Полный текст (912 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وكيل على من وكله بقبض ما وكله فيه، فلم يقبل كما لو أقر في مجلس الحكم.
[١٠٣٤] مسألة: يجوز التوكيل في استيفاء القصاص مع غيبة الموكل، خلافا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأن كل ما صحت النيابة فيه لغير المكل صحت مع غيبته، كالبيع واستيفاء الأموال وحقوقها،
[١٠٣٥] مسألة: يجوز للأب والوصي أن يستوفيا مال الصغير وأن يبيعا عليه من أنفسهما ما لم يحابيا، وكذلك الوكيل يشتري ما وكل في بيعه، وأجازه أبو حنيفة في الأب والجد والوصي ومنعه في الوكيل، ومنعه الشافعي في الجميع إلا الأب والجد؛ فدليلنا في الوصي والوكيل وأمين الحاكم، أن تصرف الوصي بولاية فأشبه الأب والجد، ولأنه لما أقامه الأب مقام نفسه ملك أن يبيع من نفسه كالأب، ولأنه متى باع من نفسه بزيادة عل ى ما يباع به عم أنه أراد نفع اليتيم فنفذ تصرفه فيه، كما لو باعه من أجنبي، ولأنه يجوز له بيعه من الأجنبي بما لا زيادة فيه متيقنة، فبيعه من نفسه بالزيادة المتيقنة أولى، ولأن الغرض من البيت حصول الثمن لأعيان المشترين، بدليل أن الوكيل إذا ابتاع لموكله ولم يسمه جاز فإذا ثبت ذلك فمتى حصل الثمن مستوفى فيجب أن يصح الشراء كما لو حصل من أجنبي.
[١٠٣٦] مسألة: إذا وكله في بيع سلعة وكالة مطلقة، لم يجز أن يبيع إلا بثمن مثله نقدا لا نساء، بنقد البلد، وقال أبو حنيفة يجوز له أن يبيع إلى أجل وبغير نقد البلد وبنقصان من ثمن المثل، ووافق في التوكيل في شراء عبد أنه لا يجوز له أن يشتري بأكثر من ثمنه بما لا يتغابن بمثله، ولا إلى أجل، فدليلنا على أنه لا يجوز فيه الغبن المتفاوت به أنه توكيل في معاوضة فوجب أن يقتضي ثمن المثل أو ما يقاربه، أصله التوكيل في الشراء، ولأن كل جهة إذا ملك بها الشراء لم يجز أن يشتري بأكثر من ثمن
стр. 492
المثل، فإذا ملك بها البيع لم يجز أن يبيع بأقل من ثمن المثل كالوصية، ولأن المحاباة في معنى الهبة، بدليل اعتبارها أنها إذا وقعت في المرض من الثلث، وقد ثبت أن الوكيل لا يملك الهبة فلم يملك المحاباة؛ ودليلنا على أنه لا يجوز إلى أجل أن البيع المطلق في الشريعة يقتضي التقدير بدليل أن من قال لرجل بعتك هذا الثوب بدينار فقال: قبلت، اقتضى النقد بحق الإطلاق، فإذا كان الوكيل إنما أذن له في بيع مطلق فكأنه إنما أذن له على وجه المعقول منه، وهو النقد، فلم يجز بيعه على غيره؛ ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي نقد البلد أن الموكل لو باعه بنفسه بيعا مطلقا لاقتضى نقد البلد، فكذلك إذا أذن الموكل فيه.
[١٠٣٧] مسألة: ومن له في ذمة رجل دين، أو غيره عين من الأعيان في غير ذمته، فجاءه من ادعى أنه وكيل صاحب الحق في تسليم ذلك الحق منه، ولا بينه له فصدقه الذي عليه الحق، فلا يجبر على تسليمه، وفصل أبو حنيفة بين العين وما في الذمة، فقال يجبر على أن يعطيه ما في ذمته ولا يجبر على تسليم ما في الأعيان، وقال أبو يوسف يجبر في الوصفين؛ فدليلنا أن كل من لم يبرأ بالدفع إليه، لم يجبر على تسليم الحق إليه كالأجنبي، ولأنه أقر على غيره بالتوكيل فلم يلزمه بحكم ذلك الإقرار تسليم ما في يديه إلى الوكيل كالأعيان.
[١٠٣٨] مسألة: توكيل المراهق لا أعرف نصا فيه، وعندي أنه لا يصح، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن كل من لم يصح أن يوكل، لم يصح أن يتوكل كالمجنون، ولأنه غير مكلف كالصغير والمجنون.
[١٠٣٩] مسألة: اختلف أصحابنا في الوكيل يعزله الموكل فيتصرف بعد عزله وقبل علمه بالعزل، فمنهم من يقول يبطل تصرفه بعزله، علم أو لم يعلم، ومنهم من يقول لا يبطل إذا لم يعلم، وهو قول أهل العراق،
стр. 493
واختلف في ذلك قول الشافعي؛ فدليلنا على أنه لا ينفذ أنه عقد لا يفتقر إلى رضا شخص، فلم يفتقر إلى علمه بفسخه كالطلاق، ولأنه سبب تنفسخ به الوكالة فلم يختلف فيه حكم العلم والجهل، أصله إذا وكله ببيع عبد فباعه الموكل قبل بيع الوكيل، ولأن بقاء الوكالة ليس فيه حق للوكيل، لأن للموكل عزله شاء أو أبى، فكان كالنكاح ليس في إبقائه حق للزوجة، لأن الزوج رفعه بالطلاق الثلاث شاءت أو أبت، فلم يختلف في رفعه حكم العلم والجهل.
[١٠٤٠] مسألة: إذا وكله أن يبيع له سلعة بيعا فاسد كالربا، والغرر، والخمر، والخنزير، لم يصح ولم يملك الوكيل بذلك أن يبيعها بيعا صحيحا، كذلك يجيئ على المذهب، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ذلك؛ فدليلنا أنه توكيل لا يتضمن بيعا شرعيا، فوجب أن لا يملك به الوكيل البيع، أصله إذا وكله في إجارة شيء فباعه فإنه لا يملك بيعه، ولأن كل من لم يملك التصرف على الوجه الذي أذن له فيه لم يملكه على غيره، أصله إذا وكله في أن يزوجه ذات محرم، ولأن الوكيل نائب عن الموكل فيما كان له أن يفعله، وقد ثبت أن الموكل لم يكن له بيع سلعته بما وكله فيه، فكان الوكيل لا يجوز له ذلك أولى.
[١٠٤١] مسألة: إذا وكله في ابتياع شيء فابتاعه له على الصفة التي وكله عليها، فذكر أنه ابتاعه لموكله، فإن الملك ينتقل إلى الموكل دون الوكيل، وقال أبو حنيفة ينتقل أولا إلى الوكيل ثم إلى الموكل؛ فدليلنا هو أنه توكيل في معاوضة فإذا صح العقد الموكل لم ينتقل إلى ملك الوكيل كالتوكيل في النكاح، ولأنه مبتاع لغيره، فإذا لوم الابتياع الغير لم ينتقل إلأيه كالحاكم إذا ابتاع لليتيم.
стр. 494
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإقرار
[١٠٤٢] مسألة: إقرار المراهق لا يصح، وقال أبو حنيفة إذا أذن وليه في التجارة صح؛ فدليلنا أنه غير مكلف فلم يصح إقراره كالصغير.
[١٠٤٣] مسألة: إذا أقر بمال ولم يذكر مبلغه، فاختلف أصحابنا فيه [على أقوال: أحدها أنه يرجع في تفسيره إليه فإذا فسر شيئا] قبل منه، قل أو كثر، ولو قيراطا أو حبة، قاله الشيخ أبو بكر، وهو قول الشافعي، والآخر أنه يلزمه أقل نصاب من نصب الزكاة من نوع أموالهم، وهو قول ابن المواز، والآخر أنه يلزمه أقل ما يستباح به البضع والقطع.
فوجه الأول أنه لفظ مجمل، فإذا لم يكن له تقدير في عرف اللغة والشرع رجع في تفسيره إليه، كما لو قال له عندي شيء أو حق.
ووجه الثاني أن المال له تقدير في اللغة والشريعة، أما في اللغة فإنهم لا يعقلون من قولهم: فلان من أرباب المال، أنه يملك دانقا أو درهما، وإنما يعقلون زيادة على ذلك ببينة، وأما الشرع فقد ثبت أن النصاب مال، لقوله ﵇ (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فلم يثبت لما دونه هذا الاسم يوجب صرف الكلام إليه.
стр. 495
ووجه الثالث أنه إذا ثبت التقدير بما ذكرناه وكان المال اسما لمقدار من الكثرة يزيد على القليل النزر كان أقل تقدين يمكن حمله على ما ذكرناه لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾، وقد ثبت أن أول المهور ربع دينار، وقول عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ لا يقطع في التافه وكان يقطع في ربع دينار.
[١٠٤٤] مسألة: إذا قال له علي مال عظيم أو كثير، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من يقول هو كإقراره بمال فقط يرجع في تفسيره إليه، وهو قول الشيخ أبي بكر، ومنهم من يقول لا بد من صفة زائدة، فاختلفوا، فمنهم من يقول أول نصاب من نصب الزكاة، وهو قول أبي حنيفة، وهو الذي اختاره شيخنا رحمة الله عليه، ومنهم من يقول زيادة على أقل مال ويرجع في تفسيره إليه، ويحتمل عندي أن يلزمه بقدر الدية.
وجه القول أنه لا حد في ذلك، أنه لفظ مجمل فوجب أن يرجع في بيانه إليه، أصله قوله علي شيء أو حق، ولأن ألفاظ صاحب الشرع المجملة لما وجب في الرجوع في تفسيرها إليه، كذلك الإقرار وكل مجمل تعلق به حكم، ولأن العظيم لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، ولا في العادة، فإذا لم يثبت تقدير من أحد هذه الجهات وجب الرجوع فيه إلى المقر، كما لو قال له علي مال معلوم أو موصوف.
