Полный текст (912 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصب علي من وضوئه). وهذا من أوضح دليل على طهارته. ولأنه لم يلاق نجساً كالذي يُغْسَلُ به ثوبٌ.
[١٣٨] (فصل): ودليلنا على أنه مطهر قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ فهذه من أبنية المبالغة، وقد بينا أنه يفيد تكرار ما وجدت منه المبالغة. وقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ ولم يقيد. وروي أن بعض أزواجه ﷺ اغتسلت في جفنة فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها أو ليتوضأ فقالت: إني كنت جنباً، فقال: (إن الماء لا يجنب) وروي (لا جنابة عليه). وهذا كالنص لأنه أخبرنا أن حكم الجنابة لا تلحقه. ولأن أوصافه باقية على ما كانت عليه كالذي لم يستعمل، ولأن كل استعمال لم ينقل الماء عن صفاته، فإنه لا يؤثر في تطهيره، أصله إذا غُسِلَ به ثوب. ولأنها عين استعمالها شرط في أداء فرض، فوجب أن لا يمنع استعمالها ثانية فيه كستر العورة ولا يدخل عليه العتق لأنه ليس باستعمال. ولأنه مطلق بدليل بقاء أوصافه فلا يؤثر في إطلاقه، كنقله من إناء إلى إناء، وإذا ثبت أنه مطلق جاز التطهير به.
стр. 72
[طهارة عين الحيوان وسؤره]:
[١٣٩] مسألة: كل الحيوان طاهر العين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الكلب والخنزير نجسان، وفي قول أبي حنيفة: إن سائر السباع التي لا يؤكل لحمها نجسة، إلا أن الكلام يفرض في طهارة الكلب.
[١٤٠] مسألة: ودليلنا عليه أنه حي والحياة ينافي التنجيس كسائر الحيوان. ويدل على طهارة سؤره قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ولم يأمر بغسل موضع الإصابة. وقوله ﵇ وقد سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها الكلاب والسباع (لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور) ولأنه سؤر حيوان كالشاة. ويدل على أن غسل الإناء من ولوغه، تعبد، فنقول لأنه غسل أمر به مقيداً بعدد فدل أنه للعبادة دون النجاسة كالوضوء. ولأن للتراب مدخلاً فيه، وكل معنى أمر فيه بالماء وحصل للتراب مدخلاً فيه، فإنه للعبادة لا للنجاسة؛ كطهارة الحدث وغسل. وينبني الكلام على صحة ملكه فنقول: لأنه حيوان يصح إجارته فصح ملكه كالفرس والشاة، ولا ينتقض بالحر وأم الولد، لأن جنس الآدميين يصح ملكهم. ولأن الوصية به عند الشافعي تصح وكل حيوان صحت الوصية به كان طاهراً، أصله ما ذكرناه. ولأن النجس لا تجوز الوصية به كالخمر وغيره.
стр. 73
[١٤١] مسألة: يغسل الإناء من ولوغه سبعاً خلافاً لأبي حنيفة في قوله ثلاثاً. لقوله ﵇: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً). ولأنه قد ثبت بما ذكرناه أن غسله تعبد وهذا مبني عليه.
[١٤٢] مسألة: يغسل الإناء من ولوغه في الماء، فأما في غيره من الأشربة والأطعمة ففيها روايتان. فوجه قوله أنه يغسل: عموم الخبر واعتباراً بالماء ووجه قوله: لا يغسل أن الخبر وارد في الماء، والعبادة التي لا يعقل معناها لا يجوز القياس عليها. ولأن ذلك لما لا يؤمن من إصابة النجس اللبن ولوغه. فاختص الماء بذلك لخفة أمره وأنه ليس فيه إضاعة المال وسائر المائعات خلافه.
[١٤٣] مسألة: واختلف أصحابنا في غسل الإناء هل هو واجب أو مستحب؟ فوجه الوجوب قوله ﷺ : (فاغسلوه سبعاً). والأمر على الوجوب. ووجه الاستحباب أنه طاهر وإنما أمر بذلك تغليظاً للمنع من اقتنائه.
[١٤٤] مسألة: إذا أدخل يده في الإناء لم يغسل سبعا. خلافاً للشافعي لأن الخبر وارد في الولوغ على طريق العبادة ولا يقاس عليه غيره، واعتباراً بسائر الحيوان.
[١٤٥] مسألة: إذا توضأ بماء ولغ فيه الكلب ففي استحباب إعادة الصلاة في الوقت روايتان: فوجه إثباته اعتباره بالماء القليل تقع فيه النجاسة فلا تغيره. ووجه نفيه أن نجاسة الكلب مختلف فيها فلم تجر مجرى ما يتفق على نجاسته.
стр. 74
[١٤٦] مسألة: في غسل الإناء من ولوغ الخنزير روايتان: فوجه إثباته اعتباره بالكلب بعلة منع اتخاذه. ولأن الخنزير في المنع أبلغ من الكلب؛ لأن الكلب ينتفع به على وجه، ويجوز اتخاذه على وجه في ذلك النوع. والخنزير لا يجوز اتخاذه بوجه، فكان أولى بذلك. ووجه نفيه أن الخبر ورد على سبيل التغليظ لينتهوا عن اقتنائه لاعتيادهم ذلك وإلفهم إياه ولم يكن من عادتهم اقتناء الخنازير فلم يحتاجوا إلى زجر على ذلك.
[١٤٧] مسألة: ما لا نفس له سائلة كالعقرب، والخنفس، والصرار، وما أشبه ذلك لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه. من ماء أو مائع. خلافاً للشافعي.
لقوله ﵇: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فاغمسوه فيه) ومعلوم أنه يموت بغمسه لا سيما إذا كان عسلاً أو طعاماً حاراً. وقوله: (يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها نفس سائلة فماتت فيه فهو الحلال أكله وشرابه والوضوء منه). وهذا نص. ولأنه حيوان لا دم له كالجراد. ولأن العسل لا يخلو من ذباب النحل الذي يموت فيه مع الإجماع على جواز أكله، وكذلك الباقلاء مجمع على طهارة مائه، مع العلم ضرورة والعادة بأنه لابد أن تموت فيه من دوابه، ولأنهم قد
стр. 75
وافقونا على أن ما تولد منه لم ينجسه إذا مات فيه كدود الخل. ونقول: لأنه حيوان لا دم له مات في مائع فلم ينجسه أصله إذا تولد منه.
[١٤٨] مسألة: الوضوء بفضل الهر مباح غير مكروه. خلافاً لمن كرهه. لأنه ﷺ أصغى لها الإناء حتى شربت منه). ولأنه روي عنه أنه ﷺ توضأ من إناء شربت منه هرة). ولأن ملاقاتها للنجاسات تقل بخلاف الكلب وغيره.
[١٤٩] مسألة: أسآر السباع مكروهة غير نجسة كالسبع والذئب ونحوهما. وأما أسآر الحمير والبغال فطاهرة غير مكروهة. وقال أبو حنيفة أسآر السباع نجسة وسؤر البغال والحمير مشكوك فيه. وهذه المسألة لا تخرج على قولنا؛ لأنه فرع لأصلين غير مسلمين أحدهما: نجاسة بعض الحيوان، والآخر: إن الماء ينجس من غير تغير بالنجاسة، وذلك بخلاف أصولنا إلا أنا ندل بدليل تختص المسألة به، وهو ما روي أنه ﵇ سئل أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال نعم وبما أفضلت السباع كلها). وروي أنه ﵇ ورد على حوض فقيل له إن السباع تلغ فيه فقال: (لها ما أخذت في بطونها ولنا ما غبر شراب
стр. 76
وطهور). ولأنه حيوان فكان سؤره طاهراً أصله ما يؤكل لحمه.
