← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جبريل وإمامته بالنبي ﷺ وفي الحديث أنه صلى به الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان الظل مثله، ثم قال الوقت بين هذين، وذلك إشارة إلى وقت الوجوب، ودليلنا على فساد قول من يدعي أن الوجوب متعلق بأول الوقت دون آخره، اتفاقنا فيه على أنه من بلغ أو أسلم في وسط الوقت أو آخره، فان الصلاة واجبة عليه كوجوبها على مدرك أوله، وأن ما يفعله من ذلك يفعله واجبا يكون مؤديا لا قاضيا وجوبا مبتدأ بنية، مثل الذي يلزم مدرك أوله، ولو كان الوجوب متعلقا بأول الوقت دون آخره لكان حكم من بلغ أو أسلم بعد خروج أوله في جميع ما ذكرناه حكم خروج جميع أجزاء الوقت، ولأن الأمر الموقت بوقت إذا فات الوقت لم يجب إلا بأمر مستأنف، فلو كان الوجوب متعلقا بأول الوقت لكان ساقطا عمن لم يدرك أوله، وان أدرك وسطه وآخره، ولا يجب عليه ذلك الفعل إلا بأمر مستأنف وفي الاتفاق على أن من بلغ بعد الزوال بأجزاء كثيرة مأمور بصلاة الظهر بما أمر به مدرك أوله دليل على فساد ما قالوه، ولأن آخر الوقت لما كان مضروبا للفعل كان كأوله، ولأن آخر الوقت كأوله ووجب تعلق الوجوب به كتعلقه بأوله، ولأن مؤخر الصلاة عن أول وقتها الذي هو الزوال لا يخلو عند هذا القائل أن يستحق الذم واللوم أو لا يستحق ذلك، وقد اتفق على أنه لا يستحق ذلك لأنه يلحقه بالوجوب المضيق وتزول فائدة ضرب وقت موسع، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يستحق الذم فيصير الخلاف في عبارة. ويدل على فساد قول من زعم أن الوجوب متعلق بآخر الوقت دون أوله، الاتفاق على أن الظهر إذا أتي بها قبل الزوال فإنها لا تجزئ ولا

стр. 107

تنوب مناب الفرض، لأنها مفعولة قبل وقت الوجوب، فلو كان ما يؤدى قبل آخر الوقت وفي أوله وقت التوسعة مفعولا قبل وقت الوجوب لوجب أن لا يجزئ عن الفرض كما لو تقدم على أول الوقت، وفي الإجماع على خلاف ذلك دليل على فساد ما قالوه ودليلنا على بطلان قول من يقول من هؤلاء: إن فعله في أول الوقت يكون نفلا حصول الإجماع على أن الظهر لا يفعلها المكلف إلا فرضا، وأنه لا يجوز أن يكون في حق بعض المكلفين فرضا وفي حق بعضهم نفلا، وما قالوه يؤدي إلى ذلك، فوجب بطلانه، ولأن حكم الصلاتين المفعولة إحداهما أول الوقت، والأخرى آخره حكم الصلاة الواحدة التي يفعل ركعة منها قبل وقت التضييق، وما قالوه يوجب أن يكون ما صادف وقت التوسعة منها نفلا وما صادف وقت التضييق منها فرضا، وذلك أدخل في خرق الإجماع، مما قبله، ولأنه إذا ثبت أن من شرط الصلاة النية وأن أداءها في أول الوقت لا يصح ولا تكون ظهرا إلا أن ينوي أنه فرضه الذي عليه مثل النية لو أتى بها آخر الوقت، وأنه لو نوى بها نفلا لم تكن فرضا على وجه ثبت بذلك بطلان قولهم: إنها تكون نفلا إذا أديت أول الوقت، لأنه لو كان كذلك لكانت النية المطابقة لها أولى بها من النية المخالفة لها، ولأنها لو كان ما يفعل في أول الوقت نفلا لوجب أن يفصل بين فرضها ونفلها بالنية، فيقال للمكلف افصل بين التقرب بالنفل وبين التقرب بالفرض بالنية وإلا التبس أحدهما بالآخر ودخلت فيما يمنع في التكليف، وذلك يوجب أن ينوي بالظهر إذا أتى بها أول الوقت أنها نفل وذلك خلاف الإجماع، ولأن الأمة متفقة على إطلاق الاسم لأهل المساجد الجماعات، ومقدمي صلاة الظهر في أول الوقت بأنهم قد أدوا ما أوجب الله عليهم وصلوا الظهر التي لزمتهم، وعلى ما يقولون يمتنع ذلك، ويجب أن يكون من لم يصل الظهر طول عمره إلا في أول وقتها أنه لم يكن قط مؤديا لواجب وإنما كان متنفلا متطوعا

стр. 108

وذلك باطل ولأنا وجدنا للنفل أحكاما تختص به لا توجد في الفرض كما أن للفرض أحكاما تختص به لا توجد في النفل، فمن أحكام النفل أنه لا يؤذن لها ولا يقام وهذا منتف عن هذه الصلاة، لأنها تفعل بأذان وإقامة ومنها أنه لا يزاد فيه على ركعتين، ولأنه لا تفاضل بين الفرض والنفل بالاتفاق، وقد اختلف في التغليس بالفجر في المفاضلة بينه وبين الإصباح، وكل ذلك يمنع ما قالوه، ودليلنا على فساد قول من يقول: إنه يكون واجبا موقوفا، أنه قد ثبت أن المكلف يلزمه التمييز بين صلاة النفل والفرض بالنية، وليس يخلو مصلي الظهر عقب الزوال من أن ينوي بالصلاة النفل أو الفرض ولا يجوز أن ينوي نفلا بالاتفاق، ولا يصح أن ينوي بها فرضا وهو يعتقدها نفلا، لأن اعتقاده ذلك يمنعه أن ينوي بها الوجوب، ولا أن ينوي بها الوقوف لاستحالة قصد ذلك وتناول النية له، ولأن الفعل المعتد به لا بد من حصوله على وجه يقع عليه، ولا يجوز أن يقع على وجه يترقب بعد وقوعه، إلا أن يقف حكمه على شرط يأتي بعده فامتنع ما قالوه. [١٩٠] مسألة: إذا صلى صبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لزمه فعل الصلاة، ولم يسقط فرضها بما تقدم من صلاته قبل البلوغ، وكذلك لو ابتدأها ثم بلغ في أثنائها للزمه فعلها فلا يجزيه عن فرض الوقت في آخر الوقت، خلافا للشافعي، لأن الصلاة لا تصح إلا بنية الوجوب وذلك لا يصح إلا ممن هو من أهل الوجوب، والصبي ليس هو من أهله، فلو أجزأته لأدى إلى جواز الفرض بنية النفل، ولأنها صلاة ابتدئت نفلا، فلم تنقلب فرضا كتنفل البالغ، ولأنها صلاة فعلت نفلا فلم يسقط بها الفرض فيما بعد، أو فلم يمنع الوجوب فيما بعد كما لو فعلت قبل الوقت أو كصلاة البالغ.

