Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
لكن على كل حال الصحيح أنها تجب للمقضِيَّة؛ لعموم الأدلة؛ ولأن النبي ﷺ لما نام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في سفر كما في حديث أبي قتادة أمر بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى سُنَّة الفجر، ثم صلَّى الفجر كما يصليها في العادة جماعةً، ويجهر بالقراءة (٢٧).
فإذا نام قوم في السفر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، قلنا لهم: افعلوا كما تفعلون في العادة تمامًا، أذِّنوا، وقولوا: الصلاة خير من النوم، وصلُّوا سُنّة الفجر، وأقيموا الصلاة، واجهروا فيها بالقراءة كالعادة.
وقول المؤلف: (تلزم الرجال للصلوات الخمس) ظاهر كلام المؤلف أنها تلزمهم وجوب عين؛ يعني أنها فرض على الأعيان، وهذا القول هو الصحيح؛ أنها فرض على الأعيان، على كل واحد، ومقابل هذا القول أنها فرض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وقول آخر: أنها سُنَّة، وليست بواجبة، وكلا القولين ضعيف، أما القول بأنها سُنَّة فقد سبق لنا الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، ولا أعلم للذين قالوا بأنها سُنَّة إلا أنهم استدلوا بقوله ﷺ : «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨).
فقال: «أَفْضَلُ»، والأفضل ليس بواجب. ولكن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا؛ لأن المراد هنا: بيان ثواب صلاة الجماعة، لا حكم صلاة الجماعة؛ ولهذا قال: «أَفْضَلُ .. بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، أما لو قال: أفضل فقط، لو قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لكان الاستدلال قد يكون له وجه، لكن أما لما قال: أفضل بسبع؛ فعُلم بهذا أنه يريد بيان أن أجرها أفضل وأكثر.
ونقول لهم أيضًا: هل تقولون: إن الإيمان بالله واجب.
طالب: لا شك أنهم يقولون: واجب.
стр. 1787
الشيخ: لا شك أنهم يقولون: واجب. ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، خير يعني: أخير وأفضل.
فهل تقولون: إن الإيمان بالله والجهاد في سبيله سُنة؟ لا أحد يقول بذلك.
هل تقولون: إن صلاة الجمعة سنة؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩] من البيع؟ هل تقولون: إنه سنة؟
لا أحد يقول بأن صلاة الجمعة سُنة، المهم أن هذا الاستدلال ضعيف جدًّا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لا شرْط)، أنا عندي (لا شرطًا)، وقيَّدت الكتاب هذا على أنها (لا شرْط)، والصحيح من حيث العربية: (لا شرْطٌ)، أما (لا شرطًا) فلا تصِحّ؛ لأن (لا) لا تتحمل الضمير حتى نقول: إن اسمها مستتر، وإن (شرطًا) خبرها، ولكن (لا شرطٌ)؛ أي: لا هي شرطٌ؛ يعني: ليست صلاة الجماعة شرطًا في صحة الصلاة، فلو صلَّى الإنسان منفردًا بلا عُذْر فصلاته صحيحة، لكنه آثِم.
المؤلف قال: (لا شرط)، قد يقول قائل: لماذا قال: (لا شرط)؟
فنقول: إنه قال: (لا شرط) لئلا يتوهم واهم أنه لما كانت صلاة الجماعة واجبة كان تركها عمدًا مُبطلًا للصلاة كواجبات الصلاة؛ فإن واجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، فنفَى هذا التوهم بقوله: (لا شرطٌ).
وقد يقال: إنه قال: (لا شَرْط) دفعًا لقول من يقول: إنها شرط لصحة الصلاة، فصار الآن لو سألنا سائل: لماذا قال المؤلف: لا شرط مع أنه لا حاجة إليه؟
стр. 1788
قلنا: يحتمل أمرين؛ الأمر الأول: دَفْع تَوهُّم بُطلان صلاة المنفرد بلا عُذر؛ حيث إنه قال: إنها واجبة، والمعروف أن الواجب إذا تركه الإنسان عمدًا بطلت صلاته.
الاحتمال الثاني: دفع قول من يقول: إنها شرط، والذي قال: إنها شرط لصحة الصلاة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وابن عقيل، وكلاهما من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وعلى هذا القول: لو صلَّى الإنسان منفردًا بِلا عُذر شرعي فصلاته باطلة، كما لو ترك الوضوء مثلًا.
إذا قال قائل: لا بد أن تُبيّنوا لنا الدليل الذي تمسك به من قال: إنها شرط للصحة.
فنقول: استدل هؤلاء بأن الجماعة واجبة للصلاة، توعَّد النبي ﷺ على مَنْ تركها بأنه هَمَّ أن يُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار، وإذا كانت واجبة فالقاعدة الشرعية أن من ترك واجبًا في عبادة بلا عُذر؛ فإن تلك العبادة تبطل، هذه القاعدة الشرعية، فإذا أقررت بأنها واجبة للصلاة لزمك أن تقول ببطلان صلاة من ترك هذا الواجب، ولكن هذا القول ضعيف، ويُضعِّفه أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٢٨).
والمفاضلة تدل على أن الْمُفضَّل عليه فيه فضل، أو لا؟ ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحًا؛ لأن غير الصحيح ليس فيه فضل، بل فيه إثم، وهذا دليل واضح على أن صلاة الفذ صحيحة، ضرورة أن فيها؟ أتموا.
طلبة: فضل.
طالب آخر: إثم.
الشيخ: صحيحة، ضرورة أن فيها فضلًا؛ إذ لو لم تكن صحيحة لم يكن فيها فضل، لكنه آثِم، لكن شيخ الإسلام ﵀ أجاب بأن هذا الحديث في حق المعذور؛ يعني: من صلَّى مُنفردًا لعُذر، فصلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً.
стр. 1789
قال: ولا مانع من وجود الفضل مع العذر، فها هي المرأة وصفها النبي ﷺ بأنها ناقصة دين (٢٩)؛ لتركها الصلاة أيام الحيض، مع أن تركها للصلاة أيام الحيض لِعُذْر شرعي، لو صامت لأثمت؛ فهي ممنوعة شرعًا من الصلاة، ومع ذلك صارت ناقصةً عن الرجل، وهي لم تأثم بهذا الترك. قال: (فالمعذور إذا صلَّى في بيته فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاته بسبع وعشرين درجةً).
ولكن هذا يورد عليه: أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (٣٠)، فهذا دليل على أن من ترك الطاعة لعذر المرض كُتِبت له.
ويمكن أن نجيب عنه بأن المراد من كان من عادته أن يفعل؛ لأنه قال: «كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»، ولكن مع كل هذا؛ فإن مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة ضعيف ﵀.
والصواب: ما عليه الجمهور من أن الصلاة صحيحة، ولكنه آثِم لترك الواجب، وأما قِياس ذلك على التشهد الأول مثلًا وعلى التكبيرات الواجبة والتسبيح، فهو قياس مع الفارق؛ لأن صلاة الجماعة واجب للصلاة، وأما التشهد الأول والتسميع والتكبير، فهذا واجب في الصلاة؛ فهو ألصق بها من الواجب لها.
إذن ما ذهب إليه المؤلف هو القول الصحيح؛ أن صلاة المنفرد صحيحة لا يُلزم بالإعادة، ولكن عليه الإثم.
قال: (لا شرط).
طالب: لو استدلوا ( ... ) قول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣١)، مثل الرجل يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها فيصليها.
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن الصلاة لا تصح إلا في هذا الوقت.
الطالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا».
الشيخ: لا، ترك عملًا واجبًا، أما الصلاة مأمور بها، الصلوات الخمس مفروضة.
طالب: نجيب «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (٣٢) حديث؟
стр. 1790
الشيخ: هذا الحديث يقال: إن المراد لا صلاة كاملة؛ بدليل حديث أبي هريرة وابن عمر: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (٢٨).
طالب: إذا قلنا: إن صلاة الجماعة فرض عين، فلا يلزم ( ... ) أفواج يعني؟
الشيخ: لا؛ لأن الجماعة وَصْف فيها، ما هو يعود على ذاتها، وصف اجتماع.
وله فِعْلُها في بَيْتِه، وتُسْتَحَبُّ صلاةُ أهلِ الثَّغْرِ في مَسجدٍ واحدٍ، والأَفْضَلُ لغيرِهم في المسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجماعةُ إلا بحضورِه ثم ما كان أكثرَ جماعةً، ثم المسجِدُ العتيقُ، وأَبْعَدُ أَوْلَى من أَقْرَبَ، ويَحْرُمُ أن يَؤُمَّ في مَسجدٍ قبلَ إمامِه الراتِبِ إلا بإذنِه أو عُذْرِه، ومَن صَلَّى ثم أُقيمَ فَرْضٌ سُنَّ أن يُعيدَها إلا المغْرِبَ، ولا تُكْرَهُ إعادةُ الجماعةِ في غيرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ والمدينةِ. وإذا أُقيمَتِ الصلاةُ فلا صَلاةَ إلا المكتوبةَ،
وأن الدليل عليها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكذلك ما تتضمنه من المصالح العظيمة يؤكد وجوبها، وسبق أنها لا تجب إلا على الرجال دون الإناث ودون الصغار، وسبق أنها تجب على القول الراجح على العبيد؛ لعموم الأدلة، وسبق أيضًا أنها تجب للصلوات الخمس، سواء كان مؤداة أو مقضية على القول الراجح، وسبق لنا أن العلماء اتفقوا على أنها من أجل الطاعات وأفضل العبادات، ولكن اختلفوا هل هي سنة أو فرض عين أو فرض كفاية أو شرط، والصحيح أنها فرض عين.
قال المؤلف ﵀: (وله فعلها في بيته): (له) أي: للإنسان (فعلها) أي: فعل الجماعة في بيته، يعني: يجوز أن يصلي الجماعة في بيته ويدع المسجد، ولو كان قريبًا منه، ولكن المسجد أفضل بلا شك، إنما لو فعلها في بيته فهو جائز، وإذا قلنا بأنها تنعقد باثنين ولو بأنثى فهذا يلزم منه أن يصلي الرجل وزوجته في البيت، ولا يحضر المسجد. هذا على كلام المؤلف.
стр. 1791
واستدل أصحاب هذا القول بأن النبي ﷺ قال: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١). فالأرض كلها مسجد، والمقصود الجماعة، والجماعة تحصل ولو كان الإنسان في بيته، لكنها في المسجد أفضل.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كونها في المسجد من فروض الكفايات، وأنه إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وجاز لمن سواهم أن يصلي في بيته جماعة.
