء صلوا مع الجماعة تبعًا.

стр. 1755

طالب: شيخ، ( ... ) حديث يقول: إنه في الصحيحين عن النبي ﵊ قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ» (٢٢) الشيخ: لا، ما هو بصحيح، ما هو في الصحيحين. ( ... ) *** طالب: قضاء الفرائض فيها، وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي الطواف، وإعادة جماعة، ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبق لنا أن أوقات النهي خمسة، فعُدَّها علينا؟ الطالب: الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، والثاني: من طلوع الشمس إلى الارتفاع قيد رمح. والثالث: عند قائم الظهيرة إلى أن تزول. الشيخ: عند قيامها حتى تزول. الطالب: والرابع من صلاة العصر حتى تغرب. والخامس: من الغروب حتى تغيب. الشيخ: من الغروب حتى تغيب؟ ! الطالب: لا، الخامس من بعد صلاة العصر. الشيخ: الرابع من صلاة العصر إلى؟ الطالب: إلى الغروب. الشيخ: والخامس؟ الطالب: حتى تغيب. الشيخ: كيف؟ الطالب: الأول: من طلوع الفجر. الشيخ: انتهينا الأول، والثاني، والثالث، والرابع! الطالب: من بعد صلاة العصر إلى الغروب. الشيخ: والخامس؟ الطالب: بداية الغروب حتى تغيب الشمس. الشيخ: إي؛ يعني إذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها. هذا ما يراه المؤلف والقول الخامس. طالب: اللي هو قبل أن تغيب برمح. الشيخ: نعم، قبل أن تغيب برمح؛ يعني إذا كانت من الغروب نظير ما كانت عليه بعد الشروق دخل الوقت المضيّق. هذه خمسة أوقات يمكن أن نختصرها ولَّا لا؟ إلى كم نختصرها؟ الطالب: ثلاثة؛ من طلوع الفجر الثاني إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، عند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب. الشيخ: وسبق لنا أن القول الراجح أن ابتداء وقت النهي في الفجر من؟ الطالب: من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس.

стр. 1756

الشيخ: من بعد صلاة الفجر، وليس من طلوع الفجر؛ لأن هذا هو الثابت في صحيح مسلم وغيره أنه من صلاة الفجر. هذه الأوقات الخمسة يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يجوز قضاء الفرائض فيها) يعني هذه الأوقات الخمسة تحرم فيها الصلاة (إلا ما استثني منها) أي: مما استثني ما ذكره في قوله: (يجوز قضاء الفرائض فيها) أي في هذه الأوقات، مثل أن ينسى الإنسان الصلاة؛ صلاة فريضة، نسي صلاة الظهر وصلى العصر على أنه قد صلى الظهر، وبعد أن صلى العصر ذكر أنه لم يصلِّ الظهر، ففي هذه الحال يقضيها ولو بعد صلاة العصر، الدليل قوله ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٢٣)، وهذا عام يشمل جميع الأوقات؛ ولأن الفرائض دين واجب فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به، هذا تعليل. مثال آخر: رجل لما صلى العصر وجد على ثوبه أثر جنابة من قيلولة قالها، أو لا يصح هذا المثال، لا يصح هذا المثال؛ وذلك لأنه إذا كان عليه جنابة من قيلولة قالها قبل الظهر فصلاة الظهر لم تصح وصلاة العصر لم تصح، وحينئذٍ لا يدخل وقت النهي، لكن لو فُرض أنه وجد عليه نجاسة أصابته في ثوب له خلعه، وكانت هذه النجاسة مما لا يُعفى عنه على المشهور من المذهب، ففي هذه الحال يلزمه أن يعيد صلاة الظهر ولو بعد صلاة العصر. المهم أن قضاء الفرائض يجوز في أوقات النهي، والدليل ما سمعتم، والتعليل أيضًا ما سمعتم، هذه واحدة. قال: (وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف) يعني بها القصيرة التي ذُكرت في حديث عقبة بن عامر، وهي من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تضيفت للغروب حتى تغرب لقول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا (١٩)، وذكر هذه الأوقات الثلاثة.

стр. 1757

فيجوز فعل ركعتي طواف؛ يعني إذا طاف الإنسان بعد طلوع الشمس وقبل ارتفاعها قِيد رمح؛ فإنه يُصلِّي ركعتي الطواف. إذا طاف عند قيام الشمس؛ يعني عند الظهر فإنه يصلي ركعتي الطواف. إذا طاف حين تتضيف الشمس للغروب فإنه يصلي ركعتي الطواف، فما الدليل؟ قول النبي ﵊: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (٢٤). وهذا صريح في أنه لا يجوز لهم أن يمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت في أي ساعة كانت؛ لا في العصر، ولا في الصبح، ولا في أي وقت، ولكن قد يُنازَع في الاستدلال بهذا الحديث، فيقال: إن هذا الحديث مُوجَّه إلى من تولى البيت فإنه لا يجوز له أن يمنع أحدًا من الطواف، ولكن الشرع له حُكم بالمنع في أوقات النهي؛ لأننا لو أخذنا بعموم الحديث لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام سواء كانت ركعتي الطواف أم لم تكن؛ لأنه قال «طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ»، طاف وصلى، فلو أخذنا بظاهره لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام، ولو في أوقات النهي، ولكن نقول: إن هذا الحديث موجه إلى أين؟ إلى من تولى البيت، فليس له الحق في أن يمنع أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل يصلي أو لا يصلي، هذا يتوقف على إذن الشارع إن أذن له أن يصلي صلَّى، وإن لم يأذن فلا يصلي، ولذلك ربما ينازِع منازِع في الاستدلال بهذا الحديث؛ من وجهين: الوجه الأول: أن ظاهره أنه لا بأس بالصلاة ولا بالطواف في كل وقت، وأنتم تخصون الصلاة بماذا؟ بركعتي الطواف. ثانيًا: أنه -أي الحديث- مُوجَّه إلى الولاية؛ يعني إلى ولاة الأمر في المسجد الحرام؛ أنه لا يحل لهم أن يمنعوا أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل تجوز الصلاة أو لا تجوز، هذا موكول إلى الشرع، والشرع بيَّن أنه لا صلاة في هذه الأوقات المنهي عنها.

стр. 1758

على كل حال سيأتينا -إن شاء الله- أن ركعتي الطواف جائزة لا لهذا الحديث، ولكن لأن لها سببًا، وذوات الأسباب يجوز فعلها في وقت النهي. الثالث مما يستثنى: قول المؤلف: (في الأوقات الثلاثة)، مفهومه أن الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فعل ركعتي الطواف، ولكن هذا ليس بصحيح؛ إذ إن المفهوم هنا مفهوم. أولوية، لا مفهوم مخالفة؛ لأنه إذا جازت الصلاة في الأوقات الثلاثة القصيرة، وهي أغلظ تحريمًا من أوقات العامة، ففي الأوقات الأخرى من باب أولى. وليت المؤلف لم يقل في الأوقات الثلاثة، لكنه قال؛ لأن بعض العلماء قال: إن الأوقات الثلاثة القصيرة لا يجوز فيها فعل ركعتي الطواف، وإنما تجوز في الأوقات الطويلة. ما هما الوقتان الطويلان؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: من صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب، ومن طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس. هذه الأوقات الطويلة. عندنا الآن نقول: يجوز في الأوقات الثلاثة، وفيما سواها من باب أولى فعل ركعتي طواف. الثاني: وإعادة جماعة؛ يعني أنه يجوز في هذه الأوقات -أوقات النهي- أن يعيد الإنسان الجماعة، إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى فإنه يصلي معهم، ولو كان وقت نهي.

стр. 1759

مثال ذلك: رجل صلى العصر في مسجده، ثم أتى إلى مسجد آخر ليحضر الدرس أو لغرض ما فوجدهم يصلون فإنه يصلي معهم؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ صلى ذات يوم صلاة الفجر في منى، فلما انصرف إذا برجلين قد اعتزلا لم يُصلِّيا مع الناس، فدعا بهما فجِيء بها ترعد فرائصهما -خوفًا وهيبة من رسول الله ﷺ ؛ يعني اتنفضوا كما نقول- فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا؟ ». قالا: يا رسول الله، صلَّينا في رحالنا. فقال لهما: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٢٥) «إِنَّهَا» أي: الصلاة الثانية «لَكُمَا نَافِلَةٌ» تطوع، وهذا صريح في جواز النفل في وقت النهي من أجل موافقة الجماعة. انتبه هذا الحديث يدل على أنه تجوز إعادة الجماعة في وقت النهي، وهو صريح في هذا؛ لأنه جيء بهما بعد صلاة الفجر؛ يعني قد دخل وقت النهي. وفي هذا الحديث دليل على أنه يُنكر على من جلس والناس يصلون؛ لأن ذلك شذوذ وخروج عن الجماعة، ومن هذا ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان، إذا صلوا مع إمام يصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، قالوا: نحن لا نزيد على عشر ركعات، ثم جلسوا، إما يتحدثون فيُشوِّشون على من حولهم، وإما يقرؤون فيما بينهم قرآنًا؛ يعني كل واحد يقرأ مع نفسه، وهذا لا شك أنه حرمان، وشذوذ عن الأمة، والشرع يريد من الأمة أن تكون مُتَّفِقة لا مختلفة، فهؤلاء أصابوا من وجه وأخطؤوا من وجه، وخطؤهم أعظم من صوابهم، صحيح أن الأفضل أن يقتصر الإنسان على إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك نهي عن الزيادة.

