Полный текст (12 382 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
وقال القاضي في الجامع: أما من فرضه المعاينة كأن يكون في المسجد يُشاهِد الكعبة ويُعاينُها، وأما من فرضه الإحاطة واليقين وإن لم يُعاين، فهو كمن كان بمكة من أهلها، أو مِنْ غيرهم، لكن كثُر مقامه فيها، ولكنه من دون حائِل عن الكعبة لأمر أصلي الخلقة كالمنازل والتلول؛ لأنه يتمكن من التوجُّه إلى عينها قطعًا، وإن كان من غير حائل، وهكذا من كان بالمدينة ففرضُه الإحاطة واليقين؛ لأنه يتوجَّه إلى محراب النبي ﷺ فيُقطع على أنه متوجِّه إلى الكعبة.
وأما من فرضه الخبر فمن خفي عليه التوجه، وهناك من يُخبر عن الكعبة عن علم ويقين، وأما من فرضه التقليد، فمن خفِيت عليه الدلائل ولم يتوصل إلى القبلة بالدليل، وأما من فرضه الاجتهاد، فمن كان من مكة على مسافة لا يتوصل إلى المعاينة، ولا يتمكن من الإحاطة واليقين، ولا ممن يخبره عن إحاطة ويقين.
وأما من كان بمكة أو بالقرب منها من دون حائل عن الكعبة، فإن كان الحائل كالجبال والتلول ففرضه الاجتهاد أيضًا، وإن كان لا من أصل خلقة كالمنازل؛ ففرضه الإحاطة واليقين.
وكل من قلنا: فرضه الإحاطة أو اليقين أو الخبر عمل عليه، وكل من قلنا: فرضه الاجتهاد، فهل عليه الاجتهاد في طلب العين أو الجهة؟ على روايتين.
وذكر القاضي أن المشهور والصحيح عن الإمام أحمد أن عليه الاجتهاد في طلب الجهة، وأن علي بن سعيد قال: إنه مذهب الإمام أحمد، وكذا عند غيره من الأصحاب.
وذكر القاضي وغيره الفائدة التي ذكرها في المحرر على الروايتين، وأنه لو اختلف اجتهاد رجلين في الجهة الواحدة، لكن أحدهما يميل يمينًا، والآخر يميل شمالًا، فهل لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر؟ ينبني على ذلك.
قوله: أو من مسجد الرسول ..
الشيخ: أحسنت، فيه عمومات، ما هي بصريحة؛ إنه إذا صار حائل سواء أصلي ولَّا طارئ؛ فإن فرضه الاجتهاد، وأنه إذا اجتهد، وبان الخطأ فلا إعادة عليه، وهذا عام يشمل من كان في المسجد، ومن كان خارج المسجد.
стр. 982
ولكن ما ذكرتم البارحة إذا كان هناك زحام، ولا يتمكن فيجتهد ويتحرى، هذا هو الظاهر إنه يجتهد ويتحرى، وإذا أخطأ فلا إعادة عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
طالب: إذا شاهدنا واحدًا في الصحن يُصلِّي إلى غير جهة الكعبة إلى غير العين، هل نقول: صلاتك باطلة وتعيد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نوجب عليه إعادة.
الشيخ: إي، نوجب عليه إعادة؛ لأنه شاهدها.
طالب: بالنسبة ( ... ) يا شيخ للآن ما ذكرنا الدليل على وجوب النظر إلى الكعبة.
الشيخ: ما فيه وجوب، النظر إلى الكعبة لا يجب بل ولا ( ... ).
***
طالب: .. المسجد الحرام.
الشيخ: حين صلَّى؟
الطالب: داخل المسجد الحرام.
أولًا: المذهب الحنفي:
تناقل فقهاء الشافعية ﵏ قولًا لأبي حنيفة بجواز التوجُّه إلى جهة الكعبة دون عينها لمن صلَّى داخل المسجد الحرام، قال الرافعي في فتح العزيز، المجلد الثالث صفحة ثنتين وعشرين بعد المئتين ما نصه:
الثانية: أن الإمام يقف خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه، ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مُستقبلين، وذكر صاحب التهذيب وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يُصحِّح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة؛ لأن الجهة كافية عنده.
ثم قال: لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فصَّلوا، وقالوا: الفرض على المصلِّي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدِر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها، وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة في حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقًا. انتهى.
ولم أقف على رأي أبي حنيفة هذا مع البحث في كثير من كتب الحنفية، بل جاء في الفتاوى الهندية تبعًا لفتاوى قاضي خان: اتفقوا -أي الحنفية- على أن القبلة في حق من كان بمكة عينُ الكعبة فيلزمه التوجه إليها.
стр. 983
وفي الدراية كما في البناية: من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية، فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليًّا كالجبل، فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينًا.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح الهداية كفتح القدير لابن الهمام، والعناية للبابرتي، والبناية للزيلعي، وفي بدائع الصنائع وأحكام القرآن للجصاص، وحاشية ابن عابدين وغيرها من كتبهم.
ثانيًا: مذهب المالكية:
قال القرطبي ﵀ في الجامع لأحكام القرآن، المجلد الثاني صفحة ستين بعد المئة: لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قِبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر.
وقال القرافي: من قرب من الكعبة ففرضه استقبال السمت قولًا واحدًا، فإذا صَفَّ صَفٌّ مع حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو بعضه باطلة.
وقال في منح الجليل: استقبال عين الكعبة وما في حكمها مما يمكن فيه استقبال عينها يقينًا كالجبال المحيطة بها والأودية والطرق القريبة منها، فلا يكفيهم استقبال جهتها، ولا الاجتهاد في استقبال عينها.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح مختصر الخليل كمواهب الجليل، والتاج والإكليل، والشرح الكبير، والشرح الصغير، وكذا في شروح رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
ثالثًا: المذهب الشافعي:
قال الرافعي في فتح العزيز: أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب: ولو امتد صَفٌّ طويل بقرب الكعبة -أي ولو بأخريات المسجد- وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته.
стр. 984
وقال المحلي في شرح المنهاج: ومن أمكنه عِلم القبلة ولا حائل بينه وبينها كأن كان في المسجد أو على جبل أبي قبيس، أو سطح، وشك فيها لظلمة أو غيرها حرُم عليه التقليد؛ أي الأخذ بقول المجتهد بأن يعمل به فيها، (والاجتهاد)؛ أي العمل به فيها لسهولة علمها في ذلك، وكذلك ورد معنى ما تقدم في روضة الطالبين.
رابعًا: المذهب الحنبلي:
قال الموفق -رحمه الله تعالى- في المغني: قال بعض أصحابنا: الناس في استقبالها على أربعة أضرُب: منهم من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينًا.
وقال المرداوي في الإنصاف والفرض في القبلة: إصابة العين لمن قرب منها بلا نِزاع.
ثم قال: المراد بقوله: لمن قرب منها: المشاهد لها، ومن كان يمكنه من أهلها، أو نشأ بها من وراء حائل محدث، كالجدران ونحوها، فلو تعذَّر إصابة العين لقريب، كمن هو خلف جبل ونحوه، فالصحيح من المذهب: أنه يجتهد إلى عينها، وعنه إلى جهتها.
وذكر جماعة من الأصحاب: إن تعذر إصابة العين للقريب فحُكمه حُكم البعيد، وقال في الواضح: إن قدر على الرؤية، إلا أنه مستتر بمنزل أو غيره، فهو كمشاهِد، وفي رواية: كبعيد.
وقال الشيخ عثمان بن قائد في دقائقه وحواشيه على المنتهى وبخطه على قوله: إلا إن تعذر. كالمصلِّي خلف أبي قبيس بخلاف من صلَّى داخل المسجد الحرام أو على سطحه أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره أو علمه، أو خبر عالم، إلى آخره.
وفي معنى ما تقدم ورد في شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرح المنتهى لابن النجار والفروع، وكشاف القناع وغيرها، والله أعلم.
الشيخ: خلاص، ما راجعت ابن حزم.
الطالب: ما تعرض لها.
стр. 985
الشيخ: ما تعرَّض لها، وهذا كلهم اتفقوا على أنه إذا كان يمكنه مشاهدة الكعبة؛ فالواجب أن يتجه إلى عين الكعبة إلا ما نُقل عن الحنفية، والغريب أن ما نُقل عن الحنفية نُقل عن كتبهم خلاف ذلك.
طالب: في كتب الشافعية.
الشيخ: غريب، إي، أحسنت على كل حال.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن أخبره ثقة بيقين، أو وجد محاريب إسلامية عَمِل بها، ويُستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما، وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا في جهة لم يتبع أحدهما الآخر، ويتبع المقلد أوثقهما عنده، ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن من شروط الصلاة استقبال القبلة، فما هو دليله؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ﴾.
الطالب: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: يُستثنى من ذلك مسائل؟
طالب: العاجز، والمتنفل الرَّاكب في سفر، الراكب ليس بشرط، لكن في سفر؛ سائر، ومنها أيضًا الماشي على قول.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: ومنها: في شدة الخوف.
الشيخ: وشدة الخوف، كم هذه؟
طالب: أربع.
الشيخ: أربعة ولا ثلاثة؟
الطالب: أربعة باعتبار ..
الشيخ: أعِدْها.
الطالب: العاجز.
الشيخ: العاجز، والخائف، والمتنفِّل في سفر وهو سائر بشروطه، أو المتنفل في سفر بشروطه، ما هو الدليل على استنثناء العاجز؟
طالب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا.
стр. 986
طالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]
طيب، الدليل على استثناء الخائف؟
طالب: قوله تعالى في صلاة الخوف.
الشيخ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾.
الطالب: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩].
الشيخ: طيب الدليل على استثناء المتنفِّل في السفر؟
طالب: فعل النبي ﷺ ؛ فإنه كان يتنفَّل حيثما توجَّهت به راحلته (٢).
الشيخ: نعم، أحسنت. إذا كان الإنسان يمكنه أن يشاهد الكعبة، فما فرضه؟
طالب: إصابة عينها.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ طيب ﴿الْمَسْجِدِ﴾ غير الكعبة؟
طالب: يمكن يُقال: إجماع العلماء.
الشيخ: نعم.
طالب: النبي ﷺ لما خرج من الكعبة قال: «هَذِهِ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (٣).
الشيخ: قال عن الكعبة هي: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»، ثم قوله أيضًا يمكن أن نستنبط من قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن المراد جهة المسجد، وهي الكعبة في المسجد، فمن ولَّى وجهه الكعبة فقد ولَّى وجهه ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال المؤلف: (فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمِل بها)؛ يعني بماذا يستدل على القبلة؟ يستدل على القبلة بمشاهدتها إذا شاهدها، وهذا واضح، ثانيًا: بخبر ثقة، لكن عن يقين (أخبره ثقة بيقين) بأن قال إنسان ثقة رجل أو امرأة: هذه هي القبلة.
стр. 987
أفادنا المؤلف ﵀: أن إخبار الثقة لا بد فيه من أن يكون المخبِر ثقة، والثقة تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلًا فليس بثقة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب الله أن نتبين، وأن نتثبت في خبر الفاسق، ولم يُوجب رده مطلقًا ولا قبوله مطلقًا.