стр. 496
ووجه إثبات التقدير أن وصفه بالعظيم والكثير يقتضي زيادة صفة على إطلاق الاسم، كما أن قولهم رجل طويل وقصير يقتضي إثبات صفات زائدة على مطلق الاسم، وإذا قلنا أنه يلزمه ما يلزمه بقوله مال فقط ألغينا الصفة، ولا سبيل إلى ذلك، ولأن القيراط والحبة لا يصفها أحد في لغة ولا شرع أنه عظيم ولا كثير، فلم يصح تعلق الحكم به، ولأنه لو قال له علي مال حقير أو قليل أو نزر، ثم وصفه بالدانق والقيراط لقبل ذلك منه، وذلك يقتضي أن يكون وصفه بالعظيم والكثير بخلاف النزارة والقلة.
فإذا ثبت اعتبار التقدير، فوجه القول بالنصاب أنه أقل ما يسمى به مال في الشرع فوجب اعتباره.
ووجه القول أنه يرجع في تفسيرها له غاية، وقد ثبت وجود زيادة على مطلق الاسم ولم يثبت تقدير فيه فوجب الرجوع إليه في تقديره.
ووجه ما ذكرته من اعتبار الدية أن وصفه بالعظيم يقتضي المبالغة فيه فوجب أن يطلب له من التقدير أعلى ما في بابه، لأن ذلك عظيم من وجه وقليل من وجه، والوصف له بالعظيم يقتضي تخصيصه بهذا المعنى وانتقاء غيره عنه، والله أعلم.
[١٠٤٥] مسألة: إذا قال له علي دراهم أو قال دنانير، لزمه ثلاثة دراهم، وهذا مبني على أقل الجمع، فعند مالك أنه ثلاثة، وقال عبدالملك أقله اثنان، فيجب على قوله أنه لزمه درهمان، والكلام في هذا هو الكلام في أصول الفقه، إلا أنا نذكر جملا منه.
فدليلنا على أن أقل الجمع ثلاثة أن أهل العربية قسموا الكلام إلى
стр. 497
توحيد وتثنية وجمع، فيجب انفراد كل واحد من هذه الأقسام بمعناه، وأن لا يحكم لأحدهما بما يحكم به للآخر إلا مجازاً، فكما لا يجوز أن يقال إن التوحيد معقول من إطلاق لفظ الجمع، كذلك في التثنية، لأن في ذلك إبطال التقسيم، ولأن الأصل في اختلاف التسمية والصيغة أنه لاختلاف معني المسميات إلا أن يعلم بدليل أن المعنى واحد، ولأن العرف إذا أطلق القول بأن في الدار رجالا، وأن بمكة ثيابا، أنه أكثر من اثنين فوجب حمل الكلام على مفهوم إطلاقه.
[١٠٤٦] مسألة: إذا قال له علي ألف ودرهم لزمه درهم، ويرجع في بيان جنس الألف إليه، فأي شيء فسره به قبل منه، وكذلك ألف وثوب، أو وعبد، وما أشبه ذلك، لا يكون الثاني في تفسير الأول، وقال أبو حنيفة إن كان المفسر من جنس ما يكال أو يوزن أو يباع عددا كان عطفه تفسير الأول وحمل على أنه من نوعه كقوله: ودرهم وجوزة ومأكول طعام، فإن كان مما لا يكال ولا يوزن ولا يعد لم يحمل على أنه تفسير له؛ فدليلنا أن العطف يكون على [غير] جنسه كقوله ضربت رجلا وثوراً، ورأيت ثوراً وحماراً، فلم يكن تفسير العطف دلالة على أن المعطوف عليه من جنسه، لإمكان أن يكون من غير جنسه، ولا ظاهر في ذلك فيصار إليه، لأن كل عطف لزمه حق لم يكن لازما بما بعده لم يكن تفسيرا لما تقدمه، أصله قوله: علي ألف وثوب، فإذا شئت قلت كل لفظ، وهو أولى من قولك كل عطف، لأنه يستمر في الطرد والعكس، وهذا إذا قال ألف
стр. 498
درهم أو ألف ثوب لما كان قوله درهم وثوب لا يلزم به حق بنفسه كان تفسير لما تقدم.
[١٠٤٧] مسألة: استثناء الأكثر من الأقل يصح، خلافا لمن منعه؛ لأن حقيقة الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب تناوله، هكذا في حده أهل العربية ولم يقصروا ذلك على أن يكون أقل مما بقي أو أكثر، ولأ، الغرض بالاستثناء كأنه استدراك للمتكلم على نفسه فيما أطلقه من الصيغة العامة، وذلك يستوي فيه القليل والكثير، ولأنه في معنى التخصيص، لا فرق بينهما إلا في الاتصال والانفصال وهما يجتمعان في أنهما يخرجان ما لم يرد في الصيغة العامة وقد ثبت أن التخصيص يتناول الأكثر والأقل فكذلك الاستثناء، ولأن المخالف ليس يدعي أن ذلك لا يتأتى، ولكن يقول أنه لم يوجد مستعملا، وهذا القدر لا يضر، لأنا لم نجدهم يستثنون من كل جنس وكل عدد، ولكن لما عرفت أغرضهم في القدر الذي وجد من كلامهم علمنا أنه لا فصل بين الجميع، وكذلك في الاستثناء لا فصل بين القليل والكثير، ولا يلزم على هذا استثناء الكل كما لا يلزم في التخصيص لأن ذلك يبطل معنى الاستثناء لأنه يتضمن إخراج البعض ولا يتضمن ذلك في الكل.
[١٠٤٨] مسألة: الاستثناء من غير الجنس جائز يتعلق به الحكم، وقال أبو حنيفة يصح إذا كان مما يكال أو يوزن أو يعد، كقوله: ألف درهم إلا كرّ حنطة، وإلا مائة جوزة، وما أشبه ذلك، ولا يصح عنده فيما لا يكال ولا يوزن ولا يعد، كقوله: ألف دينار إلا عبدا، أو ثوبا، وقال محمد بن الحسن وزفر لا يجوز الاستثناء من الجنس أصلا، فدليلنا في اللغة واستعمال أهلها ذلك، قال الله تعالى ﴿فسجد الملائكة كلهم
стр. 499
أجمعون. إلا إبليس﴾، فاستثناه وليس منهم. وقال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأً﴾، فاستثناه مما ليس له، وذلك لا يتعلق بما ليس له لا لفظا ولا معنى، لأن الخطأ لا يدخل تحت ما للمكلف أن يفعله وليس له، ونظير ذلك في القرآن كثير، وقال النابغة:
(وما بالربع من أحد ... إلا الأراوي) وليست من جنس واحد.
وقال آخر:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
والأول أقوى، وفائدة هذه المسألة إذا قال له: علي ألف درهم إلا ثوبا، فإنه يستثني فيه ما إستثناه.
[١٠٤٩] مسألة: إذا قال له: علي ألف درهم في كيس أو ثوب أو منديل، أو تمر في جراب كان هذا إقرارا بما في الأوعية ولم يكن إقرارا بالأوعية، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن قوله: في جراب، لا يتضمن أكثر من الإخبار عن وعاء الشيء المقر به، ويحتمل أن يكون الوعاء داخلا في الإقرار ويحتمل أن يكون خارجا عنه، فلم يجز أن يحكم فيه بالشك، ولا يلزم عليه عسل في زق، لأنه لا يتصور انفراده عن وعاء فحكم بدخول وعائه في الإقرار، بخلاف مسألتنا.
[١٠٥٠] مسألة: إذا أقر الأجانب لا يتهم بهم، أقر بعضهم في الصحة ولبعضهم في المرض، وضاقت التركة عن استيفاء حقوقهم، فإنهم يتساوون
стр. 500
في المحاصة، خلافا لأبي حنيفة في قوله يبدأ غرماء الصحة؛ لأنه دين ثبت في المرض فوجب أن يساوي الدين الثابت في الصحة، دليله إذا ثبت بالبينة في المرض، لأنه حق لو ثبت بالبينة في المرض لشارك من يثبت له، فوجب إذا ثبت بالإقرار أن يشاركه صاحبه، ويثبت له مثله حال الصحة، أصله إذا أقر بوارث في المرض، ولأنه معنى ثبت به الدين في المرض فوجب أن يساوي ما ثبت به في الصحة، أصله البينة، ولأنهما لو استويا في ثبوت الدين عليه بإقراره، وجب استواؤهما في التحاص كما استوت حال الإقرار لهما في صحة أو مرض.
[١٠٥١] مسألة: الإقرار في المرض لوارث يثبت إذا كان لا يتهم به، ولا يثبت إذا كان يتهم به، ومنعه أبو حنيفة في الموضعين، والأصح عند أصحاب الشافعي ثبوته في الموضعين؛ فدليلنا على ثبوته مع انتفاء التهمة أنه مكلف أقر بما لا يتهم عليه فقبل إقراره كالأجنبي، ولأنه ممن يصح منه الإقرار للأجنبي مع ارتفاع التهمة، فصح إقراره للوارث مع ارتفاعها كما لو أقر في الصحة، ولأن الناس قد يكون بينهم وبين أقاربهم وورثتهم معاملات ومداينات، كما يكون بين الأجانب ولا يكمنهم فيها إقامة البينة للمشقة، فلو قلنا أن الإقرار لهم في المرض لا يقبل لاشتد على الناس طريق المخلص من المظالم إلا بقطع معاملة الأقارب جملة أو بالإشهاد في كل وقت، وكل ذلك موضوع، لما يلحق فيه من مشقة، ولا يلزم على هذا أن يقال فيه تطريق إلى الوصية للوارث، لأن هناك ما يحسم معه هذا الباب وهو التهمة.