стр. 109

باب في الأذان [١٩١] مسألة: يجوز أن يؤذن للفجر قبل وقتها، خلافا لأبي حنيفة، لقوله ﷺ (إن بلالا ينادي بليل) ويروى (يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) وروي (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)،ولأن من أصلنا استحباب التغليس بها، وهي صلاة تدرك الناس نياما غير متهيئين لها، فاحتيج إلى الأذان لها قبل وقتها، ليتأهب الناس لها في تلك المهلة، فيدركوا فضيلة التغليس، وبهذا فارقت سائر الصلوات، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة وعملهم المتصل فهو حجة، ولأنها صلاة فرض يجهر في جميعها من غير نقصان عددها، فجاز الأذان لها في وقت لا يجوز فيه فعلها كالجمعة. [١٩٢] مسألة: التكبير أول الأذان وآخره سواء، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إنه في أوله أربع، لأن ذلك مروي في حديث أبي محذورة

стр. 110

وبلال وسعد القرظ، ولأنه إجماع أهل المدينة نقلا، ولأن التكبير في النداء في الصلاة لا يزيد على مرتين كالإقامة وآخر الأذان ولأن ما يربع في الأذان من حقه أن يوحد في الإقامة اعتبارا بالتشهدين، فلما وجدنا التكبير يثنى في الإقامة دل على أنه لا يربع في الأذان. [١٩٣] مسألة: الترجيع في الأذان مسنون، خلافا لأبي حنيفة، لأنه ﵇ علم أبا محذورة الأذان إلى أن قال: (ثم ترجع فتمُدُّ من صوتك)، ويروى: (فترفع فتقول: أشهد أن لا اله إلا الله) إلى آخر التشهدين، وهذا

стр. 111

نص، وكذلك في حديث بلال، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة وعملهم المتصل. [١٩٤] مسألة: التثويب بالأذان في الفجر سنة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي، لما روي في حديث بلال أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: الصلاة خير من النوم، فقال (اجعلها في أذانك) وفي حديث أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الأذان وقال له (فإذا كنت في صلاة الصبح فقل الصلاة خير من النوم) ولأنه نقل أهل المدينة المتصل. [١٩٥] مسألة: الإقامة فرادى خلافا لأبي حنيفة، لحديث أنس، أن بلالا أمر أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، ومن طريق ابن وهب أن

стр. 112

رسول الله ﷺ أمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقال ابن عمر: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى والإقامة فرادى، وروي: مرة، وفي حديث سعد القرظ ﵁ أن رسول الله ﷺ ، علم بلالا الأذان مثنى مثنى والإقامة واحدة واحدة، ولأنه نقل أهل المدينة خلف عن سلف. [١٩٦] مسألة: وتقول قد قامت الصلاة مرة واحدة، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي. لما روى عمار ابن سعد القرظ عن أبيه أنه سمعه يقول: هذا الأذان أذان بلال الذي أمر به رسول الله ﷺ ، وإقامته فذكر له الأذان وقال: الإقامة واحدة واحدة، ويقال: قد قامت الصلاة مرة واحدة، وهذا نص، وروى الحميدي عن إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي محذورة قال أدركت أبي وجدي وأهلي يقيمون الصلاة فيقولون إلى أن ذكر قد قامت

стр. 113

الصلاة الله أكبر الله أكبر. ولأنه نقل أهل المدينة المتصل، ولأنه لفظ يختص الإقامة، فوجب أن يكون على أصلها في الإيتار، كما أن الصلاة خير من النوم لما كان لفظا يختص الأذان كان على أصله في الاشفاع. [١٩٧] مسألة: الأذان مسنون وليس بمفروض، خلافا لداود في قوله: إنه واجب في الجماعة، لأنه نداء بالصلاة كالإقامة، ولأنها صلاة تؤدى، فلم يكن الأذان واجبا فيها كالمؤداة في الانفراد ولأن الجماعة تؤثر في إسقاط النطق الواجب في الصلاة، وهو القراءة فكانت عن أن يوجب غيره أبعد، اعتبارا بأدائها في السفر، ولأنها صلاة شرعية كالفوائت. [١٩٨] (فصل): ولا فرق بين أذان الجمعة وغيرها، خلافا لبعض الشافعية، لما بيناه، ولأن كل نداء لم يجب لغير الجمعة، لم يجب للجمعة كالإقامة، واعتبارا بغيرها من الصلوات. [١٩٩] مسألة: يجوز أن يؤذن واحد ويقيم آخر، خلافا للشافعي في كراهية ذلك، لحديث عبد الله بن زيد أنه أري الأذان في النوم، فذكره للنبي ﷺ فقال له: (القه على بلال) فألقاه عليه، فأذن بلال، فقال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، فقال: (فأقم أنت) وروي أن ابن أم مكتوم كان يؤذن، وأن بلالا كان يقيم، ولأن الأذان والإقامة قد ينفردان بدليل

