Полный текст (912 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وإن كانت قد قبضت فالقول قول المشتري مع يمينه. والثالثة: اعتبار البقاء والفوات وهو قول أبي حنيفة. فوجه الأولى قوله ﷺ : (إذا اختلف المتبائعان فالقول قول البائع أو يترادان) وروي: ........ " يتحالفان ويتفاسخان" وروي:"فالقول قول البائع"؛ ولأن حصول الاختلاف في ثمن المبيع يوجب التحالف، أصله قبل القبض وبعده مع بقاء السلعة؛ ولأن الاختلاف إذا وقع في كيفية زوال الملك بين المتعاقدين لم يجعل القول قول مدعي الملك عند تلف السلعة كما لو اختلفا فقال أحدهما: بعتكها وقال الآخر: وهبتنيها. ووجه اعتبار التلف قوله ﷺ :" إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع فإن استهلكت فالقول قول المشتري" وروي:" والسلعة قائمة تحالفا وترادا"؛ ولأنا وجدنا التحالف يوجب الفسخ بينهما إذا لم يتصادقا
стр. 457
بعد التحالف، والسلعة بعد التلف لا يتأتى فيها الفسخ ولا معنى للتحالف؛ ولأن التحالف سببٌ يثبت به الفسخ، فسقط بتلف المبيع، أصله الإقالة؛ ولأن العقد على الاعيان كالعقد على منافعها، وقد ثبت أن مدة الإجارة إذا انقضت، ثم تنازعا فيما عقدا به من المقدار، لم يتحالفا لتعذر الفسخ بعد تلف المنافع كذلك في المبيع؛ ولأن هلاك العين المستحق بذلها على الضمان يكون القول قول من تلف في يده لا مقدار ما يستحق بها، أصله الغصب؛ ولأنا لو أوجبنا التحالف لكنا قد أوجبنا على المشتري القيمة وربما كانت أضعافاً مما يدعيه البائع. ووجه اعتبار القبض وهو الصحيح أن اليمين في الأموال تجب على أقوى المتداعيين سبباً، والمشتري قد صار بالقبض أقوى سبباً من البائع؛ لأنه لما دفع إليه السلعة ائتمنه عليها إذا لم يتوثق منه، فوجب أن يكون القول قوله.
[بيع الحر على أنه عبد]
[٩٥٣] مسألة: إذا جاء رجلٌ بعبدٍ إلى رجل فقال: اشتره مني فإنه رقيقٌ لي، وأقر العبد بذلك، ثم بان له أنه حرٌ، فالضمان على البائع. وقال أبو حنيفة إن كان البائع حاضراً أو غائباً غيبةً يرجى عوده منها، فالضمان عليه وإن كان غائباً لا يرجى عوده فالضمان على العبد. فدليلنا أن ما وجد منه إن كان يتعلق به الضمان لم يفرق في الحكم بين الغيبة والحضور اعتباراً بسائر ما يضمن.
تم الباب والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وسلم تسليما.
стр. 458
كتاب الرهن
[٩٥٤] مسألة: يجوز الرهن في السفر والحضر. خلافاً لمجاهد في قوله: لا يجوز إلا في السفر؛ لأن كل وثيقةٌ جازت في السفر جازت في الحضر كالضمان؛ ولأنها حال ٌ يجوز أن يتوثق فيها بالضمين فجاز بالرهن كالحضر.
[٩٥٥] مسألة: يلزم الرهن بمجرد القول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا يلزم إلا بالقبض لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾. ففيه دليلان. أحدهما: أنه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهناً، وذلك يفيد أنها قد تكون رهناً وإن لم تقبض، والآخر: أنه لا يخلو أن يكون خبراً أو أمراً، ولا يجوز أن يكون خبراً؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهنٍ غير مقبوضٍ، ومن قولهم أن الراهن لو جُنّ أو أغمي عليه، ثم أفاق، فسلمه، يصح، فثبت أنه أمر؛ ولأنه عقدٌ لازمٌ فوجب أن يلزم بنفس القول كالنكاح والبيع؛ ولأنه عقد وثيقةٍ فوجب أن يلزم بنفس القول كالكفالة.
[٩٥٦] مسألة: استدامة القبض من شرط صحة الرهن، خلافاً للشافعي. لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم أحواله؛ ولأنها حالات من أحوال الرهن فوجب أن يكون القبض شرطاً فيها كالابتداء؛ ولأن المعنى الذي لأجله استحق قبض الرهن في الابتداء هو لأن يحصل وثيقةً للمرتهن
стр. 459
بقبضه إياه، وهذا المعنى يحتاج إليه في كل حالٍ كان فيها رهناً فكان القبض شرطاً فيها.
[٩٥٧] مسألة: ويصح رهن المشاع كما يصح بيعه، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم؛ ولأنه يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم؛ ولأن إشاعته لا تمنع صحة الرهن، أصله إذا رهن داراً من رجلين؛ ولأن كل ما لو رهنه مع غيره لصح فكذلك إذا رهنه منفرداً، أصله. الداران إذا رهنهما من رجلٍ؛ ولأنها حال للرهن فجاز أن يتناول المشاع، أصله ثاني حالٍ. وهو أن يرهنه داراً تم يبيع نصفها؛ ولأن كل عقدٍ جاز أن يعقد على بعض الجملة مقسوماً جاز أن يعقد على ذلك البعض مشاعاً، أصله البيع؛ ولأن كل عقدٍ جاز على عينٍ لنفسين جاز على نصفها لأحدهما، أصله البيع.
[٩٥٨] مسألة: إذا رهن عنده عيناً كان غصبها قبل قبضها جاز، وسقط ضمان الغصب، خلافاً للشافعي؛ لأن ابتداء إمساك العين بإذن مالكها يمنع أن تكون مضمونةً ضمان الغصب، أصله الرهن المبتدأ، أو إذا رهنها إياه قبل قبضها؛ ولأن الرهن عقدٌ يتعلق به الضمان فيجب إذا طرأ على الغصب أن يسقط ضمان الغصب كالبيع؛ ولأنه عقدٌ يقتضي إمساك العين بإذن المالك، فوجب أن ينتفي الغصب حال حصوله كالوديعة؛ ولأن الرهن ينافي الغصب في الابتداء، فوجب أن ينتفي ضمانه؛ لأن الضمان بالغصب إنما يثبت مع ثبوت الغصب، فإذا زال الغصب فيجب زواله؛ ولأنها عينٌ ارتهنها بعد أن كان غاصباً لها وصار قابضاً لها بالرهن، فوجب أن يزول ضمان الغصب عنه، أصله إذا قبضها وأعادها إليه.
[٩٥٩] مسألة: الرهن يتعلق بجملة الحق وبأبعاضه، وكذلك تعلق الحق بالرهن، فلو رهنه عبدين بمائةٍ فتلف أحدهما كان الثاني رهناً بجميع المائة، وكذلك لو أسلم أحد العبدين ولم يقبضه الآخر ورضي المرتهن
стр. 460
بذلك كان المقبوض رهناً بجميع المائة، وحكي عن أبي حنيفة أن المقبوض يكون رهناً بقدر ما بقي من مقابلته من الدين. فدليلنا أنه مالٌ محبوسٌ بحقٍ فوجب أن يكون محبوساً بكل حقٍ منه، أصله إذا مات وخلف تركة وعليه دينٌ فإن جميع التركة محبوسةٌ على الدين؛ ولأنها وثيقةٌ بحقٍ فوجب أن تكون وثيقةٌ به وبكل جزءٍ منه؛ ولأن تعلق الرهن بالحق كتعلق الحق بالرهن، وقد ثبت أن الرهن يتعلق بجملة الحق وبكل جزءٍ منه، وكذلك يجب أن يكون تعلق الحق به؛ ولأنه لو كان يتقسط على أجزاء الحق لوجب مثله فيمن رهن جاريةً حاملاً.