[الماء النجس]:
[١٥٠] مسألة: لا ينجس الماء إلا بتغير أحد صفاته من نجس يخالطه قليلاً كان أو كثيراً. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن كل ما حلته نجاسة فهو ينجس. تغير بها أو لم يتغير. وللشافعي في تحديده بالقلتين. لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ وقوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ وقوله ﵇: (الماء لا ينجسه شيء). وقوله: (خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه). ولأنه خالطه ما لم يغيره ولم ينقله، أصله كالطهارات، ولأنه ماء لم يتغير من نجس فأشبه إذا لم يتحرك جنباته، ولأنا نعلم أن البحار والأنهار لا تخلو من نجاسة تقع فيها، وما قالوه يؤدي إلى أن تكون كل المياه نجسة حتى لا يوجد طاهر بوجه؛ لأنه إذا نجس الماء الذي وقعت فيه النجاسة فيجب نجاسة ما جاوره كذلك أبداً وهذا فاسد. ودليلنا على الشافعي ما قدمناه. ولأنه ماء لم تغيره النجاسة كالقلتين. ولأن كل عين اعتبر في تأثيرها في الماء يعتبرها لم يعتبر بمجرد مخالطتها له، أصله ما يسلبه حكم التطهير فقط كالزعفران والعصفر. ولأن النجس معنى يؤثر في سلب الماء التطهير به فوجب أن يراعى في ذلك تغيره به دون مجرد مخالطته، أصله ما ذكرناه ولأنها مخالطة نجاسة لم تغير الماء
стр. 77
ولم ينجس بها أصله ورود الماء على النجاسة. ولأن كل معنى لم ينجس به ورود الماء على النجاسة لم ينجس به الماء إذا وردت النجاسة عليه أصله اختلاف الأماكن والأواني.
[١٥١] مسألة: وغسالة النجاسة طاهرة إذا لم تتغير أوصاف الماء. وهو أحد قولي الشافعي، وفيه قول آخر أنها نجسة. ودليلنا: أنها لو كانت نجسة لكانت قبل انفصالها عن المحل نجسة؛ لأن بعد انفصالها لم يحدث فيها ما يقتضي تنجيساً ولو كانت قبل انفصالها نجسة لكان المحل بها نجساً فامتنع وقوع التطهير بها، وفي الاتفاق على أن المحل النجس يطهر بغسل الماء دليل على بطلان ذلك. ولأنه ماء ورد على مانع من الصلاة فلم ينقله عن حكمه مع بقاء أوصافه كالمستعمل في طهارة الحدث.
[١٥٢] مسألة: إذا كان له ماءان: إناء أحدهما نجس، والآخر طاهر وهو شاك في عين النجس، ويتصور ذلك في أن يكونا متغيرين تغيراً واحداً من شيء طاهر والآخر من شيء نجس واختلف أصحاب مالك في ذلك على أربعة مذاهب: قال عبدالملك يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالآخر ويصلي وقال محمد بن مسلمة يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يغسل أعضاءه من الآخر ثم يتوضأ منه ويصلي، وهذا يقرب من قول عبدالملك ولسحنون فيها قولان: أحدهما مثل قول عبدالملك والآخر أنه يتيمم ويدعهما. وزعم أصحاب الشافعي أنه قول المزني. وقال ابن المواز: يتحرى أحدهما ويتوضأ به ويجزيه، كما يتحرى القبلة إذا
стр. 78
خفيت عليه الدلائل، وكذلك ما زاد على الإناءين، وإلى هذا ذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يجوز التحري في الإناءين، ويجوز فيما زاد عليهما. فأشبه مذاهب أصحابنا مذهب مالك، وأليقها بأصولها قول محمد بن مسلمة. وتجب البداية بالكلام في ثبوت التحري؛ لأن ما عداه فرع عليه، فإذا قلنا: إنه ثابت فوجهه أن الطهارة عبادة تؤدى تارة بيقين، وتارة بظاهر فجاز دخول التحري فيه عند الاشتباه. أصله الغاؤه اليقين عند كونه معايناً لها، والظاهر هو أن يكون في بعض البلدان أو القرى فيصلي إلى القبلة المرسومة هناك بالظاهر، فأما اليقين في أداء الطهارة بالماء: فمثل أن يتوضأ من دجلة نفسها أو البحر أو ماء المطر، والظاهر هو: أن يرى ماء متغيراً لا يدري مم تغيره، فإن الأصل الطهارة، ولأن في القول بنفي التحري إلزامه صلاتين والواجب عليه واحدة، ووجه القول بأنه لا يتحرى: أن التحري إنما يحتاج إليه في الموضع الذي لا يوصل إلى اليقين؛ لأنه إذا صلى متوضياً بكل واحد من الإناءين فقد أدى الصلاة بيقين؛ لأن أحدهما إن كان نجساً فالصلاة به ساقطة والمعتد به الإناء الآخر، ويفارق القبلة لأنه لا يصلي إلى اليقين فيها مع الغيبة بل إلى الظاهر والاجتهاد، ولأن عليها أمارات، وعلامات بخلاف الماء. ولأنه قد ثبت أن أحد الإناءين إذا كان نجساً نجاسة أصلية مثل أن يكون خمراً أو بولاً فإنه لا يتحرى والعلة فيه أنه تحر لإناء نجس من طاهر فكذلك في مسألتنا، هذا على قول أصحاب الشافعي، فأما على قول ابن المواز فيجوز أن يقال يتحرى، لأن البول والخمر وغيرهما من النجاسة الأصلية له دلائل وأمارات تعرف بها كالقبلة.
стр. 79
ووجه قول عبدالملك أنه يتوضأ بأحدهما ثم يصلي، ثم يتوضأ بالآخر، فيصلي، فلأن في ذلك ما يوصل إلى أداء الصلاة بيقين لأنه يتيقن أن أحدهما طاهر لا محالة، فلا يجوز له أن يصلي بأحدهما، لأنه يشك هل الذي توضأ به هو الطاهر، أو النجس، فإذا صلى بكل واحد منهما تيقن أنه صلى بالطاهر لا محالة، ولأنه أمر يتعلق بأداء الصلاة اشتبه عليه، وله طريق يوصله إلى اليقين فيه فلزمه، كما لو نسي صلاة واحدة لا يدري أي صلاة هي، فلزمه أن يصلي صلاة يوم وليلة ولم يلزمه أن يتحرى إذا كان مع التحري لا يصل إلى اليقين، وبأداء صلاة يوم وليلة يصل إلى اليقين كذلك في مسألتنا وقد بينا أن قول محمد ابن مسلمة مثل قول عبدالملك إلا أنه يزيد عليه بغسل أعضائه قبل وضوئه. ووجه ذلك أنه لما كان جائزاً أن يكون الأول هو النجس كان إذا توضأ من الثاني قبل غسل أعضائه من الأول يمكن أن تكون النجاسة باقية إلا أنه إن لم يفعل جاز له لأنه ليس بمتحقق. ووجه قول سحنون يتيمم، ولا يستعمل واحداً منهما أن التحري لا يؤدي إلى سقوط الفرض بيقين، وإن توضأ بغير تحر لزمه صلاتان، وذلك خلاف الواجب فلم يبق إلا العدول إلى التيمم، قال القاضي: وهذا أضعف الأقاويل لأنه يلزمه عليه إذا نسي صلاة وجهلها. ودليلنا على أبي حنيفة في منعه التحري فيما زاد على الإناءين اعتبارهما بالإناءين. ولأن كل عدد جاز التحري فيه من الثياب جاز في الأواني أصله الثلاثة ولأن التحري في الإناءين أمكن منه في الثلاثة وكان أولى. ولأن التحري في القبلة جائز بل واجب وإن كان الإشكال في وجهين أو ثلاث جهات، وكذلك الأواني، على أن الكلام في المسألة ضرب من التكلف؛ لأن النجاسة لا تؤثر في الماء إلا بالتغيير وإنما يتصور في الموضع الذي ذكرناه والله أعلم.