стр. 501
[١٠٥٢] فصل: ودليلنا على منعه مع التهمة، خلافا للشافعي؛ لأن الإقرار لأجنبية للزوم الدين لم يقر له فوجب ألا يثبت مع التهمة للمقر كالشهادة، ولأن المريض محجور عليه لأجل ورثته بدليل أنه ممنوع في مرضه من الهبة والصدقة، ومن الوصية بأكثر من الثلث، ولوارث، فلو أجزنا له إقراره مع التهمة لكان ذلك تطريق إلى فعل ما يمنع منه بالحجر، ولأن حال المرض حال لا يقصد الإنسان فيها قطيعة إلى تفضيل بعض ورثته على بعض، فإذا أقر له بمال على هذا الوجه كان ظاهر حاله تهمته أنه قصد تفضيله بالإقرار عوضا عما لا يتوصل إليه بوصيته أو بهبته، وإذا كان ظاهر أمره تخصيصه بما يقوم مقام ما منع منه صار كالوصية التي ظاهرها التوصل إلى تفضيل بإقامتها مقام ما منع من تفضيله بالميراث، فإذا منع من تفضيله بأحد الأمرين وجب أن يمتنع بالآخر.
[١٠٥٣] مسألة: إذا أقر في المرض بقبض دينه ممن لا يتهم به، قبل إقراره، وبرأ من كان عليه الدين، سواء أدانه في المرض أو الصحة، وقال أبو حنيفة يقبل إقراره بما كان له من دين في الصحة ولا يقبل قبض ما أدانه في المرض إلا ببينة؛ فدليلنا أنه إقرار من مكلف بقبض دينه ممن لا يتهم به فيجب قبوله، أصله إذا أقر بقبض دين أدانه في الصحة ولأنه براءة للأباعد فاستوى فيه الصحة والمرض، كما لو باع دارا في مرض فأقر بقبض ثمنها، ووافقنا في إحدى روايتيه أنه يقبل منه ولكن يكون في الثلث على إحدى الروايتين، والأخرى من رأس المال.
[١٠٥٤] مسألة: إذا قال: لفلان علي درهم، ثم قال: لفلان علي درهم بعد ذلك، لم يلزمه إلا درهم واحد بظاهر إقراره، إلا أن يقول أردت
стр. 502
درهما آخر، سواء كان في مجلس أو مجالس، في يوم أو أيام، وقال أبو حنيفة إن كان في مجلس واحد لم يلزمه إلا درهم واحد، وإن كان في مجلس لآخر، أو يوم آخر، لزمه درهمان؛ فدليلنا أنه أعاد الإقرار على جهته لفظا ومعنى، فوجب أن لا يلزمه بمجرد الثاني حق آخر، دليله إذا كرره في مجلس واحد، ولأنه لو أعاد الإقرار في مجلس الشهود لم يلزمه إلا الدرهم الواحد كذلك في مجلس الحكم.
[١٠٥٥] مسألة: إذا قال: لفلان علي مائة درهم من ثمن شيء باعنيه ولم أقبضه ومنعني منه، وقبل المقر له إقراره بالمائة وأنكر أن يكون باعه شيئا، فالقول قوله أنه لم يبعه شيئا ويحلف، فإذا حلف سقطت المائة عن المقر، وسواء عين أم لم يعين، وقال أبو حنيفة: إذا أقر بالمائة وقال هي ثمن مبيع غير معين حلف المقر له أنه لم يبعه شيئا وكان على المقر مائة، ووافقنا فيه إن كان في بيع معين؛ فدليلنا أنه أقر له بثمن مبيع لم يضمه فإذا جحد المبيع لم يستحق الثمن المقر له به، أصله إذا أقر بثمن مبيع معين.
[١٠٥٦] مسألة: إذا شهد شاهد على رجل أنه أقر لزيد بألف، وشهد آخر أنه أقر بألفين ولم ينسباها إلى جهة، أو نسباها إلى جهة واحد أو نسبها أحدهما وأطلق الآخر، فإن الألف تثبت له بشهادتهما ويحلف على الألف الأخرى مع شاهده، وقال أبو حنيفة لا يثبت بهذه الشهادة شيء أصلاً؛ فدليلنا أن شهادتهما اتفقت على قدر من المال لفظا ومعنى فوجب أن يحكم به أصله إذا شهد أحدهما أنه أقر بألف وشهد الآخر أنه أقر بألف وألف، ولأن الشاهد الآخر شهد بما شهد به الشاهد الأول وزيادة، فوجب أن يثبت الأول كما لو شهد أنه أقر بألف وخمسمائة.
[١٠٥٧] مسألة: الخيار يثبت في الكفالة والضمان، خلافا للشافعي.
[١٠٥٨] مسألة: إذا ترك ابنين فأقر أحدهما بثالث فإن نسبه لا يثبت،
стр. 503
ويشاركه فيما في يده بإقراره فيأخذ ثلث ما معه، وقال الشافعي لا يشاركه أصلاً، وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما في يده.
فدليلنا على الشافعي أن الميراث يتعلق بالتركة فإذا أقر بعض الورثة بنسبه جاز أن يلزم في حصته بإقراره، أصله الدين، ولأن النسب أحد الأسباب التي يستحق بها التوارث، فإذا أقر به بعض الورثة، جاز أن يثبت للمقر له بقدر ما يلزم المقر لو ثبت له النسب أصله الزوجة.
[١٠٥٩] فصل: ودليلنا على أبي حنيفة أن إقرار المقر ليس بأقوى من شهادة شاهدين بنسب المقر له، وقد ثبت أنه لو شهد له شاهدان بنسبه لم يستحق على المقر إلا ثلث ما بيده فكان بأن لا يستحق زيادة على ذلك بالإقرار أولى، واعتبارا بإقراره بالدين والزوجية لأنه لا يلزم للمقر إلا ما لو أقر باقي الورثة معه لزمه مع إقرارهم كذلك في مسألتنا.
[١٠٦٠] مسألة: إذا ترك ابنا لا وارث له غيره، فأقر بأخ لم يثبت نسبه وأعطاه نصف ما في يده، وقال الشافعي يثبت نسبه؛ فدليلنا على أنه إقرار من ولد واحد فلم يثبت به نسب المقر له، أصله إذا كانوا جماعة، ولأن الإقرار في حق الغير ليس بأوكد من الشهادة، وشهادة الواحد غير مقبولة فيه، فالإقرار أولى.
***
стр. 504
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب العاريّة
[١٠٦١] مسألة: سبيل العارية سبيل الرهن، يضمن منها ما يغاب عليه، وقال أبو حنيفة لا يضمن على كل وجه، وقال الشافعي يضمن على كل وجه.
فدليلنا أنها قد أخذت شبها من الأمانة لأن المالك بذل للمستعير منفعتها من غير عوض، فكان كالعبد الموصى بخدمته، وأخذت شبها من المضمون لأنه قبضها لمنفعة نفسه على التجريد، فجاز أن يتعلق بها الضمان فوجب أن يكون حكمها مترددا بين الأمرين، فإذا علم تلفها بغير تفريط منه سقط الضمان.
وعلى أبي حنيفة أن القبض لمنفعة القابض، فجاز أن يتعلق بها الضمان كالقرض.
وعلى الشافعي ما روي: (ليس على المستعير ضمان)، ولأنه حيوان قبضه لمنفعة نفسه، فلم يضمن به مع عدم التعدي كالعبد الموصى بخدمته، ولأنها عين قبضت لاستيفاء منفعة تطوع بها المالك، فلم يضمن مع عدم التعدي كالعبد الموصى بخدمته.
стр. 505
[١٠٦٢] مسألة: إذا أعاره بقعة ليبني فيها أو يغرس فيها فقد لزمه بقبول المعار، وليس له الرجوع فيه قبل انتفاع المستعير، فإن وقّت له مدة لزمه تركه إلى انقضائها، وإن لم يوقّت وأطلق له لزمه ترك مدة ينتفع في مثلها، وقال أبو حنيفة والشافعي له أن يرجع في الموضعين؛ ودليلنا قوله : (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) وقوله ﷺ : (كل معروف صدقة)، ولأن المعير قد ملكه الانتفاع مدة معلومة، وصارت العين في يده بعقد مباح، فلم يكن له الرجوع فيها بغير اختيار المملك كالعبد الموصى بخدمته والعمرى.
[١٠٦٣] مسألة: إذا غرس المستعير وبنى، ثم انقضت المدة المؤقتة أو مدة ينتفع في مثلها، فالمالك بالخيار إن شاء أخذ المستعير بقلع غرسه وبنائه، وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعا إذا كان مما له قيمة بعد القلع، وسواء شرط ذلك في العقد أم لم يشترط، وقال الشافعي إن لم يشترط فليس له مطالبته به؛ فدليلنا أنه رد العارية مشغولة بملكه، فوجب أن يؤخذ بإزالته عنه، أصله إذا رد الدار وفيها متاع، ولأن ما هو من موجب الشيء لا يحتاج إلى شرط، ومن موجب العارية أن يرد العارية فارغة ليتمكن المالك من الانتفاع، ولأن ذلك من معنى تبقية بعض العارية في يده، لأن موضع الغراس لا يمكن للمالك أن يستنفع به، ولا أن يغرس فيه شيئا، ولا أن يزرع، ولا أن يبني، فصار كمن استعار متاعا ثم رد بعضه وبقي البغض في يده فيلزمه رده.