[٩٦٠] مسألة: إذا رهن عبداً له ثم أعتقه فإن كان موسراً نفذ عتقه وعجل الحق للمرتهن أو رهنه غيره، وإن كان معسراً لم ينفذ وبقي رهناً، فإن أفاد مالاً قبل الأجل نفذ العتق، وإن بقي على إعساره بيع عند الأجل، وقال أبو حنيفة ينفذ عتقه موسراً كان أو معسراً وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة والآخر: أن العتق لا ينفذ موسراً كان أو معسراً. فدليلنا على أبي حنيفة في أنه لا ينفذ عتقه مع الإعسار. قوله : ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ ولأنه معنًى يبطل به حق الوثيقة من الرهن فلم ينفذ مع الإعسار بغير رضا المرتهن كالبيع، وإن شئت جعلت حكم العلة أن الراهن لا يملك عتقه، كما لا يملك بيعه، فقلت فجاز أن يزول ملك الراهن عنه بلزوم الرهن كالبيع؛ ولأن الراهن محجورٌ عليه في الرهن بحق المرتهن بدليل أنه لا يجوز تصرفه فيه ببيعٍ ولا هبةٍ فلم يجز إعتاقه كالمفلس؛ ولأن العتق لو نفذ لم يخل الحق أن يتعلق بذمة الراهن فقط أو إلى السعايه والسعاية باطلةٌ على أصلنا، وتعلقه بذمته بغير رهن إلزامٍ له أن يسقط حقه من الوثيقة. وذلك غير جائزٍ، فلم يبق إلا ما قلناه. ودليلنا على الشافعي: أنه إذا أعتقه وهو موسرٌ لم يؤد إلا بطلان
стр. 461
التوثق؛ لأنه إما أن يعجل له حقه فذلك مقدمٌ على التوثق أو أن يرهنه رهناً ويكون حق التوثق باقياً وعقد الرهن إنما يمنع الراهن من فعل ما يبطل حق التوثق فقط.
[٩٦١] مسألة: إذا رهن عنده رهناً على حقٍ ثم استزاده شيئاً آخر على ذلك الرهن جاز وكان رهناً بالحقين، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم كل دينٍ يجوز أخذ الرهن به، وكل رهنٍ يجوز ارتهانه بكل دينٍ؛ ولأنه وثيقةٌ بالحق، فإذا اشتغل بحقٍ جاز أن يشتغل بحقٍ آخر مع بقاء اشتغاله بالحق الأول كالضمين؛ ولأنه زيادةٌ في التراهن في حق المتراهنين فأشبه الزيادة في الرهن؛ ولأنها زيادةٌ في حق توثيقه على أن تكون الوثيقة بتعلقه بهما فجاز ذلك، أصله زيادةً في الحق في الضمين؛ ولأنه حقٌ تعلق بعين يستوفى من ثمنها، فجاز أن يزاحمه في التعلق بها حق آخر، أصله أرش الجناية؛ ولأن منع ذلك لا يخلو أن يكون لحق الراهن أو المرتهن أو لعقد المرتهن ولا يجوز أن يكون لحق الراهن؛ لأن حقه كان في استرجاعه عند أداء الدين الأول، فإذا علقه بدينٍ آخر فقد اختار إسقاط حقه وبقي تعلق التوثق به، وذلك إليه؛ أو لحق المرتهن؛ لأنه لا ضرورة عليه فيه ولا لمعنًى يعود إلى عقد الرهن، فوجب جوازه.
[٩٦٢] مسألة: يكره تخليل الخمر، فإن خللت أساء وجاز أكلها، وفيه روايةٌ أخرى أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي. ودليلنا على الجواز قوله : ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ الآية. وقوله ﷺ :" نعم الإدام الخل"؛ ولأن الحكم إذا وجب لعلةٍ زال بزوالها
стр. 462
ما لم يلحقها غيرها، وتحريم الخمر إنما كان من أجل الشدة، وقد زالت فيجب زوال التحريم الثابت بها، كما لو انقلبت بنفسها؛ ولأنه مائعٌ نجسٌ بوجود معنًى لو زال ابتداء بغير صنع آدمي لطهر، فكذلك يجب أن يزول بفعل الآدمي، الأصل فيه النار؛ ولان كل حكم كان ثابتاً بحصول الشدة فإنها إذا زالت زال بزوالها بغير اعتبارٍ بذلك بفعل آدميٍ أو بغير فعلٍ، أصله الحد والتفسيق ورد الشهادة فكذلك النجاسة.
[٩٦٣] مسألة: إذا رهنه عصيراً فصار خمراً، ثم عاد خلاً، فإن ارتهانه ثابتٌ، فلا يحتاج إلى عقد مستأنفٍ، خلافاً لبعضهم؛ لأن العصير تعلق به حقان، حق الملك، وحق الرهن والملك أقوى، ثم كان انقلابه خلاً يوجب عوده إلى الملك، فكذلك الرهن وكذلك لو ارتهن عبداً فارتد ثم تاب لعاد رهناً من غير عقدٍ مستأنفٍ كذلك في مسألتنا.
[٩٦٤] مسألة: إذا وكل الراهن المرتهن على بيع الرهن عند حلول الحق واستيفاء حقه من ثمنه جاز ذلك وصحت الوكالة، خلافاً للشافعي في قوله لا يصح؛ لأنه توكيلٌ للمرتهن في بيع ملكٍ له، فصح ذلك إذا كان من أهل الوكالة، أصله إذا وكله في بيع مالٍ له آخر؛ ولأنه وكل من هو من أهل الوكالة في بيع ملكٍ له فأشبه توكيله الأجنبي.
[٩٦٥] مسألة: إذا تراضيا على أن يكون الرهن في يد عدلٍ جاز خلافاً لابن أبي المطلب وداود؛ لأن الرهن حصل مقبوضاً عن الراهن في يد من يقوم مقام المرتهن فصح ذلك كما لو كان في يد المرتهن.
[٩٦٦] مسألة: إذا كان في يد عدلٍ فتلف فذلك من راهنه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه من المرتهن؛ لأن الراهن لم يرض بأمانة المرتهن لما جعله على يد غيره. وكان ذلك رضاً بأن لا يدخل في ضمانه.
[٩٦٧] مسألة: إذا أراد الراهن فسخ وكالة الوكيل في بيع الرهن لم
стр. 463
يكن ذلك له. وقال القاضي إسماعيل له ذلك، وهو قول الشافعي، فدليلنا أن في فسخها إبطال حق المرتهن المتعلق به من تولية البيع وإقباضه الثمن، فلم يكن له ذلك كما لم يكن له أصل الوثيقة؛ ولأن هذه الوكالة إذا شرطت في العقد صارت من موجباته فلم يكن للراهن فسخٌ بغير رضا المرتهن كإمساك الرهن.
[٩٦٨] مسألة: إذا وضع الرهن على يد عدلٍ يبيعه عند حلول الأجل فباعه وتلف الثمن في يده من غير تفريطٍ فإن تلفه من المرتهن، وقال الشافعي: تلفه من الراهن، فدليلنا أن العدل أمينٌ لهما جميعاً، للراهن بحفظ الرهن، وللمرتهن بحق التوثق، وهو بيعه وتوفية المرتهن دينه، فإذا باعه فقد باعه في حق أمانته للمرتهن، فوجب إذا تلف الثمن أن يتلف منه؛ لأن الثمن ملكه؛ لأن ببيعه قد خرج من ملك الراهن وبرئت ذمته.
[٩٦٩] مسألة: إذا باع العدل الرهن وقبض الثمن وتلف في يده ثم استحق المبيع فلا عهدة على العدل ويأخذ المستحق ما استحقه ويرجع المشتري على من بيع له وهو المرتهن فيأخذ الثمن منه ويعود دينه في ذمة الراهن، كما كان، وقال أبو حنيفة العهدة على الوكيل فيغرم العدل الثمن من ماله ثم يرجع على مالكه وهو الراهن ووافقنا الشافعي في أن العهدة لا تكون عل الوكيل. وخالفنا فيمن تكون عليه فقال تكون على الراهن، فدليلنا على أبي حنيفة أنه بائعٌ على غيره، فلم يلزمه ضمانٌ، كأمين القاضي؛ ولأنه وكيلٌ في البيع كالحاكم إذا باع على المفلس، ودليلنا على الشافعي أن التصرف حصل بأمر المرتهن وبمطالبته لمنفعته بقبض حقه، فوجب أن يثبت الرجوع عليه. كالموكل إذا باع له وكيله ثم استحق المبيع؛ ولأن المرتهن هو الذي يملك الثمن بهذا البيع فكان كالمالك الذي يوكل غيره.
стр. 464
[٩٧٠] مسألة: نماء الرهن ملك للراهن، وقال بعض الناس: هو للمنفق على الرهن، وقال أحمد هو للمرتهن فدليلنا قوله ﷺ : (الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه)؛ ولأنه نماء ملكه لم يعاوض عليه ولا وهبه، فكان على ملكه، دليله ما ليس برهنٍ.
[٩٧١] مسألة: إذا احتاج الرهن إلى دواءٍ كان على الراهن، وقال أبو حنيفة: إن كان الرهن قد استغرق القيمة فالدواء على المرتهن، وإن كان لم يستغرقها فهو بينهما، ودليلنا على أن الدواء من مؤنة الرهن، فوجب أن يكون على الراهن كالنفقة.
[٩٧٢] مسألة: إذا حل أحل الحق وامتنع الراهن من بذل الحق كان للمرتهن دفعه للحاكم ومطالبته ببيعه، وللحاكم بيعه على الراهن وتوفية المرتهن حقه من ثمنه، وقال أبو حنيفة: لا يملك الحاكم بيعه في حياة الراهن، فإذا مات جاز بيعه، فدليلنا أنه مرهونٌ بحقٍ حالٍ لا يمكن المرتهن من استيفائه، فجاز أن يملك المرتهن مطالبة الحاكم ببيعه، أصله إذا مات الراهن.