стр. 114

الفوائت والانفراد، فجاز أن يتولاهما اثنان كالصلاتين. [٢٠٠] مسألة: يجوز أن يتخذ لمسجد خمسة مؤذنين وأكثر، خلافا للشافعي في قوله: لا يتخذ أكثر من أربعة، لأنه عدد لا يتفاحش فأشبه الأربعة. [٢٠١] مسألة: الفوائت يقام لها ولا يؤذن، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله ﵊ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) ولم يأمر أن يؤذن لها، وفي حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ لما حبس يوم الخندق عن الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، صلاها بإقامة لكل صلاة، ولم يؤذن لها، ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة وإيذان بوجوبها وسنته الجماعة الراتبة، وكل ذلك معدوم في الفوائت، ولأن الأذان علم على الوقت فسقط بفواته، ولأنه لو أذن لها لالتبس بصلاة الوقت، ولأنه لما لم يكن من سنتها أن يؤذن لها على المنابر وإنما يفعل عندهم كما يفعل الإقامة دل على أنه ليس بسنتها بوجه، واعتبارا بالثانية والثالثة. [٢٠٢] مسألة: يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة خلافا لأبي

стр. 115

حنيفة، لأنه إجماع الصحابة، لأن عمر أرزق المؤذنين، ولا مخالف له، ولأن كل ما جاز أن يتبرع به عن الغير جاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد، ولأن الإمام الأعلى يأخذ رزقه من بيت المال ونيابته أفضل من نيابة المؤذنين. [٢٠٣] مسألة: ليس من شرط الأذان الطهارة خلافا لإسحاق إن صح عنه لقوله ﷺ : (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما). ولم يشترط الطهارة ولأنه ذكر في غير الصلاة كالدعاء ولأن قراءة القرآن أفضل من الأذان، ثم هي جائزة مع الحدث، والأذان أولى، ولأن المقصود منه الإعلام بالصلاة وذلك يحصل مع الحدث كمن هو من أهله. [٢٠٤] مسألة: يجيء على قولنا: إن المرأة لا تؤذن للرجال، لأن مالكا، قال: لا يؤذن إلا من يؤم، وقال أبو حنيفة يجوز فنقول: كل من لم تجز إمامته لم يعتد بأذانه كالكافر والمجنون.

стр. 116

[باب في استقبال القبلة] [٢٠٥] مسألة: إذا عميت عليه الدلائل فاجتهد في طلب القبلة وصلى إلى ما غلب على ظنه أنها جهتها ثم بان له الخطأ فيها فلا تلزمه الإعادة، خلافا للشافعيومحمد بن مسلمة والمغيرة لقوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ مفهومه: حصول الأجزاء على أي وجه وقع الاستقبال، وروى عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة ظلماء ذات ريح ومطر فحضرت الصلاة فصلى كل رجل منا على حيال وجهه لغير القبلة فلما أصبحنا سألنا رسول الله ﷺ فقال (مضت صلاتكم) وأنزلت هذه الآية: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وفي حديث عطاء، عن جابر قال: صلينا ليلة في غيم وخفيت علينا القبلة، وَعَلَّمْنَا عَلَمَاً، فلما أصبحنا نظرنا، فإذا نحن قد صلينا

стр. 117

إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال (قد أحسنتم) ولم يأمرنا بالإعادة. وقوله ﵊: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). وقوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة).ولأنها جهة يسقط فرض الصلاة بالتوجه إليها مع العلم بها، فجاز أن يسقط فرض الصلاة بالتوجه إليها مع العلم بالاجتهاد، أصله جهة القبلة ونريد بما قلناه حيال المسايفة، ولأنه صلى إلى جهة هو مأمور بالصلاة إليها، فوجب أن يسقط عنه الفرض كالمسايف إذا صلى إلى غير القبلة، ولأنها عبادة مرتبة مختلفة الأركان، أو عبادة ذات أركان، فجاز أن تصح مع الخطأ في بعض شرائطها حال الاجتهاد كالحج إذا أخطأ الناس الوقوف بعرفة فوقفوا يوم النحر ولأن فرض التوجه مبني على الاجتهاد بدلالة أن من غاب عن الكعبة لا يتوصل إلى فرضه يقينا، وإنما يصل إليه باجتهاده، فإذا أخطأ فقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد، فلا يفسخ عليه الأول كالحاكم إذا حكم باجتهاده، ثم بان له اجتهاد آخر، ولأن القضاء يسقط عن تارك القبلة مع العلم بها لعذر، وهي المسايفة والتنفل في السفر، ولأن يسقط مع الجهل بها لعذر الاجتهاد أولى. [٢٠٦] مسألة: اختلف متأخرو أصحابنا، هل يلزمه أن يجتهد في إصابة الجهة أو العين، فمنهم من قال: إلى الجهة، ومنهم من يقول: إلى العين، فوجه اعتبار الجهة قوله تعالى: ﴿فولوا وجوهكم شطره﴾ والشطر النحو، ولأنه لا خلاف أن للناس أن يمدوا صفوفا، وإن كنا نعلم أن من خرج من قدر مقابلتها غير متوجه إلى عينها، وإنما هو متوجه إلى الجهة،

стр. 118

فإن قيل إنهم يصيبون عينها لكونهم بالبعد عنها، وكلما بعد كان إلى الإصابة أقرب، قلنا: هذا غلط لأنا لو تصورنا امتدادهم على حد سواء إلى البيت لم يقابل عينها إلا بعضهم دون من خرج عن قدر مساحته. [٢٠٧] مسألة: إذا اجتهد رجلان في طلب قبلة فأدى أحدهما اجتهاده إلى جهة والآخر إلى غيرها، لم يجز لأحدهما إلا أن يصلي إلى جهة اجتهاد نفسه، فإن صلى إليها مؤتما بصاحبه فصلاته باطلة، خلافا لما يحكى عن أبي ثور من صحة صلاته، لأن كل واحد منهما معتقد أن الآخر متوجه إلى غير القبلة، وأنه في غير صلاة، فلم يجز أن يأتم به كما لو علم أنه جنب. [٢٠٨] مسألة: التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت به راحلته يجوز في سفر القصر دون ما قصر عنه، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي، في إجازتهما ذلك في طويل السفر وقصيره، لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ فعم، ولأنه معنى يؤثر في تعيين بنية الصلاة يختص بالسفر، فوجب أن يتعلق بطويله دون قصيره كالقصر. [٢٠٩] مسألة: قوله لا يجوز ذلك في الحضر على وجه، خلافا لبعض الشافعية في قوله يجوز ذلك للحاضر الذي معيشته على الراحلة كالجمالين ومن أشبههم، للظاهر، ولأنه لاضرورة به إلى ذلك كضرورة المسافر، ولأن من السفر ما لا يجوز ذلك فيه فالحضر أبعدهم اجتهاداً. [٢١٠] مسألة: إذا اجتهد فأداه اجتهاده إلى أن القبلة في جهة فصلى، ثم أراد أن يصلي صلاة ثانية، فلا أحفظ نصا في هذا الوقت، وعندي أنه يلزمه إعادة الاجتهاد، خلافا لمن قال يجتزئ بالأول، لأنه قد يتبين له، ولأنه مريد للصلاة غائب عن القبلة، فأشبه من لم يتقدم له اجتهاد ولأنه