стр. 80
باب [في الاغتسالات المسنونة]
[غسل الجمعة]:
[١٥٣] مسألة: غسل الجمعة سنة مؤكدة. خلافاً لمن ذهب إلى وجوبه. لقوله ﵇: (من جاء إلى الجمعة فتوضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل). ولأنه غسل لأمر مستقبل كالإحرام. ولأنه غسل ليوم عيد فأشبه غسل العيد. ولأنه مقصود به التنظيف وإزالة الرائحة فأشبه التطيب.
[١٥٤] مسألة: ومن شرط سنته أن يتعقبه الرواح ولا يتراخى ما بينهما تراخياً شديداً. وقال ابن وهب يجوز أن يغتسل عقيب طلوع الفجر الثاني؛ ويروح عند الزوال وهو قول أبي حنيفة والشافعي. فدليلنا قوله ﵇: (إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل). فعلقه بالرواح فوجب أن يتعلق به، لأنه أريد به التنظيف وإزالة الروائح وحضور الجمعة بذلك فينبغي أن يكون عند الرواح ليبقى عليه آثاره.
[١٥٥] مسألة: إذا اغتسل فنوى الجمعة ناسياً لجنابته فقيل تجزيه وقيل لا تجزيه. فوجه الإجزاء: أن نيته به الجمعة يتضمن الجنابة؛ لأن
стр. 81
[غسل] الجمعة فضيلة فلا يثبت إلا بعد الإجزاء. ووجه نفيه: أنه نوى به ما ليس الغسل من سنته، كما لو نوى به كتبه العلم. ولأنه قصد به الفضيلة دون الإجزاء فأشبه أن يتوضأ مجدداً، ثم يذكر أنه كان محدثاً، وهذا أيضاً لأصحابنا فيه وجهان.
[الغسل من تغسيل الميت]:
[١٥٦] مسألة: الغسل من تغسيل الميت مستحب وليس بواجب. خلافاً لمن أوجبه. لقوله ﵇: (الماء من الماء). ولأنه تغسيل فلم يجب منه اغتسال كغسل الثوب. ولأنه لو غسل الحي لم يجب أن يغتسل مع تأكد حرمته على الميت فكان تغسيل الميت أولى.
* باب الحيض
[١٥٧] مسألة: ومن وطئ حائضاً أثم ولا كفارة عليه. خلافاً للشافعي في قوله القديم إن عليه نصف دينار ولغيره في قوله دينار. لأنه وطء منع منه لحرمة عبادة فلم تجب به كفارة كوطء المسبية قبل استبرائها. ولأنه وطء يمنع لأجل الأذى، كالوطء في الموضع المكروه.
[١٥٨] مسألة: أقل الحيض دفعة من الدم. خلافاً لأبي حنيفة في قوله ثلاثة أيام. وللشافعي يوم وليلة. لقوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ ففيه دليلان: أحدهما: اقتصاره في الجواب على سؤالهم على الإخبار بأنه أذى وذلك
стр. 82
يقتضي أن كل أذى هو حيض إلا ما قام عليه الدليل. والآخر: أنه علق الأمر باعتزالهن بشرط كونهن حُيَّضاً فيجب أن يكون هناك طريق يعلم به كون الدم حيضاً قبل تقضي وقته ليصح لنا الاعتزال في جميعه، ولو كان لا يعلم إلا بعد مضي ثلاثة أيام أو يوم وليلة لكان الأمر باعتزالهن مشروطا بما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد مضي مدة أيام تقضيه وذلك باطل. وقوله ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) فجعل العلامة على كونه حيضاً أن يعرف بلونه ولم يعلقه بمدة محصورة. ولأنه لا خلاف أن المبتدأة تترك الصلاة عند رؤية أول دم تراه فلولا أن ذلك حيض لم يجز لها ترك الصلاة الثابتة عليها بيقين بشيء تشك هل هو المؤثر في ترك الصلاة أو غيره؛ لأن ذلك إضاعتها وترك الاحتياط لها. ولأنها دم يسقط به فرض الصلاة فلم يكن لأقله حد محصور كالنفاس. ولأنه مدة لو زاد الدم عليها لكان حيضاً فوجب أن يكون وجوده فيها حيضاً كالثلاثة أو اليوم والليلة.
[١٥٩] مسألة: وأكثره خمسة عشر يوماً. خلافاً لأبي حنيفة في قوله عشرة أيام. لقوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ وذلك يوجب أن كل دم إذا خرج من الفرج حيض إلا ما قام دليله. وقوله ﵇: (دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة) فأمرها بترك الصلاة عند
стр. 83
رؤية الدم الموصوف ولم يقيده بزمان فوجب مراعاة تلك الصفة أبداً ما لم يمنع دليل. وقوله: (إنكن ناقصات عقل ودين تمكث إحداكن شطر عمرها) وروي (نصف عمرها لا تصلي)
فسوى بين ما يصلى فيه وبين ما لا يصلى فيه وجعله شطرين وذلك يقتضي ثبوته أكثر من عشرة أيام. ولأنه دم يمنع فرض الصلاة وفعل الصوم وجواز الوطء، فجاز أن يزيد على عشرة أيام كالنفاس، ونبني الكلام على أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً فنقول: كل أيام من أيام الدم أبقت لأقل الطهر وقتاً من الشهر جاز أن يكون حيضاً، أصله العشرة فما دونها عكسه ما زاد على الخمسة عشر.
[١٦٠] مسألة: لا حد لأقل النفاس. خلافاً لأبي يوسف في قوله أحد عشر يوماً. لأن المرجع في ذلك إلى العادة والوجود وقد وجد كثير من النساء ينفسن الدفعة والساعة، فوجب الحكم بكونه نفاساً. وروي أن امرأة ولدت على عهد النبي ﷺ ولم تر دماً فسميت ذات الجفاف. ولأنه دم خارج من الفرج في أيام النفاس فوجب أن يكون نفاساً، أصله إذا بلغ أحد عشر يوماً.
стр. 84
[١٦١] مسألة: وفي أكثره روايتان: إحداهما: أنه لا حد له، وأنها تجلس أقصى ما يجلس النساء وترجع في ذلك إلى أهل العلم والخبرة منهن. والأخرى أن حده ستون يوما، خلافاً لأبي حنيفة في قوله أربعون يوماً، فوجه الأولى أن العادة في هذا الباب أصل يرجع إليه، ويعول عليه، والنساء يعرفن ذلك، ويفرقن بين ما هو منه وما ليس منه، فيرجع فيه إليهن يدل على هذه الجملة قوله : ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ فجعلهن مؤتمنات على ما يخبرن به من ذلك. وقوله ﵇ لفاطمة بنت أبي حبيش وقالت له: إن الدم قد غلبني فما أطهر أفأدع الصلاة؟ وذلك لخروجه عن عادتها وإنكارها دوامه بها، فقال ﵇: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغتسلي). فوكلها إلى علمها، ومعرفتها، ولم يعلقه بحد. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ رفع إليه أن امرأة تزوجها رجل بعد انقضاء عدتها من زوج كان لها، فولدت عنده لأربعة أشهر ونصف ولداً تاماً فأرسل عمر ﵁ إلى نساء من نساء الجاهلية فسألهن عن أمرها). والحديث معروف وموضع التعلق رجوع عمر ﵁ إلى استخبار النساء اللاتي لهن علم بهذا الشأن وخبرة بخصائصه وتقدم وتجربة فيه وحكم بما أخبرنه به.