[٩٧٣] مسألة: يضمن من الرهون ما يخفى هلاكه كالذهب والفضة والعروض ولا يضمن ما يظهر هلاكه كالحيوان والعقار، وقال أبو حنيفة يضمن كل ذلك، وقال الشافعي: الرهن أمانةٌ لا يضمن إلا بالتعدي، ودليلنا أن الرهن قد أخذ شبهاً من المضمون وشبهاً من الأمانة، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، ويبين ذلك أن الأمانة المحضة، ما لا نفع فيها لقابضها بل النفع كله للمالك كالوديعة، والمضمون المحض ما يكون النفع فيه كله لقابضه كالمشتري، أو بتعدي جناية كالغصب، ومسألتنا عاريةٌ من كل ذلك، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، فيجب الفصل
стр. 465
بينهما وإذا وجب ذلك لم يبق إلا ما قلناه. ولا يلزم عليه العارية؛ لأن المستعير وإن كان قبضها لنفع نفسه، فإن المعير لما بذلها له وأباحه إياها بغير عوضٍ كان ذلك سبباً في ضمانها ولما كان المستعير قبضها لنفع نفسه، كان ذلك يقتضي الضمان، فلذلك كان لها حكم الرهن؛ لأنها قد أخذت شبهاً من الأمرين ولم يلزم عليه القراض لأن جل النفع فيه للمالك، وكذلك المستأجر ولا يدخل عليه الصناع وحمل الطعام؛ لأنه مخصوصٌ للضرورة والمصلحة. فإذا تقررت هذه النكتة ثبت ما قلنا، ثم نتكلم بعد هذا على فساد كل قول بأدلة تخصه. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ :" الرهن ممن رهنه" وهذا عامٌ. وقوله:" له غنمه وعليه غرمه" وهذا اعتبارٌ عن الهلاك؛ لأن الغرم إما أن يراد به الهلاك أو الحقان، وأي ذلك كان. فيجب أن يكون في جهة الراهن دون المرتهن. وعلى الشافعي، أن قبض الشيء لمنفعة القابض مؤثرٌ في تعلق الضمان بها كالبيع.
[٩٧٤] فصل: يضمن ما يضمن منه بقيمته، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: بأقل الأمرين؛ لأن كل عينٍ ضمن تلفها فقيمتها كسائر المتلفات.
[٩٧٥] مسألة: يصح عقد الرهن قبل وجوب الحق، خلافاً للشافعي، لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ ولم يفرق؛ ولأن المقصود من الرهن هو استيفاء الحق من ثمنه وقد ثبت أن ذلك يجوز أن يتعلق بصفة
стр. 466
تأتي، وهو امتناع من عليه الحق من أدائه، فجاز أن يتعلق الرهن أيضاً بصفة تأتي؛ ولأنه أذن له في قبضه على وجه الأمانة أو الضمان، فصح ذلك، أصله في الضمان ضمان القضاء إذا قال: خذ هذا الكيس فإن كان فيه قدر حقك فقد قضى من حقك أو دفع الكيس إليه ووكل غيره بأن يقبض حقه منه وفي الأمانة والوديعة إذا قال له متى جاءك فلان يقضي الذي عنده فاقبضه بكذا فهو وديعةٌ لي عندك.
[٩٧٦] مسألة: نماء الرهن المتميز عنه لا يدخل في الرهن، كالثمرة، والصوف، واللبن وأجرة العقار، والدواب، وما أشبه ذلك، إلا الولد فإنه يكون رهناً مع الأم في سائر الحيوان، وقال أبو حنيفة جميع النماء يكون رهناً، وقال الشافعي يكون جميعه خارجاً عن الرهن، فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ :" له غنمه" وذلك يقتضي انفراده به. وقوله:" الرهن مركوبٌ ومحلوبٌ" ولا يجوز أن يريد به المرتهن، فثبت أنه أراد الراهن؛ ولأنه نماءٌ من غير جنسه فأشبه الأجرة، ودليلنا على الشافعي، أن الأصول موضوعةٌ على أن كل حكمٍ ثبت في رقاب الأمهات مستقر، بشرط ثقة المعاوضة، فإن الولد يتبع الأمهات فيه كالزكاة. وولد أم الولد والمعتق نصفه، أو إلى أجلٍ، والمدبرة والمخدمة، والمكاتبة، فكذلك مسألتنا؛ ولأن نماء جنسه وخلقته كالسمن.
стр. 467
[٩٧٧] مسألة: إذا اختلف المرتهنان في قدر الحق، فالقول قول المرتهن إلى قيمة الرهن، وقال أبو حنيفة، والشافعي: القول قول الراهن على كل وجهٍ، فدليلنا أن العرف أصل يرجع إليه في التخاصم إذا لم يكن هناك ما هو أولى منه، والعرف جارٍ بأن الناس لا يرهنون إلا ما يساوي ديونهم أو يقاربها، فمن ادعى خلاف ذلك فقد خرج عن العرف ولا يلزم عليه البينة؛ لأنها أولى إذا كان الرهن على يد عدلٍ؛ لأن الراهن لم يرض بأمانة المرتهن فيه، فلم يكن الرهن شاهداً له.
стр. 468
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب التفليس
[٩٧٨] مسألة: من باع سلعةً ففلس المشتري قبل قبض البائع الثمن فوجد البائع سلعته كان أحق بها، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﷺ :" أيما رجلٍ أفلس فأدرك رجلٌ ماله بعينه فهو أحق به من غيره"؛ ولأن فلس المبتاع بثمن السلعة مع بقائها على صفتها، وعدم تعلق حق الغير بها، يوجب للبائع حق الفسخ، أصله إذا كان قبل قبض السلعة؛ ولأنه نوع معاوضةٍ يلحقه الفسخ فجاز أن يثبت فيه حق الفسخ بعيب ذمة من عليه الحق، أصله الكتابة؛ ولأن تعذر تسليم ثمن المسلم فيه عند الأجل يوجب للمسلم حق الفسخ، كذلك تعذر قبض الثمن بالإفلاس مع بقاء السلعة.
[٩٧٩] مسألة: وليس له الفسخ بموت المشتري، خلافاً للشافعي، لقوله ﷺ :" فإن مات فهو أسوة الغرماء"، ففرق بين الموت والفلس في
стр. 469
إثبات الرجوع للبائع؛ ولأن حظ البائع بقوةٍ سبب التقديم في إسقاط الغرماء واستبداده، ففي الفلس جعلناه أحق؛ لأن الغرماء يرجعون إلى الذمة وفي الموت لا يرجعون إلى مالٍ ولا إلى ذمةٍ، فلم يكن له إسقاطهم؛ ولأن بالموت قد زال ملك المشتري عنه كما لو باعه المفلس.
[٩٨٠] مسألة: إذا بذل الغرماء للبائع ثمن سلعته لم يكن له الفسخ، خلافاً للشافعي؛ لأن حق الفسخ إنما يثبت له لتعذر القبض، فإذا بذل له فقد زال التعذر، فلم يكن له الفسخ كما لو كان المبتاع ملياً.
[٩٨١] مسألة: إذا قبض البائع بعض الثمن ثم أفلس المبتاع، فهو مخير إن شاء رد ما قبض ورجع في سلعته، أو تمسك به وحَاصّ، وقال الشافعي لا يكون له الفسخ، ودليلنا أن الفسخ إنما يثبت له لدفع الضرر وقوة سببه بوجود عين ماله، وذلك في الكل والبعض كالشفعة؛ ولأنه تعذر عليه قبض حقه بالفلس مع وجود عين ماله على صفته، فكان كمن لم يقبض شيئاً من الثمن.
[٩٨٢] مسألة: إذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه، ثم طرأ غريمٌ
стр. 470
آخر رجع على الغرماء بما كان نصيبه بالحصاص له لو كان حاضراً، خلافاً لمن قال لا يرجع؛ لأنه غريمٌ لو كان حاضراً في وقت القسم لشارك الغرماء فإذا حضر بعد القسمة لم يسقط حقه، أصله إذا قسمت التركة بينهم ثم طرأ غريمٌ آخر.
[٩٨٣] مسألة: إذا اقتسم الورثة بقية التركة بعد أخذ الغرماء حقوقهم ثم ظهر غريمٌ آخر رجع على الورثة ولم يرجع على الغرماء، وقال أبو حنيفة والشافعي يرجع على الغرماء. ودليلنا قوله : ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾. فجعل الميراث بعد أداء الدين، فدل أنه لا يستحق مع بقائه؛ ولأن الغرماء أخذوا ما لو كان الغريم حاضراً لم يشاركهم فيه؛ فإذا كان غائباً لم يكن له الرجوع عليهم، كما لو كان المشتري حياً؛ ولأن الورثة أخذوا ما لم يستحقوه بدليل أنه لو انكشف حال هذا الغريم قبل اقتسام الورثة بقية التركة لم يكن لهم أخذها فصاروا بمنزلة من أخذ مالاً لغيره يظنه، ثم انكشف له فإنه يرده على مالكه.