وذهب آخرون إلى أنها واجبة في المسجد.
أما الذين قالوا بأنها تجوز في البيت مطلقًا فاستدلوا بما ذكرت لكم «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
وأما الذين قالوا: إنها فرض كفاية، فقالوا: إنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وما زال المسلمون يقيمونها في المساجد، ولو تعطلت المساجد ما تبين أن هذه البلد بلد إسلام، فكما أن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة، وتقاتَل الطائفة إذا لم تؤذن، وهو فرض كفاية، فالصلاة في المساجد من باب أولى، فإذا وجد في المسجد من تقوم به الكفاية، فالباقون لهم أن يصلوا في بيوتهم.
وأما الذين قالوا: إنها تجب في المسجد فاستدلوا بقول النبي ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (٢) وكلمة (قوم) جمع تحصل بهم الجماعة، فلو كان يمكن أن يصلوا في بيوتهم جماعة لقال: إلا أن يصلوا في بيوتهم، واستثنى من يصلي في بيته، فعلم بهذا أنه لا بد من شهود جماعة المسلمين.
وهذا القول هو الصحيح: أنه يجب أن تكون في المسجد، وأنه لو أقيمت في غير المسجد فإنه لا يحصل بإقامتها سقوط الإثم، بل هم آثمون، وإن كان القول الراجح أنها تصح، وهذا الدليل كما عرفتم دليل واضح.
стр. 1792
أما القائلون بأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فنقول: نعم هي من شعائر الإسلام الظاهرة، ومن تمام ذلك أن توجب على كل واحد؛ لأننا لو قلنا: إنها فرض كفاية لكان كل واحد يبقى في بيته ويقول: لعل في المسجد من يقوم بصلاة الجماعة.
وأما الذين استدلوا بقوله: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فلا دليل فيه أصلًا؛ لأن هذا فيه بيّن أن الأرض كلها مسجد، وهو من خصائص هذه الأمة، بخلاف غيرها، فإنها لا تصلي إلا في الكنائس والصوامع والبِيَع، لكن هذه الأمة جعلت لها الأرض كلها مسجدًا، فليس المقصود بيان أن الجماعة يصح أن تكون في كل مكان، بل بيان أن الصلاة تصح في كل مكان، وهذا لا نزاع فيه.
ثم على فرض أنه عام، فإنه مخصوص بالأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد.
لكن هاهنا مسألة، وهي ما يشكل على كثير من الدوائر الحكومية التي فيها جماعة كثيرة، ولهم مصلًّى خاص يصلون فيه، والمساجد حولهم، فهل نقول لهم: اخرجوا من هذه الدائرة جميعًا وصلوا في المسجد، أو نقول: صلوا في مكانكم ولا حرج عليكم؟
الذي نرى أنه إذا كان المسجد قريبًا، ولم يتعطل العمل، فإنه يجب عليهم أن يصلوا في المسجد، أما إذا كان بعيدًا أو خِيف تعطل العمل؛ بأن تكون الدائرة عليها عمل ومراجعون كثيرون، أو كان يخشى من تسلل بعض الموظفين؛ لأن بعض الموظفين لا يخافون الله، إذا قالوا: نخرج للصلاة خرجوا لبيوتهم، وربما لا يرجعون، ففي هذه الحال نقول: صلوا في مكانكم؛ لأن هذا أحفظ للعمل وأقوم، والعمل تجب إقامته بمقتضى الالتزام والعهد الذي بين الموظف والحكومة.
فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، ولهذا ينبغي إن لم نقل: يجب أن يجعل هناك مسجد في الدوائر الكبيرة يكون له باب على الشارع تقام فيه الصلوات الخمس، حتى يكون مسجدًا لعموم الناس ويصلي فيه أهل هذه الدائرة، كما فعل ذلك في دار الإفتاء في الرياض، فإن هذا من خير ما يكون من المشاريع.
стр. 1793
يقول: (وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد) يعني شرع المؤلف ﵀ في الأفضل من المساجد والأماكن التي تصلى فيها الجماعة، قال: الأفضل لأهل الثغر، أهل الثغر هم الذين يقيمون على حدود البلاد الإسلامية، يحمونها من الكفار، فالأفضل لهم أن يصلوا في مسجد واحد؛ لأنهم إذا صلوا في المسجد الواحد صاروا أكثر جمعًا، وحصلت بهم الهيبة، وهابهم الأعداء، وصار بعضهم يسأل بعضًا: من حولك من الكفار؟ وهل مكانك يحتاج إلى زيادة رجال وسلاح؟ المهم أن الأفضل أن يجتمعوا في مسجد واحد، بشرط أن يأمنوا العدو، فإن كانوا يخشون من العدو إذا اجتمعوا في المسجد الواحد، فصلاة كل إنسان في مكانه أولى، لكن مع الأمن الأفضل أن يصلوا في مكان واحد.
أما غير أهل الثغر قال: (والأفضل لغيرهم المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضورهم) إذا كان هناك مسجد قائم يصلي فيه الناس، لكن فيه رجل إن حضر وصار إمامًا أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فالأفضل لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارة المسجد؛ لأنه لو لم يحضر لتعطل المسجد، وتعطيل المساجد أمر لا ينبغي.
فإذا جاءنا هذا الرجل الذي يقول: أنا إن حضرت صرت إمامًا وأقمت الجماعة في هذا المسجد، وإن لم أحضر لم تقم فيه الجماعة، هل الأفضل أن أذهب إلى مسجد آخر يكون أكثر جماعة، أو أن أصلي في هذا المسجد؟ الجواب: أن تصلي في هذا المسجد.
стр. 1794
لكن ينبغي أن يقيد هذا بشرط، وهو ألا يكون المسجد قريبًا من المسجد الأكثر جماعةً، فإن كان قريبًا منه بحيث يسهل على أهله أن يصلوا في المسجد الأكثر جماعة فقد يقال: إن الأفضل أن يجتمع المسلمون في مسجد واحد، وإن هذا أولى من التفرق؛ لأنه كلما اجتمع المسلون فهو أفضل لا شك، فإذا قدر أن هذا المسجد قديم ينتابه خمسة أو عشرة من الناس، وحولهم مسجد يجتمع فيه جمع كثير، ولا يشق على أهل المسجد القديم أن يتقدموا إلى المسجد الآخر، فربما يقال: إن الأفضل أن ينضموا إلى المسجد الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنه كلما كثرت الجماعة فهو أفضل.
قال المؤلف: (ثم ما كان أكثر جماعة) يعني لو قدر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن يذهب إلى الأكثر جماعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، وهذا عام، فإذا وجد مسجدان: أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأفضل أن تصلي مع من هو أكثر جماعة.
قال: (ثم المسجد العتيق) يعني القديم أولى من الجديد؛ وذلك لأن الطاعة فيه أسبق، فكان أولى بالمراعاة من الجديد، لكن هذا يأتي في أي مرتبة؟
طلبة: الرابعة.
الشيخ: الرابعة، هذا في المرتبة الرابعة، يعني: إذا صار عندك مسجدان يتساويان في الجماعة، لكن أحدهما قديم، والثاني عتيق، فالأفضل العتيق، وهذا باعتبار المكان. وعللوا ذلك بأن الطاعة فيه أسبق فيكون هذا المكان معمورًا بطاعة الله قبل أن يعمر الجديد.
стр. 1795
قال: (وأبعد أولى من أقرب) هذا إذا استويا فيما سبق، فالأبعد أولى من الأقرب، يعني إذا كان لك مسجدان أحدهما أبعد من الثاني فالأفضل الأبعد، لماذا؟ لأن كل خطوة تخطوها إلى الصلاة يرفع لك بها درجة، ويحط عنك بها خطيئة، وكلما بعد المكان ازدادت الخطى فيزداد الأجر، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن في النفس من هذا شيء، والصواب أن يقال: إن الأفضل أن تصلي فيما حولك من المساجد؛ لأن هذا سبب لعمارته، إلا أن يمتاز أحد المساجد بخاصية فيه فيقدم، مثل لو كنت في المدينة، أو كنت في مكة، فإن الأفضل أن تصلي في المسجد الحرام في مكة وفي المسجد النبوي في المدينة أفضل مما حولك، أما إذا لم يكن هناك ميزة والأرض كلها سواء فإن صلاة الإنسان في مسجده أفضل؛ لأنه يحصل به عمارته، ويحصل به التأليف، ويندرئ به ما قد يكون في قلب الإمام إذا لم تصل معه، لاسيما إذا كنت رجلًا لك قيمتك واعتبارك.
وأما الأبعد فإننا نجيب عنه بأن المراد بالحديث في قوله ﵊: «إِنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» (٤)، هذا في المسجد الذي ليس هناك أقرب منه، فإنه كلما بعد المسجد وكلفت نفسك أن تذهب إليه مع بعده كان هذا بلا شك أفضل مما لو كان قريبًا؛ لأنه كلما شقت العبادة إذا لم يمكن فعلها بالأسهل فهي أفضل، كما قال النبي ﵊ لعائشة: «إِنَّ أجْرَكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ» (٥).
فالحاصل: أن الأفضل أن تصلي في مسجدك مسجد الحي الذي أنت فيه، سواء كان أكثر جماعة أو أقل؛ لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة؛ لقوله ﵊: «مَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، ثم يليه الأبعد، ثم يليه العتيق؛ لأن تفضيل المكان بتقدم الطاعة فيه يحتاج إلى دليل بيّن، وليس هناك دليل بين على هذه المسألة.
стр. 1796
يبقى النظر إذا قال قائل: إذا كان المسجد البعيد الذي ليس في حيي إذا كان إمامه أحسن قراءة، ويحصل لي من الخشوع ما لا يحصل لي لو صليت في مسجدي، فهل الأفضل أن أذهب إليه وأدع مسجدي، أو بالعكس؟
الظاهر لي حسب القاعدة: أن الفضل الذي يتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل الذي يتعلق بمكانها، ومعلوم أنه إذا كان أخشع فإن الأفضل أن تذهب إليه، خصوصًا إذا كان إمام مسجدك لا يتأنى في الصلاة أو يلحن كثيرًا، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي توجب أن يتحول الإنسان عن مسجده من أجله.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره) إذا كان المسجد له إمام راتب، يعني مولى من قبل المسؤولين، أو مولى من قبل أهل الحي جيران المسجد، فإنه أحق الناس بإمامته؛ لقول النبي ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (٦)، ومعلوم أن إمام المسجد سلطانه، والنهي هنا للتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام أو عذره، إذنه إذا وكله توكيلًا خاصًّا أو توكيلًا عامًّا، فالتوكيل الخاص أن يقول: يا فلان صل بالناس، والتوكيل العام أن يقول للجماعة: إذا تأخرت عن موعد الإقامة المعتاد كذا وكذا فصلوا، فإذا أذن سواء كان إذنًا خاصًّا أم عامًّا فإنه يجوز وإلا فلا.