стр. 1760

على كل حال فيه دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يتخلف عن الجماعة، بل يصلي معهم حتى إن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (٢٦) وفي لفظ: «إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ» (٢٧). يعني حتى لو عليك فريضة تبغي تؤديها والإمام يصلي وتصلي وحدك لتؤدي الفريضة السابقة فأنت منهي عن ذلك «لَا صَلَاةَ إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ». واستدل بعض الناس بهذا الحديث على جواز إقامة الجماعة في الرحل دون المسجد؛ يعني أنه لا يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، بل يجوز أن يصلي جماعة في رحله، وعلى هذا فإذا كنا جماعة في بيت، وأذَّن المؤذن فإنه يجوز لنا أن نصلي في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقولهما: صلينا في رحالنا. فقال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ» (٢٨)، ولم يقل: لا تُصلِّيا في رحالكما، بل صَلِّيا في الجماعة في المسجد، وهذا لا شك أنه فيه شيء من الشبهة، وهنا فيه فِعْل الصحابيين، وفيه إقرار، أما مجرد فعلهما فليس فيه دليل بلا شك. ويَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بغَيْرِها في شيءٍ مِن الأوقاتِ الخمسةِ حتى ما له سَبَبٌ. (باب صلاة الجماعة) تَلْزَمُ الرجالَ الصلواتُ الخمْسُ لا شَرْطًا، صحيح أن الأفضل أن يقتصر الإنسان على إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك نهي عن الزيادة. على كل حال فيه دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يتخلف عن الجماعة بل يصلي معهم؛ حتى إن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (١). وفي لفظ: «إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ»، يعني حتى لو عليك فريضة تبغي تؤديها والإمام يصلي، وتصلي وحدك لتؤدي الفريضة السابقة؛ فأنت منهيّ عن ذلك «لَا صَلَاةَ إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ».

стр. 1761

واستدل بعض الناس بهذا الحديث على جواز إقامة الجماعة في الرَّحْل دون المسجد؛ يعني أنه لا يجب على الإنسان أن يُصلِّي مع الجماعة في المسجد، بل يجوز أن يُصلِّي جماعة في رَحْله، وعلى هذا؛ فإذا كنا جماعة في بيت، وأذَّن المؤذن، فإنه يجوز لنا أن نصلي في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقولهما: صلَّينا في رحالنا فقال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ» (٢). ولم يقل: لا تصليا في رحالكما، بل صلِّيا في الجماعة في المسجد، وهذا لا شك أنه فيه شيء من الشُّبهة، وهنا فيه فعل الصحابيين، وفيه إقرار؛ أما مجرد فعلهما فليس فيه دليل بلا شك؛ لأنه يحتمل أنهما لم يعلما بوجوب الصلاة في المسجد، ويحتمل أنهما ظنَّا أن الجماعة قد أُقيمت، وأنهما لا يدركان جماعة المسجد فصلَّيَا في رحالهما، لكن اللي فيه الإشكال قوله: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا»، ولم يقل: لا تصليا في رحالكما، ولا شك أن هذا فيه شُبهة، وفيه شيء من المستند لمن قال بأنه لا تجب الصلاة في المسجد، ولكن هناك أدلة أخرى أصرح من هذا، والقاعدة الشرعية عندنا: أنه إذا وجد دليل مشتبِه ودليل محكم لا اشتباه فيه، فما الواجب؟ حمل المشتبه على المحكم. فيه أحاديث تدل على أنه لا بد من الحضور في المسجد، مثل حديث أبي هريرة، أن الرسول ﵊ قال: «ثُمَّ أَنْطَلِق إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٣). «إِلَى قَوْمٍ»، مع أن القوم يمكن أن يصلوا جماعة في مكانهم، فجعل تخلفهم مُوجبًا لإحراقهم بالنار، الذي هم به ﵊. ومنها: أن النبي ﷺ لما استأذنه الرجل الأعمى أن يصلي في بيته أذِن له؛ ثم دعاه، فقال: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ». (٤) ولم يقل: انظر من يصلي معك.

стр. 1762

فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا بد من حضور المسجد، ويجاب عن حديث الرجلين بأنه من المشتبِه، والواجب حملُه على المحكم الذي لا اشتباه فيه. كم استثنى المؤلف مما يجوز في أوقات النهي؟ طالب: ثلاث. الشيخ: ثلاث: قضاء الفرائض فيها، فعل ركعتي الطواف، إعادة الجماعة. ثم قال: (ويحرم تطوع بغيرها) إلى آخره. فيه أيضًا مستثنى غير هذا على المذهب؛ وهي سُنة الظهر التي بعدها إذا جُمعت مع العصر، مثل: رجل مريض يجمع الظهر والعصر، فصلى الظهر والعصر، فقد دخل وقت النهي في حقه، حتى وإن كان لم يُؤذن أذان العصر؛ يعني لو فُرض رجل جمع العصر مع الظهر جمْع تقديم، فقد دخل وقت النهي في حقه؛ لأن النهي معلق بماذا؟ بالصلاة، في هذه الحال لم يُصلِّ راتبة الظهر البعدية؛ نقول: لا بأس أن تصليها بعد العصر. هذه أربعة. الخامس: من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فإنه يصلي ركعتين خفيفتين؛ ودليل ذلك: أن رجلًا دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فجلس، فقال له: «أَصَلَّيْتَ؟ ». قال: لا. قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٥). فلو فُرض أن الإمام جاء قبل أن تزول الشمس، والجمعة يجوز أن يحضر الإمام فيها قبل الزوال، وشرع في الخطبة عند قيام الشمس وقبل أن تزول؛ يعني: في وقت النهي، ودخل رجل، ففي هذه الحال نقول: صلِّ تحية المسجد ولو في وقت النهي، والدليل: هذا الحديث الذي ذكرناه، فهذه خمس مسائل. السادسة: صلاة الجنازة تُفعل في أوقات النهي؛ يعني: لو صلّينا العصر، وحضرت جنازة، فإننا نصلي عليها؛ هذه ست مسائل تجوز في أوقات النهي، وعرفتم الدليل في قضاء الفرائض، والدليل في ركعتي الطواف، والدليل في إعادة الجماعة، والدليل فيمن دخل والإمام يخطب.

стр. 1763

أما من جَمَعَ الظهر والعصر، فدليله هو أن سُنَّة الظهر التي بعدها سُنَّة راتبة، ولا يمكن أن يفصل بين الظهر والعصر بها؛ لأن الجمع لا بد فيه من التوالي، فلا يمكن الجمع بدون توالي، فصار جوازها بعد صلاة العصر جواز ضرورة، وأما صلاة الجنازة فلعموم الأدلة في وجوب الصلاة على الميت، وفي أنه ينبغي الإسراع في دفنه. يقول المؤلف ﵀: (ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة). الأوقات الخمسة عرفتموها أنها بالبسط خمسة على المذهب، الآن نعدها على المذهب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، من طلوعها حتى ترتفع قيد رمح عند قيامها حتى تزول من صلاة العصر حتى تشرع في الغروب إذا شرعت فيه حتى يتم. يقول المؤلف: (ويحرم تطوع بغيرها) أي: بغير المتقدمات من إعادة الجماعة، وركعتي الطواف، وتحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب. (حتى ما له سبب) يعني: لا يجوز التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سبب؛ وذلك لعموم الأدلة في أنه «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٦)، وحديث عقبة بن عامر: أن نُصلِّي فِيهنَّ (٧)، وما أشبه ذلك. قالوا: فالعموم مُقدَّم على العموم الثاني؛ لأن الذي له سبب في الواقع تعارض مع أحاديث النهي حيث كان كل منهما عامًّا من وجه، خاصًّا من وجه، ولنأخذ مثلًا: تحية المسجد، فيها قوله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨). هذا فيه عموم في الوقت، مستفاد من قوله: «إِذَا دَخَلَ»؛ لأن (إذا) شرطية ظرفية؛ يعني في أي وقت يدخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا العموم. فيه خصوص؛ وهو أن هذه الصلاة المأمور بها على سبيل العموم صلاة مخصوصة، وهي تحية المسجد؛ ففيه عموم وفيه خصوص.

стр. 1764

«لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (٩)، فيه عموم، وفيه خصوص؛ العموم في الصلاة في قوله: «لَا صَلَاةَ»، العموم لا تحية مسجد ولا غيرها، لا صلاة، الخصوص: الزمن «بَعْدَ الْعَصْرِ»، فصار عموم الزمن في قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ». مخصوصًا بخصوص الزمن في قوله: «بَعْدَ الْعَصْرِ»، وصار عموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» يتعارض مع خصوص تحية المسجد؛ فلهذا صار بينهما عموم وخصوص؛ فإذا دخل إنسان المسجد إن قلت له: صلِّ خالفت النهي، ووافقت الأمر، وإن قلت: لا تُصلِّ وافقت النهي وخالفت الأمر، إذن ماذا؟ هل أوافق الأمر أو أوافق النهي؟ يقول المؤلف: وافق النهي؛ يعني معناه انتهِ لا تخالف النهي فلا تُصلِّ. عِلّتهم في ذلك يقولون: إنه اجتمع مُبيح وحاظِر، أو اجتمع أمر ونهي؛ فالاحتياط التجنب خوفًا من الوقوع في النهي، كما قالوا: إذا اجتمع مُبيح وحاظر قُدِّم الحاظر؛ فلذلك نمنع ونقتصر على ما ورد به النص من إعادة الجماعة وركعتي الطواف وما أشبهها. وذهب بعض أهل العلم إلى ترجيح الأمر الخاص، وعلَّلوا ذلك بأنه تعارَض عامَّان وخاصَّان؛ والعام في النهي مخصوص بمسائل مُتفق عليها.