[٩٨٤] مسألة: يجوز الحجر على المفلس وبيع ماله في دينه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجوز الحجر عليه، ولكن يحبس حتى يقضي الدين، ولا يجوز بيع المال على حي رشيدٍ لما روي أن رسول الله ﷺ قال لغرماء معاذٍ: "خذوا ما معه وليس لكم غيره" وروي أنه حجر عليه
стр. 471
وحديث عمر بن الخطاب:" ألا أن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج ثم ادّان معرضاً فمن كان له عليه شيءٌ فليحضر فإنا نبيع ماله". ولم يخالف عليه أحد؛ ولأن كل دينٍ حل جاز أن يباع فيه العرض كالدين على الميت.
[٩٨٥] مسألة: إذا تصرف المفلس في أعيان ماله بعد الحجر لم ينفذ تصرفه، خلافاً لأحد قولي الشافعي لأنه محجورٌ عليه بأمر الحاكم فلم ينفذ تصرفه في ماله كالمحجور عليه.
[٩٨٦] مسألة: إذا أقر المحجور عليه للناس بدينٍ بعد الحجر تعلق بذمته ولم يشارك المقر لهم في ماله لغرمائه المحجور عليه لأجلهم، خلافاً للشافعي؛ لأنه بهذا الإقرار يريد أن يقطع حق الغرماء من المال أو من بعضه بقوله: ولا سبيل له إلا ذلك.
[٩٨٧] مسألة: الدين المؤجل يحل بموت من هو عليه، خلافاً لما يحكى عن الحسن وغيره؛ لأن الدين كان متعلقاً بالذمة فإذا خربت لم يبق له محلٌّ يتعلق به، فوجب انتقاله إلى التركة، وذلك يقتضي حلوله؛ ولأنا لو قلنا لا يحل لم يخل أن يبقى على ذمة الميت، وذلك باطلٌ بخرابها، أو يتعلق بذمة الوارث، وذلك باطلٌ أيضاً أو بالتركة فيجب قضاؤه منها ولا يجوز تركه؛ لأن فيه إضراراً بالورثة أو تعريض المال للتلف من حيث لا منفعة للغرماء فيه.
[٩٨٨] مسألة: تحل الديون المؤجلة بالفلس خلافاً لأحد قولي الشافعية؛ لأنه معنًى يوجب تعلق الديون التي في الذمة بأعيان الأموال كالموت.
стр. 472
[٩٨٩] مسألة: لا يؤاجر المفلس ولا يلزم إن كان ذا صنعةٍ أن يكتسب بها خلافاً لما يحكى عن أحمد وإسحاق لما روي أن معاذاً كثر دينه فلم يزد أن جعل رسول الله ﷺ ماله بين غرمائه، وروي أنه ﷺ قال لغرمائه: خذوا ماله وليس لكم غيره؛ ولأن ما ذكروه كسبٌ، والمفلس لا يجبر على الكسب، كما لا يجبر على قبول الهبة، ولا على أن يسأل الناس، ولا على أن يطلق زوجته ليرجع بنصف المهر.
[٩٩٠] مسألة: إذا ثبت إعسار المفلس خلي ولم يكن للغرماء ملازمته. خلافاً لأبي حنيفة في قوله لهم أن يلازموه ولا يمنعوه التصرف لما روي أن رجلاً ابتاع ثياباً فأصيب بها وكثر دينه، فقال النبي ﷺ : تصدقوا عليه فلم يف بدينه، فقال لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك؛ ولأن كل دينٍ لم يملك المطالبة به لم يلزم الملازمة لأجله كالدين المؤجل.
[٩٩١] مسألة: إذا فك الحجر عن المفلس فتصرف وداين أخرين فركبه دينٌ وحجر عليه فإن الغرماء الآخرين أحق بهذا المال من الغرماء الأولين وقال الشافعي يقسم ماله بين الجميع، فدليلنا أن الغرماء المتأخرين أقوى سبباً؛ لأن هذا المال كأنه عين مالهم أو بدله فكانوا أقوى سبباً من الأوائل كالذي يجد سلعته فيكون أقوى وأحق بها من غيره.
***
стр. 473
كتاب الحجر
[٩٩٢] مسألة: يحكم في البلوغ بالإنبات، وقال أبو حنيفة: لا يعتبر أصلاً، وقال الشافعي: يعتبر به في الكفار، وفي المسلمين له قولان: فدليلنا حديث سعد قال: "حكمني رسول الله ﷺ في بني قريظة فكنا نكشف عن مؤتزرهم فمن أنبت منهم قتلناه، ومن لم ينبت جعلناه في الذراري وقال ﷺ ما فعلت؟ فأخبرته فقال: حكمت بحكم الله "، وروي "الجزية على من جرت عليه الموسى".
стр. 474
[٩٩٣] فصل: ودليلنا على الشافعي أن كل ما جاز أن يكون بلوغاً أو دلالة على البلوغ في الكافر جاز أن يكون كذلك على المسلم، أصله السن والبلوغ بالاحتلام؛ ولأن دلالته على ذلك ليست لمعنى يرجع إلى الدين وإنما هو لمعنى يتعلق بالعادات وهذا يستوي فيه المسلم والكافر؛ ولأن كل شخصٍ ثبت بلوغه بالاحتلام جاز أن يثبت بالإنبات، أصله الكافر؛ ولأن قبول الشهادة وغير ذلك من حقوق البلوغ وأحكامه، فجاز أن يثبت بالإنبات، أصله أخذ الجزية من الكافر.
[٩٩٤] مسألة: ليس في السن المعتبرة في البلوغ حدٌ، إلا أن أصحابنا قالوا سبع عشرة أو ثماني عشرة سنةً، وقال الشافعي: حده خمس عشرة سنةً، وذكره بعض أصحابنا عن ابن وهب. ودليلنا قوله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾، وقال ﷺ : رفع القلم عن ثلاثة: فذكر الصبي حتى يحتلم؛ ولأن من جعل خمس عشرة حد البلوغ لا يخلو أن يكون تعلقاً، بأكثر ما في العدد أو تعلقا بوجود ذلك في العادة وكل ذلك باطلٌ.
[٩٩٥] مسألة: إيناس الرشد في الغلام هو إصلاح ماله وتأتيه للثمرة ومصلحته وأن لا يكون مبذراً له، وأن لا يراعى عدالته في دينه ولا فسقه، فإذا بلغ على هذه الصفة سلم إليه ماله، وإن كان فاسقاً، وقال الشافعي، لا يسلم إليه ماله إلا أن يكون مصلحاً لماله غير فاسق في دينه، فدليلنا أن الفسق في الدين إذا لم يكن معه تبذيرٌ في المال لا يوجب السفه، دليله إذا طرأ بعد البلوغ والعدالة؛ ولأنه لو كان يوجب الحجر أو من شرط فك ذلك الحجر لوجب أن يكون واجباً لذلك، وإن طرأ بعد
стр. 475
التبذير البلوغ؛ لأنه لو كان يوجب الحجر أو من شرط ذلك الحجر لوجب أن يكون موجباً لذلك وإن طرأ بعد البلوغ كالتبذير؛ ولأن كل ما طرأ على البالغ المصلح له لم يوجب الحجر عليه فكذلك لا يوجب استدامته، بعد البلوغ كسائر أفعاله.
[٩٩٦] مسألة: إذا بلغ الصبي وكان مبذراً مضيعاً لماله استديم الحجر عليه أبداً ما دام على ذلك، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنة سلم إليه ماله وإن كان مبذراً مضيعاً، فدليلنا قوله : ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فشرط في جواز الدفع إليهم شرطين: البلوغ وإيناس الرشد، ومن كان مبذراً مضيعاً، لم يؤنس منه الرشد؛ ولأن كل من لم يكن مصلحاً لماله أو كان مبذراً مضيعاً له لم يجز دفعه كالمجنون ومن لم يبلغ خمساً وعشرين سنةً.
[٩٩٧] مسألة: لا ينفك الحجر عن الصغيرة وإن بلغت حتى تتزوج ويدخل بها زوجها وتكون حافظةً لمالها، وقال أبو حنيفة والشافعي: ينفك عنها الحجر بنفس البلوغ من غير حاجة إلى تزويج، فدليلنا أن كل حال جاز للأب إنكاحها بغير إذنها كان الحجر على المال مستداماً فيها كالصغيرة؛ ولأن البنت لا تخبر مصلحتها ولا تعرف المعاملات ولا تعرف معانيها ومصالح المال بنفس البلوغ دون التزويج؛ لأنها إذا زوجت ودخل بها عرفت حينئذ الأمور وخبرتها فحينئذ ينفك الحجر عنها.