стр. 119

كالحاكم إذا اجتهد فحكم في حادثة بما أداه اجتهاده إليه، ثم اختصم إليه في مثلها ثانية فإنه يلزمه الاجتهاد ثانية كذلك في مسألتنا. [حكم من طلعت عليه الشمس وهو يصلي الصبح] [٢١١] مسألة: إذا صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس، فقد أدركها، ولم تبطل صلاته خلافا لأبي حنيفة، لقوله ﵊ (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها) ولأنها صلاة صح الإحرام بها في وقتها، فلم تبطل بخروجه، كسائر الصلوات، ولأنه معنى عرف به خروج الوقت، فلم يبطل الصلاة كغروب الشمس في العصر. [باب في صفة الصلاة] [النية] [٢١٢] مسألة: يجب في نية الصلاة أن تكون مقارنة ل تكبيرة الإحرام ، سواء ابتدأها مع التكبير أو سبق بها واستصحبها ذاكرا إلى أن كبر فأما إن نوى ثم نسي حتى كبر فلا يجزيه، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن عزبت نيته عن قرب من التكبير أجزأه، لأنها تكبيرة عزبت عن مقارنة النية كالتي تعزب عن بعد وتفارق الوضوء لأنها في الصلاة أضيق. [تكبيرة الإحرام] [٢١٣] مسألة: لفظ الإحرام متعين، وهو أن يقول: الله أكبر لا يجزئ غيره، خلافا لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن يحرم بقوله: "الله" فقط أو "أجل" أو "أعظم " وللشافعي في قوله: "الله الأكبر" فدليلنا على أبي

стр. 120

حنيفة قوله ﷺ : (تحريمها التكبير). ففيه أدلة أحدها: أنه بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ فاقتضى تعيينه كما أن قوله: (في خمس من الإبل شاة) لما كان بيانا لمجمل قوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ وجب تعيينه. والثاني: أنه أشار إلى جنس التحريم، فلم يبق تحريم سواه. والثالث: أنه شرط التكبير في التحريم فانتفى أن يكون تحريما بغير تكبير، وعلى قولهم إنه يحرم بقوله: "الله" فقط قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولم نره أحرم إلا بقوله: "الله أكبر" وقوله: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ) إلى أن قال: (ثم يستقبل القبلة فيقول الله أكبر). ولأنه لفظ عار

стр. 121

من التكبير مع القدرة عليه، فلم يصح انعقاد الصلاة به، كقوله يا مالك يوم الحساب، ولأنه ركن من أركان الصلاة، فوجب أن يكون متعينا كالركوع والسجود، ودليلنا على الشافعي ما رويناه ولأنها زيادة غيرت بنية قوله "الله أكبر" كقوله الله الكبير. [٢١٤] (فصل): تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة وركن من أركانها، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه يدخل بها في الصلاة وليس منها، وأصحابه يقولون: هذا ليس بمنصوص عنه ولكنه قول الكرخيودليلنا قوله ﵊: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو تكبير وتسبيح) وظاهره أن كل تكبير يتعلق بالصلاة فإنه منها، ولأنه ذكر من شرط صحة كل صلاة فوجب أن يكون منها، أصله القراءة، ولأنه ذكر من شرط صحة الصلاة فكان من الصلاة كالتشهد، ولأن كل ما افتقر إلى استقبال القبلة كان من الصلاة كالركوع والسجود ولأن كل ما افتقر إليه أفعال الصلاة من ستر العورة واستقبال القبلة وطهارة، ثبت أنه منها. [تربص الإمام قبل الإحرام حتى تعتدل الصفوف] [٢١٥] مسألة: وينبغي أن يقف الإمام بعد فراغ الإقامة حتى تعتدل

стр. 122

الصفوف، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إنه يكبر حين يقول المؤذن: قد قامت الصلاة، لما روي أنه ﵊ (كان يقف بعد الإقامة حتى تعتدل الصفوف) وكان يقول (سووا بين صفوفكم وتراصوا).وروي أنه ﵊ (كان يكلم في الحاجة بعد إقامة الصلاة ثم يكبر بعد أن يأمر فيها بأمره).ولقوله (فإذا كبر فكبروا) وهذا يشتمل الإمام وغيره، فإذا كبر الإمام قبل فراغه من الإقامة احتاج أن يتشاغل المؤذن بتمامها ثم يكبر، وهذا خلاف الخبر، ولأنه لم يفرغ من الإقامة، أصله إذا لم ينته إلى قوله قد قامت الصلاة. [تكبيرة الإحرام بالفارسية] [٢١٦] مسألة: إذا كان يحسن بالعربية فلا يجزيه الإحرام بالفارسية، خلافا لأبي حنيفة لقوله ﵊: (يقول: الله أكبر) وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي).

стр. 123

[٢١٧] (فصل): فأما إذا كان لا يحسن العربية، فعندي أنه يعتقد الدخول في الصلاة بقلبه، ولا يحرم بالفارسية، وأظن أن من أصحابنا من يقول: إنه يحرم بلسانه، وهو قول الشافعي فنقول: إنه ذكر من شرط صحة الصلاة، فوجب أن لا تصح إذا أتى به بغير العربية كالقراءة، ولأنه لا يخلو أن يكون المطلوب لفظ التكبير أو معناه، فأي ذلك كان وجب استواء القادر وغير القادر فيه. [رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام] [٢١٨] مسألة: ويرفع يديه عند تكبيرة الإحرام. خلافا لقوم، لما رواه جماعة من الصحابة أن النبي ﷺ (كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه). [٢١٩] مسألة: وعنه في رفعها عند الركوع والرفع منه روايتان، فوجه إثباته ما رواه ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه حين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع. وروى ابن أبي رافع عن علي أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الافتتاح والركوع ورفع الرأس منه. وروى

стр. 124

وائل بن حجر وأبو حميد. ولأنها تكبيرة حال القيام في الركعة الأولى كتكبير الإحرام ووجه نفيه ما رواه ابن مسعود ..........