ودليل ذلك؟
طالب: قول النبي ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ».
الشيخ: نعم «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والمعنى أيضًا يقتضي ذلك؛ لأنه لو جاز أن يؤم الإنسان في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره؛ أدى ذلك إلى الفوضى وإلى النزاع، والإمام لا يحب أن أحدًا يتقدم في مكانه وهو الإمام الراتب.
فإذن عندنا دليل وتعليل:
стр. 1797
الدليل: الحديث «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ»، والتعليل أنه يؤدي إلى الفوضى والنزاع والعداوة والبغضاء.
وقول المؤلف: (إلا بإذنه أو عذره) الإذن فهمناه، العذر مثل لو علمنا أن إمام المسجد حصل له مثلًا عذر أصيب بحادث مثلًا أو أصابه مرض أو أتاه ضيوف لا يمكنه التعذر منهم أو ما أشبه ذلك، المهم أننا علمنا أن الرجل معذور، فهنا لنا أن نصلي وإن لم يأذن؛ لأن عذره في التخلف عن الحضور أمر معلوم عندنا.
فإن فعل وخالف فهل تصح الصلاة أو لا تصح، يعني لو أن أهل المسجد قدموا شخصًا يصلي بهم بدون إذن ولا عذر وصلى بهم، فهل تصح الصلاة أو لا تصح؟
في هذا لأهل العلم قولان:
القول الأول: أن الصلاة تصح مع الإثم.
والقول الثاني: أن الصلاة لا تصح أنهم آثمون، ولا تصح صلاتهم، ويجب عليهم أن يعيدوها.
أما دليل الأول فيقولون: إن التحريم -أي تحريم الصلاة بدون إذن الإمام أو عذره- ظاهر من الحديث والتعليل، وأما صحة الصلاة فالأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد. وتحريم الإمامة في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره لا يستلزم عدم صحة الصلاة؛ لأن هذا التحريم يعود إلى معنًى خارج عن الصلاة، ويش يعود إليه؟ يعود إلى الافتئات على الإمام، والتقدم على حقه، فلا ينبغي أن تبطل به الصلاة؛ لأن الصلاة وقعت في جماعة وعلى الوجه المشروع، فالأصل فيها الصحة، والذي يظهر لي أن الصحة أصح، يعني أن القول بالصحة أصح من القول بالبطلان؛ لأن هذا المعنى يعود إلى أمر خارج عن الصلاة، يعود إلى الافتئات على الإمام الراتب، والتقدم بين يديه، وحينئذ فالأصل الصحة لكن مع التحريم.
قال: (ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب) من صلى يعني في جماعة أو في غير جماعة، الكلام عام، من صلى سواء في جماعة أو في غير جماعة ثم حضر مسجدًا أو مصلى وأقيمت الصلاة يقول المؤلف: (سن أن يعيدها إلا المغرب) يعني: فلا تسن إعادتها.
стр. 1798
ودليل ذلك: قول النبي ﵊: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» (٧) صل الصلاة لوقتها يعني: إذا أخرت الصلاة فصل الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت فصل، ولا تقل: إني صليت فلا أصلي.
ودليل آخر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى صلاةَ الفجرِ ذاتَ يومٍ في مسجدِ الخَيْفِ في مِنًى، فلما انصرفَ مِن صلاتِهِ إذا برَجُلين قد اعتزلا، فلم يصلِّيا، فدعا بهما، فجِيءَ بهما تُرْعَدُ فرائصُهُما هيبةً مِن رسولِ الله ﷺ ، فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ ». قالا: يا رسولَ الله، صلَّينا في رِحالِنَا. قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ، فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٨).
فاستفدنا من هذا الحديث المطول: أن الصلاة الثانية تقع نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، وعلى هذا فإذا قدر أن شخصًا صلى في مسجده، ثم جاء إلى مسجد آخر لحضور درس، أو لحاجة من الحوائج، أو لشهود جنازة ووجدهم يصلون، فالأفضل أن يصلي معهم، وتكون صلاته معهم نافلةً، والصلاة الأولى هي الفريضة، ولا تكون الثانية هي الفريضة؛ لأن الأولى سقط بها الفرض، فصارت هي الفريضة، والثانية تكون نافلةً.
ولكن إذا أدرك بعضها، فهل لا بد من إتمامها، أو له أن يسلم مع الإمام؟
نقول: هي نافلة، فإن سلم مع الإمام إذا صلى ركعتين مثلًا، إذا صلى ركعتين مع الإمام فإن سلم معه فلا بأس؛ لأنها نافلة لا يلزمه إتمامها، وإن أتم فهو أفضل؛ لعموم قوله ﷺ : «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (٩).
وقول المؤلف: (إلا المغرب) يعني: فإنه لا تسن إعادتها.
стр. 1799
وعللوا ذلك بأن المغرب وتر النهار كما جاء في الحديث، والوتر لا يسن تكراره، فإنه لا وتران في ليلة، أيضًا لا وتران في يوم.
ولكن هذا التعليل فيه شيء؛ لأنه يمكن أن نقول: الفارق بين هذا وبين وتر الليل: أن إعادة هذا الوتر له سبب، وهو إقامة الجماعة الثانية، بخلاف وتر الليل، فإنه لا يعاد، لكن هذا يعاد من أجل السبب الذي حدث، وهو حضور الجماعة، هذا وجه، يعني هذا وجه الفرق بين وتر الليل ووتر النهار.
الشيء الثاني نقول: إن عموم قول النبي ﷺ : «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ» يشمل المغرب؛ لأن النبي ﷺ لم يستثن شيئًا.
وبهذا صار القول الصحيح في هذه المسألة: أنه يعيد حتى المغرب؛ لأن لها سببًا، وهو إقامة الصلاة مرة ثانية في هذا المسجد.
فإن قال قائل: هل يسن أن يقصد مسجدًا للإعادة، بمعنى أنه إذا صلى في جماعة مبكرة، وهو يعلم أن هناك جماعة متأخرة؛ هل يسن أن يذهب إلى المسجد للإعادة؟
الجواب: لا يسن؛ لأن ذلك ليس من عادة السلف، ولو كان هذا من أمور الخير لكان أول الناس فعلًا له من؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة السلف، ولا كانوا يفعلون هذا، لكن إذا كان هناك سبب استوجب أن تحضر إلى المسجد، فإذا حضرت وأقيمت الصلاة فصلى معهم فإنها نافلة.
ونأخذ من هذه الحكم الشرعي: أن للشرع نظرًا في توافق الناس وائتلافهم وعدم تفرقهم؛ لأننا طالبنا هذا أن يعيد الصلاة من أجل أن يكون مع المسلمين، لا يدخل المسجد ويبقى وحده، ويقول: أنا صليت، نقول: صل مع المسلمين، فإن هذا أفضل، حتى يكون مظهر الأمة الإسلامية مظهرًا واحدًا، لا تختلف فيه.
стр. 1800
ونخلص من هذا إلى أن ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان؛ إذا صلوا عشر ركعات خلف إمام يصلي عشرين ركعة تجدهم يجلسون ويدعون الإمام، حتى إذا شرع في الوتر قاموا فأوتروا معه، فإن هذا عمل خلاف ما دلت عليه السنة، وخلاف ما كان السلف يتحرونه من موافقة الإمام في اجتهاداته.
وإذا كان الصحابة ﵃ وافقوا عثمان في زيادة الصلاة، في نفس ركوعاتها، فكيف بزيادة صلاة مستقلة؟ فالصحابة ﵃ تابعوا عثمان حينما أتم الصلاة في منى، فإن المعروف من سنة الرسول ﷺ ، وسنة أبي بكر، وسنة عمر، وسنة عثمان، ثمانية سنوات أو ست سنوات من خلافته أنهم كانوا يصلون في منى ركعتين، وفي آخر خلافة عثمان صار يصلي أربعا، حتى إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه ذلك استرجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فجعل هذا أمرًا عظيمًا، ومع ذلك كانوا يصلون خلفه أربع ركعات مع إنكارهم عليه، كل هذا من أجل درء الخلاف، حتى قيل لابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، كيف تصلي مع عثمان أربع ركعات وأنت تنكر هذا؟ فقال: إن الخلاف شر (١٠). وهذا هو الصحيح، هذا هو الذي أمر الله به، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
стр. 1801
الأمة الإسلامية أمة واحدة، وإن اختلفت آراؤها يجب أن يكون مظهرها واحدًا لا تختلف؛ لأن الأمة الإسلامية لها أعداء يعلنون العداوة صراحةً، وهم الكفار الصرحاء، مثل اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين والشيوعيين وغيرهم، وأناس أعداء لكنهم يخفون عداوتهم، مثل المنافقين، وما أكثر المنافقين في زماننا، وإن كانوا يتسمَّون باسم غير النفاق، كحزب معين مثلًا، لكنهم منافقون، طوائف تختلف لها أسماء وأشكال لكن المسمى واحد، كلها حرب على الإسلام وعلى أهل الإسلام، لذلك يجب على أهل الإسلام أن يكونوا أمةً واحدة.
ويؤسفنا كثيرًا أن نجد من الأمة الإسلامية المتفتحة من تختلف في أمور يسوغ فيها الخلاف، لكن الخلاف فيها لا يصل إلى اختلاف القلوب، فإن الخلاف فيها موجود في عهد الصحابة، ومع ذلك بقيت قلوبهم متفقة، فالواجب على الشباب خاصة وعلى كل ملتزم الواجب أن يكونوا يدًا واحدة، ومظهرًا واحدًا؛ لأن لهم أعداء يتربصون بهم الدوائر.