[١٠٦٤] مسألة: إذا استعار دابة من رجل ثم ردها إلى اصطبله ولم يدفعها إليه أو إلى من يجري مجراه من وكيل مفوض إليه لم يسقط عنه الضمان، وقال محمد غبن الحسن يسقط عنه الضمان استحسانا، فدليلنا أن الضمان يسقط بالرد إلى يد صاحب العارية أو من يده كيده، وردها إلى اصطبله لا يجري مجرى ردها إلى يده فكان كما لو أسلمها إلى أجنبي.
стр. 506
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الوديعة
[١٠٦٥] مسألة: إذا قبض وديعة ببينة فادعى ردها لم يقبل منه إلا ببينة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لما أشهد عليه وتوثق منه جعله أمينا في الحفظ دون الرد، فإذا ادعى ردها فقد ادعى براءته بما ليس بمؤتمن فيه، فلم يقبل منه إلا ببينة، ولأن هذا فائدة الإشهاد عليه، فإذا أزلناه لم يبق له فائدة، فإن قيل فائدته أن لا يمكنه جحد الوديعة قلنا دعوى ردها بمنزلة جحدها، فهو يتوصل إلى مراده.
[١٠٦٦] مسألة: إذا أنفق الوديعة ثم رد مثلها أو أخرجها لينفقها ثم ردها فقد سقط الضمان عند مالك فيما ليس له مثل، وقال أبو حنيفة إن ردها بعينها لم يضمن فإن رد مثلها ضمن، وقال عبد الملك والشافعي يضمن في الموضعين.
فدليلنا أن الضمان يتعلق عليه بالإنفاق والأخذ، فإذا زال ذلك وجب أن يزول الضمان لزوال سببه الموجب له، ولا يدخل عليه الإقرار بعد الجحود لأن فسقه قد ثبت فليس بموضع للحفظ، وليس كذلك أخذها ليردها لأنها ليس بتعد منه فيها، لأن فيه تأويلا، وقد كانت الصحابة تتسلف
стр. 507
أموال الأيتام وتسلفه، وكذلك ليس يدخل عليه الغصب، لما ذكرناه.
[١٠٦٧] مسألة: ليس للمودع أن يسافر بالوديعة، فإن فعل ضمن، وقال أبو حنيفة له ذلك إذا كان الطريق آمنا ولم ينهه صاحبها عن السفر بها.
فدليلنا أن السفر لا يحفظ الوديعة إذا أودعت في البلد فضمنها كما لو تركها بموضع خراب لم تجر العادة بأن يحفظ في مثله، ولأن ربها إنما أذن له في حفظها في البلد، ولم يأذن له في إخراجها عنه، كما لو أذن له في حفظها تحت يده ولم يأذن له في إيداعها لغيره، فلما كان متى أودعها لغيره ضمن بتعديه بخروجه في حفظها على الوجه المأذون له فيه، فكذلك إذا سافر به.
[١٠٦٨] فصل: ليس للمودع إيداع الوديعة عند غيره من غير عذر، فإن فعل ضمن، وقال أبو حنيفة إن أودعها عند من يلزمه نفقته لم يضمن؛ فدليلنا أنه أودعها من غير حاجة عند من لم يأتمنه المودع، كما لو أودعها عند أجنبي.
[١٠٦٩] مسألة: إذا أراد السفر فله إيداعها عند ثقة مرضي من أهل البلد، ولا ضمان عليه، قدر على الحاكم أو لم يقدر عليه، واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من يقول إن أودعها لغير الحاكم ضمن، فدليلنا أنه أودعها من الحاجة لثقة مرضي فأشبه إيداعها عند الحاكم، ولأنه أحد سببي حفظها فكان موكلا إلى اجتهاده، كالحرز.
[١٠٧٠] مسألة: إذا أودع عنده بهيمة ولم يأمره أن يعلفها، لزم المودع
стр. 508
أن يعلفها أو يرفعها إلى الحاكم فيتداين على صاحبها في علف، أو يبيعها عليه إن كان قد غاب، فإن تركها ولم يعلفها فتلفت ضمن، وقال أبو حنيفة لا يلزمه علفها؛ فدليلنا أن المودع مأمور بحفظ الوديعة وذلك يتضمن حراستها فيما يعلفها، فكان ذلك عليه، ألا ترى أنه لو آرها في بئر للزمه ردها عن ذلك الموضع، وفي ترك علفها تلفها فكان ذلك ممنوعا منه.
[١٠٧١] مسألة: إذا أمره صاحب الوديعة بدفعها إلى رجل، فدفعها إليه بغير بينة، ضمن إن جحد المدفوع إليه ولم يقبل في قوله بالدفع، خلافا لما يحكى عن أبي حنيفة والشافعي أنه يقبل قول المودع؛ لأن المالك لم يأمره بإتلافها عليه، وفي دفعها إلى من أمر بدفعها إليه بغير بينة إتلافها على المالك، لأنه قد يجحد فلا يمكن المالك أن يقيم عليه بينة، فلا يقبل قول الدافع، لأنه ليس بأمين للمدفوع إليه، والأمين إنما يقبل قوله فيما بينه وبين من ائتمنه فكان مفرطا بذلك، فلزمه الضمان بتعديه، ولأنه أمين دفع ما ائتمن عليه إلى من ائتمنه بغير بينة، فضمن مع الجحود كالوصي إذا دفع مال الأيتام إليهم بغير بينة فجحدوا، أنه يضمن لأنه ليس بأمين لهم، وإنما هو أمين لأبيهم أو الحاكم.
[١٠٧٢] مسألة: إذا أودعه وشرط الضمان لم يضمن، خلافا للعنبري؛ لأن جعل ما أصله أمانة لا يصير مضمونا بالشرط كالشركة والوكالات.
[١٠٧٣] مسألة: إذا سرقت الوديعة لم يكن للمودع أن يخاصم السارق إلا بتوكيل من المالك، هكذا يحكى على أصلنا، وقال أبو حنيفة له ذلك؛ فدليلنا أن الخصومة فيها للمالك، والمودع ليس بمالك ولا مفوض إليه، لأن الإيداع استحفاظ وائتمان، فلا يتضمن الخصومة.
стр. 509
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الغصب
[١٠٧٤] مسألة: العروض والحيوان وكل ما لا يكال ولا يوزن يضمن قيمته، خلافا لما يحكى عن عبد الله بن الحسن العنبري أنه يضمن بمثله من جنسه؛ لقوله ﷺ : (من أعتق شركا له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه)، فألزمه القيمة دون المثل، ولأن الغرض من هذه الأشياء أثمانها، والعين لا تقوم مقام عين أخرى، وليس كذلك ما يكال ويوزن، لأن الغرض مثله دون أعيانه.
[١٠٧٥] مسألة: إذا جنى على سلعة لرجل جناية أتلف عليه الغرض المقصود منها، فصاحبها مخير إن شاء أخذها بما نقص، وإن شاء أخذ قيمة السلعة، سواء كانت حيوانا أو ثوبا، أو غير ذلك، وسواء كان ذهاب غرضه
стр. 510
من جهة المشاهدة مثل أن يبتاع فرسا أو حمارا للركوب فيقطع يده، أو من جهة العادة مثل أن يقطع ذنبه فلا يمكن من جهة العدة الانتفاع به في الوجه المقصود، وقال أبو حنيفة في العبد والثوب إذا ذهب بأكثر منافعه مثل قولنا، وإن ذهب النصف أو أقل لم يكن له إلا ما نقص، وقال الشافعي ليس له في كل ذلك إلا ما نقص، وتفرضها سفهاؤهم ومجانّهم في ذنب حمار القاضي، وذنب حمار الشرطي، قصد للهزل والتهاتر بالدين.
فدليلنا أنه بهذه الجناية قد أتلف على المالك المنفعة المقصودة من سلعته فلزمه قيمتها اعتبارا بإتلاف عينها، لأن بقاء العين مع إتلاف الغرض المقصود منها ألا يقع في الانتفاع بها فيما يقصد منها، فكان كإتلاف عينها.
ودليلنا على أبى حنيفة اعتبارا بذهاب أكثر منافعها.
[١٠٧٦] مسألة: ولا تضمن الجنايات على البهائم بشيء يقدر في قيمتها، وقال أبو حنيفة في الحيوان المنتفع بظهره ولحمه كالبعير والبقرة والدابة إذا قلع عينها لزمه ربع قيمتها؛ فدليلنا أنها جناية على بهيمة فلم يضمن بذلك كقطع يدها، ولأنه حيوان لم يضمن أطرافه بمقدر كالشاة.
[١٠٧٧] مسألة: إذا قصد التمثيل بعبد عتق عليه، خلافا لأبي حنيفة والشافعي، لقوله ﷺ : (من مثل بعبد عتق عليه).
[١٠٧٨] مسألة: زيادة القيمة بزيادة البدن أو بتعليم صناعة، غير
стр. 511
مضمونة على الغاصب، خلافا للشافعي؛ لأن الغاصب ضامن لقيمة الأمة يوم الغصب فما طرأ بعد ذلك على بدنها من نقصان أو زيادة فلا حكم له، لأنه طارئ على عين مضمونة، ولأ، رجوع العين المغصوبة إلى مالكها على صفتها التي غصبت عليه توجب سقوط الضمان، أصله لو لم يزد عبده، ولأنها زيادة قيمة فلم يضمن على الغاصب أصله زيادة الأسواق.