стр. 125

والبراء بن عازب أن النبي ﷺ : (كان يرفع يديه مع تكبيرة الإحرام ثم لا يعود لرفعهما).وقال ابن مسعود أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة، ولأنه رفع بعد الافتتاح فلم يكن من هيئة الصلاة كالرفع من السجود، ولأنه تكبير موضوع للانتقال من ركن إلى ركن كتكبيرات السجود. [٢٢٠] مسألة: والاختيار رفعهما إلى المنكبين، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إلى الأذنين، لما روى ابن عمر وأبو حميد أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. [القراءة في الصلاة] [٢٢١] مسألة: المستحب أن يقرأ الفاتحة عقيب الإحرام، خلافا للشافعي، في استحبابه التوجيه والتسبيح، لما روى أبو حميد في وصفه صلاة رسول الله ﷺ أنه كان يرفع يديه ويكبر ثم يقرأ وقوله للذي

стр. 126

علمه الصلاة: (كبر ثم اقرأ) وقوله: (تكبر ثم تقرأ) وفي حديث أُبيّ كيف تقرا إذا فتحت الصلاة؟ قال: (الله أكبر) (الحمد لله رب العالمين). [٢٢٢] مسألة: القراءة واجبة في الصلاة، خلافا للأصم وغيره من المبتدعة، لقوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾ وقوله ﵊ (لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب).وقوله (كبر ثم اقرا) وقوله ﵇ (صلوا كما رأيتموني أصلي). [٢٢٣] مسألة: وهي متعينة لا إنه أي شيء قرأ من القرآن أجزاه،

стр. 127

لقوله ﵊ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وقوله (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن).وذكر الدارقطني أنه ُروي (لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب)، وذكر أن إسناده صحيح، وقوله: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ثلاثا)، وقوله (صلوا كما رأيتموني أصلي) ورأيناه قد قرأ بها، وذلك بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وفي حديث رفاعة قال: (دخل رجل المسجد فصلى قريبا من النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : أعد صلاتك

стр. 128

فإنك لم تصل. فقام فصلى نحوا من صلاته الأولى، فقال له: أعد صلاتك، فقال: علمني كيف أصلي، فقال له: إذا توجهت إلى القبلة، فكبر ثم اقرأ بفاتحة الكتاب).ولأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يتعين بنوع بعينه زائد على تعيين الجنس، أصله الركوع والسجود. [٢٢٤] مسألة: المستحب أن يبتدئ بالفاتحة من غير تعوذ قبلها خلافا لأبي حنيفة، والشافعي لقوله ﷺ للذي علمه: (كبر ثم اقرأ) وقال لأُبيّ كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ فقال: "الله أكبر" "الحمد لله رب العالمين"، ولأنه قول فاصل بين التحريم والفاتحة، فلم يكن مستحبا في الفرض كسائر الدعاء. [٢٢٥] مسألة: (بسم الله الرحمن الرحيم) ليست من الفاتحة ولا من أول كل سورة خلافاً للشافعي: لأنه لا طريق إلى إثبات القرآن إلا بنقل متواتر يوجب العلم ويقطع العذر، أو بإجماع الأمة ولا يثبت بنقل أحاد ولا بقياس ولا ما يؤدي إلى غلبة الظن، وليس هاهنا إجماع ولا نقل تقوم الحجة به فلم يجز إثباتها من الفاتحة. وإن تعلقوا بإجماع ناقلي مصحف عثمان على أنها ثابتة في أول كل سورة، وأنهم قد وافقونا على أن جميع ما في المصحف بخطه قرآن في موضعه، قلنا: الناقلون للمصحف لم يجمعوا

стр. 129

على أنها من كل سورة، بل أكثرهم يقول إنها ليست منها، وإنما جعلت فصلاً بين السورتين. فإن قيل: حدوث الاختلاف لا ينفي الإجماع، قلنا: ووجود الاختلاف يمنع إدعاء الإجماع، ولأن الاتفاق حاصل على أن النبي ﷺ بين القرآن بياناً واحداً متساوياً على وجه تقوم به الحجة وينقطع به العذر، وإن عادته في البيان لم تكن مختلفة بأن يبين بعضه على هذا الوجه وبعضه بياناً خفيفاً يلقيه إلى الواحد والاثنين وبهذا قطعنا بمنع تجويز أن يكون قد بقي شيء من القرآن لم ينقل إلينا أو يكون بعض أحاد الصحابة أثبت ما لم يثبت في المصحف وقطعنا ببطلان إدعاء الرافضية الطاعنين على المصحف المجمع عليه بأن القرآن حمل جمل وأنه عند الإمام الذي هو عندهم إمام الزمان. وإذا ثبت ذلك فلو كانت من الحمد لكان بينها بياناً شائعاً متواتراً ولو كان فعل ذلك لم يقع خلاف كما لم يقع الخلاف في أن ما في السورة منها هذا هو العمدة مع الذي قبله من الاستدلال. فأما من طريق أخبار الآحاد فيما يتعلق بإجزاء الصلاة مع عدم قراءتها فيما روى عنه ﷺ أنه قال: (إن الله يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين يقول: الله حمدني عبدني إلى أن قال فإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ يقول الله : هذه الآية نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل) ففي هذا دليلان: أحدهما: أنه قال: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين ولو كانت منها لكان يقول فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. والآخر: إخباره بأنها نصفان، وهذا لا يمكن إلا أن تكون أولها الحمد لله رب العالمين وإلا كان أكثر من نصفها وقال

стр. 130

عليه السلام: (لأُعلمنك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها) فذكر إلى أن قال: (كيف تقول إذا افتتحت الصلاة؟ فقرأت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها) موضع الدليل أنه لم يذكر التسمية ولم ينكر ذلك عليه فدل على أنها ليست منها. [٢٢٦] (فصل): قد بينا أن المستحب ترك قراءتها فإن قرأها لم يجهر بها. خلافاً للشافعي: لما روى أنس قال: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فكانوا لا يجهرون بها، وروي مثلها عن ابن مسعود وعائشة. وروي عن عبدالله بن مغفل أنه قال لابنه ورآه يجهر بها إياك والحدث فإني صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم أسمع أحداً منهم يقرؤها. إذا قرأت فقل الحمد لله رب العالمين.