ونعلم جميعًا أن التفرق أعظم سلاح يفتت الأمة ويفرق كلمتها، حتى إن من القواعد المشهورة عند الناس: أنك إذا أردت أن تنتصر على أحد فاحرص على التفرقة بينهم؛ لأنهم إذا اختلفوا صاروا سلاحًا لك على أنفسهم، فالواجب أن تكون الأمة كلمتها واحدة وليس أحد بمعصوم، لكن إذا خالفك شخص في الرأي في آية أو حديث مما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فالواجب عليك أن تتحمل هذا الخلاف، بل أنا أرى أن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده لا بمقتضى العناد أرى أنه ينبغي أن تزداد محبةً له؛ لأن الذي يخالفك بمقتضى الدليل لم يصانعك ولم يحابك، صار صريحا مثلما أنك أنت صريح، أما الرجل المعاند فالمعاند معاند ما أراد الحق، لكن الإنسان اللي تعرف أنه لم يحمله على تلك المخالفة إلا الدليل فيجب أن تتمسك به أكثر، وأن تقول: هذا الرجل الصريح الذي لا يصانعني ولا يداريني ولا يماريني هذا هو الحق.
стр. 1802
فالحاصل أن نقول: إن الأمة الإسلامية يجب أن تكون واحدة، كلمتها واحدة متفقة، حتى لا تختلف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب من أكبر الفشل والضعف والوهن في الأمة الإسلامية. نسأل الله أن يجمع قلوبنا على الحق.
طالب: لو إنسان صلى في مسجده ثم أراد أن يذهب إلى مسجد جماعة أخرى للدرس مثلًا، والجماعة قامت، فهل ينتظر خارج المسجد أو يدخل، أيهما؟
الشيخ: الأولى أن يدخل لا يحرم نفسه.
الطالب: إذا كان بقي قليل؟
الشيخ: إذا كانوا في التشهد لا بأس.
طالب: بعد إعادة صلاة المغرب إتمام الصلاة بركعة رابعة.
الشيخ: لا، ما حاجة؛ لأن هذا إنما كان تبعًا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة ( ... ) يستثنى يا شيخ إذا كان المسجد أبعد ( ... ) ما يشكل ( ... ).
الشيخ: ما يشكل على هذا؛ لأنه مجاور لمسجد الرسول؛ لأن فيه ميزة.
طالب: وإن أرادوا أن يقربوا المسجد لأجل الصلاة.
الشيخ: ما يخالف، لا يدعوا منازلهم، إحنا ما نقول للشخص: انزل قريبًا من المسجد، نقول: كونك تبقى في مكانك يكتب لك الأجر أحسن.
طالب: لو أراد أن يصلي مع الجماعة الثانية قلنا له أن يقطعها ..
طالب آخر: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان في الحي مسجدان، أحدهما أكثر جماعة، نأمر المسجد الذي فيه أقل جماعة أنهم ينضمون إلى المسجد الذي فيه أكثر جماعة.
الشيخ: لا، ما نأمرهم إلا في حالة نادرة، مثل لو كان المسجد هذا ما فيه إلا أربعة خمسة وذلك فيه كثير، ولا يشق عليهم، أما إذا كان يشق لا.
طالب: طيب يا شيخ الآن إذا كان فيه أربعة أو خمسة أمرناهم ( ... ) إلى المسجد الثاني المسجد هذا يسكر يا شيخ.
الشيخ: لا، ما يسكر، يباع ويحط مسجد آخر.
طالب: يمكن تحويله يا شيخ إلى ( ... ) قرآن وكذا.
الشيخ: ممكن إذا لم يكن هناك مسجد آخر محتاجين له ممكن.
стр. 1803
طالب: جزاكم الله خيرًا، ذكرنا أن المغرب وتر النهار يجوز له الإعادة؛ لأن له سببًا، فهم يصلون الآن التراويح يا شيخ، يصلون مع الوتر ثم يأتون يصلون التهجد في آخر الليل، والإمام يصلي الوتر مرة أخرى، هل يعيد لأنه جماعة في المسجد؟
الشيخ: لا بأس، لكن إذا كان يعلم أنه سيأتي في آخر الليل فلا يوتر أول الليل.
الطالب: لكن إذا ما كان يعلم؟
الشيخ: أما إذا كان ما يعلم لكن صادف أنه جاء فنعم يوتر ولا حرج.
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: إي هذا تابع.
طالب: نحن قلنا في بعض الأفعال التي في صلاة النفل مثلًا قلنا: النظر التلفت في صلاة النفل لا يجوز؛ لأن الإنسان لما أوجبها على نفسه أصبحت واجبة.
الشيخ: من قال هذا؟ أنت قلت أما نحن ما قلنا.
الطالب: يا شيخ صلاة النافلة.
الشيخ: صلاة النافلة نفل، حتى في أثنائها لك أن تتركها.
طالب: لا، قلنا: إذا دخل فيها لا يخل بأركانها.
الشيخ: يعني معناه أنه إما يأتي بها تامة الأركان ولا يتركها.
طالب: يا شيخ، والإنسان إذا صلى مع الإمام الآن ألزم نفسه بها، وألزم نفسه بالإمام، لما دخل فيها أصبح ملزمًا بمتابعة الإمام، لم نقول يا شيخ: يجوز له أن يقطعها؟
الشيخ: يجوز أن يقطعها حتى مع الإمام؛ لأنها نافلة بنص الحديث: «فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: بس مطالب الآن بمتابعة الإمام ..
الشيخ: ما يخالف، هو مطالب، لكن كون الرسول يصرح بأنها نافلة حتى مع الإمام قال: «صَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ».
الطالب: يكون مخصصًا يا شيخ.
الشيخ: مخصص لكن لو بقيت مثلًا أنت بتصلي مع الإمام هذه النافلة وتركع قبله، تسجد قبله، قلنا: لا، ما دمت مع الإمام فالتزم بالإمام، أما إذا قطعتها كيف.
الطالب: ولا تحسب له شيئًا إذا قطعها ..
الشيخ: لا، ما تحسب له شيئًا، إذا قطعها ما تحسب له شيئًا.
الطالب: إذا صلى ركعتين.
الشيخ: لا، تحسب ركعتين.
стр. 1804
طالب: إذا دخلت مسجد يا شيخ أصلي جماعة، وأدركت في التشهد الأخير وأنا ما أدري أنه التشهد الأخير، فسلم وأنا أدري فيه مسجد آخر الآن ما أقاموا الفريضة، هل أسلم وألحق بالمسجد ..
الشيخ: إذا كان تقطعها وتلحق بالمسجد الثاني، أو تقلبها نفلًا وتكمل ركعتين وتروح المسجد الثاني.
طالب: الأفضل يا شيخ؟
الشيخ: الأفضل إذا كانك تخشى ما تدرك المسجد الثاني من أول الصلاة فاقطعها، وإن كان معك وقت فاجعلها نفلًا وصل ركعتين.
طالب: يقال بأن رجل يا شيخ في هذا المسجد أقام الصلاة أيام المرحوم الريس، فجئت وصليت ثم أعدت الصلاة.
الشيخ: أنا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا ما هو صحيح، صليت معه وأتممت صلاتي.
طالب: شيخ، إذا كان إمام المسجد مبتدعًا صاحب موالد وصوفيًّا، ووكّل إنسانًا آخر أنه مثله مبتدع صوفي، أنا كنت ساكنًا في الحي، هل يحق لي إذا غاب الإمام أتقدم أنا بدون الموكل.
الشيخ: لكن ويش معنى صوفي؟
طالب: يعني: مبتدع صاحب بدع.
الشيخ: لكن أحيانًا ترى بعض الناس يظن أنه صوفي وما هو صوفي، بعض الناس إذا شاف واحد عليه أثر العبادة قال: هذا صوفي.
الطالب: لا، إذا كان أفعاله يقر أنه يقول: أنا صوفي ويتبع مثلًا الشخص الفلاني، والشخص الفلاني معروف أنه ..
الشيخ: إذا كانت بدعته مكفرة فلا يجوز أن يصلى خلفه، إذا كانت مفسقة جاز أن يصلى خلفه، لكن يجب على المسؤولين أن يزيلوا هذا عن الإمامة.
***
طالب: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فإن كان في نافلة أتمها، إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها، ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة. ولا قراءة على مأموم، ويستحب ..
стр. 1805
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن صلاة الجماعة.
طالب: حكمها واجبة.
الشيخ: واجبة طيب.
هل هي فرض عين أو كفاية؟
طالب: وجوب الجماعة فيه أقوال، نقول: إن الراجح أنه فرض عين.
الشيخ: أنها فرض عين، هل هي شرط؟
طالب: ليست شرطًا؟
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: أولًا لأنها واجبة للصلاة، لا في الصلاة.
الشيخ: لا نريد الدليل، ما هو التعليل؟
طالب: قول النبي ﵊: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» (١١) ..
الشيخ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ». وجه الدلالة؟
طالب: حيث أثبت المفاضلة لصلاة الفذ، ولو كانت شرطًا لما كان لصلاة المنفرد فضل.
الشيخ: نعم صحيح.
إذا كانوا في الثغر فهل الأفضل أن يصلوا جماعات أو جماعة واحدة؟
طالب: يفضل أن يصلوا جماعة، إلا إذا كان لتركهم مواقعهم مضرة عليها، فيصلي كل واحد منهم ..
الشيخ: الأفضل أن يصلوا جماعة في مسجد واحد إلا.
الطالب: إلا أن يكون في ذلك.
الشيخ: ضرر في حماية الثغور.
الطالب: فكل في مكانه.
الشيخ: نعم.
الأبعد أولى من الأقرب، لماذا؟
طالب: لقول النبي ﷺ في حديث أنه «مَنْ خَرَجَ مُتَطَهِّرًا مِنْ بَيْتِهِ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً» (١٢).
الشيخ: «لِأَنَّهُ لَا يَخْطُو خُطْوَةً».
الطالب: «إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً».
الشيخ: «لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» ما فيه دليل آخر؟
طالب: الأبعد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أيضًا قول النبي ﷺ في يوم الجمعة: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً» (١٣).
الشيخ: لا. نعم.
طالب: «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ» (١٤).
стр. 1806
الشيخ: وغير؟
طالب: قول الرسول ﷺ : «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ ( ... )».
الشيخ: «أَبْعَدُهُمْ مَمْشًى فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» (١٥).
هل هذا الدليل فيه دلالة على ما ذكر أن الإنسان يقصد الأبعد؟
طالب: الفضل.
الشيخ: ما يخالف، كل يريد الفضل، هل معناه أن نقول لأهل البلد الذين في شرق البلد: صلوا في المساجد التي في الغرب وأنتم يا أهل الغرب صلوا في المساجد التي في الشرق.
الطالب: لا نقول لهم هذا.
الشيخ: أيش نقول؟ لأنه يلزم من هذا إذا قلنا: إن الأبعد أفضل أن نقول: الذين في الشرق يذهبون إلى مساجد الغرب.
الطالب: الأمر ليس للوجوب.