[٩٩٨] مسألة: يُبْتَدَأ الحجر على البالغ إذا كان مبذراً لماله مضيعاً، وقال أبو حنيفة لا يحجر على البالغ ابتداءً، فدليلنا قوله : ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه
стр. 476
بالعدل﴾، فأثبت الولاية على السفيه وذلك يفيد ثبوت الحجر عليه، وحديث حبان بن منقذ، سأل أهله الحجر عليه فلم ينكر ﷺ ، ذلك؛ ولأن علياً رام الحجر على عبدالله بن جعفر، وسأل عثمان ذلك. فلم ينكر عليه، وقال كيف أحجر على رجل شريكه الزبير"، وإنما أراد أن دخول الزبير معه في الشركه ينفي أن يظن به إضاعة المال، ولم يعرف من أحد إنكار ذلك؛ ولأن كل معنى لو قارن البلوغ منع دفع المال إليه وأوجب بقاء الحجر عليه فإذا حدث بعد البلوغ ابتدئ عليه به الحجر كالجنون.
[٩٩٩] مسألة: لا يجوز للمرأة التصرف في أكثر من ثلث مالها لغير معاوضة إلا بإذن زوجها وقال أبو حنيفة والشافعي، لها أن تتصرف فيه بالهبة والصدقة من غير اعتبار بإذنه، فدليلنا قوله ﷺ : لا يحل لامرأة ملك زوجها بضعها أن تتصرف في مالها إلا بإذنه، وقوله: تنكح المرأة لدينها
стр. 477
ومالها وجمالها، وذلك يوجب تعلق حق الزوج بمالها؛ ولأن في تبقية مالها حقوقاً للزوج؛ لأن العادة جارية بأن الزوج قد ينبسط في مال زوجته وجهازها وينتفع به، وكذلك يجب عليها عند التجهيز له، وله في ذلك جمالٌ، ومنفعة، وعليه يدخل في العرف ويبين ذلك أن صداق المثل يقل ويكثر لقلة مالها وكثرته، وفي إتلافه إسقاط حق الزوج منه فلم يجز.
[١٠٠٠] مسألة: طلاق المحجور عليه وخلعه ينفذ، خلافاً لما يحكى عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف لأنه مكلف فوجب أن ينفذ طلاقه كالرشيد؛ ولأن منعه من التصرف في ماله لا يمنع نفوذ طلاقه كالمفلس والعبد.
***
стр. 478
كتاب الصلح والمرافق
[١٠٠١] مسألة: الصلح جائزٌ على الانكار خلافاً للشافعي لقوله ﷺ : الصلح جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً فعم؛ ولأنها دعوى فجاز الصلح معها ما لم يحكم ببطلانها، أصله الإقرار؛ ولأن كل صلح جاز مع الإقرار جاز مع الإنكار، أصله إذا قامت به البينة؛ ولأن افتداء اليمين جائز لما روي عن عثمان وابن مسعود أنهما بذلا مالاً في دفع اليمين عنهما؛ ولأن اليمين الثابتة للمدعي حقٌ ثابتٌ لسقوطه تأثيرٍ في إسقاط المال فجاز أن يؤخذ عنه المال على وجه الصلح، أصله القود في دم العمد.
[١٠٠٢] مسألة: يجوز إخراج الروشن إذا لم يستضر الغير به وقال أبو حنيفة لا يجوز، فدليلنا أنه استرقاقٌ لا يستضر غيره به في هواء غير مملوكٍ فلم يمنع منه كالجلوس في الطرق وقعوده في ساحته للبيع.
стр. 479
[١٠٠٣] مسألة: إذا تنازعا جداراً بين دارين ولأحدهما فيه تأثيرٌ يشهد العرف بأنه يفعله المالك حكم له به وذلك كتعاقد القُمُط والرُبُط ووجوه الآجُرّ وغير ذلك، وقال الشافعي لا يحكم به ويكون بينهما، فدليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾، وروي أن رجلين تنازعا جداراً فحكم به ﷺ لمن إليه مَعَاقِد القُمُط؛ ولأن العرف والعادة أصلان يرجع إليها في التنازع إذا لم يكن أصل يرجع إليه سواهما كالنقد والسير والحمولة فكذلك في مسألتنا إذا كان العرف جارياً بأن هذه الأشياء يفعلها المالك في ملكه حكم به لمن يشهد له العرف.
[١٠٠٤] مسألة: إذا تنازعا جداراً لأحدهما عليه خشب والآخر لا شيء له عليه يجري مجراه حكم به لصاحب الخشب قليلاً كان أو كثيراً وقال أبو حنيفة إذا كان عدة جذوع حكم له به، وإن كان الجذع والاثنان فلا وقال الشافعي لا يحكم به لصاحب الخشب، فدليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾، والعرف جارٍ بأن الإنسان إذا كان له على حائط خشبٌ وجذوعٌ فإنه وضعه على سطحه، لأن غالب تصرف الناس أن يكون في أملاكهم؛ ولأن وضع الجذوع على الحائط يد وتصرف فوجب أن يقدم به دعوى مدعي الحائط كا لو تنازعا داراً في يد أحدهما؛ ولأنهما لو تنازعا عرصة لأحدهما فيها حائطٌ لحكم بها لصاحب الحائط ولا فرق بين ذلك وبين الجذوع.
[١٠٠٥] مسألة: إذا أراد أن يجعل جذوعه على جدار لغيره أو مشترك بينه وبين غيره لم يكن له ذلك في الحكم إلا برضا الشريك أو الأجنبي، خلافاً لأحد قولي الشافعي: إن له ذلك، ولأحمد في قوله يقضى بذلك على
стр. 480
الجار؛ لأن الحائط له ملك فلم يكن عليه بذله لغيره ليتصرف فيه كما لو أراد أن يفتح فيه باباً؛ ولأنه ارتفاق لصاحب الجذع فلم يملك ذلك في غير ملكه بغير إذنه دليله إذا أراد أن يزرع في أرض غيره.
[١٠٠٦] مسألة: البيت إذا كان عليه علو فتنازع السقف صاحب السفل وصاحب العلو حكم به لصاحب السفل، وقال الشافعي يكون بينهما، فدليلنا أن السقف محمولٌ على ملك صاحب السفل غير متيقن ملكه لغيره وإذا تنازعا حكم به له، أصله الحمل على دابة يدعيها مالكها وأجنبي؛ ولأن من باع بيتاً دخل سقفه في المبيع فلولا أنه منه لم يدخل فيه كما لا تدخل الغرفة التي عليه ولا البيت المجاور له؛ ولأن العرف جار في البيوت أن يكون حيطانها عليها سقوف، ولذلك سمي بيتاً فيجب أن يحكم بالملك عند التنازع بجميع ما يستوعبه الاسم.
[١٠٠٧] مسألة: الحائط بين شريكين إذا انهدم أو هُدِم فطالب أحدهما بالبناء وأبى الآخر ففيه روايتان: أحدهما: أنه يجبر والأخرى: أنه لا يجبر، وهو قول الشافعي. فوجه نفي الإجبار أنه ملكٌ لو انفرد به لم يجبر على الإنفاق عليه وكذلك إذا كان مشتركاً، أصله إذا كان بينها أرضٌ فطالب الشريك بزراعتها ووجه إثباته قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" ولأن الشريك لا ينتفي عنه الضرر ولا يصل إلى حقه إلا ببناء الشريك معه وفيه مصلحة لهما فوجب إجباره عليها.
***
стр. 481
كتاب الحوالة
[١٠٠٨] مسألة: إذا أحاله بحقه على رجل له عليه دين وهو مليء في الظاهر، لا يعلم المحيل منه فلساً فإنه يصير كالقابض، ولا يرجع على المحيل بحال، وقال أبو حنيفة يرجع عليه إذا كان المحال عليه مفلساً أو جحد الحق وحلف، ولم يكن للمحتال بيّنة، وزاد أبو يوسف ومحمد: أو يحجر الحاكم عليه للفلس.
ودليلنا: قوله ﷺ : «ومن أحيل على مليء فليتبع» فأطلق ولم يقيد، ولأنها حوالة برئت ذمة المحيل بها، فلم يجز له الرجوع على المحيل به، أصله إذا لم يتغير حاله، ولا يلزم عليه الغرر؛ لأن الذمة لا تبرأ معه، ولأن عقد الحوالة إذا انبرم فإن بقاءه يمنع رجوع المحتال على المحيل، أصله ما ذكرناه، وفي الغرر لم ينبرم، ولأن الحوالة سبب تسقط المطالبة بالدَّين وتبدله، فوجب أن يسقط به حق الرجوع كالقبض والإبراء، ولا يلزم عليه الغرر؛ لأن المطالبة لا تسقط معه، ولأن الحوالة بمنزلة الإبراء والقبض، بدليل سقوط المطالبة بالدين معها، وجواز التأخير فيها، فكان المحال عليه عيباً حادثاً بعد القبض فلم يرجع به.