стр. 1765

ما هو العام في النهي؟ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» (١٠)، مخصوص بمسائل متفق عليها، وهي قضاء الفرائض؛ متفق عليها، إعادة الجماعة؛ متفق عليها، ركعتا الطواف متفق عليها، ركعتا تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة؛ متفق عليها، فلما كان هذا العموم مخصوصًا بمسائل متفق عليها؛ صارت دلالته على العموم ضعيفة؛ لأنه صار عمومًا مُخرَّقًا؛ يعني مستثنى فيه أشياء متفق عليها، فضعف عمومه؛ حتى إن بعض العلماء من الأصوليين قال: إن العام إذا خُصّ بطلت دلالته على العموم نهائيًّا؛ لأن تخصيصه يدل على عدم إرادة العموم، وإذا بطل عمومه لم يكن معارِضًا للأحاديث الدالة على فعل هذه الصلوات التي لها سبب. ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة: أن ما له سبب يجوز في أوقات النهي كلها، الطويلة والقصيرة؛ لأن عمومه محفوظ، هذا واحد، والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص؛ لأن معنى محفوظ أنه لم يُخصَّص، فهذا العموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص. ثانيًا: أن نقول: ما الفرق بين العموم في قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١١). وقوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨)؟ فإذا قلتم: إن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» عام في الزمن فليكن قوله: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ» عامًّا في الزمن ولا فرق؛ فإن قوله: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» خاص في الصلاة عام في الزمن.

стр. 1766

كذلك «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» خاص في الصلاة، عام في الزمن، فكيف تأخذون بعموم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا»، وتقولون: إنه مخصص لعموم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ» أو «بَعْدَ الْعَصْرِ» ولا تأخذون بعموم: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»؟ فالصحيح أن ما له سبب يُفعل في أوقات النهي للأوجه الآتية: أولًا: أن عمومها محفوظ؛ والعموم المحفوظ أقوى من العموم المخصوص. ثانيًا: أنها مقرونة بسبب، فيبعد أن يقع فيها الاشتباه في مشابهة المشركين؛ لأن النهي عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ لئلَّا يتشبه المصلي بالمشركين الذين يُصلُّون لها -أي للشمس- إذا طلعت وإذا غربت، فإذا أُحِيلت الصلاة على سبب معلوم كانت المشابهة بعيدةً أو غير بعيدة؟ بعيدة؛ لأن أي واحد يقول: ليش أصلي الآن؟ قال: لأنه دخل المسجد مثلًا؛ لأنه توضأ، والوضوء يسن عقبه الصلاة. ثالثًا: أنه في بعض ألفاظ أحاديث النهي: «لَا تَتَحَرَّوُا الصَّلَاةَ» (١٢)، والذي يصلي لسبب هل يقال: إنه متحرٍّ للصلاة عند طلوع الشمس وغروبها؟ لا، ما يقال إنه متحرٍّ، بل يقال: صلَّى لسبب. المتحرّي: هو الذي يرقب الشمس، فإذا قاربت الطلوع مثلًا قام وصلَّى، أو الذي يرقُب وقت النهي، فإذا جاء وقت النهي قام فصلى؛ فلهذه الوجوه الثلاثة كان القول الراجح أن ما له سبب يجوز أن يُصلَّى في أوقات النهي، وهذا مذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، وشيخنا عبد العزيز بن باز، وهو الراجح، المهم أن الأدلة تؤيد هذا القول.

стр. 1767

وعلى هذا؛ فإذا دخلت المسجد لصلاة المغرب قبل الغروب بربع ساعة هل تجلس أو تُصلِّي؟ تُصلِّي ولا حرج، بل لو جلست لكنت واقعًا في نهي الرسول ﷺ عن الجلوس لمن دخل المسجد حتى يصلي ركعتين. وقول المؤلف: (حتى ما له سبب) إشارة إلى أي شيء؟ إلى الخلاف في هذه المسألة، مع أن الخلاف قوي، وقد ذكر بعض المتأخرين أنهم إذا قالوا: (ولو كذا) فالخلاف قوي، وإذا قالوا: (وإن كان كذا) فالخلاف أضعف؛ يعني قوي، ولكنه أضعف، وإذا قالوا: (حتى) فالخلاف ضعيف. ولكن الخلاف في هذه المسألة قوي جدًّا، لا من حيث الدليل، ولا من حيث المخالفين. ما تقولون في رجل توضأ بعد صلاة العصر؟ هل يصلي سُنّة الوضوء أو لا يُصلي؟ طلبة: يصلي. الشيخ: لا، إن قلتم: يُصلِّي؛ فخطأ، وإن قلتم: لا يصلي؛ فخطأ، إن توضأ ليصلي؛ فلا يجوز؛ لأنه تعمَّد الصلاة في أوقات النهي، وإن توضأ للطهارة؛ فحينئذ يُصلي على القول بأنه يجوز أن يصلي النافلة التي لها سبب في أوقات النهي، أما على رأي من يقول: إنه لا يُصلَّى من النوافل إلا ما خصَّصوها، فلا يجوز. لو أن رجلًا تقدم إلى صلاة المغرب يوم الجمعة في آخر النهار من أجل أن يصلي تحية المسجد حتى يشمله الحديث: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» (١٣)، فهل نقول: إن هذا حرام، أو نقول: إن هذا جائز؟ طالب: الأول. الشيخ: نقول: إن قصد المسجد ليصلي؛ فهذا حرام، كما قلنا: لو توضأ ليصلي، وإن قصد المسجد من أجل التقدم لصلاة المغرب، ثم لما دخل قام يُصلي ركعتين من أجل أنه دخل المسجد؛ فهذا لا بأس به، حتى وإن كان لا يتقدم إلا يوم الجمعة؛ فإنه لا بأس به. إذن هناك فرق بين من يتوضأ ليصلي، وبين من يتوضأ لا للصلاة، ولكن قلنا له: إذا توضأت فصلِّ، أليس كذلك؟ ثم قال المؤلف ﵀: باب صلاة الجماعة.

стр. 1768

طالب: السلام عليك يا شيخ، ما نجاوب عن حديث الرجلين بمنى، نقول مثلًا: الصلاة في منى ما تُشرع في المسجد؛ يعني يجوز الصلاة في الراحلة أصلًا. الشيخ: المسجد مبني؟ الطالب: في منى يا شيخ. الشيخ: إي. الطالب: الآن المشروع يا شيخ في منى الصلاة كيف تكون؟ الشيخ: المشروع في منى أنه إذا لم يشق أن يُصلوا في المسجد، لكن لا شك أن الصلاة في المسجد فيها صعوبة الآن، ولا حصل لك أيضًا، لو تروح ما حصل لك إلا في السوق الذي حول المسجد، وكله ملوَّث بنجاسات. طالب: يُنكر يا شيخ على من لم يصلِّ سنة تحية المسجد بعد العصر؟ الشيخ: لا، ما ينكر؛ لأن بعض العلماء يقولون: ما تصلى، والمسائل الخلافية لا تنكر، لكن لا بأس أن تناقشه إذا كان أهلًا للنقاش، أما إذا كان مُقلِّدًا، إذا كلمته قال: ما أنت بأعرف من فلان، فهذا ما يمكن تقول له. طالب: تحية المسجد في مُصلَّى العيد؟ الشيخ: نعم، مُصلَّى العيد يُصلَّى فيه تحية المسجد؛ لأنه مسجد؛ ولهذا منع النبي ﵊ الْحُيِّض منه، ولا تمنع المرأة الحائض إلا من مسجد. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قول الرسول ﷺ : «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (١٤)، فهل هذا يحمل على النداء الذي بدون ميكرفون؟ الشيخ: هو الظاهر؛ لأننا لو اعتبرنا النداء بالميكرفون كان ما شاء الله يصل أقصى البلد. الطالب: فلو أنكرنا على واحد ( ... )، ولكن يسمعه ولو بالميكرفون يجوز له أن يصلي في بيته؟ الشيخ: ما يجوز إلا إذا كان فيه مشقة؛ لأن قول الرسول: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » معناه أنك لما سمعت النداء أجب؛ ولهذا لو فُرض أنك ما تسمع لطرش؛ يعني لصمم وجب عليك، ثم لو قلنا بهذا كان حصل فيه تلاعب؛ لأنه إذا كان الهواء من جهتك سمتعه يصير الفجر حيث إن الهواء شمال وأنت جنوب عن المسجد يجب عليك حضور الجماعة، والظهر لما كان الهواء جنوب وأنت جنوب عن المسجد ما تسمع نقول: ما تجب عليك؟ !