الشيخ: طيب، الأفضل إحنا ندور الأفضل.
الطالب: نقول: لو أدى هذا الأمر إلى هجران المساجد التي بجانب ..
الشيخ: لا، ما هي بهجران يجيئونها الشرقيون يتقابلون في نصف الطريق.
طالب: شيخ، نقول: إن هذا لمن لا يوجد مسجد قريب عنده، أما إن كان يوجد مسجد قريب فهو أولى، وإنما الرسول ﷺ بين الفضل حتى لا يتوانى من كان المسجد بعيدًا عنه.
الشيخ: نعم وأيضًا حديث «أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى»، يعني معناه أن البعيد إذا سار مثلًا نحن حول المسجد جيران المسجد واللي وراهم اللي وراهم أفضل، ولهذا ما قال الرسول: أفضل المساجد أبعدها، قال: أفضل الناس أو «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ»، فالكلام على المنازل، إذا كان منزلك بعيدًا وفيه منزل قريب فصاحب المنزل البعيد أعظم أجرًا، هذا المعنى، ليس المعنى أن نقصد المساجد البعيدة من أحيائنا، ولهذا ذكرنا نحن أن القول الراجح في هذه المسألة أن يكون الإنسان في مسجد الحي؛ لأن مسجد الحي يحصل به من المصالح أكثر من المسجد البعيد.
هل يجوز للإنسان أن يصلي في مسجد له إمام راتب؟
стр. 1807
طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: مطلقًا.
الطالب: إلا بإذن أو ..
الشيخ: إلا بإذن.
الطالب: أو عذر.
الشيخ: أو عذر، تمام، ما الدليل؟
طالب: الدليل قول الرسول ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (٦).
الشيخ: هذا دليل التعليل.
طالب: التعليل أن يكون فيه تشويش وأخذ وهضم لحق الإمام.
الشيخ: نعم، صحيح، افتئات عليه وهضم لحقه، وربما يحدث عداوة أو بغضاء بين الإمام وبين هذا الذي صلى في مسجده.
ما حكم إعادة الصلاة لمن صلاها من قبل؟
طالب: يسن له إعادتها.
الشيخ: إذا صلى ثم أقيمت الصلاة مرة ثانية سن أن يعيدها، ما الدليل؟
طالب: روى مسلم عن أبي ذر قال النبي ﷺ «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّهَا وَلَا تَقُلْ: إِنِّي صَلَّيْتُ ( ... )» (٧).
الشيخ: طيب وغيره؟
طالب: حديث النبي ﷺ : كان في منى بعدما صلى الفجر وجد رجلين لم يصليا فدعاهما وقال: لم لم تصليا؟ قالا: يا رسول الله، صلينا في رحالنا، فقال: إذا صليتما ..
الشيخ: «إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّها لَكُمَا نَافِلَةٌ» (١٦).
قال المؤلف ﵀: (إلا المغرب).
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذناها، طيب المغرب لا تسن إعادتها، فلماذا؟
طالب: قالوا: إن المغرب وتر النهار ( ... ).
الشيخ: والوتر لا يكرر.
ولكن الصحيح أنه تسن إعادة المغرب؛ لعموم الحديث؛ حديث أبي ذر وحديث الرجلين اللذين تخلفا عن صلاة الفجر، الصحيح أن المغرب تسن إعادتها، ولكن إذا أعيدت فهل يتمها المعيد، يأتي بركعة بعد انتهاء الصلاة لتكون شفعًا، أو يسلم مع إمامه؟ ذكرنا أن القول الراجح أن يسلم مع إمامه؛ لأن هذه إعادة لصلاة، وليست مستقلة، فالصحيح المختار أنه لا يشفعها بركعة، فصار لدينا الآن ثلاثة أقوال في المغرب:
стр. 1808
القول الأول: لا تسن إعادتها.
الثاني: تسن، ويشفعها بركعة.
الثالث: تسن ولا يشفعها، وهذا الأصح.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة)، صورتها أن يصلي الإمام الراتب في الجماعة، ثم تأتي جماعة أخرى فتصلي في نفس المسجد، فهل تكره إعادة الجماعة هذه أو لا تكره؟
صرح المؤلف بأنها لا تكره، قال: (لا تكره إعادة الجماعة)، ونفي الكراهة يدل على أن المسألة مباحة فقط، وأنها ليست بمشروعة، ولكن نقول: إن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن مراده بنفي الكراهة دفع قول من يقول بالكراهة، وعلى هذا فلا ينافي القول بالاستحباب، بل بالوجوب؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد نبه على ذلك كثير من المتأخرين على أن مراد المؤلف وغيره ممن قال: لا تكره، مراده أيش؟ دفع القول بالكراهة؛ لأن بعض العلماء قال: تكره، ولكن هو يقول: إنها لا تكره، يعني أننا لا نقول بهذا القول، وإذا لم نقل بهذا القول رجعنا إلى الأصل، فالأصل أن صلاة الجماعة واجبة.
وعلى هذا فتكون إعادة الجماعة إذا فاتت مع الإمام الراتب تكون واجبة؛ لأن الجماعة واجبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها مستحبة وليست بواجبة؛ لأن الصلاة الأولى هي التي يجب على المكلف حضورها، وهي التي يحصل بها الفضل العظيم الذي رتبه النبي ﷺ ، هذه صورة المسألة.
لكن ينبغي أن يقال: إن هذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون هذا أمرًا راتبًا.
والصورة الثانية: أن يكون أمرًا عارضًا.
стр. 1809
والصورة الثالثة: أن يكون المسجد مسجد سوق، أو مسجد خط سيارات، أو ما أشبه ذلك، فإذا كان مسجد سوق يعني يتردد أهل السوق يأتي الرجلان والثلاثة والعشرة يصلون ثم يخرجون، كما يوجد في المساجد التي في بعض الأسواق، فهذه لا تكره إعادة الجماعة فيها، قال بعض العلماء: قولًا واحدًا، ولا خلاف في ذلك؛ لأن هذا المسجد من أصله معد لجماعات متفرقة، ليس له إمام راتب يجمع الناس، فلا تكره إعادة الجماعة فيه قولًا واحدًا.
الصورة الثانية: أن تكون إعادة الجماعة راتبة في غير مساجد السوق ومساجد الطرقات والخطوط، الآن الخطوط فيها مساجد على الخط، هل نقول: إذا جاء جماعة وصلوا ثم جاء آخرون بعدهم وقفوا سيارتهم نقول: لا تصلون جماعة؟ لا ما نقول بالاتفاق، نقول: صلوا؛ لأن هذا المسجد لم يعد لجماعة مخصوصة معينة، بل معد لكن من جاء يصلي جماعة.
الصورة الثانية أن يتخذ ذلك راتبًا، بمعنى أن يكون في المسجد جماعتان دائمًا: الجماعة الأولى والجماعة الثانية، فهذا لا شك أنه مكروه؛ لأنه بدعة لم يكن معروفًا في عهد النبي ﷺ وأصحابه.
ومن ذلك ما كان معروفًا في المسجد الحرام سابقًا، المسجد الحرام سابقًا قبل أن تتولى السعودية عليه كان فيه أربع جماعات، كل جماعة لها إمام: إمام الحنابلة يصلي بالحنابلة، إمام الشافعية يصلي بالشافعية، إمام المالكية يصلي بالمالكية، إمام الأحناف يصلي بالأحناف.
стр. 1810
( ... ) يقول: تبطل صلاة الحنبلي خلف الإمام الشافعي مثلًا ما ( ... ) يقولون بهذا أو لا، المهم أنه معروف أنت من الحنابلة قال: نعم، قال: روح مع الباب الثاني هناك جماعتهم، أنت من الشافعية، روح مع الباب الثاني هذاك جماعتهم، هكذا كانت يسمونه: هذا مقام الشافعي، هذا مقام المالكي، هذا مقام الحنبلي، هذا مقام الحنفي، معروف، لكن جزاه الله خيرًا الملك عبد العزيز لما استولى على مكة قال: لا يمكن، هذا تفريق الأمة، معناه أن الأمة الإسلامية متفرقة في مسجد واحد، وهذا لا يجوز، فجمعهم على إمام واحد.
إذن نقول: إذا اتخذت إعادة الجماعة سنة راتبة فإن ذلك يكره إن لم نقل: إنه حرام، لماذا؟ لما فيه من تفريق الناس.
ثانيًا: أنه دعوة للكسل؛ لأن الناس يقولون: ما دام فيه جماعة ثانية ننتظر حتى تأتي الجماعة الثانية، فيتوانى الناس عن حضور الجماعة مع الإمام الراتب الأول، فهذا لا شك في أنه مكروه أو بدعة محرمة.
الصورة الثالثة: أن تكون المسألة عارضة، يعني: الإمام الراتب هو الذي يصلي بجماعة في المسجد، لكن أحيانًا يتخلف رجلان أو ثلاثة أو أكثر لعذر، فهذا هو محل الخلاف.
فمن العلماء من قال: لا تعاد الجماعة، بل يصلون فرادى.
ومنهم من قال: بل تعاد، وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة كما رأيتم، ودليل ذلك:
أولًا: حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ» (٣)، وهذا نص صريح في أن صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده، ولو قلنا: لا تقام الجماعة لزم أن نجعل المفضول فاضلًا، وهذا خلاف النص.
стр. 1811
ثانيًا: أن الرسولَ ﷺ كان جالسا ذاتَ يومٍ مع أصحابه، فَدَخَلَ رَجُلٌ بعدَ أن انتهتِ الصَّلاةُ، فقال: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟ »، فقامَ أَحَدُ القومِ فَصلَّى مع الرَّجُلِ (١٧). وهذا نص صريح في إعادة الجماعة بعد الجماعة الراتبة، حيث تطلع النبي ﵊ إلى من يصلي مع هذا الرجل، وقول من قال: إن هذا صدقة، وإذا صلى اثنان في المسجد وقد فاتتهما الصلاة فصلاة كل واحد منهما واجبة؟ نقول: إذا كان يؤمر بالصدقة، ويؤمر من قد صلى أن يقوم فيصلي مع هذا الرجل، فكيف لا يؤمر من لم يصل أن يصلي مع هذا الرجل؟
إذن فالقول الصواب بلا شك أن صلاة الجماعة في هذه الحال مشروعة؛ لأمر النبي ﷺ ، وبعموم حديث أبي بن كعب: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
فصارت هذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون هذا المسجد ليس له إمام راتب، وإنما هو مسجد شارع سوق أو مسجد خط سيارات، كل من جاء دخل وصلى، فإن إعادة الجماعة في هذا المسجد لا تكره بالاتفاق.