стр. 131

[٢٢٧] مسألة: الصحيح من المذهب وجوب قراءة (الحمد لله) في كل ركعة. خلافاً لأبي حنيفة أوجبها في ركعتين: والدليل عليه قوله للذي علمه الصلاة ثم اقرأ بفاتحة الكتاب ثم اصنع كذلك في كل ركعة كالركوع والسجود. [٢٢٨] مسألة: في تأمين الإمام روايتان فوجه إثباته. قوله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا). وروى وائل ابن حجر أنه ﷺ كان يقول آمين يرفع بها صوته. ولأنه ذكر سن للمأموم فكان مسنوناً للإمام كسائر الأذكار المسنونة؛ لأنه مصل فأشبه المأموم والمنفرد ولأن الإمام في باب الأذكار أبلغ من المأموم؛ لأنه يأتي بما لا يأتي المأموم من القراءة والجهر، وإذا سن له ما كره للمأموم كان بأن يسن له ما يسن للمأموم أولى واعتباراً بإسرار القراءة.

стр. 132

ووجه نفيه قوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) إلى قوله: (فإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) ففيه دليلان: أحدهما: أنه لو كان من سنة الإمام التأمين لكان يقول: فإذا قال: آمين فقولوا: آمين. والآخر: أن بنية أمر المأموم على أن تقع أفعاله عقيب أفعال الإمام، وفي الخبر أنه يقول: آمين عند فراغه من قوله: ﴿ولا الضالين﴾ وذلك يوجب مشاركتنا له في الزمان الذي يقول فيه: آمين. ولأن الإمام داع والمأموم مستمع، ومن حق الدعاء أن يكون المؤمن غير الداعي. [٢٢٩] مسألة: المستحب إخفاء التأمين خلافاً للشافعي: لأنه دعاء في مقابلة دعاء فكان من سنته الإخفاء، أصله قولهم: اللهم ربنا ولك الحمد. ولأنه دعاء حال القيام كدعاء الاستفتاح. [٢٣٠] مسألة: ولا تجوز القراءة بالفارسية لا لمن يحسن العربية ولا لمن لا يحسنها خلافاً لأبي حنيفة: لأن قراءة القرآن مستحقة في الصلاة باتفاق، ولا يخلو المخالف أن يقول: القراءة بالفارسية قرآن أو ترجمة للقرآن وليست بقرآن فإن قال: إنها قرآن فذلك باطل لأن الله وصف القرآن بأنه عربي فقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا﴾ وقال: ﴿ولو جعلناه قرآنا أعجميا﴾، فدل على أنه لم يجعله كذلك، وقال راداً على من زعم أن سلمان كان يعلم النبي ﷺ : ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ فأخبر أن القرآن هو

стр. 133

باللسان العربي فانتفى أن يكون بغيره وإن قال إنها ترجمة للقرآن وهو مثل له فذلك باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾ وهذا ينفي أن تكون الترجمة مثلا له، ولأن ترجمة الشيء غيره كما أن ترجمة الشعر غيره وليست بمثله. ولأن في ذلك إبطالاً للإعجاز ولفائدة التحدي؛ لأن الله تعالى أخبر أن أحداً لا يأتي بمثله، وتحدى العرب أن يأتوا بمثله وعجزهم عن ذلك، وقد علمنا أن العرب تعجز عن لغة العجم ولم يكن في الحجاز لغة العجم، وإذا بطل أن يكون ذلك قرآناً لم يجز أن يعتض به عن القرآن. ولأن الصحابة لما اجتمعت على كتابة المصحف، وعدلوا عن كتب التابوت لما أن كتب بالتاء وقالوا: إن القرآن نزل بلغة قريش مع العلم بأن معنى اللغتين واحد ولما راعوا اللفظ علم أن ذلك شرط في كونه قرآناً. ولأن ما بين ألفاظ العربية من التناسب والتشاكل أقرب مما بين العربية والعجمية، وقد ثبت أن الترجمة عن معنى القرآن ليست بقرآن فالفارسية أبعد. ولأن كفار قريش كانوا في غاية الحرص على تكذيبه والذم عليه فلو كان إيراد معنى القرآن بغير لفظه ونظمه مثلاً له لكانوا يحجونه به وفي هذه الجملة إبطال ما قالوه. [٢٣١] مسألة: فرض القراءة ساقط عن المأموم خلافاً للشافعي: لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾

стр. 134

وفي وجوب الإنصات منع كل شاغل عنه، وقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا) ففيه أدلة: أحدها: أمره بالإنصات وذلك ينفي وجوب القراءة. الثاني: أنه قصد تعليم ما يلزمه أن يفعله خلف الإمام ولم يذكر القراءة. والثالث: أنه بين ما يفعل المأموم فيه مثل فعل الإمام وما من حقه أن يفعل فيه بخلاف فعله. وفي القول بأن على المأموم أن يقرأ إبطال لموضع التفرقة. وقوله: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). وروى عبدالله بن شداد (أن رجلاً قرأ خلف رسول الله ﷺ وآخر ينهاه فلما انصرف قال له إن قراءة الإمام لك قراءة). وروى أبو الدرداء قال سئل رسول الله ﷺ أفي كل صلاة

стр. 135

قراءة؟ قال: نعم فقال رجل من الأنصار وجبت هذه. فقال النبي ﷺ (ما أرى الإمام إذا أم قوماً إلا قد كفاهم).وروى أبو قلابة أنه ﵇ قال: (هل تقرؤون خلف إمامكم؟ قال بعضهم: نعم وقال بعضهم: لا، فقال إن كنتم لابد فاعلين فليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه). ففيه أدلة: أحدها: لم ينكر على من قال لا. والثاني: أنه قال إن كنتم لابد فاعلين وهذا لا يقال في الواجب وإنما يقال فيما تركه أولى من فعله. والثالث: أنه أمره أن يقرأ الحمد لله في نفسه وهو يتضمن النهي عن التلفظ بها. وقوله: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا وراء الإمام). ولأنها حال ائتمام كما لو أدركه راكعاً.