[١٠٠٩] مسألة: وإذا أحاله على مفلس والمحال لا يعلم بفلسفه كان له
стр. 482
الرجوع خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «من أحيل على ملي فليتبع» فشرط ملاء المحال عليه، ولأن البراءة كانت بشرط سلامة ذمة المحال عليه؛ لأنه على ذلك دخل، فإذا لم توجد السلامة لم يوجد شرط البراءة، فكان الدين باقياً في الذمة، ولأن المحتال دخل على ذمة سليمة، فإذا خرجت معيبة كان له الرجوع، كما لو دفع الثمن في سلعة على أنها سليمة فخرجت معيبة.
[١٠١٠] مسألة: لا يجبر صاحب الحق على الرضا بالحوالة، خلافاً لداود؛ لأن حقه تعلق بذمة فلم يجبر على نقله إلى ذمة أخرى بغير رضاه، أصله في المنافع إذا استأجر منه كراء إلى بلد فلم يكن له أن يحيله على غيره ليستوفي الكراء منه، ولأنه بيع ملك ولأنه تمليك ببدل لا يتعلق به حق الله تعالى فلم يجبر عليه المالك، أصله بيع الأعيان، ولأنه حق واجب عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا من له الحق، أصله إذا تعلق بالعين، فنقيس الذمة على العين.
[١٠١١] مسألة: ورضا من يحال عليه غير معتبر، خلافاً لداود؛ لقوله ﵇: «من أحيل على ملي فليتبع» ولم يشترط رضاه، ولأن الحق هو للمالك فله أن يملكه من شاء كسائر الحقوق.
стр. 483
كتاب الضمان والكفالة
[١٠١٢] مسألة: الضمان لا يبرئ ذمة المضمون منه خلافاً لابن أبي ليلى وداود؛ لقوله ﷺ : «نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه» وقوله لأبي قتادة: «الآن بردت عليه جلده» ولأنه وثيقة بالحق كالرهن والإشهاد.
[١٠١٣] مسألة: من ضمن عن إنسان ديناً عليه أو حقاً يلزمه فعله بنفسه، فله الرجوع عليه سواء كان بإذنه أو بغير إذنه.
وقال أبو حنيفة والشافعي إن كان بغير إذنه فهو متطوع لا رجوع له.
ودليلنا: أنه قضى عنه ديناً عليه كان يلزمه قضاؤه ويصح استنابته فيه معتقداً للرجوع به، فكان له الرجوع عليه به، أصله إذا كان برضاه، واعتباراً بالإمام إذا استأجر على السفيه أو على الممتنع من أداء الحق، ولأن أبا حنيفة يوافقنا فيمن ضمن
стр. 484
عن غاصب بعداً غصبه بغير أمره، وأدى قيمته إلى مالك العبد، أنه يرجع على الغاصب بذلك، ولا فرق بين الغاصب وغيره.
[١٠١٤] مسألة: يصح ضمان المجهول خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «الزعيم غارم» فعمّ، ولأنه معروف وإرفاق فجاز في المعلوم والمجهول، كالعتق والهبة.
[١٠١٥] مسألة: يصح ضمان الدَّين على الميت سواء خلّف وفاء به أو لم يخلّف، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يلزم إذا لم يترك وفاء؛ لقوله: «الزعيم غارم» ولأن كل دين لو كان فيه وفاء صح ضمانه، فكذلك يصح وإن لم يكن فيه وفاء، كدَين الحي عكسه الكتابة، ولأن الدَّين لا يسقط بالموت بدليل قوله ﷺ : «نفس المؤمن مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه» وروي «متعلقة» ولأنه لو سقط بالموت عن ذمة من هو عليه لرجع سقوطه عن ذمة الضامن عنه حال حياته؛ لأنها فرع لذمته، فإذا ثبت أن الدَّين لا يسقط بالموت فمن ضمنه فقد ضمن ديناً واجباً فصح ضمانه، ولأنه لو لم يصح ضمانه مع تعذر الوفاء لم يصح مع وجوده كسائر ما لا يصح ضمانه عكسه دين الحي.
[١٠١٦] مسألة: تصح كفالة الأبدان خلافاً للشافعي؛ لقوله «الزعيم غارم» ولم يفرّق، ولأن من عليه الحق عليه أن يحضر أو يوكل من يحضر، وإذا كان ذلك مستحقاً عليه صح أن يضمن عنه، ولأنها وثيقة
стр. 485
كحق الرهن.
[١٠١٧] مسألة: إذا مات المتكفل بوجهه لم يلزم الكفيل شيء، خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنه لم يكن له منه تفريط في إحضاره ولا فيمن تكفّل به، وموضوع الكفالة بالنفس الإحضار، ولا يضمن الحق إلا بتفريط.
[١٠١٨] مسألة: تصح الكفالة بالمحبوس والغائب، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل وثيقة يتعلق قضاء الدَّين بها تصح مع الإطلاق والحضور، فصحت مع الغيبة والحبس كالرهن وضمان المال.
كتاب الشركة
[١٠١٩] مسألة: تصح الشركة بالعروض، كانت مما تعرف أعيانها أو لا تعرف، ويكون رأس المال قيمتها، وقال الشافعي إن عقدا الشركة على أثمانها جاز، وإن سكتا نظر، فإن كانت مما يتميز وتعرف أعيانها كالثياب وغيرها لم تصح، وإن كانت مما لا يتميز كالحنطة والشعير والعسل صحت.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ ولأنها أعيان أموال فجاز الشركة فيها وإن لم تسم أثمانها كالذي لا يتميز، ولأن حقيقة الشركة أن يملِّك أحدهما الآخر نصف عرضه، وتحصل أيديهما على جميع المال، وهذا موجود في مسألتنا كما لو صرح بأن قال له بعتك نصف ثوبي بنصف ثوبك، أو إذا كان مما لا يتميز.
[١٠٢٠] مسألة: لا تصح الشركة إذا انفرد كل واحد بمال نفسه من غير أن يكون يد الآخر عليه حتى يكون أيديهما عليه، بأن يجعلاه في تابوتهما أو حانوتهما، أو على يد وكيلهما، فتصح حينئذ الشركة، وإن لم يخلطاه، وإن كانت أعيانه متميزة.
وقال أبو حنيفة تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما في يده إذا عيّنا المال وأحضراه، إلا أنه متى هلك أحد
стр. 486
المالين كان من ربه إذا هلك قبل الخلط.
وقال الشافعي لا تصح الشركة إلا أن يخلطا رأس المال حتى لا يتميز بعضه عن بعض.
فدليلنا: على أبي حنيفة أن الشركة تقتضي تساويهما في الاشتراك بالمال، وإذا انفرد أحدهما بثبوت يده عليه لم توجد حقيقة الشركة؛ لأنهما على ما كانا عليه من انفراد المالين، فلم يحصل منهما إلا القول، ومجرد القول لا تأثير له؛ بدليل أنهما لو تعاقدا الشركة على مال ولم يعيناه لم تنعقد، ولأن كل واحد من المالين يتلف على ملك صاحبه، فلم يثبت به شركة أصله سائر أمواله، عكسه إذا خلطاه، أو كانت أيديهما عليه، ولأن كل مال في يد صاحبه كالشركة على الطعام، ولأنهم وافقونا على أن الخسران لا يكون بينهما، فكذلك يجب أن يكون الربح، بعلة أنه أحد نوعي الشركة.
[١٠٢١] فصل: ودليلنا على الشافعي أن أيديهما ثابتة على المالين كما لو خلطاه.
[١٠٢٢] مسألة: شركة الأبدان جائزة في الجملة، خلافاً للشافعي، لأن المقصود من شركة المال هو العمل، بدليل أن نماء المال واستحقاق الربح يكون من العمل، وأنهما لو شرطا العمل على أحدهما لم يجز، وإن شرطا المال من أحدهما والعمل من الآخر لصح، وكان ذلك مضاربة، وإذا صح هذا وجب متى اشتركا في عمل البدن أن يصح لإيقاعهما العقد على المعنى الذي يقصد له وهو الأصل فيه، ولأن العمل أحد نوعي القراض فصحت الشركة به كالمال، ولأن كل ما جاز أن يستفاد به الربح في حق أحدهما جاز أن يشتركا عليه كالمال.