стр. 1769

طالب: كيف نحملها على أنه .. ؟ الشيخ: يعني معناه ما كان يسمعه لولا المانع وجب عليه. طالب: شيخ، بالنسبة للأمر في قوله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٨). الشيخ: النهي، هذا ما هو أمر، هذا نهي. طالب: لا الأمر بالصلاة بس يا شيخ. الشيخ: ولا أمر بالصلاة. طالب: النهي عن عدم الجلوس قبل الصلاة، ما نوعه؟ يعني يجب أن الواحد يصلي ولَّا؟ الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ هل تحية المسجد واجبة أو لا؟ فمنهم من قال: إنها واجبة، واستدل بما ذكرت بالنهي؛ والأصل في النهي التحريم، واستدل بقول الرسول ﷺ : «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١٥)، فأمره أن يصلي ركعتين مع أنه يجب عليه الإنصات لسماع الخطبة، قالوا: ولا يمكن أن يُؤمر بشيء يتضمن ترك واجب إلا وهو واجب. والحقيقة أن القول بوجوب تحية المسجد قول قوي جدًّا، وأنه يُخشى على من لم يُصلِّ تحية المسجد أن يكون آثمًا، لكن هناك أدلة قد يكون ظاهرها عدم الوجوب، مثل: دخول الرسول ﵊ يوم الجمعة المسجد، فيشرع في الخطبتين ويجلس بينهما دون صلاة، وإن كان هذا قد يقال: إن الخطبة تابِعة لصلاة الجمعة، وفيه أيضًا أن كعب بن مالك لما دخل المسجد بعد أن تاب الله عليه لم يُصلِّ ركعتين، وأقرَّه النبي ﵊ على ذلك، وتعلمون أن قصة كعب بن مالك متأخرة في السنة التاسعة، وفيه أيضًا قصة الثلاث رجال الذين دخلوا والنبي ﵊ جالس في أصحابه، فبعضهم جلس في الحلقة، وبعضهم استحيا وجلس خلفها، والثالث انصرف، وظاهره أنهم لم يصلوا، ولم يأمرهم النبي ﵊ (١٦). المهم أن فيه أحاديث قد تمنع الإنسان من الجزم بوجوب تحية المسجد، لكن لا شك أن الذي يتركها على خطر، أما صلاة الكسوف؛ فالصحيح أنها واجبة، وأنه لو كسفت الشمس بعد صلاة العصر فإنها تُصلّى الكسوف.

стр. 1770

طالب: هل يؤمر يا شيخ أن يصليها .. ؟ الشيخ: مَنْ؟ الطالب: مَنْ دخل المسجد ولم يُصلِّ؟ الشيخ: إي نعم، إذا كان جاهلًا يُرشد، لكن ننكر عليه، نقول: يا فلان، أنت أخطأت؛ ما ننكر عليه، نرشده. طالب: شيخ، فيه بعض الناس بالنسبة عندهم شبهة بالنسبة للجلوس وتحية المسجد والوقوف؛ يعني مثلًا أحد الطلاب رأيناه لا يتخذ مثلًا في وقت النهي؛ مثلًا صلاة الفجر، أو بعد المغرب؟ الشيخ: بعد المغرب ما فيه نهي! طالب: يعني قبل المغرب؛ يعني يقرأ ما يصلي تحية المسجد، إذا سألناه يقول: أنا ما جلست .. الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ يعني يقول: ما يجلس، يقف، ولَّا يبقى يتردد في المسجد، ويقول: أنا ما جلست، نقول: هذا ظاهريّ ظاهريّ، فلا يجلس، الْمُكث في المسجد نوع من الجلوس؛ ولهذا نهى النبي ﵊ الحائض أن تطوف بالبيت مع أنها ما جلست فجعله مُكثًا مع الدوران مِن باب إضافة؟ طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه. الشيخ: إلى سببه؛ يعني باب الصلاة التي سببها التطوع. طالب: من باب إضافة الشيء إلى نوعه. الشيخ: من باب إضافة الشيء إلى نوعه. طالب: وأن الصلاة تجوز. الشيخ: نعم، طيب ما هي الحكمة من صلاة التطوع؟ طالب: حكمتان؛ أولًا: ليزيد بها إيمان العبد. ثانيًا: لتكون تكملة لما نقص من الفرائض. الشيخ: نعم، زيادة الإيمان والعمل الصالح، وتكميل ما نقص من الفرائض، وهكذا جميع التطوعات. المؤلف رتَّب صلاة التطوع بناءً على أيش؟ طالب: بناءً على آكدها. الشيخ: إي نعم، معلوم هي مرتبة على الآكدية، لكن على أي شيء من الآكدية؟ طالب: على أنها تفعل في جماعة. الشيخ: نعم، رتَّب الآكدية على فِعلها في جماعة، فما كان يُفعل في جماعة فهو أَوْكد من غيره. آكد صلاة التطوع؟ طالب: آكدها كسوف، ثم استسقاء، ثم تراويح، ثم وتر. الشيخ: تمام. الوتر له صفات؟ طالب: أما الوتر فركعة واحدة، أو بثلاث يفصل بينهما بسلام أو جلوس.

стр. 1771

الشيخ: يعني يُسلِّم من ركعتين، ويجوز السرد؟ طالب: ويجوز السرد. الشيخ: ويجوز السرد، طيب. طالب: ويُوتر بخمس أو سبع سردًا. الشيخ: سردًا، لا يتشهد إلا في آخرها، تمام. الطالب: يتشهد في الثامنة ويُسلِّم ويأتي بواحدة. الشيخ: يتشهد؟ الطالب: يتشهد ولا يُسلِّم، ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم. الشيخ: ويأتي بالتاسعة ويُسلِّم. القنوت في غير الوتر، حكمه؟ طالب: حكمه إن كان نزل في المسلمين نازلة فيقول المؤلف: إنه ( ... ) إن نزل، أما في غير النازِلة فلا يجوز. الشيخ: فلا يقنت، لكن ما حكمه؟ الطالب: ما حكمه؟ كيف؟ الشيخ: في غير النازلة؟ الطالب: في غير النازلة مكروه. الشيخ: مكروه إي نعم، وهو الحق، على قول المؤلف هو الحق. هل يُستثنى من النوازل شيء؟ طالب: نعم. الشيخ: ما هو؟ الطالب: قال المؤلف: (في غير الطاعون). الشيخ: الطاعون، لماذا؟ الطالب: لأن من يموت في الطاعون يكون شهيدًا، ولا ينبغي أن يدعو برفع شيء يكون سببًا لشهادته. الشيخ: أحسنت، علَّلوا ذلك بأن الطاعون شهادة كما جاء به الخبر، ولا ينبغي أن يقنت في رفع شيء يكون سببًا للشهادة. مَن الذي يُسنّ له القنوت في النوازل؟ طالب: الإمام الأكبر. الشيخ: الإمام الأعظم؛ يعني الرئيس الأعلى في الدولة هو الذي يُسنّ له أن يقنت، أما من سواه؟ الطالب: من سِواه فقد اختُلف فيه. الشيخ: فقد اختُلف فيه، والمؤلف يرى؟ الطالب: أنه في حق الإمام الأعظم. الشيخ: ومن سِواه لا يقنت. ما هي العِلَّة في أنه لا يقنت في النوازل إلا الإمام الأعظم؛ يعني بقية المساجد ما تقنت؟ الطالب: أن ذلك هو ( ... ). الشيخ: أن النبي ﷺ قنت، ولم يُنقل أن غيره من المساجد قنتوا، هذه واحدة، هذا دليل. طالب: الثاني: أنه لو قنت مثلًا مسجد فلان، وبقي مسجد فلان لقالوا: فلان كاره له، وفلان محب له، ( ... ). الشيخ: لكن ( ... ) ما نقول: كلهم يقنتون. طالب: إذا جاء أمر ( ... ).

стр. 1772

طالب آخر: أن يجتمعوا يا شيخ في مسجد واحد. الشيخ: لا، ما هو مشروع الاجتماع. طالب: لأن السلطان له الولاية العامة. الشيخ: فهو المعنيّ بشؤون المسلمين، وهذه نازِلة عامة في المسلمين فيقنت الإمام؛ ولهذا لو نزل بالإنسان نفسه نازلة، مثل هلك ماله أو ولده أو ما أشبه ذلك لا يسن له أن يقنت. فيقولون: ما دامت النازِلة عامة فالمعنيّ بشؤون المسلمين هو الإمام، فيكون طلب القنوت موجهًا إليه. التراويح كم عددها؟ طالب: إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، وقد تزيد. الشيخ: أحسنت، والمؤلف ويش يرى؟ طالب: إحدى عشرة. الشيخ: طيب. طالب: المؤلف يرى أنها ثلاث وعشرون ركعة، التراويح ثلاث وعشرون ركعة. الشيخ: مع الوتر ثلاث تكون ثلاثًا وعشرين، هذا الذي يراه المؤلف، والصحيح ما أجاب به الأخ أن التراويح إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة. *** [باب صلاة الجماعة] الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط، وله فعلها في بيته، وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد). الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة الجماعة) الظاهر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته؛ يعني باب الصلاة التي تُجمع وتفعل جماعة. صلاة الجماعة مشروعة بإجماع المسلمين، وهي من أفضل العبادات، وأجلّ الطاعات، ولم يخالف فيها إلا الرافضة الذين قالوا: إنه لا جماعة إلا خلف إمام معصوم؛ ولهذا لا يُصلّون جمعةً ولا جماعةً، قال فيهم شيخ الإسلام ﵀: إنهم خربوا المساجد، أو هجروا المساجد، وعمروا المشاهد.