стр. 136

ولأن ذلك لو كان واجباً على المأموم لم يسقط عنه بحال كالإمام والمنفرد فلما سقطت عنه حال الركوع دل على أنها غير واجبة. [٢٣٢] (فصل): إذا قرأ حال جهر الإمام كره ذلك ولم تبطل صلاته. خلافاً لبعضهم. لأن القراءة خلف الإمام لا تبطل صلاة المأموم كحال الإسرار. [وضع اليمنى على اليسرى] [٢٣٣] مسألة: في وضع اليمنى على اليسرى روايتان: إحداهما: الاستحباب والأخرى: الإباحة، وأما الكراهة ففي غير موضع الخلاف، وهي إذا قصد بها الاعتماد والاتكاء فوجه الاستحباب قوله ﵇: (ثلاث من أخلاق النبوة فذكر وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة). وقيل في تأويل قوله : ﴿فصل لربك وانحر﴾ في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. ولأنه أزيد وأدخل في الخشوع ووقار الصلاة. ووجه نفيه: كفوا أيديكم في الصلاة، ولأنه ﵇ علم الأعرابي الصلاة مفروضها وسنتها ولم يذكر ذلك فيها، والأول أظهر.

стр. 137

[٢٣٤] (فصل): وصفة وضع إحداهما على الأخرى أن تكون تحت صدره وفوق سرته. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن السنة أن يضعهما تحت السرة لأنه موضع محكوم له من العورة فلم يكن محلاً لموضع اليمنى على اليسرى كالفخذ. [القراءة في الركعتين الأخيرتين] [٢٣٥] مسألة: الاختيار في الركعتين الأخيرتين قراءة الفاتحة وحدها خلافاً للشافعي: في قوله: إن السنة أن يقرأ سورة معها في كل الركعات. لما روي أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر في الركعتين الأولتين بالفاتحة والسورة، وفي الأخيرتين بفاتحة الكتاب وروي أن عمر قال لسعد شكاك الناس في كل شيء حتى في الصلاة فقال أما أنا فأركد في الأولتين وأحذف في الأخيرتين وما آلو ما اقتديت إلا بصلاة رسول الله ﷺ قال: ذلك الظن بك. ولأن الأوليين لما اختصتا في الزيادة بالجهر فيما يجهر فيه اختصتا بزيادة القراءة، والأخيرتين لما نقصتا عنهما في الصفة وهي الجهر نقصتا في زيادة القراءة. [التكبير عند الركوع والسجود] [٢٣٦] مسألة: تكبير الركوع والسجود سنة خلافاً لمن حكي عنه أنه لا يكبر للركوع. لما روي أنه ﵇: (كان يكبر في كل ما يخفض

стр. 138

ويرفع وأنه لم تزل هذه صلاته حتى فارق الدنيا). [٢٣٧] مسألة: وليس في الصلاة تكبير واجب إلا تكبيرة الإحرام خلافاً لابن حنبل في قوله إن باقي التكبير واجب. لأن كل نطق وجب في الصلاة غير القراءة لم يتكرر وجوبه كالسلام. [الركوع والرفع منه] [٢٣٨] مسألة: وإذا ركع وضع يديه على ركبتيه لقوله ﵇ للذي علمه الصلاة (ثم اركع وضع يديك على ركبتيك وفرق بين أصابعك). وما ذكره ابن مسعود منسوخ لقول سعد (إنا كنا نفعل ذلك

стр. 139

فنهينا عنه). [٢٣٩] مسألة: التسبيح في الركوع والسجود غير واجب خلافاً لأحمد وداود. لقوله ﵇: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً واسجد حتى تطمئن ساجداً) ولم يأمره بذكر فيهما. وقوله: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء) ولم يأمره بالتسبيح، والآخر أنه فصل بينهما فيما يقال فيهما فدل على ما قلناه. ولأنه ركن في الصلاة فلم يجب فيه تسبيح كالقيام. [٢٤٠] مسألة: في الرفع من الركوع يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ولا يقول: ربنا لك الحمد، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده. خلافاً للشافعي في قوله: إن الإمام والمأموم يقول: ربنا لك الحمد لقوله: (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد) فدل على أن الإمام لا يقولها. ولأنه

стр. 140

ذكر يقع على وجه المقابلة لكلام الغير فلم يشارك فيه التابع المتبوع كتشميت العاطس. ودليلنا على أن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده قوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا ركع فاركعوا ..) إلى قوله (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد) ففيه دليلان: أحدهما: أنه لم يقل فقولوا: سمع الله لمن حمده. والآخر: أنه قصد بيان وجه الائتمام به وكيفيته وميز ما يفعل فيه مثل فعله وبما يفعل فيه بخلاف فعله. ولأنه أضاف إلى كل واحد لفظاً غير ما أضافه إلى صاحبه فالظاهر أنهما لا يشتركان فيه. [٢٤١] مسألة: الطمأنينة في الركوع واجبة خلافاً لأبي حنيفة: لحديث أبي حميد أنه ﵇: (كان يركع فيضع راحتيه على ركبتيه ويعتدل). وقال للذي علمه الصلاة (واركع حتى تطمئن راكعاً). وقال: (لا تتم صلاة أحد حتى يتوضأ) إلى أن قال: (ثم يركع حتى تطمئن مفاصله). ولأنه ركن مستحق فكان من شرطه الطمأنينة كالقيام. [٢٤٢] مسألة: الاعتدال في الرفع من الركوع غير مستحق عند مالك ومن شيوخنا من يزعم أنه مستحق على قوله وهو قول الشافعي والذي رأيت منصوصاً لابن القاسم وعلي بن زياد عنه أنه إن انحط قبل الاعتدال