[١٠٢٣] مسألة: وتجوز الشركة في الاصطياد والاحتطاب، خلافاً لأبي
стр. 487
حنيفة؛ لأنها شركة بدن في تكسب مباح كالخياطة والقصارة، ولأن الحاجة في التعاون إلى ذلك كالحاجة إليه في سائر الصناعات.
[١٠٢٤] مسألة: ومن شرط شركة الأبدان اتفاق الصنعة المشتركة فيها، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه اشتراك القصّار والدبّاغ؛ لأن أحدهما لا رفق له في شركة الآخر، ولا حاجة به إلى معاونته، ولا تعلق لكسبه في عمله، فلم يبق إلا قصدهما الغرر والقمار، ولأن كل واحد منهما يشارك الآخر فيما ينفرد بكسبه بمشاركة الآخر في مثل ذلك، فأشبه أن يقول: اتجر في مالك لنفسك، وأتجر أنا في مالي لنفسي، فما ربحت فلك نصفه وما ربحت لي نصفه.
[١٠٢٥] مسألة: شركة المفاوضة جائزة في الجملة، خلافاً للشافعي؛ لأنه نوع شركة فيما يصلح انعقاد الشركة عليه بوجه ينفرد باسم، فوجب أن يكون منه الصحيح والفاسد كالضمان، والتقييد بشركة المفاوضة احترازاً من شركة الوجوه؛ لأن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، وتعلق الوكالة بها كتعلقها بالضمان، وإنما تزيد بالكفالة، وذلك لا يمنع صحتها.
[١٠٢٦] مسألة: فصل: وليس من شرطها: أن تكون رؤوس الأموال فيها متساوية، خلافاً لأبي حنيفة، وكذلك ليس من شرطها ألا يبقى لأحدهما مال إلا ويدخل في الشركة، خلافاً له؛ لأن كل شركة جازت مع تماثل رؤوس الأموال جازت مع اختلافها كالعنان، ولأن عقد الشركة يقتضي بيع نصيب أحدهما بقسطه من نصيب الآخر، وتوكيل أحدهما الآخر في التصرف، وذلك لا يفتقر إلى تساوي المالين.
[١٠٢٧] مسألة: شركة الوجوه باطله، وصفتها: أن يتجرا بوجوههما ويشتريا في ذممهما، ويكون ما حصل من كسب بينهما وما حصل من
стр. 488
ضمان عليهما، وقال أبو حنيفة تصح.
فدليلنا: أنها شركة بغير مال ولا صناعة فلم تصح، أصله إذا قال بعني عبدك وأنا شريكك في ثمنه.
[١٠٢٨] مسألة: الربح في الشركة يتقسط على قدر رأس المال أو العمل، فإن تفاضلا في رأس المال وشرط التساوي في الربح، أو تساويا في رأس المال وشرط التفاضل في الربح لم يصح، وقال أبو حنيفة يصح مع الشرط.
فدليلنا: أنهما عقدا شركة في مال أو عمل بينهما، فوجب أن يقسّط الربح بينهما على مقداره كما لو أطلقا، ولأن اشتراط العمل على أحدهما استئجار من الآخر له بفضل ربح ماله وذلك غرر، ولأن من قولهم: إنه إذا كان لأحدهم ألف والآخر ألفان، وشرط العمل على صاحب الألفين لم يجز، وإن شرط على صاحب الألف جاز، فنقول: لأن كل واحد ترك العمل المستحق بحق الشركة بما بذل من فضل ربح ماله، كما لو شرط العمل على صاحب الألفين والربح بينهما نصفين، أو شرط أكثر الربح للذي لا يعمل وأقله للذي يعمل.
[١٠٢٩] مسألة: إذا اشتركا شركة فاسدة ثم تصرفا وربحا فإن الربح يقسّم على رأس المال ثم يرجع أحدهما على الآخر بأجرة مثل عمله على ماله.
وقال أبو حنيفة لا رجوع لأحدهما على الآخر بأجرة.
فدليلنا: أن عقد الشركة المبتغى منه الاشتراك في الربح الحادث، فإذا وقع فاسداً وجب أن يستحق العامل أجرة مثل عمله على عامل غيره كالقراض.
***
стр. 489
كتاب الوكالة
[١٠٣٠] مسألة: تجوز وكالة الحاضر، والغائب، والرجل، والمرأة، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لاتصح إلا أن يكون مريضا أو امرأة غير متبرزة؛ فدليلنا عليه أن عليا وكل عقيلا في خلافة أبي بكر، وقيل عمر، ﵄، وقال: هذا عقيل ما قضي عليه فعلي وما قضي له فلي، فلم يختلف عليه أحد، ولا أنكره، ولأن كل توكيل صح مع الغيبة صح مع الحضور، كتوكيل المريض والمرأة، ولأن كل وكالة صحت برضا الموكل عليه صحت مع عدم رضاه، كوكالة الغائب والمرأة التي ليست مبرزة، ولأنه توكيل فيما يصح التوكيل فيه، فجاز مع الغيبة والحضور كالتوكيل في الشراء والبيع.
[١٠٣١] مسألة: يصح التوكيل من غير حضور الخصم ويسمع الحاكم البينة عليهما، وقال أبو حنيفة لا يجوز إلا أن تتعلق الخصومة بحاضر، بأن يدعي على جماعة فيحضر واحد ويغيب الباقون؛ فدليلنا على أن التوكيل في الخصومة يصح في مجلس الحكم وإن لم يحضر الخصم، أنه توكيل على
стр. 490
استيفاء حق يصح التوكيل فيه، فلم يكن من شرطه حضور من يستوفي منه الحق، أصله إذا حضر واحد وغاب الباقون. ولأنه استنابة فيما يصح النيابة فيه، فلم يفتقر إلى حضور الغير فيه كالوكيل في البيع والشراء، ودليلنا أن تثبيت الوكالة يصح من غير حضور الخصم، أن كل من لم يكن رضاه شرطا في تثبيت الوكالة لم يكن حضوره شرطا، أصله غير الخصم، ولأن تثبيت الوكالة لا يتعلق به حق الخصم ولا عليه، فلم يفتقر إلى الحضور فيه لأنه لا تعلق له به.
[١٠٣٢] مسألة: يجوز للوكيل أن يعزل نفسه عن الوكالة من غير حضور موكله، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا شخص فلم يفتقر إلى حضوره، أصله الطلاق، وإن شئت عللت الشخص، فقلت إن كل من لم يكن رضاه شرطا في رفع عقد لم يكن حضوره شرطا فيه، أصله الزوجة في الطلاق، ولأنه عقد جائز فكان لأحدهما فسخه من غير حضور صاحبه كالقراض، ولأنه أحد متعاقدي الوكالة فلم يقف فسخها من جهته على حضور الآخر كالموكل.
[١٠٣٣] مسألة: لا يقبل إقرار الوكيل على موكله لا عند حاكم ولا غيره، وقال أبو حنيفة يقبل إقراره عليه في مجلس الحكم، ولا يقبل في غيره، وقال أبو يوسف ومحمد يقبل في مجلس الحكم وغيره؛ فدليلنا أن التوكيل في الخصومة إذا أطلق تضمن المنع من الإقرار، لأن ذلك ينافي المقصود من التوكيل، لأنه إذا قال له وكلتك على أن تخاصم عني فقد تضمن ذلك طلب الحق وتحصيله، وإثبات البينة به واستخراجه من يد الخصم، والإقرار نقيضه يسقط ذلك كله فكان مقتضى الوكالة مانعا من ذلك، ولأنه إسقاط حق لسبب لا يملك الوكيل إسقاطه به في غير مجلس الحكم، فلم يملك إسقاطه به في مجلس الحكم أصله الإبراء، ولأنه وكيل أقر على موكله بالقبض فلم يقبل، أصله إذا نهاه عنه، ولأنه إقرار من
стр. 491
وكيل على من وكله بقبض ما وكله فيه، فلم يقبل كما لو أقر في مجلس الحكم.
[١٠٣٤] مسألة: يجوز التوكيل في استيفاء القصاص مع غيبة الموكل، خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأن كل ما صحت النيابة فيه لغير المكل صحت مع غيبته، كالبيع واستيفاء الأموال وحقوقها،
[١٠٣٥] مسألة: يجوز للأب والوصي أن يستوفيا مال الصغير وأن يبيعا عليه من أنفسهما ما لم يحابيا، وكذلك الوكيل يشتري ما وكل في بيعه، وأجازه أبو حنيفة في الأب والجد والوصي ومنعه في الوكيل، ومنعه الشافعي في الجميع إلا الأب والجد؛ فدليلنا في الوصي والوكيل وأمين الحاكم، أن تصرف الوصي بولاية فأشبه الأب والجد، ولأنه لما أقامه الأب مقام نفسه ملك أن يبيع من نفسه كالأب، ولأنه متى باع من نفسه بزيادة عل ى ما يباع به عم أنه أراد نفع اليتيم فنفذ تصرفه فيه، كما لو باعه من أجنبي، ولأنه يجوز له بيعه من الأجنبي بما لا زيادة فيه متيقنة، فبيعه من نفسه بالزيادة المتيقنة أولى، ولأن الغرض من البيت حصول الثمن لأعيان المشترين، بدليل أن الوكيل إذا ابتاع لموكله ولم يسمه جاز فإذا ثبت ذلك فمتى حصل الثمن مستوفى فيجب أن يصح الشراء كما لو حصل من أجنبي.