إذن إذا قال لنا إنسان فاسق: القبلة هنا، وإن كان ذا خبرة؛ فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، كذلك إذا قال لنا إنسان عدل -نعرفه أنه عدل ظاهرًا وباطنًا، صاحب عبادة وزهد وورع- قال: هذه هي القبلة، لكنه ليس ذا خبرة؛ فإنه ليس بثقة، إذن لا بد في الثقة من العدالة والخبرة، لا بد أن يكون عدلًا، وأن يكون ذا خبرة.
وأفادنا المؤلف أن (أخبره ثقة) أنه لا يشترط التعدد؛ يعني لا يُشترط أن يُخبره ثقتان، وهذا بخلاف الشهادة؛ لأن هذا خبر ديني فاكتُفِي فيه بقول الواحد، كما نعمل بقول المؤذن في دخول الوقت بدون أن يتعدد المؤذنون.
وأفادنا أيضًا قوله: (ثِقة) أنه لو كان المخبِر امرأة يُوثق بقولها لكونها عدلة وذات خبرة فإننا نأخذ بقولها، والعلة في ذلك أن هذا خبر ديني، فيُقبل فيه قول الواحد كالرواية كما أننا نقبل رواية المرأة إذا كانت عدلًا حافظة كذلك نقبل قولها هنا؛ لأن هذا من باب الأخبار الدينية التي يبعد فيها الكذب إذا كان المخبِر بها ثقة.
وقول المؤلف: (بيقين) يعني بأن أخبره عن مشاهدة، أفادنا أنه لو أخبره الثقة عن اجتهاد؛ فإنه لا يعمل بقوله مثل: لو كان جماعة في سفر، كلهم لا يعرفون القِبلة، ولا يستطيعون الاجتهاد إلى جِهتها، لكن فيه واحد منهم يعرف ذلك عن اجتهاد، فظاهر كلام المؤلف أننا لا نأخذ بقوله، ولكن هذا فيه نظر.
стр. 988
والصواب: أنه إذا أخبره ثقة -سواء أخبره عن يقين أو عن اجتهاد- فإنه يعمل بقوله كما أننا نعمل بقول الثقة بالاجتهاد في مسائل الدين الحلال والحرام والواجب، فكيف لا نعمل به في إخباره بالقبلة؟
فالصواب أنه إذا أخبره الثقة -سواء كان إخباره صادرًا عن يقين أو صادرًا عن اجتهاد- فإنه يجب عليه العمل بقوله.
الثاني مما يُستدل به على القبلة قال: (أو وجد محاريب إسلامية) فإنه يعمل بها؛ يعني هو لا يعرف القبلة لا عن يقين، ولا عن اجتهاد، لكن وجد المحاريب الإسلامية في المساجد متجهة إلى جهة ما؛ فإنه يستدل بالمحاريب الإسلامية على جهة القبلة، وهذا أمر معلوم.
وقوله: (محاريب إسلامية) يُفهم منه أن المسلمين ما زالوا يستعملون المحاريب، وأن لهم محاريب خاصة تتميز عن محاريب النصارى وغيرهم وهو كذلك.
وقد اختلف العلماء ﵏ في اتخاذ المحراب؛ هل هو سُنَّة، أو مستحب، أو مُباح، والصحيح أنه مُستحب؛ يعني لم ترد به السنة، لكن النصوص الشرعية تدل على استحبابه لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل بماذا؟ بالقبلة.
وأما ما رُوي عن النبي ﵊ من النهي عن مذابح كمذابح النصارى (٤)؛ يعني المحاريب، فهذا النهي واضح؛ أنه وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين، فإن هذا لا نهي عنه.
стр. 989
قال: (أو وجد محاريب إسلامية عمل بها) عُلِم من كلامه أنه لو وجد محاريب غير إسلامية لم يعمل بها، لماذا؟ لأنه لا يوثق ببنائهم كما لا يُوثق بقولهم في مسائل الدين، وإلا لكان يُمكن أن يُقال: إن المعروف عند غير المسلمين من أهل الكتاب أنهم يتجهون إلى بيت أيش؟ بيت المقدس، فإذا وجدنا محاريب لهم متجهة إلى بيت المقدس، ونحن مثلًا في جهة بين بيت المقدس وبين الكعبة عرفنا أن القبلة خلاف محاريبهم، لكننا لا نثق بمحاريبهم؛ لأننا نخشى أن يكونوا قد بدَّلوا أو غيَّروا؛ فلهذا قيد المؤلف هذا بقوله: (أو وجد محاريب إسلامية). قال الشارح: (لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها؛ حيث علمها للمسلمين).
الثالث: مما يُستدل به على القبلة، قال: (ويُستدل عليها بالقطب)، هذا دليل آفاقي؛ أي: دليل في الأفق.
القطب، فما هو القطب؟
القطب: هو الشيء الذي تدور عليه الأشياء، وهو أصل الشيء، والقطب هذا نَجْم خفي من جهة الشمال الشرقي بالنسبة لنا هنا في القصيم خفي جدًّا، قال العلماء: لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، إذا كانت السماء صافية، لكن له جار بيِّن واضح يُستدل به عليه وهو (الْجَدْي)، فإن (الْجَدْي) قريب منه؛ ولهذا يظن بعض الناس أن (الجَدْي) ثابت لا يتغيّر، وليس كذلك، بل (الجَدْي) يتحرَّك يسيرًا، لكن لِقُربه من القطب لا تتبيَّن حركته، أما القطب نفسه فإنه لا يتحرك ولا يتغيَّر، كقطب الرَّحا، وأنتم تعلمون الآن الرحا إذا دارت ما كان حول قطبها؛ فإن دورانه يسير خفيًّا جدًّا، وكلما قرب كان أخفى، والبعيد تكون دورته واسعة بيِّنة، هكذا النجوم على القطب، ما كان قريبًا منه فدورته يسيرة جدًّا؛ حتى إن بعض الناس يظن أنه لا يدور، وما كان بعيدًا فإنه يدور دورانًا كبيرًا.
стр. 990
وأضرب لكم مثلًا ببنات نعش الكبرى والصغرى، هي سبع نجوم كبيرة، وسبع نجوم صغيرة؛ بنات نعش الصغرى في أحد طرفيها (الجَدْي)، وفي الآخر (الفَرْقَدان) الذي قال فيهما الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفَرْقَدَا السَّمَاءِ لَنْ يَفْتَرِقَا
هذه سبعة نجوم، طرفها (الجدي)، وطرفها الثاني (الفرقدان)، هذه لا تغيب أبدًا، لا تغيب عنَّا، نشاهدها وهي تدور، أحيانًا تكون (الفرقدان) في الجنوب، و (الجَدْي) في الشمال، وأحيانًا يكون (الجَدْي) في الجنوب، و (الفرقدان) في الشمال لا تغيب، أما بنات نعْش الكبرى فإنها تغيب؛ لكن لا تكاد تمضي ساعة أو ساعة ونصف إلا وقد طلع أولها من الشرق بعد أن يغيب آخرها من الغرب؛ لأن المسافة ما هي بعيدة.
على كل حال يُستدل على القبلة بالقطب، سواء كنت في البر أو في البلد، ولكن يحتاج إلى معرفة القطب ما هو، أنا أخشى أن بعض الناس يظن أن القطب سهيل، وسهيل هو في؟
طالب: الجنوب.
الشيخ: في الجنوب، لكن القطب في الشمال؛ وهو نجم خفي -كما قال صاحب الإقناع وغيره- لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر في الليالي الصافية.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على الاستدلال على القبلة بالقطب؟
قيل: الدليل قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، فإن الله أطلق الاهتداء بالنجم؛ فالنجم يُهتدى به على الجهات لكل غرض.
الشمس والقمر أيضًا يُستدل بهما على القِبلة؛ لأن الشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب في المغرب، فإذا كنت عن الكعبة غربًا فالقبلة شرقًا، وإذا كنت عن الكعبة شرقًا، فالقبلة غربًا، وإذا كنت عن الكعبة شمالًا فالقبلة جنوبًا، وإذا كنت عن الكعبة جنوبًا فالقبلة شمالًا، «وَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» (٥)، كما قال النبي ﵊، وذلك لأهل المدينة ومن ضاهاهم.
стр. 991
(بالشمس والقمر ومنازلهما) منازل الشمس والقمر هي منازل النجوم الصيفية والشتوية، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزلها القمر، كل ليلة له منزلة منها، وليلتان أو ليلة واحدة يكون محاقًا أو مستترًا لا يُرى؛ ولهذا تُسمى ليلة التاسع والعشرين والثلاثين، أو الثماني والعشرين والتاسع والعشرين تسمى ليالي الاستسرار؛ يعني أن القمر يَستتر فيها ولا يُرى.
الثماني والعشرون منزلة، هذه تنزلها الشمس على مدى سنة كاملة، أما القمر فيطوف بها في خلال شهر، يطوف بها في السنة اثنتي عشرة مرة، أما الشمس فتطوف بها في السنة مرة واحدة.
كيف نستدل بمنازلهما؟
ننظر مثلًا إلى النجوم الشمالية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين، والنجوم الجنوبية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين؛ فالجنوبية من جهة الجنوب، والشمالية من جهة الشمال، لكن هذه لا يعرفها إلا من تمرَّس وصار في البر، وليس حوله أنوار من الكهرباء بحيث يعرف هذه النجوم، والذين يعرفونها يستطيعون أن يحكموا على الليل والنهار بالساعات، بل بأقل من الساعات، يقولون مثلًا: الآن راح من الليل نصفه، راح ربعه، راح ثمنه، راح عُشْره؛ يستدلون على ذلك بهذه المنازل.
قال: (بالشمس والقمر ومنازلهما)، فصار الذي يُستدل به على القِبلة: المشاهَدة، وخبر الثقة بيقين، والثالث: القطب، والمحاريب الإسلامية، والشمس والقمر ومنازلهما.
بعض العلماء قال: يُستدل أيضًا بالجبال الكبار، وبعضهم قال: يُستدل أيضًا بالأنهار الكبار ومصابها،
وبعضهم قال: يُستدل بالرياح.
لكن هذه الثلاثة دلالتها خفية، ولهذا أغفلها المؤلف ﵀ ولم يذكرها؛ فإن من الناس من يكون عنده قوة إحساس؛ بحيث يقول لك: الهواء جنوب، لو كان أعمى، الهواء شمال، الهواء شرق، الهواء غرب، ويستدل بالرياح على الجهات.
стр. 992
في زمننا هذا جاء الله بالآلات الدقيقة التي يُستدل بها على جهة القبلة، بل إنني سمعت أنه يُوجد آلات يُستدل بها على عين القبلة؛ لأنهم يقولون: إن الكعبة هي مركز الكرة الأرضية، وأنهم الآن توصَّلوا إلى آلات دقيقة يكون اتجاهها دائمًا إلى مركز الأرض وهو وسطها، وهذا هو الكعبة، لكنني ما عثرت عليها حق اليقين، إنما هذا مشتهر.
قال: (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة).
قوله: (إن اجتهد مجتهدان)، أفادنا المؤلف بأن القبلة يكون فيها مجتهد، فمن المجتهد في جهة القبلة؟
المجتهد في جهة القبلة هو الذي يعرف أدلتها، كما أن المجتهد في أبواب العلم هو الذي يعرف أدلة العلم، الناس بالنسبة للقِبْلة؛ إما مجتهد، يعرف كيف يستدل بأدلتها، وإما مُقلِّد لا يعرف ولا يدري،
المقلّد ما فرضه؟
طالب: التقليد.