стр. 85
وكذلك رجوع عليٍّ إلى ما أخبرن به لما قال شريح في المعتدة، تدعي أنها حاضت ثلاث حيض في شهر: إن شهد نساء من نساء قومها فَصَوبه عَلِيّ في ذلك. ووجه القول: بأنه ستون يوماً خلافاً لأبي حنيفة، لأن ذلك قد وجد فاعتيد وجوده بإخبار جماعة من النساء بأنهن يحسبنه فكانت مدة نفاس كالأربعين. ولأنه دم يمنع الصوم والصلاة والوطء فجاز أن يكون أكثره أكثر من عادته في النساء كدم الحيض. ولأن كل دم ثبت كونه نفاساً باتفاق جاز أن يزاد عليه مثل نصفه، أصله العشرون.
[١٦٢] مسألة: واختلف في أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، فروى ابن القاسم نفي التحديد فيه وأنه أقل ما يكون مثله طهراً في العادة، وروى عبد الملك خمسة أيام، وقال سحنون ثمانية أيام، وقال غيره عشرة أيام. وقال محمد بن مسلمة خمسة عشر يوماً، وهو الذي يعول عليه أصحابنا البغداديون. فوجه الأول وهو نفي التحديد أنه لم يثبت في ذلك. حد بتوقيف فوجب الرجوع إلى عادة النساء. ووجه القول أنه خمسة أيام أن ذلك قد وجد عادة مستمرة، وذكر أحمد ابن المعذل عن عبد الملك بن الماجشون، أنه قد عرف بالتجربة من جمل من النساء كثيرة لا من واحدة ولا اثنتين، وأما الثمانية والعشرة فيضيق تحديد دليل فيها، وأقرب ما يدعى فيه الخمسة على ما قاله عبدالملك،
стр. 86
وإنما قلنا: إن النظر القول بأنه خمسة عشر يوماً، لأن أقل الطهر يجب أن يكون في مقابلة أكثر الحيض؛ لأن العادة جارية بأن الحيض إذا كثر قل الطهر، وأن الطهر إذا كثر قل الحيض، وبين ذلك قوله ﵇: (تمكث إحداكن شطر عمرها) وروي (نصف عمرها لا تصلي) فجعل نقصان دينهن في مقابلة ترك الصلاة شطر العمر بأكثر الحيض فوجب أن يكون كماله في مقابلة أقل الطهر في النصف الآخر لأن الزمان إذا انقسم نصفين وثبت أن نصفه أكثر الحيض فنصفه الآخر أقل الطهر؛ لأنه لا حد لأكثره لأن الله تعالى جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاثة قروء، وجعل عدتها إذا كانت يائسة ثلاثة أشهر، فأعلمنا بذلك أن بدل كل قرء شهر، وإذا صح هذا لم يخل الشهر أن يكون أقيم مقام أكثر الحيض وأكثر الطهر، أو مقام أحدهما، أو مقام أكثر الطهر وأقل الحيض، أو مقام أقل الطهر وأكثر الحيض، فتبطل هذه الأقسام إلا القول بأنه أقيم مقام أقل الطهر وأكثر الحيض وفي ذلك ثبوته على ما قلناه.
[١٦٣] مسألة: وعنه في المبتدأة إذا تطاول الدم بها ثلاث روايات: إحداهن: أنها تجلس أيام لداتها فقط وهي رواية عن ابن زياد. والثانية: أنها تستظهر بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوماً وهي رواية ابن وهب وغيره. والثالثة: أنها تجلس إلى خمسة عشر يوماً ثم تكون مستحاضة وهي رواية ابن القاسم وغيره. فوجه الأول: أن أمر الحيض مجتهد فيه، فلما أمكن أن تكون حائضاً أقل الحيض وأكثره وما بينهما وجهل أمرها ولم يكن الحكم ببعض هذه
стр. 87
المقادير أولى من بعض كان أولى الأمور ردها إلى عادة لداتها؛ لأن العادة تناسب طباعهن وعادتهن، فوجب ردها إليهن إذا لم تكن لها عادة ولا غالب. ولأننا لما رددناها إلى لداتها في غالب وقت الحيض وزمانه وجب أن نردها إليهن في تحديده ومقداره. ووجه رواية الاستظهار قوله ﵇ لأسماء بنت مرثد الحارثية (اقعدي أيامك التي كنت تقعدين واستظهري بثلاث ثم اغتسلي وصلي). ولأنه خارج من البدن أشكل أمره يطلب به التمييز بينه وبين غيره فجاز أن يعتبر بثلاثة أيام كلبن التصرية. ووجه الثالثة أن كل دم خرج من الفرج في زمن الحيض فالحيض أولى به، وليس ها هنا ما يمنع كون هذا الدم حيضاً؛ لأنه بصفته في وقت يمكن كونه فيه؛ ولأن الحيض لما أمكن أن ينتقل من زيادة إلى نقصان ومن النقصان إلى زيادة وجب أن يحكم فيه بما يحتمله، وكما لو كانت عادتها أن تحيض خمسة عشر يوماً فانقطع الدم في أقل من ذلك يحكم بنقصان حيضها وكذلك إذا زاد يجب أن يحكم بزيادته.
[١٦٤] (فصل):وعلى هذه الرواية لا تكون مستحاضة قبل الخمسة عشر يوماً. خلافاً للشافعي في قوله إنها تكون مستحاضة فيما زاد على أقل مدة الحيض، وهي يوم وليلة عنده أو غالبه وهو الستة أو السبعة. ولأن حال خروج الدم منها كانت مأمورة بترك الصلاة فلم يجب عليها إعادتها، أصله
стр. 88
اليوم والليلة. ولأنه دم خارج في مدة الحيض تركت الصلاة فيه لأجله فلم يلزمها إعادتها، أصله إذا كان عادتها.
[١٦٥] (فصل): وفي المعتادة إذا تطابق الدم بها زيادة على عادتها روايتان: إحداهما: الاستظهار، والأخرى: أنها تقعد خمسة عشر يوماً ووجه ذلك ما ذكرناه في المبتدأة.
[١٦٦] مسألة: إذا اتصل الدم بالمستحاضة عملت على التمييز بعد مضي أقل الطهر. خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا اعتبار بالتمييز ولا بتغير الدم. لقوله ﵇: (دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي). وذلك نص في اعتبار التمييز وتغير الدم. في بعض طرقه (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا ذهبت فاغتسلي)، فأحالها على معرفتها دون اعتبار الأيام ولأنه مائع يرخيه الرحم يتعلق به الغسل فجاز أن يدخله التمييز حال الاستطابة، أصله المني.