[١٠٧٩] مسألة: بين أصحابنا في منافع الشيء المغصوب إذا استوفاه الغاصب بنفسه واغتلاله من الرباع والحيوان، خلاف كثير يذكر في مسائل الخلاف بين أصحابنا وننظر في هذا الموضع أنه لا يضمن أصلاً، خلافا للشافعي؛ لقوله ﷺ : (الخراج بالضمان)، فعمّ، ولأن الغاصب ضامن لقيمة الشيء المغصوب يوم الغصب يدل عليه أنه يضمنه بالتعدي، وذلك إنما حصل وقت الغصب، فإذا كان كذلك لم يكن لمنافعها حكم في الضمان لأنها تابعة للعين، ولأن الحكم إذا ثبت في الرقبة لم يكن في المنافع حكم وكانت تابعة له اعتبارا بمن تزوج أمة ثم ابتاعها، والعقد ينفسخ لثبوت الحكم في الرقبة، ولأن منافع الحيوان لا تضمن بالغصب، أصله منفعة الحر والحرة، ولأن للأمة منفعة، من منفعة الاستخدام، ومنفعة البضع، والسيد يملك المعاوضة عليها جميعاً، ثم إحدى المنفعتين وهي منفعة الاستمتاع لا تضمن بالغصب كذلك المنفعة الأخرى.
[١٠٨٠] مسألة: ولد المغصوبة الحادث بعد الغصب غير مضمون على الغاصب، وفي الحمل خلاف، وقال الشافعي كل ذلك مضمون؛ فدليلنا أن الغصب لم يتناول الولد الحادث فأشبه ولد المودوعة والعارية، ولأنه نماء حادث كالسمن، وقد دللنا عليه، ودليلنا على أن الحمل غير مضمون أنه نماء من جسمها بحال الغصب فلم يضمن على الغاصب كالسمن.
[١٠٨١] مسألة: إذا أكره حرة على الزنا فعليه الحد والمهر، وقال أبو
стр. 512
حنيفة لا مهر عليه، فنقول إنها حرة لم ترض ببذل بضعها بغير عوض فوطئها من يحد في وطئها ويضمن الجناية عليها فلومه المهر لها، أصله إذا وطئها بشبهة، وفيه احتراز من الزانية ومن غيرها من الحربي والذمي.
[١٠٨٢] مسألة: العقار يضمن بالغصب، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن كل معنى يضمن به ما ينقل ويحول من الأعيان فإنه يضمن به ما لا ينقل منها ولا يحول، كالقبض في البيع، ولأن العقار والنخل والشجر أعيان تضمن بالقبض في عقد، فوجب أن تضمن بالغصب كالذي يتأتى بعلة، ولأنه سبب للضمان فوجب أن يضمن به العقار كالإتلاف، ولأن حق الغصب في ما ينقل ويحول موجود في العقار فتعلق به الضمان.
[١٠٨٣] مسألة: إذا غصب ساحة فبنى عليها لزمه قلع البناء وردها، خلافا لأبي حنيفة؛ في قوله لا يلزمه قلعه، وعليه قيمتها؛ لقوله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، ولأنها عين غصبها لو أراد ردها لكان له، فإذا امتنع أجبر على ذلك، أصله إذا لم يبن عليها، ولأنه شغل ملك الغير بملك له لا حرمة له غصبا، فوجب أن يلومه رده، أصله إذا غصب أرضاً وبنى فيها.
[١٠٨٤] مسألة: إذا فتح قفصاً فيه طائر فطار منه ضمنه، هاجه أو لم يهجه، طار عقيب الفتح أو بعد مهلة، وقال أبو حنيفة لا ضمان عليه على كل وجه، وقال الشافعي إن لم يهجه فلا يضمن وإن هاجه ضمن، فدليلنا أنه سبب لإتلافه بدليل أن الطير كان لا يقدر على الخروج قبل الفتح فإذا
стр. 513
فتح القفص صار له طريق إلى الخروج. فإذا طار فقد تلف على صاحبه بسببه فضمنه كحافر البئر يتلف فيها الإنسان.
[١٠٨٥] مسألة: إذا تعذر على الغاصب رد المغصوب بإبقاء العبد وشرود الدابة وغير ذلك، وأخذ المالك القيمة فإنها تصير ملكا للمغصوب منه، ويصير الشيء المغصوب ملكا للغاصب، فإذا وجد لم يكن للمالك رد القيمة وأخذه، وقال الشافعي يرد القيمة ويرتجع السلعة؛ فدليلنا أن القيمة بدل عن العين المغصوبة فإذا تعذر تسليمها كانت القيمة بدلا منها، فوجب أن يملك كالثمن في المبيع، ولأن ضمان القيمة لو لم يكن سببا للتمليك لأدى إلى اجتماع العوض والمعوض في ملك واحد فيما يصح تمليكه لعقود المعاوضات، وذلك خلاف الأصول.
[١٠٨٦] مسألة: إذا أراق خمراً على ذمي أو أتلف عليه خنزيراً على وجه التعدي فعليه القيمة، خلافا للشافعي؛ لأنه أتلف عليه ما يعتقده مالا له ظلما، فوجب أن يضمن قيمته، أصله إذا أتلف عليه ما يصح تمليكه في حق المسلم، ولأن حفظ ماله والكف عن إتلافه عليه مستحق علينا كاستحقاقه في حفظ نفسه، فلما كانت نفسه مضمونة بالإتلاف فكذلك ماله.
стр. 514
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشفعة
[١٠٨٧] مسألة: الشفعة بالجوار لا تستحق، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) ففيه ثلاثة أدلة: أحدها أنه أخبر عن محل الشفعة أنه فيما لم يقسم، فانتفى بذلك وجوبها في غيره، والثاني دليل الخطاب وهو أنه لما علقها بغير المقسوم دل على أن المقسوم بخلافه، والثالث نصه على سقوطها مع القسمة، ولأنه ملك محوز بحدود، أصله إذا كان بينهما طريق نافذ، ولأن كل شفعة تستحق بالشركة فإنها تسقط مع القسمة، أصله الدار تكون بين ثلاثة، فإن لكل واحد منهم الشفعة فيما يبيع شريكه فإذا قسموها وجعل باب أحدهم في الوسط، وباب كل واحد من الآخرين في الطرف، ثم باع صاحب الطرف، فإن الشفعة لصاحب الوسط ولا يكون لصاحب الطرف الآخر شفعة فيما يبيعه صاحب الآخر، وقد كان له شفعته في هذا المبيع قبل القسمة، وإنما سقطت بالقسمة.
стр. 515
[١٠٨٨] مسألة: اختلف عنه في الثمار فقال فيها الشفعة وقال لا شفعة فيها، فدليلنا على إثبات الشفعة أنها معلقة في الملك من غير صنعة آدمي بأصل تجب فيه الشفعة يخاف سوء المشارك فأشبه الفحل والبئر.
[١٠٨٩] مسألة: الشفعة على قدر الأنصباء، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن الشفعة معنى يستفاد بالملك فوجب أن تكون معتبرة بالملك لا بقدر الملاك، أصله غلة الدار وكسب العبد، ولأن مرافق الأموال تتوزع على قدر مقادير أملاك الشركاء في القلة والكثرة، كالربح في الثمار وأجرة المساكن، ولأن الشفعة مستحقة لإزالة الضرر المتأبد، لولاها لم يكن إزالته لحق واجب وهو أن يطالب المشتري والشريك بالقسمة فيلزمه، فيدخل عليه الضرر من وجوه نقصان قيمة نصيبه إذا انفرد، واستئناف مرافق وزيادة مؤنة، فالضرر يدخل عليه على حسب ملكه، ولأن الدار إذا قسمت قسطت مؤنة البناء في القسمة على قدر الملك لا على قدر الرؤوس، فإذا كانت الشفعة مستحقة لهذا وجب أن يستحق بقدر الملك، لأن هذا الضرر إذا وجد فقسط بحسب المال وكذلك إذا رفع.
[١٠٩٠] مسألة: طلب الشفعة ليس على الفور، وعنه في انقطاعها للحاضر روايتان: إحداهما أنه تنقطع بعد سنة، والأخرى أنها لا تنقطع إلا بأن يأتي عليه من الزمان ما يعلم به أنه تارك لها، وقال أبو حنيفة إنه على الفور. وهو أظهر أقاويل الشافعي. فدليلنا قوله ﵇: (الشفعة فيما لم يقسم) ولم يعلقه بحد، ولأن المطالبة حق للشفيع، والأصل أن كل من ثبت له حق فله أخذه، وله تركه أيّ وقت شاء، إلى أن يقوم دليل على
стр. 516
تعلقه بوقت يفوت بخروجه هذا أصل بنينا عليه هذا الباب، ولا ينتقض بأعيان المسائل، ولأنه حق من جهة استيفاء مال لم يكن فيه تفريط ولا تدليس، فم تجب المطالبة فيه على الفور، أصله المطالبة بالديون، ولأن على الشفيع إضرارا في المطالبة على الفور، لأنه قد يعلم ببيع الشقص في وقت لا يكون معه ثمنه، فيحتاج إلى تحصيل الثمن وبيع ما يحصله به، وذلك يقتضي مهله يمكنه فيها، وكذلك قد يكون المشتري عمّر الشقص فيجب له قيمة العمارة، ويتعذر على الشفيع قيمة الشقص في الوقت، والضرر غير جائز.
[١٠٩١] مسألة: تستحق الشفعة في النكاح والإجارة والخلع، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : (الشريك شفيع) وقوله: (الشفعة فيما لم يقسم) ولم يفرق، ولأنه نوع معاوضة يملك به ما يجب فيه الشفعة، فجاز أن تستحق به الشفعة كالبيع.
[١٠٩٢] فصل: ويؤخذ الشقص بقيمته، خلافا للشافعي في قوله مهر المثل؛ لأن ذلك يوجب تقويم البضع في حقوق الأجانب، ولأن في ذلك ضررا على المرأة وعلى الشفيع، لأنه قد تكون قيمته أضعاف مهر المثل، بأن يكون الزوج قد سامح المرأة، وتقول لا أرضى ببذل بضعي بمهر المثل، فإذا كلفنا المرأة مهر المثل عوضا منه أضررنا بها، وكذلك عكسه في حق الشفيع فكانت القيمة أعدل.