стр. 1773

يعني: القبور؛ فهم لا يرون الجماعة، وإلا فإن المسلمين جميعًا اتفقوا على مشروعيتها، ولم يقل أحد بأنها غير مشروعة، ولا بأنها جائزة، ولا بأنها مكروهة، لكن اختلفوا في فرضيتها، هل هي فرض عيْن، أو فرض كفاية، أو سُنة مؤكدة؟ وهي واجبة كما سنذكره. قال المؤلف: (تلزم الرجال) اللزوم: الثبوت، لزوم الشيء؛ يعني: ثبوته، وشيء لازم، أي: ثابت لا بد منه، والفقهاء ﵏ تارةً يُعبّرون بـ (تلزم)، وتارة يُعبِّرون بـ (تجب)، وتارة يُعبّرون بـ (فرض)، وما أشبه ذلك، وكلها عبارات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، واللفظ المختلف مع اتفاق المعنى يُسمى عند علماء اللغة مترادفًا. قال المؤلف: (تلزم الرجال) (تلزم) هذا وصف، و (الرجال) وصف، فنبدأ أولًا بذكر دليل الحكم الذي هو اللزوم؛ لأن تلزم؛ يعني ليست سنة، بل هي واجبة، ودليل وجوبها من كتاب الله وسُنة رسوله ﷺ . ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ﴿فَلْتَقُمْ﴾، واللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب. ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾، ويؤكد أن الأمر للوجوب هنا أنه أُمِر بها مع الخوف مع أن الغالب أن الناس إذا كانوا في خوف يكونون متشوشين، يحبون أن يبقى أكثر الناس يرقب العدو. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ معهم حتى لا يفجأهم العدو، وظاهر الآية أنه لا فرق بين السلاح الخفيف والثقيل، والطاهر والنجس، كما لو كانت السيوف متلوِّثة بالدماء، وقد رخص العلماء ﵏ هنا في حمل السلاح النجس للضرورة. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ سجدوا بمعنى أتموا صلاتهم.

стр. 1774

﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعني: لم يصلوا مع الأولى ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، الطائفة الثانية أُمِروا بأمرين؛ بأخذ الحذر والسلاح، والأولى بأمر واحد؛ وهو أخذ السلاح، والسبب ظاهر؛ لأن الطائفة الثانية ربما تكون صلاتهم في وقت تَفطَّن العدو لهم، وعرف أن نصف الجند مشتغلون بالصلاة، فيكون توقع هجومه أقرب من توقُّع هجومه في الطائفة الأولى؛ ولهذا قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، فهنا أمر الله بصلاة الجماعة، وتفريق الجند إلى طائفتين، فيُستفاد منه أن صلاة الجماعة فرض عين. وجه ذلك أنها لو كانت فرض كفاية لسقط الفرض بصلاة الطائفة الأولى؛ إذن فهي فرض عين، يؤخذ من هذه الآية الكريمة أنها فرض، وفرض عين.

стр. 1775

أما الأحاديث -يعني السنة- فكثيرة؛ منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (١٧). فقد هَمَّ بذلك؛ لكنه لم يفعل، ولم يمنعه من الفعل؛ لأن الصلاة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت غير واجبة ما صح أن ينطق بهذا اللفظ، لو كانت غير واجبة لكان هذا الكلام لغوًا لا فائدة منه، لكن الذي منعه -والعلم عند الله- أنه لا يعاقِب بالنار إلا رب النار (١٨)، وإن كان قد روى الإمام أحمد وبعض أصحاب السنن أنه قال: «لَوْلَا مَا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ» (١٩)، لكن هذه الزيادة ضعيفة، ولكننا لسنا بحاجة لها، نقول: الذي منعه هو أنه لا يُعاقِب بالنار إلا الله، ولولا الوجوب لكان هذا القول لغوًا لا فائدة منه، ويش الفائدة أنك تخبر بأنك هممت بأن تُحرِّق هؤلاء على أمر ليس بواجب عليهم؟ ! كذلك أيضًا: استأذنه رجل أعمى ألَّا يُصلِّي فقال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ» (١٤). وأيضًا أخرج أصحاب السنن أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ؛ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ» (٢٠).

стр. 1776

وصح في مسلم، جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: لقد رأيتنا -يعني مع رسول الله ﷺ وما يتخلف عنها إلا منافِق أو مريض. أو قال: منافق معلوم النفاق أو مريض، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصَّف (٢١). إلى هذا الحد، الرجل مريض ويُؤتى به يُهادَى بين الرجلين، يُمشّى بين الرجلين شوي شوي حتى يُقام في الصف؛ ولأن ما فيها من المصالح والمنافع يدل على أن الحكمة بوجوبها. ففيها: التواد بين الناس؛ لأن ملاقاة الناس بعضهم بعضًا، ومصافحة الناس بعضهم بعضًا تُوجِب المودة. ثانيًا: فيها التعارف، ولهذا نجد أن الناس إذا صلَّى عندهم رجل غريب في المسجد، جعلوا يسألون عنه: من هذا؟ من الذي صلَّى معنا؟ فيحصل التعارف، والتعارف فيه فائدة؛ منها: أنه قد يكون قريبًا لك فيلزمك من صلته بقدر قرابته. ومنها: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، بل من أعظم شعائر الإسلام؛ وهي الصلاة؛ لأن الناس لو بقوا يصلون في بيوتهم ما عُرف أن هنالك صلاةً. ومنها: إظهار العز؛ عز المسلمين، إذا دخلوا المساجد، ثم خرجوا جميعًا بهذا الجمع. ومنها: تعليم الجاهل؛ فإن كثيرًا من الناس يستفيد ما يُشرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، حيث يقتدي بمن إلى جنبه، ويقتدي بالإمام وما أشبه ذلك. ومنها: تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع، وعدم التفرق؛ لأن هذا الاجتماع يُشكِّل اجتماع الأمة عمومًا؛ إذ إن الأمة عمومًا مجتمِعة على طاعة ولي أمرها وقائد مسيرتها، هذه الصلاة في الجماعة ولاية صُغرى؛ لأنهم يقتدون بمن؟ بإمام واحد، يتابعونه تمامًا؛ فهي تشكل النظرة العامة للإسلام؛ وهي أن المسلمين يجتمعون على إمام يقودهم حتى لا يختلفوا ويتشتتوا.

стр. 1777

ومنها أيضًا؛ من فوائدها: ضبط النفس؛ لأن الإنسان إذا اعتاد على أن يتابع إمامًا متابعةً دقيقةً، إذا كبَّر فكبّروا متابعة، لا تتقدم ولا تتأخر كثيرًا، ولا توافِق، بل تابِع، فيتعود الإنسان بهذا ضبط النفس. ومنها: استشعار الناس وقوفهم صفًّا في الجهاد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، وهؤلاء الذين صاروا صفًّا في الجهاد؛ لا يتقدم بعضهم على بعض لا شك أنهم إذا تعودوا ذلك في الصلوات الخمس، كل يوم خمس مرات، سوف يكون وسيلةً إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد حيث لا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره. ومنها: شعور المسلمين بالمساواة؛ لأنه في هذا المسجد يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا فيشعر الناس بأنهم سواء، ولهذا أُمِروا بمساواة الصفوف حتى قال الرسول ﵊: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» (٢٢). ومنها أيضًا: ما يحصل من تفقّد الأحوال؛ أحوال الفقراء، أحوال المرضى، فإن الإنسان إذا روئِي مع الناس وعليه ثياب بالية، ويبدو عليه علامات الجوع؛ رحمه الناس، ورقوا له، وتصدَّقوا عليه، كذلك إذا تخلَّف عن الجماعة وفُقِد عرف الناس أنه كان مريضًا مثلًا، أو ماذا حصل له، فيسألون عنه. فالمهم هذه عشر فوائد، وحكم من مشروعية صلاة الجماعة مع ما فيها من الأصل الأصيل، وهو التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ يعني إذا كان الناس يجتمعون على ملاعب الكرة آلافًا مؤلَّفة؛ فهم يجتمعون على لغو ولهو، لا فائدة فيه إلا فائدة قليلة للاعبين فقط، أما المشاهدون فليس لهم فائدة إطلاقًا. أقول: إذا كانوا يجتمعون على هذا، فاجتماعهم على هذه الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين عبادة عظيمة لله ، فيؤدّون بذلك هذه العبادة العظيمة، خَلِّ هذه الحادي عشر.

стр. 1778

الثاني عشر: استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أوَّلها؛ أي: بأحوال الصحابة، كأنما يستشعر الإمام أنه في مقام الرسول ﵊ في إمامة الجماعة، ويستشعر المأمومون أنهم في مقام مَنْ؟ في مقام أصحاب الرسول ﵊، ولا شك أن ارتباط آخر الأمة بأولها يُعطي الأمة الإسلامية دَفعة قوية إلى اتباع السلف واتباع هديهم، وليتنا كُلَّما فعلنا فعلًا مشروعًا نستشعر هذا الشعور أننا نقتدي برسول الله ﷺ ، وبأصحابه الكرام؛ فإن الإنسان لا شك سيجد دفعةً قويةً في قلبه تجعله ينضم إلى سلك مَنْ؟ سلك السلف الصالح، فيكون سلفيًّا لا زمنًا، ولكن عقيدةً وعملًا وسلوكًا ومنهجًا. طالب: شيخ، إذا كان من فوائد الجماعة التوادد، ما رأيك في بعض الأفعال التي تجلب التوادد، مثل المصافحة وإلقاء السلام؟ الشيخ: إي نعم، هذه أيضًا فيها فائدة. الطالب: لكن بعد الإقامة يتصافحون يا شيخ؟ الشيخ: أوما قلنا: إن السنة قد تكون بدعة بسبب المكان؟ يعني لا بد من موافقة العمل للسنة في المكان والزمان كما هو معروف، فهل من عادة الصحابة أن يتصافحوا؟ هم أسبق منا إلى الخير، وليس من عادتهم هذا. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل هذا معناه أن الذهاب إلى مباريات الكرة في التليفزيون أنه حرام؟ الشيخ: أن أيش؟ طالب: يعني ما يجوز؟ الشيخ: لا، كيف ما يجوز؟ لا، صعب، لكن أنا أرى أنه إضاعة وقت، وإذا كان يترتب عليه إضاعة مال فهو إضاعة مال، أنا سمعت في بعض الأحيان تصل البطاقة للدخول إلى عشرة ريالات. طالب: لا، أكثر. طالب آخر: مباريات كأس العالم تُباع في الأسواق السوداء. الشيخ: السوداء يعني اللي أيش؟ الطالب: يعني بالعملة الصعبة، وبشق الأنفس يحصلون على التذاكر. الشيخ: وبدراهم كثيرة .. ويش أعلى تذكرة سمعتموها؟ طلبة: ثلاث مئة ريال. طلبة آخرون: خمس مئة. الشيخ: ثلاث مئة ريال، أو خمس مئة ريال.