[١٦٧] (فصل): وإذا لم تكن من أهل التمييز صلت أبداً، إلا أن يتغير عليها الدم، ولم تقعد أيامها من كل شهر، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﵇: " دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة".فردها إلى التمييز دون الأيام، ولأنها حال محكوم لها بالطهر فيها فأشبه ألاّ ترى دما أصلا، ولأن هذه الحال يمكن أن يكون حال حيض واستحاضة، وإذا احتملت الأمرين كان الحكم بالإستحاضة أولى لقوة أسبابها باتصال زمانها وصفة دمها، ولوجوب الاحتياط للصلاة وترك التغرير بها.
[١٦٨] مسألة: الحامل تحيض، خلافا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقوله ﵊: (دم الحيض أسود يعرف فإذا كان ذلك
стр. 89
فأمسكي عن الصلاة). ولم يفرق؛ ولأنها رأت الدم في أيامها المعتادة كالحائل، ولأنه دم يمنع وجوب الصلاة، وجواز الوطء، فصح أن يوجد مع الحمل كالنفاس، ولأن العوارض التي ينقطع الحيض معها إذا لم يكن من أصل الخلقة لا تمنع وجوده كالمرض والرضاع، وذلك أن الشابة تحيض، وإنما تمنع الحيض على الصغيرة واليائسة لضعفها، ولا يمتنع على الشابة إلا لعارض من حمل أو مرض أو رضاع، وقد ثبت أن هذه العوارض ولا تحيل وجوده فكذلك الحمل، قال القاضي أبو بكر: ولأن الله جعل عدة المطلقة ذات الإقراء ثلاثة قروء، وإنما الغرض من ذلك براءة الرحم، وقد علمنا أن الرحم يبرأ بحيضه واحدة ولا معنى للتكرار، إلا لأن الحمل قد يضعف عن حبس الدم فتحيض المرأة على حملها، فجعل الحيض مكررا لأن الحمل إذا قوي منع الدم أن يخرج، ولأنه إذا ثبت أن الحائض تحمل ثبت أن الحامل تحيض يدلك عليه حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وأسارير وجهه تبرق فقالت لأنت أحق بقول أبي كبير الهذلي:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل
ومبرأ من كل غُبّر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
стр. 90
تريد أن الحمل بك لم يك حال حيض ولم ينكر عليها، ولأن رجلاً لو عقد على حائض أو نفساء فأتت بولد لستة أشهر من يوم العقد للحق به مع الإمكان أنها حملت به مع الحيض باقياً كان أو ميتاً، فعلم أن الحيض لا يمنع وجوده مع الحمل.
[١٦٩] مسألة: الصفرة والكدرة إذا وجدا في أيام الحيض تكون حيضا كالدم خلافاً لأبي يوسف، لقول عائشة ﵂ كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضاً وروى مالك عن علقمة عن أمه أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسففيها الصفرة فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء
وعن أبي هريرة أن أول دم الحيض أسود خشن ثم يصير رقيقا ثم يصير أصفر ولأنه مائع إذا وجد في أيام العادة كان حيضا فوجب إذا وجد في أيام يجوز أن
стр. 91
تكون أيام حيض أن يكون حيضا كالدم.
[١٧٠] مسألة: لا يجوز وطء الحائض فيما دون الفرج خلافا لأصبغ ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ وقوله ﵊ لعائشة: (شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك) وروي عنها أنها قالت كان رسول الله ﷺ إذا أراد من الحائض شيئا أمرها فاتزرت ثم صنع ما أراد وفائدة ذلك أن يحول المئزر بين موضع الحيض وما دونه. وروى عاصم بن عمرو عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: (للرجل من امرأته ما فوق الإزار وليس له ما دونه) ولأنه معنى يحرم الوطء في الفرج، فوجب أن يحرمه فيما دونه، كالإحرام والصوم، ولأنه وطء مقصود في العادة كالوطء في الفرج، ولأنه لما منع الوطء في الفرج لأجل الأذى وجب أن يمنع مما يقاربه، لأن الأذى يصيبه غالبا إذا كان دم الحيض يسيل بنفسه من غير اختيار المرأة وبذلك فارق الدبر.
[١٧١] مسألة: ولا يجوز وطء الحائض بعد انقطاع دمها وقبل غسلها، وقال قوم: يجوز إذا غسلت فرجها، وقال أبو حنيفة: يجوز إذا كانت أيامها عشرة، فأما إن كانت دون ذلك فلا يجوز إلا أن يوجد معنى
стр. 92
ينافي الحيض، مثل أن يمر عليها آخر وقت الصلاة فيجب عليها الصلاة فيزول حكم الحيض ودليلنا قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ ففيه دليلان: أحدهما أنه قرئ حتى يطّهرن ويطَهرن بالتخفيف والتشديد، ومعنى التخفيف انقطاع الدم ومعنى التشديد الاغتسال بالماء، فكان تقديره حتى يطهرن ويتطهرن بالاغتسال، والثاني قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ فعلق جواز إتيانهن بأن يتطهرن، وذلك هو الاغتسال، ولأنهاحائض انقطع دمها لم يجز وطؤها من قبل الاغتسال كالتي أيامها دون العشرة ولم يمر عليها وقت الصلاة.
وبالله التوفيق.
آخر الجزء الثاني من الإشراف
стр. 93
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
استعنت بالله وحده
كتاب الصلاة
باب [في أوقات الصلاة]:
[١٧٢] مسألة: لا يجوز أن يصلي الظهر قبل الزوال، خلافا لما يحكى عن ابن عباس، أو غيره لقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ معناه حال الدلوك، وفي حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ أنه صلى به الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان الظل مثله، ثم قال: (الوقت بين هذين الوقتين)، فدل على أن ما قبله ليس بوقت، ولأنه وقت متقدم على الزوال فأشبه بعد طلوع الشمس.
[١٧٣] مسألة: المراد بقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ ميلها للزوال، خلافا لمن يقول: إنه ميلها للغروب، لأن الدلوك هو الميل
стр. 94
فيحتمل أن يكون مراده ميلها للزوال، ويحتمل ميلها للغروب، فكان ما قلناه أولى، ولأنه أسبق كما قلنا في الشفقين، والأبوين، والملامسة والقرأين ولما رُوي أن بلالا كان يؤذن للظهر إذا دلكت الشمس، وروي أن جبريل أتى النبي ﷺ حين دلكت الشمس عن كبد السماء فقال له صل فقام وصلى الظهر. قال إسماعيل بن إسحاق: قال بعضهم: إن غسق الليل هو الغروب، فيمتنع على هذا أن يكون الدلوك ميلها للغروب، لأن قوله إلى غسق الليل يوجب أن يكون بينه وبين الدلوك تراخ ومهلة.
[١٧٤] مسألة: يستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا إلى أن يصير الفيء ذراعا، خلافا للشافعي في قوله: إن أول الوقت أفضل من تأخيرها
стр. 95
هذا القدر، لأن ذلك مذهب عمر بن الخطاب ولا مخالف له كان يكتب إلى عماله بحضرة الصحابة أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا، ولا مخالف له وقال القاسم: ما أدركت الناس -يعني الصحابة -يصلون الظهر إلا إذا كان الفيء ذراعا، ولأن تأكيد الجماعة يزيد على تأكيد أول الوقت، والزوال يصادف الناس غير متهيئين للصلاة لتشاغلهم بالمعاش والتصرف في أمورهم، فوجب التمهل ليدركوا فضيلة الجماعة وإلا فاتت أكثرهم ويبنى ذلك على استحباب الإبراد بها في شدة الحر فان لم يسلموا دللنا عليه بقوله ﵊: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم).