الشيخ: التقليد، لكن سبق أنه لا بد أن يكون المقلد يُخبر عن يقين على المذهب، والصحيح: أنه يُقلَّد؛ سواء كان يخبر عن يقين أو عن اجتهاد، المجتهد هو الذي يمكنه معرفة القبلة بأدلتها.
(اجتهد مجتهدان) مثال ذلك: رجلان في البر حان وقت الصلاة فاجتهدا، فقال أحدهما: القِبلة هنا من اليمين، وقال الثاني: القبلة هنا من اليسار، أيهما أصوب؟ كِلاهما مجتهد إذا اختلفا (جهة لم يتبع أحدهما الآخر).
إن اختلفا (جهة)؛ لأن اختلاف المجتهدين إما أن يكون في جهة واحدة، وإما أن يكون في جهتين؛ مثاله في الجهتين أن يقول أحدهما: القبلة هنا؛ ويشير إلى الشمال، والثاني قال: القِبلة هنا؛ ويشير إلى الجنوب، هذان اختلفا جهة، ولا يمكن أن يتبع أحدهما الآخر.
стр. 993
إذا اختلفا في غير الجهة؛ بمعنى أن الجهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر، لماذا؟ لأن الانحراف في الجهة لا يضر، ولا يُخلّ بالصلاة، فصار المجتهِدان إذا اختلفا في الجهة؛ بمعنى أن كل واحد منهما قال: إن القِبلة في جهة غير جهة الآخر، فإن أحدهما لا يتبع الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وإلا فقد اتفقا على أن القِبلة شرط ولا بد.
أما إذا اختلفا في غير الجهة بأن اختلفا في الانحراف في جهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر مثل أن يتجها إلى الجنوب، لكن أحدهما يميل إلى الغرب، والثاني يميل إلى الشرق؛ فالجهة هنا واحدة.
نقول: لا بأس للذي يميل إلى الغرب أن يتبع الذي يميل إلى الشرق، ويميل معه إلى الشرق، أو نقول للذي يميل إلى الشرق: مِلْ إلى الغرب، واتبع الذي يميل إلى الغرب؛ لأنك إذا فعلت ذلك لم تبطل صلاتك بخلاف ما إذا اختلفا جهة، أحدهما يقول: هنا يعني المشرق، والثاني يقول: هنا يعني المغرب، فهنا لا يتبع أحدهما الآخر.
يقول: (لم يتبع أحدهما الآخر)، ما المراد بالاتباع هنا؟ يعني في القِبلة، لا يجوز أن يتبع أحدهما الآخر؛ حتى لو كان أعلمَ منه وأعرفَ، ما دام قد نازَعه وخالفه، فإن كان الإنسان حين اجتهد واجتهد الآخر الذي هو أعلم منه صار عنده تردُّد في اجتهاده، وغلبة ظن في اجتهاد صاحبه. فعلى المذهب لا يتبعه؛ لماذا؟ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون خبر ثقة عن يقين.
ولكن الصحيح: أنه يتبعه؛ لأنه لما تردد في اجتهاده بطل اجتهاده، ولما غلب على ظنه صحة اجتهاد صاحبه وجب عليه أن يتبع ما هو أحْرى، وقد قال النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» (٦)، وهذا دليل على أن من كان عنده غلبة ظن في أمر من أمور العبادة فإنه يتبع غلبة الظن.
стр. 994
وهذا أيضًا له أصل في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا استطاعته.
ثانيًا: (لم يتبع أحدهما الآخر) أي: في متابعة الائتمام، فلا يأتمّ به؛ لماذا؟ لأن كل واحد منهما يعتقد أن هذا أخطأ القِبلة، وللتضادّ، كيف التضاد؟ إذا كان الإمام يرى أن القبلة جنوب، والمأموم يرى أن القبلة شمال، أين يتجه الإمام؟
طلبة: إلى الجنوب.
الشيخ: إلى الجنوب، والمأموم؟
طلبة: إلى الشمال.
الشيخ: إلى الشمال، صار المأموم قد استدبر الإمام؛ هذا تضاد، إذا ركع الإمام إلى الجنوب ركع ذاك إلى الشمال، هذه مخالفة تضاد، والمقصود من الجماعة هي الائتلاف.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز أن يتبعه، وإذا كانت الصلاة صلاة جماعة واجبة وجب أن يتبعه، ويأتم به؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر بالنسبة لاجتهاده، وصوابه بالنسبة لاجتهاد نفسه، واضح؟
أنا أعتقد أن الإمام مخطئ لما اتجه إلى الجنوب باعتقادي أنا، لكن باجتهاده هو أعتقد أنه مُصيب، وأنه لو تابعني لبطلت صلاته.
قالوا: ونظير ذلك لو أن رجلين أكلَا من لحم إبل؛ أحدهما: يعتقد أن لحم الإبل ناقِض، والثاني: يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض، فائتم أحدهما بالآخر، فهنا أحدهما يعتقد بُطلان صلاة الآخر، ومع ذلك يجوز أن يأتم أحدهما بالآخر، يجوز، قالوا: فهذا مثل هذا، واعتقاد الخطأ في الحكم كاعتقاد الخطأ في الحال، الذي خالفني في القِبلة قد اتفقت معه على الحكم؛ وأن استقبال القبلة شرط، لكن اختلفنا في أيش؟ في الحال، أنا أعتقد أن هذه هي القبلة، وهو يعتقد أن القبلة مخالفة لذلك، فلا فرق بين أن أعتقد أن هذا اللحم ناقِض الوضوء، وهو يعتقد أنه ليس بناقض.
وهذا القول أقرب، وهو جواز اتباع أحدهما الآخر مع اختلافهما في جهة الكعبة أو القبلة.
стр. 995
بقي عندنا إذا كان هناك ثالث ليس بمجتهد؛ يعني لدينا رجلان اجتهدا في القبلة، فقال أحدهما: القِبلة هنا، وأشار إلى ناحية، وقال الثاني: القبلة هنا، وأشار إلى ناحية مخالفة، وعندهما رجل ثالث، فمن يتبع؟
قال المؤلف: (ويتبع المقلّد أوثقَهُما عنده) إذا قال: والله اختلف فلان وفلان، من أتبع؟ قلنا: مَن الأوثق عندك؟ قال: فلان. نقول: اتبعه، فإن اتبع غير الأوثق مع وجود الأوثق فصلاته باطلة؛ لأنه يعتقد بطلانها ويكون كالمتلاعِب في صلاته ( ... ).
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فمن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وَجَد من يُقَلِّده، ويجتهد العارف بأدلة القِبلة لكل صلاة، ويُصلِّي بالثاني، ولا يقضي ما صَلَّى بالأول.
ومنها: النية، فيجب أن ينوي عين صلاة معينة، ولا يُشترط في الفرض والأداء والقضاء والنَّفل والإعادة نيتهن، وينوي مع التحريمة وله .. ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بماذا يستدل على القِبلة؟
طالب: إن أخبره الثقة، والثاني: ( ... ) المحاريب الإسلامية.
الشيخ: والمحاريب الإسلامية.
الطالب: وبالقطب.
الشيخ: القطب، ويش بعد؟
الطالب: وبالرياح.
الشيخ: لا؛ لأن الرياح والجبال ضعيفة، لكن غيره؟
طالب: الوسائل الجديدة.
الشيخ: لا، خلِّ هذه.
طالب: الشمس والقمر ومنازلهما.
الشيخ: الشمس والقمر ومنازلهما، فيه شيء؟
طالب: المشاهَدة.
الشيخ: لا، المشاهدة فرضها استقبال العين.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: اختلف رَجلان في جهة القبلة؛ أحدهما يقول: يمينًا، والثاني يقول: شمالًا؟
طالب: لا يتبع أحدهما الثاني.
الشيخ: ولو كان أعلم منه؟
الطالب: ولو كان أعلم منه؛ لأنه يرى خطأ الآخر.
الشيخ: هل يقتدي أحدهما بالآخر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يكون إمامًا له؟
الطالب: لا يقتدي واحد بالآخر؛ لأن كل واحد يظن بالآخر بالخطأ، فكيف يقتدي؟
стр. 996
الشيخ: لكن لو قال: صلِّ أنت وأنا أصلي، أنت إمامي وأنا مأموم، يصلح؟
الطالب: يعني واحد بمقلد؟
الشيخ: لا.
الطالب: كلاهما مجتهدان.
الشيخ: كلاهما مجتهدان؛ أحدهما قال: القبلة هنا، والثاني قال: القبلة هناك؟
الطالب: لا يقتدِي بالآخر.
الشيخ: لا يكون إمامًا له؟
الطالب: لا.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: صحيح، نعم.
طالب: أنه إذا كان رجل قبلته الشمال، ورجل قبلته الجنوب ليس لأحدهما ( ... ) خلف الآخر ( ... ).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن إنما جعلت الإمامة للمتابعة في حركات الصلاة، فإذا اختلفا واحد واثنان، وتعارضت القبلتان اختلت الحكمة من الائتمام في الصلاة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما فهمت؛ يعني يجوز أن يكون إمامًا له؛ أحدهما يتجه إلى الجنوب، والثاني للشمال؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٧)، وهذا الحديث عام ( ... ).
الشيخ: يعني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: طيب.
طالب: وأيضًا للتضاد.
الشيخ: إي، للتضاد في الواقع، كيف تتحقق المتابعة واحد يروح شمال، وواحد يروح جنوب؟ !
لو أن أحد رَجُلين مسَّ أحدُهما ذَكَره والآخر أكَل لحم إبل، وكان الذي مسَّ ذَكَره يرى أن لحم الإبل ناقض دون مس الذكر، وكان الذي أكل اللحم يرى أن مَسَّ الذَّكَر ناقض دون أكل اللحم، هل يقتدي أحدهما بالآخر يكون إمامًا له؟
طالب: نعم، يا شيخ؛ لأنه باعتقاده هو أنه مخطئ.
الشيخ: أليس كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة؟
الطالب: في اعتقاده هو أنه صلاته باطلة، لكن الأوْلى أنه يتبعه.
الشيخ: لكن باعتقاد صاحبه صلاته؟
الطالب: صلاته صحيحة.
стр. 997
الشيخ: صحيحة، ولهذا ذهب الموفق إلى أنه في مسألة القبلة يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر قال: لأن كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة باعتقاده هو لا باعتقاد صاحبه، وما قاله الموفَّق جيد، لكنه يُشكل عليه مسألة التضاد، «وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (٧)، وهذا في الحقيقة مضاد له على الخط؛ الشكل والهيئة؛ الهيئة ربما يوافقه، لكن الشكل إذا قال هذا: الله أكبر، وانحنى نحو الشمال قال الثاني: الله أكبر، وانحنى نحو الجنوب، كأنما يبعد عنه، فالمذهب كأنه -والله أعلم- أقرب إلى الصواب في هذا.
إذا كان هناك مقلِّد من يتبع؟ اختلف اجتهاد الرجلين عنده، فمن يتبع؟
طالب: من يثق به؛ بأحدهما.
الشيخ: أيهما؟
الطالب: أقول: اللي يثق به ( ... ).