стр. 141

فلا شيء والدليل عليه أن الاعتدال قيام فلو كان فرضاً لكان عقيبه ركوع كالقيام الأول. ولأن القيام ركن قبل الركوع فوجب أن لا يتكرر فرضه في الركعة كالقراءة ولأن هذا الرفع أريد لفصل بين الركوع و السجود ، فوجب أن يكتفي منه بما دون الاعتدال؛ لأن الفصل يقع به وكل ما أريد به فعل فصل فإنه إذا حصل ذلك الفصل كفى في وجوبه ولأنه فعل من الرفع ما خرج به عن أن يكون راكعاً أو مقارباً للركوع كما لو اعتدل. [٢٤٣] مسألة: والرفع من الركوع واجب وإن كان الاعتدال الذي فيه غير واجب فإن انحط ساجداً وهو راكع فلا يجزيه على الظاهر من المذهب. ورأيت في بعض الكتب عن مالك أو عن بعض أصحابه إنه يجزيه وليس بشيء يعول عليه. ودليلنا على أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة قوله ﵇: (لا يجزئ الرجل صلاة لا يقيم فيها صلبه في الركوع والسجود) وقوله: (ثم أرفع حتى تعتدل قائماً). ولأن الركوع ركن من الفعل وجب الفصل بينهما اعتباراً بالرفع من السجود. [السجود] [٢٤٤] مسألة: إذا هوى إلى السجود فواسع أن يضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن الأحسن أن يضع يديه قبل ركبتيه خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سجد أحدكم

стр. 142

فليضع يديه قبل ركبتيه). ولأنه أَزْينَ في وقار الصلاة وأبعد عن الشبه بجلوس العوام ومن لا وقار له, فكان أولى به. [٢٤٥] مسألة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه واستحببنا له الإعادة في الوقت، وقال ابن حبيب لا يجزيه وحكي مثله عن ابن عباس وغيره. ودليلنا قوله ﵇: (أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء) فذكر الجبهة ولم يذكر الأنف. ولأن ما سوى الجبهة من الوجه لا يلزمه السجود عليه كالذقن ولأن الوجه عضو للسجود فوجب أن يجزئ منه جزء واحد كاليدين. [٢٤٦] مسألة: وإذا سجد على أنفه دون جبهته مع القدرة عليه فلا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (ثم يسجد فيمكن وجهه)

стр. 143

ويروى (جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله). ولأنه موضع من الوجه فلم ينب السجود عليه عن الجبهة أصله الذقن ولأن كل عضو جاز ترك السجود عليه من غير عذر لم يجز الاقتصار عليه كسائر أعضاء السجود. [٢٤٧] مسألة: يجوز أن يسجد على طاقات العمامة من غير أن يكشف عن جبهته خلافاً للشافعي. لقوله (واسجد حتى تطمئن ساجداً) ولم يفصل ولأنه عضو من أعضاء السجود فوجود الحائل بينه وبين الأرض لا ينفي الاسم حقيقة، أصله الركبتان. ولأنه مكن جبهته من الأرض فأشبه إذا باشرها به. [٢٤٨] مسألة: لا يلزمه كشف يديه في السجود خلافاً لأحد قولي الشافعي. لأنه يسمى ساجداً متمكناً فأشبه إذا كشف. [٢٤٩] مسألة: الطمأنينة واجبة في السجود خلافاً لأبي حنيفة. لقوله: (اعتدلوا في السجود). وقوله: (أتموا الركوع والسجود). وقوله: (ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله من الأرض). وروي أنه ﵇ نهى عن نقرة الغراب. ولأنه ركن من أركان الصلاة مقصود

стр. 144

لنفسه فترك الاعتدال فيه يفسد الصلاة كالقيام الأول. [٢٥٠] (فصل): الاعتدال في الجلسة بين السجدتين يخرج على الاعتدال في الرفع من الركوع وقد ذكرناه. [٢٥١] مسألة: إذا أراد القيام من السجود نهض قائماً ولم يجلس. خلافاً للشافعي في قوله يجلس جلسة الاستراحة. لما روي أنه ﵇ (كان إذا رفع رأسه من السجود رفع يديه قبل ركبتيه ونهض قائماً ولا يجلس). وفي حديث أبي حميد أنه ﵇ (سجد ثم كبر فقام ولم يتورك). ولأن نهوض إلى القيام فلم يكن من سنته أن يفصل بينهما بفعل غيره، أصله النهوض من الجلوس إلى الركعة الثالثة ولأنه انتقال من ركن إلى ركن يخالفه فلم يسن فيه جلسة يفصل بينهما كالانتقال من القيام إلى السجود. [٢٥٢] مسألة: إذا نهض إلى القيام فله أن يعتمد على يديه وهو الأحسن عندنا خلافاً لأبي حنيفة في قوله يعتمد على صدور قدميه. لما روى مالك بن الحويرث (أن النبي ﷺ نهض معتمداً على الأرض). ولأن

стр. 145

ذلك أزين في أدب الصلاة ووقارها فكان أولى. [الجلوس في الصلاة] [٢٥٣] مسألة: الجلوس في الصلاة كلها متوركاً. خلافاً لأبي حنيفة في قوله أنه يكون في جميعه مفترشاً وللشافعي في قوله أنه يكون في الجلسة الأخيرة للأرض متوركا وفيما قبله مفترشاً. فدليلنا على أبي حنيفة حديث ابن عمر أنه قال: (إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى). وقول الصحابي السنة يفيد أنها سنة النبي ﷺ وروى عبدالله بن الزبير قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه) وهذا لا يكون إلا مع الإفضاء بوركه إلى الأرض على ما قلنا ولأن ذلك أبلغ في التمكين وأحسن في وقار الصلاة. [٢٥٤] (فصل): ودليلنا على الشافعي. ما رويناه، ولأنه جلوس في الصلاة فأشبه الأخير. ولأنه فعل يتكرر في الصلاة يستوي فيه الإمام والمأموم فكان على صفة واحدة كالركوع ولأنها صفة مسنونة حال القعود
следующие страницы →