الصورة الثانية: عكس هذه المسألة، وهي أن تعاد الجماعة ثانية على وجه الاستمرار، على وجه راتب، فهذه أقل أحوالها أن تكون مكروهة.
الصورة الثالثة: أن تكون عارضة في غير مساجد الطرقات والأسواق، فهذه محل الخلاف، والصحيح أنها سنة، بل لو قيل بالوجوب لكان أقرب.
وقول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يعني: في غير المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ ، فتكره إعادة الجماعة فيهما، قالوا: لئلا يتوانى الناس عن حضور الصلاة مع الإمام الراتب.
стр. 1812
ولكن هذا التعليل لو أخذنا به لانطبق على المسجدين وغيرهما على حد سواء، ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة هو الصحيح: أن إعادة الجماعة لا تكره لا في المسجدين ولا في غيرهما، وأن المسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرهما في حكم إعادة الجماعة، وعلى هذا فإذا دخلت المسجد الحرام وقد فاتتك الصلاة مع الإمام الراتب أنت وصاحبك، فصليا جماعةً ولا حرج، هذا هو الصحيح.
فيكون قول المؤلف: (في غير مسجدي مكة والمدينة) يكون هذا قولًا مرجوحًا، والصواب أن مسجدي مكة والمدينة كغيرهما لا تكره فيهما إعادة الجماعة.
طالب: ما ذكر بيت المقدس.
الشيخ: إي نعم، يقول: لم يذكر بيت المقدس، وصدق، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى ما ذهب إليه بأن بيت المقدس كالمسجدين تكره فيه إعادة الجماعة؛ لأن بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن الفقهاء المشهور من المذهب أن بيت المقدس كغيره والصحيح أن بيت المقدس والمسجد الحرام والمسجد النبوي كغيرها من المساجد.
طالب: حجة يا شيخ من يقول: إنه لا يجوز إعادة الجماعة؟
الشيخ: أبدًا، حجتهم العلة هذه اللي ذكرت، ألا يتواني الناس عن حضور إمام راتب.
الطالب: لكن إذا جاء رجل وقد فاتته الصلاة وجاء إلى المسجد فلا يجوز مثلًا أن يكون ..
الشيخ: يكره.
الطالب: حجتهم؟
الشيخ: هذه يقول: لأنه إذا عرف الإنسان أنه بيلقى جماعة متأخرة تأخر.
الطالب: هذه فقط؟
الشيخ: أبدًا ما عندهم غير هذا.
طالب: قلتم يا شيخ في الدرس الماضي: إنه يصلي في المسجد القريب يعني.
الشيخ: نعم، الأفضل في مسجد حيه.
الطالب: إي نعم، قلتم: لئلا يكون فيه إمام مسجد في نفسه شيء طيب دخل شيء على النية بيخالطها شيء أن يكون إتيانه المسجد من أجل الإمامة، من أجل أن يراه الإمام قد صلى معه.
стр. 1813
الشيخ: لا، ما هو من أجل أن يراه قد صلى، هذا يكون رياء، لكن من أجل التأليف؛ حتى لا يكون في قلب الإمام شيء، ما هو في قلبه شيء عليه؛ لأنه ما صلى، لا؛ لأنه قد يقول: إنه ما صلى معي لأنه مثلًا ما يراني أهلًا للإمامة، أو في شيء في الدين فيحمل عليه الحقد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، يستدلون كذلك بأن النبي ﷺ أتى إلى المسجد ذات يوم فوجد أن الجماعة قد صلوا فذهب إلى بيته وجمع بأهله فصلى بهم.
الشيخ: من هو؟
طالب: النبي ﷺ .
الشيخ: النبي، الله المستعان! الله المستعان!
اعرف الحديث جيدًا، هذا روي عن ابن مسعود (١٨)، وروي عنه أيضًا شيء آخر خلاف ذلك نقله صاحب المغني قال: إنه روي عن ابن مسعود إعادة الجماعة في المسجد، فيكون عنه في ذلك روايتان، وأيضًا ابن مسعود إن صح عنه هذا فليس بدليل؛ لأن كلام الرسول ﷺ مقدم عليه، ثم إن هذه قضية عين، ما قال: يا أيها الناس إذا فاتتكم الجماعة فصلوا في بيوتكم، ربما يخشى أنه لو صلى في المسجد ( ... ) الإمام قال: هذا صاحب رسول الله ﷺ ما صلى خلفي إذن فيه شيء، وربما أنه إذا رآه الناس وهو ابن مسعود يصلي بعد صلاة الجماعة قالوا: إذن ما دام هذا ابن مسعود توانى وتأخر فنحن من باب أولى، فقضايا الأعيان لها أحوال وقرائن توجبها، بخلاف دلالة الأقوال، الأقوال واضحة.
طالب: ما يقال يا شيخ: إنه لم يجد جماعة فذهب إلى البيت لأنه سيجد جماعة.
الشيخ: ما ندري، ولهذا نقول: قضية عين، يحتمل هذا أيضًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء يستدلون بتحريم الصورة الثالثة ( ... ) قديمًا بأنه يشابه مسجد ضرار، فهل هذا الاستدلال صحيح؟
الشيخ: يعني كل واحد له إمام.
طالب: إي نعم يقول: هذا محرم؛ لأنه مشابه ..
стр. 1814
الشيخ: والله على كل حال ما فيه مسجد ضرار؛ لأن الحنبلي ما هو برايح يصلي وراء الشافعي في ذلك الوقت، ما فيه مسجد ضرار، لكن لا شك أنه تفريق للمسلمين، سبحان الله، ما هم كلهم مسلمون، ليش نقول عند هذا شافعي صل في مكانك وهذا مكانك، أنا أدركت الأمكنة لكن ما أدركت الناس يصلون، لكن أدركت الأمكنة: محلات قبب أو شبهها مختصة.
طالب: إذا كان فيه جماعتان ( ... ) أجعل الأولى نافلة والثانية هي الفرض، مسجد تقام فيه جماعتان تكون الأولى نافلة والثانية فرض.
الشيخ: لا، الأولى هي الفرض.
طالب: بس تكون الجماعة الثانية هي أكثر.
الشيخ: وليش تصلي في الأولى علشان أيش؟
طالب: مثلًا نكون في المدارس، المدرسون يصلون قبل الطلبة.
الشيخ: قبل الطلبة.
طالب: والطلبة تكون أكثر.
الشيخ: لكن نقول: ليش تصلي مع المدرسين ما دام أنك ترى تصلي مع الطلبة صل مع الطلبة.
طالب: أكون فيه بعض ( ... ) يراقبون الطلبة.
الشيخ: والله أنا أرى أن الأفضل الأولى؛ لأنه لو لم يكن فيها إلا التقدم في الوقت هذا أوجد لنا سؤالًا آخر، لو فرضنا أن المسجد صغير وجعلنا الجماعتين راتبتين من أجل صغر المسجد، هل يكره أو نقول: هذا لحاجة؟
طلبة: لحاجة.
الشيخ: الظاهر أن هذا لحاجة لا بأس به، يعني لو فرضنا أن المسجد صغير ما يحمل الناس وصار يصلون جماعة أول ثم يطلعون ثم يجيء الجماعة الثانية، هذا الظاهر لا بأس به للحاجة. ( ... )
الشيخ: حكم صلاة الجماعة.
طالب: صلاة الجماعة فيها أقوال.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: واجبة.
الشيخ: واجبة، الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول ﷺ أمر؛ قال: لو وجدت جماعة يصلون في بيوتهم لأمرت بتحريق بيوتهم.
الشيخ: أولًا: فيها دليل من الكتاب والسنة والنظر.
الطالب: من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاة﴾ [النساء: ١٠٢] وهذا في السفر وجبت صلاة الجماعة.
الشيخ: والخوف في السفر والخوف.
стр. 1815
الطالب: وجبت صلاة الجماعة، فكانت في الحضر من باب أولى. ومن السنة قوله ﷺ .
الشيخ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ».
الطالب: «فَتُقَامَ فَآمُرَ جَمَاعَةً يُحَرِّقُونَ ( ... )».
الشيخ: نعم رويته بالمعنى، نعم النظر.
طالب: النظر؟
الشيخ: النظر يعني الدليل من النظر، تعرف الدليل النظري؟
الطالب: لا ما أعرف.
الشيخ: إي، هذا مشكل، دليل النظر ما هو النظر بالعين.
طالب: أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، يعد اجتماع أهل بلد دليلًا ..
الشيخ: ما حاجة ما يترتب عليها من المصالح.
النظر نقول: الدليل النظري هو ما يترتب عليها من المصالح التي تقتضي أن تكون فرضًا، إحنا ذكرنا اثنتي عشرة فائدة.
المؤلف يقول: (لا شرط)، فلماذا قال هذا؟
طالب: يرد على من قال: إن صلاة الجماعة شرط.
الشيخ: لدفع قول من يقول؟
الطالب: إنها شرط.
الشيخ: إنها شرط، من القائل بأنها شرط.
طالب: قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهي رواية عن الإمام أحمد.
الشيخ: لا، ابن القيم ما ذكره، ما نقل عنه.
الطالب: مشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: دليلهم القائلين بأنها شرط لهم دليل ما هو؟
الطالب: قالوا: إن الصلاة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
طالب آخر: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ» (١٩).
الشيخ: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الطالب: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ».
الشيخ: طيب هذا واحد.
طالب: «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ صَلَاةَ الْفَذِّ .. ».
الشيخ: لا، هذا دليل عليهم.
طالب: لأن الصلاة واجبة والرسول ﷺ توعد من لم يحضرها، فقالوا: ما دام من ترك واجبًا في الصلاة فهي باطلة.
الشيخ: قالوا: إن صلاة الجماعة واجبة، والقاعدة أن الواجب إذا ترك عمدًا بطل ما وجب فيه.
стр. 1816
طالب: حديث أن النبي ﷺ هم أن يحرق على من يتخلفون عن صلاة الجماعة بيوتهم.
الشيخ: هذا يدل على الوجوب، الشرطية، على كل حال هذان دليلان.
طالب: الدليل حديث الأعمى ابن أم مكتوم، النبي ﷺ أوجب عليه أن يلبي إذا سمع النداء مع أن فيه مخاطر ..
الشيخ: هذا يدل على الوجوب.
الطالب: على الوجوب نعم.
الشيخ: نحن نريد الدلالة على الشرطية. الذين قالوا: إنها ليست بشرط.