[١٠٩٣] مسألة: إذ أخذ الشقص بالشفعة ثم خرج مستحقا فالعهدة على المشتري، وقال ابن أبي ليلى: على البائع، وقال محمد بن الحسن: إذا كان الشفيع أخذ الشقص من البائع فعهدته عليه؛ ودلينا أن الشفيع ملك الشقص عن المبتاع، فوجب أن يرجع عليه دون غيره كالمبتاع مع البائع.
стр. 517
[١٠٩٤] مسألة: المسلم والذمي في استحقاق الشفعة سواء، خلافا لأحمد بن حنبل وداود في قولهما لا شفعة للذمي؛ لقوله ﷺ : (الشريك شفيع)، فعم، ولأنه حق وضع لإزالة الضرر فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب، ولأنه معنى يستفاد بالملك كالاستخدام.
[١٠٩٥] مسألة: لا شفعة في العروض والحيوان، خلافا لمن يحكى عنه ذلك؛ لقوله ﷺ : (الشفعة فيما لم يقسم)، وقوله (إذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، ولأنه مما ينقل ويحول كالذهب والفضة.
[١٠٩٦] مسألة: إذا اشترى شقصا فيه الشفعة بثمن إلى أجل وكان الشفيع ثقة مليا، فله أخذه بالثمن إلى أجل، وإلا أتى بثقة ملئ وكان له أخذ الشقص، خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنه ليس له إلا أن يأخذه بالثمن حالا، أو يؤخر بالمطالبة إلى الأجل؛ لأنه لو لم يجب بها الأخذ على ما قلناه لم يخل بأحد من أمرين إما أن يأخذها نقدا، وذلك زيادة عليه على ما أخذه المشتري، فلم يجز كالزيادة عليه في الثمن، ولأن الأجل يأخذ قسطا من الثمن فكان كالزيادة في مقداره، أو أن يؤخر الأخذ بها إلى أن يحل الأجل وذلك غير جائز، لأنه حق وجب له يملك أخذه بمثل ما عاوض المشتري عليه، فكان له ذلك كالمبيع بالنقد وإذا انتفى الأمران لم يبق إلا ما قلناه.
[١٠٩٧] مسألة: اختلف عن مالك في الهبة لغير ثواب وفي الصدقة هل تجب فيها الشفعة، فعنه روايتان: إحداهما وجوب الشفعة، والأخرى سقوطها، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ ودليلنا على وجوبها
стр. 518
قوله ﷺ : (الشفعة في كل شرك)، وقوله: (الشريك شفيع)، ولأنه ملكه باختياره فوجب تعلق الشفعة به كالبيع وبذلك فارق الميراث.
[١٠٩٨] مسألة: إذا اشترى شقصا في أرض فيها نخل وشجر مثمر فشرط الثمر، فللشفيع أخذ الأرض بالثمرة وإن يبست وجذبت، وقال الشافعي يأخذ الشقص دون الثمرة؛ فدليلنا أنها ثابتة في أصل البيع غير مزايلة له من غير فعل آدمي قد ضمتها الشفعة، فوجب أن يجري فيها حكم الشفعة كالشجرة.
[١٠٩٩] مسألة: الشركاء الأقرباء في السهم أحق من الشركاء الأجانب، وقال أبو حنيفة كلهم سواء، وهو أحد قولي الشافعي؛ فدليلنا قوله ﷺ : (الشفعة في كل مشترك) وهذا يفيد أنواع الشركة، ولأنه نوع من الشركة فوجب أن يتعلق به استحقاق الشفعة كالاشتراك في الشراء.
[١١٠٠] مسألة: الشفعة موروثة، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : (من ترك مالا أو حقا فلورثته)، ولأنه خيار ثبت لدفع الضرر عن ماله، فجاز أن يقوم الوارث مقامه كخيار الرد بالعيب، ولأنه حق مستفاد بالملك، فجاز أن يورث كثمار الشجر ونتاج الماشية.
[١١٠١] مسألة: إذا بنى المشتري في دار، أو غرس ثم أراد الشفيع الأخذ بالشفعة فإنه يأخذ الشقص بقيمة البناء والغرس، وليس له إجبار المشتري على قلع البناء والغراس، وقال أبو حنيفة له ذلك؛ فدليلنا
стр. 519
قوله ﷺ : (ليس لعرق ظالم حق)، فكان له حرمة وحق، ولأنه بنى مباحا في ملك صحيح، فلم يستحق عليه قلعه وإتلافه، كالذي لا يستحق عليه شفعة، واعتبار الزرع.
[١١٠٢] مسألة: اختلف قول مالك في الحمام وغيره مما لا يقسم إلا بإفساده عما هو عليه، فقال فيه الشفعة، وقال لا شفعة فيه، وكذلك الأرحية والطريق وغيرهما، وعند أبي حنيفة أن فيه الشفعة، وعند الشافعي لا شفعة فيه؛ ودليلنا أنه لا شفعة فيه أن كل مالا يقسم لضرر فلا شفعة فيه، كالعروض؛ ووجه إثبات الشفعة أنها مستحقة من أجل الضرر وسوء المشاركة فيما لا يدخل الانقسام في جنسه وتأبد الضرر فيه كالذي يدخله القسمة.
[١١٠٣] مسألة: الشفعة في البئر والفحل إذا كان الأصل لم يقسم، خلافا للشافعي؛ لقوله ﷺ : (الشفعة في كل مشترك) فعم، ولأنه تابع لأصل لم يقسم يجب في الأصل الشفعة ويتعدى ضرر الشركة فيه إلى الضرر في الأصل، فوجب أن تجب فيه الشفعة ببقاء الأصل.
[١١٠٤] مسألة: للشفيع ترك الشفعة بعوض يبذل له عليها، خلافا للشافعي؛ لأنه عوض عن إزالة ملك في تمليك فجاز له أخذه كأخذ العوض عن تمليك زوجته أمرها والخلع به.
[١١٠٥] مسألة: إذا كان ثلاثة شركاء في عقار باع اثنان منهم حصصهما من رجل واحد صفقة واحدة، ثم طالب الشريك الثالث بالشفعة، لم يكن له تبعيض الصفقة على المشتري، فإما أخذ الكل أو ترك، وقال الشافعي له أن يأخذ حصة أحد البائعين. فدليلنا أنها صفقة جمعت ما يستحق الشفيع أخذه
стр. 520
بالشفعة في الكل، فلم يكن له تفريق الصفقة، أصله إذا كان البائع واحداً.
[١١٠٦] مسألة: إذا أقر البائع ببيع الشقص وأنكر المشتري الشراء، لم يكن للشريك المطالبة بالشفعة إلا بعد أن يثبت الشراء، خلافا لأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي لأن المشتري أصل للشفيع وعنه يملك الشقص وعهدته عليه، فإذا لم يثبت شراؤه لم يستحق الشفعة.
[١١٠٧] مسألة: إذا كان ثلاثة شركاء فاشترى أحدهم من الآخر حصته ثم طالب الثالث الذي لم يبع بالشفعة، كان الشقص بينه وبين الشريك المشتري على قدر أملاكهما، وقال بعض الشافعية جميعه للشريك الثالث، ولا يكون للشريك المشتري شيء أصلاً؛ فدليلنا قوله ﷺ : (الشفعة في كل مشترك)، وقوله: (الشريك شفيع) ولأنه شقص وجب فيه الشفعة، فوجب أن تستحق لجميع الشركاء الذين لم يبيعوا، أصله إذا كان المشتري أجنبيا، ولأنه شريك في الشقص المبيع، فوجب أن يستحق الشفعة فيما باعه شريكه، والشريك الذي لم يشتر، ولأن المعنى الذي استحق الشريك الذي لم يبع الشفعة شركته في الملك، والشريك المشتري مساوٍ له فيه، فوجب أن يساويه في الاستحقاق.
[١١٠٨] مسألة: إذا حط البائع عن المبتاع بعض الثمن بعد لزوم العقد، نظر فإن كان يسيرا يشبه أن يكون الباقي ثمنا للشقص حط عن الشفيع، وإن كان شيئا كثيرا لا يبتاع بمثله، كان ذلك هبة للمشتري ولا يحط عن الشفيع، وقال أبو حنيفة يحط كله، وقال الشافعي لا يحط في الموضعين جميعا، فدليلنا على أنه يحط ما يشبه أن الذي يلزم الشفيع القدر الذي بذل المشتري في المعاوضة عن الشقص دون ما زاد عليه، والذي بذل هو ما بقي بعد الحط فوجب أن يكون ذلك هو الذي يلزم الشفيع، ولا يدخل عليه الحط الكثير الخارج عن العادة، لأن لذلك وجها حمل عليه
стр. 521
وهو الهبة دون قصد المشاحة في البيع، ولأن ذلك كأنه فسخ للعقد الأول بالعوض الثاني؛ ودليلنا على أن الحط الكثير لا يجب حطه عن الشفيع أنه هبة فلم يسقط بها عن الشفيع فألزمه كما وهب له الثمن كله بلفظ الهبة، ولا يشبه اليسير لأن الباقي لا يخرج عن أن يكون ثمناً فيحمل الحط على أنه فسخ للعقد وبيع مستأنف.