стр. 1779

ما الذي يجعلك تتلف هذا المال وتضيعه في مشاهدة؟ طالب: والعورة؟ ! الشيخ: ثم الحقيقة أن مشاهدة الكرة فيها مفاسد إذا كان فيه فلوس، هذا واضح، إذا كان في غير فلوس؛ فإذا كان على شاشة تلفزيون فيها إضاعة مال، ولَّا لا؟ طلبة: نعم، الكهرباء. الشيخ: التلفزيون يُنفق كهرباء ولَّا لا؟ يُنفق كهرباء، وقيمته إذا كان بيشتريه لهذا الغرض، أيضًا فيه أن الإنسان ربما يقع في قلبه تعظيم رجل كافر، وهذا خطير جدًّا، تعظيم الكافر خطير جدًّا، أنا سمعت بعض اللاعبين كانوا يهدون إليه وهو معه زوجته، يهدون إليه الذهب، وإذا وقف عند صاحب الدكان قال: أعطه ما يريد، كل ما يشاء وعلينا حسابه، ويش الكلام هذا؟ ! غلط. الثالث: أنه يكون فيه أحيانًا كشف عورة بل غالبًا، وهذا لا يجوز؛ لأن النظر إلى فخذ الشباب حرام، ولا يجوز، وفيه فتنة، فعلى كل حال الإنسان العاقل لا يُضيع وقته وماله وفكره في مشاهدة هذا الشيء. طالب: شيخ، إذا عُلم في بعض البلاد يا شيخ الإسلامية أن ولي الأمر لا يُصلي في جماعة، فهل الجماعات الثانية تقنت؟ الشيخ: لا، ما تقنت على رأي المؤلف، أما على القول الثاني إحنا ذكرنا فيها ثلاثة أقوال. طالب: شيخ، هل الدم نجس؛ يعني بحمل السلاح؟ الشيخ: إي نعم، عند أكثر أهل العلم نجس، أكثر أهل العلم على أن دم الآدمي كغيره نجس. الطالب: والصحيح؟ الشيخ: الصحيح أنه ليس بنجس، ما فيه دليل على نجاسته، لكن الاحتياط أولى كونك تغسله خروجًا من خلاف أكثر العلماء أحسن. طالب: شيخ، حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ أنه قال: كان يؤتى بالرجل يتهادى بين رجلين حتى يقف في الصف (٢٣)، هل هذا الرجل الذي اتصف بهذه الصفة صلاة الجماعة عليه واجبة؟ الشيخ: الصحيح .. المريض؟ طالب: في نص قصة ابن مسعود. الشيخ: لا، هذا ابن مسعود يمكن بعض الصحابة يفعل، وإن كان معفوًّا عنه.

стр. 1780

طالب: قلتم في بداية الحديث: وخالف في ذلك غير المسلمين الرافضة، هل معنى ذلك أن عامة الروافض لا يُكفَّرون؟ الشيخ: ما نقدر نُكفرهم؛ لأن فيهم عوامّ، ما يعرفون ويظنون أن الحق معهم، وتعرف أن الكُفر لا يكون إلا إذا قامت الحجة على الإنسان، وتبيّنت له ولم يرجع لها صار كافرًا، أما عامّي ما يعرف وعاش في مجتمع بهذا الشيء ولا يعرف سواه، فلا يمكن أن نكفِّره وهو ينتسب إلى الإسلام. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة ليوم الجمعة إذا دخل رجل في الأذان الثاني، هل يقول كما يقول المؤذن أو يتطوع؟ الشيخ: الصحيح أنه يُصلِّي تحية المسجد. الطالب: ولا يقول؟ الشيخ: يقول: إن أمكنه أن يقول، أما على رأي شيخ الإسلام يمكن أن يقول؛ لأنه يرى أنه تجوز متابعة المؤذن، ولو كان الإنسان يُصلي؛ عند شيخ الإسلام يقول: كُل ذِكر وُجد سببه في الصلاة فهو مشروع؛ كالعطاس، وإجابة المؤذن، وما أشبهها، وأما القول بأنه لا يُجيب في حال الصلاة، فنقول: لأن استماع الخطبة أهم من إجابة المؤذن؛ فإن استماع الخطبة واجب، وإجابة المؤذن ليست بواجبة، ثم إنه إذا بادر بالصلاة؛ صلاة تحية المسجد أولى من تأخيرها فيستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى: المبادرة -كما هو الأصل- في تحية المسجد، والفائدة الثانية: التفرغ لسماع الخطبة. طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- بالنسبة لحديث الأعمى، قال له: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ ». «فَأَجِبْهُ»، (١٤) قد يقصد فيه ( ... ) يكون جارًا يمكن للمسجد، لكن على مسافة بعيدة ما يسمع صوته، فهل نقول: يجب عليك أن تذهب إلى المسجد؟ يعني يرى المسجد، لكن على مسافة كذا كيلو يعني يحتاج ( ... )؟ الشيخ: يقولون: إن زرقاء اليمامة ترى الشيء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا كان رجل قوي البصر، ويرى المسجد مسيرة ثلاثة أيام، نقول له: اذهب إلى المسجد لتصلي الظهر فيقعد ثلاثة أيام ما وصل علشان يصلي الظهر قبل ثلاثة أيام! طالب: مسافر يعني تعتبر بعيدة؟

стр. 1781

الشيخ: على كل حال، هذه تأتي -إن شاء الله- في الخلاف، هل تجب الجماعة في المسجد أو الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت؟ فيها خلاف؛ إذا قلنا: الواجب حصول الجماعة، ولو في البيت، فمعناه يجوز نُصلّي جماعة في بيتنا والمسجد إلى جانبنا، ولكن سيأتي الخلاف في هذا. طالب: الضرورة؟ الشيخ: ما ضبطت. طالب: ميل الغروب قريب من عشر دقائق. الشيخ: إحنا ما قيدناها يا جماعة، قلنا: عند الغروب كالذي عند الشروق. طالب: إذا شرعت في الغروب. الشيخ: لا. طالب: من قبل أن تغرب ( ... ) عشر دقائق؛ يعني نفس الوقت .. الشيخ: ذكرنا لكم -بارك الله فيكم- تضيّف الشمس للغروب إذا كان بينها وبين الغروب قيد رمح، تقريبًا عشر دقائق أو أكثر، المهم قيد رمح، كما ذكر في طلوع الشمس. صلاة الجماعة، حكمها؟ طالب: واجبة. الشيخ: واجبة، دليل ذلك؟ طالب: أن الرسول ﷺ قال: بمعنى الحديث لو أجد أحدًا يصلي بداره لأحرقت بيوت من لا يحضرون الجماعة. الشيخ: اللي ما يحضرون الجماعة يحرق عليهم بيوتهم بالنار. فيه غير هذا من القرآن؟ طالب: أن الله لم يُسقط صلاة الجماعة في حالة الخوف وفي حالة الحرب. الشيخ: نعم، أوجبها في حال الحرب، ففي حال الأمن؟ الطالب: فهي من باب أولى. الشيخ: من باب أولى. ذكرنا لصلاة الجماعة فوائد؛ اثنتي عشرة فائدة؟ طالب: أولًا: التعارف بين المسلمين. ثانيًا: التواد. الشيخ: التواد بينهم. الطالب: ثالثًا: اعتياد الصفوف، وصف الصفوف عند مقابلة الأعداء. الشيخ: يعني كأنه تهيئة. الطالب: تهيئة، ورابعًا: ضبط النفس. الشيخ: نعم؛ لأن الذي يصلي وحده دائمًا لا يستقر، ولا يطمئن في صلاته. الطالب: خامسًا: التعبد لله . سادسًا: إحياء شعيرة من شعائر الإسلام. الشيخ: إظهار. الطالب: إظهار شعيرة من شعائر الإسلام. الشيخ: هذه ست، البقية؟ طالب: الوقوف صفًّا واحدًا كما في الجهاد. الشيخ: ذكرها. طالب: تعليم الجاهل.