طالب: أن النبي ﵊ قال: «إِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»، كونه جعل الفضل دليلًا على صحتها، فإن الباطل لا يكون فيه فضل.
الشيخ: نعم أحسنت.
والجواب عن قولهم: إنها واجبة؟
طالب: الجماعة واجبة للصلاة وليست واجبة في الصلاة.
الشيخ: ليست واجبة فيها، بل هي واجبة لها، مثل؟
طالب: مثل السترة.
الشيخ: كالأذان.
طالب: كالأذان.
الشيخ: لو صلى بلا أذان صلاته صحيحة أو صلى بلا إقامة صلاته صحيحة مع الإثم.
يقول المؤلف: إنه يجوز أن يصلي الإنسان الجماعة في بيته، ما دليله؟
طالب: الدليل حديث عندما تخلف رجلان عن الرسول ﷺ ، سألهم فقالوا: صلينا في رحالنا فلم ينكر عليهم.
الشيخ: فلم ينكر عليهم بل قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا».
الطالب: «وَأَتَيْتُمَا جَمَاعَةً».
الشيخ: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
طالب: استدلوا أيضًا بقوله ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١) الأرض كلها مسجد ( ... ).
طالب آخر: تكون صلاة الجماعة أحسن من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، والجماعة يعني في البيت وفي المسجد.
الشيخ: إي، طيب صح يقول: المقصود الجماعة، وقد حصلت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ.
الرد عليهم فيه قول، القول الثاني أنه لا يجوز أن يفعلها في البيت، بل لا بد أن يفعلها في المسجد، فما هو الدليل؟
стр. 1817
طالب: عمومات الأدلة تدل على الوجوب ( ... ) «تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ » قال: نعم. قال: «فَأَجِبْ» (٢٠).
الشيخ: ولم يقل: أو صل مع آخر في بيتك. هذا واحد.
طالب: كذلك هم النبي ﷺ بإحراق بيوت المتخلفين، ولم يقل: لقد هممت أن أحرق بيوتهم إلا أن يصلوا في بيوتهم جماعة.
الشيخ: نعم، أحسنت، فيه أيضًا دليل نظري.
طالب: حديث ابن مسعود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق (٢١)، وأيضًا قوله: من أراد أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات ( ... ) (٢٢).
الشيخ: حيثُ يُنادَى بهنَّ، وهو ينادى بهن في المساجد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
الشيخ: إي هم يقولون: ما يخالف، نركع في بيتنا مع الراكعين.
الطالب: في جماعة.
الشيخ: هم يقولون: في جماعة.
طالب: ( ... ) الصلاة من شعائر الإسلام، يعني إذا صلوا في بيوتهم ( ... ) الإسلام.
الشيخ: نعم يعني يفوت هذا، كذا؟
هذا يحتج به من يقول: إنها فرض كفاية، وعلى هذا فإذا كان فيه مساجد تقام فيها الجماعة فالباقون يصلون في بيوتهم. على كل حال الدليل مثلما قال الإخوان أن الرسول ﵊ أمر من سمع النداء أن يجيب حديث ابن مسعود، وحديث: «ثُمَّ أَنْطَلِق إِلَى قَوْمٍ -مَعَهُمْ حُزَمُ حَطَبٍ- إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ» ولم يقل: إلا أن يصلوا في بيوتهم، فالصحيح أنها واجبة في المسجد إلا لعذر.
لماذا كان المسجد العتيق أولى من الجديد على كلام المؤلف؟
طالب: لأن الطاعة تكون فيه أسبق.
الشيخ: لأن الطاعة فيه أسبق.
أيهما أقدم على القول الراجح: العتيق أو الأكثر جماعة؟
طالب: الأكثر جماعة.
الشيخ: الأكثر جماعة، الدليل؟
الطالب: قول النبي ﷺ : فما كان أكثر جماعة فهو أحب إلى الله.
الشيخ: «وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ».
ذكر المؤلف أن الأبعد من المسجدين أولى من الأقرب.
стр. 1818
طالب: قول النبي ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ لَا يَخْطُو خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً» (٤).
وقول النبي ﷺ : «بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ».
الشيخ: وهل هذا الدليل الذي استدل به من قال بذلك هل فيه دليل لهم؟
طالب: علام؟
الشيخ: هل فيه دليل لهم على أن الإنسان يقصد الأبعد.
الطالب: نعم أفضلية إثبات الفضل فيها.
الشيخ: معناه إذن نقول: اللي في شرقي البلد يصلون في غربيه.
طالب: هذا إذا لم يجد بجواره مسجدًا.
الشيخ: المؤلف يقول: أبعد أولى من أقرب.
الطالب: إذا كان بعيدًا المسجد من الأصل يعني ليس يقصده هو بنفسه.
الشيخ: يعني إذن الأحاديث تدل على أن بعد البيت عن المسجد أفضل من قربه، وليس المعنى أنك تتقصد المساجد البعيدة، إي نعم، هذا هو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه لا يجوز أن يؤم في المسجد الراتب إلا بإذنه أو لعذر، ما هو الدليل؟
طالب: استدلوا بحديث النبي ﷺ الذي في صحيح مسلم: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» وفي رواية «فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
الشيخ: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» وإمام المسجد هو سلطان المسجد.
ما الدليل على جواز الإمامة إذا كان معذورًا أو آذنًا؟
طالب: ما فعله أبو بكر الصديق ﵁ وعبد الرحمن بن عوف عندما تأخر النبي ﷺ ( ... ) عبد الرحمن بن عوف فصليا ولم ينتظرا النبي ﷺ .
الشيخ: أما الإذن فالرسول ﵊ أذن لأبي بكر أن يصلي بالناس في حال مرضه.
المؤلف ﵀ استثنى من إعادة الجماعة، استثنى صلاة، فما هي؟ وما التعليل؟
طالب: إعادة الجماعة في نفس المسجد.
стр. 1819
الشيخ: لا، إعادة الجماعة لمن صلى ثم أقيمت الصلاة فيسن أن يعيد الجماعة، استثنى المؤلف صلاة واحدة فما هي؟ وما تعليلها؟
طالب: المغرب.
الشيخ: والتعليل؟
طالب: التعليل قال: إنها وتر النهار، ولا وتران في ليلة.
الشيخ: الوتر لا يكرر.
الطالب: لا يكرر، لكن هذا ( ... ).
الشيخ: ما يخالف.
هل هناك قول آخر باستحباب إعادة الصلاة ولو المغرب؟
طالب: فيها ثلاثة أقوال.
الشيخ: هل فيه أقول فيه قول أنها تستحب الجماعة؟
الطالب: نعم فيه.
الشيخ: حتى المغرب؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما دليل هذا القول؟
طالب: حديث تخلف في الحج رجلان، فالرسول ﷺ قال بالعموم ولا استثنى صلاة فيها.
الشيخ: قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: ولم يستثن النبي ﷺ .
الشيخ: في هذا الحديث استدل بعض الإخوة قبل قليل بجواز صلاة الجماعة في البيت، فما هو الرد على هذا الاستدلال؟
طالب: أن الرسول ﷺ كان يصلي في المسجد.
الشيخ: إي ذاك، وأقرهما قال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ».
الطالب: فيه أدلة غير هذا الدليل يدل على وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: كيف تجيب على هذا الحديث؟
طالب: أن الرسول ﷺ لم يقل: إذا صليتما في رحالكما فلا تصليا، بل قال: إذا أتيتما المسجد فصليا مع الجماعة ولا تكفي صلاتكما في رحالكما.
الشيخ: ولم يقل أيش؟
طالب: ولم يقل: تكفي الصلاة في رحلكما.
الشيخ: ما هو الآن نريد الاستدلال على جواز الإعادة، نريد هل الاستدلال بهذا الحديث على جواز الصلاة بالبيت جماعة صحيح ولا لا؟
الطالب: أيوه صحيح.
الشيخ: إذن معناه شوف لك واحد واجلس وياه في البيت وصل معه تصلوا جماعة.
الطالب: لا، فيه قول يقول: إنه صحيح، لكنه مرجوح.
الشيخ: وأنت ويش تقول؟
стр. 1820
الطالب: أقول: ما هو صحيح.
الشيخ: طيب كيف تجيب عن الحديث؟
الطالب: أجيب أنه فيه أحاديث عامة ثانية في وجوب الصلاة في المسجد.
الشيخ: ما يخالف، لكن أجب عن هذا الحديث ولّا قل بالتعارض.
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم تمام.
طالب: يجاب عنها أن الحديث ( ... ) في الحج، والحج يحصل فيه ( ... ) النبي ﷺ .
الشيخ: لا.
طالب: يرد عليه عدة احتمالات، هذا الحديث يحتمل أن رحالهما بعيدة عن المسجد، ويحتمل أيضًا أنهما يظنان أن النبي ﷺ قد قضى الصلاة، وإذا ورد الاحتمال على الدليل بطل الاستدلال به.
الشيخ: واحتمال ثالث جواز الصلاة في الرحال وعدم وجوب المسجد، ومع الاحتمال يبطل الاستدلال، فيكون هذا الحديث مشتبهًا، وعندنا أدلة محكمة، فيحمل عليها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا ( ... ) تجب حتى ( ... ).
إذا قلنا باستحباب الإعادة في المغرب هل يشفعها بركعة أو يسلم مع الإمام؟
طالب: الظاهر أنه ما يشفعها، يسلم مع الإمام.
الشيخ: ولا فيه قول: إنه يشفعها بركعة؟
طالب: فيه قول: إنه يشفعها بركعة.
الشيخ: يعني فيه قول: إنه يشفعها بركعة لئلا يتكرر الوتر، وفيه قول ثان أن يسلم مع الإمام؛ لعموم: «فَصَلِّيَا مَعَهُمْ». وهذا القول أصح.
المؤلف ﵀ يقول: إنها لا تكره إعادة الجماعة إلا في مسجدي مكة والمدينة.
طالب: لا تكره، هذا القول غير صحيح الصحيح إن ..
الشيخ: لا دعنا، أنا قلت: اشرح. لا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة.
طالب: إذا صلوا في جماعة فلا تكره إعادة الجماعة مرة ثانية، وهذا له ثلاث صور.
الشيخ: لا، هو قال: في غير مسجدي مكة والمدينة، ويش معناه؟
الطالب: يعني في مسجد مكة والمدينة تكره الإعادة.
الشيخ: تكره الإعادة وفي غيرهما؟
الطالب: لا تكره.
الشيخ: لا تكره، لماذا؟
الطالب: لئلا يتكاسل الناس عن الصلاة مع الإمام.