الشيخ: كلهم يثق بهم، نعم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الأوثق، فإن كانا سواء عنده؟
الطالب: يرجّح.
الشيخ: ما عنده ترجيح.
طالب: يخير بينهما.
الشيخ: يخير بينهما، صح، كالعامي إذا أفتاه رجلان، ورأى أنهما في العِلم سواء، وفي الأمانة سواء فإنه يُخيَّر.
***
قال المؤلف ﵀: (ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده).
(من صلَّى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه، (ولا تقليد) إن كان لا يحسنه فإنه يقضي؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه، فكان بذلك مُفرِّطًا؛ فوجب عليه القضاء؛ مثال ذلك: رجل يُحسن الاجتهاد، ويعرف دلائل القبلة بالقطب، أو الشمس، أو القمر، ولكنه متهاون، قام وصلَّى بغير اجتهاد؛ فإنه يجب عليه القضاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي ولو أصاب؛ وذلك لأنه لم يقُم بالواجب عليه من الاجتهاد، وإصابته وقعت على سبيل الصدفة لا على سبيل الركون إلى هذه الجهة؛ لأنه لم يجتهد، أعرفتم؟
ولهذا قال المؤلف: (قضى) كذلك لو كان الرجل ليس من أهل الاجتهاد، ففرضه التقليد، ولكنه لم يقلد، ما سأل أحدًا، لم يسأل أحدًا من الناس، وصلَّى هكذا، فإنه يقضي ولو أصاب، لماذا؟
стр. 998
لأنه ترك ما يجب عليه؛ إذ الواجب عليه أن يعرف أن هذه هي القبلة، إما باجتهاد إن كان يحسنه أو بتقليد إذا كان لا يحسنه، أما أن يقوم ويصلِّي هكذا؛ فهذا لا يجزئه، وهذه الأخيرة تقع كثيرًا، يأتي رجل إلى شخص ضيفًا عنده، ثم يقوم يصلي، ولا يسأل صاحب البيت أين القبلة؟ فيصلي هكذا، ليس أمامه شيء يجتهد فيه، بل وليس هو من أهل الاجتهاد الذين يعرفون القبلة بالشمس والقمر، فقام وصلَّى هكذا، فنقول له: يجب عليك أن تعيد الصلاة ولو أصبت؛ لأنك لم تأتِ بالواجب؛ فأنت لم تجتهد؛ يعني ما خرجت من الحجرة لتنظر أين الشمس، أين القمر، أين القطب؟ ولم تسأل صاحب البيت، فلم تأتِ بما يجب عليك من الاجتهاد ولا من التقليد؛ فيجب عليه أن يقضي ولو أصاب.
إذن ما الواجب على هذا الضيف إذا أراد أن يصلي؟ أن يسأل صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت عنده علم بالقبلة.
وقال بعض العلماء: إنه إذا أصاب أجزأ؛ لأنه مهما كان سواء كان عنده اجتهاد أو تقليد؛ فإنه لن يُصلِّي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فإذا أصاب، فلماذا نُلزمه بالقضاء؟
وهذا القول أصح؛ لأنه حتى وإن كان لم يجتهد، ولم يَسأل لا يمكن أن يُصلي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فيقول: والله أنا ظننت أن هذه القبلة، نقول: إن أخطأ وجَبَت عليه الإعادة؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه من السؤال ولا من الاجتهاد، وإن أصاب فقد أصاب، وليس عليه إعادة، وهذا القول هو الأرجح، وهو المتعيّن، أما إذا أخطأ فالأمر ظاهر؟
هل الْحَضَر محل للاجتهاد أو لا؟
الجواب: أما المذهب فليس محلًّا للاجتهاد، وأظنه مر علينا في كلام المؤلف قال: (يُستدل عليها في السفر بالقطب)، فعند الأصحاب ﵏ أن الحضر ليس محلًّا للاجتهاد، ولا ريب أن هذا القول ضعيف.
стр. 999
والصواب: أن الحضر والسفر كلاهما مَحَلّ للاجتهاد، فإن الإنسان في الحضر قد يصعد إلى السطح في الليل، وينظر إلى القطب، ويستدل به، وفي النهار ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، والعلامات التي في السفر هي علامات في الحضر.
وأما قولهم: إنه لا اجتهاد في الحضر؛ لأنه يستدل على ذلك بخبر أهل البلد وبالمحاريب الإسلامية، فنقول: إذا كان من أهل الاجتهاد فلا مانع.
فالصواب أنه إذا اجتهد في الحضر؛ فإنه تصح صلاته، إن أصاب فالأمر ظاهر، وإن لم يُصِب فإنه اجتهد وأخطأ وله أجر.
الخلاصة: المذهب في هذه المسألة يُشدِّدون جدًّا يقول: (من صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى ولو أصاب)، والصحيح أنه إن أصاب لا يقضي؛ لأنه لا بد أن تركن نفسه إلى الجهة التي اتجه إليها، فإن أخطأ وجبت عليه الإعادة، أما إذا اجتهد وأخطأ فإنه لا إعادة عليه؛ يعني إذا اجتهد لا إعادة عليه مطلقًا؛ سواء أصاب أم لم يُصِب؛ لأن هذا الرجل فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله ما استطاع، ومن اتقى الله ما استطاع فليس عليه أن يُصلِّي مرتين؛ لأن الله لم يُوجِب على عباده أن يُصلوا مرتين، هذا صلَّى حسب ما أُمِر فصحَّت صلاته.
إذا كان من غير أهل الاجتهاد في الحضر، واستند إلى قول صاحب البيت، وتبيَّن أن قول صاحب البيت خطأ، فهل يعيد؟
طلبة: لا يعيد.
الشيخ: المذهب أنه يُعيد؛ لأنه سبق أنه لا بد أن يستند إلى قول: (ثِقة بيقين).
والصحيح: أنه لا يُعيد؛ لأن هذا الإنسان اعتمد على خبر ثقة، ففعل ما يجب عليه، وكما قلنا قبل قليل: من فعل ما يجب عليه فإنه لا إعادة عليه، ولا يمكن أن نلزمه بأن يفعل الصلاة مرتين.
وخلاصة البحث في هذا أن نقول:
أولًا: من صلَّى باجتهاد فصلاته صحيحة؛ سواء أخطأ أو أصاب، وسواء في الحضر أو في السفر، هذا القول الراجح، وإذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فإن أخطأ.
طلبة: أعاد.
الشيخ: أعاد، وإن أصاب لم يُعد.
стр. 1000
أما كونه يُعيد إذا أخطأ فالأمر ظاهر؛ لأنه لم يفعل ما أُمِر به من السؤال إن كان مُقلِّدًا والاجتهاد إن كان مجتهدًا.
وأما كونه لا يُعيد إذا أصاب؛ فلأنه لا يُمكن أن يتجه إلى جهة إلا وهو يميل إلى أنها القبلة، وهذا الميل يوجب غلبة ظن بهذا الاتجاه، والعبادات يُكتفى فيها بغلبة الظن؛ لقول الرسول ﷺ «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» (٨).
ثم قال المؤلف ﵀ قال: (إن وجد من يُقلِّده)، فإن لم يجد من يقلده وتحرى؛ فإنه لا يلزمه الإعادة.
يقول: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة).
(العارف بأدلة القبلة) وهو الذي نسميه المجتهد؛ لأنه أهْل للاجتهاد؛ لمعرفته بأدلة القِبلة، يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة، فإذا اجتهد مثلًا لصلاة الظهر؛ وتبين له أن القبلة هكذا أمَامَه؛ ووضع العلامة على القبلة؛ فصلَّى؛ فصلاته صحيحة، إذا جاء العصر، هل يَعتمد على الاجتهاد الأول أو لا؟
يقول المؤلف: يجتهد لكل صلاة، يجب أن يعيد الاجتهاد مرة ثانية، وينظر في الأدلة مرة ثانية، فلكل صلاة اجتهاد؛ ولكن هذا القول أيضًا ضعيف.
والصواب: أنه لا يلزمه أن يجتهد لكل صلاة، ما لم يكن هناك سبب، مثل أن يطرأ عليه شك في الاجتهاد الأول، فحينئذٍ يُعيد النظر، ونظير ذلك المجتهد في المسائل العلمية، إذا حقَّق مسألة من المسائل، واجتهد فيها، ورأى أن الحُكم فيها كذا وكذا؛ ثم حدثت مرة أخرى، فهل يلزمه أن يعيد البحث والمناقشة أو يكتفي بالأول؟ يكتفي بالأول، ما لم يتبيَّن له خطؤه، فيجب إعادة النظر.
وهكذا المجتهد بأدلة القِبلة؛ فالصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف من وجوب تجديد الاجتهاد لكل صلاة.
стр. 1001
نقول: اجتهادك الأول يكفي عما بعده إلا إذا وُجد سبب يقتضي إعادة النظر كالشك، فحينئذٍ يُعيد النظر، وسواء كان الشك بإثارة الغير أو بإثارةٍ من نفسه؛ يعني سواء كان الشك من عند نفسه تردد، أو جاءه إنسان قال: يا أخي، ما هذه القبلة، القبلة عن اليمين، عن الشمال، الخلف؛ فإنه يجب عليه إعادة النظر والاجتهاد.
قال: (ويصلي بالثاني، ولا يقضي ما صلى بالأول).
(يصلي) من؟ المجتهد (بالثاني)، أي: بالاجتهاد الثاني، (ولا يقضي ما صلَّى بالأول) إذا تبين له خطؤه؛ لأن الأول مَبنيّ على اجتهاد قد أتى الإنسان فيه بما يجب عليه، ومن أتى بما يجب لم يُلزَم بإعادة العبادة؛ لأننا لو قلنا بلزوم الإعادة لأوجبنا عليه العبادة مرتين، وحينئذٍ نقول: اجتهادك الثاني لا ينقض الاجتهاد الأول.
فإذا صلَّى الظُّهر إلى الشمال معتقِدًا بحسب اجتهاده أن هذه هي القبلة، وفي العصر تبيَّن له أن القبلة نحو الجنوب؟ يُعيد الظهر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يعيدها؛ لأنه صلَّاها باجتهاد حسب ما أمر، والاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
ومثله: المسائل العلمية، لو كان الإنسان يرى رأيًا بناءً على أن هذا مُقتضى دلالة النصوص، ثم بعد هذا بعد البحث والمناقشة والاطلاع تبين له خلاف قوله الأول، فإنه لا يلزمه نقض الحكم إن كان حاكمًا به، ولا نقض الفتوى، ولا يلزمه أن يذهب إلى الذي أفتاه في الأول، ويقول: إني أفتيتك بكذا، وتبين لي أني أخطأت؛ لأن الأول صادِر عن اجتهاد، فلا يُنقض بالاجتهاد الثاني.
وإنما قلنا: لا يُنقض؛ لأنه كما كان الخطأ في ظنه في الأول يمكن أن يكون الخطأ أيضًا في الثاني، ما يُدرى، ربما أن الأول هو الصواب، وأنت ظننت أن الثاني هو الصواب؛ فلهذا قالوا: لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد.
стр. 1002
ورُوي عن عمر ﵁ في مسألة (الحمارية) أنه قضى فيها بحرمان الإخوة الأشقاء، ثم حدثت مرة أخرى، وقضى فيها بالتشريك، فقيل له في ذلك، فقال: ذَاكَ على ما قَضَيْنا، وَهَذا عَلَى ما نَقْضِي (٩)، ولم ينقض الحكم الأول.