[١١٠٩] مسألة: الشقص المبيع بالخيار لا تجب الشفعة فيه إلا بانبرام البيع، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، وقال أبو حنيفة والشافعي إن كان الخيار للبائع فلا شفعة، وإن كان للمشتري لزمت الشفعة؛ فدليلنا أنه عقد موقوف على الخيار، أصله إذا كان للبائع، ولأن العقد لا يتم ما دام الخيار باقياً، والشفعة إنما تجب بعد تمام البيع، ولأن أحكام العقد المتضمن للخيار لا تختلف بكونه للبائع أو للمشتري، بدليل أنه لا يستحق فيه النقد، ولا يمكن التصرف في أحدهما بغير الاختيار، وكذلك الشفعة.
[١١١٠] مسألة: إذا اشترى شقصا، فانهدمت الدار بسيل أو حريق أو بأمر من الله تعالى، أو هدّم هو، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها على ما هي عليه بجميع الثمن لا ينقص منه شيء، إلا أن يكون المبتاع باع شيئا من خشبها أو نقضها، فيقاصّ به، وقال أبو حنيفة إن انهدمت بأمر الله تعالى أخذها بجميع الثمن، وإن هدمها هو ضمن، وللشافعي قولان؛ فدليلنا أن المشتري تصرف بنفسه في ملكه والشفيع يأخذ منه على وجه الشراء أو التقديم عليه في الملك، فلم يكن له النقصان من الثمن مع بقاء الأعيان المعقود عليها، لأنه لم يختر بقائها على ملك غيره، اعتبارا بها إذا انهدمت بأمر من قبل الله .
стр. 522
كتاب القراض
[١١١١] مسألة: لا يجوز القراض إلا بالذهب والفضة دون العروض والطعام والحيوان، خلافا لما يحكى عن ابن أبي ليلى والأوزاعي من إجازة ذلك كله؛ ودليلنا أن موضوع القراض أن ينفرد رب المال برأس ماله، ويكون حق العامل في الربح مشتركا هو ورب المال فيه على شرطهما، وتجويز القراض بالعروض يؤدي إلى مشاركة العامل لرب المال في رأس ماله وأن ينفرد المالك بالربح ويذهب عمل العامل باطلا لأن رأس المال إذا كان عرضا لم يخل أن يكون مما له مثل أو لا مثل له، فإن كان مما مثل له، كالطعام وغيره، فإن العامل يحتاج عند المفاضلة إلى رد مثله، وقد يعقدان القراض على كر حنطة يساوي وقت العقد عشرة دنانير فيعمل العامل ويربح عشرة أخرى فإذا أراد المفاضلة جاز أن يغلو ثمنه، فيساوي الآن عشرين فينفرد رب المال برأس المال وبالربح، وجاز أن يرخص فيساوي خمسة دنانير فيشارك العامل رب المال في قطعه من رأس ماله، وإن كان مما لا مثل له فالاعتبار بقيمته، فلا يخلو أن تكون معتبرة وقت العقد أو وقت المفاضلة، ولا يجوز اعتبارها وقت العقد، لأنه يؤدي إلى ما ذكرناه، وكذلك وقت المفاضلة، وإذا أدّى إلى هذا وجب منعه.
[١١١٢] مسألة: لا يجوز القراض بالورق المغشوش، خلافا لما يحكى عن أبي حنيفة أن الغش إذا كان أقل من الفضة جاز؛ ودليلنا أنه غش
стр. 523
فلم يجز، اعتبارا به إذا زاد على الفضة، ولأنها فضة وسلعة كما لو كانا متميزين، ولأن هذا مبني على منع التعامل بها، قال القاضي إسماعيل إن التعامل بها من الفساد في الأرض.
[١١١٣] مسألة: إذا قال خذ هذا العرض فبعه واعمل بثمنه قراضا، أو صرّف هذه الدنانير، أو اقبض من فلان ديني واعمل به قراضا، فلا يجوز ذلك، وإن وقع كان فاسد، خلافا لأبي حنيفة في قوله إنه جائز ويكون قراضا، لأنه يؤدي إلى أمور ممنوعة، أحدها أن يزداد أحدهما على الآخر زيادة على ما شرطا من الربح، ويستبد به فيصير كأنه قال له قارضني على أن الربح بيني وبينك على نصفين وعلى أن الزيادة لي، وهي أن تخدمني شهرا أو تخيط لي ثوبا، وموضوع القراض على أن لا يحصل لأحدهما نوع من النفع ينفرد به عن الآخر لئلا يخلو المال من ربح فينفرد رب السلعة بتلك المنفعة، ومنها أن رب المال يتعجل الفائدة من بيع السلعة، وربما خسر العامل فلم يحصل له الربح، فيذهب عمله باطلا واستبد رب المال بالفائدة من بيع السلعة، ومنها أنها تصير حصة رب المال مجهولة بأنه جعلها النصف من الربح وبيع العامل للسلعة ولا يعلم قيمة أجرته، ومنها أنه يؤدي إلى أن يكون رأس المال مجهولا لأنه لا يدري بكم يبتاع هذه السلعة، فإذا أدى إلى ذلك وجب منعه.
[١١١٤] مسألة: اختلف عن مالك عما يجب في القراض الفاسد، والظاهر أنه قراض المثل، وقيل أجرة المثل؛ ووجه ذلك أن الأصول موضوعة على أن شبهة كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك، وكذلك القراض، وليس في الأصول عقد يرد فاسده إلى صحيح غيره أو فاسده، ولأن العامل دخل على مثل ما دخل عليه رب المال من رجاء الفضل ونماء المال، لا على أن يأخذ أحدهما مما سوى ذلك من مال لآخر، ألا ترى أنه إذا كان في المال خسران لم يؤخذ جبرانه من مال العامل، فكذلك إذا لم يكن ربح لا يستحق العامل شيئا على رب
стр. 524
المال مع الفساد، لأن جهة الاستحقاق لم تحصل به.
ووجه أجرة المثل أن العامل دخل على أن يستحق عوضا على عمله من الربح لا على أنه متطوع، فإذا لم يسلم له ما شرطه، لفساد العقد، وجب رد منافعه عليه، لأنه لم يحصل له ما شرط له في مقابلتها، كالبيع إذا وقع فاسدا ولم يستحق الثمن على المشتري إن له رد المبيع إن كان قائماً، وقيمته إن كان قد تلف، ولأن القراض ضرب من الإجارة فله حكمها إلا فيما خصّ به مما يفارقها فيجب أن يستحق أجرة المثل في القراض الفاسد، كما يستحق أجرة المثل في الإجارة الفاسدة إذا استوفيت المنافع.
[١١١٥] مسألة: إذا قال قارضتك على أن لك شركا في الربح أو شركه، جاز وكان عليه قراض المثل، وقيل له النصف، وفرق محمد بن الحسن بين أن يقول: لك شرك أو شركة، فأجازه في قول شركة، وقال يكون له النصف، ومنعه في قوله شركا وقال يكون القراض فاسداً، وما قاله غلط، لأن الشرك إذا أطلق يجري لفظه مجرى الشركة كما يقال لفلان شرك في هذه الدار أو شركة. وقال الشاعر:
وشاركنا قريشا في علاها ... وفي أحسابها شرك العنان
أراد شركة العنان.
[١١١٦] مسألة: إذا تقارضا على أن يكون الربح كله للعامل أو لرب المال جاز وكان قراضا صحيحا، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون فاسدا، إلا أن أبا حنيفة يقول إن شرط الربح للعامل صار المال قرضا عليه، وإن
стр. 525
شرط لرب المال صار بضاعة في يد العامل فيكون الربح لرب المال والأجرة للعامل؛ فدليلنا على صحة العقد أنه لا يمتنع تضمين العقد للعوض ثم يثبت له حكمه إذا وقع، وإن سقط فيه العوض، كالخلع إذا قصد أن يطلقها على وجه الخلع بغير عوض، كان له حكم الخلع وإن لم يكن فيه عوض، كذلك هذا، ولا ينزل أمره على أنه وهب له قسطه من الربح ولا يخرج العقد بذلك عن موضعه، ودليلنا على أنه لا يكون قرضا أن رب المال والعامل دخلا على القراض فشرط رب المال كون الربح كله للعامل هبة منه له حقه من الربح وذلك جائز، أصله لو وهب له بعد العقد، ولأن القراض غير القرض وقد دخل رب المال على أن لا يكون في ذمة العامل وأن يكون في أمانته، فلا يجوز أن يكون على خلاف ذلك.
[١١١٧] مسألة: إذا شرط رب المال على العامل ألا يبيع إلا من فلان، ولا يشتري إلا من فلان، أولا يشتري إلا نوعا مخصصا مما لا يعم وجوده، كان القراض فاسدا، وقال أبو حنيفة يصح؛ ودليلنا أن كل شرك في عقد يؤدي إلى فوات المقصود بالعقد، أو تعذره فإنه مبطل له، أصله إذا باعه سلعة على أن لا يتصرف فيها أولا يبيعها، أو تزوج امرأة وشرط ألا يطأها، وهذه صفة تنازعنا فيه في شرط خصوص التصرف من الوجوه التي ذكرناها فوجب فساد العقد إذا وقع عليها.
[١١١٨] مسألة: إذا قارض رجلين على أن يعملا في المال ولرب المال النصف، ولأحدهما الثلث وللآخر السدس، لم يجز إلا أن يتساويا في الربح، خلافا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما احتج به ابن القاسم من أنهما
стр. 526
شريكان في العمل بأيدهما فلا يجوز تفاضلهما في الربح اعتبارا بالشركة المنفردة، ولأنه قد ثبت أن رجلين لو دفعا إلى رجل مالا قراضا على أن لأحدهما الثلث وللآخر السدس وللعامل النصف لم يجز، والعلة فيه تفاضلهما في شركة، هما متساويان في أصلها، كذلك في مسألتنا.