стр. 1782

الشيخ: تعليم الجاهل نعم. الطالب: إظهار عز الإسلام بإظهار الجماعة. الشيخ: هذا يعتبر إظهار شعيرة من شعائر الإسلام. طالب: أنه إذا كان مثلًا فيهم يعني فقيرًا، العطف على الفقير مثلًا والمسكين وابن السبيل. الشيخ: يعني تفقُّد أحوال المسلمين؛ إنسان فقير، إنسان مرض، إنسان تخلَّف، يساعد ويعاون على البر والتقوى. طالب: عموم البركة. الشيخ: البركة، كيف؟ يعني حصول الأجر بذلك؟ الطالب: مضاعفة الثواب. طالب آخر: الطمأنينة في الصلاة. الشيخ: ذكرناها. طالب: استشعار آخر هذه الأمة لأولها. الشيخ: نعم، استشعار آخر هذه الأمة بحال أولها كأنما هم الصحابة مع الرسول ﷺ . طالب: ما هو في صلاة الجماعة ما كان الإسلام فيه شعائر. الشيخ: يعني معناه إظهار الشعائر؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: هذه ذكرناها. طالب: تعليم الأمة على الاجتماع. الشيخ: إي، لا، يعني معناه أنه يعود الأمة على الاجتماع، وهذا من التفرُّد. طالب: تساوي بين الفقير والغني. الشيخ: نعم، التساوي في الدين بين الأغنياء والفقراء والصغير والكبير. طالب: امتثال أمر الله . الشيخ: أظن ذكرناها، الآن تعدت اثنتي عشرة. طالب: إظهار عِز المسلمين، عند دخول المساجد والخروج منها. الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: عندما يدخلون المساجد يكون فيه إظهار لعز المسلمين عند تجمعهم، وكذلك عند الخروج. طالب آخر: ذكرناها يا شيخ. الشيخ: يمكن هذه إذا صار مثلًا أمام الأعداء أو مثلًا هم بعضهم يعتز ببعض؛ يعني التقوية، تقوية الروح المعنوية فيهم. يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (تلزم). قلنا: إن كلمة تلزم وتجب بمعنى واحد (تلزم الرجال) الرجال جمع (رَجُل)، والرَّجُل هو الذَّكر البالغ، فيخرج بذلك النساء؛ فالنساء لا تلزمهن صلاة الجماعة؛ لأنهن لسن من أهل الاجتماع، ولسن ممن يُطلب منهن إظهار الشعائر؛ لأن النبي ﷺ قال: «بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (٢٤).

стр. 1783

ولكن اختلف العلماء: هل الجماعة سُنّة للنساء -والمراد المنفردات عن الرجال- أو مكروهة، أو مباحة؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: فمن العلماء من قال: إنها سُنة؛ لأن النبي ﷺ أمر أُمَّ ورقة أن تؤم أهل دارها (٢٥). ومنهم من قال: إنها مكروهة، وضعَّف الحديث، وقال: إن المرأة ليست من أهل الاجتماع وإظهار الشعائر، فيُكره لها أن تقيم الجماعة في بيتها؛ ولأن هذا غير معهود في أمهات المؤمنين وغيرهن غاية ما فيه هذا الحديث الذي فيه نظر، فلا يمكن أن نشرع حكمًا إلا بدليل يُطمأن إليه. ومنهم من قال: إن هذا مُباح، وقال: إن النساء من أهل الجماعة في الْجُملة، ولهذا أُبيح لها أن تحضر إلى المسجد لإقامة الجماعة، فتكون إقامة الجماعة في بيتها مباحة مع ما في ذلك من التستُّر والاختفاء. وهذا القول لا بأس به؛ أنها مُباحة، وإن فُعِلت أحيانًا فلا حرج. المهم أن قوله: (الرِّجال) أخرج به صِنفين من الناس، مَنْ؟ طالب: النساء والوِلْدان. الشيخ: النساء والصبيان غير البالغين، وخرج بذلك أيضًا صنف ثالث، وهم الْخَناثى؛ الخنثى، وتكلَّم عليه الفقهاء في باب الفرائض هو الذي لا يُعلم أذَكر هو أم أُنثى، هذا هو الخنثى، هذا لا تجب عليه الجماعة، وذلك لأن الشرط فيه غيرُ متيقن، والأصل براءة الذمة، وعدم شغلها، فما دام وصف الوجوب ليس متيقنًا فيه وهو الرجولة؛ فإنها لا تجب عليه. إذن خرج بذلك ثلاثة أصناف. عموم كلام المؤلف (الرجال) يدخل فيه العبيد، فتلزم صلاة الجماعة العبيد؛ لأن النصوص عامة، ولم يُستثنَ منها العبيد؛ ولأن حَقّ الله مُقدم على حق البشر، ولهذا لو أمره سيده بمعصية حرم عليه أن يطيعه، فإذا كان لا يجوز للعبد أن يفعل المعصية بأمر سيده، فكيف إذا لم يَأمره؟ وهو إذا ترك الجماعة فقد فعل معصية، وهذا القول هو الصحيح أنها تلزم العبيد، كما تلزم الأحرار.

стр. 1784

وكذلك الْجُمعة تلزم العبيد كما تلزم الأحرار من باب أولى؛ لأنه إذا وجب عليه حضور الجماعة التي تتكرر في اليوم والليلة كم؟ خمس مرات، فلأن تجب عليه الجمعة التي لا تكرر في الأسبوع إلا مرة من باب أوْلَى؛ ولأن الجماعة شرط في الجمعة بالاتفاق، وليست شرطًا في صلاة الجماعة إلا على قول ضعيف، فإذا سقط حق السيد في الصلوات الخمس، وأوجبنا على العبد أن يصلي فإننا نوجب عليه أيضًا أن يصلي الجمعة. وعموم كلام المؤلف أنها لازمة حتى في السفر؛ لأنه لم يقيدها في الحضر، فإذا لم يُقيدها أخذنا بالعموم والإطلاق، فتجب صلاة الجماعة حتى في السفر؛ ودليل ذلك ما مر علينا في الدرس السابق أن الله أمر نبيَّه ﷺ إذا كان فيهم أن يُقيم لهم الصلاة جماعة، ومن المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يُقاتل إلا في سفر، فعليه؛ تجب الصلاة في السفر كما تجب في الحضر. (للصلوات الخمس) للصلوات يعني أنها واجبة للصلاة، وليست واجبةً في الصلاة؛ لأن الواجب تارةً يكون واجبًا للصلاة، وتارةً يكون واجبًا فيها؛ فالواجب فيها يكون من ماهيتها، مثل: التشهد الأول، التكبير، التسميع، التحميد، هذا واجب فيها، الواجب لها: ما كان خارجًا عنها مثل: الأذان، والإقامة، والجماعة؛ لأن هذا خارج عن ماهية الصلاة، فيكون واجبًا لها، وليس واجبًا فيها. وقوله: (للصلوات الخمس) هي الصلوات الخمس، ما هي؟ طالب: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. الشيخ: هذه الصلوات الخمس. إذن لا تجب الصلاة للمنذورة؛ يعني: لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين، فإنه لا تلزمه الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس. ولا تجب للنوافل، فلو أراد الإنسان أن يصلي تطوعًا فإنه لا يجب عليه صلاة الجماعة؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس. ولكن هل تجوز صلاة النافلة جماعة، أو نقول: إن ذلك بدعة؟ في هذا تفصيل:

стр. 1785

منها -أي من النوافل-: ما تُشرع له الجماعة، كالاستسقاء، والكسوف، إذا قلنا: بأن الكسوف سُنَّة، وقيام الليل في رمضان، فهذا ظاهر. ومنها -أي من النوافل-: ما لا تسن له الجماعة؛ كالرواتب التابعة للمكتوبات، وكصلاة الليل في غير رمضان، فهذا لا تُشرع له الجماعة، لكن لا بأس أن يُصلِّيه جماعة أحيانًا. ودليل ذلك: أن الرسول ﷺ كان يصلي أحيانًا جماعة في صلاة الليل، كما صلى معه ابن عباس، وصلَّى معه حذيفة بن اليمان، وصلَّى معه عبد الله بن مسعود، وأحيانًا يصلي حتى غير صلاة الليل جماعة، كما صلَّى بأنس، وأم سليم، ويتيم مع أنس، وكما صلى جماعة في عتبان بن مالك ﵁ في بيته؛ حين طلب من النبي ﷺ أن يأتي إليه ليصلي في مكان يتخذه عتبان مُصلّى، ففعل النبي ﵊. المهم صلاة النافلة، الآن فهمنا أنها تنقسم إلى قسمين: قسم يُشرع له الجماعة، مثل: الكسوف، والاستسقاء، وقيام رمضان. وقسم لا يشرع له الجماعة، لكن لا بأس من فعله أحيانًا؛ كالرواتب، وصلاة الليل في غير رمضان، وبقية النوافل. قوله: (للصلوات الخمس) ظاهره: أنه لا فرق بين أن تكون مؤداة أو مقضيَّة. المؤداة: ما فُعل في وقته، والْمَقْضِي: ما فُعل بعد وقته، فلو كان جماعة في سفر ناموا في آخر الليل، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فالصلاة في حقهم قضاء؛ لأنها بعد الوقت، فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة جماعة تجب عليهم. وهذا الظاهر هو الصحيح؛ أنها تجب للصلوات الخمس ولو مقضية، على أن الإنسان الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها لعُذر شرعي لا تكون الصلاة في حقه قضاءً، بل هي أداء على القول الصحيح؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ»، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢٦).