ثم قال: (ومنها) -يعني من شروط الصلاة- (النية)، وهذا هو الشرط التاسع وهو الأخير؛ من شروط الصلاة النيَّة، أظنه التاسع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: فيها الإسلام، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت، وسَتْر العَوْرة، والطهارة من الحَدَث، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة، هذه ثمانية.
طلبة: والنية.
الشيخ: والنِّية هي التاسعة.
طالب: المتن ( ... ).
الشيخ: المتن ما جاء به.
طالب: هذه الخامسة.
الشيخ: لا، هذه السادسة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش فصل؟ أول باب شروط الصلاة، أظن ويش يقول؟
طالب: (شروطها قبلها منها الوقت).
الشيخ: (شروطها قبلها منها الوقت) (منها)، (مِنْ) هذه للتبعيض؛ لأنه ما ذكر كل شيء؛ هو ذكر الوقت، وستر العورة، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة والنية؛ خمسة، أسقط الطهارة من الحدث، والإسلام، والعقل، والتمييز.
طلبة: ذكر ( ... ) ..
ومنها النِّيَّةُ فيَجِبُ أن يَنْوِيَ عَيْنَ صلاةٍ مُعَيَّنَةٍ، ولا يُشتَرَطُ في الفَرْضِ والأداءِ والقضاءِ والنفْلِ والإعادةِ نِيَّتُهُنَّ، ويَنْوِي مع التحريمةِ، وله تَقديمُها عليها بزَمَنٍ يَسيرٍ في الوَقتِ، فإن قَطَعَها في أثناءِ الصلاةِ أو تَرَدَّدَ بَطَلَتْ، وإذا شَكَّ فيها اسْتَأْنَفَها، وإن قَلَبَ مُنْفَرِدٌ فَرْضَه نَفْلًا في وقتِه الْمُتَّسِعِ جازَ، وإن انْتَقَلَ بنِيَّةٍ من فَرْضٍ إلى فَرْضٍ بَطَلَا، ويَجِبُ نِيَّةُ الإمامةِ والائتمامِ
стр. 1003
(النية) بمعنى القصد، وأما في الشرع فهي نية العبادة، وتنقسم إلى قسمين: نية المعمول له، ونيَّة العمل؛ أما نية العمل فهي التي يتكلم عليها الفقهاء؛ لأنهم إنما يقصدون بالنيةِ النيةَ التي تتميز بها العبادة عن العادة، وتتميز بها العبادات بعضها عن بعض.
وأما نية المعمول له فالتي يتكلم عليها أرباب السلوك؛ يعني تذكر في قسم التوحيد، وهي أهم من الأول؛ نية المعمول له أهم من نية العمل؛ لأنها عليها مدار الصحة، قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي؛ تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» (١).
أما نية العمل فيقصد بها تمييز العبادات من غير العبادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، فينوي أن هذه عبادة، ثم ينوي أنها صلاة، وينوي أنها فريضة، نافلة، وهكذا.
نية المعمول له، قال فيها النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).
ولا بد من ملاحظة الأمرين جميعًا؛ أولًا: نية المعمول له؛ بحيث تكون نيته لمن؟
طالب: لله.
الشيخ: لله ؛ فإن خالط هذه النية نية غير الله بطلت، لو قارن النية -نية كون العبادة لله- نية كونها لغيره بطلت؛ فلو قام رجل يصلي؛ لأنه رأى الناس يلتفتون إليه، فقام يصلي ليراه الناس فالصلاة باطلة؛ لأنه لم يخلص النية للمعمول له، وهو الله .
نية تمييز العبادات عن غيرها، والعبادات بعضها عن بعض، ذكره المؤلف ﵀؛ لأن هذا هو وظيفة الفقهاء.
стр. 1004
واعلم أن النية محلها القلب، ولهذا قال الرسول ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، فليست من أعمال الجوارح، ولهذا نقول: إن التلفّظ بها بدعة، فلا يسن للإنسان إذا أراد عبادة أن يقول: اللهم إني نويت كذا، أو أردت كذا، لا جهرًا ولا سرًّا؛ لأن هذا لم ينقل عن رسول الله ﷺ ؛ ولأن الله تعالى يعلم ما في القلوب، فلا حاجة أن تنطق بلسانك، فهذا ليس بذكر حتى ينطق باللسان، وإنما هي نية محلها القلب، ولا فرق في هذا بين الحج وغيره؛ حتى الحج لا يُسنّ للإنسان أن يقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، لكن يلبي بما نوى، والتلبية غير الإخبار بالنية؛ لأن التلبية فيها إجابة لله؛ فهي بنفسها ذكر، ليست إخبارًا عما في القلب؛ ولهذا يقول القائل: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا.
نعم، لو احتاج إلى الاشتراط فله أن يتلفظ بلسانه، بل لا بد أن يتلفظ فيقول مثلًا: لبيك عمرة، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، لبيك حجًّا وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهكذا.
النية محلها القلب، فلا يشرع النطق بها لا سرًّا ولا جهرًا.
ومن الطرائف: أن بعض العامة سمع شخصًا يقول -يريد أن يصلي خلف الإمام-: اللهم إني أريد أن أصلي صلاة الظهر خلف الإمام فلان بن فلان، لما هم أن يكبر قال: اصبر، باقي عليك شوي؟ ما الذي بقي؟ قال: بقي عليك التاريخ، قل: صلاة الظهر في يوم كذا من الشهر الفلاني، من السنة الفلانية! ! يعني إذا كنت تريد أن تكتب وثيقة بينك وبين الله لازم تحرر الوثيقة، أما الصلاة وبس! فخجل الرجل؛ لأن هذا رد عليه، بقوله: باقي عليك التاريخ، وإحنا يمكن نضيف لك عليه أيضًا المكان.
طالب: عدد الركعات.
الشيخ: إي نعم، يعني على كل حال، الحمد لله لنا نية محلها القلب.
стр. 1005
يقول المؤلف ﵀: النية قلنا في تعريفها قلنا: إن النية إما نية العمل أو نية المعمول له فهي إذن: العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله، هذا ينتظم المعنيان جميعًا، العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله .
(فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) يجب على من أراد الصلاة أن ينوي عينها إذا كانت معينة؛ مثل: أراد أن يصلي الظهر يجب أن ينوي صلاة الظهر، أراد أن يصلي الفجر يجب أن ينوي صلاة الفجر، أراد يصلي الوتر يجب أن ينوي صلاة الوتر، فإن كانت غير معينة كنفل مطلق، اكتفى أن ينوي الصلاة، قام فينوي أنه يريد أن يصلي فقط بدون تعيين.
وأفادنا المؤلف: أنه لا بد أن ينوي عين المعينة؛ كالظهر، فلو نوى فرض هذا الوقت أو الصلاة مطلقًا، لكنه جاء إلى المسجد والناس يصلون، فدخل وغاب عن ذهنه أنها الظهر أو العصر، أو أنها فرض أو نفل، فعلى كلام المؤلف: صلاته غير صحيحة؛ لأنه ما نوى الصلاة المعينة، نوى صلاة وبس، لا بد أن ينوي الصلاة المعينة ( ... )، فإن أطلق لم تصح، لكن لم تصح على أنها هذه المعينة، وتصح على أنها صلاة، على أنها صلاة يؤجر عليها.
وقيل: لا يشترط تعيين المعيّنة، فيكفي أن ينوي الصلاة؛ وتتعين الصلاة بتعيّن الوقت، فإذا توضأ لصلاة الظهر، ثم صلى، وغاب عن ذهنه أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء فالصلاة صحيحة؛ لأنه لو سئل: ماذا تريد بهذه الصلاة؟ لقال: أريد الظهر، أريد هذه المعينة الحاضرة، فيحمل على ما كان فرض الوقت.
وهذا القول هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به؛ لأن كثيرًا من الناس يتوضأ ويأتي ويصلي ويريد هذه الصلاة، ويغيب عن ذهنه أنها ظهر أو عصر، لا سيما إذا جاء والإمام راكع؛ فإنه قد يندهش ويدخل في الصلاة، ولا يستحضر في تلك اللحظة أنها الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء.
стр. 1006
لكن لو سئل: ماذا تريد لم يقل إلا: إني أردت هذه الصلاة الحاضرة، وينبني على هذا الخلاف: لو كان على إنسان صلاة رباعية؛ لكن لا يدري أهي الظهر أو العصر أو العشاء؟ فصلى أربعًا بنية الواجب عليه، فعلى القول بعدد بأنه لا يجب التعيين تصح، وتكون عن الصلاة المفروضة التي عليه، وعلى القول بوجوب التعيين لا تصح؛ لأنه لم يعينها ظهرًا ولا عصرًا ولا عشاءً.
ولكن الذي يترجح عندي: القول بأنه لا يشترط التعيين، وأن الوقت هو الذي يعيّن الصلاة، وأنه يصح أن يصلي أربعًا بنية ما يجب عليه، وإن لم يعيّنه، مثل لو قال: أنا عليّ صلاة رباعية، لكن ما أدري: أهي الظهر أو العصر أو العشاء؟
قلنا: صلّ أربعًا بنية ما عليك وتبرأ بذلك ذمتك.
وعليه، فلو قال: أنا عليّ صلاة من يوم ولا أدري؛ أهي الفجر، أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء؟ فعلى القول بعدم اشتراط التعيين نقول: صلِّ أربعًا وثلاثًا واثنتين، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أربعًا تجزئ عن الظهر أو العصر أو العشاء، وثلاثًا المغرب، واثنتين الفجر.
وعلى القول الثاني: يصلي خمسًا؛ لأنه يحتمل أن هذه الصلاة؛ الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، أو الفجر، فيجب عليه أن يحتاط ليبرئ ذمته بيقين ويصلي كم؟ خمسًا.
يقول: (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة)، وهل النية شاقة أو سهلة؟
النية سهلة، تركها هو الشاق؛ ولهذا لا يحتاج الإنسان إلى تعب؛ فإنه إذا توضأ وخرج من بيته يريد الصلاة، فإنه -بلا شك- قد نوى، ولا يحتاج أن يقول عند الصلاة مثلًا: والله ما أدري، هل أنا ناوٍ ولَّا لا؟ إحنا نقول: ما الذي جاء بك إلى المسجد وجعلك تقف في الصف وتكبّر إلا نية الصلاة.
حتى قال بعض العلماء: لو كلّفنا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق.
стр. 1007
لو قيل: اعمل ولا تنوِ ( ... ) تنوي، صلِّ، ولكن لا تنوِ الصلاة، توضّأ، ولكن لا تنوِ الوضوء؛ يقدر؟ ما يقدر، ما من عمل إلا بنية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام: النية تتبع العلم؛ فمن علم ما أراد فعله فقد نواه؛ إذ لا يمكن فعل بلا نية. وصدق ﵀، ويدل لهذا قوله ﵊: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، يعني ما فيه عمل إلا بنية ولا بد.