[١١١٩] مسألة: إذا غصب منه دنانير أو دراهم ثم ردها عليه، فقال لست أريد قبضها ولكن اعمل بها قراضا جاز ذلك، وقال بعض أصحاب الشافعي لا يجوز؛ فدليلنا أن الشيء المغصوب باق على ملك صاحبه وهو في يد الغاصب يتمكن من التصرف فيه، فصح أن يقارضه عليه كالوديعة سواء.
[١١٢٠] فصل: ويزول عنه بذلك ضمان الغصب، خلافا للشافعي في قوله إنه مضمون عليه إلا أن يدفعه، أو يدفع ما يشتر به إلى ربه؛ لأنه ممسك للمال بأمر مالكه فزال الضمان عنه بالغصب، كما لو قال هو عندك وديعة، ولأن هذا مبني على أن يجوز رهن المغصوب فيسقط ضمان الغصب.
[١١٢١] مسألة: ولا يجوز في القراض المطلق أن يبيع بنسيئة، إلا إذا أذن رب المال، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه بالنسيئة قد أخرج المال عن يده، وذلك خلاف مطلق العقد، ولأن المالك إنما رضي بتصرفه في المال على أن يكون في يده، لا على أن يجعله في ذمة غيره، فإذا خالف ضمن كسائر التعدي.
[١١٢٢] مسألة: يجوز في القراض المطلق أن يسافر به ما لم ينه عنه، وعن أبي حنيفة رواية أنه لا يجوز؛ ودليلنا أن القراض يقتضي التصرف في المال على العادة في طلب تنميته، والعادة جارية بالتجارة سفرا وحضرا، فإذا أطلق الإذن فقد دخل على العادة، فيتضمن ذلك التصرف كل ما يعتاد مثله، ولا يلزم عليه النسيئة، لأنا لا نمنعها للعادة، لكن إن لرب المال أن يمنعه ولا يأذن له في إخراج المال عن يده إلى ذمة غيره، ولأن من
стр. 527
السلع ما قد جرت العادة بأنه لا يشترى إلا في السفر ولا ينمى المال إلا فيه، وإلا أن يحمل إلى المواضع المقصودة به، فإذا ثبت أن له أن يشتري تلك السلعة ثبت له أن يسافر بها لأن تنميتها لا تحصل إلا به.
[١١٢٣] مسألة: لا يجوز أن ينضم إلى القراض عقد شركة، وقال أصحاب الشافعي يجوز ما لم يشترطا تفاضلاً في الربح، ودليلنا أن عقد القراض مستثنى من الأصول الممنوعة فلا يجوز إلا بقدر ما وردت الرخصة به، ولأنه لما لم يجز أن ينضم إليه عقد إجارة، فكذلك لا يجوز أن ينضم إليه عقد شركة.
[١١٢٤] مسألة: لا يجوز أن يقارضه على أن يستدين على مال القراض ويكون الربح بينهما، ولا يجوز ذلك للعامل، وقال أبو حنيفة يجوز بإذن برب المال ولا يجوز بغير إذنه، ودليلنا أن ذلك قراض وعقد شركة، وقد منعناه، ولأن عقد شركة الوجوه عندنا باطلة لو انفردت، فإذا انضمت إلى القراض كان أولى بالبطلان، ولأنه لو قال لو ابتداء استدن وأتجر على أن يكون الربح بيننا نصفين لم يجز، لأنها مضاربة بغير مال فكذلك إذا انضم إليه مال، لأن قدر ما يستدين ليس لرب المال رأس مال فيه، ولأنه لو دفع إليه مائة نقداً وعرضاً بمائة قراضاً لم يجز مع كون العرض مالاً مجملاً، فإذا قال استدن بمائة كان بالمنع أولى، ولأن كل ما لو انفردت المضاربة به لم يجز، فكذلك إذا انضم إلى رأس ماله، أصله القرض.
[١١٢٥] مسألة: لا ينفرد ملك العامل للربح إلا بالمفاصلة، وقال أبو حنيفة بالظهور، وهو أحد قولي الشافعي، ودليلنا أنه لو خسر بعد الربح لجبر رأس المال من الربح قبل المفاصلة، ولو كان ملكه متقررا على أن الربح لم يجبر به كما لو كان بعد المفاصلة، ولأنه لو كان رأس المال ألفين، فاشترى به عبدين، قيمه كل واحد ألفان، فأعتق العامل أحدهما، لم يعتق، لأنه لا يملك فيهما شيئاً، والعلة فيه أن المقاسمة لم تحصل، فلم يلتفت إلى الربح في هذه الحالة.
стр. 528
[١١٢٦] مسألة: للعامل إذا شخص بالمال أن ينفق في سفره منه ما يحتاج إليه لأجل السفر، والأظهر عند أصحاب الشافعي أنه ليس له ذلك؛ ودليلنا أن العامل إنما سافر بالمال طلبا للفضل لا تطوعا، فلو قلنا إنه لا يستحق النفقة لأذهبت نفقته بربحه وبأضعافه، ولأن ذلك يصير زيادة ينفرد بها رب المال، وذلك خلاف موضوع القراض، ولأن سفره لما كان لأجل المال وطلب تنميته صار كبعض كلف المال ومؤنة الأجراء.
[١١٢٧] مسألة: لا يجوز التوقيت في القراض بأن يقارضه إلى مدة معلومة لا يفسخها قبلها، ولا على أنه إذا انقضت المدة انفسخ العقد، فلم يجز أن يبيع ما اشتراه من المتاع ولا أن يستأنف شراء غيره، ومتى وقع العقد على ذلك كان فاسداً، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز؛ ودليلنا أن القراض من العقود الجائزة لأنه كالوكالة وهو متضمن لمعناها، لأن المال للمالك، وإنما يتصرف العامل فيه لطلب الفضل فيه والنماء نيابة عن المالك، والقدر الذي يفترقان فيه أن التوكيل لا يتضمن شركة الوكيل للموكل في الربح، والقراض يتضمن ذلك، فإذا ثبت ذلك صح أنه من العقود الجائزة فيجب أن يكون ما أخرجه إلى اللزوم باطلاً لأنه يخرجه عن بابه وأصله، وتوقيته يقتضي اللزوم فوجب فساده.
[١١٢٨] مسألة: وليس للعامل أن يبضع ولا يودع إلا من ضرورة فإن فعل من غير ضرورة ضمن، وقال أبو حنيفة له ذلك من غير ضرورة؛ ودليلنا أن رب المال رضي بأمانة العامل ونظره دون نظر غيره وأمانته، فكان العامل متعديا بتسليم المال إلى غيره وإخراجه عن يده، فوجب أن يضمن كالوكيل إذا وكل غيره فيما اؤتمن عليه ولم يؤذن له، ولأنه دفع إليه المال على وجه الأمانة ليكون في يده، فلم يجز له دفعه إلى غيره أصله المودع.
[١١٢٩] مسألة: إذا شرط رب المال على العامل الضمان فالقراض فاسد، وقال أبو حنيفة العقد صحيح، والشرط باطل؛ فدليلنا أن القراض
стр. 529
عقد غرر مجوز مستثنى من الأصول، فلم يجز فيه إلا قدر ما ورد به الشرع، ولأن موضوعه على الأمانة، فإذا شرط فيها الضمان فقد عقد على خلاف موضوعه فوجب أن يفسد، أصله الصرف إذا شرط فيه ترك القبض، ولأن القراض موضوع على التساوي، فإذا شرط الضمان فذلك زيادة لا يقتضيها العقد، فوجب فساده كما لو شرط ربحا معلوما.
[١١٣٠] مسألة: إذا باع رب المال سلعة من مال القراض وقف ذلك على إجازة العامل، وقال أبو حنيفة إذا كان بقيمتها فأكثر جاز، وإن كان بأقل فللعامل الخيار؛ فدليلنا أنه بائع لعين منع من بيعها لتعلق حق الغير فيها، فلم يجز بيعه إلا بإذن من له حق فيها، أصله بيع الراهن والمفلس والبيع بدون القيمة.
[١١٣١] مسألة: إذا نهى رب المال العامل عن التصرف، وقد صار ديونا، فعليه التقاضي إلى أن ينض رأس المال فإن كان فيه فضل لزمه التقاضي وإن لم يكن فيه فضل لم يلزمه؛ ودليلنا أن العامل دخل على أن يكون العمل كله عليه، كان هناك ربح أم لا، فإذا تركه ديونا احتاج ربه إلى التقاضي وذلك زيادة من العامل عليه فلم يجز، لأنه معنى يتوصل به إلى توفية رب المال رأس ماله، فكان لازما للعامل دون رب المال، أصله إذا كان المال عروضا أن للعامل بيعها.
стр. 530
كتاب المساقاة وكراء الأرض
[١١٣٢] مسألة: المساقاة على النخل جائزة، خلافا لأبي حنيفة؛ لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر من تمر وزرع، ولأنه مال لا ينمى بنفسه وإنما ينمى بالعمل عليه، فإذا لم تجز إجارته جاز العمل عليه ببعض نمائه، كالدنانير والدراهم.
[١١٣٣] مسألة: وتجوز في الكرم والشجر والأصول التي لها ثمرة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز إلا في النخل والكرم؛ ودليلنا أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل، فعم، ولأنه أصل له ثمرة، فجازت المساقاة عليه كالنخل والكرم، ولأن المعنى الذي له جازت في النخل والكرم أن المالك قد يعجز عن تعهده والقيام عليه بالسقي والتنقية، فجازت المساقاة عليه لهذه الضرورة، وهذا موجود في سائر الأصول.
[١١٣٤] مسألة: المساقاة على ثمرة موجودة جائزة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز؛ ودليلنا أن المساقاة إنما جازت لحاجة الثمرة إلى السقي والتنقية، وضرورة المالك إلى استنابة غيره، وهذا يستوي فيه حال عدمها
следующие страницы →