وفي حديث أبي ذر: أن المؤذن إذا أراد أن يؤذن الظهر فقال له ﷺ : (أبرد) ثم أراد أن يؤذن فقال: (أبرد) مرتين أو ثلاثا حتى رأينا فيء التلول بان ثم قال: (إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة)
стр. 96
فإذا ثبت لنا ذلك بنينا عليه مسألتنا بعلة أنه تأخير للرفق بهم فلم يكره كالإبراد، لأن الإبراد رخصة وإباحة، والجماعة سنة مؤكدة وفضيلة، فإذا لم يكره التأخير للرفق والإباحة كان بأن لا يكره لإحراز السنة والفضيلة أولى وحكى الاسفرائيني الشافعي عنا: أنا لا نُجَوّز أن نصلي الظهر عقيب الزوال حتى يصير الفيء ذراعا، ولا أعلم هذا قولا لأحد من المسلمين، وإذا قلنا لأصحابهم: هذا غلط علينا لا أصل له، قالوا: لا يحكي شيخنا إلا الصواب.
[١٧٥] مسألة: إذا صار الظل مثله فهو آخر وقت الصلاة، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن آخره أن يصير الظل مثليه، لحديث جبريل أنه صلى بالنبي ﷺ الظهر في اليوم الثاني حين كان ظله مثله لوقت العصر بالأمس، وقال: (الوقت بين هذين) ولأنها صلاة تجمع إلى ما بعدها، فوجب أن يكون وقتها أقصر من وقت الثانية كالمغرب.
[١٧٦] مسألة: إذا كان الظل مثله فهو آخر وقت الظهر، وهو بعينه أول وقت العصر على سبيل الاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بينه خرج وقت الظهر، وقال الشافعي: لا يدخل وقت العصر حتى يزيد على كون الظل مثله زيادة بينة، ولا يشترك عنده الوقتان، فدليلنا حديث جبريل وفيه فصلى الظهر حين كان كل شيء بقدر ظله لوقت العصر بالأمس، هذا تصريح بأن الصلاتين أوقعتا في وقت واحد، فدل أنه وقت لهما وروي أن جبريل أتى النبي ﷺ حين كان ظل كل شيء مثله، فقال: قم فصل العصر، وروي: فصل الظهر وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (آخر
стр. 97
وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله).
[١٧٧] مسألة: آخر وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، خلافا لأبي حنيفة في قوله: إن آخر وقتها اصفرار الشمس، لحديث جبريل صلى بالنبي ﷺ اليوم الأول حين صار الظل مثله وفي اليوم الثاني حين كان مثليه، ولأنهما صلاتان يتعاقبان يجمع بينهما بحق النسك، فوجب أن يكون أولاهما أقصرهما وقتا كالمغرب والعشاء ولأنها صلاة وقت أولها بالظل فكذلك آخرها كالظهر.
[١٧٨] مسألة: المغرب عندنا وقت واحد في الاختيار، وقال ابن الجهم , وغيره: لها وقتان كسائر الصلوات، وهو قول أبي حنيفة، ودليلنا حديث جبريل أنه صلى بالنبي ﷺ المغرب حين أفطر الصائم، وقال في اليوم الثاني: ثم صلى بي المغرب للوقت الأول لم يؤخرها، وقال: الوقت بين هذين، ولأنها صلاة من الخمس، فوجب أن تكون جنس وقتها كجنس عددها من شفع ووتر كسائر الصلوات.
[١٧٩] مسألة: الشفق الذي يدخل وقت العشاء بغيابه الحمرة، خلافا لأبي حنيفة، لحديث جبريل أنه صلى بالنبي ﷺ العشاء الأخيرة حين غاب الشفق، وهذا الاسم يتناول الحمرة والبياض، فيجب حمله على أسبقهما، وفي حديث عطاء عن جابر أن النبي ﷺ صلى بالسائل له عن الأوقات
стр. 98
العشاء الأخيرة في اليوم الأول قبل مغيب الشفق، وقد ثبت أنه لم يرد قبل غياب الحمرة، فعلم أنه أراد قبل البياض وحديث النعمان بن بشير قال أنا أعلم بوقت صلاة العشاء الآخرة كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثلاث. ومعلوم أن سقوطه يكون قبل غروب البياض، والتعلق في ذلك بالأخبار أولى من الاعتلال وقد قيل: إن العشاء يتعلق بالغوارب كتعليق الصبح بالطوالع، والطوالع ثلاث، كما أن الغوارب ثلاث، والصبح يتعلق دخول وقتها بالأوسط، والطوالع الفجران والشمس والغوارب الشفقان والشمس.
[١٨٠] مسألة: آخر وقتها إذا مضى ثلث الليل الأول، خلافا لأبي حنيفة وابن حبيب في قولهما نصفه، لحديث جبريل أنه صلى بالنبي ﵉ العشاء الآخرة في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل وقال الوقت بين هذين، وقوله ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت هذه الصلاة إلى
стр. 99
ثلث الليل).
[١٨١] مسألة: ويستحب تأخيرها عن أول وقتها في مساجد الجماعات، خلافا للشافعي لقوله ﵇: (لولا أن أشق على أمتي لأخرت هذه الصلاة إلى ثلث الليل) وروي (شطر الليل). وروي أنه ﵇ أخرها ليلة حتى نام الناس ونودي فخرج وقال: (لولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلى هذا الوقت).
[١٨٢] مسألة: تعجيل العصر أفضل إلا بقدر ما يؤخر للجماعات، خلافا لأبي حنيفة أن الاستحباب تأخيرها ما لم تصفر الشمس، لقوله ﵇ وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال: (أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها). وقال أنس: ما كان أحد أشد تعجيلا للعصر من رسول الله ﷺ ، وروت عائشة أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن
стр. 100
تظهر، وروى أنس أنه ﷺ كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة ويذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة، ولأنها صلاة مكتوبة، فكان تقديمها أفضل مالم يكن عذر كالظهر والمغرب، ولا تدخل عليه مساجد الجماعات، لأن انتظار الجماعة عذر في الصلوات المفروضة.
[١٨٣] مسألة: التغليس بالفجر أفضل من الإسفار، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇ وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال: (الصلاة لأول وقتها). وقالت عائشة كان رسول الله ﷺ يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وروى بشير ابن أبي مسعود، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات،
стр. 101
وروى مغيث بن سمي، قال: صلى بنا ابن الزبير بغلس، وابن عمر إلى جنبي، فقال ابن عمر: هذه كانت صلاتنا مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر، فلما قتل عمر، أسفر بها عثمان، وقوله ﵇: (أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله). وقال أبو بكر الصديق ﵁: رضوان الله أحب إلينا من عفوه فلم ينكر ﷺ ذلك، وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: كنا نصلي الصبح مع رسول الله ﷺ ينظر بعضنا إلى بعض فما نتعارف، ولأنها صلاة لا تقصر فوجب فضل تقديمها عند دخول وقتها كالمغرب، ولأن من أصلنا أنه يؤذن لها قبل وقتها وفائدة ذلك إدراك فضيلة التغليس بها، ولا معنى له سواه.
[١٨٤] مسألة: ولا تفوت إلا بطلوع الشمس. خلافا لبعض الشافعية ممن خرق الإجماع، سابق الخرق هذا القائل فكان محجوجا به. وفي حديث جبريل أنه صلاها بالنبي ﵇ في اليوم الثاني حين كادت
стр. 102
الشمس تطلع، وفي حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (وقت الفجر ما لم تطلع الشمس)،لأن مابين طلوع الفجر والشمس وقت لصلاة الفجر، أصله ابتداء الإسفار.