الشيخ: مع الإمام الراتب.
هل التفريق بينهما وبين غيرهما وجيه ولّا غير وجيه؟
стр. 1821
طالب: غير وجيه، ما عليه دليل، يعني المساجد واحدة.
الشيخ: المساجد واحدة إي نعم، هذا الصحيح أنه لا فرق.
ذكرنا أن الإعادة إعادة الجماعة تنقسم إلى أقسام:
طالب: تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن تكون عادة راتبة، وإما أن تكون طارئة، وإما أن يكون المسجد مسجد طريق أو مسجد سوق، ما في مسجد طريق ومسجد سوق، فلا خلاف فيه بجوازه.
الشيخ: أن من دخل صلى الجماعة.
الطالب: وأما في المسجد بعكسه، المسجد الذي اتخذ عادة أو راتبة فهذه أقل أحوالها الكراهة، وأما الطارئة ففيه خلاف، والصحيح أنها تجب.
الشيخ: أنها تستحب أو تجب.
طالب: إذا كان مسجد السوق له إمام راتب.
الشيخ: إذا كان له إمام راتب فنقول: هو كغيره، يكون حكمه أنه إن اتخذ رواتب بحيث يجعل له جماعتان هو مكروه.
طالب: فيه دليل يا شيخ على استثناء مكة والمدينة، أن النبي ﷺ حينما دخل رجل يريد يصلي قال: من يتصدق على هذا فيدل على مشروعية الجماعة في مسجد المدينة؟
الشيخ: يعني يدل على أن استثناء المؤلف المدينة فيه نظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا الكلام هو لفظ حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» (٢٣)، فيكون هذا مسألة ودليلًا، يعني: جمع المؤلف بين كونه ذكرها مسألةً من مسائل العلم، وهي نفسها دليل، وهذا نادر.
لكن على كل حال يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (إذا أقيمت) هل المراد بإقامة الصلاة الذكر المخصوص الذي هو الإعلام بالقيام إلى الصلاة، أو المراد بإقامة الصلاة نفس الصلاة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ومن المعلوم أن إقامة الصلاة هو فعلها، والمراد إذا فعلت الصلاة يعني إذا شرع الإمام في الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة؟
стр. 1822
في هذا قولان لأهل العلم الذين شرحوا الحديث، فمنهم من يقول: إن المراد بإقامة الصلاة أي شروع الإمام في الصلاة، ومنهم من قال: المراد بالإقامة الذكر المخصوص الذي يراد به الإعلام بالقيام إلى الصلاة، وهي الله أكبر الله أكبر، وعلى هذا القول هل المراد الشروع في الإقامة أو المراد انتهاء الإقامة، يعني يكون معنى قول الرسول ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتْ»، أي إذا شرع المؤذن في الإقامة، أو إذا أقيمت، أي إذا تمت الإقامة؛ لأن الشيء إذا عُلق بشيء فإنه لا يتم حتى يتم ذلك الشيء، فإذا أقيمت لا تصدق الإقامة إلا على تمام الإقامة، وعلى هذا فيكون المعنى: إذا انتهى المقيم من إقامة الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، فهذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد بإقامة الصلاة الشروع فيها، يعني تكبيرة الإحرام.
والقول الثاني: أن المراد بالإقامة ابتداء الإقامة؛ التي هي الإعلام بالقيام إلى الصلاة.
والقول الثالث: أن المراد انتهاء الإقامة، وهذا القول قريب من القول بأن المراد بذلك الدخول في الصلاة، وإن كان الإمام قد يتأخر عن إتمام الإقامة إما بتسوية الصفوف، أو بحدوث عذر له، أو ما أشبه ذلك.
إنما هذه ثلاثة أقوال ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي؛ أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هي ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يقيمها وحده إلى جنب فريضة تقيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين:
الوجه الأول: أنه في نافلة، والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده، والناس يصلون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المعنى في قوله: (إذا أقيمت الصلاة).
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شرع في النافلة بعد أن يبدأ المقيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة. وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع المقيم في الإقامة.
стр. 1823
فإن كان في نافلةٍ أَتَمَّها إلا أن يَخْشَى فَواتَ الجماعةِ فيَقْطَعَها، ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ إمامِه لَحِقَ الجماعةَ، وإن لَحِقَه راكعًا دَخَلَ معه في الركعةِ وأَجزأَتْهُ التحريمةُ. ولا قراءةَ على مأمومٍ، ويُسْتَحَبُّ في إسرارِ إمامِه وسُكوتِه وإذا لم يَسْمَعْه لبُعْدٍ لا لطَرَشٍ، ويَسْتَفْتِحُ ويَستعيذُ فيما يَجْهَرُ فيه إمامُه، ومَن رَكَعَ أو سَجَدَ قبلَ إمامِه فعليه أن يَرْفَعَ ليأتيَ به بعدَه، فإن لم يَفعلْ عَمْدًا بَطَلَتْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِ إمامِه عالِمًا عَمْدًا بطَلَتْ، وإن كان جاهِلاً أو ناسيًا بَطَلَتِ الركعةُ فقطْ، وإن رَكَعَ ورَفَعَ قبلَ رُكوعِه ثم سَجَدَ قبلَ رَفْعِه بَطَلَتْ إلا الجاهلُ والناسي، ويُصَلِّي تلك الركعةَ قضاءً،
إنما هذه ثلاثة أقوال، ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هو ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يُقِيمها وحدَه إلى جنب فريضة تُقِيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين:
الوجه الأول: أنه في نافلة والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده والناس يُصلُّون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدِّد المعنى في قوله: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» (١).
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شَرَع في النافلة بعد أن يبدأ الْمُقِيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة، وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع الْمُقِيم في الإقامة؛ لأن العلَّة -أعني علة النهي- موجودة في هذه الصورة، ومن باب أولى ألَّا يشرع في النافلة إذا انتهت الإقامة، أو إذا شرع الإمام في الصلاة.
إذن إذا حَمَلْنَا قوله ﷺ : «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (١)، أي: فلا صلاة تُبْتَدَأُ إلا المكتوبة، قلنا: إنه يتعين أن يكون المراد بالإقامة؟ أجيبوا ..
طلبة: الشروع ..
стр. 1824
الشيخ: الشروع في الإقامة؛ لأن الإنسان إذا ابتدأ النافلة في هذا الوقت سوف يتأخر عن صلاة الجماعة، ولكن قوله ﷺ : «فَلَا صَلَاةَ»، هل يشمل الابتداء أو حتى الإتمام؟ في ذلك قولان لأهل العلم:
منهم من قال: إنه يشمل الابتداء والإتمام، أي: فلا صلاة ابتداءً، لا يبتدئ صلاة، ولا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إن بعضهم بالَغ فقال: لو لم يَبْقَ عليه إلا التسليمة الثانية وأقام الْمُقِيم فإنها تبطل صلاته؛ لأن التسليمتين ركن من أركان الصلاة، أو واجب، أو سنة، المهم أنها من الصلاة، فإذا أقام -أي إن شرع في الإقامة قبل أن يُسَلِّم- فإن الرسول ﷺ يقول: «لَا صَلَاةَ»، فتبطل، لكن هذه مبالغة عظيمة.
بضدها –أي بضد هذه المبالغة- من قال: إنه يُتِم النافلة ولو فاتته الجماعة، سبحان الله! ! بينهما تباعُد عظيم؛ هذا يقول: إذا أقيمت الصلاة ولو لم يبق عليك إلا التسليمة الثانية، بطلت صلاتك، ولا خيار لك فيها، وهذا يقول: ما دمت شرعت في صلاة فأَتِمَّها ولو فاتتك الجماعة.
لكن كل هذه أقوال في الحقيقة لا شك أنها أقوال شادة، إنما قلتها لأجل أن تعلموا كيف يتفرَّق العلماء ﵏ في المسائل العلمية هذا التفرق العظيم.
لكن نقول: إن قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ»، لا شك أن المراد ابتداؤها، وأنه يحرُم على الإنسان أن يبتدئ نافلةً بعد إقامة الصلاة، بعد انتهائها أو الشروع فيها؟ الشروع فيها؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالصلاة قبل أن يُكَبِّر الإمام وقد شرع المقيم في الإقامة.
فنقول: إذا أُقِيمَت الصلاة حرُم أن يبتدئ نافلة؛ لأن الصلاة لما أُقِيمت صار الوقت لهذه الفريضة، فلا يجوز أن يبتدئ نافلة.
أما إذا كان قد شرع في نافلة فإن المؤلف يقول: (فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها).
стр. 1825
(إن كان في نافلة) يعني: حين إقامة الصلاة، (أتمها)، ولكن يتمها خفيفةً من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة.
(إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها)، الفاء هنا للاستئناف، أي: فإنه يقطعها، وبماذا تفوت الجماعة؟
تفوت الجماعة -على كلام المؤلف- بالتسليم قبل أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام، إذا سَلَّم الإمام قبل أن تُكَبِّر تكبيرة الإحرام فاتتك الجماعة، فإن كَبَّرت للإحرام قبل أن يُسَلِّم التسليمة الأولى فقد أدركت الجماعة.
وبناءً على ذلك نقول لهذا الذي شرع في النافلة قبل إقامة الصلاة: استَمِرّ إلا إن خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمَّ، فحينئذ اقطعها؛ لأنك إذا خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمّ لزم من ذلك تعارض نفل مع فرض؛ لأن صلاة الجماعة فرض، والنافلة نفل، والفرض مُقَدَّم على النفل، حينئذ اقطعها.
وهذه المسألة قد تكون نادرة إلا في صلاة الصبح مثلًا، إذا كان الإمام يسرع، فهذه وأنت قد شرعت في النافلة قبل أن تُقام الصلاة بجزء يسير، هذه يمكن أن تخشى فوات الجماعة، لكن في الرباعية والثلاثية الغالب أنك ما تخشى فوات الجماعة، وعلى كلام المؤلف نقول: أتم النافلة حتى لو لم تدرك إلا تكبيرة الإحرام قبل التسليمة الأولى.
والذي نرى في هذه المسألة: أنك إن كنت في الركعة الثانية فأَتِمَّها خفيفةً، وإن كنت في الركعة الأولى فاقطعها.
ومستندنا في ذلك قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٢)، وهذا الرجل الذي صلى ركعةً قبل أن تُقام الصلاة يكون أدرك الصلاة، صلاته الآن سالمة من المعارِض الذي هو إقامة الصلاة.
следующие страницы →