[١٠٣٦] مسألة: إذا وكله في بيع سلعة وكالة مطلقة، لم يجز أن يبيع إلا بثمن مثله نقدا لا نساء، بنقد البلد، وقال أبو حنيفة يجوز له أن يبيع إلى أجل وبغير نقد البلد وبنقصان من ثمن المثل، ووافق في التوكيل في شراء عبد أنه لا يجوز له أن يشتري بأكثر من ثمنه بما لا يتغابن بمثله، ولا إلى أجل، فدليلنا على أنه لا يجوز فيه الغبن المتفاوت به أنه توكيل في معاوضة فوجب أن يقتضي ثمن المثل أو ما يقاربه، أصله التوكيل في الشراء، ولأن كل جهة إذا ملك بها الشراء لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن
стр. 492
المثل، فإذا ملك بها البيع لم يجز أن يبيع بأقل من ثمن المثل كالوصية، ولأن المحاباة في معنى الهبة، بدليل اعتبارها أنها إذا وقعت في المرض من الثلث، وقد ثبت أن الوكيل لا يملك الهبة فلم يملك المحاباة؛ ودليلنا على أنه لا يجوز إلى أجل أن البيع المطلق في الشريعة يقتضي التقدير بدليل أن من قال لرجل بعتك هذا الثوب بدينار فقال: قبلت، اقتضى النقد بحق الإطلاق، فإذا كان الوكيل إنما أذن له في بيع مطلق فكأنه إنما أذن له على وجه المعقول منه، وهو النقد، فلم يجز بيعه على غيره؛ ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي نقد البلد أن الموكل لو باعه بنفسه بيعا مطلقا لاقتضى نقد البلد، فكذلك إذا أذن الموكل فيه.
[١٠٣٧] مسألة: ومن له في ذمة رجل دين، أو غيره عين من الأعيان في غير ذمته، فجاءه من ادعى أنه وكيل صاحب الحق في تسليم ذلك الحق منه، ولا بينه له فصدقه الذي عليه الحق، فلا يجبر على تسليمه، وفصل أبو حنيفة بين العين وما في الذمة، فقال يجبر على أن يعطيه ما في ذمته ولا يجبر على تسليم ما في الأعيان، وقال أبو يوسف يجبر في الوصفين؛ فدليلنا أن كل من لم يبرأ بالدفع إليه، لم يجبر على تسليم الحق إليه كالأجنبي، ولأنه أقر على غيره بالتوكيل فلم يلزمه بحكم ذلك الإقرار تسليم ما في يديه إلى الوكيل كالأعيان.
[١٠٣٨] مسألة: توكيل المراهق لا أعرف نصا فيه، وعندي أنه لا يصح، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن كل من لم يصح أن يوكل، لم يصح أن يتوكل كالمجنون، ولأنه غير مكلف كالصغير والمجنون.
[١٠٣٩] مسألة: اختلف أصحابنا في الوكيل يعزله الموكل فيتصرف بعد عزله وقبل علمه بالعزل، فمنهم من يقول يبطل تصرفه بعزله، علم أو لم يعلم، ومنهم من يقول لا يبطل إذا لم يعلم، وهو قول أهل العراق،
стр. 493
واختلف في ذلك قول الشافعي؛ فدليلنا على أنه لا ينفذ أنه عقد لا يفتقر إلى رضا شخص، فلم يفتقر إلى علمه بفسخه كالطلاق، ولأنه سبب تنفسخ به الوكالة فلم يختلف فيه حكم العلم والجهل، أصله إذا وكله ببيع عبد فباعه الموكل قبل بيع الوكيل، ولأن بقاء الوكالة ليس فيه حق للوكيل، لأن للموكل عزله شاء أو أبى، فكان كالنكاح ليس في إبقائه حق للزوجة، لأن الزوج رفعه بالطلاق الثلاث شاءت أو أبت، فلم يختلف في رفعه حكم العلم والجهل.
[١٠٤٠] مسألة: إذا وكله أن يبيع له سلعة بيعا فاسد كالربا، والغرر، والخمر، والخنزير، لم يصح ولم يملك الوكيل بذلك أن يبيعها بيعا صحيحا، كذلك يجيئ على المذهب، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك؛ فدليلنا أنه توكيل لا يتضمن بيعا شرعيا، فوجب أن لا يملك به الوكيل البيع، أصله إذا وكله في إجارة شيء فباعه فإنه لا يملك بيعه، ولأن كل من لم يملك التصرف على الوجه الذي أذن له فيه لم يملكه على غيره، أصله إذا وكله في أن يزوجه ذات محرم، ولأن الوكيل نائب عن الموكل فيما كان له أن يفعله، وقد ثبت أن الموكل لم يكن له بيع سلعته بما وكله فيه، فكان الوكيل لا يجوز له ذلك أولى.
[١٠٤١] مسألة: إذا وكله في ابتياع شيء فابتاعه له على الصفة التي وكله عليها، فذكر أنه ابتاعه لموكله، فإن الملك ينتقل إلى الموكل دون الوكيل، وقال أبو حنيفة ينتقل أولا إلى الوكيل ثم إلى الموكل؛ فدليلنا هو أنه توكيل في معاوضة فإذا صح العقد الموكل لم ينتقل إلى ملك الوكيل كالتوكيل في النكاح، ولأنه مبتاع لغيره، فإذا لوم الابتياع الغير لم ينتقل إلأيه كالحاكم إذا ابتاع لليتيم.
стр. 494
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإقرار
[١٠٤٢] مسألة: إقرار المراهق لا يصح، وقال أبو حنيفة إذا أذن وليه في التجارة صح؛ فدليلنا أنه غير مكلف فلم يصح إقراره كالصغير.
[١٠٤٣] مسألة: إذا أقر بمال ولم يذكر مبلغه، فاختلف أصحابنا فيه [على أقوال: أحدها أنه يرجع في تفسيره إليه فإذا فسر شيئا] قبل منه، قل أو كثر، ولو قيراطا أو حبة، قاله الشيخ أبو بكر، وهو قول الشافعي، والآخر أنه يلزمه أقل نصاب من نصب الزكاة من نوع أموالهم، وهو قول ابن المواز، والآخر أنه يلزمه أقل ما يستباح به البضع والقطع.
فوجه الأول أنه لفظ مجمل، فإذا لم يكن له تقدير في عرف اللغة والشرع رجع في تفسيره إليه، كما لو قال له عندي شيء أو حق.
ووجه الثاني أن المال له تقدير في اللغة والشريعة، أما في اللغة فإنهم لا يعقلون من قولهم: فلان من أرباب المال، أنه يملك دانقا أو درهما، وإنما يعقلون زيادة على ذلك ببينة، وأما الشرع فقد ثبت أن النصاب مال، لقوله ﵇ (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فلم يثبت لما دونه هذا الاسم يوجب صرف الكلام إليه.
стр. 495
ووجه الثالث أنه إذا ثبت التقدير بما ذكرناه وكان المال اسما لمقدار من الكثرة يزيد على القليل النزر كان أقل تقدين يمكن حمله على ما ذكرناه لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، وقد ثبت أن أول المهور ربع دينار، وقول عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ لا يقطع في التافه وكان يقطع في ربع دينار.
[١٠٤٤] مسألة: إذا قال له علي مال عظيم أو كثير، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من يقول هو كإقراره بمال فقط يرجع في تفسيره إليه، وهو قول الشيخ أبي بكر، ومنهم من يقول لا بد من صفة زائدة، فاختلفوا، فمنهم من يقول أول نصاب من نصب الزكاة، وهو قول أبي حنيفة، وهو الذي اختاره شيخنا رحمة الله عليه، ومنهم من يقول زيادة على أقل مال ويرجع في تفسيره إليه، ويحتمل عندي أن يلزمه بقدر الدية.
وجه القول أنه لا حد في ذلك، أنه لفظ مجمل فوجب أن يرجع في بيانه إليه، أصله قوله علي شيء أو حق، ولأن ألفاظ صاحب الشرع المجملة لما وجب في الرجوع في تفسيرها إليه، كذلك الإقرار وكل مجمل تعلق به حكم، ولأن العظيم لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، ولا في العادة، فإذا لم يثبت تقدير من أحد هذه الجهات وجب الرجوع فيه إلى المقر، كما لو قال له علي مال معلوم أو موصوف.
следующие страницы →