يقول المؤلف: (ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن)، لا يشترط في الفرض نية الفرض اكتفاءً بماذا؟ بالتعيين؛ فمثلًا: إذا نوى أنها صلاة الظهر، هل يشترط أن ينوي أنها فرض؟
لا؛ لأن نية أن تكون الظهر يتضمن نية الفرض؛ ولهذا قال: لا يُشترط في الفرض نية الفرض، ولا يُشترط أيضًا في الأداء نية الأداء؛ لماذا؟ لأنه متى صلَّى في الوقت فهي أداء، فلا حاجة أن ينوي أنه يُصلّي الظهر أداء، وكذلك لا يشترط في القضاء نية القضاء.
القضاء: هو الذي فُعل بعد وقته المحدد له شرعًا؛ كصلاة الظهر حين نام عنها حتى دخل وقت العصر، فقام يُصلِّي الظهر، نقول: هذه قضاء ولَّا أداء؟
قضاء؛ لأنها فُعلت بعد الوقت، هل يشترط مع نية الظهر أن ينوي أنها قضاء؟
الجواب: لا؛ لأن التعيين يُغني عن نية القضاء، ما دمت نويت أنها صلاة الظهر وهي قد وقعت بعد خروج الوقت، فهي قضاء سواء نويت أم لم تنوِ.
(ولا يشترط في النفل)، يعني: في النفل المطلق أن ينويه نفلًا، ولا في النفل المعين أن ينويه نفلًا، لماذا؟
أما في النفل المعيَّن فالتعيين يغني؛ يعني إذا أراد أن يوتر لا يشترط أن ينوي أنه نفل، إذا أراد أن يأتي بالراتبة -راتبة الظهر مثلًا- لا يشترط أن ينويها نفلًا؛ لماذا؟
طلبة: ( ... ).
стр. 1008
الشيخ: لأن تعيينها يكفي عن النفل، ما دمت قد نويت أنها راتبة الظهر؛ فإن راتبة الظهر نفل، ما دمت نويت أنها وتر؛ فإن الوتر نفل، كذلك النفل المطلق لا يشترط أن ينويه نفلًا، كرجل قام يصلي من الليل، أو قام يصلي في الضحى، ما حاجة أنه ينوي أنه نفل؛ لأنه من المعلوم أن ما عدا الصلوات الخمس فهو نفل، ولا يشترط في الإعادة نية الإعادة.
كيف ما هي الإعادة؟
الإعادة: ما فُعل في وقته مرة ثانية، هذه الإعادة، سواء كان لبطلان الأولى أم لغير بطلانها؛ فمثلًا: إذا صلَّى الظهر، ثم ذكر أنه مُحدِث، يجب عليه الإعادة ولَّا لا؟
طالب: يجب.
الشيخ: هل يجب أن ينوي أن هذه إعادة؟ لا.
إذا صلَّى الظهر في مسجد، ثم حضر إلى مسجد ثانٍ وأُقيمت الصلاة، هل يُعيد؟
نعم، السُّنة أن يعيد، هل يشترط أن ينوي أنها إعادة؟ لا؛ لأنه قد فعل الأولى، واعتقد أن هذه الثانية نفل، فلا يشترط أن ينويها معادة.
إذن لا يُشترط في الفرض أن ينويه فرضًا، ولا في الأداء أن ينويه أداءً، ولا في الإعادة أن ينويها إعادة، ولا في القضاء أن ينويه قضاء، ولا في النفل أن ينويه نفلًا، ما دام نوى الصلاة المعينة فإنه يغني عن وصفها بكونها أداء أو قضاء أو فريضة أو نافلة.
ثم قال المؤلف: (وينوي مع التحريمة، وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت)، ذكر المؤلف هنا محل النية متى يكون؟
الأَوْلى أن يكون مقارنًا للتحريمة أو قبلها بيسير؛ ولهذا قال: (ينوي مع التحريمة)، فإذا أراد أن يكبر كبَّر وهو ينوي في نفس التكبير أنها صلاة الظهر أو المغرب أو العشاء إلى آخره.
قال: (وله تقديمها بزمن يسير في الوقت) له أن يقدم النية قبل التحريمة لكن بزمن يسير، شرط آخر (في الوقت)؛ فلو نوى الصلاة قبل دخول وقتها، ولو بزمن يسير، ثم دخل الوقت وصلَّى بلا نية، فصلاته غير صحيحة؛ لأن النية سبقت الوقت، فإن نوى في الوقت، ثم تشاغل بشيء في زمن يسير، ثم كبَّر، فصلاته صحيحة؛ لأن الزمن يسير.
стр. 1009
فإن طال الوقت، فظاهر كلام المؤلف أن النية لا تصح؛ لوجود الفصل بينها وبين المنوي، وقال بعض العلماء: بل تصح ما لم ينوِ فسخها؛ لأن نيته مستصحبة الحكم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ما لم ينوِ الفسخ، فهذا الرجل من حين ما أذن قام وتوضأ ليصلي، ثم عزمت النية عن خاطره، واشتغل بأشياء أوجبت له أن ينسى النية، ثم لما أُقيمت الصلاة دخل في الصلاة بدون نية جديدة، فعلى كلام المؤلف لا تصح الصلاة؛ لأنها سبقت الفعل بزمن كثير، وعلى القول الراجح تصح الصلاة؛ لأنه لم يفسخ النية الأولى، فحكمها مستصحَب إلى الفعل، وهذا القول أصح؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢)، وهذا الرجل قد نوى أن يصلي، ولم يتجدد شيء يفسخ به النية.
قال: (وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت، فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت)، (إن قطعها) أي: النية (في أثناء الصلاة أو تردد بطلت)، إذا قطعها في أثناء الصلاة لا شك أنها تبطل، مثل: رجل قام يتنفَّل، ثم ذكر أن له شغلًا، فقطع النية؛ فإن الصلاة تبطل ولا شك؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وهذا قد نوى القطع فانقطعت.
(أو تردد)، تردد في القطع، كيف التردد؟ يعني مثلًا سمع قارعًا يقرع الباب فتردد؛ قال: أقطع الصلاة ولا ( ... ) أستمر؟
يقول المؤلف: إن الصلاة تبطل، وإن لم يعزم على القطع، وكذلك لو سمع جرس التلفون فتردد؛ هل يقطع الصلاة ويُكلِّم أو يستمر؟
فالمؤلف يقول: إن صلاته تبطل؛ لأن استمرار العزم شرط عنده.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تبطل بالتردد؛ وذلك لأن الأصل بقاء النية، والتردد هذا لا يُبطلها، وهذا القول هو الصحيح، فما دام الرجل لم يعزم على القطع فهو في صلاة، ولا يمكن أن نقول: إن صلاتك بطلت للتردد، هل يقطع أو لا.
стр. 1010
فإن عزم على مبطل ولم يفعله؟ يعني النية باقية، لكن عزم على مبطل ولم يفعله؛ يعني عزم أن يتكلم في صلاته ولم يتكلم، عزم أن يُحدِث ولم يحدث، فهل تبطل أو لا؟
طلبة: تبطل.
الشيخ: قال بعض العلماء: إنها تبطل؛ لأن العزم على المفسد عزم على قطع الصلاة مثلًا، والعزم على القطع معناه أنه جعل النية مؤقتة.
ولكن المذهب -وهو الصحيح- أنها لا تبطل بالعزم على فعل مبطل إلا إذا فعله؛ لأن البطلان يتعلق بماذا؟ بنية المبطل، ولَّا بفعل المبطل؟
طلبة: بفعله.
الشيخ: بفعل المبطل، ولم يوجد، فإذا عزم على أن يبطل الصلاة، ولكنه لم يفعل؛ يعني على فعل شيء يبطلها، ولكن لم يفعل فإن الصلاة لا تبطل.
وكذلك لو عزم الصائم على الأكل، ولم يأكل، لكنه لم يقطع الصوم، لم يقطع النية، فإن صومه لا يبطل.
هل جميع العبادات تبطل بالعزم على القطع؟
الجواب: نعم، إلا الحج والعمرة؛ فإن الحج والعمرة لا يبطلان بإبطالهما؛ حتى لو صرح بذلك وقال: يا أيها الناس، اشهدوا أني قد قطعت نسكي؛ فإنه لا ينقطع ولو كان نفلًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أنها لا تبطل بقطع النية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال: (فإن قطعها في أثنائها أو تردد بطلت).
لو علَّق القطع على شرط، فقال: إن كلمني زيد قطعت النية، أو أبطلت صلاتي؛ فإنها تبطل على كلام الفقهاء، والصحيح أنها لا تبطل؛ لأنه قد يعزم على أنه إن كلمه زيد تكلم؛ ولكن يرجع عن هذا العزم.
فعندنا الآن قطع مجزوم به، قطع مُعلَّق على شرط، قطع مُتردَّد فيه، عَزْم على فعل محظور، كم هذه؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة؛ أما الأول: وهو العزم على القطع إذا قطعها جزمًا، فلا شك أن الصلاة تبطل، ولا أظن أحدًا يخالف في ذلك.
وأما الثاني: إذا علق القطع على شرط، أو علق النية على شرط؛ يعني قطع النية على شرط؛ فالمذهب: أنها تبطل.
стр. 1011
الثالث: إذا تردد هل يقطعها أو لا؟ فالمذهب أنها تبطل، والصحيح في المسألتين: أنها لا تبطل.
الرابع: إذا عزم على فعل المحظور ولم يفعله، فهنا لا تبطل قولًا واحدًا؛ لأن البطلان هنا بفعل المحظور، ولم يوجد فلا تبطل الصلاة به.
طالب: أقول: هل يحصل ( ... )؟ فالإنسان يغفل أحيانًا، لكن لا يغفل بالكلية كان متوضئًا وأتى إلى المسجد ( ... ) وصلى.
الشيخ: إي، لكن نوى الصلاة.
الطالب: بس يعني ما عين أنه الظهر أو .. ؟
الشيخ: إي، هذا القول الثاني الذي لا يشترط التعيين، يقول: يكفي نية الصلاة.
الطالب: طيب على المذهب نوى مثلًا صار ( ... ).
الشيخ: يكفي، الصحيح أنه يكفي؛ أنه متى نوى الصلاة، فهو ما جاء إلا ليصلي الظهر مثلًا.
طالب: لو دخل إنسان في الصلاة وهو مسافر فنواها أربعًا، ثم تذكر أنه مسافر، فقصرها تصح صلاته؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، ما يحتاج إلى نية؛ لأنه هو الأصل.
طالب: بس نوى أربعًا؟
الشيخ: ولو نوى أربعًا، ما دام أنه نوى أربعًا ناسيًا، ثم ذكر يعود إلى الأصل.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان الاجتهاد في طلب القبلة يُفوِّت الوقت، فأيهما يُقدِّم؟
الشيخ: لا، يُقدِّم الوقت، ما من شيء يُقدَّم على الوقت أبدًا، كل الشروط والأركان يُقدَّم عليها الوقت؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
طالب: الصائم يا شيخ إذا نوى الأكل ولا أكل.
الشيخ: ولا أكل.
الطالب: إي نعم، بس نقول: الأفضل له أنه يفطر على تمر، ثم الرطب، أما إذا لم يوجد تمر أو ماء ( ... )؟
الشيخ: هل قطع النية ولا قال: أبغي آكل؟
الطالب: قال: أبغي ( ... ).
الشيخ: إذا قال: أبغى آكُل، إن أكل فسد صومه، وإن لم يأكل لمن يفسد.
الطالب: قطع النية.