[١٨٥] مسألة: الصلاة الوسطى صلاة الفجر، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة الظهر، وقال بعضهم العصر، لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ وسنة القنوت عندنا في الصبح، فعلم أنها هي المرادة، ولأن كل صلاة غيرها تجمع إلى غيرها وهي منفردة، لا تجمع إلى غيرها ولا يجمع غيرها إليها، فوجب أن تكون بهذا الاسم أولى ولأن ما عداها من الصلوات تشارك في وقتها، والصبح وقتها مختص لا يشاركها غيرها فيه فكانت الوسطى.
[١٨٦] مسألة: قد بينا أوقات التوسعة والاختيار، فأما أوقات الضرورة والأعذار، فهي للحائض تطهر، والمغمى عليه يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، فإذا زالت موانع هؤلاء وقد بقي من النهار إلى الغروب قدر خمس ركعات فأكثر بعد فراغهن من طهارتهن وما يصلح لهن من شروط الصلاة فقد أدركوا صلاة العصر، وفاتهم الظهر، والنكتة المراعاة أن
стр. 103
يدركوا قدر ركعة من وقت الصلاة فيدركوا بها الصلاة، فإن أدركوا أقل من ذلك فقد فاتتهم الصلاة، وقال أبو حنيفة والشافعي في بعض أقاويله، إذا أدرك من ذكرناه من النهار قدر تكبيرة الإحرام فقد أدرك الظهر والعصر، فدليلنا قوله عليه الصلاةوالسلام: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح). وعلق كونه مدركا للصلاة بادراك ركعة، فدل أنه لا يكون مدركا بأقل من ذلك، ولأنه أدرك مقدار أقل من ركعة كالجمعة، ودليلنا على فوات الظهر خلافا للشافعي، ما روى عبدالرحمن بن غنم , أنه سأل معاذاً عن الحائض تطهر قبل غروب الشمس، فقال: تصلي العصر، هكذا كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نعلم نساءنا، ولأن ما قبل غروب الشمس بقدر أربع ركعات وقت يختص بالعصر لا يشركها الظهر فيه بوجه للحاضرة فإن سلموا ذلك، وإلا دللنا عليه بالاتفاق على أن ذلك لها وقت يختص به، وأقل ذلك ما يستغرق فعلها، فإذا ثبت أن ذلك وقتها ثبت أن الظهر يفوت من لم يدرك إلا وقت العصر لقوله ﵊: (لا تفوت صلاة حتى تدخل الأخرى). ولقوله ﷺ : (وقت الظهر ما لم يدخل وقت
стр. 104
العصر)، ولأنه لو كان بإدراكه ركعة مدركا لهما لوجب إذا أغمي عليه بعد الزوال بقدر ركعة أن يلزمه قضاؤها على أصلهم.
[١٨٧] مسألة: إذا مضى بعد الزوال قدر أربع ركعات فحاضت أو أغمي عليه فلا قضاء عليهما إذا زال العذر، خلافا للشافعي، لأنها حاضت في وقت لا تأثم بتأخير الصلاة فيه، فلم يلزمها قضاؤها كما لو مضى من الوقت أقل من ركعة.
[١٨٨] مسألة: لا يقضي مغمى عليه ما فاته من الصلاة وقت إغمائه، خلافا لأبي حنيفة في إيجابه القضاء في الخمس فما دون، لقوله ﵊: (رفع القلم عن ثلاث) فذكر (المغمى عليه حتى يفيق) واعتبارا بالخمس، ولأنه عذر يسقط قضاء ما زاد على الخمس فكذلك فيما دونها كالحيض، ولأنه زوال عقل من غير سكر ولا نوم كالجنون.
[١٨٩] مسألة: الصلاة تجب بأول الوقت، وجوبا موسعا يمتد إلى
стр. 105
آخره، وبيان ذلك أن صلاة الفجر أمر بها من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فالوجوب عندنا متعلق بجميع أجزاء الوقت، وهو الوجوب الموسع، فأي وقت أتى بها المكلف من جميع أجزاء الوقت فقد فعلها واجبة، وإنما ضرب آخره ليكون المكلف مخيرا في إيقاع الصلاة في أي أجزائه شاء. هذا قولنا، وقول أصحاب الشافعي، واختلف الذاهبون إلى هذا القول هل يلزم المكلف إذا ترك الفعل في أول الوقت أو وسطه أن يتركه إلى بدل أو لا يلزمه بدل، فمنهم من قال: له تركه إلى أن يبقى من الوقت ما يستغرقه من غير بدل يفعله، ومنهم من يقول: ليس له تركه إلا إلى بدل هو العزم على أدائه في بقية الوقت، وهذا هو الذي يقتضيه أصول أصحابنا ومن الناس من يوجب العزم، ويقول: لا أسميه بدلا. هذا جملة قولنا وفروعه، وذهب قوم من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الوجوب يتعلق بأول الوقت الموسع دون آخره، وأن آخره إنما ضرب ليكون إيقاع الفعل فيه أداء وبعده قضاء، وقال آخرون منهم: إن الفعل لا يجب بأول الوقت وإنما يجب بآخره، وهو وقت التضييق الذي يلحق الإثم بتركه فيه، وتأخيره عنه، وإن تقديمه في أول وقته جائز، ثم اختلفوا في حكم الفعل إذا قدم في أوله فمنهم من يقول: إنه نفل ويجزئ عن الواجب، ومنهم من يقول: إنه واجب موقوف فإن دخل آخر الوقت والمكلف بصفة من يلزمه الفعل كان ما قدمه في أوله واجبا، وإن كان بخلاف من يلزمه كان نفلا. يحكى هذا كله عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة. فدليلنا على أن الوجوب يتعلق بجميع أجزاء الوقت، أن الأمر جعل جميع أجزائه وقتا للوجوب، لأنه جعلها وقتا لاقتضاء الفعل يبين ذلك أنه تعالى قال: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل﴾ فجعل جميع ذلك وقتا يقتضي به الصلاة ولم يخصص بعضها منه دون بعض، فلو أراد تعلق الوجوب ببعضها لبينه كما بين آخر الوقت، وعلى نحو ذلك حديث
стр. 106
جبريل وإمامته بالنبي ﷺ وفي الحديث أنه صلى به الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان الظل مثله، ثم قال الوقت بين هذين، وذلك إشارة إلى وقت الوجوب، ودليلنا على فساد قول من يدعي أن الوجوب متعلق بأول الوقت دون آخره، اتفاقنا فيه على أنه من بلغ أو أسلم في وسط الوقت أو آخره، فان الصلاة واجبة عليه كوجوبها على مدرك أوله، وأن ما يفعله من ذلك يفعله واجبا يكون مؤديا لا قاضيا وجوبا مبتدأ بنية، مثل الذي يلزم مدرك أوله، ولو كان الوجوب متعلقا بأول الوقت دون آخره لكان حكم من بلغ أو أسلم بعد خروج أوله في جميع ما ذكرناه حكم خروج جميع أجزاء الوقت، ولأن الأمر الموقت بوقت إذا فات الوقت لم يجب إلا بأمر مستأنف، فلو كان الوجوب متعلقا بأول الوقت لكان ساقطا عمن لم يدرك أوله، وان أدرك وسطه وآخره، ولا يجب عليه ذلك الفعل إلا بأمر مستأنف وفي الاتفاق على أن من بلغ بعد الزوال بأجزاء كثيرة مأمور بصلاة الظهر بما أمر به مدرك أوله دليل على فساد ما قالوه، ولأن آخر الوقت لما كان مضروبا للفعل كان كأوله، ولأن آخر الوقت كأوله ووجب تعلق الوجوب به كتعلقه بأوله، ولأن مؤخر الصلاة عن أول وقتها الذي هو الزوال لا يخلو عند هذا القائل أن يستحق الذم واللوم أو لا يستحق ذلك، وقد اتفق على أنه لا يستحق ذلك لأنه يلحقه بالوجوب المضيق وتزول فائدة ضرب وقت موسع، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يستحق الذم فيصير الخلاف في عبارة. ويدل على فساد قول من زعم أن الوجوب متعلق بآخر الوقت دون أوله، الاتفاق على أن الظهر إذا أتي بها قبل الزوال فإنها لا تجزئ ولا