стр. 1786

لكن على كل حال الصحيح أنها تجب للمقضِيَّة؛ لعموم الأدلة؛ ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة أمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى سُنَّة الفجر، ثم صلَّى الفجر كما يصليها في العادة جماعةً، ويجهر بالقراءة (٢٧). فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العادة تمامًا، أذِّنوا، وقولوا: الصلاة خير من النوم، وصلُّوا سُنّة الفجر، وأقيموا الصلاة، واجهروا فيها بالقراءة كالعادة. وقول المؤلف: (تلزم الرجال للصلوات الخمس) ظاهر كلام المؤلف أنها تلزمهم وجوب عين؛ يعني أنها فرض على الأعيان، وهذا القول هو الصحيح؛ أنها فرض على الأعيان، على كل واحد، ومقابل هذا القول أنها فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وقول آخر: أنها سُنَّة، وليست بواجبة، وكلا القولين ضعيف، أما القول بأنها سُنَّة فقد سبق لنا الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، ولا أعلم للذين قالوا بأنها سُنَّة إلا أنهم استدلوا بقوله ﷺ : «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨). فقال: «أَفْضَلُ»، والأفضل ليس بواجب. ولكن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا؛ لأن المراد هنا: بيان ثواب صلاة الجماعة، لا حكم صلاة الجماعة؛ ولهذا قال: «أَفْضَلُ .. بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، أما لو قال: أفضل فقط، لو قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لكان الاستدلال قد يكون له وجه، لكن أما لما قال: أفضل بسبع؛ فعُلم بهذا أنه يريد بيان أن أجرها أفضل وأكثر. ونقول لهم أيضًا: هل تقولون: إن الإيمان بالله واجب. طالب: لا شك أنهم يقولون: واجب.

стр. 1787

الشيخ: لا شك أنهم يقولون: واجب. ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، خير يعني: أخير وأفضل. فهل تقولون: إن الإيمان بالله والجهاد في سبيله سُنة؟ لا أحد يقول بذلك. هل تقولون: إن صلاة الجمعة سنة؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩] من البيع؟ هل تقولون: إنه سنة؟ لا أحد يقول بأن صلاة الجمعة سُنة، المهم أن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا شرْط)، أنا عندي (لا شرطًا)، وقيَّدت الكتاب هذا على أنها (لا شرْط)، والصحيح من حيث العربية: (لا شرْطٌ)، أما (لا شرطًا) فلا تصِحّ؛ لأن (لا) لا تتحمل الضمير حتى نقول: إن اسمها مستتر، وإن (شرطًا) خبرها، ولكن (لا شرطٌ)؛ أي: لا هي شرطٌ؛ يعني: ليست صلاة الجماعة شرطًا في صحة الصلاة، فلو صلَّى الإنسان منفردًا بلا عُذْر فصلاته صحيحة، لكنه آثِم. المؤلف قال: (لا شرط)، قد يقول قائل: لماذا قال: (لا شرط)؟ فنقول: إنه قال: (لا شرط) لئلا يتوهم واهم أنه لما كانت صلاة الجماعة واجبة كان تركها عمدًا مُبطلًا للصلاة كواجبات الصلاة؛ فإن واجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، فنفَى هذا التوهم بقوله: (لا شرطٌ). وقد يقال: إنه قال: (لا شَرْط) دفعًا لقول من يقول: إنها شرط لصحة الصلاة، فصار الآن لو سألنا سائل: لماذا قال المؤلف: لا شرط مع أنه لا حاجة إليه؟

стр. 1788

قلنا: يحتمل أمرين؛ الأمر الأول: دَفْع تَوهُّم بُطلان صلاة المنفرد بلا عُذر؛ حيث إنه قال: إنها واجبة، والمعروف أن الواجب إذا تركه الإنسان عمدًا بطلت صلاته. الاحتمال الثاني: دفع قول من يقول: إنها شرط، والذي قال: إنها شرط لصحة الصلاة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وابن عقيل، وكلاهما من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد. وعلى هذا القول: لو صلَّى الإنسان منفردًا بِلا عُذر شرعي فصلاته باطلة، كما لو ترك الوضوء مثلًا. إذا قال قائل: لا بد أن تُبيّنوا لنا الدليل الذي تمسك به من قال: إنها شرط للصحة. فنقول: استدل هؤلاء بأن الجماعة واجبة للصلاة، توعَّد النبي ﷺ على مَنْ تركها بأنه هَمَّ أن يُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار، وإذا كانت واجبة فالقاعدة الشرعية أن من ترك واجبًا في عبادة بلا عُذر؛ فإن تلك العبادة تبطل، هذه القاعدة الشرعية، فإذا أقررت بأنها واجبة للصلاة لزمك أن تقول ببطلان صلاة من ترك هذا الواجب، ولكن هذا القول ضعيف، ويُضعِّفه أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨). والمفاضلة تدل على أن الْمُفضَّل عليه فيه فضل، أو لا؟ ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحًا؛ لأن غير الصحيح ليس فيه فضل، بل فيه إثم، وهذا دليل واضح على أن صلاة الفذ صحيحة، ضرورة أن فيها؟ أتموا. طلبة: فضل. طالب آخر: إثم. الشيخ: صحيحة، ضرورة أن فيها فضلًا؛ إذ لو لم تكن صحيحة لم يكن فيها فضل، لكنه آثِم، لكن شيخ الإسلام ﵀ أجاب بأن هذا الحديث في حق المعذور؛ يعني: من صلَّى مُنفردًا لعُذر، فصلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً.

стр. 1789

قال: ولا مانع من وجود الفضل مع العذر، فها هي المرأة وصفها النبي ﷺ بأنها ناقصة دين (٢٩)؛ لتركها الصلاة أيام الحيض، مع أن تركها للصلاة أيام الحيض لِعُذْر شرعي، لو صامت لأثمت؛ فهي ممنوعة شرعًا من الصلاة، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرجل، وهي لم تأثم بهذا الترك. قال: (فالمعذور إذا صلَّى في بيته فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً). ولكن هذا يورد عليه: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٣٠)، فهذا دليل على أن من ترك الطاعة لعذر المرض كُتِبت له. ويمكن أن نجيب عنه بأن المراد من كان من عادته أن يفعل؛ لأنه قال: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»، ولكن مع كل هذا؛ فإن مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة ضعيف ﵀. والصواب: ما عليه الجمهور من أن الصلاة صحيحة، ولكنه آثِم لترك الواجب، وأما قِياس ذلك على التشهد الأول مثلًا وعلى التكبيرات الواجبة والتسبيح، فهو قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الجماعة واجب للصلاة، وأما التشهد الأول والتسميع والتكبير، فهذا واجب في الصلاة؛ فهو ألصق بها من الواجب لها. إذن ما ذهب إليه المؤلف هو القول الصحيح؛ أن صلاة المنفرد صحيحة لا يُلزم بالإعادة، ولكن عليه الإثم. قال: (لا شرط). طالب: لو استدلوا ( ... ) قول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣١)، مثل الرجل يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها فيصليها. الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن الصلاة لا تصح إلا في هذا الوقت. الطالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا». الشيخ: لا، ترك عملًا واجبًا، أما الصلاة مأمور بها، الصلوات الخمس مفروضة. طالب: نجيب «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (٣٢) حديث؟

стр. 1790

الشيخ: هذا الحديث يقال: إن المراد لا صلاة كاملة؛ بدليل حديث أبي هريرة وابن عمر: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (٢٨). طالب: إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض عين، فلا يلزم ( ... ) أفواج يعني؟ الشيخ: لا؛ لأن الجماعة وَصْف فيها، ما هو يعود على ذاتها، وصف اجتماع. وله فِعْلُها في بَيْتِه، وتُسْتَحَبُّ صلاةُ أهلِ الثَّغْرِ في مَسجدٍ واحدٍ، والأَفْضَلُ لغيرِهم في المسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضورِه ثم ما كان أكثرَ جماعةً، ثم المسجِدُ العتيقُ، وأَبْعَدُ أَوْلَى من أَقْرَبَ، ويَحْرُمُ أن يَؤُمَّ في مَسجدٍ قبلَ إمامِه الراتِبِ إلا بإذنِه أو عُذْرِه، ومَن صَلَّى ثم أُقيمَ فَرْضٌ سُنَّ أن يُعيدَها إلا المغْرِبَ، ولا تُكْرَهُ إعادةُ الجماعةِ في غيرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ والمدينةِ. وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا صَلاةَ إلا المكتوبةَ، وأن الدليل عليها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكذلك ما تتضمنه من المصالح العظيمة يؤكد وجوبها، وسبق أنها لا تجب إلا على الرجال دون الإناث ودون الصغار، وسبق أنها تجب على القول الراجح على العبيد؛ لعموم الأدلة، وسبق أيضًا أنها تجب للصلوات الخمس، سواء كان مؤداة أو مقضية على القول الراجح، وسبق لنا أن العلماء اتفقوا على أنها من أجل الطاعات وأفضل العبادات، ولكن اختلفوا هل هي سنة أو فرض عين أو فرض كفاية أو شرط، والصحيح أنها فرض عين. قال المؤلف ﵀: (وله فعلها في بيته): (له) أي: للإنسان (فعلها) أي: فعل الجماعة في بيته، يعني: يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدع المسجد، ولو كان قريبًا منه، ولكن المسجد أفضل بلا شك، إنما لو فعلها في بيته فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأنثى فهذا يلزم منه أن يصلي الرجل وزوجته في البيت، ولا يحضر المسجد. هذا على كلام المؤلف.
следующие страницы →