الشيخ: أما لو قطع النية ويقول: خلاص، أنا أبطلت الصوم، سواء أكلت، ولَّا ما أكلت؛ يعني سواء وجدت ما آكله أم لا، فهذا قطع نيته، ويبطل صومه.
стр. 1012
طالب: بالأمس قررنا أنه إذا اختلف المجتهدان جهة، فيصح أن يأتم أحدهما بالآخر قلنا: إن هذا هو الأقرب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وفي هذا الدرس قلنا: إن المذهب أقرب.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه تبين لي الحقيقة أن التضاد فيها واضح، وليس هذا ائتمام بالإمام، هذه مخالفة ظاهرة، فهي كما لو خالفه في الأفعال.
طالب: شيخ، قلنا: إن الحج والعمرة لا ينفسخان حتى بالنية، لكن يا شيخ إذا عزم عزمًا جازمًا قلنا: إنه لا يصح عزمه، فما يجب عليه ( ... )؟
الشيخ: لا يجب عليه شيء؛ يعني لو رفض الإحرام قال: يا جماعة، أنا هوَّنت عن هذا النسك؛ فإنه لا يجب عليه شيء؛ لأن هذه النية لم تؤثر شيئًا.
طالب: الأعمى يا شيخ لو صلَّى باجتهاده ولم يسأل؟
الشيخ: كيف يجتهد؟
طالب: صلَّى باجتهاده.
الشيخ: ويش لون باجتهاده؟ ما يشوف أعمى.
الطالب: لمس فراشًا مثلًا أو لمس محرابًا؟
الشيخ: إي، لا بأس، إذن ما يعيد.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، إذا كان واحد مسافرًا، وأخَّر الظهر عسى يصليها العصر، ووصل البلد؛ صلَّى العصر، حتى إذا مشى حس أنه في نفس البلد فدخلت فيه نية العصر، ومن الأول نوى أنه يجمعهم، فلا بد يقدم نية الظهر، وصلى على أنها نية العصر.
الشيخ: يعني مع الإمام؟
الطالب: مع الإمام.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: تذكر أثناء الصلاة أنه نواها العصر وهو أداها الظهر، هل يقطع الصلاة؟
الشيخ: لا، يستمر، ويكملها على أنها العصر، ثم يأتي بالظهر بعد ذلك.
الطالب: والترتيب؟
الشيخ: يسقط بنسيانه.
طالب: إن نوى النفل المطلق ( ... ).
الشيخ: سيأتينا هذا إن شاء الله، إذا انتقل من صلاة إلى أخرى ففيه تفصيل.
طالب: قلنا -يا شيخ-: إن الإنسان إذا كان مثلًا ضيفًا، ولم يسأل؛ فإنه لن يصلي إلا إلى الجهة التي تطمئن إليها قلبه مع أن كثيرًا ما الإنسان يلاحظ من بعض العوام يصلي على أي جهة، يدخل ويقول: ما ندري، إحنا نصلي وبس، ما يطمئن؟
الشيخ: لا، ما يصلح هذا.
стр. 1013
الطالب: ويش يصير يعيد ولو أصاب؟
الشيخ: إي نعم، يعيد ولو أصاب؛ لأنه ما فيه ترجيح.
طالب: إذا قام المسافر على الصلاة واجتهد، وصلَّى إلى القبلة في ظنه؛ يعني اجتهد، وبعد جاء الثقة، وقال: يا أيها المصلي، أنت خطأ، وهل يدور في الصلاة ويُسلِّم على قوله؛ يعني الاجتهاد مقدَّم ولَّا قول الثقة مُقدم؟
الشيخ: نعم، فهمتم هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا تغير اجتهاد الإنسان في أثناء الصلاة، أو جاءه من يخبره بيقين في أثناء الصلاة؛ فإنه يستدير ولا يعيد الصلاة من جديد.
الطالب: يستدير.
الشيخ: يستدير.
الطالب: على قول؟
الشيخ: على قول الثقة؛ ولهذا أهل قباء لما جاءهم الرجل وقال: إن النبي ﷺ أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبِلوها، انصرفوا إلى القبلة. (٣) وبقوا في صلاتهم، بنوا على صلاتهم.
ولهذا يُلغز بها فيُقال: رجل صلَّى إلى أربع جهات وصحَّت صلاته؟
طالب: الكعبة ..
الشيخ: اجتهد في الأول فقال: القبلة هكذا شمالًا، ثم لما قام إلى الركعة الثانية قال: لا، أخطأت، القبلة عن يساري، فانصرف يسارًا، فلما قام للثالثة قال: أخطات، القبلة عن يساري، فانصرف إلى اليسار، صارت أول ركعة الآن قبلتها خلف ظهره.
طالب: يدور.
الشيخ: إي نعم، فلما قام إلى الرابعة قال: أخطأت، القبلة عن يساري، فانصرف إلى اليسار، صلَّى الآن إلى كم؟
طلبة: أربع جهات.
الشيخ: إلى الجهات الأربع، وصحَّت صلاته، ولهذا يقولون: يُلغز بها، فيقال: رجل صلَّى في صلاة واحدة إلى أربع جهات؛ فصحَّت صلاته.
طالب: في جوف الكعبة.
الشيخ: لا، في جوف الكعبة كلها قبلة؛ لأن مهما كان من جهة؛ فهي قبلة، لكن هذه القبلة الثانية ما تكون القبلة الأولى.
طالب: شيخ، لو أن رجلًا أراد أن يصلي، ولا يعرف أين القبلة؛ يعني إذا وجد أناسًا لكن ما سألهم؛ لأنه عرف أنهم فساق، فصلَّى، وعندما انتهت صلاته جاء الفاسق وقال: الصلاة ليست من هنا، فماذا العمل؟
стр. 1014
الشيخ: ما دام فاسقًا لا يثق بخبره أولًا فلا يثق بخبره ثانيًا، لكن هل أن مثل هذه المسائل لا بد فيها من أن يكون الإنسان عدلًا ظاهرًا وباطنًا أو يُكتفى بالعدالة الظاهرة؟ الظاهر أنه خلافًا للمذهب يُكتفى بالعدالة الظاهرة.
طالب: شيخ، إذا صليا رجلان في جوف الكعبة يُشترط أن يصافا بينهما لو اختلفت الجهة ( ... )، هل تصح الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، بس المشكلة أنه يصير أحدهما صلَّى منفردًا خلف الصف.
الطالب: لا، اثنين.
الشيخ: اثنين؛ يعني مأمومين وإمام.
الطالب: نعم، واحد شمال، وواحد جنوب.
الشيخ: كيف؟ يعني الإمام صلَّى لجهة، وأحد المأمومين إلى جهة، والثاني إلى جهة، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يصح، لكن لازم من المصافَّة، لا بد من المصافة.
الطالب: لو صار الإمام مثلًا واحد شمال، والمأمومين جنوب، ما صار منفردًا، هما صاروا اثنين.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: تصح الصلاة؟
الشيخ: إي نعم، ويمكن المأمومين ها دولا أحدهما يصلي إلى الجدار الغربي، والثاني يُصلِّي إلى الجدار الشرقي.
طلبة: هذا تضاد.
الشيخ: ما يظهر؛ لأن هذا التضاد بين المأمومين؛ حتى على كلام الفقهاء أيضًا، هذه المسألة قالوا: يجوز أن يكون اتجاه الإمام إلى جهة والمأمومين إلى جهة إذا كان داخل الكعبة.
طالب: ويش الفرق يا شيخ بينه وبين مسألة المجتهدين؟
الشيخ: المجتهدين؛ لأن أحدهما خطأ على كل حال.
الطالب: بس هو في قرارة نفسه يعتقد أن صاحبه ..
الشيخ: لكن أحدهما خطأ قطعًا، أما هذا قطعًا كلهم صواب.
طالب: شيخ، قراءة القرآن بعد الفاتحة في الصلاة، هل ينوي الركن قبل التكبير أم لا؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: ما فهمنا.
الشيخ: يقول: هل يُشترط أن ينوي قراءة سورة بعد الفاتحة قبل أن يُكبِّر، أو يجوز أن يقرأ في السورة بعد الفاتحة وإن لم ينوها من قبل؟ كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي هذا؟
طالب: الثاني.
стр. 1015
الشيخ: الثاني، يمكن يدخل بنية أنه سيقتصر على الفاتحة، ثم يرى أن الوقت واسع فيصلي؛ يقرأ سورة ثانية ما فيه مانع.
طالب: إذا وقع الإنسان بين أمرين ( ... ).
الشيخ: لا، يفعل، ويحاول أن يمنع اللي ..
طالب: إذا تعذَّر أن ..
الشيخ: إذا تعذَّر لا يفعل.
***
طالب: ( ... ) وإن شق وينوي مع التحريمة، وله تقديمها في زمن يسير في وقت، فإن قطعها في أثناء الصلاة، أو تردد بطلت، وإذا شك فيها استأنفها، وإن قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز، وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطل، ويجب نية الإمامة والائتمام، وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في مسافر اجتهد في القِبلة لصلاة الظهر، ثم جاء وقت العصر، هل يلزمه أن يعيد الاجتهاد أو لا يلزمه؟
طالب: على كلام المؤلف يلزمه أن يعيد الاجتهاد.
الشيخ: يلزمه أن يجتهد لصلاة العصر.
الطالب: مرة ثانية.
الشيخ: مرة ثانية طيب. قلت: على كلام المؤلف، هل يعني ذلك أن هناك كلامًا آخر؟
الطالب: كلام المؤلف مرجوح، والقول الراجح أنه لا يلزمه.
الشيخ: كلام المؤلف مرجوح، والقول الراجح أنه لا يلزمه الاجتهاد.
الطالب: إلا إذا طرأ سبب.
الشيخ: إلا إذا طرأ سبب يقتضي الاجتهاد كالشك والتردد مثلًا؛ فيلزمه أن يجتهد مرة أخرى.
هل يلزم المجتهد في المسائل العلمية أن يجتهد لكل حادثة؟
طالب: المجتهد، ما سمعت.
الشيخ: رجل مجتهد أداه اجتهاده إلى أن القول الراجح كذا وكذا، ثم نزلت الحادثة مرة ثانية، هل يلزمه أن يجتهد لها مرة ثانية أو يكفي الاجتهاد الأول؟
الطالب: يكفي الاجتهاد الأول إلا إذا شك.
الشيخ: يكفي الاجتهاد الأول ما لم يوجد سبب. إذا تبين له أنه أخطأ في الاجتهاد الأول، هل تلزمه الإعادة؟
طالب: لا يلزم أن ( ... ).
стр. 1016
الشيخ: لا، الصلاة، تَبيَّن أنه مخطئ في الاجتهاد الأول، فهل تلزمه الإعادة؟
الطالب: لا يعيد الصلاة.
الشيخ: لا يعيد الصلاة.
الطالب: يغير الجهة.
الشيخ: إي نعم، يغير الجهة، ما هو الدليل؟
الطالب: أن الاجتهاد لا ينقض ..
الشيخ: هذا تعليل، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل أن عند نزول الآية ( ... ).
طالب آخر: الدليل؛ قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الشيخ: نعم، وهذا قد اتقى الله ما استطاع، فلا يؤمر بالصلاة مرة ثانية، وحديث: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (٤) وحديث أهل قباء حين أتاهم آتٍ فأخبرهم أن القبلة صُرفت (٥). المهم فيه عدة أدلة.