стр. 107
تنوب مناب الفرض، لأنها مفعولة قبل وقت الوجوب، فلو كان ما يؤدى قبل آخر الوقت وفي أوله وقت التوسعة مفعولا قبل وقت الوجوب لوجب أن لا يجزئ عن الفرض كما لو تقدم على أول الوقت، وفي الإجماع على خلاف ذلك دليل على فساد ما قالوه ودليلنا على بطلان قول من يقول من هؤلاء: إن فعله في أول الوقت يكون نفلا حصول الإجماع على أن الظهر لا يفعلها المكلف إلا فرضا، وأنه لا يجوز أن يكون في حق بعض المكلفين فرضا وفي حق بعضهم نفلا، وما قالوه يؤدي إلى ذلك، فوجب بطلانه، ولأن حكم الصلاتين المفعولة إحداهما أول الوقت، والأخرى آخره حكم الصلاة الواحدة التي يفعل ركعة منها قبل وقت التضييق، وما قالوه يوجب أن يكون ما صادف وقت التوسعة منها نفلا وما صادف وقت التضييق منها فرضا، وذلك أدخل في خرق الإجماع، مما قبله، ولأنه إذا ثبت أن من شرط الصلاة النية وأن أداءها في أول الوقت لا يصح ولا تكون ظهرا إلا أن ينوي أنه فرضه الذي عليه مثل النية لو أتى بها آخر الوقت، وأنه لو نوى بها نفلا لم تكن فرضا على وجه ثبت بذلك بطلان قولهم: إنها تكون نفلا إذا أديت أول الوقت، لأنه لو كان كذلك لكانت النية المطابقة لها أولى بها من النية المخالفة لها، ولأنها لو كان ما يفعل في أول الوقت نفلا لوجب أن يفصل بين فرضها ونفلها بالنية، فيقال للمكلف افصل بين التقرب بالنفل وبين التقرب بالفرض بالنية وإلا التبس أحدهما بالآخر ودخلت فيما يمنع في التكليف، وذلك يوجب أن ينوي بالظهر إذا أتى بها أول الوقت أنها نفل وذلك خلاف الإجماع، ولأن الأمة متفقة على إطلاق الاسم لأهل المساجد الجماعات، ومقدمي صلاة الظهر في أول الوقت بأنهم قد أدوا ما أوجب الله عليهم وصلوا الظهر التي لزمتهم، وعلى ما يقولون يمتنع ذلك، ويجب أن يكون من لم يصل الظهر طول عمره إلا في أول وقتها أنه لم يكن قط مؤديا لواجب وإنما كان متنفلا متطوعا
стр. 108
وذلك باطل ولأنا وجدنا للنفل أحكاما تختص به لا توجد في الفرض كما أن للفرض أحكاما تختص به لا توجد في النفل، فمن أحكام النفل أنه لا يؤذن لها ولا يقام وهذا منتف عن هذه الصلاة، لأنها تفعل بأذان وإقامة ومنها أنه لا يزاد فيه على ركعتين، ولأنه لا تفاضل بين الفرض والنفل بالاتفاق، وقد اختلف في التغليس بالفجر في المفاضلة بينه وبين الإصباح، وكل ذلك يمنع ما قالوه، ودليلنا على فساد قول من يقول: إنه يكون واجبا موقوفا، أنه قد ثبت أن المكلف يلزمه التمييز بين صلاة النفل والفرض بالنية، وليس يخلو مصلي الظهر عقب الزوال من أن ينوي بالصلاة النفل أو الفرض ولا يجوز أن ينوي نفلا بالاتفاق، ولا يصح أن ينوي بها فرضا وهو يعتقدها نفلا، لأن اعتقاده ذلك يمنعه أن ينوي بها الوجوب، ولا أن ينوي بها الوقوف لاستحالة قصد ذلك وتناول النية له، ولأن الفعل المعتد به لا بد من حصوله على وجه يقع عليه، ولا يجوز أن يقع على وجه يترقب بعد وقوعه، إلا أن يقف حكمه على شرط يأتي بعده فامتنع ما قالوه.
[١٩٠] مسألة: إذا صلى صبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لزمه فعل الصلاة، ولم يسقط فرضها بما تقدم من صلاته قبل البلوغ، وكذلك لو ابتدأها ثم بلغ في أثنائها للزمه فعلها فلا يجزيه عن فرض الوقت في آخر الوقت، خلافا للشافعي، لأن الصلاة لا تصح إلا بنية الوجوب وذلك لا يصح إلا ممن هو من أهل الوجوب، والصبي ليس هو من أهله، فلو أجزأته لأدى إلى جواز الفرض بنية النفل، ولأنها صلاة ابتدئت نفلا، فلم تنقلب فرضا كتنفل البالغ، ولأنها صلاة فعلت نفلا فلم يسقط بها الفرض فيما بعد، أو فلم يمنع الوجوب فيما بعد كما لو فعلت قبل الوقت أو كصلاة البالغ.
стр. 109
باب في الأذان
[١٩١] مسألة: يجوز أن يؤذن للفجر قبل وقتها، خلافا لأبي حنيفة، لقوله ﷺ (إن بلالا ينادي بليل) ويروى (يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) وروي (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)،ولأن من أصلنا استحباب التغليس بها، وهي صلاة تدرك الناس نياما غير متهيئين لها، فاحتيج إلى الأذان لها قبل وقتها، ليتأهب الناس لها في تلك المهلة، فيدركوا فضيلة التغليس، وبهذا فارقت سائر الصلوات، ولأن ذلك إجماع أهل المدينة وعملهم المتصل فهو حجة، ولأنها صلاة فرض يجهر في جميعها من غير نقصان عددها، فجاز الأذان لها في وقت لا يجوز فيه فعلها كالجمعة.
[١٩٢] مسألة: التكبير أول الأذان وآخره سواء، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إنه في أوله أربع، لأن ذلك مروي في حديث أبي محذورة
стр. 110
وبلال وسعد القرظ، ولأنه إجماع أهل المدينة نقلا، ولأن التكبير في النداء في الصلاة لا يزيد على مرتين كالإقامة وآخر الأذان ولأن ما يربع في الأذان من حقه أن يوحد في الإقامة اعتبارا بالتشهدين، فلما وجدنا التكبير يثنى في الإقامة دل على أنه لا يربع في الأذان.
[١٩٣] مسألة: الترجيع في الأذان مسنون، خلافا لأبي حنيفة، لأنه ﵇ علم أبا محذورة الأذان إلى أن قال: (ثم ترجع فتمُدُّ من صوتك)، ويروى: (فترفع فتقول: أشهد أن لا اله إلا الله) إلى آخر التشهدين، وهذا
следующие страницы →