رجل اجتهد عنده مجتهدان فاختلفا، مَنْ يتبع؟
طالب: السؤال؟
الشيخ: رجل اجتهد عنده مجتهدان في القبلة فقال أحدهما: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا يعني متضادين، فمن يتبع؟
طالب: إن كان أهلًا للاجتهاد اجتهد، وإلا ..
الشيخ: لا، ما هو بأهل الاجتهاد.
الطالب: يُقلِّد من يثق به أكثر.
الشيخ: يعني يقلد أوثقهما عنده، صح. طيب اختلف اجتهاد رجلين، فهل يتبع أحدهما الآخر؟
طالب: فيه تفصيل إن اختلفا في الجهة لم يتبع أحدهما الآخر، وإن لم يختلفا في الجهة فإنه يتبع أحدهما الآخر، كما ..
الشيخ: يعني إن اختلفا في الجهة تبع أحدهما الآخر.
الطالب: لا، لم يتبع أحدهما الآخر، هذا مثلًا يقول: الجهة، القبلة من جهة الشمال، وهذا يقول من جهة ..
الشيخ: إن اختلفا في الجهة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لم يتبع، وإن اختلفا في جهة؟
الطالب: وإن اختلفا في جهة تبع أحدهما الآخر.
الشيخ: إي، فهمتم؟
طلبة: لا.
الشيخ: إن اختلفا في الجهة لم يتبع أحدهما الآخر، وإن اختلفا في جهة تبع أحدهما الآخر، يحتاج إلى ترجمة لهذه العبارة، ما الفرق بين العبارتين؟
طالب: إن اختلفا في الجهة؛ أي يعني هذا اختلف في الجهة الشرقية، ودا الغربية.
стр. 1017
الشيخ: واحد يقول: القبلة غربًا، ودا يقول: شرقًا.
الطالب: نعم، اختلفا في جهة أي جهة واحدة؛ يعني مثلًا في جهة الغرب، قال: هذا إلى اليمين، وهذا قال: إلى اليسار، فهذه في جهة.
الشيخ: صح، إذن إذا اتفقا على أن القبلة غربًا، لكن أحدهما يميل يمينًا، والثاني يميل شمالًا، فهذا يتبع أحدهما الآخر؛ يعني يُصلِّي معه مأمومًا، ويتبعه أيضًا في جهته، لا بأس أنه يترك اجتهاده، ويتبع الآخر؛ لأن الانحراف في الجهة الواحدة.
طالب: لا بأس به.
الشيخ: لا بأس به. رجل صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد، ( ... ) عليه ولما جاء الوقت قام وصلَّى بدون شيء.
طالب: هذا على المذهب أنه تبطل صلاته، ويجب عليه إعادة الصلاة سواء أصاب أو أخطأ.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما على القول الثاني، فإن أصاب لا يعيد صلاته، وإن أخطأ فإنه يعيد صلاته.
الشيخ: وجه هذا القول؟
الطالب: أيّ قول؟
الشيخ: أنه إذا أصاب لا يُعيد؟
الطالب: لأنه إذا أصاب؛ لأنه ما صلَّى إلا إلى جهة اطمأنت لها نفسه.
الشيخ: صح.
الطالب: أو ربما اجتهد ولَّا ..
الشيخ: وأما إذا أخطأ فهو هنا لا فعل ما أُمر به من اجتهاد ولا أصاب القبلة. طيب النية شرط لصحة الصلاة، الدليل؟
طالب: قوله ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (٢)
الشيخ: نعم، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
الطالب: وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
الشيخ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ( ... ).
***
قال المؤلف ﵀: (وينوي مع التحريمة)، هنا شرع في بيان متى تكون النية؟
متى يكون محل النية؟
طالب: محل النية، إما قبل التكبير بقليل أو مع التكبير.
стр. 1018
الشيخ: نعم، مع التكبير واضح هو الأفضل، وله أن يقدمها؟
طالب: بقليل.
الشيخ: بقليل، وهنا نرجع في ذلك إلى العُرف، هل هناك قول آخر في مسألة التقديم؟
طالب: قالوا: المذهب ( ... ) يسير فإنه يعني ( ... )، يُكبِّر للصلاة، لكن إذا كان طويلًا، فإنه يبطل، ولكن الصحيح أنه سواء قصير أو طويل أنه يجوز لأن النية ..
الشيخ: فإنها تصح ما لم يفسخها، وهذا القول هو الراجح؛ على أنه يجوز أن يقدم النية بزمن طويل ما لم يفسخها، وهذا يتأتى فيما لو كان بيته بعيدًا عن المسجد، وتوضَّأ لصلاة الظهر بهذه النية، وخرج لكن مع طول المسافة غفل، ثم دخل المسجد وكبَّر، هو حين التكبير لم ينوِ أنها الظهر، ولكنه قد نواها سابقًا بنية مستمرة إلى أن كبَّر، ولم يفسخها؛ فالصحيح أن هذا مجزئ، وقد نص عليه الإمام أحمد، وقال: إنه ما دخل المسجد وكبَّر إلا وهو ناوٍ، وصدق ﵀؛ فإذن نقول: إن القول الراجح أنه يجوز تقديم النية على فعل العبادة بزمن كثير بشرط، ما هو؟
طلبة: ألا يفسخها.
الشيخ: ألا يفسخها. طيب إذا تردد في النية هل تبطل النية أو لا؟
طالب: على كلام المؤلف تبطل.
الشيخ: تبطل، والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني أنها لا تبطل؛ لأن الأصل بقاؤها على الأصل.
الشيخ: القول الثاني أنها لا تبطل، ما حجة المؤلف؟
طالب: استدامة النية شرط.
الشيخ: نعم.
الطالب: انتفاء الشرط انتفاء المشروط.
الشيخ: إي، حجته أن استدامة النية شرط، ومع التردد لا استدامة، وإذا فات الشرط فات المشروط.
والقول الثاني الذي يقول: إنه إذا تردد ولم يعزم على القطع؛ فإنها صحيحة.
طالب: لأن النية ( ... ) حتى ولو تردد أو شك.
стр. 1019
الشيخ: إي؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى نتيقن الزوال؛ فالنية ثبتت بيقين، والتردد شك، والشك لا يُبطل اليقين، وهذا القول هو الصحيح، وكذلك لو علَّق النية على شرط مثلًا دخل في الصلاة قال: أنا على أساس أنني أصلي إلا إذا جاء فلان فأنا أقطع الصلاة، ولكنه استمر ولم يأتِ فلان؛ فإن الصلاة صحيحة، ويمكن أن يستدل على ذلك بقول الرسول ﵊ لضباعة بنت الزبير: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٦)، فإن هذا دخل بنية مشروطة، فيكون له ما شرط.
يقول: (وإذا شك فيها استأنفها) إذا شك في النية، هل نوى أم لم ينوِ، أو شك هل نوى الصلاة المعينة أم لم ينوِها فإنه يستأنف؛ وذلك لأن الأصل العدم، فإذا شك هل نوى أو لا فالأصل عدم النية.
وهذا كما قال المؤلف ﵀: (إذا شك فيها استأنفها)، ولكن يبقى: هل هذه الصورة واردة؟ بمعنى: هل يمكن أن يأتي إنسان ويتوضأ، ويقدم إلى المسجد، ويكبّر ويقول: إني أشك هل نويت أم لا؟
الظاهر أن هذا لا يمكن، وأن المسألة فرضية، إلا أن يكون موسوسًا، والموسوس لا عبرة بشكه، ولهذا قال:
وَالشَّكُّ بَعْدَ الْفِعْلِ لَا يُؤَثِّرُ
وَهَكَذَا إِذَا الشُّكُوكُ تَكْثُرُ
فإذا كثرت الشكوك، فهذا وسواس لا يلتفت إليه، ولهذا تصوُّر هذه المسألة -أعني الشك في النية- تصورها صعب؛ لأنه من المستحيل أن يكون إنسان عاقل يدري ما يفعل؛ أن يأتي ويدخل في الصلاة، ويكبِّر ويقرأ؛ ثم يقول: والله أنا شكيت هو أنا ناوي ولَّا لا؟
هذا بعيد جدًّا، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو كلّفنا الله عملًا بلا نِية لكان من تكليف ما لا يطاق؛ يعني لو قال الله لنا: اعملوا ولا تنووا، كيف نعمل ولا ننوي؟ هذا ما هو ممكن، لكن على تقدير أن هذا يوجد -ولو نظريًّا- فإننا نقول: إذا شك في النية وجب أن يستأنف العبادة، ونحن الآن في الصلاة وجب أن يستأنف الصلاة، لماذا؟
стр. 1020
لأن الأصل عدم الوجود، وهو قد شك في الوجود وعدمه، فوجب الرجوع إلى الأصل؛ وهو أن النية معدومة، وحينئذٍ فلا بد من الاستئناف.
ولكن على كلام المؤلف: يُقيَّد هذا بما إذا لم يكن كثير الشكوك، فإن كان كثير الشكوك بحيث لا يتوضأ إلا شك، ولا يصلي إلا شك، فإن هذا لا عبرة بشكه؛ لأن شكه حينئذٍ يكون أيش؟
طالب: وسواس.
الشيخ: يكون وسواسًا، ولا عِبرة به.
يقول ﵀: (وإذا شك فيها استأنفها، وإن قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز) المؤلف شرع في هذه العبارة في الانتقال من نية إلى نية، والانتقال من نية إلى نية له صور متعددة:
منها: ما ذكره المؤلف: (قلب منفرد فرضه نفلًا في وقته المتسع جاز)، مثال ذلك: دخل رجل في صلاة الظهر وهو منفرد، في أثناء الصلاة قَلَبه -أي: الفرض- إلى نفل.
نقول: هذا جائز بشرط أن يكون الوقت متسعًا للصلاة، فإن كان الوقت مُضيَّقًا؛ بحيث لم يبقَ منه إلا مقدار أربع ركعات فإن هذا الانتقال لا يصح؛ لماذا؟ لأن الوقت الباقي تعين للفريضة، وإذا تعين للفريضة لم يصح أن يشغله بغيرها.
أعود مرة ثانية ولَّا واضح؟
المثال: رجل دخل في صلاة الظهر وفي أثناء الصلاة قلب نية الفريضة إلى نفل نقول: هذا جائز بشرط أن يكون الوقت متسعًا؛ ولهذا قال: (في وقت متسع)، فإن كان الوقت مضيقًا بحيث لم يبقَ من وقت الظهر إلا مقدار أربع ركعات فإنه لا يصح أن يقلب الفرض إلى نفل، لماذا؟
لأن الوقت تعيَّن للفريضة حينئذٍ فلا يجوز أن يشغله بغير الفريضة، لكن لو فعل ماذا يكون النفل؟
لو فعل فإن النفل يكون باطلًا؛ لأنه صلى النفل في وقت منهي عنه، فهو كما لو صلَّى النفل المطلق في أوقات النهي لا يصح.
وقول المؤلف: (وإن قلب مُنفرِدٌ نفْلَه) خرج بذلك المأموم، وخرج بذلك الإمام؛ فإن ظاهر كلام المؤلف أن المأموم لا يصح أن يقلب فرضه نفلًا، وأن الإمام لا يصح أن يقلب فرضه نفلًا، لماذا؟
следующие страницы →